← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ومن قال بعدم صحته فلا شك أنه قد أخطأ. ولكن اعتقاد الماتريدية بأن هذا الدليل هو المقصود بقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢]. اعتقاد باطل وفهم سقيم لكلام الله والذي جعلهم يقولون هذا هو اعتقادهم أن الإله بمعنى الآله- اسم فاعل- وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع (١). فالإله عندهم هو بمعنى الرب وأن الآية دلت على انتفاء ربيَّن فقط وذلك بتقدير امتناع الفعل من رَبَّين فالآية عندهم دلت على نفي الشرك في الربوبية فقط وهو مطلوب دليل التمانع بينما الآية قد " دلت على ما هو أكمل وأعظم من هذا وأن إثبات ربيَّن للعالم لم يذهب إليه أحد من بني آدم ... ولكن الإشراك الذي وقع في العالم إنما وقع بجعل بعض المخلوقات مخلوقة لغير الله وفي الإلهية بعبادة غير الله تعالى واتخاذ الوسائط ودعائها والتقرب إليها ... فأما إثبات خالقين للعالم متماثلين فلم يذهب إليه أحد من الآدميين، وقد قال تعالى وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ والرسل دعوا الخلق إلى توحيد الإلهية وذلك متضمن لتوحيد الربوبية كما قال كل منهم لقومه اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وإلا فمجرد توحيد الربوبية قد كان المشركون يقرون له وذلك وحده لا ينفع وهؤلاء الذين يريدون تقرير الربوبية يظنون أن هذا هو غاية التوحيد ... وهذا من أعظم ما وقع فيه هؤلاء ... من الجهل بالتوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب " (٢).فأدلتهم "وإن كانت صحيحة فلم تنازع في هذا التوحيد أمة من الأمم وليست الطرق المذكورة في القرآن هي طرقهم كما أنه ليس مقصود القرآن هو مجرد ما عرفوه من التوحيد" (٣). فعلى هذا هنالك فرق كبير بين مطلوب الآية ومطلوب دليل التمانع، فمطلوب الآية هو إثبات توحيد الإلهية بفساد العالم لو وجد من يستحق العبادة مع الله أحد غير الله تعالى. بينما مطلوب دليل التمانع هو إثبات توحيد الربوبية بفساد العالم لو وجد خالق آخر للعالم. فالفرق بين المطلوبين فرق شاسع فكيف يصح القول بأن مطلوب الآية هو مطلوب دليل التمانع؟! توحيد الإلهية: لم تتعرض الماتريدية- كغيرها من الفرق الكلامية- لتوحيد الإلهية ولم يتنبه أحد منهم إليه مع أنه قطب رحى الدين وأول وآخر دعوة الأنبياء والمرسلين ولم يفرقوا بين توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية بل خلطوا بين معنى الإلهية ومعنى الربوبية وظنوا أن معنى الإلهية هو القدرة على الاختراع فلذا اعتقدوا أن توحيد الربوبية هو المقصود في قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] ونحوها من الآيات وظنوا بأن المراد بالتوحيد- الذي هو حق الله على عباده- هو مجرد توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم وظنوا أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد وأن من جاء به فقد أخلص الدين كله لله وصار مؤمنا موحدا ..... وجهل الماتريدية بهذا النوع من التوحيد الذي هو أصل الأصول وأس الدين وأساسه يرجع لفساد أصل منهجهم في التلقي حيث إنهم تلقوا عقيدتهم من العقل بزعمهم ولم يتلقوها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فضلوا وأضلوا المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٩٥ - ٢١٥

стр. 772

إن المتكلمين من الماتريدية والأشعرية لا يوجد عندهم "توحيد الألوهية" فليس عندهم بعد توحيد الذات إلا نوعان من التوحيد: الأول: توحيد الصفات. الثاني: توحيد الأفعال. أما توحيد الصفات فقد عرفت في الفصول السابقة أن توحيدهم هذا فيه تلحيد وإلحاد وتخريف وتعطيل وتحريف. حيث أرادوا تحقيق التنزيه فوقعوا في أقبح التشبيه. فشبهوا الله بالحيوانات العجماوات، والجمادات الصامتات، والمعدومات، اللاشيات، والممتنعات المستحيلات المحالات. فنعوذ بالله من تفسيرهم الذي يورث التعطيل والتحريف والتشبيه كما قاله الإمام الأشعري ﵀. أما توحيد الأفعال: فهو أشهر أنواع التوحيد عندهم، وهو توحيد الربوبية، والخالقية، بمعنى "أن الله خالق العالم وحده، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، والغاية، وأنه معنى "لا إله إلا الله"؟ حيث إنهم فسروا "الألوهية بمعنى "القدرة على الاختراع" (١). فعطلوا صفة "ألوهية" الله تعالى، وحرفوها إلى صفة "الخالقية" و"القادرية". ولذلك نرى الماتريدية والأشعرية يعرّفون التوحيد بتعريفات مجملة ناقصة غير جامعة لأهم أنواع التوحيد ألا وهو "توحيد الألوهية" الغاية العظمى. وقد سبق أن ذكرنا نصوصهم في تعريف التوحيد" (٢).حتى أن الشيخ محمد عبده ماتريدي الأزهر (١٣٢٣هـ) صرح بأن "توحيد الربوبية" هو الغاية حيث قال بعد تعريفه: "وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ ... ". (٣). فأنت ترى أن هذه التعريفات التي ذكرنا عن الماتريدية تدور حول "توحيد الربوبية" وأنه هو الغاية، ولا تتناول "توحيد الألوهية"؛ مع أنه أهم أنواع التوحيد كلها، وهو الغاية العظمى والمقصد الأسنى الأسمى. وليس توحيدُ "الربوبية" "الخالقية" هو "الغاية العظمى". وقد وصل بعض الكوثرية في الهذيان إلى حد قالوا: إن تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية، "والألوهية" من مخترعات ابن تيمية (٤). مع أن تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية يوجد في كلام الإمام أبي حنيفة ﵀ حيث قال في صدد إقامة الحجة العقلية على علو الله تعالى:"والله يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء (٥). وقد قال الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى (٣٢١هـ):"نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله، إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره" (٦). فقوله: "إن الله واحد" توحيد إجمالي يشمل الأقسام كلها، فهو "المقسم" "الكلي" وقوله: "ولا شيء مثله" توحيد الأسماء والصفات، وقوله: "ولا شيء يعجزه" توحيد الربوبية، وقوله: "ولا إله غيره" توحيد الألوهية.

стр. 773

وخرق بعضهم فارتكب حمقاً جلياً فقال: إن القائل "ربي الله" معترف بتوحيد الربوبية والألوهية جميعاً (١). فجعل مشركي العرب موحدين معترفين مؤمنين بلا إله إلا الله!. وكفى به ضلالاً مبيناً، ومن لوازمه: أن من قال: لا رب إلا الله فهو مسلم؛ لأن هذا القائل عند هذا الأخرق - كمن قال: لا إله إلا الله!!!. وأشنع وأبشع من هذا كله ما ارتكب من يدعي "محمد بن علوي المالكي" من تزوير وتدليس وتحريف وتلبيس؛ حيث صرح دون حياءٍ؛ بأن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم: من اعترافهم بأن الله هو الخالق الرازق الرب المدبر المحيي المميت، وقولهم: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، بل كانوا هازلين في جميع ما اعترفوا به (٢). قلتُ: هذا تكذيب صريح لله تعالى وكتابه المهيمن وإفساد وإلحاد إلى الغاية. وهكذا تلعب البدع والخرافات بأهلها حتى أوصلتهم إلى هذا الحد. وقد ذكرني هذا اللعاب الذي لعب بكتاب الله حتى ظن أنه هزل لا جد - ما هذى ابن سينا الحنفي القرمطي (٤٢٨هـ) وكثير من كبار أئمة الكلام أمثال: الغزالي (٥٠٥) والرازي (٦٠٦هـ) من الأشعرية، والتفتازاني (٧٩٢هـ) والبياضي (١٠٩٨هـ) من الماتريدية، من أن الكتب السماوية وملل الأنبياء، إنما جاءت بما يوافق ظاهر اعتقاد الجمهور من أن الله تعالى فوق العالم استدراجاً لهم إلى الدين الحق لئلا يتنفروا عن قبول الدعوة ولا يتسارعوا إلى الإنكار والعناد. وليس القصد بنصوص كون الله تعالى فوق العالم، أن الله فوق العالم حقيقة. قلتُ: الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد في الخرق والحمق والسفسطة والقرمطة - فهو ساقط عن مرتبة الخطاب إلى اصطبل الدواب. الحاصل: أنه لا يوجد عند هؤلاء المتكلمين "توحيد الألوهية" بوجه أتم وأكمل مفسر ومفصل. فإن قيل: إن "الألوهية" تدخل في الصفات. قلنا: لا شك أن صفة "الألوهية" من أعظم صفات الله تعالى التي انفرد بها. ولكن الماتريدية والأشعرية لم يثبتوها "صفة" لله تعالى؟. لأنهم حصروا صفات الثبوتية الذاتية - التي يسمونها - "صفات المعاني". في أربع على الاتفاق، وهي "الحياة" "والعلم" "والقدرة" "والإرادة" على تفلسف فيها واختلفوا في "السمع والبصر". وزادت الماتريدية صفة "التكوين" خلافاً للأشعرية، ولكن الخلاف في الحقيقة راجع إلى اللفظ، وأن "التكوين" عبارة عن القدرة والإرادة. أما صفة "الكلام" فقد عرفت أنهم عطلوها وحرفوا نصوصها إلى "الكلام النفسي" وقالوا جهاراً دون إسرار بلا حياء ولا تقى: بخلق القرآن، وبخلق أسماء الله تعالى الحسنى. فأين في هذه الصفات المحصورة "صفة الألوهية" التي هي غاية خلق الجن والإنس ولتحقيقها أنزلت الكتب وأرسلت الرسل؟! بل الماتريدية أرجعوا هذه الصفة العظيمة إلى صفة "التكوين" "والصنع" و"الاختراع" ويشهد لذلك وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن العلامة الكشميري أحد كبار أئمة الماتريدية الديوبندية (١٣٥٢هـ) قد قال: "الأسماء الحسنى عبارة عن الإضافات عند الأشاعرة، أما عند الماتريدية فكلها مندرجة في صفة التكوين" (٣). قلتُ: من المعلوم أن في أسماء الله الحسنى "الاسم الأعظم" وهو "الله" كما أن فيها اسماً حسناً آخر لله وهو "الإله".

стр. 774

وهذان الاسمان الحسنان يدلان على صفة "الألوهية" لله تعالى أقطع دلالة فكيف تكون صفة "الألوهية" من صفات الأفعال التي مرجعها إلى صفة التكوين؟! مع أنها من أعظم صفات الله الثبوتية الذاتية. الوجه الثاني: أن الماتريدية فسروا "الإله" بالصانع القادر المالك صرح بذلك خيالهم الذي غلب أفكاره خيالات كلامية (٨٦٢هـ)،وكستليهم (٩٠١هـ) وبهشتيهم (٩٧٩هـ) وجنديهم (؟) وغيرهم من الماتريدية والرستمي من الفنجفيرية النقشبندية (١). الوجه الثالث: أن الإمام أبا منصور الماتريدي (٣٣٣هـ) وكبار الماتريدية بعده يحتجون على إثبات توحيد الربوبية الخالقية وكون الله تعالى صانعاً وحده، للعالم ومحدثاً له. بما يسمونه "برهان التمانع". فقالوا: واللفظ للتفتازاني فيلسوف الماتريدية (٧٩٢هـ): "المحدث للعالم هو الله تعالى، أي الذات الواجب الوجوب ... ، الواحد، يعني: أن صانع العالم واحد ... والمشهور في ذلك بين المتكلمين "برهان التمانع" المشار إليه بقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢] وتقريره: أنه لو أمكن إلهان لأمكن بينهما تمانع، بأن يريد أحدهما حركة زيد، والآخر سكونه ... وحينئذ إما أن يحصل الأمران - فيجتمع الضدان، أولا - فيلزم عجز أحدهما ... " (٢). فأنت ترى أيها المسلم إلى هؤلاء الدهماء كيف قلبوا آية عظيمة جاءت لتقرير توحيد الألوهية "العبادة" إلى كونها برهان التمانع على إبطال صانعين ربين لهذا العالم؛ ففسروا الإله "بالرب الخالق". وفسروا صفة "الألوهية" بالربوبية والخالقية والصانعية والمالكية. فوقعوا في خرق وحمق، وخرجوا على لغة العرب، وعطلوا صفة "الألوهية"، وحرفوا نصوصها إلى صفة "الربوبية الخالقية الصانعية"؛ لأن تفسير صفة بأخرى - كتفسير "اليد" بالقدرة أو النعمة - تعطيل وإبطال لها. حتى بشهادة الإمام أبي حنيفة ﵀ وشهادة ثمانية من كبار أئمة الماتريدية. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني ٣/ ١٦٣ - ١٧٠

стр. 775

تمهيد لقد عرضت للمعطلة بما فيهم الماتريدية شبهة - هي أساس كل فساد وضلال- حول صفات الله تعالى، ونصوصها في الكتاب والسنة، وهي أن ظاهر نصوص الصفات تشبيه الله تعالى بخلقه، ولو تركنا هذه النصوص على ظاهرها بدون تفويض أو تأويل، وأثبتنا ما تدل عليها دلالة حقيقة من العلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، والغضب، والرضى، ونحوها، ولم نصرفها إلى المعاني المجازية، يلزم من ذلك تشبيه، وهذا يخالف التنزيه. وهذه الشبهة هي أصل أصولها الثلاثة الأخرى، وهي: ١ - أن العقل يستحيل ما تدل عليه ظواهر هذه النصوص، وهي ظواهر ظنية في معارضة البراهين العقلية القطعية فنقدم عليها البراهين العقلية. ٢ - أما هذه الظواهر الظنية فهي إما أن نفوض معانيها إلى الله تعالى كما فعله السلف في زعمهم الباطل. ٣ - وإما أن نؤولها بأنواع من المجازات إلى معانٍ توافق البراهين العقلية، كما سيأتي تفصيل ذلك في الفصول الثلاثة الآتية. وأنا بمشيئة الله تعالى أتحدث في هذا المبحث عن هذه الشبهة التي هي أم الشبهات، وأذكر تاريخها، ثم أذكر نماذجها عن كتب الماتريدية حيث طبقوها عملياً على صفات الله تعالى، ثم أناقشهم في المبحث الثاني بتوفيق الله ، فأقول وبه أستعين. لما كانت قلوب السلف الصالح وفيهم الإمام أبو حنيفة سليمةً وفطرهم مستقيمةً، وأذهانهم صافيةً مطهرةً من أرجاس الفلسفة وأنجاس بيئة الكلام، لم يخطر ببالهم أن نصوص الصفات توهم التشبيه ولا ظنوا أن صفات الله تعالى تشبهُهُ صفاتُ المخلوقين، فكان منهجهم إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً في بعض الصفات كالقول في بعضها على طريقة واحدة، فلم يكن عندهم شيء من التشبيه والتعطيل ولا عندهم شيء من التفويض والتأويل كما سيأتي. وتحقيقاً لما قلنا وتمثيلاً لذلك أُقدِّم نصاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ليكون قولا فاصلا قاطعا قاضيا على الماتريدية:"وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه، واليد، والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته، أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، هو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفة بلا كيف، وغضبه، ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" (١).وقال: "لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله تعالى بشيء في ذاته، ولكن نصفه بما وصف سبحانه به نفسه .. " (٢).وقال: "لا يوصف الله بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه ... " (٣). فهذه عقيدة الإمام أبي حنيفة - تمثل عقيدة السلف في الصفات وتقضي على شبهة التشبيه أولاً وعلى التفويض ثانياً والتأويل ثالثاً. ولكن الحنفية الماتريدية لسبب تأثرهم ببيئة الجهمية تخيلوا من صفات الله تعالى ما يليق بالمخلوقين فكان هذا هو الدافع لهم على التفويض أو التأويل كما كان الجهمية الأولى تزعم أن إثبات الصفات لله تعالى كفر وتشبيه؛ بل القرامطة الباطنية بنوا التعطيل على هذه الشبهة نفسها.

стр. 776

قال الإمام أحمد عن الجهم (١٢٨هـ): " ... ووجد ثلاث آيات من المتشابه قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١]، وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ الأنعام:٣ [، لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ] الأنعام:١٠٣ [] فهي أصل كلامه على هذه الآيات، وتأويل القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ ، وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله ﷺ كان كافراً، وكان من المشبهة. فأضل بكلامه بشراً كثيراً، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية" (١).وقال: "وقالوا: لم يتكلم ولا يتلكم، لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح منفية" (٢).وقال: "وقالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كون شيئاً فعبر عن الله وخلق صوتاً فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف، ولسان وشفتين" (٣).هذه كانت شبهة الجهمية في التعطيل بشهادة الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة. وتبعهم في ذلك الحنفية الماتريدية حذو النعل ورددوا صداهم وطبقوها عملياً فترى كتب الماتريدية مكتظة بهذه الشبهة الجهمية الدافعة لهم على تحريف النصوص وتعطيل الصفات تحريفاً يسمونه تأويلاً، فنراهم كلما يؤولون صفة من صفات الله تعالى يتشبثون بتلك الشبهة الباطلة (٤).ويزعمون أن حمل هذه النصوص على ظاهرها يستحيله العقل فهي إما أن يفوض في معانيها أو تؤول فهم أولاً وقعوا في التشبيه، وثانياً فروا منه، وثالثاً حرفوا النصوص، ورابعاً عطلوا الصفات، وخامساً وقعوا فيما فروا منه من التشبيه والتمثيل بل أشد منه حيث وصفوا الله بصفات المعدوم بل الممتنع (٥).

стр. 777

كما سيأتي شرحه إن شاء الله، وسادساً وقعوا في التناقض الواضح والاضطراب الفاضح حيث أثبتوا بعض الصفات وعطلوا بعضها بهذه الشبهة الجائزة مع أن تلك الشبهة موجودة فيما أثبتوه من الصفات أيضاً إذ لا فرق بين ما أثبتوه وبين ما نفوه، ولذلك نرى الجهمية الأولى والمعتزلة ينفون جميع الصفات بتلك الشبهة والغلاة من الجهمية ينفون الأسماء أيضاً (١).لأن هؤلاء الماتريدية على عادة المعطلة يتبادر إلى أذهانهم أن صفات الله تعالى من جنس صفات المخلوقين فتخيلوا من صفات الله تعالى ما تخيلوا من صفات المخلوقين من اللوازم كما خيل ذلك إلى الجهمية الأولى فقاسوا لخالق على المخلوق كما حقق ذلك شيخ الإسلام وغيره (٢). قال الإمام أبو محمد عبدالله بن يوسف الجويني (٤٣٨هـ) والد إمام الحرمين في صدد بيان انشراح صدره للعقيدة السلفية ورجوعه عن العقيدة الجهمية (أبو إبراهيم بن شيخ الحزاميين الواسطي ٧١١هـ):"والذي شرح الله صدري في حال هؤلاء والشيوخ الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء والنزول بنزول الأمر، واليدين بالنعمتين، والقدرتين - هو علمي بأنهم ما فهموا من صفات الرب تعالى إلا ما يليق بالمخلوقين فما فهموا عن الله استواءً يليق به، ولا نزولاً يليق به، ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف، ولا تشبيه، فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه، وعطلوا ما وصف الله تعالى نفسه به ... " (٣).ونقدم إلى القراء الكرام أمثلة واقعة لتطبيق الماتريدية تلك الشبهة الجهمية على صفات الله؛ ليعلم القراء أن أصل بلاء الجهمية جميعاً هي هذه الشبهة الفاسدة (٤).

стр. 778

أولاً: صفة علو الله تعالى: الماتريدية فهموا من نصوص علو الله على عرشه وفوقيته على عباده أنه يلزم من ظاهرها أن الله تعالى في الجهة، وأنه محاط وكل ذلك وصف الخلائق (١)، وأن من كان في جهة لابد أن يكون بينهما مسافة مقدرة، ويتصور أن تكون أزيد من ذلك أو أنقص أو مساوية (٢)، ولو كان في جهة لزم قدم المكان والجهة والحيز ولزم كونه جاهزاً، وجسماً، ومركباً أو يكون محلاً للحوادث (٣)، وأيضاً: إما أن يساوى الحيز أو ينقص عنه فيكون متناهياً أو يزيد عليه فيكون متحيزاً (٤).قلت: بناءً على هذه الشبهة حرفوا نصوص العلو وعطلوا صفة العلو ووصفوا الله بصفات الممتنعات، فقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه (٥). وأنه ليس في الجهات الست لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف (٦).وأنه ليس على العرش ولا على غيره، ولا فوق العرش (٧)، فليس الله فوق العالم (٨)، ويكفرون من وصف الله تعالى بأنه في السماء أو وصفه بأنه فوق (٩).وقالوا: من جوز في معبوده الدخول أو الخروج والاستقرار فهو عابد وثن (١٠). وأن المشبهة - يعنون من أثبت الاستواء- لاحظ لهم من الإسلام غير أنهم جعلوا صنمهم الأرضي صنماً سماوياً (١١)، وأن الله تعالى لا على شيء ... ومن وصفه أنه على شيء فقد وصفه بأنه محتاج محمول فيكفر (١٢).ويحرفون نصوص الكتاب والسنة في علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده إلى فوقية القهر، والاستيلاء وتعاليه عن الأمكنية (١٣). وعلو القهر وعلى القهر والغلبة وعلو المكانة (١٤)، وفوقية الربوبية والعظمة (١٥)، وعلو العظمة والعزة (١٦)،

стр. 779

وعلو الشأن، وفوقية العز، والقهر والتنزيه (١)، وغيرها من التأويلات الباطلة، ويعدّون شبهاتهم في نفي العلو براهين قاطعة مع أنها جهالات وحماقات بحتة. أما البراهين القاطعة العقلية الصريحة والحجج الفطرية التي احتج بها أبو حنيفة وغيره من السلف - فهي عندهم أوهام. ثانياً: صفة الاستواء: فهؤلاء كلما سمعوا باستوائه تعالى على عرشه تشبثوا بشبهات الجهمية الأولى (٢).وقالوا: هذا يستلزم المكان، والتغير لله تعالى، وهذا ما أمارات الحدوث وفيه تمكين الحاجة، وذلك أثر النقصان (٣)، بل يكون الله محدوداً محاطاً، وكل ذلك وصف الخلائق (٤).وقالوا: لو قلنا: إنه على العرش لحصل في ذاته التغير والانتقال، والقديم لا يتصور عليه ذلك فهو لا على العرش ولا على غيره، ولأن ذلك من صفات الأجسام (٥)، وأن الاستواء يشعر بالتحيز (٦) وغيرها من اللوازم (٧).ولذلك حرفوا نصوص الاستواء إلى الاستيلاء (٨)، أو إلى التمام (٩).وقال الجرجاني: إن فسر الاستواء بالاستيلاء فمرجعه إلى صفة القدرة، وإن فسر بالقصد فمرجعه إلى صفة الإرادة، ولا يجوز التعويل على ظاهر النصوص (١٠). ثالثاً: صفتي الوجه واليدين ونحوهما: كلما مرت عليهم آيات من كتاب الله أو أحاديث من أحاديث رسول الله ﷺ تنص على صفات الله تعالى من الوجه، واليدين، والعين، والأصابع، واليمين، والساق، والقدم ونحوها يتبادر إلى أذهانهم أنها جوارح (١١)، وأنه لو قلنا بإثبات ذلك له تعالى يلزم كونه متبعضاً، ومنجزياً، ومركباً (١٢)، ولذلك يركزون بقولهم: "ليس متبعضاً، ولا منجزياً، ولا متركباً" (١٣). رابعاً: صفة النزول ونحوها: إذا تليت عليهم آيات بينات، وأحاديث واضحات تنص على نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، ومجيئه تعالى يوم القيامة فهموا من ذلك انتقالاً انتقال الأعراض، والأجسام (١٤).ويرى الماتريدي إن إثبات هذه الصفات لله تعالى يستلزم التغير والزوال لله تعالى فيكون الله تعالى من الآفلين، وقد قال إبراهيم ﵇: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:٧٦]. فيجب صرف ذلك إلى الوجه الذي يحق بالربوبية (١٥).

стр. 780

خامساً: صفتي الغضب، ونحوهما: إذا قرأوا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ما دل على إثبات الغضب والرضا، والفرح، والحياء، والضحك والتعجب، والرحمة ونحوها لله تعالى - فهموا أنها كيفيات وعوارض نفسانية (١) وأنها تغيرات، وانفعالات يجب تنزيه الله تعالى عنها (٢) وأنها انفعالات نفسانية (٣)، وأنه تعالى لا يوصف بالأعراض المحسوسة، والكيفيات النفسانية (٤).وقالوا: إنما يصار إلى المجاز لاستحالة الحقيقة على الله تعالى، لأنها عبارة عن حالة نفسانية فالكل في حقه تعالى محال (٥). سادساً: صفة الكلام: وإذا تصوروا صفة الكلام يتبادر إلى أذهانهم "الآلة والجارحة" (٦) أي اللسان، والفم، والشفتان، والأسنان، والحلق كزعم الجهم تماماً كما سبق، وأنه يلزم كون الله تعالى محلاً للحوادث، والأعراض (٧). ولذلك تراهم يعطلون صفة الكلام، ويقولون ببدعة الكلام النفسي وببدعة القول بخلق القرآن، ويصرحون بأنه لا خلاف بينهم وبين المعتزلة في مسألة خلق القرآن غير أن المعتزلة لا يقولون ببدعة الكلام النفسي والماتريدية جمعوا بين بدعتين خطيرتين بدعة القول بخلق القرآن، وبدعة القول بالكلام النفسي، ولذا ينفون سماع كلام الله. سابعاً: رؤية المؤمنين ربهم بالأبصار في الآخرة: هكذا تراهم يشترطون شروطاً وقيوداً سلبية في مسألة رؤية الله تعالى؛ لأنه تبادر إلى أذهانهم رؤية الجسم. يقول أبو منصور الماتريدي: "فإن قيل: كيف يرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفية تكون لدى صورة بل يرى بلا وصف قيام وقعود واتكاء وتعلق واتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة، وقصير وطويل، ونور، وظلمة وساكن ومتحرك، ومماس ومباين، وخارج وداخل ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك" (٨). فأنت ترى أيها المسلم أن هذه الشروط السلبية مخالفة للعقل والنقل والفطرة واللغة، فهم في الحقيقة وقعوا في رفع النقيضين كما أنهم وقعوا في نفي علو الله تعالى بل نفي وجود الله، فإن هذه صفات المعدوم كما أنهم وقعوا في نفي الرؤية البصرية أيضاً وإن تظاهروا بإثباتها. ولذلك جعل عقلاؤهم هذا الخلاف بينهم وبين المعتزلة لفظياً؛ لأن الماتريدية جوزوا رؤية "أعمى" "الصين" "بقَّةً" في الأندلس" (٩).قلت: هذه ليست رؤية بصرية؛ لأنه لا شك أن رؤية أعمى الصين "بقةً" في الأندلس - والأعمى يكون في المشرق، والبقة تكون في المغرب- إنما هي رؤية القلب التي هي علم ومعرفة؛ ولذلك حكم عليهم شيخ الإسلام بأنهم جعلوا رؤية الله تعالى مستحيلة (١٠)، وصار قولهم هذا ضحكة متناقضاً محالاً سفسطة حتى عند المعتزلة والروافض (١١). هذه كانت بعض نماذج لهذه الشبهة قدمناها من كتب الماتريدية. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني ١/ ٤٧٠

стр. 781

أولا: مذهب الماتريدية في الأسماء الحسنى قالت الماتريدية بوجوب إثبات أسماء الله تعالى، وأن إثباتها لا يستلزم التشبيه، بدليل أن الرسل والكتب السماوية قد جاءت بها، ولو كان في إثباتها تشبيه لكان ذلك طعن في الرسل. قال الماتريدي: "الأصل عندنا أن لله أسماء ذاتية يسمى بها نحو قوله: الرَّحْمَنُ [الرحمن:١]. ثم الدليل على ما قلنا مجيء الرسل والكتب السماوية بها، ولو كان في التسمية بما جاءت به الرسل تشبيه لكانوا سبب نقض التوحيد ... ولكن لما احتملت تلك الأسماء خروج المسمى بها عن المعروفين من المسمين بما جاز مجيئهم بها مع قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] لينفي به شيئية الأشياء ... " (١).

стр. 782

وذهب جمهورهم إلى القول بالتوقيف في أسماء الله تعالى، أي أن طريق إثبات الأسماء هو السمع، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه وجاء به الشرع. قال الماتريدي - في نفيه لاسم الجسم عن الله-: "وحقه السمع عن الله، أن الجسم ليس من أسمائه، ولم يرد عنه ولا عن أحد ممن أذن لأحد تقليده. فالقول به لا يسع، ولو وسع بالنحت من غير دليل حسي أو سمعي أو عقلي لوسع القول بالجسد والشخص، وكل ذلك مستنكر بالسمع، وليس القول بكل ما يسمى به الخلق، وذلك فاسد (١).وقال أيضاً: "لا يجوز أن يقال لله تعالى يا مبارك ... لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه" (٢).وقال في إثبات جواز إطلاق لفظ (الشيء) على الله، وأنه من أسمائه مستدلاً على ذلك بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، وقوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: ١٩]: "وبعد، فإن القول بهذا كله واجب بما ثبت في السمع التسمية به ... " (٣).وقال أبو المعين النسفي: "إن معنى الاسم لو كان ثابتاً من غير إحالة لامتنعنا عن إطلاق الاسم بدون الشرع الوارد به، لأنا ننتهي في أسماء الله تعالى إلى ما أنهانا إليه الشرع، ولهذا لا نسميه طبيباً وإن كانا عالماً بالأدواء، والعلل والأدوية، ولا فقيهاً وإن كان عالماً بالأحكام ومعانيها ... " (٤).وقال عبدالحميد الألوسي في (نثر اللآلئ): "اعلم أن المحققين من العلماء على أن أسماءه تعالى توقيفية بمعنى أن جواز تسميته تعالى باسم موقوف على ورود الكتاب والسنة أو الإجماع ... " (٥).والذي دفعهم للقول بأن أسماء الله توقيفية - مع أن مصدرهم في التلقي العقل - هو خشية إطلاق أسماء على الله تعالى توهم اتصافه سبحانه بما فيه نقص فقالوا بالتوقيف من باب الاحتياط كما نص على هذا صاحب (بيان الاعتقاد) بقوله: "والحق أنه لابد من التوقيف وذلك للاحتياط عما يوهم باطلاً لعظم الخطر في ذلك، فلا يجوز الاكتفاء في عدم إيهام الباطل بمبلغ إدراكنا بل لابد من الاستناد إلى الاستناد إلى إذن الشرع" (٦).والقول بالتوقيف في أسمائه تعالى هو قول أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة قال الإمام أبو عبدالله محمد بن أبي زمنين ﵀: "أعلم أن أهل العلم بالله، وبما جاءت به أنبياؤه ورسوله، يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علماً، والعجز عن مالم يدع إليه إيماناً، وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه، على لسان نبيه ... " (٧).

стр. 783

وهذا الأصل كان يجب على الماتريدية أن يعتمدوا عليه في إثبات جميع العقائد لا أن يقتصروا عليه في بعضها دون بعض، وهذا التفريق في التلقي هو الذي أوقعهم في الاضطراب والانحراف. ثم إن الماتريدية في إثباتها للأسماء لم يفرقوا بين باب الإخبار عن الله تعالى، وباب التسمية، فأدخلوا في أسمائه تعالى ما ليس من أسمائه كالصانع، والقديم، والذات، والشيء ... ونحو ذلك. حتى أن الماتريدي ذكر في تفسيره لقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر:٢٢]، أن لفظ (هو) من أسماء الله تعالى (١).والصواب: أنه يجب التفريق بين باب التسمية وباب الإخبار، إذ أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه الحسنى وصفاته العليا. فما يطلق عليه تعالى في باب الأسماء والصفات توقيفي وما يطلق عليه في باب الإخبار لا يجب أن يكون توقيفياً (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ويفرق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يدعي إلا بالأسماء الحسنى، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه، مثل اسم شيء، وذات، وموجود ... وكذلك المريد والمتكلم، فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم، فليس ذلك من الأسماء الحسنى، بخلاف الحكيم والرحيم والصادق ونحو ذلك، فإن ذلك لا يكون إلا محموداً. وهكذا كما في حق الرسول حيث قال: لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا [النور: ٦٣] فأمرهم أن يقولوا يا رسول الله، يا نبي الله، كما خطبه الله بقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال: ٦٤ - ٦٥] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ [المائدة: ٦٧] لا يقول يا محمد، يا أحمد، يا أبا القاسم! وإن كانوا يقولون في الإخبار كالأذان ونحوه، أشهد أن محمداً رسول الله، كما قال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ [الفتح: ٢٩]، وقال: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]، وقال: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٤٠].فهو سبحانه لم يخاطب محمدا إلا بنعت التشريف ... مع أنه في مقام الإخبار عنه قد يذكر اسمه. فقد فرق سبحانه بين حالتي الخطاب في حق الرسول وأمرنا بالتفريق بينهما في حقه، وكذلك هو المعتاد في عقول الناس إذا خاطبوا الأكابر من الأمراء والعلماء والمشايخ والرؤساء لم يخاطبوهم ويدعوهم إلا باسم حسن، وإن كان في حال الخبر عن أحدهم، يقال: هو إنسان وحيوان ناطق وجسم ومحدث ومخلوق ... " (٣). وأما بالنسبة لإثباتهم لمدلولات الأسماء، فهم إما أن يجعلوا مدلول الاسم هو الذات، وهذا في اسم (الله) فقط، وإما أن يكون المدلول مأخوذاً عندهم باعتبار ما أثبتوه من الصفات، كاسم السميع والبصير والعليم ... ، وإما أن يردوه إلى الصفات السلبية والإضافية.

стр. 784

فالاسم عندهم إن دل على ما أثبتوه من الصفات، أثبتوه على حقيقته وإن خالف صرفوه عن حقيقته بالتأويل. وذلك لاعتقادهم أن ما دل عليه الاسم من المعاني والحقائق يعارض الدليل العقلي. قال ابن الهمام: "ثم إنه (تعالى) سميع بسمع وبصير بصفة تسمى بصراً، وكذا عليم بعلم، وقدير بقدرة، ومريد بإرادة لأنه تعالى أطلق على نفسه هذه الأسماء بخطابا لمن هو من أهل اللغة، والمفهوم في اللغة من عليم ذات له علم. بل يستحيل عندهم عليم بلا علم كاستحالته بلا معلوم، فلا يجوز صرفه عنه إلى لقاطع عقلي يوجب نفيه ... " (١).وقال البياضي: "إن العالم والقادر وسائر الأسماء المشتقة ليست أسماء للذات من غير اعتبار معنى، بل معناها إثبات ما هو لازم مأخذ الاشتقاق، ولا معنى له سوى إدراك المعاني، والتمكن من الفعل والترك ونحو ذلك، فلزم بالضرورة ثبوت هذه المعاني للواجب تعالى، كيف والخلو عنها نقض وذهاب إلى أنه لا يعلم ولا يقدر؟ " (٢).وقال أيضاً: إن مفهوم الاسم قد يكون نفس الذات والحقيقة وهو اسم الجلالة فقط، وقد يكون مأخوذاً باعتبار الصفات والأفعال والسلوب والإضافات. ولا خفاء في تكثر أسمائه تعالى بهذا الاعتبار ... " (٣). قولهم: بأن اسم (الله) يدل على الذات من غير اعتبار للمعنى. معناه أنه لا يدل على صفة، وهو خطأ ظاهر. وذلك أن جميع أسماء الله تعالى حسنى، كما قال تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠]، فهي حسنى لدلالتها على صفات الكمال والجلال والعظمة لله تعالى، ولو كان اسم (الله) لا معنى له لم يكن فيه مدح ولا ثناء لله تعالى، فكيف وهو أعظم أسماء الله تعالى؟! وإنما كان أعظمها لدلالته على جميع صفات الكمال والجلال. كما قال عبدالعزيز الدميري: ويجمع اسم الله كل معنى ... من الصفات والأسامي الحسنى إذ الإله من له الكمال ... والكبريا والعز والجلال (٤) وقال الإمام ابن القيم ﵀: "اسم (الله) دال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث: فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له، مع نفي أضدادها عنه. وصفات الإلهية هي صفات الكمال، المنزهة عن التشبيه والمثال وعن العيوب والنقائض. ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم كقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠]، ويقال الرحمن، والرحيم، والقدوس، والسلام ... من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء (الرحمن) ... ونحو ذلك. فعلم أن اسم (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبين لصفات الإلوهية، التي اشتق منها اسم (الله). واسم (الله) دال على كونه مألوهاً معبوداً، تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب" (٥).

стр. 785

وأما بالنسبة لبقية الأسماء، فإن الماتريدية تقر بأن لها معاني مأخوذة باعتبار الصفات، أي أنها تدل على الصفات كما تدل على الذات. إلا أنهم في الأسماء التي مدلولاتها لا تتفق مع ما اعتقدوه في باب الصفات، لا يثبتون ما دلت عليه من المعاني والحقائق على الوجه الصحيح. بل يأولونها بما يتفق مع اعتقادهم في الصفات. وأقرب مثال على هذا اسم الله (الأعلى)، (والظاهر).قال الماتريدي في تفسيره لاسم (الأعلى): "الأعلى ... هو أعلى من أن يمسه حاجة أو يلحقه آفة" (١).وقال أبو البركات النسفي: "الأعلى: بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار، لا بمعنى العلو في المكان" (٢).وقال الماتريدي في تفسيره لاسم (الظاهر): "الظاهر هو الغالب القاهر الذي لا يغلبه شيء" (٣).وقال أبو البركات النسفي: "الظاهر: بالأدلة الدالة عليه ... ، وقيل العالي على كل شيء الغالب له. من ظهر عليه إذا علاه وغلبه" (٤). يظهر مما تقدم كيف أن اعتقاد الماتريدية نفي علو الله بذاته فوق خلقه، أثر في فهمهم لهذين الإسمين حتى قصروا معناهما على علو القدر والقهر. وجواب أهل السنة عما نفته الماتريدية من المعاني والحقائق في هذه الأسماء وغيرها، هو جواب الماتريدية لمنازعهم من المعتزلة فيما أثبتوه من المعاني والحقائق، نحو السميع والبصير والعليم ... إذ أن القول في دلالات الأسماء جميعها واحد، ولا دليل على التفريق، فهي تجري على قاعدة واحدة، وهي: "أن الاسم من أسمائه (تعالى) له دلالات. دلالة على الذات والصفة بالمطابقة، ودلالة على أحدهما بالتضمن، ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم" (٥). فـ" الاسم من أسمائه ﵎ كما يدل على الذات والصفة التي اشتق بها بالمطابقة، فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمين واللزوم. فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة، ويدل على الصفة الأخرى باللزوم. فإن اسم (السميع) يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها، وعلى السمع وحده بالتضمن. ويدل على اسم (الحي) وصفة الحياة بالالتزام، وكذلك سائر أسمائه وصفاته ... فإن من لوازم اسم (العلي) العلو المطلق بكل اعتبار. فله العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه (العلي).وكذلك اسم (الظاهر) من لوازمه: أن لا يكون فوقه شيء كما في الصحيح عن النبي ﷺ : ((وأنت الظاهر فليس فوقك شيء)) (٦). بل هو سبحانه فوق كل شيء. فمن جحد فوقيته سبحانه فقد جحد لوازم اسمه (الظاهر) ... وكذلك سائر أسمائه الحسنى" (٧). وتعطيل حقائق ومعاني الأسماء كلها أو بعضها قدح في صحة إطلاقها، إذ أن شرط صحة إطلاق الأسماء حصول معانيها وحقائقها، ثم إنه لا مانع ولا محذور من إثبات هذه المعاني والحقائق، وذلك أن الاسم والصفة له ثلاث اعتبارات، اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد. الاعتبار الثاني: اعتباره مضافاً إلى الرب مختصاً به.

стр. 786

الثالث: اعتباره مضافاً إلى العبد مقيداً به، فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتاً للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله وللعبد منه ما يليق به. وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل تثبتت له على وجه لا يماثله فيه خلقه ولا ياشبههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه، وجحد صفات كماله. ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه بل كما يليق بجلاله وعظمته قد برئ من فرث التشبيه ودم التعطيل وهذا طريق أهل السنة. وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله كما يلزم حياة العبد من النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك ... وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها، فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم وقدرته وإرادته وسائر صفاته فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق" (١). فإذا اتضحت هذه القاعدة علم خطأ الماتريدية في تعطيلهم لكثير من أسماء الله تعالى عما دلت عليه من المعاني، وعلم فساد تأويلهم لها الذي نجم عنه تشبيه مسبق. فالحق والصواب الذي يجب أن يصار إليه، هو إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى حقيقة من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويماً تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص ٢١٩ - ٢٢٩ في مذهب الماتريدية في أسماء الله الحسنى - حق وباطلٌ. فما كان عندهم من الحق الذي ينور القلوب - فقد أخذوه من الكتاب والسنة لاحتكاكهم بأهل السنة، وهذا من فضلهم، ومحاسنهم التي لا تنسى، ومساعيهم التي يشكرون عليها وبذلك نجوا من كثير من الإلحاد. وما كان عندهم من الباطل الذي يظلم القلوب - فقد أخذوه من الجهمية الأولى لاحتكاكهم بهم فدخل عليهم شيء من إلحادهم وبدعهم وتعطيلهم الذي ظنوه حقاً. وخيل إليهم إنه مذهب أهل السنة. فمذهبهم في الأسماء الحسنى على نوعين: الأول: ما اشتمل على الحق: فمن محاسنهم في هذا الباب وموافقتهم لأهل السنة ما يلي: ١ - إثبات جميع أسماء الله الحسنى له تعالى. لا نعلم لهم في ذلك خلافاً ولا استثناء. وبذلك فارقوا غلاة الجهمية، لأنهم لا يثبتون لله الأسماء (٢). ٢ - إثبات كثير من معاني أسماء الله تعالى. وبذلك فارقوا جهمية المعتزلة، لأنهم يثبتون الأسماء مجردةً عن المعاني (٣).٣ - أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يجوز تسمية الله تعالى إلا بما ورد في الشرع (٤).

стр. 787

قال الإمام حافظ الدين عبدالله النسفي (٧١٠ هـ) في بيان الإلحاد في أسمائه تعالى:"فيسموه بغير الأسماء الحسنى وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه، نحو أن يقولوا: يا سخي، يا رفيق، لأنه لم يسم نفسه بذلك، ومن الإلحاد تسميته بالجسم، والجوهر، والعقل، والعلة" (١).٤ - ٥ - أسماء الله تعالى كلها حسنى، وأنها ليست ألفاظاً مجردة: عن معانيها، بل تدل على معانٍ حسنة من التمجيد، والتقديس، والتعظيم (٢).فاسماؤه تعالى أحسن الأسماء وأجلها، لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها ولدلالتها على صفات الكمال من الجلالة والجمال والإكرام (٣). والثاني: ما اشتمل على باطل وإلحاد: وأهم نماذج ذلك ما يلي: ١ - إن أسماء الله تعالى ليست أسماءً حقيقة لله تعالى. قال أبو منصور الماتريدي: "فيدلك أن الأسماء التي نسميه بها عبارات عما يقرب إلى الأفهام، لا أنها في الحقيقة أسماؤه" (٤). ٢ - الأسماء الحسنى غير مشتملةٍ على صفاتٍ مستقلةٍ بل هي متدرجة في صفة التكوين. قال العلامة أنور شاه الكشميري الديوبندي: "والأسماء الحسنى عند الأشاعرة عبارة عن الإضافات، وأما عند الماتريدية فكلها مندرجة في صفة التكوين" (٥). ٣ - أسماء الله الحسنى مخلوقةٌ عندهم: لأنها عبارة عن الألفاظ والحروف، وهي مخلوقة، ولذلك جعلوا أسماء الله تعالى الحسنى تسمياتٍ. فلما قالوا إنها تسمياتٌ - قالوا: إنها غير الله تعالى, إنها حروفٌ وألفاظٌ وإن الاسم الأزلي عين المسمى وهو الله لا غير (٦).كل هذا للتدرج إلى القول بأن أسماء الله تعالى مخلوقةٌ بعد قولهم: إنها غير الله؛ لأن كل ما هو غير الله فهو مخلوق (٧). قلت: وهذا القول مبني على القول بخلق القرآن. فالماتريدية وافقوا جهاراً دون إسرار الجهمية الأولى في بدعة القول بخلق الأسماء الحسنى كما وافقوهم في بدعة القول بخلق القرآن فهم جميعاً قائلون بخلق القرآن وبخلق الأسماء الحسنى. غير أن الماتريدية كزملائهم الأشعرية انفردوا عن الجهمية الأولى ببدعة أخرى وهي بدعة الكلام النفسي. ولنا عودة لبيان "هل الاسم عين المسمى أو غيره أو له" وما هو الصواب في ذلك وبيان أن فساد القول بخلق أسماء الله تعالى - كفساد القول بخلق القرآن وسلف هذه الأئمة وأئمة السنة قد كفروا القائلين بخلق الأسماء الحسنى كما كفروا القائلين بخلق القرآن. كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.٤ - تعطيل معاني بعض الأسماء الحسنى بأنواع من التأويلات، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلاً، وشرعاً، ولغة، وفطرة (٨). وفيما يلي بعض أمثلة هذا الإلحاد: المثال الأول: أن (العلي) من أسماء الله الحسنى، يدل دلالة حقيقية مطابقية قطعية على ذات الله المقدسة، وعلى صفته "العلو" على خلقه.

стр. 788

فالماتريدية لما عطلوا صفة "علو" الله تعالى وحرفوا نصوصها بأنواع من التأويلات والمجازات، جعلوا اسمه "العليَّ" مجرداً عن صفته "العلوِ" المطلق على خلقه، ولذلك فسروا اسم الله تعالى "العلي" بما يلي:١ - "العلي عن كل موهوم يحتاج إلى عرش أو كرسي" (١).٢ - "العلي في ملكه وسلطانه، أو المتعالي عن الصفات التي لا تليق به" (٢).٣ - "المتعالي بذاته عن الأشباه والأنداد" (٣).٤ - بمعنى "المتكبر" (٤). فأنت ترى أنهم جعلوا هذا الاسم الأحسنَ "العلي" من السلوب المحضة التي لا مدح ولا ثناء فيها. مع أنه من أعظم الأسماء الحسنى الدالة على إثبات الصفات الكمالية لله تعالى وأنه يدل على صفة هي من أعظم صفات الله تعالى الذاتية الثبوتية ألا وهي صفة "العلو" المطلق على خلقه مع تضمنه تنزيه الله تعالى عن كل عيب ونقص. المثالان: الثاني والثالث: أن "الرحمن الرحيم" اسمان من أسماء الله الحسنى وكلاهما يدل دلالة حقيقية قطعية مطابقة على صفته تعالى: "الرحمة" الكاملة. لكن القوم لما عطلوا صفة الله العظيمة "الرحمة" وحرّفوها بتأويلاتهم جعلوا هذين الاسمين: "الرحمن الرحيم" مجردين عن صفته "الرحمة" حيث فسروا الرحمة بإيصال الخير ودفع الشر (٥). فواعجباً لقوم يعبدون رباً يزعمون أنه لا "رحمة" له! فماذا يرجون منه؟. المثال الرابع: أن "الودود" من أسماء الله الحسنى يدل على ذات الله تعالى وعلى صفته "الود" دلالة قطعية حقيقية مطابقية ومعنى "الودود" أنه محب للمؤمنين، فيكون "الفعول بمعنى الفاعل" فالله تعالى ذو المحبة لهم. وقيل: "محبوب" للمؤمنين فيكون الفعول بمعنى المفعول (٦). والماتريدية عطلوا صفة "المحبة" الثابتة لله تعالى وحرفوا نصوصها إلى صفة "الإرادة" وغير ذلك من التأويلات. المثال الخامس: أن "الظاهر والباطن" من الأسماء الحسنى. ومعنى "الظاهر" العالي علي الخلق وفوق كل شيء فليس فوقه شيء (٧).ويؤيده حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((وأنت الظاهر فليس فوقك شيء)) (٨) الحديث. فهذا الاسم يدل دلالة قطعية حقيقية مطابقة على ذات الله تعالى وإثبات صفة "العلو" المطلق لله تعالى. وهذا هو الراجح في معناه. فإن قيل: "معناه" الظاهر وجوده بالأدلة الواضحة" (٩). قلت: لو سلم صحة هذين المعنيين - فهما لا ينافيان المعنى الأول، لأن علو الله على خلقه أجمعين متضمن لعلمه على كل شيء وظهور وجوده. بل وجود الله تعالى لا يحتاج إلى برهان. ولله در القائل: وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل (١٠) ولأن ذكر بعض اللفظ لا ينفي أصل معناه وكذا ذكر لازم معنى اللفظ لا ينفي الملزوم. قال شيخ الإسلام في الرد على من زعم أن تفسير "نور السموات" بهادي أهل السماوات والأرض تأويل:

стр. 789

"ثم قول من قال من السلف: "هادي أهل السموات والأرض" لا يمنع أن يكون في نفسه نوراً؛ فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض "صفات المفسر" من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمى بل قد يكونان متلازمين".إلى آخر كلامه المهم القيم الذي يكشف الغمة عن كثير من المشكلات في فهم كلام السلف (١). الحاصل: أن اسم الله تعالى: "الظاهر" يدل على علوه المطلق فنفيه إلحاد صريح وتعطيل قبيح. المثلانِ: السادس والسابع: أن "السميع" و"البصير" من أسماء الله الحسنى، يدلان على ذات الله تعالى وعلى صفتيه "السمع والبصر" الكاملين المطلقين دلالةً مطابقية حقيقية قطعية. ولكن بعض الماتريدية عطل هاتين الصفتين: "السمع والبصر" وحرف نصوصهما بتأويلهما إلى صفة العلم. وهذا تعطيل صريح وإلحاد قبيح؛ لأن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى لقد صرح بأن تفسير صفة "اليد" بالقدرة أو النعمة إبطال لها وأنه قول المعطلة المعتزلة (٢). فعلم أن إرجاع صفة إلى أخرى تعطيل وإلحاد بشهادة هذا الإمام وفي ذلك عبرة لهؤلاء الماتريدية. المثال الثامن: "النور" وسيأتي الحديث عنه في مبحث الصفات. المثال التاسع: "الحَيِىُ" عطلوا معناه فنفوا صفة "الحياة" لله تعالى كما سيأتي. المثال العاشر: "الإله" عطلوا معناه فحرفوا صفة "الألوهية" لله سبحانه وفسروها بالربوبية. المثال الحادي عشر،، وهو أظهر من أن يشهر،، وأفظع الأمثلة ضراراً ودماراً،، وأشنعها وأبشعها عاراً وشناراً،، وهو إلحاد في اسم "الله" الأعظم؛ فقد صرحوا بأن مفهوم اسم الجلالة "الله" نفس الذات بدون اعتبار الصفة (٣). قلت: هذا إلحاد صريح واضح،، وتعطيل قبيح فاضح،،؛لأن اسم الجلالة "الله" اسم الله الأعظم الحسن الدال على جميع الأسماء الحسنى،، والصفات الكمالية العليا،، (٤). ولأن الأسماء الحسنى،، ليست حسنى،، إلا لأجل دلالتها على المعاني الحسنى،، وهي صفات الله العليا،، حتى باعتراف الماتريدية. الحاصل: أن الأسماء الحسنى عند الماتريدية بعضها لا يدل إلا على نفس الذات،، وبعضها يدل على الصفات،، وبعضها يدل على السلوب والإضافات. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٢/ ٤٠٤ ومن أهم المسائل المتعلقة بباب (الأسماء)، عند الماتريدية، مسألة الاسم والمسمى، والتي لا يكاد كتاب من كتب العقائد عندهم يخلو من بحثها، بل تكاد تكون هي المسألة الوحيدة المطروقة في الباب في كثير من كتبهم. ذهبت الماتريدية في هذه المسألة إلى القول بأن الاسم هو المسمى. واحتجوا بقوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: ٧٨]، قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١]، وقوله: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر: ٢] ونحو ذلك من النصوص. وغاية شبهتهم في هذه القضية: أن الله هو الخالق وما سواه مخلوق فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقه، وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل ولا صفة (٥).

стр. 790

قال البزدوي: "إن الدليل يضطرنا وكل عاقل إلى القول بأن الاسم نفسي المسمى، فإن الناس أمروا بأن يعبدوا الله تعالى، ويوحدوا الله تعالى ويعظموه ويكبروه ويهللوه، ولو أن الاسم غير المسمى لكان هذا خطأ. قال الله تعالى: وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦]، وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الحج: ١] ... " (١).وقال أبو المعين النسفي: "اعلم أن الاسم والمسمى واحد ... والله تعالى بجميع أسمائه واحد. دليلنا قول الله : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر: ٢]، وقوله تعالى: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: ٣١]. الله تعالى أمرنا بأن نوحد الله تعالى فلو كان اسم الله تعالى غير الله لكان حصول التوحيد للاسم لا لله تعالى ... " (٢). وقال الأوشي في منظومته: وليس الاسم غيراً للمسمى ... لدى أهل البصيرة خير آل قال الشارح: "أي ليس الاسم غير المسمى ... بل هو عينه بمعنى أن الحكم الواقع على الاسم واقع على المسمى لا محالة محتجين بقوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: ٧٨] وبقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١] إذ المعنى تعالى الله، وتنزه الله، لأن المتعال المتنزه عما لا يليق به هو الله تعالى" (٣). والكلام في مسألة هل الاسم هو المسمى أم غيره - والتي خاضت فيها الماتريدية كغيرها من الفرق الكلامية - من البدع التي حدثت بعد القرون المفضلة، والتي لا أصل لها لا من الكتاب، ولا من السنة، بل لا يعرف عن أحد من السلف ولا أئمة المسلمين أنه تكلم في هذه المسألة بشيء. قال الإمام محمد بن جرير الطبري ﵀: "وأما القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى، فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع. فالخوض فيه شين والصمت عنه زين. وحسب امرئ من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله ثناؤه الصادق، وهو قوله: قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الإسراء: ١١٠] وقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠] ويعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر وضل وهلك" (٤).وذكر الإمام أبو محمد رزق الله التميمي ﵀: "أن الإمام أحمد ﵀ كان يشق عليه الكلام في الاسم والمسمى، ويقول: هذا كلام محدث ولا يقول: أن الاسم غير المسمى، ولا هو هو، ولكن يقول: أن الاسم للمسمى، اتباعاً لقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠] (٥).

стр. 791

وسبب حدوث هذه المسألة: أن الجهمية لما ابتدعت القول بخلق القرآن، قالت بخلق أسماء الله تعالى، إذ أن القول في أسمائه تعالى نوع من القول في كلامه. مما دفعهم إلى القول بأن أسماء الله غيره، وأن الاسم غير المسمى. فذمهم السلف لقولهم هذا "وغلظوا فيهم القول، لأن أسماء الله كلامه، وكلام الله غير مخلوق بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء ... فلهذا يروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، فاشهد عليه بالزندقة. ولم يعرف أيضاً عن أحد من السلف أنه قال الاسم هو المسمى ... " (١). ولما كانت الماتريدية تعتقد أن أسماء الله غير مخلوقة، كما أن كلامه غير مخلوق، قابلوا قول الجهمية بأن الاسم غير المسمى، بعدم الغيرية بينهما ولم يتفطنوا لما في لفظ الغير من الإجمال فوقعوا فيما وقعوا فيه. ومنشأ الغلط في المسألة "من إطلاق ألفاظ مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وباطل. فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني وتنزيل ألفاظها عليها ... وبلاء القوم من لفظة الغير، فإنها يراد بها (معنيان) أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بالله، وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقاً. ويراد به مغايرة الصفة إذا خرجت عنها فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره، بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحاً، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أريد أن العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلاً لفظاً ومعنى ... " (٢).والصواب في المسألة التفصيل "فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، واستوى الله على عرشه وسمع الله، ورأى وخلق فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت (الله) اسم عربي، و (الرحمن) اسم عربي، و (الرحمن) من أسماء الله، و (الرحمن) وزنه فعلان، و (الرحمن) مشتق من الرحمة ونحو ذلك، فالاسم ههنا للمسمى ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسماً أو حتى سماه خلقه بأسماء من وضعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد" (٣).وأما استدلال الماتريدية بقوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: ٧٨] وقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١] ... ونحو ذلك من الآيات، على أن الاسم هو المسمى. هو في الحقيقة حجة عليهم، "لأن النبي ﷺ امتثل هذا الأمر وقال: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم، ولو كان الأمر كما زعموا لقال: سبحان اسم ربي العظيم. ثم إن الأمة كلهم لا يجوز أحد منهم أن يقول: عبدت اسم ربي، ولا سجدت لاسم ربي، ولا ركعت لاسم ربي، ولا يا اسم ربي ارحمني، وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى لا بالاسم" (٤).وأما الجواب عن تعلق الأمر بالذكر والتسبيح بالاسم، فهو: "أن الذكر الحقيقي محله القلب لأنه ضد النسيان، والتسبيح نوع من الذكر، فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان، والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعاً ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما، واجتماعهما فصار معنى الآيتين: سبح ربك بقلبك ولسانك، واذكر ربك بقلبك ولسانك. فاقحم الاسم تنبيهاً على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان، لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله لأن اللفظ لا يراد لنفسه فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح دون ما يدل عليه من المعنى" (٥). فإطلاق القول: بأن الاسم غير المسمى، أو أنه هو، غير صحيح، بل هو باطل لاحتماله معاني باطلة. والصواب هو التفصيل في المسألة كما تقدم بيانه ... والله تعالى أعلم ... المصدر: الماتريدية دراسة وتقويماً تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص ٢٢٩ - ٢٣٤

стр. 792

ثانيا: مذهب الماتريدية في صفات الله تعالى تعد الماتريدية من (الصفاتية)، وذلك لأنهم يثبتون بعض الصفات، ويثبتون لهذه الصفات معنى حقيقياً يقوم بذات الرب تعالى. فليست هي عندهم مجرد وصف الواصف أو نفي الضد (١). وتأكد الماتريدية على أن إثبات هذه الصفات لا يستلزم التشبيه، إذ أنه لا شبه بين حقيقة الخالق والمخلوق، ولو كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه للزم قدم المخلوق أو حدوث الخالق، وهذا ما لا يقوم به عاقل. قال الماتريدي: "ليس في إثبات الأسماء وتحقيق الصفات تشابه لنفي حقائق ما في الخلق عنه ... فلو كان لشيء منه شبه يسقط عنه من ذلك القدم، أو عن غيره الحدث ... ، فلو وصف بالشبه بغيره بجهة فيصير من ذلك الوجه كأحد الخلق" (٢).وقال أبو المعين النسفي: "إن الصانع القديم - جل ثناؤه - لا يشبه العالم، ولا شيئاً من العالم بوجه من الوجوه، لأن المتشابهين هما المتماثلان، والمتماثلان ما ينوب أحدهما مناب صاحبه، ويسد مسده ... فإن كان المتغايران ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده من جميع الوجوه كانا مثلين من جميع الوجوه، وإن كان ينوب منابه، ويسد مسده من بعض الوجوه فهما مثلان من ذلك الوجه، ثم إنما ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده في وجه من الوجوه إن استويا في ذلك الوجه، إذاً لو كان بينهما تفاوت في ذلك الوجه لما ناب أحدهما مناب صاحبه، ولا سد مسده، وإذا عرف هذا فنقول: إن الله تعالى لو كان مثلاً للعالم، أو لشيء من أجزائه من جميع الوجوه، لكان هو ﷻ محدثاً من جميع الوجوه أو كان ما يماثله قديماً من جميع الوجوه. ولو كان يماثله بوجه من الوجوه لكان الله تعالى محدثاً من ذلك الوجه، أو ما يماثله من ذلك الوجه. والقول بحدث القديم من جميع الوجوه أو بوجه من الوجوه، أو بقدم المحدث من جميع الوجوه أو بوجه من الوجوه محال" (٣). وما ذكرته الماتريدية من الدليل العقلي على نفي التشبيه من جهة أنه يستلزم الجمع بين النقيضين صحيح. ولكنهم ساروا على هذا الأصل فقط فيما أثبتوه من الصفات، وأما في بقية الصفات فهم على النقيض من ذلك، إذ يعتقدون أن إثباتها على حقيقتها يستلزم التشبيه والتجسيم، وهذا في الحقيقة تناقض، إذ أن القول في جميع الصفات واحد نفياً وإثباتاً، ولا دليل على التفريق. وأما من ناحية علاقة الصفات بالذات، فقد قالت الماتريدية بأن صفات الله لا هي هو ولا غيره، إذ لو كانت الصفات عين الذات لكانت ذاتاً، ولو كانت غيراً لزم تعدد القدماء، لأن الغيرين هما اللذان يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر. قال الأوشي: صفات الله ليست عين ذات ... ولا غيرا سواه ذا انفصال قال ملا علي القاري: "أطلق الناظم صفات الله، فشملت صفات الذات وصفات الأفعال، فهي ليست عين الذات ولا غيرها ... لو كانت عيناً لكانت ذاتاً، ولو كانت غيراً لزم التركيب وهو من المحالات" (٤).

стр. 793

والذي دفع الماتريدية إلى هذا القول، هو اعتراض المعتزلة عليهم عندما أثبتوا بعض الصفات، بأن إثباتها لله يستلزم تعدد القدماء، إذ أن الصفات غير الذات. فقالت الماتريدية بنفي الغيرية دفعاً لهذا الاعتراض، وقالت بنفي ذاتية الصفات دفعاً لنفي الصفات. يوضح هذا قول أبي المعين النسفي: "وما يزعم المعتزلة أن الله تعالى لو كانت له هذه الصفات لكانت أغياراً له، وفيه إبطال التوحيد، والقول بأزلية غير الله تعالى كلام باطل، لأن الصفات ليست بأغيار لله تعالى، بل كل صفة لا هي ولا هو ولا غيره، لأن الغيرين موجودان، يتصور وجود أحدهما مع انعدام صاحبه، وذلك في حق ذات الله تعالى وصفاته ممتنع، إذ ذاته أزلية، وكذا صفاته، والعدم على الأزلي محال. فانعدم حد المغايرة، وانعدمت المغايرة، كالواحد من العشرة لا يكون غير العشرة، ولا عين العشرة، لاستحالة بقائه بدونها، أو بقائها بدونه، إذ هو منها، فعدمها عدمه، ووجودها وجوده" (١).وقال أيضاً: "لا حاجة بنا إلى الاشتغال بتحديد الغيرين، لأن الخصوم هم الذين يريدون نفي الصفات بعلة أنها لو كانت ثابتة، لكانت أغياراً للذات، فإذا منعناهم من إثبات المغايرة بطلت شبهتهم" (٢). وهذه المسألة من المغاليط التي ابتدعتها الجهمية حيث استخدموا في مناظراتهم ألفاظاً مجملة حتى يوقعوا الناس في شراكهم فيجذبونهم إلى ما هم فيه من الضلال والاعتقاد الفاسد. قال الإمام أحمد ﵀ في رده على الجهمية: "ثم إن الجهم ادعى أمراً آخر، وهو من المحال. فقال: أخبرونا عن القرآن أهو الله، أو غير الله ... ؟ فادعى في القرآن أمراً يوهم الناس. فإذا سئل الجاهل عن القرآن، هو الله، أو غير الله؟ فلابد له من أن يقول بأحد القولين. فإن قال: هو الله. قال له الجهمي: كفرت. وإن قال: هو غير الله. قال: صدقت، فلم لا يكون غير الله مخلوقاً؟ فيقع في نفس الجاهل من ذلك ما يميل به إلى قوله الجهمي" (٣).والماتريدية لما ألجأتهم الجهمية والمعتزلة إلى هذا القول، أرادوا أن يتخلصوا من هذا الإشكال، فخرجوا بقول ثالث، وهو أن صفات الله لا هي ولا هو ولا غيره. وهو في الحقيقة قول متناقض لا سبيل إلى رفعه (٤)، إذ أنهم بقولهم هذا نفوا مسمى اللفظين مطلقاً.

стр. 794

ولما كان أهل السنة والجماعة معتصمين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفقهم الله تعالى إلى الحق والصواب، ولم يقعوا في شراك الجهمية كما وقع غيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد تكلم الإمام أحمد في رده على الجهمية في جواب هذا، وبين أن لفظ (الغير) لم ينطق به الشرع لا نفياً ولا إثباتاً، وحينئذ فلا يلزم أن يكون داخلاً لفظ (الغير) في كلامه الشارع ولا غير داخل ... ، وأيضاً فهو لفظ مجمل، يراد بالغير ما هو منفصل عن الشيء، ويراد بالغير ما ليس هو الشيء. فلهذا لا يطلق القول بأن كلام الله وعلم الله ونحو ذلك هو هو، لأن هذا باطل، ولا يطلق أنه غيره، لئلا يفهم أنه بائن عنه منفصل عنه. وهذا الذي ذكره الإمام أحمد، عليه الحذاق من أئمة السنة، فهؤلاء لا يطلقون أنه هو، ولا يطلقون أنه غيره، ولا يقولون ليس هو هو ولا غيره. فإن هذا أيضاً إثبات قسم ثالث وهو خطأ. ففرق بين ترك إطلاق اللفظين لما في ذلك من الإجمال، وبين نفي مسمى اللفظين مطلقاً، وإثبات معنى ثالث خارج عن مسمى اللفظين" (١). "والذي عليه سلف الأمة وأئمتها إذا قيل لهم علو الله وكلام الله، هل هو غير الله أم لا؟ لم يطلقوا النفي ولا الإثبات، فإنه إذا قيل لهم غيره أوهم أنه مباين له. وإذا قال ليس غيره أوهم أنه هو، بل يستفصل السائل، فإن أراد بقوله غيره أنه مباين له منفصل عنه، فصفات الموصوف لا تكون مباينة له منفصلة عنه، وإن كان مخلوقاً، فكيف بصفات الخالق؟ وإن أراد بالغير أنها ليست هي هو فليست الصفة هي الموصوف، فهي غيره بهذا الاعتبار" (٢)."فالواجب أن ينظر في هذا الباب، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني. وأما الألفاظ التي تنازع فيها من ابتدعها من المتأخرين .. ، فلا تطلق نفياً ولا إثباتاً حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن كان قد أراد بالنفي والإثبات معنى صحيحاً موافقاً لما أخبر به الرسول صوب المعنى الذي قصده بلفظه، ولكن ينبغي أن يعبر عنه بألفاظ النصوص، لا يعدل إلى هذه الألفاظ المبتدعة المجملة إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد بها" (٣).وأما الصفات الثبوتية عند الماتريدية فهي ثمان صفات، وهي: القدرة، والعلم، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين (٤). وهم قد خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها، لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم. وأما غيرها من الصفات، فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم، فلذا قالوا بنفيها. وسلكوا في الاستدلال على إثبات هذه الصفات طريقتين، وقد يسلكوا أحياناً طرقاً غيرها: الأولى: التنزيه عن النقائص.

стр. 795

الثانية: دلالة المحدثات. قال أبو المعين النسفي موضحاً الطريقة الأولى: "إذا ثبت أن صانع العالم قديم ومن شرط القدم التبري عن النقائص، ثبت أنه حي قادر سميع بصير عالم، إذ لو لم يكن كذلك لكان موصوفاً بالموت والجهل والعجز والعمى والصمم، إذ هذه الصفات متعاقبة لتلك الصفات، فلو لم تكن هذه الصفات ثابتة لله تعالى (لثبت) ما يعاقبها وهي صفات نقص ومن شرط القدم الكمال، فدل أنه موصوف بما بينا لضرورة انتفاء أضدادها التي هي من سمات (المحدث) لكونها نقائص" (١).وقال في الثانية: "وإذا ثبت أيضاً أنه هو المخترع لهذا العالم مع اختلاف أنواعه، وهو الخالق له على ما هو عليه من الإحكام والإتقان وبديع الصفة وعجيب النظم والترتيب وتركيب الأفلاك وما فيها من الكواكب السائرة وما يرى من البدايع في أبدان الحيوانات من الحياة والتميز والاهتداء إلى اجتلاب المنافع (وانتفاء) المضار، وما فيهن من الحواس، وما في الأجسام الجمادية من البدايع والخاصيات التي أودعت فيها على وجه لو تأمل ذو البصيرة الموصوف بدقة الفكرة وحدة الخاطر ورجاحة العقل وكمال الذهن وقوة التمييز جميع عمره فيها لما وقف على كنهها بل على جزء من ألف جزء مما فيها من آثار كمال الحكمة ولطف التدبير، ثبت أنه حي قادر عالم سميع بصير ... يجري العلم بذلك مجرى الأوائل البديهية، حتى أن العقلاء بأسرهم ينسبون من يضيف نسيج الديباج المنقوشة، وتحصيل التصاوير المونقة، وبناء القصور العالية، واتخاذ السفن الجارية ... إلى ميت عاجز جاهل، إما إلى الحماقة والغباوة وإما إلى العناد والمكابرة ... " (٢). وقبل ذكر استدلالهم على إثبات كل صفة على حدة، لابد من بيان أمر مهم وهو: أن ما أثبته الماتريدية من صفات الله تعالى ثابت بالشرع والعقل - ولا ريب في هذا - ولكن تخصيصهم هذه الصفات الثمان دون غيرها بالإثبات تخصيص من غير مخصص، ولا دليل عليه من العقل ولا من النقل. بل إن الدليل النقلي والعقلي قد دل على اتصافه تعالى بهذه الصفات وغيرها، فالشرع قد أثبت صفات أخرى غير تلك الصفات الثمان، فما الموجب لعدم إثباتها؟ فإن قالوا: إن إثبات الصفة لابد له من دليل عقلي على تلك الصفة بعينها، ولم يقم لدينا دليل عقلي على غير ما أثبتناه من الصفات (٣). قيل لهم: "إن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفاً على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول ﷺ إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى، وجب علينا التصديق به، وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا.

стр. 796

ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمناً بالرسول، ولا متلقياً عنه الأخبار بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك، أو لم يخبر به، فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به، بل يتأوله أو يفوضه ومالم يخبر به إن علمه بعقله آمن به وإلا فلا. فلا فرق عند من سلك هذه السبيل بين وجود الرسول وإخباره، وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكر من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده، وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق" (١). ثم يقال لهم: لم أثبتم له تعالى إرادة، وأنه مريد حقيقة، ونفيتم حقيقة الحب والرحمة ونحو ذلك. فإن قالوا: لأن إثبات هذا تشبيه. قيل لهم: وكذلك يقول لكم منازعكم في الإرادة. ويقول لكم أهل الإثبات: لابد لكم أن تأتوا في الدلالة على ما أثبتموه من الصفات بالعقل بقياس شمولي أو قياس تمثيلي. فتقولون في الشمولي كل فعل متقن محكم فإنه يدل على علم فاعله وقدرته وإرادته وهذه المخلوقات كذلك فهي دالة على علم الرب تعالى وقدرته ومشيئته، وتقولون في التمثيلي: الفعل المحكم المتقن يدل على علم فاعله وقدرته في الشاهد، فكان دليلاً في الغائب، والدلالة العقلية لا تختلف شاهداً وغائباً فلا يمكنكم أن تثبتوا له سبحانه بالعقل صفة أو فعلاً إلا بالقياس المتضمن قضية كلية، إما لفظاً كما في قياس الشمول، وإما معنى كما في قياس التمثيل فإذا كنتم لا يمكنكم إثبات الصانع ولا صفاته إلا بالقياس الذي لابد فيه من إثبات قدر مشترك بين المقيس والمقيس عليه، وبين أفراد القضية الكلية، ولم يكن هذا عندكم تشبيهاً ممتنعاً، فكيف تنكرون معاني ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ وحقائقه بزعمكم أنه يتضمن تشبيهاً (٢). فإن قالوا: الإرادة التي نثبتها لله ليست مثل إرادة المخلوقين، كما أن قد اتفقنا وسائر المسلمين على أنه حي، عليم، قدير، وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين. قال لكم أهل الإثبات: كذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله ليست مثل رحمة المخلوق، ومحبة المخلوق. فإن قالوا: لا نعقل من الرحمة والمحبة إلا هذا. قال لكم النفاة: ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا (٣). فإن قالوا: إنا نثبت تلك الصفات بالعقل. قال لكم أهل الإثبات: لكم جوابان: أحدهما: أن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، وعلى فرض أن ما سلكتم من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، والنافي لابد أن يأتي بديل كالمثبت سواء بسواء، وليس لكم أن تنفوا شيئاً من الصفات بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت، والسمع قد دل عليه، ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم. الثاني: أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتم به تلك الصفات من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم، يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على الإرادة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكافرين يدل على بغضهم، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته تدل على حكمته البالغة (٤).

стр. 797

فإن قالوا: إنما نفينا الرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك من الصفات لأنه لا يعقل لها حقيقة تليق بالخالق إلا الإرادة. قيل لهم: هذا باطل، فإن نصوص الكتاب والسنة والإجماع مع الأدلة العقلية تبين الفرق، فإن الله سبحانه يقول: إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧]، وقال تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨]، فبين أنه لا يرضى هذه المحرمات مع أن كل شيء كائن بسببه، وقال تعالى: وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ [البقرة: ٢٠٥].وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبإجماع الأمة، أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح، ولا يحب الكفر والفسوق والعصيان، وأنه يرضى هذا ولا يرضى هذا والجميع بمشيئته وقدرته (١). فعلم بهذا أن ما يجب إثباته لله تعالى من الصفات ليس مقصوراً على ما أثبتته الماتريدية. بل إن الواجب - وهو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها: أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهذا هو المنهج الحق الواجب اتباعه والسبيل المستقيم الذي لا أعوجاج فيه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وأما الطرق العقلية التي استدلت بها الماتريدية على إثبات ما أثبتوه من الصفات، فهي ولا ريب صحيحة مستقيمة، فمعرفة الخالق عن طريق التدبر والتفكر في المخلوقات أمر قد حث عليه الله تعالى في كتابه في آيات كثيرة، من ذلك: قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٦٤]، وقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ [آل عمران: ١٠٩]، وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ [ق: ٦ - ٨] (٢).قال الإمام ابن القيم ﵀: "وإذا تأملت ما دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى الفكر فيه أوقعك على العلم به ، وبوحدانيته، وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه، فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته" (٣).

стр. 798

وقد دل كتاب الله أيضاً على الطريق العقلي الثاني، وهو ثبوت الكمال لله وتنزيه الله عن النقائص. كما في قوله تعالى: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٧] وقوله: ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [النحل: ٧٥]، وقوله: وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل: ٧٦]، وقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]، وقوله: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ [الأعراف: ١٤٨] وقول إبراهيم ﵇ لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢] ومثل هذا كثير في القرآن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الكمال ثابت لله بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى، يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه، فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية مع دلالة السمع على ذلك. وثبوت معنى الكمال قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له وتفصيل محامده، وإن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه، ونحو ذلك كله دال على هذا المعنى" (١)."والمقصود هنا أن نبين أن ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل، وأن نقيض ذلك منتف عنه، فإن الاعتماد في الإثبات والنفي على هذه الطريق مستقيم في العقل والشرع" (٢).وقال ﵀: "وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهاً لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، فقد عبد رباً ناقصاً معيباً مؤوفاً، ويثبتون أن هذه كمال، فالخالي عنها ناقص ... " (٣).وإذا تبين لنا هذا، يتبين لنا صحة الطرق العقلية التي استدلت بها الماتريدية على إثبات ما أثبتوه من الصفات. كما يتبين لنا "أن ما جاء به الرسول هو الحق الذي يدل عليه المعقول، وأن أولى الناس بالحق أتبعهم له، وأعظمهم له موافقة وهم سلف الأمة وأئمتها، الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات، ونزهوه عن مماثلة المخلوقات" (٤). المصدر: الماتريدية دراسة وتقويماً تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص٢١٩ صفة القدرة

стр. 799

استدلت الماتريدية على إثبات اتصاف الله تعالى بصفة القدرة بإيجاده تعالى وخلقه للمخلوقات، وهي طريقة (دلالة المحدثات) أو (دليل الأفعال) كما استدلوا بطريقة (التنزيه عن النقائص) إلا أن استدلالهم بالطريقة الأولى أقوى وأشهر عندهم، حتى أن كثيراً منهم لا يذكرون غيرها. والماتريدي يستدل على ثبوت صفة القدرة بدلالة المحدثات، ويربط ثبوت القدرة بثبوت الاختيار. فالاتساق والحكمة في المعقولات وإيجاد المعدوم وإعدام الموجود، يقتضى ثبوت الاختيار من الفاعل، وإذا ثبت الاختيار ثبتت القدرة، إذا لا اختيار بغير قدرة. يقول الماتريدي مقرراً هذا: "إن اتساق الفعل المتوالي بلا فساد ... ولا خروج عن طريق الحكمة، يثبت كون المفعول بالاختيار من الفاعل، فثبت أن الخلق كان بفعله حقيقة ... وأيضاً أن الله تعالى إذا أنشأ شيء ثم أفناه، وفيه أيضاً ما قد أعاده نحو الليل والنهار، ثبت أن فعله بالاختيار، إذ تحقق به صلاح ما قد أفسده، وإعادة ما قد أفناه، وإيجاد المعدوم وإعدام الموجود، فثبت أن طريق ذلك الاختيار، إذ من كان الذي منه يكون بالطبع لا يجيء منه نفي ما يوجد، وإيجاد ما يعدمه ... وأيضاً إنا قد بينا حدث العالم لا من شيء، وذلك نوع ما لا يبلغه إلا فعل من هو في غاية معنى الاختيار، وما يكون بالطبع فحقه الاضطرار، ومحال أن يكون من يبلغ شأنه إلى إنشاء الأشياء لا من شيء، ثم يكون ذلك بالطبع، مع ما كان وقوع الشيء بالطبع هو تحت قهر آخر، وجعله بحيث يسقط عنه الإمكان، وذلك آية الحدث وإمارة الضعف، جل ربنا عن ذلك وتعالى. مع ما جرى التعارف المتوارث من الخلق بالدعوات والتضرع إلى الله تعالى بالفرج، وأنه قهر كذا ونصر كذا، وأعان فلاناً وخذل فلاناً وأن كل ذي قوة يفعل بقوة أنشأها، ولا ينال شيء من ذلك بالمضطر، ولايرغب فيه، دل ذلك على أن العالم باختياره، فإذا ثبت الاختيار ثبتت له القدرة على الخلق، والإرادة لكونه على ما هو عليه، لأن من لا قدرة له يخرج الذي يكون منه مضطرباً فاسداً، ولا يملك الشيء وضده. فثبت أن ما كان منه بقدرة كان باختيار، وذلك أمارات الفعل الحقيقية في الشاهد ... " (١). وأما أبو المعين النسفي وعامة الماتريدية، فإنهم يثبتون القدرة بدلالة مطلق الفعل، بدون توسيط الاختيار في الاستدلال، وذلك أن فعل الفاعل لا يكون صادراً إلا عن قدرة، فالخلق لا يكون إلا من قادر. وكل من الطريقتين محورهما واحد إلا أن الثانية أقل مقدمات فهي أقرب وأبسط في الاستدلال من الأولى. قال أبو المعين النسفي مقرراً دلالة المحدثات على قدرة الله تعالى: "المفعول كما دل على الفاعل فمطلقه يدل على القدرة ... فإن كل من رأي المفعول ... استدل بكونه مفعولاً على قدرة فاعله عليه" (٢).وقال أيضاً: "فلو لم يكن لله تعالى ... قدرة، لما تصور منه إيجاد هذا العالم البديع، بما فيه من الأجرام العلوية، والنجوم السيارة والأشخاص الحيوانية وحيث حصلت به هذه الأشياء، دل على ان له ... قدرة" (٣). المصدر: الماتريدية دراسة وتقويماً تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص٢٤٧ صفة العلم

стр. 800

تثبت الماتريدية صفة العلم لله تعالى بدلالة المحدثات عليه، إذ الإحكام والإتقان في المخلوقات والمحدثات يدلان على علم الخالق والمحدث، إذ لا إحكام ولا إتقان بغير علم. قال الماتريدي: "وعلى ما ذكرنا من تواصل الفعل .. وتتابعه محكماً متقناً هو الدليل أنه كان فعله على العلم به" (١).وقال أبو المعين النسفي: "ولنا أيضاً طريقة دلالة المحدثات على الصفات وهي: المفعول كما دل على الفعل فمطلقه يدل على القدرة، وكونه محكماً متقناً يدل على العلم، فإن كل من رأى المفعول محكماً متقناً استدل بكونه مفعولاً على قدرة فاعلة عليه، وبكونه محكماً على علم فاعله به ... " (٢). وقرر البياضي الدليل من ثلاثة أوجه: "الأول: إثباته بخلقه للأشياء فإنه يقتضي معلومية الأشياء قبل أن تخلق. الثاني: أنه يدل على قدرة الخالق أي كونه فاعلاً بالقصد والاختيار، لأن الخلق إيجاد عن عدم ولا يتصور الفعل بالقصد والاختيار إلا مع العلم بالمقصود. الثالث: أن الخلق البديع يدل على علم الخالق" (٣). وبعد أن ذكر هذه الأوجه قال: "وتقريره أن خلقه تعالى وأفعاله متقن مشتمل على الصنع الغريب والترتيب العجيب، وكل من كان فعله كذلك فهو عالم، أما الصغرى فظاهرة لمن نظر في الآفاق والأنفس وارتباط العلويات بالسفليات، وما أعطى الحيوانات من الأسباب والآلات المناسبة لمصالحها، وما أعطى النحل والعنكبوت من العلم بما يفعله من البيوت بلا فرجار وآلة، كما دل قوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [النحل: ٦٨]، وأما الكبرى فضرورية. وقد ينبه عليها بأن من رأى خطوطاً حسنة أو سمع ألفاظاً عذبة تدل على معان دقيقة جزم بأن مصدرها عالم، وتوهم كفاية الظن مدفوع بالتكرار والتكثر على التصور ضروري وهو كاف في المقصود ... " (٤). كما أنهم استدلوا على إثبات صفة العلم بدليل التنزيه عن النقائص وتقريره: إذا لم يتصف الرب تعالى بالعلم، اتصف بالجهل، لأن العلم والجهل من الصفات المتعاقبة، واتصافه تعالى بالجهل ممتنع، لأنه صفة نقص، ومن شرط القدم التبري عن النقائص، فوجب اتصافه تعالى بالعلم. قال أبو المعين النسفي: "إنا عرفنا ثبوت هذه الصفات كلها لمعرفتنا بتعاقب أضدادها التي في أنفسها نقائص إياها، ومعرفتنا باستحالة ثبوت النقائص في القديم، فعرفنا ثبوت هذه الصفات التي هي صفات الكمال ضرورة انتفاء النقائص عن القديم، وعرف أن ثبوتها من شرائط القدم وهذه الطريقة جارية في هذه الصفات (٥). والدليل الأول هو المشهور عندهم وعند عامة المتكلمين في إثبات صفة العلم، ولا ريب في صحته فقد دل القرآن كما في قوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤]. ودلالة المحدثات - بما فيها من الأحكام والإتقان - على علم الخالق والمحدث أمر ضروري يدركه كل عاقل بدون إقامة دليل منطقي لا يفهمه كل أحد. وقوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ قد دل على وجوب علمه تعالى بالأشياء من عدة أوجه: "أحدها: أنه خالق لها والخلق هو الإبداع بتقدير، وذلك يتضمن تقديرها في العلم قبل تكونها في الخارج.

стр. 801

الثاني: أن ذلك مستلزم للإرادة، والمشيئة والإرادة مستلزمة لتصور المراد والشعور به، وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام. الثالث: أنها صادرة عنه، وهو سببها التام، والعلم بأصل الأمر وسببه، يوجب العلم بالفرع المسبب، فعلمه بنفسه مستلزم العلم بكل ما يصدر منه. الرابع: أنه في نفسه لطيف يدرك الدقيق، خبير يدرك الخفي، وهذا هو مقتضى العلم بالأشياء، فيجب وجود المقتضى لوجود السبب التام، فهو في علمه بالأشياء مستغن بنفسه عنها، كما هو غني بنفسه في جميع صفاته ... " (١). فالآية مع دلالتها على صحة طريقة الماتريدية، فهي أتم وأكمل وأوضح في الدلالة على وجوب اتصافه تعالى بالعلم من طريقتهم. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويماً تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص٢٥١ صفة الحياة اختلفت الماتريدية في طريقة الاستدلال على إثبات صفة الحياة، فذهب بعضهم إلى أن الحياة تثبت بدلالة المحدثات، إذ أن الفعل كما لا يتصور إلا من قادر عالم كذلك لا يتصور إلا من حي، وذهب بعضهم إلى أن الحياة تثبت بدلالة القدرة والعلم لا بدلالة الفعل، إذ يستحيل ثبوت القدرة والعلم بدون الحياة. قال أبو المعين النسفي موضحاً هذا: "ثبوت الحياة ... عند بعض أصحابنا نصرهم الله بدلالة المحدثات عليها إذ إحكام الفعل كما لا يتصور إلا من قادر عالم لا يتصور إلا من حي، تحققه أن الحياة لذات ما لا يعرف في الشاهد إلا بوجود الأفعال الاختيارية، وعند وجودها يقع التيقن بثبوت الحياة بحيث لا مجال للريب في ذلك، ويعد الشاك فيه متجاهلاً، وكما يستدل بالفعل المحكم المتقن على كون الفاعل قادراً عالماً يستدل به على كونه حياً وتمكن في فكر العقول امتناع القول بوجود ذلك إلا من حي على ما ذكرنا. وعند بعض أصحابنا كانت الحياة من مدلولات العلم والقدرة لا من مدلولات الفعل بل الفعل يدل على علمه وقدرته ويستحيل ثبوتهما بدون الحياة، إذ الحياة شرط ثبوتهما، ودليل استحالة ثبوتهما بدون الحياة، أن الموت والجمادية يضادان العلم والقدرة، إذ العقول السليمة كما تأبي قبول قول من أخبر عن اجتماع الموت والحياة والسواد والبياض والحركة والسكون، تأبى قبول قول من يجوز ثبوت العلم والقدرة للميت، وتعرف امتناع اجتماعهما مع الموت، كما تعرف امتناع اجتماع الحياة والموت، ولا تفرق بينهما، فلو جاز ذا لجاز الأول ولو امتنع لامتنع هذا لانعدام ما يوجب التفرقة بين الأمرين في العقول الصحيحة السليمة، تحققه أن ذلك لو جاز لجاز أن يكون كل ديباج نفيس وكل صورة مونقة، وكل قصر عال في العالم كانت حاصلة عن فعل الجمادات والموتى، ولعل كل تصنيف دقيق في فن من العلوم كان في عمل الموتى والجمادات ... وتجويز هذا كله هذيان وخروج عن قضية العقول التحاق بالمتجاهلة" (٢).واستدلوا أيضاً على ثبوت صفة الحياة بدليل ثبوت الكمال والتنزيه عن النقائص، فلو لم يتصف الخالق بالحياة، لوجب أن يتصف بالموت، إذ أن الموت ولحياة من الصفات المتعاقبة، والموت صفة نقص يجب تنزيه الخالق عنها، كما أن الحياة صفة كمال يجب اتصافه بها، إذ من شرط القدم الكمال والتبري عن النقائص، فثبت وجوب اتصافه بالحياة (٣).

стр. 802

وكل هذه الطرق الثلاث التي استدلت بها الماتريدية على اتصاف الباري بالحياة الصحيحة مستقيمة. بل هي بديهية ضرورية، إذ أن معرفة اتصاف الخالق بالحياة أمر ضروري مستقر في الفطر، لا يجحده إلا مكابر ملحد. قال شيخ الإسلام في تعليقه على قول الأصفاني: (والدليل على أنه حي علمه وقدرته، لاستحالة قيام العلم والقدرة بغير الحي): "فهذا دليل مشهور للنظار، يقولون: قد علم أن من شرط العلم والقدرة الحياة، فإن ما ليس بحي يمتنع أن يكون عالماً، إذ الميت لا يكون عالماً، والعلم بهذا ضروري" (١).فلذلك اضطر ابن رشد الفيلسوف إلى الاعتراف بصحة هذا الدليل حيث قال: "وأما صفة الحياة فظاهر وجودها من صفة العلم، وذلك أنه يظهر في الشاهد أن من شرط العلم الحياة. والشرط عند المتكلمين يجب أن ينتقل فيه الحكم من الشاهد إلى الغائب، ما قالوه في ذلك صواب" (٢). المصدر: الماتريدية دراسة وتقويماً تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص٢٥٤ الإرادة أثبتت الماتريدية الإرادة لله بدليل أن الله تعالى قد خلق الخلق باختياره، ولا اختيار بدون إرادة، كما أنه لا اختيار بدون قدرة. وأيضاً اختصاص المفعول بوجه دون وجه، وبوقت دون وقت، دليل على اتصاف الفاعل بالإرادة، إذ هي المعنى الذي يوجب التخصيص. وكذلك استدلوا بدليل التنزيه إذ أن الخالق لو لم يكن مريداً لكان عاجزاً. قال الماتريدي: "إن شرط كل من فعله اختيار الإرادة، وكل من فعله الاضطرار أنه غير مريد ... " (٣).وقال: "ثم الأصل الذي يقع عليه الفعل في الشاهد أن يكون على إرادة أو غلبة أو سهو، فكل من خرج في شيء عن الوصف بالغلبة فيه والسهو لزم الوصف بالإرادة التي هي الأفعال ... " (٤). كما أن التخصيص في المفعولات يدل على اتصاف الفاعل بالإرادة دلالة بديهية، إذ لا تخصيص بلا إرادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه على قول الأصفهاني: (والدليل على إرادته تخصيصه الأشياء بخصوصيات، واستحالة المخصص من غير مخصص): "فإن هذا دليل مشهور للنظار، ويقرر هنا: إن العالم فيه تخصيصات كثيرة، مثل تخصيص كل شيء بما له من القدر، والصفات، والحركات كطوله وقصره، وطعمه ولونه وريحه وحياته وقدرته وعلمه وسمعه وبصره وسائر ما فيه، مع العلم الضروري بأنه من الممكن أن يكون خلاف ذلك، إذ ليس واجب الوجود بنفسه. ومعلوم أن الذات المجردة التي لا إرادة لها لا تخصص، وإنما يكون التخصيص بالإرادة" (٥). وثبوت الإرادة بدليل التنزيه أمر مدرك ببداهة العقول، إذ أنه من الضروريات. بل إن معرفة اتصاف الله تعالى بصفة الإرادة أمر لا يحتاج لإقامة الأدلة العقلية المنطقية عليه، إذ أنه يدرك بالفطرة والضرورة. ولا يجحد هذا إلا مختوم على قلبه، أو فاقد لعقله. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويماً تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص٢٥٧ السمع والبصر

стр. 803

استدلت الماتريدة على اتصاف الله تعالى بصفتي السمع والبصر بدليل الكمال والتنزيه عن النقائص، وذلك أن السمع والبصر صفات كمال والصمم والعمى صفتا نقص، ومن شرط القدم الكمال والتبري عن النقائص، فلزم اتصافه بالسمع والبصر وتنزيهه عن الصمم والعمى. قال أبو المعين النسفي: "إذا ثبت أن صانع العالم قديم ومن شرط القدم التبري عن النقائص، ثبت أنه ... سميع بصير ... إذ لو لم يكن كذلك لكان موصوفاً بـ ... العمى والصمم، إذ هذه الصفات متعاقبة لتلك الصفات، فلو لم يكن هذه الصفات ثابتة لله تعالى لثبت ما يعاقبها وهي صفات نقص ومن شرط القدم الكمال، فدل أنه موصوف بما بينا لضرورة انتفاء أضدادها التي هي سمات المحدث لكونها نقائص" (١).وقال ابن الهمام: "إنه تعالى سميع بصير ... بمرأى منه خفايا الهواجس والأوهام، وبمسمع منه صوت أرجل النملة على الصخرة الملساء، لأنهما صفتا كمال فهو الأحق بالاتصاف بهما من المخلوق، وقال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام: ٨٣] وقد ألزم ﵇ أباه الحجة بقوله: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ [مريم: ٤٢] فأفاد أن عدمها نقص لا يليق بالمعبود" (٢). ويرى البياضي: أن ثبوت السمع والبصر من المعلوم من الدين بالضرورة، وأنه لا حاجة لإقامة الأدلة العقلية على ثبوت ذلك، بل يكتفي بالأدلة السمعية. وخالف ابن الهمام جمهور الماتريدية، حيث ذهب إلى أن السمع والبصر يرجعان إلى صفة العلم، وقد نص على ذلك بقوله: "اعلم أنهما (أي السمع والبصر) يرجعان إلى صفة العلم" (٣). ولا جرم أن القول بمغايرة السمع والبصر للعلم هو القول الصحيح، وذلك "لأن الله قرن بين العلم وبين السمع والبصر، وفرق بين السمع والبصر، وهو لا يفرق بين علم وعلم لتنوع المعلومات.

стр. 804

قال تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦]، وفي موضع آخر: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ٢٠٠]، وقال: وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٧] ذكر سمعه لأقوالهم، وعلمه ليتناول باطن أحوالهم، وقال لموسى وهارون: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦].وفي السنن عن النبي ﷺ إنه قرأ على المنبر: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨] ووضع إبهامه على أذنه وسبابته على عينه (١).ولا ريب أن مقصوده بذلك تحقيق الصفة، لا تمثيل الخالق بالمخلوق، فلو كان السمع والبصر العلم لم يصح ذلك" (٢).ويوضح هذا الإمام البيهقي ﵀ في تعليقه على الحديث بقوله: "فالمراد بالإشارة المروية في هذا الخبر تحقيق الوصف لله بالسمع والبصر، فأشار إلى محلي السمع والبصر منا لإثبات صفة السمع والبصر لله تعالى، كما يقال قبض فلان على مال فلان، ويشار باليد على معنى أنه عليم، إذ لو كان بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب، لأنه محل العلم منا ... " (٣).وقال الإمام الدارمي ﵀ في رده على بشر المريسي: "لا يقال لشيء إنه سميع بصير إلا لمن هو من ذوي الأسماع والأبصار، وقد يقال في مجاز الكلام: الجبال والقصور تتراءى وتسمع، على معنى أنها تقابل بعضها بعضاً، وتبلغها الأصوات ولا تفقه، ولا يقال: جبل سميع بصير، وقصر سميع بصير، لأن سميع مستحيل ذلك إلا لمن يسمع بسمع، ويبصر ببصر. فإن أنكر أصحاب المريسي ما قلنا فليسموا شيئاً من ليس من ذوي الأسماع والأبصار أجازت العرب أن يقولوا فيه هو سميع بصير. فإنهم لا يأتون بشيء يجوز أن يقال له ذلك" (٤). فإذا علم هذا، يتبين لنا أن القول بأن السمع والبصر يرجعان إلى صفة العلم قول ظاهر البطلان عقلاً ونقلاً، بل معلوم الفساد بالضرورة. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويماً تصنيف أحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص٢٦٠ إن مذهب الماتريدية في صفات الله تعالى- مزيج أمشاج من حق، وباطل حيث دخل عليهم شيء كبير من الإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته وتعطيلها تحريف نصوصها، كما سيتضح للقراء بعد قليل. فنبدأ ببيان ما عندهم من الحق الذي يشكرون عليه، وبه فارقوا الجهمية الأولى والمعتزلة ووافقوا الكتاب والسنة، وبذلك قاربوا أهل السنة في الجملة. ونجمل أهم جوانبه فيما يلي: ١ - أثبتوا كثيراً من صفات الله تعالى الثبوتية الذاتية، كحياته تعالى، وعلمه، وقدرته، وإرادته ، وإن كان عندهم تفلسف في طريق إثباتها كما سيأتي. ٢ - كما أثبت جمهورهم سمعه تعالى، وبصره سبحانه. ٣ - أما الصفات السلبية فأثبتوها مع إلحاد وتعطيل فاحشين وقوعا فيهما كما سيأتي.

стр. 805

٤ - أثبتوا صفة التكوين باعتبار أنها مرجعٌ للصفات الفعلية، وهذا القول وإن كان في طيه تعطيل لكنه أحسن من التعطيل الصريح.٥ - استدلوا لإثبات الصفات التي أثبتوها بنصوص الكتاب والسنة (١). فقد عرفوا بعض قيمة نصوص الوحي ولو في الجملة وهذا خير من ردها بالكلية.٦ - لهم جهود عظيمة طيبة في الرد على الجهمية الأولى لإثبات ما أثبتوه من الصفات وإن كانت تلك الردود ترتد عليهم فيما نفوه من الصفات؛ لأنهم كثيراً ما يحتجون بحجج أهل السنة على الجهمية الأولى والمعتزلة ثم يخالفون ما تدل عليه تلك الحجج فيتناقضون فترتد عليهم تلك الحججُ نفسها (٢). وأما ما عندهم من باطل في مذهبهم في صفات الله تعالى، فقد دخل عليهم باطل من إلحاد وتعطيل. الناحية الأولى: حول تقسيمهم للصفات: ونجملها فيما يلي:١ - أول إلحاد وتعطيل وقعوا فيهما - هو حصرهم لصفات الله تعالى، فأنت رأيت أنهم حصروا جميع الصفات في إحدى وعشرين صفةً لا غير، وقد صرح أحد أئمتهم ألا وهو كمال الدين البياضي الحنفي الماتريدي (١٠٩٨هـ) بحصر الصفات الذاتية الثبوتية في سبعٍ، والصفة الثامنة هي التكوين، وهي صفة فعلية فقال: "وعند جلة الخلف لا يزيد على الصفات الثمانية، والصفات الأخرى راجعة إليها" (٣).كما صرح الشاه محمد أنور الكشميري أحد كبار أئمة الديوبندية (١٣٥٢هـ) بأن الأسماء الحسنى كلها مندرجة في صفة التكوين (٤). ومعلوم أن صفة التكوين مرجعٌ للصفات الفعلية عندهم فهي صفة فعل فأين يضعون لفظ الجلالة "الله" وهو الاسم الأعظم ونحوه من الأسماء الحسنى التي تدل على ذات الله تعالى وعلى الصفات الثبوتية الذاتية الكمالية، فهل يضعونها أيضاً في صفة التكوين؟. ولما قالوا بحصر الصفات الإلهية فيما ذكروه عطلوا جميع ما سواها من صفات الله الكمالية، وحرفوا نصوصها الصريحة المحكمة الصحيحة، كما سيأتي عدة أمثلة لذلك. وهذا - والله تعطيل وإلحاد صريحان قبيحان - كما ذكرنا في معنى الزندقة والإلحاد.٢ - الماتريدية تظاهروا بإثبات سبع صفات ذاتية ثبوتية ألا وهي: "الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام" لكنهم في الحقيقة لا يثبتونها كلها جميعاً باتفاقهم بل الحقيقة أنهم اتفقوا على إثبات الصفات الأربع الأول فقط، وأما صفتا "السمع والبصر" فجمهورهم يثبتونها وخالفهم بعضهم كالإمام ابن الهمام شارح الهداية (٨٦١هـ) فأرجعهما إلى صفة "العلم" (٥).ومعلوم أن إرجاع صفة إلى أخرى وتفسير صفة بمعنى أخرى تعطيل صريح وتحريف قبيح فمن فسر "العلم" بالحياة، أو فسر "اليد" بالقدرة ونحو ذلك فقد أبطل وعطل حتى بشهادة الإمام أبي حنيفة ﵀ وفي ذلك عبرة (٦).وهم مع إثباتهم لهذه الصفات تفلسفوا في إثباتها تفلسفاً كادوا أن ينفوها ويعطلوها فإنهم قد صرحوا بأن كلاً من هذه الصفات صفة واحدة قديمة أزلية لا تكثر فيها ولا تجدد وإنما التجدد في متعلقاتها؛ لأن ذلك أليق بكمال التوحيد (٧). فأخرجوا الصفات عما عرف في الشرع والعقل والفطرة.

стр. 806

هكذا كابروا العقل والنقل، ولذلك يقول في أمثالهم شيخُ الإسلام ذلك الإمام البعيد النظر الثاقب الفكر الذي كشف الأستار عن كثير من أسرار المتكلمين وأخرج خباياهم من زواياهم:"وإثبات إرادة واحدة كما ذكروه لا يعرف بشرع ولا عقل بل هو مخالف للشرع والعقل فإنه ليس في الكتاب والسنة ما يقتضى أن جميع الكائنات حصلت بإرادة واحدة بالعين تسبق جميع المرادات بما لا نهاية له وكذلك سائر ما ذكروه" (١). وهو كلام الله تعالى المسموع بحرف وصوت وهو لم يزل ولا يزال متكلماً. ثانياً: أنهم قالوا صراحةً- دون حياءٍ- جهاراً دون إسرار- بخلق القرآن فسايروا الجهمية الأولى وشيوخهم المعتزلة، وفارقوا أهل السنة. ثالثاً: أنهم لم يكتفوا بهذين- التعطيل والإلحاد- بل زادوا بدعةً أخرى على بدعة الجهمية الأولى والمعتزلة، ألا وهي "بدعة الكلام النفسي" الذي لم يعرفه الأولون والآخرون من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين وأئمة هذا الدين قبل ابن كلاب (٢٤٠هـ) ولا يقره عقل صريح ولا نقل صحيح ولا فطرة سليمة ولا إجماع في آن واحد. ٤ - الماتريدية تظاهروا بإثبات الصفات الفعلية- الصفات الاختيارية- والحقيقة أنهم لا يثبتون الصفات الفعلية ولا يقولون بقيامها بالله تعالى ومعلوم أن الصفة لا تكون صفةً إلا إذا قامت بالموصوف واتصف الموصوف بها، وإلا لزم أن تكون صفاتٌ لعمرو صفاتٍ لزيد، وهذا قلب الحقائق ومكابرة بداهة العقل السليم الصريح والنقل الصحيح. وهذه حقيقة اعترفوا بها في صدد احتجاجهم على المعتزلة فقالوا: "ومعلوم أن كلاً من ذلك يدل على معنى زائد على مفهوم الواجب. وليس الكل ألفاظاً مترادفة، وأن صدق المشتق على الشيء يقتضي ثبوت مأخذ الاشتقاق له فثبت له صفة العلم، والقدرة،، والحياة وغير ذلك، لا كما يزعم المعتزلة: أنه عالم لا علم له، وقادر لا قدرة له إلى غير ذلك، فإنه محال ظاهر بمنزلة قولنا: أسود لا سواد له، وقد نطقت النصوص بثبوت علمه، وقدرته، وغيرهما ... "؛وقالوا: "ولا معنى له سوى أنه متصف بالكلام" (٢). ومعلوم أيضاً أنهم أرجعوا جميع الصفات الفعلية إلى صفة التكوين، وأن جميع الصفات الفعلية ليست صفاتٍ حقيقةً لله تعالى، وإنما هي من متعلقات صفة التكوين، والتكوين صفة أزلية وهي عندهم: مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود. فلا شك أن ما يزعمون من صفة التكوين ليس إلا مجموع صتفي "القدرة والإرادة"، ولا شيء غير ذلك، وأنه لا خلاف في الحقيقة بين الماتريدية وبين الأشعرية فكل متفقون على نفي الصفات الفعلية، ونفي قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى، حذراً عن تعدد القدماء، وفراراً عن حلول الحوادث بذاته تعالى في زعمهم كما تقدم ذلك في المسائل الخلافية بين الفريقين. ٥ - الماتريدية خالفوا طريقة الكتاب والسنة، ونابذوا منهج سلف هذه الأمة، وعاكسوا أئمة السنة في باب الصفات السلبية، فأجملوا في الإثبات وفصلوا في النفي المحض ولذلك نرى الإثبات عندهم قليلاً. والنفي كثيراً، فعامة توحيدهم سلوب خالصة اقتداءً بشيوخهم المعتزلة، الثبوتية الذاتية التي هي من أعظم صفات الله تعالى الدالة على كماله ، كصفة "العلو" لله ، فيفسرون هذه الصفة العظيمة بالسلوب فيقولون: "المراد تعاليه عن الأمكنة، والمراد علو القهر، والتنزيه، وتعاليه عن كل موهوم، وتعاليه عن الأشباه، والأنداد، والصفات التي لا تليق به.

стр. 807

والسلوب قد أشربوها في قلوبهم، وتوحيد السلوب قد شغفهم حباً إلى حد قالوا: "إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به، ولا منفصل عنه، ولا فوق العرش، ولا يمين، ولا شمال، ولا أمام، ولا خلف، فقالوا بما لا يقره عقل صريح ولا نقل صحيح، ولا فطرة سليمة، ولا إجماع، وأرادوا الفرار من التشبيه وقصدوا التنزه، فنزهوا الله تعالى عن كثير من صفاته الكمالية، ووقعوا في أبشع التشبيه وأشنعه وهو تشبيه الله تعالى بالحيوانات، بل بالجمادات، بل بالمعدومات، بل بالممتنعات، وقالوا: إن الله تعالى لا كلام له، ولا يتكلم ولا يناجي، ولا ينادي - بالمعنى الذي دل عليه الكتاب والسنة وفهمه سلف الأمة وأئمة السنة، ولا له يد، ولا يدان، ولا أصابع، ولا قبضة، ولا وجه، ولا عين، ولا ساق ولا قدم، ولا رجل، وأولوها إلى المعاني الأخرى. الناحية الثانية: حول ما أصلوه في "التشبيه والتنزيه" وما نتج من ذلك من إلحادٍ وتعطيل كثيرٍ من صفات الله تعالى وتحريف نصوصها. الماتريدية لما فهموا من صفات الله تعالى تشبيه الله بخلقه ورأوا أن ذلك يخالف تنزيهه تعالى، وأدخلوا في مفهوم التشبيه كثيراً من صفات الله، كما أدرجوا في التنزيه نفي كثير منها - كما تقدم تفصيله في مبحث التشبيه دخل عليهم الإلحادُ في أسمائه وصفاته سبحانه والتعطيلُ لكثير من صفات الله تعالى وتحريف نصوصها بشتى التأويلات. وفيما يلي بعض الأمثلة الواقعية من نصوصهم في كتبهم لتكون شاهدة لما قلنا ويكون القراء الكرام على بصيرة من أمر هؤلاء. المثال الأول: أنهم تظاهروا بإثبات "الحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة" لله ولكنهم تفلسفوا فيها فأخرجوها عما كانت عليه في العقل والنقل. المثال الثاني: أرجع بعضهم كالإمام ابن الهمام (٨٦١هـ) صفتي "السمع والبصر" إلى صفة "العلم" وهذا تعطيل واضح، وللعلامة محمد أنور شاه الكشميري أحد كبار أئمة الديوبندية (١٣٥٢هـ) تفلسف آخر في معاني الصفتين "السمع والبصر" لا نطيل المقام بذكره (١). المثال الثالث: تظاهر الماتريدية بإثبات الصفات الفعلية، ولكن الحقيقة أنها ليست صفاتٍ حقيقية قائمةً بالله تعالى - عندهم - وهذا تعطيل صريح. المثال الرابع: توسعوا وبالغوا وأسرفوا في السلوب وفصلوا فيها فأدخلوا فيها كثيراً من الصفات الذاتية الثبوتية، ونابذوا طريق الكتاب والسنة وعاكسوا سلف هذه الأئمة، وشاقوا أئمة السنة. المثال الخامس: عاملوا صفة "العلو" لله على خلقه - معاملةً كابروا بها صريح العقل وصحيح النقل وسليم الفطرة وواقع إجماع بني آدم من أولهم إلى آخرهم مسلمهم وكافرهم عربهم وعجمهم رجالهم ونسائهم. فعطلوا هذه الصفة العظيمة بأنواع من التحريفات، وقالوا: إن الله لا فوق، ولا تحت ولا خلف، ولا أمام ولا يمين، ولاشمال، ولا فوق العالم، ولا تحته، ولا خارج العالم، ولا داخله، إلى آخر ذلك الهذيان. المثال السادس: فعلوا في صفة "الكلام" ما لا يقره عقل ولا نقل ولا فطرة كفعلهم في صفة "العلو".

стр. 808

فعطلوا هذه الصفة العظيمة عن مفهومها المعروف عند سلف هذه الأئمة وأئمة السنة، وأتوا ببدعة شنعاء ظلماء أخرى ألا وهي بدعة "الكلام النفسي" وحرفوا نصوص الشرع ونصوص أئمة الإسلام إلى تلك البدعة وصرحوا ببدعة القول بخلق القرآن جهاراً دون حياء. المثال السابع: عطلوا صفة "تكليم الله" لعباده من الرسل والملائكة وغيرهم، وحرفوا نصوصها، وقالوا بأن كلام الله غير مسموع، وأن موسى ﵊ لم يسمع كلام الله تعالى، وإنما سمع صوتاً مخلوقاً الشجرة، وهذا عين كلام الجهمية الأولى بل هو كلام النصارى (١).المثال الثامن: عطلوا صفة "نداء الله تعالى" عباده وحرفوا نصوصها بأنها تمثيل لكلام موسى ﵇ من تلك الجهة (٢).المثال التاسع: صفة "الصوت" لله تعالى، فقد عطلوها، وحرفوا نصوصها إلى أن المراد من الصوت "صوت المخلوق" أو المراد "مخلوق غير قائم به تعالى" (٣).المثال العاشر: صفة "الأذن" بفتح الهمزة وفتح الذال المعجمة - أي "الاستماع" (٤) أعني استماع الله سبحانه إلى قراءة النبي ﷺ ، فقد صح أن النبي ﷺ قال: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن)) (٥).فحرفوا هذه الصفة العظيمة التي يفرح بها المؤمن وتثير عواطفه وتشوقه فزعموا أنها لا حقيقة لها بل أنها مجاز عن تقريبه تعالى للقارئ، وإجزال ثوابه أو قبول قراءته (٦) ففسروها باللوازم. المثال الحادي عشر: صفة "الصورة" لله تعالى، فقط عطلوها وحرفوا نصوصها إلى "صورة اعتقاد" أو "صورة الأمر" أو "صورة الحال" أو "صورة الملك الذي لا ينبغي لغيره" أو المراد من "الصورة" عظمة الله لا تشبه شيئاً" أو غير ذلك (٧).والكوثري لغلوه في التعطيل وإسرافه في البدعة، وانحرافه عن السنة وأهلها، وأئمتها لم يتمالك نفسه فقدح في حديث "الصورة" ظلماً وعدواناً (٨) مع أنه حديث متفق عليه بين أئمة الإسلام ولاسيما البخاري ومسلم فقد أخرجاه وليس من الأحاديث المنتقدة عليهما حتى جاء هذا الجركسي فطعن فيه فخرق ثوب الحياء، كما خرق إجماع الفضلاء. وهو من حديث أبي هريرة في حديث طويل فيه قصة رجل هو آخر أهل الجنة دخولاً وفيه: ((فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه)).وفيه: ((فلا يزال يدعو حتى يضحك فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها)) (٩) الحديث. وفي لفظ: ((فيأيتهم الله في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه)).وفيه (( ... حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه ... )) (١٠).وهو من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة الكبرى وفيه: ((فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة ... ، فكيشف عن ساقه ... )) (١١).وفي لفظ: (( ... أتاهم رب العالمين في أدنى صورةٍ من التي رأوه فيها ... فيكشف عن ساق ... )) (١٢).

стр. 809

قلت: طّعْنُ الكوثري في هذا الحديث الصحيح المحكم الصريح المتفق على صحته المتلقى بالقبول - يكفي لسقوطه عن منزلة الديانة والأمانة إلى درك الخيانة. هل هذا هو تثبت الكوثري واحتياطه وأمانته وديانته؟.المثال الثاني عشر: ما أثبته الله تعالى لنفسه من "النفس" فقد نفوها، قالوا: إن ذكر "النفس" للمشاكلة (١). قلت: لقد ورد صفة "النفس" في الكتاب والسنة في مواضع لا تحتمل المشاكلة: منها قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨]. وقوله تعالى: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:١٢]. وقوله سبحانه: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:٥٤] وقوله تعالى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:٤١].وقول النبي ﷺ : ((لما خلق الله الخلق كتب في كتابه، وهو كتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش: إن رحمتى تغلب غضبي)) (٢).وقول رسول الله ﷺ : ((لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) (٣).وقد انتبه إلى ذلك العلامة الملا علي القاري الحنفي (١٠١٤هـ) فرد على احتمال المشاكلة (٤) ﵀ رحمة واسعة وإيانا آمين! تنبيه مهم: على أن "النفس" صفة، أم عبارة عن "الذات"؟ عد كثير من سلف الأمة "النفس" من صفات الله تعالى، كالإمام أبي حنيفة، وإمام الأئمة ابن خزيمة رحمهما الله تعالى (٣١١هـ) وغيرهما من أئمة السنة (٥).وبالغ الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ (٢٨٠هـ) فاستنبط "الضمير" لله سبحانه من نصوص "النفس" (٦). وصنيعه هذا لا يتمشى مع طريقة أئمة السنة - وهو منهم - لأن "الضمير" لم نجد أثباته في نصوص الشرع، وإن كان قصدهُ معنىً صحيحاً. وذكر بعض أئمة السنة كالإمام البخاري ﵀ (٢٥٦هـ): "النفس" ونصوصها لإثبات إطلاقها على الله بدون التصريح بأنها من صفات الله تعالى (٧).

стр. 810

ولكن صرح كثير من أئمة السنة منهم شيخ الإسلام بأن "النفس" ليست من صفات الله تعالى، وإنما المراد من "النفس" "ذات الله المقدسة"، لأن "نفس الشيء" "ذاته وعينه" وأن هذا هو الصواب. فإذن نصوص "النفس" ليس من نصوص الصفات (١).ومنه شيخنا عبدالله بن محمد الغنيمان حفظه الله تعالى فله تحقيق دقيق عميق أنيق وثيق حقيق بالقبول فقد حقق أن "نفس" الشيء "ذاته وعينه" ووفق بين كلام الأئمة أمثال ابن خزينة، والدارمي وبين كلام شيخ الإسلام فراجعه (٢).المثال الثالث عشر: صفة "الوجه الكريم" لله ، فقد عطلوها، وحرفوا نصوصها بتأويلها إلى "الوجود"، و"الذات" (٣).المثال الرابع عشر: صفة "العين" لله تعالى، فتراهم يعطلونها ويحرفونها إلى: "الحفظ، والرعاية، والإعلام، والأمر، والواحي، والمنظر، والمرءي" وغيرها (٤). الأمثلة: الخامس عشر إلى العشرين: صفات "اليدين"، و"اليد" و"اليمين" و"القبضة" و"الكيف" و"الأصابع" لله ليس كمثله جل وعلا، فهذه الصفات قد عطلوها وحرفوا نصوصها إلى "القدرة أو النعمة، أو التدبير، أو الذات" أو غيرها. المثال الحادي والعشرون: صفة "الرِجْل" له ، عطلوها وحرفوا نصوصها إلى "رجل بعض المخلوقين"، أو المراد بالرجل أنه اسم لمخلوق من المخلوقين أو المراد "الجماعة"، أو "الجد في الأمر" أو "الزجر لجهنم والردع والقمع لها وتسكين حدتها" (٥). وقد ذكرنا حديث "الرجل" وخرجناه من الصحيحن وبينا بطلان قول من طعن فيه، ونصه يبطل تأويلات هؤلاء المتكلمين. المثال الثاني والعشرون: صفة "القدم" لله جل وعلا، فعطلوها وحرفوا نصوصها إلى أن المراد "المتقدم" أو "قدم بعض المخلوقين" أو "مخلوق اسمه قدم" أو "موضع" أو "اسم لما قدم من شيء، وغيرها (٦). وسقنا روايات صفة "القدم" وخرجناها من الصحيحين ونصوصها تبطل هذه التحريفات. وللإمام أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (٢٢٤هـ) الذي يجعله الكوثرية وبعض الديوبندية حنفياً ويعدونه من كبار أئمة الحنفية (٧) - حول أحاديث الرجل والقدم ونحوها من أحاديث الصفات، كلام يقضي عن تأويلات هؤلاء المتكلمين. ونصُّه: "نحن نروي هذه الأحاديث، ولا نزيغ لها المعاني" (٨).
следующие страницы →