← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

هكذا كابروا العقل والنقل، ولذلك يقول في أمثالهم شيخُ الإسلام ذلك الإمام البعيد النظر الثاقب الفكر الذي كشف الأستار عن كثير من أسرار المتكلمين وأخرج خباياهم من زواياهم:"وإثبات إرادة واحدة كما ذكروه لا يعرف بشرع ولا عقل بل هو مخالف للشرع والعقل فإنه ليس في الكتاب والسنة ما يقتضى أن جميع الكائنات حصلت بإرادة واحدة بالعين تسبق جميع المرادات بما لا نهاية له وكذلك سائر ما ذكروه" (١). وهو كلام الله تعالى المسموع بحرف وصوت وهو لم يزل ولا يزال متكلماً. ثانياً: أنهم قالوا صراحةً- دون حياءٍ- جهاراً دون إسرار- بخلق القرآن فسايروا الجهمية الأولى وشيوخهم المعتزلة، وفارقوا أهل السنة. ثالثاً: أنهم لم يكتفوا بهذين- التعطيل والإلحاد- بل زادوا بدعةً أخرى على بدعة الجهمية الأولى والمعتزلة، ألا وهي "بدعة الكلام النفسي" الذي لم يعرفه الأولون والآخرون من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين وأئمة هذا الدين قبل ابن كلاب (٢٤٠هـ) ولا يقره عقل صريح ولا نقل صحيح ولا فطرة سليمة ولا إجماع في آن واحد. ٤ - الماتريدية تظاهروا بإثبات الصفات الفعلية- الصفات الاختيارية- والحقيقة أنهم لا يثبتون الصفات الفعلية ولا يقولون بقيامها بالله تعالى ومعلوم أن الصفة لا تكون صفةً إلا إذا قامت بالموصوف واتصف الموصوف بها، وإلا لزم أن تكون صفاتٌ لعمرو صفاتٍ لزيد، وهذا قلب الحقائق ومكابرة بداهة العقل السليم الصريح والنقل الصحيح. وهذه حقيقة اعترفوا بها في صدد احتجاجهم على المعتزلة فقالوا: "ومعلوم أن كلاً من ذلك يدل على معنى زائد على مفهوم الواجب. وليس الكل ألفاظاً مترادفة، وأن صدق المشتق على الشيء يقتضي ثبوت مأخذ الاشتقاق له فثبت له صفة العلم، والقدرة،، والحياة وغير ذلك، لا كما يزعم المعتزلة: أنه عالم لا علم له، وقادر لا قدرة له إلى غير ذلك، فإنه محال ظاهر بمنزلة قولنا: أسود لا سواد له، وقد نطقت النصوص بثبوت علمه، وقدرته، وغيرهما ... "؛وقالوا: "ولا معنى له سوى أنه متصف بالكلام" (٢). ومعلوم أيضاً أنهم أرجعوا جميع الصفات الفعلية إلى صفة التكوين، وأن جميع الصفات الفعلية ليست صفاتٍ حقيقةً لله تعالى، وإنما هي من متعلقات صفة التكوين، والتكوين صفة أزلية وهي عندهم: مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود. فلا شك أن ما يزعمون من صفة التكوين ليس إلا مجموع صتفي "القدرة والإرادة"، ولا شيء غير ذلك، وأنه لا خلاف في الحقيقة بين الماتريدية وبين الأشعرية فكل متفقون على نفي الصفات الفعلية، ونفي قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى، حذراً عن تعدد القدماء، وفراراً عن حلول الحوادث بذاته تعالى في زعمهم كما تقدم ذلك في المسائل الخلافية بين الفريقين. ٥ - الماتريدية خالفوا طريقة الكتاب والسنة، ونابذوا منهج سلف هذه الأمة، وعاكسوا أئمة السنة في باب الصفات السلبية، فأجملوا في الإثبات وفصلوا في النفي المحض ولذلك نرى الإثبات عندهم قليلاً. والنفي كثيراً، فعامة توحيدهم سلوب خالصة اقتداءً بشيوخهم المعتزلة، الثبوتية الذاتية التي هي من أعظم صفات الله تعالى الدالة على كماله ، كصفة "العلو" لله ، فيفسرون هذه الصفة العظيمة بالسلوب فيقولون: "المراد تعاليه عن الأمكنة، والمراد علو القهر، والتنزيه، وتعاليه عن كل موهوم، وتعاليه عن الأشباه، والأنداد، والصفات التي لا تليق به.

стр. 807

والسلوب قد أشربوها في قلوبهم، وتوحيد السلوب قد شغفهم حباً إلى حد قالوا: "إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به، ولا منفصل عنه، ولا فوق العرش، ولا يمين، ولا شمال، ولا أمام، ولا خلف، فقالوا بما لا يقره عقل صريح ولا نقل صحيح، ولا فطرة سليمة، ولا إجماع، وأرادوا الفرار من التشبيه وقصدوا التنزه، فنزهوا الله تعالى عن كثير من صفاته الكمالية، ووقعوا في أبشع التشبيه وأشنعه وهو تشبيه الله تعالى بالحيوانات، بل بالجمادات، بل بالمعدومات، بل بالممتنعات، وقالوا: إن الله تعالى لا كلام له، ولا يتكلم ولا يناجي، ولا ينادي - بالمعنى الذي دل عليه الكتاب والسنة وفهمه سلف الأمة وأئمة السنة، ولا له يد، ولا يدان، ولا أصابع، ولا قبضة، ولا وجه، ولا عين، ولا ساق ولا قدم، ولا رجل، وأولوها إلى المعاني الأخرى. الناحية الثانية: حول ما أصلوه في "التشبيه والتنزيه" وما نتج من ذلك من إلحادٍ وتعطيل كثيرٍ من صفات الله تعالى وتحريف نصوصها. الماتريدية لما فهموا من صفات الله تعالى تشبيه الله بخلقه ورأوا أن ذلك يخالف تنزيهه تعالى، وأدخلوا في مفهوم التشبيه كثيراً من صفات الله، كما أدرجوا في التنزيه نفي كثير منها - كما تقدم تفصيله في مبحث التشبيه دخل عليهم الإلحادُ في أسمائه وصفاته سبحانه والتعطيلُ لكثير من صفات الله تعالى وتحريف نصوصها بشتى التأويلات. وفيما يلي بعض الأمثلة الواقعية من نصوصهم في كتبهم لتكون شاهدة لما قلنا ويكون القراء الكرام على بصيرة من أمر هؤلاء. المثال الأول: أنهم تظاهروا بإثبات "الحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة" لله ولكنهم تفلسفوا فيها فأخرجوها عما كانت عليه في العقل والنقل. المثال الثاني: أرجع بعضهم كالإمام ابن الهمام (٨٦١هـ) صفتي "السمع والبصر" إلى صفة "العلم" وهذا تعطيل واضح، وللعلامة محمد أنور شاه الكشميري أحد كبار أئمة الديوبندية (١٣٥٢هـ) تفلسف آخر في معاني الصفتين "السمع والبصر" لا نطيل المقام بذكره (١). المثال الثالث: تظاهر الماتريدية بإثبات الصفات الفعلية، ولكن الحقيقة أنها ليست صفاتٍ حقيقية قائمةً بالله تعالى - عندهم - وهذا تعطيل صريح. المثال الرابع: توسعوا وبالغوا وأسرفوا في السلوب وفصلوا فيها فأدخلوا فيها كثيراً من الصفات الذاتية الثبوتية، ونابذوا طريق الكتاب والسنة وعاكسوا سلف هذه الأئمة، وشاقوا أئمة السنة. المثال الخامس: عاملوا صفة "العلو" لله على خلقه - معاملةً كابروا بها صريح العقل وصحيح النقل وسليم الفطرة وواقع إجماع بني آدم من أولهم إلى آخرهم مسلمهم وكافرهم عربهم وعجمهم رجالهم ونسائهم. فعطلوا هذه الصفة العظيمة بأنواع من التحريفات، وقالوا: إن الله لا فوق، ولا تحت ولا خلف، ولا أمام ولا يمين، ولاشمال، ولا فوق العالم، ولا تحته، ولا خارج العالم، ولا داخله، إلى آخر ذلك الهذيان. المثال السادس: فعلوا في صفة "الكلام" ما لا يقره عقل ولا نقل ولا فطرة كفعلهم في صفة "العلو".

стр. 808

فعطلوا هذه الصفة العظيمة عن مفهومها المعروف عند سلف هذه الأئمة وأئمة السنة، وأتوا ببدعة شنعاء ظلماء أخرى ألا وهي بدعة "الكلام النفسي" وحرفوا نصوص الشرع ونصوص أئمة الإسلام إلى تلك البدعة وصرحوا ببدعة القول بخلق القرآن جهاراً دون حياء. المثال السابع: عطلوا صفة "تكليم الله" لعباده من الرسل والملائكة وغيرهم، وحرفوا نصوصها، وقالوا بأن كلام الله غير مسموع، وأن موسى ﵊ لم يسمع كلام الله تعالى، وإنما سمع صوتاً مخلوقاً الشجرة، وهذا عين كلام الجهمية الأولى بل هو كلام النصارى (١).المثال الثامن: عطلوا صفة "نداء الله تعالى" عباده وحرفوا نصوصها بأنها تمثيل لكلام موسى ﵇ من تلك الجهة (٢).المثال التاسع: صفة "الصوت" لله تعالى، فقد عطلوها، وحرفوا نصوصها إلى أن المراد من الصوت "صوت المخلوق" أو المراد "مخلوق غير قائم به تعالى" (٣).المثال العاشر: صفة "الأذن" بفتح الهمزة وفتح الذال المعجمة - أي "الاستماع" (٤) أعني استماع الله سبحانه إلى قراءة النبي ﷺ ، فقد صح أن النبي ﷺ قال: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن)) (٥).فحرفوا هذه الصفة العظيمة التي يفرح بها المؤمن وتثير عواطفه وتشوقه فزعموا أنها لا حقيقة لها بل أنها مجاز عن تقريبه تعالى للقارئ، وإجزال ثوابه أو قبول قراءته (٦) ففسروها باللوازم. المثال الحادي عشر: صفة "الصورة" لله تعالى، فقط عطلوها وحرفوا نصوصها إلى "صورة اعتقاد" أو "صورة الأمر" أو "صورة الحال" أو "صورة الملك الذي لا ينبغي لغيره" أو المراد من "الصورة" عظمة الله لا تشبه شيئاً" أو غير ذلك (٧).والكوثري لغلوه في التعطيل وإسرافه في البدعة، وانحرافه عن السنة وأهلها، وأئمتها لم يتمالك نفسه فقدح في حديث "الصورة" ظلماً وعدواناً (٨) مع أنه حديث متفق عليه بين أئمة الإسلام ولاسيما البخاري ومسلم فقد أخرجاه وليس من الأحاديث المنتقدة عليهما حتى جاء هذا الجركسي فطعن فيه فخرق ثوب الحياء، كما خرق إجماع الفضلاء. وهو من حديث أبي هريرة في حديث طويل فيه قصة رجل هو آخر أهل الجنة دخولاً وفيه: ((فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه)).وفيه: ((فلا يزال يدعو حتى يضحك فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها)) (٩) الحديث. وفي لفظ: ((فيأيتهم الله في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه)).وفيه (( ... حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه ... )) (١٠).وهو من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة الكبرى وفيه: ((فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة ... ، فكيشف عن ساقه ... )) (١١).وفي لفظ: (( ... أتاهم رب العالمين في أدنى صورةٍ من التي رأوه فيها ... فيكشف عن ساق ... )) (١٢).

стр. 809

قلت: طّعْنُ الكوثري في هذا الحديث الصحيح المحكم الصريح المتفق على صحته المتلقى بالقبول - يكفي لسقوطه عن منزلة الديانة والأمانة إلى درك الخيانة. هل هذا هو تثبت الكوثري واحتياطه وأمانته وديانته؟.المثال الثاني عشر: ما أثبته الله تعالى لنفسه من "النفس" فقد نفوها، قالوا: إن ذكر "النفس" للمشاكلة (١). قلت: لقد ورد صفة "النفس" في الكتاب والسنة في مواضع لا تحتمل المشاكلة: منها قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨]. وقوله تعالى: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:١٢]. وقوله سبحانه: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:٥٤] وقوله تعالى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:٤١].وقول النبي ﷺ : ((لما خلق الله الخلق كتب في كتابه، وهو كتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش: إن رحمتى تغلب غضبي)) (٢).وقول رسول الله ﷺ : ((لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) (٣).وقد انتبه إلى ذلك العلامة الملا علي القاري الحنفي (١٠١٤هـ) فرد على احتمال المشاكلة (٤) ﵀ رحمة واسعة وإيانا آمين! تنبيه مهم: على أن "النفس" صفة، أم عبارة عن "الذات"؟ عد كثير من سلف الأمة "النفس" من صفات الله تعالى، كالإمام أبي حنيفة، وإمام الأئمة ابن خزيمة رحمهما الله تعالى (٣١١هـ) وغيرهما من أئمة السنة (٥).وبالغ الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ (٢٨٠هـ) فاستنبط "الضمير" لله سبحانه من نصوص "النفس" (٦). وصنيعه هذا لا يتمشى مع طريقة أئمة السنة - وهو منهم - لأن "الضمير" لم نجد أثباته في نصوص الشرع، وإن كان قصدهُ معنىً صحيحاً. وذكر بعض أئمة السنة كالإمام البخاري ﵀ (٢٥٦هـ): "النفس" ونصوصها لإثبات إطلاقها على الله بدون التصريح بأنها من صفات الله تعالى (٧).

стр. 810

ولكن صرح كثير من أئمة السنة منهم شيخ الإسلام بأن "النفس" ليست من صفات الله تعالى، وإنما المراد من "النفس" "ذات الله المقدسة"، لأن "نفس الشيء" "ذاته وعينه" وأن هذا هو الصواب. فإذن نصوص "النفس" ليس من نصوص الصفات (١).ومنه شيخنا عبدالله بن محمد الغنيمان حفظه الله تعالى فله تحقيق دقيق عميق أنيق وثيق حقيق بالقبول فقد حقق أن "نفس" الشيء "ذاته وعينه" ووفق بين كلام الأئمة أمثال ابن خزينة، والدارمي وبين كلام شيخ الإسلام فراجعه (٢).المثال الثالث عشر: صفة "الوجه الكريم" لله ، فقد عطلوها، وحرفوا نصوصها بتأويلها إلى "الوجود"، و"الذات" (٣).المثال الرابع عشر: صفة "العين" لله تعالى، فتراهم يعطلونها ويحرفونها إلى: "الحفظ، والرعاية، والإعلام، والأمر، والواحي، والمنظر، والمرءي" وغيرها (٤). الأمثلة: الخامس عشر إلى العشرين: صفات "اليدين"، و"اليد" و"اليمين" و"القبضة" و"الكيف" و"الأصابع" لله ليس كمثله جل وعلا، فهذه الصفات قد عطلوها وحرفوا نصوصها إلى "القدرة أو النعمة، أو التدبير، أو الذات" أو غيرها. المثال الحادي والعشرون: صفة "الرِجْل" له ، عطلوها وحرفوا نصوصها إلى "رجل بعض المخلوقين"، أو المراد بالرجل أنه اسم لمخلوق من المخلوقين أو المراد "الجماعة"، أو "الجد في الأمر" أو "الزجر لجهنم والردع والقمع لها وتسكين حدتها" (٥). وقد ذكرنا حديث "الرجل" وخرجناه من الصحيحن وبينا بطلان قول من طعن فيه، ونصه يبطل تأويلات هؤلاء المتكلمين. المثال الثاني والعشرون: صفة "القدم" لله جل وعلا، فعطلوها وحرفوا نصوصها إلى أن المراد "المتقدم" أو "قدم بعض المخلوقين" أو "مخلوق اسمه قدم" أو "موضع" أو "اسم لما قدم من شيء، وغيرها (٦). وسقنا روايات صفة "القدم" وخرجناها من الصحيحين ونصوصها تبطل هذه التحريفات. وللإمام أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (٢٢٤هـ) الذي يجعله الكوثرية وبعض الديوبندية حنفياً ويعدونه من كبار أئمة الحنفية (٧) - حول أحاديث الرجل والقدم ونحوها من أحاديث الصفات، كلام يقضي عن تأويلات هؤلاء المتكلمين. ونصُّه: "نحن نروي هذه الأحاديث، ولا نزيغ لها المعاني" (٨).

стр. 811

قلت: فمن أول هذه الأحاديث فقد عطل وحرف وزاغ، وهذا هو الإلحاد، بشهادة هذا الإمام وفيه عبرة للكوثري والكوثرية خاصة والماتريدية عامة فهل من مدّكر؟ المثال الثالث والعشرون: صفة الساق له ، فقد عطلوها وحرفوا نصوصها بأن المراد من الساق "الشدة، أو أمر مهول أو النور العظيم، أو جماعة من الملائكة، أو النفس، أو ذات الله تعالى، أو ساق أخرى يخلقها الله تعالى، أو تَجَلي الله سبحانه، وغيرها من التأويلات" (١). قلت: حديث الساق من أعظم الأحاديث الصحيحة المحكمة الصريحة المتلقاة بالقبول والمتفق عليها، وقد ذكرنا نصه وخرجناه من الصحيحين. ومع ذلك قد طعن فيه ذلك الكوثري الجركسي الجهمي ظلماً وعدواً، وفيما يلي حاصل طعونه مع الجواب. أ- أن الكوثري قرر أن الساق لم ترد مضافة إلي الله لا في حديث صحيح ولا سقيم (٢).قلت: انظروا أيها المسلمون إلى هذا البهات الكذاب كيف ينفي وجود هذا الحديث بهذا الإطلاق؟ مع أن الساق موجودةٌ في صحيح البخاري مضافةً إلى الله تعالى، مع اعتراف الكوثري بوجود الساق مضافةً إلى الله سبحانه، في (صحيح البخاري) (٣).ب- كما غمز من رواة هذا الحديث الصحيح الذين في الصحيحين - يحيى بن عبدالله بن بكير، وسعيد بن أبي هلال، وسويد بن سعيد الهروي (٤)، مع أن "يحيى بن عبدالله بن بكير" وثقه جمهور أهل هذا الشأن، وشذ النسائي فضعفه، فالحكم للجماعة على الشاذ، فهو ثقة ولاسيما في "الليث بن سعد" بل هو أثبت الناس فيه (٥). وحديث الساق الذي رواه البخاري عن يحيى بن عبدالله بن بكير، هو من حديث الليث فماذا قيمة نسج هذا العنكبوت؟! فليس لحياكته ثبوت. ثم "يحيى بن عبدالله بن بكير" لم ينفرد بهذا الحديث عن "الليث" فقد رواه البخاري عن "آدم" عن "الليث". فماذا يصنع هذا الجهمي؟ الذي يعمل أعمال الجهنمي.

стр. 812

وأما "سعيد بن أبي هلال" فهو صدوق بل ثقة وثقة ابن سعد، والعجلي، أبو حاتم، وابن خزيمة، والدارقطني، وابن حبان، وآخرون. ولم يعرف لابن حزم سلفٌ في تضعيفه، غير أن الساجي حكى عن الإمام أحمد: أنه اختلط (١) ولم يقل أحد من أهل هذا الشأن - وإليهم المرجع في هذا الشأن - إن هذا الحديث إنما أخذه البخاري عنه في حال اختلاط "سعيد بن أبي هلال" إن صحت حكاية الساجي، بل تلقاه الأئمة بالقبول ورواه البخاري في صحيحه مستدلاً به على إثبات صفة الساق له ، حتى جاء أشقى القوم فتعاطى فعقر. وأما "سويد بن سعيد الهروي" فصدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه (٢)، ولم يقل أحد أن مسلماً أخذ عنه في حال عماه، وشأن مسلم تعالى عن ذلك؛ على أن هذا الحديث مروي في (صحيح البخاري) من غير طريق سويد بن سعيد، فهل وجود "سويد" عند مسلم يضير هذا الحديث الصحيح الصريح؟!.ولا تخفى مكانة الصحيحين على أحد إلا على المغرضين الممرضين، ورجال الصحيحين قد جاوزوا القنطرة عند أهل هذا الشأن (٣). وقد ذكرنا نبذةً من مكانة الصحيحين وموقف الكوثري والكوثرية وبعض الحنفية منهما. ج- قال الكوثريُ: "من عادة أهل الزيغ حمل المجاز المشهور في القرآن على الحقيقة" (٤). قلت: مذهب سلف هذه الأمة وأئمة السنة عدمُ تعطيل صفات الله تعالى وعدم تحريف نصوصها بالتأويلات، وحملها على الحقائق اللائقة بالله سبحانه كما تقدم في فصل التأويل مفصلاً. أما أهل الزيغ وأئمة التعطيل والتحريف فيعطلون صفات الله تعالى ويحرفون نصوصها وقد تقدم قول الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (٢٢٤هـ) الذي يجعله الكوثري من كبار أئمة الحنفية، حول أحاديث "الرجل والقدم" ونحوها من أحاديث الصفات، ونصه: "نحن نروي هذه الأحاديث ولا نزيغ لها المعاني"، وتقدم أيضاً أن الكوثري سكت عليه فالآن نتحاكم إلى حكم الحق والإنصاف والعدل، وليتبين من هم أهل الزيغ؟! فلنعم ما قيل: "رمتنى بدائها وانسلت". ولله در القائل: فحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح وما أحسن ما قال القائل: وقال السهى يا شمس أنت خفيةٌ ... وقال الدجى يا صبح لونك حالكٌ المثال الرابع والعشرون: أن "النور" من أسماء الله الحسنى إذا أطلق عليه تعالى, وصفهٌ من صفاته جل وعلا إذا أضيف إليه سبحانه إضافة صفة إلى موصوفها أما إذا أضيف إلى غيره تعالى فلا يكون اسماً له تعالى، ولا صفة له بل خلقاً له (٥). ونظير ذلك: "الحق" فإنه يطلق على الله تعالى فيكون اسماً له سبحانه، ويطلق على صفاته جل وعلا (٦)، لكن الماتريدية وحلفاؤهم أولوا "النور" إلى أنه "ذو النور" و"الوجود" و"المنور" (٧).

стр. 813

قلت: قصدهم بهذا التأويل أن "النور" ليس من أسمائه تعالى، ولا من صفاته، بل هو فعل من الأفعال المنفصلة عنه تعالى، أو معناه أن الله تعالى سبب لوجود الكائنات. قال شيخنا العلامة عبدالله بن محمد الغنيمان بعد ما ذكر تأويلات المؤولين معقباً عليها:"قلت: هذا تأويل باطل ... " (١).وقال شيخ الإسلام: " ... جماهير المسلمين لا يتأولون هذا الاسم، وهذا مذهب السلفية، وجمهور الصفاتية من أهل الكلام، والفقهاء، والصوفية، وغيرهم وهو قول أبي سعيد بن كلاب، ذكره في الصفات ورد على الجهمية، تأويل اسم "النور" وهو شيخ المتكلمين في الصفاتية من الأشعرية - (الشيخ الأول) - وحكاه عنه أبو بكر بن فورك في كتاب (مقالات ابن كلاب)، والأشعري، ولم يذكروا تأويله إلا عن الجهمية المذمومين باتفاق، وهو أيضاً قول أبي الحسن الأشعري ذكره في الموجز ... " (٢).قلت: الحاصل أن هذه التأويلات باطلة وفي هذه كفاية (٣).المثال الخامس والعشرون: صفة "البقاء" ذهب جمهرة الماتريدية إلى أن "البقاء" هو الوجود وليس زائداً عليه، وذهب الإمام أبو الحسن الأشعري، وقدماء الأشعرية إلى أن "البقاء" صفة وجودية "ثبوتية" زائدة على "الجودة" (٤).ومال نور الدين الصابوني الماتريدي (٥٨٠هـ) إلى مذهب الأشعري في هذا، وناظر الفخر الرازي فيلسوف الأشعرية (٦٠٦هـ)، ولكنه انهزم أمام الرازي (٥)، والرازي كعادته خالف الأشعري في هذا كما خالف في مسائل أخرى كما أن كثيراً من متأخري الأشعرية الجهمية المعطلة مالوا إلى مذهب الماتريدية فنفوا صفة البقاء زائدةً على الوجود وقالوا البقاءُ هو الوجود نفسه (٦).وقد صرح بعض الأشعرية والماتريدية بأن الباقلاني (٤٠٣هـ) مال إلى مذهب الماتريدية (٧)، لكن رأيت في (تمهيده) خلاف ما ذكروه، فقد أثبت صفة "البقاء" وبوب لها فقال "باب البقاء من صفات ذاته" (٨)، بل قد صرح الإمام ابن فورك (٤٠٦هـ) بالإجماع على إثبات هذه الصفة (٩).

стр. 814

والحقيقة أن هؤلاء الماتريدية ومن وافقهم من متأخري الأشعرية على باطل محض وفي تعطيل بحت في تأويلهم لصفة "البقاء" إلى "الوجود" لأن "البقاء" أخص من "الوجود" وأكمل منه، و"الوجود" أعم من "البقاء" لأن البقاء استمرار الوجود، وهو الوجود المستمر الأبدي الذي لا نهاية له، فهو وجود مقيد بالدوام والاستمرار والأبدية، وهذا المعنى زائد على مفهوم مطلق الوجود دون شك. قاله الله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، فوجود الله تعالى أزلي وأبدي، وليس كذلك وجود خلقه فالله متصف بـ"الوجود" و"البقاء" معاً. الأمثلة السادس والعشرون إلى التاسع والعشرين: صفات "الاستواء" (١) و"النزول" و"الإتيان" و"المجيء" له تعالى، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى فقد عطلوها وحرفوا نصوصها معنوياً. المثالان الثلاثون والواحد والثلاثون: صفتا "الرضا" و"الغضب" له ، نسأل الله رضاه ونعوذ به من غضبه جل وعلا. هاتان الصفتان عطلهما الماتريدية، وحرفوا نصوصهما اتباعاً للجهمية الأولى فحرفوا صفة "الغضب" إلى "الانتقام" و"إرادة الانتقام" (٢)، وحرفوا صفة "الرضى" إلى "الثواب" ونحوه (٣)، مع أن إمامهم الأعظم الإمام أبا حنيفة ﵀ (١٥٠هـ) قال: "لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى، ولا يقال: غضبه عقوبته ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه" (٤).كما صرح الإمام أن تفسير صفةْ بأخرى مذهبُ المعتزلة، وأن ذلك إبطال لتلك الصفة (٥).

стр. 815

قلت: فالماتريدية خرجوا على أهل السنة والجماعة وعلى إمامهم الأعظم بشهادة هذا الإمام الأعظم، وفي ذلك لعبرة بالغة أيما عبرة. ومن العجب العجاب أن العلامة القاري اعترف بذلك (١).وهذا من محاسن هذا الرجل التي يشكر عليها وكم له من اعتراف بالحق ورجوعٍ إلى الصواب مواقف طيبةٍ من ذم الكلام وأهله وكشف الأستار عن مخازيهم، وبيان شكوكهم وتشكيكهم وشبهاتهم، ومناصرته للعقيدة السلفية في الجملة في بعض المواضع ودفاعه الشديد المتين عن شيخ الإسلام، والإمام ابن القيم ونحو ذلك مما ترغم أنوف الكوثرية (٢).ومن حسن حظه أن الكوثري لقبه بـ"ناصر السنة" (٣). وفي ذلك عبرة للكوثرية. المثال الثاني والثلاثون: صفة "المحبة" فقد عطلوها وحرفوها إلى "إرادة خيري الدنيا والآخرة" و"إيصال الخير إلى العبد" و"إرادة الثواب" (٤) ويكفي في الرد عليهم كلام الإمام أبي حنيفة السابق ذكره آنفاً. المثال الثالث والثلاثون: صفة "الرحمة" لله تعالى: عطلت الماتريدية هذه الصفة التي تُحَرِّكُ القلوب وتثير العواطف وبها يرجو المسلمون عفو الله ، كما أنهم حرفوا نصوصها إلى "إرادة الإنعام" أو"الإعطاء" ومعنى "الرحمن الرحيم" عندهم "معطي جلائل النعم" و"رحمة الله" عندهم "إنعامه، والتفضل، الإحسان" (٥).فأنت ترى أنهم أرجعوها إلى صفة الإرادة وإلى فعل من الأفعال كالإعطاء ونحوه، وعلى هذا الفنجفيرية من الماتريدية المعاصرة (٦). وقد تقدم منهج الإمام أبي حنيفة وتصريحه بأن تفسير صفة بأخرى، وإرجاع صفة إلى أخرى تعطيلٌ لها وإبطال له، وهو مذهب المعتزلة وليس هذا من مذهب أهل السنة والجماعة. المثال الرابع والثلاثون: صفة "الضحك" لربنا ليس كمثله شيء، وهذه الصفة ثابتة له جل وعلا على لسان رسول الله ﷺ لكن الماتريدية عطلوها وحرفوا نصوصها إلى "ظهور تباشير الخير" أو"العفو" و"الارتضاء"، ونحوها (٧). المثال الخامس والثلاثون: صفة الغيرة لله : فقد حرفوها وعطلوا نصوصها إلى "كراهية الإتيان إلى الفواحش" و"عدم رضاه" و"غضبه" أو "الزجر عن الفواحش" أو"التحريم لها" أو "المنع منها" أو غيرها من المجازات (٨). ولم يكتفوا بمجاز واحد بل ارتكبوا المجاز في المجاز فقالوا: ولازم"ولازم الغضب إرادة إيصال العقوبة عليها" (٩). فأنت ترى أنهم حرفوا صفة "الغيرة" بنوع من المجاز إلى "الغضب" و"عدم الرضا"، ثم حرفوا صفة "الغضب" إلى إرادة إيصال "العقوبة"، كما حرفوا صفة "الرضا" إلى ما سبق من المجاز. فارتكبوا المجاز في المجاز فصارت - في هذا الباب - كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [النور:٣٩] أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ [النور:٤٠].المثال السادس والثلاثون: صفة "الحياء" وهي صفة تزيد للمؤمنين رجاءً فعطلوها وحرفوا نصوصها إلى "الترك" و"الامتناع" (١٠). وتقدم تخريج حديث يتعلق بهذه الصفة. المثال السابع والثلاثون: صفة "الألوهية" تلك الصفة العظيمة التي هي غاية إنزال الكتب وإرسال الرسل وخلق الجن والإنس؛ فقد عطلوها وحرفوها إلى صفة "الربوبية" (١١). المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٢/ ٤٢٩

стр. 816

أولا: ما تثبت به النبوة عند الماتريدية يرى الماتريدية أن إثبات صدق الرسل والأنبياء يقوم على النظر في صفات الأنبياء الخلقية والخلقية قبل الرسالة وبعدها وعلى تأييد الله لهم بالمعجزات الدالة على صدقهم. قال في كتاب (التوحيد): "ثم الأصل عندنا في إعلام الرسل وجهان: أحدهما ظهور أحوالهم على جهة تدفع العقول عنهم الريبة وتأبى فيهم توهم الظنة بما صحبوهم في الصغر والكبر فوجدوهم طاهرين أصفياء أتقياء بين أظهر قوم ما احتمل التسوية بينهم على ذلك ولا تربيتهم تبلغ ذلك على ظهور أحوالهم لهم وكونهم بينهم في القرار والانتشار فيعلم بإحاطة أن ذلك حفظ من يعلم أنه يقيمهم مقاما شريفا ويجعلهم أمناء على الغيوب والأسرار وهذا مما تميل إلى قبوله الطبيعة ويستحسن جميع أمورهم العقل فيكون الراد عليه يرد بعد المعرفة رد تعنت له .. والثاني مجيء الآيات الخارجة عن طبائع أهل البصر في ذلك النوع الممتنعة عن أن يطمع في مثلها أو يبلغ بكنهها التعلم مع ما لو احتمل أن يبلغ أحد ذلك بالتعلم والاجتهاد فإن الرسل بما نشؤوا لا في ذلك وربوا لا به يظهر أنهم استفادوه بالله أكرمهم بذلك لما يجعلهم أمناء على وحيه" (١) وأما جمهور الماتريدية فيرون أنه لا دليل على صدق النبي غير المعجزة بحجة أن المعجزة وحدها هي التي تفيد العلم اليقيني بثبوت نبوة النبي أو الرسول. قال البزدوي: " ... لا يتصور ثبوت الرسالة بلا دليل فيكون الثبوت بالدلائل وليست تلك الدلائل إلا المعجزات فثبتت رسالة كل رسول بمعجزات ظهرت على يديه فكانت معجزات موسى ﵇ العصا واليد البيضاء وغيرهما من المعجزات ومعجزات عيسى ﵇ إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك ومعجزات محمد ﵇ القرآن فإن العرب بأجمعهم مع فصاحتهم عجزوا عن الإتيان بمثله ... فعجزوا عن ذلك فكانت المعجزات دليل صدق دعواهم الرسالة فإن ما ظهر ليس في وسع بشر فعلم أن الله هو المنشئ وإنما ينشئها لتكون دليلا على صدق دعواه فإن قوم كل رسول سألوا منه دلائل صدقه فدعا الله تعالى ليؤيده بإعطاء ما طلبوا منه فلما أعطاه دليل صدقه الذي طلب منه قومه صار ذلك دليل صدقه من الله تعالى فإن الله لا يؤيد الكاذب ...... ولابد للناس من معرفة الرسل ولا طريق للمعرفة سوى المعجزات ... " (٢).وقال أبو المعين النسفي: " ... إذا جاء واحد وادعى الرسالة في زمان جواز ورود الرسل ... لا يجب قبول قوله بدون إقامة الدليل .... لما أن تعين هذا المدعي للرسالة ليس في حيز الواجبات لانعدام دلالة العقل على تعينه فبقي في حيز الممكنات وربما يكون كاذبا في دعواه فكان القول بوجوب قبول قوله قولا بوجوب قبول قول من يكون قبول قوله كفرا وهذا خلف من القول وإذا لم يجب قبول قوله بدون الدليل يطالب بالدليل وهو المعجزة ... " (٣). وقال الناصري: " فالمعجزة توجب علم اليقين بنبوة الرسل بواسطة التأمل وترك الإعراض عن النظر فيها وإنما جهل من جهل بعد ظهور آيات الرسل بترك التأمل ولم يعذر بالترك لأن العقل مما يلزمه التأمل فيها لأنه حجة من حجج الله تعالى وهي تتعاضد ولا تتضاد ولو كانت الحجج موجبة للعلم جبرا لما تعلق بها ثواب ولا عقاب فالمعجزة رأس الحجج وهي تزداد عند البحث والتأمل إيضاحا واستنارة وقوة ووكادة " (٤)

стр. 817

وقال صاحب (بيان الاعتقاد): " والنبوة رحمة وموهبة بمشيئة الله تعالى فقط ولابد من معجزة وهي عبارة عما قصد به إظهار صدق من ادعى أنه رسول الله" (١). ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء ولكن القول بأن نبوة الأنبياء لا تعرف إلا بالمعجزات قول غير صحيح والدليل على هذا يظهر من عدة أوجه:١ - " إن المقصود إنما هو معرفة صدق مدعي النبوة أو كذبه فإنه إذا قال: إني رسول الله فهذا الكلام إما أن يكون صدقا وإما أن يكون كذبا ... فإذا كان مدعي الرسالة إذا لم يكن صادقا فلابد أن يكون كاذبا عمدا أو ضلالا فالتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما هو دون دعوى النبوة فكيف بدعوى النبوة" (٢) ٢ - " معلوم أن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي ﷺ لما بلغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام: والله لا أقول لك كلمة واحدة إن كنت صادقا فأنت أجل في عيني من أرد عليك وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أرد عليك. فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم وما أحسن قول حسان لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر" (٣) ٣ - " ما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز ... بل كل شخصين ادعيا أمرا من الأمور أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب فلا بد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة إذ الصدق مستلزم للبر والكذب مستلزم للفجور .... والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعين للصناعات والمقالات كالفلاحة والنساجة والكتابة .... فما من أحد يدعي العلم بصناعة أو مقالة إلا والتفريق في ذلك بين الصادق والكاذب له وجوه كثيرة وكذلك من أظهر قصدا وعملا كمن يظهر الديانة والأمانة والنصيحة والمحبة وأمثال ذلك من الأخلاق فإنه لابد أن يتبين صدقه أو كذبه من وجوه متعددة. والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لابد أن يتصف بها الرسول وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب ولا يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب من وجوه كثيرة" (٤).

стр. 818

٤ - " هذا المقام يشبه من بعض الوجوه تنازع الناس في أن خبر الواحد هل يجوز أن يقترن به من القرائن والضمائم ما يفيد معه العلم. ولا ريب أن المحققين من كل طائفة على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري بخبر المخبر بل القرائن وحدها قد تفيد العلم الضروري كما يعرف الرجل رضا الرجل وغضبه وحبه وبغضه وفرحه وحزنه وغير ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على وجهه يمكنه التعبير عنها كما قال تعالى: وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ [محمد:٣٠] ثم قال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:٣٠] " فأقسم أنه لابد أن يعرف المنافقين في لحن القول .... وإذا كان صدق الخبر أو كذبه يعلم بما يقترن به من القرائن بل في لحن قوله وصفحات وجهه ويحصل بذلك علم ضروري لا يمكن المرء أن يدفعه عن نفسه فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله كيف يخفى صدقه وكذبه أم كيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة لا تعد ولا تحصى" (١). ٥ - "وإذا كان الكاذب إنما يؤتى من وجهين إما أن يتعمد الكذب وإما أن يلبس عليه كمن يأتيه الشيطان فمن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من الناس من يعلم أنه لا يتعمد الكذب ... ونحن لا ننكر أن الرجل قد يتغير ويصير متعمد للكذب بعد أن لم يكن كذلك لكن إذا استحال وتغير ظهر ذلك لمن يخبره ويطلع على أموره. ولهذا لما كانت خديجة ﵂ تعلم من النبي ﷺ أنه الصادق البار قال لها لما جاءه الوحي: ((إني قد خشيت على عقلي)) فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق (٢). فهو لم يخف من تعمد الكذب فإنه يعلم من نفسه ﷺ أنه لم يكذب لكن خاف في أول الأمر أن يكون قد عرض له عارض سوء وهو المقام الثاني فذكرت خديجة ما ينفي هذا وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والأعمال وهو الصدق المستلزم للعدل والإحسان إلى الخلق ومن جمع فيها الصدق والعدل والإحسان لم يكن ممن يخزيه الله. وصلة الرحم وقرى الضيف وحمل الكل وإعطاء المعدوم والإعانة على نوائب الحق هي من أعظم أنواع البر والإحسان وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه" (٣).

стр. 819

٦ - " طريق معرفة الأنبياء كطريق معرفة نوع من الآدميين خصهم الله بخصائص يعرف ذلك من أخبارهم واستقراء أحوالهم كما يعرف الأطباء والفقهاء ولهذا إنما يقرر الرب تعالى في القرآن أمر النبوة وإثبات جنسها بما وقع في العالم من قصة نوح وقومه وهود وقومه وصالح وقومه ... وغيرهم فيذكر وجود هؤلاء وإن قوما صدقوهم وقوما كذبوهم ويبين حال من صدقهم وحال من كذبهم فيعلم بالاضطرار حينئذ ثبوت هؤلاء ويتبين وجود آثارهم في الأرض فمن لم يكن رأى في بلدة آثارهم فليسر في الأرض ولينظر آثارهم وليسمع أخبارهم المتواترة .... ولهذا قال مؤمن آل فرعون لما أراد أن ينذر قومه: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ [غافر:٣٠ - ٣١] ولهذا لما سمع ورقة بن نوفل والنجاشي وغيرهما القرآن قال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي كان يأتي موسى وقال النجاشي إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. فكان عندهم علم بما جاء به موسى اعتبروا به ولولا ذلك لم يعلموا هذا وكذلك الجن لما سمعت القرآن وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠] ولما أراد سبحانه تقرير جنس ما جاء به محمد قال: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا [المزمل:١٥ - ١٦] فهو سبحانه يثبت وجود جنس الأنبياء ابتداء كما في السور المكية حتى يثبت وجود هذا الجنس وسعادة من اتبعه وشقاء من خالفه ثم نبوة عين هذا النبي تكون ظاهرة ... " (١). ٧ - وإذا علمنا بالتواتر أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم علمنا علما يقينيا أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة: منها أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم أخبارا كثيرة في أمور كثيرة وهي كلها صادقة لم يقع في شيء منها تخلف ولا غلط بخلاف من يخبر به ليس متبعا لهم ممن تنزل عليه الشياطين أو يستدل على ذلك بالأحوال الفلكية وغيرها وهؤلاء لابد أن يكونوا كثيرا بل الغالب من أخبارهم الكذب وإن صدقوا أحيانا ومن ذلك ما أحدثه الله تعالى من نصرهم وإهلاك عدوهم إذا عرف الوجه الذي حصل عليه كحصول الغرق لفرعون وقومه بعد أن دخل البحر خلف موسى وقومه كان هذا مما يورث علما ضروريا أن الله تعالى أحدث لهم هذا نصرا لموسى ﵇ وقومه ونجاة لهم وعقوبة لفرعون وقومه ونكالا لهم وكذلك أمر نوح والخليل ﵉ وكذلك قصة الفيل وغير ذلك ومن الطرق أيضا أن من تأمل ما جاءت به الرسل ﵈ فيما أخبرت به وما أمرت به علم الضرورة أن مثل هذا لا يصدر إلا عن أعلم الناس وأصدقهم وأبرهم وأن مثل هذا يمتنع صدوره عن كاذب متعمد للكذب مفتر على الله يخبر عنه بالكذب الصريح أو مخطئ جاهل ضال يظن أن الله تعالى أرسله ولم يرسله.

стр. 820

وذلك لأن فيما أخبروا به وما أمروا به من الإحكام والإتقان وكشف الحقائق وهدي الخلائق وبيان ما يعلم العقل جملة ويعجز عن معرفته تفصيلا ما يبين أنهم من العلم والمعرفة والخبرة في الغاية التي باينوا بها أعلم الخلق ممن سواهم فيمتنع أن يصدر مثل ذلك من جاهل ضال. وفيها من الرحمة والمصلحة والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أن ذلك صدر عن راحم بار يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق. وإذا كان ذلك يدل على كمال علمهم وكمال حسن قصدهم فمن تم علمه وتم حسن قصده امتنع أن يكون كاذبا على الله يدعي عليه هذه الدعوى العظيمة التي لا يكون أفجر من صاحبها إذا كان كاذبا متعمدا ولا أجهل منه إن كان مخطئا ... والعلم بجنس الحق والباطل والخير والشر والصدق والكذب معلوم بالفطرة والعقل الصريح ... فإذا علم أنه فيما علم الناس أنه حق وأنه خير هو أعلم منهم به وأنصح الخلق فيه وأصدقهم فيما يقول علم بذلك أنه صادق عالم ناصح لا كاذب ولا جاهل ولا غاش. وهذه الطريق يسلكها كل أحد بحسبه ولا يحتاج في هذه الطريق إلى أن يعلم أولا خواص النبوة وحقيقتها وكيفيتها بل أن يعلم أنه صادق بار فيما يخبر به ويأمر به ثم من خبره يعلم حقيقة النبوة والرسالة " (١) وبهذا يتبين لنا أن قول الماتريدية بأن نبوة الأنبياء لا تثبت إلا بالمعجزات قول غير صحيح بل هو باطل عقلا ونقلا وهم في هذا إنما تابعوا المعتزلة واقتفوا أثرهم (٢). المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ٣٧٩ - ٣٨٧ ثانيا: المعجزة والكرامة عند الماتريدية

стр. 821

تثبت الماتريدية كرامات الأولياء كما أنهم يثبتون معجزات الأنبياء ويرون أنه لا فرق بينهما إلا التحدي الذي هو دعوى الرسالة فالمعجزة عندهم أمر خارق للعادة غير مقرون بالتحدي ويرون أنه لا تعارض ولاالتباس بين إثبات المعجزات وإثبات الكرامات بل إن كرامة الولي من معجزة النبي ودليل على صدقه لأن كرامة التابع كرامة المتبوع والولي لا يكون وليا حتى يكون مصدقا بالنبي ومتبعا له. قال أبو المعين النسفي مبينا تعريف المعجزة:" المعجزة وحدها على طريقة المتكلمين أنها ظهور أمر بخلاف العادة في دار التكليف لإظهار صدق مدعي النبوة مع نكول من يتحدى به عن معارضته بمثله وإنما قيد بدار التكليف لأن ما يظهر من الناقض للعادة في دار الآخرة لا يكون معجزة وإنما قلنا لإظهار صدق مدعي النبوة ليقع الاحتراز به عما يظهر مدعي الألوهية إذ ظهور ذلك على يده جائز عندنا وفيه أيضا احتراز يظهر على يد الولي إذ ظهور ذلك كرامة للولي جائز عندنا وإنما قلنا لإظهار صدقه لأن ذلك لو ظهر لإظهار كذبه ... لا يكون ذلك معجزة له ولا دليلا على صدقه بل يكون دليلا على كذبه في دعواه وإنما قلنا مع نكول من يتحدى به عن معارضته بمثله لأن الناقض للعادة لو ظهر على يده ثم ظهر على يد المتحدي به مثله لخرج ما ظهر على يده عند المعارضة عن الدلالة إذ مثله ظهر على يدي من يكذبه يكون دليل صدق من يكذبه فيتعارض الدليلان فيسقطان" (١).وقال مبينا اعتقاد الماتريدية في كرامات الأولياء: " وظهور الكرامة على طريق نقض العادة للولي جائز عندنا غير ممتنع ... وأهل الحق أقروا بذلك لما اشتهر من الأخبار واستفاض من الحكايات عن الأحبار فلا وجه إلى رد ما انتشر به الخبر عن صالحي الأئمة في ذلك وما ظنوا (أي: المعتزلة) أنه يؤدي إلى انسداد طريق الوصول إلى معرفة النبي والرسول ... فظن باطل بل كل كرامة للولي تكون معجزة لرسول فإن ظهورها يعلم أنه ولي ولن يكون وليا إلا وأن يكون محقا في ديانته إذ المعتقد دينا باطلا عدو لله لا وليه وكونه محقا في ديانته وديانة الإقرار برسالة رسوله واتباعه إياه في دينه دليل صحة رسالة رسوله فمن جعل ما هو معجزة للرسول ودلالة صدقه مبطلا للمعجزة وسادا لطريق الوصول إلى معرفتها فقد وقع في غلط فاحش وخطأ بين ثم كيف يؤدي ذلك إلى التباس الكرامة بالمعجزة والمعجزة تظهر على أثر الدعوة والولي لو ادعى الرسالة لكفر من ساعته وصار عدوا لله تعالى ولا يتصور بعد ذلك ظهور الكرامة على يده وكذا صاحب المعجزة لا يكتم معجزته بل يظهرها وصاحب الكرامة يجتهد في كتمانها ويخاف أنها من قبيل الاستدراج له دون الكرامة ويخاف الاغترار لدى الاشتهار ... ثم فيها فائدة ثبوت رسالة من آمن به الولي وصيرورة الولي كمن عاين من أهل عصر النبي معجزته وتصير أيضا مبعثة له على الجد والاجتهاد في العبادات والاحتراز عن السيئات .. " (٢). وقال الناصري:" الفرق بين النبي والولي ظاهر لأن النبي يدعي المعجزة والكرامة ويتحدى بها الخلق فيقول إن آية رسالتي وثبوتي كذا وكذا والولي لا يدعي الكرامة وإنما تظهر على يده من غير تحد ودعوى ومتى ادعاها سقط من رتبة الولاية وصار فاسقا كذا ذكر علماء الأصول منهم سيف الحق أبو المعين .... " (٣). وقال الأوشي:

стр. 822

"كرامات الولي بدار دنيا لها كون فهم أهل النوالقال الآلوسي: كرامات الولي ... جمع كرامة وهي ظهور أمر خارق للعادة مقارن للاعتقاد الصحيح والأعمال الصالحة غير مقارن لدعوى النبوة وصاحبها مقر بالمتابعة إذ بها تحقق ولايته والوثوق بصدق كرامته ودعواه النبوة دليل نفي الكرامة عنه وثبوت كونه متصفا بالكذب فضلا عن التميز بالولاية وبهذا تمتاز عن المعجزة ... " (١). وقال ملا علي قاري: " والكرامات للأولياء حق أي: ثابت بالكتاب والسنة ولا عبرة بمخالفة المعتزلة وأهل البدعة في إنكار الكرامة والفرق بينهما أن المعجزة أمر خارق للعادة كإحياء الميت وإعدام جبل على وفق التحدي وهو دعوى الرسالة والكرامة خارق للعادة إلا أنها غير مقرونة بالتحدي وهي كرامة للولي وعلامة لصدق النبي فإن كرامة التابع كرامة المتبوع ... " ثم قال: " كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي لا فارق بينهما إلا التحدي ... والحاصل أن الأمر الخارق للعادة هو بالنسبة إلى النبي معجزة سواء ظهر من قبله أو من قبل أمته لدلالته على صدق نبوته وحقية رسالته فبهذا الاعتبار جعل معجزة له وإلا فحقيقة المعجزة أن تكون مقارنة للتحدي على يد المدعي وبالنسبة إلى الولي كرامة" (٢) ظهر لنا مما تقدم أن الماتريدية تشترط في المعجزة حتى تكون دليلا صحيحا على إثبات النبوة ثلاثة شروط: خرق العادة والتحدي وعدم المعارضة. وحدهم هذا للمعجزة غير منضبط وبيانه من وجوه:١ - " ليس في الكتاب والسنة تعليق الحكم بهذا الوصف بل ولا ذكر خرق العادة ولا لفظ المعجز وإنما فيه آيات وبراهين وذلك يوجب اختصاصها بالأنبياء" (٣). ٢ - " كون الآية خارقة للعادة .... وصف لا ينضبط وهو عديم التأثير فإن نفس النبوة معتادة للأنبياء خارقة للعادة بالنسبة إلى غيرهم .... كما أن ما يعرفه أهل الطب والنجوم والفقه والنحو هو معتاد لنظرائهم وهو خارق بالنسبة إلى غيرهم. ولهذا إذا أخبر الحاسب بوقت الكسوف والخسوف تعجب الناس إذ كانوا لا يعرفون طريقه فليس في هذا ما يختص بالنبي ... فكونه خارقا للعادة ليس أمرا مضبوطا فإنه إن أريد به أنه لم يوجد له نظير في العالم فهذا باطل فإن آيات الأنبياء بعضها نظير بعض بل النوع منه كإحياء الموتى هو آية لغير واحد من الأنبياء وإن قيل: إن بعض الأنبياء كانت آيته لا نظير لها كالقرآن والعصا والناقة لم يلزم ذلك في سائر الآيات. ثم هب أنه لا نظير لها في نوعها لكن وجد خوارق العادات للأنبياء غير هذا فنفس خوارق العادات معتاد جميعه للأنبياء بل هو من لوازم نبوتهم مع كون الأنبياء كثيرين ... وإن عني بكون المعجزة هي الخارق للعادة أنها خارقة لعادة أولئك المخاطبين بالنبوة بحيث ليس فيهم من يقدر على ذلك فهذا ليس بحجة فإن أكثر الناس لا يقدرون على الكهانة والسحر ونحو ذلك ... وأيضا فكون الشيء معتادا هو مأخوذ من العود وهذا يختلف بحسب الأمور فالحائض المعتادة من الفقهاء من يقول تثبت عادتها بمرة ومنهم من يقول بمرتين ومنهم من يقول لا تثبت إلا بثلاث وأهل كل بلد لهم عادات في طعامهم ولباسهم وأبنيتهم لم يعتدها غيرهم فما خرج عن ذلك فهو خارق لعادتهم لا لعادة من اعتاده غيرهم فلهذا لم يكن في كلام الله ورسوله وسلف الأمة وأئمتها وصف آيات الأنبياء بمجرد كونها خارقة للعادة ولا يجوز أن يجعل مجرد خرق العادة هو الدليل فإن هذا لا ضابط له وهو مشترك بين الأنبياء وغيرهم ولكن إذا قيل من شرطها أن تكون خارقة للعادة بمعنى أنها

стр. 823

لا تكون معتادة للناس فهذا ظاهر يعرفه كل أحد ويعرفون أن الأمر المعتاد مثل الأكل والشرب ليس دليلا ولا يدعي أحد أن مثل هذا دليل له فإن فساد هذا ظاهر لكل أحد ولكن ليس مجرد كونه خارقا للعادة كافيا لوجهين أحدهما أن كون الشيء معتادا وغير معتاد أمر نسبي إضافي ليس بوصف مضبوط تتميز به الآية ... الثاني أن مجرد ذلك مشترك بين الأنبياء وغيرهم ... " (١). ٣ - " إن آيات الأنبياء ليس من شرطها استدلال النبي بها ولا تحديه بالإتيان بمثلها بل هي دليل على نبوته وإن خلت عن هذين القيدين وهذا كإخبار من تقدم من بنبوة محمد فإنه دليل على صدقه وإن كان هو لم يعلم بما أخبروا به ولا يستدل به وأيضا فما كان يظهره الله على يديه من الآيات مثل تكثير الطعام والشراب مرات وكنبع الماء من بين أصابعه غير مرة ... وغير ذلك كله من دلائل النبوة ولم يكن يظهرها للاستدلال بها ولا يتحدى بمثلها بل لحاجة المسلمين إليها وكذلك إلقاء الخليل في النار إنما كان بعد نبوته ودعائه لهم إلى التوحيد" (٢). ومما يلزمهم " أن ما كان يظهر على يد النبي ﷺ في كل وقت من الأوقات ليس دليلا على نبوته لأنه لم يكن كلما ظهر شيء من ذلك احتج به وتحدى الناس بالإتيان بمثله بل لم ينقل عنه التحدي إلا في القرآن خاصة ولا نقل التحدي عن غيره من الأنبياء مثل موسى والمسيح وصالح ولكن السحرة لما عارضوا موسى أبطل معارضتهم. وهذا الذي قالوه يوجب أن لا تكون كرامات من جملة المعجزات ... " (٣).٤ - " أن المعارضة بالمثل أن يأتي بحجة مثل حجة النبي وحجته عندهم مجموع دعوى النبوة والإثبات بالخارق فيلزم على هذا أن تكون المعارضة بأن يدعي غيره النبوة ويأتي بالخارق وعلى هذا فليست معارضة الرسول بأن يأتوا بالقرآن أو عشر سور أو سورة مثل أن يدعي أحدهم النبوة ويفعل ذلك وهذا خلاف العقل والنقل ولو قال الرسول لقريش لا يقدر أحد منكم أن يدعي النبوة ويأتي بمثل القرآن وهذا هو الآية وإلا فمجرد تلاوة القرآن ليس آية بل قد يقرأه المتعلم له فلا تكون آية لأنه لم يدع النبوة ولا ادعاها لكان الله ينسيه إياه أو يقيض له من يعارضه كما ذكرتم لكانت قريش وسائر العلماء يعلمون أن هذا باطل " (٤).ثم إنه "قد يأتي الرجل بما لا يقدر الحاضرون على معارضته ويكون معتادا لغيرهم كالكهانة والسحر ... " (٥). و" قد ادعى جماعة من الكذابين النبوة وأتوا بخوارق الكهان والسحرة ولم يعارضهم أحد في ذلك المكان والزمان وكانوا كذابين ... " (٦). ٥ - " إن آيات الأنبياء مما يعلم العقلاء أنها مختصة بهم ليست مما تكون لغيرهم فيعلمون أن الله لم يخلق مثلها لغير الأنبياء وسواء في آياتهم التي كانت في حياة قومهم وآياتهم التي فرق الله بها بين أتباعهم وبين مكذبيهم بنجاة هؤلاء وهلاك هؤلاء ليست من جنس ما يوجد في العادات المختلفة لغيرهم ... فآيات الأنبياء هي أدلة وبراهين على صدقهم والدليل يجب أن يكون مختصا بالمدلول عليه لا يوجد مع عدمه ولا يتحقق الدليل إلا مع تحقق المدلول كما أن الحادث لابد له من محدث فيمتنع وجود حادث بلا محدث ... فكذلك ما دل على صدق النبي يمتنع وجوده إلا مع كون النبي صادقا ... المقصود أن جنس الأنبياء متميزون عن غيرهم بالآيات والدلائل الدالة على صدقهم التي يعلم العقلاء أنها لم توجد لغيرهم فيعلمون أنها ليست لغيرهم لا عادة ولا خرق عادة ... " (٧).

стр. 824

فحد الماتريدية إذا للمعجزة غير مستقيم بل هو مضطرب وغير منضبط ومما يؤسف له أن يكون هذا التعريف هو السائد والمنتشر في كثير من كتب العقائد. والذي يظهر لي أن المعجزة هي عبارة عن ما يؤيد الله به أنبياءه ورسوله من الأمور الخارقة للسنن الكونية والتي لا قدرة للخلق على الإتيان بمثلها فتكون دليلا على صدقهم وتأييد الله لهم. وأما كرامات الأولياء فهي كما قالوا من آيات الأنبياء ولكن "ليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين وهؤلاء يسوون بين هذا وهذا ويقولون الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل وهذا غلط فإن آيات الأنبياء ﵈ التي دلت على نبوتهم هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم " (١).فانشقاق القمر والإتيان بالقرآن وانقلاب العصا حية وخروج الدابة من صخرة لم يكن مثله للأولياء وكذلك خلق الطير من الطين ولكن آياتهم صغار وكبار كما قال الله تعالى فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى النازعات: ٢٠ [فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة وقال عن نبيه محمد لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى] النجم: ١٨ [فالآيات الكبرى مختصة بهم وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين مثل تكثير الطعام فهذا قد وجد لغير واحد من الصالحين لكن لم يوجد كما وجد للنبي ﷺ أنه أطعم الجيش من شيء يسير فقد يوجد لغيرهم من جنس ما وجد لهم لكن لا يماثلون في قدره فهم مختصون إما بجنس الآيات فلا يكون لمثلهم كالإتيان بالقرآن وانشقاق القمر وقلب العصا حية وانفلاق البحر وأن يخلق من الطين كهيئة الطير وأما بقدرها وكيفيتها كنار الخليل فإن أبا مسلم الخولاني وغيره صارت النار عليهم بردا وسلاما لكن لم تكن مثل نار إبراهيم في عظمتها كما وصفوها فهو مشارك للخليل في جنس الآية كما هو مشارك في جنس الإيمان محبة الله وتوحيده ومعلوم أن الذي امتاز به الخليل من هذا لا يماثله فيه أبو مسلم وأمثاله .... " (٢)] المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص٣٨٨ - ٣٩٥

стр. 825

المبحث الرابع: اليوم الآخر عند الماتريدية تسمي الماتريدية المسائل المتعلقة باليوم الآخر السمعيات وذلك بناء على أن هذه المسائل لا تعلم إلا بالسمع أي أن مصدرهم في التلقي فيما يتعلق باليوم الآخر هو السمع فقط لذا نجدهم قد وافقوا أهل السنة والجماعة في هذا الباب إلا أن اعتقادهم بأن اليوم الآخر وما يتعلق به لا يعلم إلا بالسمع ليس بسديد بل إن العقل قد دل على اليوم الآخر كما دل عليه السمع بل إن السمع قد نبه على دلالة العقل كما في قوله تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [آل عمران: ٩٠ - ٩٢] وقوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:٨٥]." فهذا العالم المحكم المتقن لا يجوز في مقتضيات العقول الصحيحة أن يكون أمره عبثا ولا أن يكون بناؤه باطلا ويستحيل عقلا أن يكون ليس وراءه حكمة عليا هي نتيجة لحكمة خلقه ونشأته بل لا بد وأن هناك نشأة أخرى وراء هذه النشأة تتجلى فيها جميع حكم النشأة الأولى وتظهر فيها نتائج التكاليف الشرعية ويميز الله تعالى فيها الخبيث من الطيب والصالح من الطالح والمسيء من المحسن وينتقم فيها من الظالم للمظلوم ومن الباغي للمبغي عليه ولولا تلك النشأة الآخرة لضاعت حكمة خلق هذا العالم ولكان أمره عبثا باطلا " (١) المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ٣٩٩، ٤٠٠ يعد الماتريدية جميع المباحث المتعلقة باليوم الآخر من السمعيات أي أن التعويل فيها يقتصر على الكتاب والسنة دون الركون إلى العقل وأحكامه ومن ثم جاءت عقيدة الماتريدية في اليوم الآخر مطابقة لمذهب أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا نعيم القبر وعذابه وأشراط الساعة والبعث والنشور والميزان والصراط والحوض المصدر: الفرق الإسلامية وأصولها الإيمانية للدكتور عبد الفتاح أحمد فؤاد - ١/ ٢٧٦

стр. 826

ولما كانت رؤية الله تعالى من المسائل المتعلقة باليوم الآخر قالت الماتريدية بإثباتها لدلالة السمع عليها وبجوازها في العقل إلا أنهم قيدوها بنفي الجهة والمقابلة وذلك لأنهم ينفون عن الله علو الذات فاحتاجوا إلى أن يجمعوا بين مسألة نفي العلو وإثبات الرؤية وهم قالوا بهذا لأنهم قالوا بـ"صحة الدليل الذي استدلت به المعتزلة على حدوث العالم وهو أن الجسم لا يخلو عن الحركة والسكون وما لا يخلو عن حادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها. قالوا فيلزم حدوث كل جسم فيمتنع أن يكون البارئ جسما لأنه قديم ويمتنع أن يكون في جهة لأنه لا يكون في الجهة إلا جسم فيمتنع أن يكون مقابلا للرائي لأن المقابلة لاتكون إلا بين جسمين" (١). قال الماتريدي: " القول في رؤية الرب عندنا لازم وحق من غير إدراك ولا تفسير فأما الدليل على الرؤية فقوله تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:١٠٣] ولو كان لا يرى لم يكن لنفي الإدراك حكمة .... الثاني قول موسى ﵇: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:١٤٣] ولو كان لا يجوز الرؤية لكان ذلك السؤال منه جهل بربه ... وأيضا قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٣] ... وأيضا قوله تعالى: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:٢٦] ... وأيضا ما جاء عن رسول الله ﷺ في غير خبر أنه قال: ((سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون ... )) (٢) " (٣). ثم قال: " فإن قيل كيف يرى؟ قيل: بلا كيف إذ الكيفية تكون لذي صورة بل يرى بلا وصف قيام وقعود واتكاء وتعلق واتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة وقصير وطويل ونور وظلمة وساكن ومتحرك ومماس ومباين وخارج وداخل ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك " (٤).وقال أبو المعين النسفي: " في العقل دليل على جواز رؤية الله تعالى وقد ورد الدليل السمعي بإيجاب رؤية المؤمنين الله تعالى في الدار الآخرة فيرى لا في مكان ولا على جهة من مقابلة أو اتصال شعاع أو ثبوت مسافة بين الرائي وبين الله تعالى وغير ذلك من المعاني التي هي من أمارات الحدث " (٥).وبعد ذكره للأدلة السمعية قال: " والمعقول أنا نرى في الشاهد الجواهر والألوان والأكوان إذ كما نميز بحاسة البصر بين جوهر وجوهر نميز بين الأبيض والأسود والمتحرك والساكن والاجتماع والافتراق غير مرئية ولم ير إلا الجواهر لما وقع التمييز بين الأبيض والأسود والمتحرك والساكن كما لا يقع بين العالم والجاهل والحكيم والسفيه والساخط والراضي ثم لما ثبتت رؤية هذه المعاني ولم نعلم وضعا جامعا بين هذه الأجناس إلا الوجود إذ لا جوهرية ولا لونية في الحركة والسكون وعند السبر يتبين أن ليس وراء الوجود صفة تجمع هذه الأجناس فعلمنا أن المعنى المطلق للرؤية المجوز لها ليس إلا الوجود ... ثم رأينا ان الوجود يتعدى من الشاهد إلى الغائب فيكون جائز الرؤية في العقل ثم الشرع ورد بإثباتها في الآخرة للمؤمنين " (٦). وقال الأوشي: يراه المؤمنون بغير كيف ... وإدراك وضرب من مثال

стр. 827

فينسون النعيم إذا رأوه ... فيا خسران أهل الاعتزال (١) وقول الماتريدية بإثبات الرؤية ونفي الجهة والمقابلة قول متناقض حتى أن المعتزلة صارت تسخر منهم ومن أمثالهم فيقول قائلهم:" من سلم أن الله ليس في جهة وادعى مع ذلك أنه يرى فقد أضحك الناس على عقله" (٢)." ولهذا صار كثير من أهل العلم والحديث يصف أقوال هؤلاء بأن فيها نفاقا وتناقضا حيث يوافقون أهل السنة والجماعة على شيء من الحق ويخالفونهم فيما هو أولى بالحق منه ويفسرون ما يوافقون فيه بما يحيله عن حقيقته .... " (٣).وحقيقة قول الماتريدية أنهم أثبتوا ما لا يمكن رؤيته حيث إنهم " جمعوا بين أمرين متناقضين فإن ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه يمتنع أن يرى بالعين ولو كان وجوده في الخارج ممكنا فكيف وهو ممتنع؟ وإنما يقدر في الأذهان من غير أن يكون له وجود في الأعيان فهو من باب الوهم والخيال الباطل " (٤).

стр. 828

وقول الماتريدية هذا معلوم الفساد بالضرورة كما أن الأحاديث المتواترة الواردة في الرؤية دلت على أن المؤمنين يرون ربهم في جهة العلو من وجوه: أحدها: " أن الرؤية في لغتهم لا تعرف إلا لرؤية ما يكون بجهة منهم فأما رؤية ما ليس في الجهة فهذا لم يكونوا يتصورونه فضلا عن أن يكون اللفظ يدل ... فإنك لست تجد أحدا من الناس يتصور وجود موجود في غير جهة فضلا عن أن يتصور أنه يرى فضلا عن أن يكون اسم الرؤية المشهور في اللغات كلها يدل على هذه الرؤية الخاصة " (١).الوجه الثاني: أنه ﷺ " شبه لهم رؤيته برؤية الشمس والقمر وليس ذلك تشبيها للمرئي بالمرئي ومن المعلوم أنه إذا كانت رؤيته مثل رؤية الشمس والقمر وجب أن يرى في جهة من الرائي كما أن رؤية الشمس والقمر كذلك فإنه لو لم يكن كذلك لأخبرهم برؤية مطلقة نتأولها على ما يتأول من يقول بالرؤية في غير جهة أما بعد أن يستفسرهم عن رؤية الشمس صحوا ورؤية البدر صحوا ويقول: ((إنكم ترون ربكم كذلك)) فهذا لا يمكن أن يتأول على الرؤية التي يزعمونها فإن هذا اللفظ لا يحتملها لا حقيقة ولا مجازا" (٢).الوجه الثالث: " أنه قال: ((هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب وهل تضارون في القمر)) (٣) فشبه رؤيته برؤية أظهر المرئيات إذا لم يكن ثم حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي ومن يقول إنه يرى في غير جهة يمتنع عنده أن يكون بينه وبين العباد حجاب منفصل عنهم إذ الحجاب لا يكون إلا لجسم ولما يكون في جهة وهم يقولون الحجاب عدم خلق الإدراك في العين والنبي ﷺ مثل رؤيته برؤية هذين النورين العظيمين إذا لم يكن دونهما حجاب " (٤).الوجه الرابع: "أنه أخبر أنهم لا يضارون في رؤيته وفي حديث آخر: ((لا يضامون)) (٥) ونفي الضير والضيم إنما يكون لإمكانه لحوقه للرائي ومعلوم إنما يسمونه رؤية ما ليس بجهة من الرائي لا فوقه ولا شيء من جهاته لا يتصور فيها ضير ولا ضيم حتى ينفي ذلك بخلاف رؤية ما يواجه االرائي ويكون فوقه فإنه قد يلحقه فيه ضيم وضير إما بالازدحام عليه أو كلال البصر لخفائه كالهلال وإما لجلائه كالشمس والقمر " (٦). وأما دليلهم العقلي على إمكان الرؤية والذي حاصله أن كل موجود تصح رؤيته فهو ضعيف جدا لأنه يلزم منه رؤية الأصوات والروائح والعلوم والإرادات والمعاني وجواز أكلها وشربها ولمسها. ومعلوم أن " من الأشياء ما يرى ومنها ما لا يرى والفارق بينهما لا يجوز أن يكون أمورا عدمية لأن الرؤية أمر وجودي والمرئي لا يكون إلا موجودا فليست عدمية لا تتعلق بالمعدوم ولا يكون الشرط فيه إلا أمرا وجوديا لا يكون عدميا وكل ما لا يشترط فيه إلا الوجود دون العدم كان بالوجود الأكمل أولى منه بالأنقص فكل ما كان وجوده أكمل كان أحق بأن يرى وكل ما لم يمكن أن يرى فهو أضعف وجودا مما يمكن أن يرى فالأجسام الغليظة أحق بالرؤية من الهواء والضياء أحق بالرؤية من الظلام لأن النور أولى بالوجود والظلمة أولى بالعدم والموجود الواجب الوجود أكمل الموجودات وجودا وأبعد الأشياء عن العدم فهو أحق بأن يرى وإنما لم نره لعجز أبصارنا عن رؤيته لا لأجل امتناع رؤيته .... فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله تعالى الآدميين وقواهم حتى أطاقوا رؤيته ... " (٧).فالعقل إذًا دل على إمكان الرؤية ووقوعها بدليل " أن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا بموجود وما كان أكمل وجودا كان أحق أن يرى فالباري سبحانه أحق أن يرى من كل ما سواه لأن وجوده أكمل من كل موجود سواه" (٨) المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص - ٤٥٢ - ٤٣٠

стр. 829

المطلب الأول: مراتب القضاء والقدر عند الماتريدية الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان ولا يصح الإيمان إلا به قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩] وقال تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب:٣٨] وقال ﷺ في حديث عمر ﵁ عندما سأله جبريل عن الإيمان: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)) (١). والإيمان بالقدر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق فأول ما خلق الله القلم قال له اكتب قال ما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:٧٠] وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه ولا يكون في ملكه إلا ما يريد وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال سبحانه: لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٨ - ٢٩] " (٢). فالإيمان بالقدر إذا يشتمل على أربع مراتب لا يكون العبد مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بها وهي: ١ - علم الله القديم وأنه قد علم أعمال العباد قبل أن يعملوها. ٢ - كتابة ذلك في اللوح المحفوظ. ٣ - مشيئة الله العامة وقدرته الشاملة. ٤ - إيجاد الله لكل المخلوقات وأنه الخالق وما سواه مخلوق. وهذا هو قول أهل السنة والجماعة وهو القول الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٣). والماتريدية تثبت هذه المراتب: العلم والكتابة وعموم المشيئة والخلق وما وقع منهم من انحراف في القضاء والقدر إنما هو فيما يتعلق بأفعال العباد كما سيأتي بيانه وفي الحقيقة أن هذه المراتب الأربع ليست بواضحة في كلام الماتريدية كوضوحها في كلام أهل السنة فهم عندما يعرفون القضاء والقدر ينصون على العلم والخلق أما المشيئة فيذكرونها في بحثهم لمسألة الإرادة وأما الكتابة فقل أن يذكروها. وفيما يلي بعض النقول عنهم توضح ما ذكر:

стр. 830

قال الماتريدي: " القضاء في حقيقته الحكم بالشيء والقطع على ما يليق به وأحق أن يقطع عليه فرجع مرة إلى خلق الأشياء لأنه تحقيق كونها على ما هي عليه وعلى الأولى بكل شيء أن يكون على ما خلق إذ الذي خلق الخلق هو الحكيم العليم والحكمة هي إصابة الحقيقة لكل شيء ووضعه موضعه قال الله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [فصلت:١٢] وعلى ذلك يجوز وصف أفعال الخلق أن قضى بهن أي خلقهن وحكم ... ".ثم قال: " وأما القدر فهو على وجهين: أحدهما الحد الذي عليه يخرج الشيء وهو جعل كل شيء على ما هو عليه من خير أو شر من حسن أو قبح وعلى مثل هذا قوله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩] والثاني بيان ما عليه يقع كل شيء من زمان ومكان وحق وباطل وما له من الثواب والعقاب .... " (١). وقال أيضا: " الحمد لله .... الذي فطر الخلق بقدرته وصرفهم بحكمته على سابق علم ومشيئة ... أنشأ الأشياء كيف شاء لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] " (٢) وذكر أبو المعين النسفي في تعريف القضاء والقدر كلاما نحو كلام الماتريدي (٣). وأما بالنسبة للمشيئة فقال: " وإذا ثبت أن الله تعالى هو الذي يتولى تخليق أفعال العباد خيرها وشرها طاعتها ومعصيتها والله تعالى مختار في تخليق ما يخلق غير مضطر فيه ولا اختيار بدون الإرادة ثبت أن ما وجد من أفعال العباد كلها بإرادة الله تعالى وما لم يوجد منها لم يكن بإرادة الله تعالى إذ لم يخلقه ثم حاصل المذهب أن كل حادث حدث بإرادة الله تعالى على أي وصف كان .... " (٤).وقال الناصري: " .... إنما أوجبوا الاعتقاد بسبق علم الله تعالى بكل كائن من خلقه قبل كونهم لأنه تعالى هو القديم الكامل وما سواه محدث وثبوت العلم من صفات الكمال فيستحيل عليه الجهل لما فيه من التعري عن الكمال وإنما قرنوا التخليق بالعلم لأن العلم بالمخلوق من شرط التخليق ... " (٥).وقال أيضا: " وأما قولهم: وكل شيء يجري بقدرته ومشيئته. فإنما قالوا ذلك لما قامت عليه الأدلة القاطعة على أن كل حادث حدث فهو بإرادة الله تعالى وتخليقه وتكوينه خيرا كان أو شرا حسنا كان أو قبيحا جوهرا كان أو عرضا وهو مذهب أهل السنة والجماعة (يعني الماتريدية) " (٦).وقال مبينا إثبات الكتابة: " .... وقد كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ جميع ما يكون وجميع ما تفعل العباد قبل خلقهم ... " (٧).وقال صاحب (مميزات مذهب الماتريدية) مشيرا إلى ثبوت مراتب القضاء والقدر عندهم: " ... وكون أفعال العباد بعلم الله تعالى وإرادته وتقديره وكتبه في اللوح لا يستلزم كون صدورها من العباد بالجبر ... " (٨). فالماتريدية إذ تثبت مراتب القضاء والقدر الأربع العلم والكتابة والمشيئة والخلق فلذا يعدون من مثبتة القدر. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص٤٣٣ - ٤٣٧

стр. 831

المطلب الثاني: مذهب الماتريدية في أفعال العباد قالت الماتريدية: إن أفعال العباد مخلوقة لله كما تقدم الإشارة إلى ذلك وأن الله تعالى خلقها كلها خيرا كانت أو شرا واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة نقلية وعقلية. قال الماتريدي: " ثم الدليل عندنا من طريق القرآن على لزوم القول بخلق الأفعال قوله: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤] فلو لم يكن جل ثناؤه خالقا لما يجهر ويخفى لم يكن ليحتج به على علمه .... وأيضا أن الله تعالى قال: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [يونس:٢٢] وقال في موضع آخر وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [سبأ:١٨] أخبر أن تقدير السير والتسير فعله وبه كان السير ... " (١) وقال: " وأيضا القول بالمتعارف في الخلق أن لا خالق غير الله ولا رب سواه ولو جعلنا حدث الأفعال وخروجها من العدم إلى الوجود ثم فناءها بعد الوجود ثم خروجها على تقدير من أربابها لجعلنا لها وصف الخلق الذي به صار الخلق خلقا وفي ذلك لزوم القول بخالق سواه ... " (٢).وقال البزدوي: " قال أهل السنة والجماعة: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ومفعولة والله تعالى موجدها ومحدثها ومنشؤها ... وجه قول أهل السنة والجماعة قول الله تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد:١٦] والفعل شيء فيكون الله تعالى خالقه وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:٩٦] أي الذي تعملون فجعل أفعالنا مخلوقاته كأنفسنا ... والدليل المعقول في المسألة أن أفعال العبد لا يستحيل دخولها تحت قدرة الله تعالى فإنها تدخل تحت قدرة الله تعالى كما في المعلومات كلها فيما يدخل تحت علم العباد لا يستحيل دخوله تحت علم الله تعالى فإذا لم يستحل دخولها تحت قدرة الله تعالى فالله تعالى غير متناهي القدرة فيدخل تحت قدرته ... وإذا دخل تحت قدرة الله تعالى يكون الله موجده كما في الأجسام" (٣).وقال أبو المعين النسفي: " وقال أهل الحق: للخلق أفعال بها صاروا عصاة ومطيعين وهي مخلوقة لله تعالى ... وأهل الحق يتعلقون بقوله تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:١٦] والآية خارجة مخرج التمدح ولا تمدح بما يساويه فيه غيره وفي إخراج فعل غيره عن تخليقه إزالة التمدح لأنه يصير في التقدير كأنه قال: خالق كل شيء وهو فعله أو خالق كل شيء ليس بفعل لغيره ..... وهذا باطل .... وبقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:٩٦] أي: وعملكم ... والمعقول لنا أن إثبات قدرة التخليق للعبد محال لأن من شرط قدرة التخليق ثبوت العلم للخالق بالمخلوق قبل الوجود بدليل قوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤] وكذا بداهه العقول واعتراف الخصوم باشتراط العلم يدلان على هذا ثم الخلق لا علم لهم بكيفية الاختراع والإخراج من العدم إلى الوجود ...

стр. 832

فدل أن الفعل وجد بإيجاد الله تعالى" (١). وقول الماتريدية بأن الله تعالى خالق أفعال العباد خيرها وشرها هو القول الحق الذي دل عليه السمع والعقل وهو قول أهل السنة والجماعة وسلف الأمة لكن بالنسبة لعلاقة العباد بأفعالهم فقد حاولت الماتريدية التوسط بين قول المعتزلة وقول الجبرية فقالوا أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وهي كسب من العباد. قال الماتريدي "إن حقيقة ذلك الفعل الذي هو للعباد من طريق الكسب ولله من طريق الخلق" (٢).وقال أبو المعين النسفي: " وعندنا فعل العبد هو مخلوق الله تعالى ومفعوله والله تعالى هو الذي يتولى إيجاده وإخراجه من العدم إلى الوجود والعبد اكتسبه وباشره .... " (٣).وقال الناصري: " وأما قولهم: وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد. ومعنى قولهم: خلق الله تعالى أي مخلوقة لله تعالى وهي كسب من العباد " (٤).وقال صاحب (مميزات مذهب الماتريدية): فمذهب أهل الحق أن الله تعالى خالق لأفعال العبد كلها وهو كاسب في أفعال الاختيار" (٥).وقد اختلفت عباراتهم في بيان معنى الكسب (٦) وحاصل كلامهم أن المؤثر في أصل الفعل قدرة الله تعالى والمؤثر في صفة الفعل قدرة العبد وتأثير العبد هذا هو الكسب عندهم. يوضح هذا البياضي بقوله: "أصل الفعل بقدرة الله والاتصاف بكونه طاعة أو معصية بقدرة العبد وهو مذهب جمهور الماتريدية" (٧) وهم يقصدون بهذا أن الله تعالى لا يخلق فعل العبد إلا بعد أن يريده العبد ويختاره وقد نصوا على ذلك. قال أبو المعين النسفي: " وما يخترعه (أي الله تعالى) فيه (أي في العبد) باختيار العبد ذلك وله عليه قدرة فأثر تعلق قدرته به كونه فعلا له فيكون الله تعالى مخترعا فعل العبد باختياره لولا اختيار العبد وقصده اكتسابه لما خلقه الله تعالى فعلا له ... " (٨).وقال صدر الشريعة في (التوضيح): " جرت عادته تعالى أنا متى قصدنا الحركة الاختيارية قصدا جازما من غير اضطرار إلى القصد يخلق الله عقيبه الحالة المذكورة الاختيارية وإن لم نقصد لم يخلق ... " (٩).

стр. 833

وحقيقة قول الماتريدية هذا أن للعباد إرادة غير مخلوقة وهي مبدأ الفعل فالعباد على مذهبهم يتصرفون بمبادئ أفعالهم باستقلال تام كما يشاؤون وخلق الله تعالى لأفعالهم إنما هو تبع لإرادتهم غير المخلوقة وقولهم هذا قريب من قول المعتزلة. ولا شك أن قول الماتريدية هذا باطل لأن الله تعالى خالق كل شيء " ومعاذ الله والله أكبر وأجل وأعظم أن يكون في عبده شيء غير مخلوق له ولا داخل تحت قدرته ومشيئته فما قدر الله حق قدره من زعم ذلك ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق تعظيمه بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ذرة فيه مخلوق لله خلقا تصرف به في عبده ... فهو عبد مخلوق من كل وجه وبكل اعتبار وفقره إلى خالقه وبارئه من لوازم ذاته وقلبه بيد خالقه وبين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء فيجعله مريدا لما شاء وقوعه منه كارها لما لم يشأ وقوعه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ... " (١).وهذا لا يعني أن العبد مجبور لا اختيار له بل إن الله تعالى خلقه على "نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه فهو الذي خلقه وكونه كذلك وهو لم يجعل نفسه كذلك بل خالقه وباريه جعله محدثا لإرادته وأفعاله وبذلك أمره ونهاه وأقام عليه حجته وعرضه للثواب والعقاب فأمره بما هو متمكن من إحداثه ونهاه عما هو متمكن من تركه ورتب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك التي مكنه منها وأقدره عليها وناطها به وفطر خلقه على مدحه وذمه عليها مؤمنهم وكافرهم المقر بالشرائع منهم والجاحد لها فكان مريدا شائيا بمشيئة الله له ولولا مشيئة الله أن يكون شائيا لكان أعجز وأضعف من أن يجعل نفسه شائيا فالرب سبحانه أعطاه مشيئة وقدرة وإرادة وعرفه ما ينفعه وما يضره وأمره أن يجري مشيئته وإرادته وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه .... " (٢).فأفعال العباد إذا هي أفعالهم حقيقة ومفعولة للرب تعالى إذ إن الفعل غير المفعول فالعبد فعل فعله حقيقة " والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته وسر المسألة أن العبد فاعل منفعل ... فربه هو الذي جعله فاعلا بقدرته ومشيئته وأقدره على الفعل وأحدث له المشيئة التي يفعل بها" (٣) المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص٤٣٨ - ٤٤٣

стр. 834

أولا: القدرة والاستطاعة الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة المعنى وضدها العجز عرفها المتكلمون بأنها: "صفة وجودية يتأتى معها الفعل بدلا عن الترك والترك بدلا عن الفعل" (١).ومسألة الاستطاعة أو القدرة من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفرق الإسلامية تبعا للخلاف الواقع في القدر فالذين قالوا بالجبر - وهم الجهمية ومن وافقهم - قالوا بنفي الاستطاعة لا مع الفعل ولا قبله وذلك لأن العبد عندهم لا اختيار له (٢). والذين قالوا بنفي القدرة وأن العبد خالق لفعله - وهم المعتزلة ومن وافقهم - أثبتوا الاستطاعة قبل الفعل ونفوا أن تكون معه (٣) والذين قالوا بالكسب - وهم الأشاعرة ومن وافقهم - قالوا بأن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله (٤). وأما جمهور الماتريدية فقد توسطوا في المسألة فقالوا بإثبات الاستطاعة قبل الفعل ومعه فقالوا بأن الاستطاعة تقع على نوعين: الأولى: سلامة الأسباب والآلات وهي تتقدم الفعل. الثانية: الاستطاعة التي يتهيأ بها الفعل وهي تتقدم الفعل. قال الماتريدي: " الأصل عندنا في المسمى باسم القدرة أنها على قسمين: أحدهما: سلامة الأسباب وصحة الآلات وهي تتقدم الأفعال. والثاني: معنى لا يقدر على تبين حده بشيء يصار إليه سوى أنه ليس إلا للفعل لا يجوز وجوده بحال إلا ويقع به الفعل عندما يقع معه" (٥). قال أبو المعين النسفي: " ثم الاستطاعة والطاقة والقدرة والقوة إذا أضيفت إلى العبد يراد بها كلها معنى واحد في مصطلح أهل الأصول. ثم الاستطاعة عندنا قسمان: أحدهما: سلامة الأسباب والآلات وصحة الجوارح والأعضاء وهي المعنية بقوله تعالى وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:٩٧] وبقوله تعالى فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:٤] وبقوله تعالى خبرا عن أهل النفاق لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:٤٢] أي لو كانت لنا الآلات والأسباب. وصحة التكليف تعتمد هذه الاستطاعة ...

стр. 835

والثانية: الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة التي يتهيأ بها الفعل وهي المعنية بقوله تعالى: وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ [هود:٢٠] ألا ترى أن الله تعالى قد ذمهم بذلك والذم إنما يلحقهم بانعدام حقيقة القدرة عند وجود سلامة الأسباب وصحة الآلات لا بانعدام سلامة الأسباب وصحة الآلات لأن انتفاء تلك الاستطاعة لا يكون بتضييعه بل هو في ذلك مجبور فلم يلحقهم الذم بالامتناع عن الفعل عند انتفائها وكذا هي المعنية بقول صاحب موسى ﵉: قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:٦٧] وقوله: قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا [الكهف:٧٥] إذ لو كان المراد بها سلامة الأسباب والآلات لما عاتبه على ترك الصبر. والاستطاعة الثانية عرض تحدث عندنا مقارنة للفعل ... " (١). وقول جمهور الماتريدية في الاستطاعة هو القول الحق الذي دلت عليه الأدلة وهو قول أهل السنة والجماعة. قال الطحاوي ﵀: " والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف به المخلوق به تكون مع الفعل وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب ... " (٢). قال الشارح: " والذي قاله عامة أهل السنة أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي وهذه قد تكون قبله لا يجب أن تكون معه والقدرة التي بها الفعل لابد أن تكون مع الفعل لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فقد تتقدم الأفعال وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:٩٧] وكذلك قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:١٦] وكذا قوله تعالى فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:٤] والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات ... وأما دليل ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة فقد ذكروا فيها قوله تعالى: مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ [هود:٢٠] المراد نفي حقيقة القدرة لا نفي الأسباب والالات ... " (٣). وبهذا التفصيل ينحل الإشكال الذي وقعت فيه الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن وافقهم

стр. 836

ثانيا: التكليف بما لا يطاق مسألة التكليف بما لا يطاق هي أيضا من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين طوائف المسلمين وذلك تبعا للخلاف الواقع في الاستطاعة والتحسين والتقبيح، فالجهمية قالوا بجواز تكليف ما لا يطاق مطلقا ومنه تكليف الأعمى البصر والزمن أن يسير إلى مكة (١).والمعتزلة قالت بعدم جواز تكليف ما لا يطاق لأنه قبيح والله تعالى منزه عن فعل القبيح فلا يجوز صدوره منه (٢).والأشاعرة قالوا بجواز تكليف ما لا يطاق به عقلا وإن لم يقع في الشرع وقد أجازوه عقلا بناء على نفيهم الحسن والقبيح العقليين (٣).وأما الماتريدية فقد وافقوا المعتزلة في هذه المسألة فقالوا بعدم جواز تكليف ما لا يطاق لأنه فاسد عقلا ولعدم وجود القدرة التي هي مقتضى التكليف. قال الماتريدي: " الأصل أن تكليف من منع عنه الطاقة فاسد في العقل" (٤).وقال ابن الهمام: " ولا أعلم أحدا منهم (أي الماتريدية) جوز تكليف ما لا يطاق" (٥).وقال صاحب (نظم الفرائد): "ذهبت مشايخ الحنفية إلى أن التكليف بما لا يطاق من الله تعالى لا يجوز .... احتج مشايخ الحنفية بأن التكليف إنما يتصور في أمر لو أتى به يثاب ولو امتنع عنه يعاقب عليه وذلك إنما يكون فيما يمكن إتيانه لا فيما لا يمكن إتيانه وبأن قوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:٢٨٦] صريح في أن التكليف به غير واقع" (٦).والصواب في المسألة هو التفصيل أما إطلاق القول فيها فهو من البدع المحدثة كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٧). فيقال:" تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ما لا يطاق للعجز عنه كتكليف الزمن المشي وتكليف الإنسان الطيران ونحو ذلك فهذا غير واقع في الشريعة عند جماهير أهل السنة المثبتين للقدر والثاني: ما لا يطاق للاشتغال بضده كاشتغال الكافر بالكفر فإنه هو الذي صده عن الإيمان وكالقاعد في حال قعوده فإن اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائما والإرادة الجازمة لأحد الضدين تنافي إرادة الضد الآخر وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب. ومثل هذا ليس بقبيح عقلا عند أحد من العقلاء بل العقلاء متفقون على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنهي لاشتغاله بضده إذا أمكن أن يترك الضد ويفعل الضد المأمور بهو. هذا لا يدخل فيما لا يطاق ... فإنه لا يقال للمستطيع المأمور بالحج إذا لم يحج إنه كلف بما لا يطيق ولا يقال لمن أمر بالطهارة والصلاة فترك ذلك كسلا أنه كلف ما لا يطيق " (٨) المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ٤٤٤ - ٤٤٩

стр. 837

المبحث السادس: خلاصة المسائل العقدية التي خالف فيها الماتريدية السلف وأما بالنسبة لآرائهم التي خالفوا فيها السلف فمن أهمها ما يلي: خلاف الماتريدية في مفهوم توحيد الألوهية، إذ هو عندهم بمعنى أن الله واحد في ذاته لا قسم له ولا جزء له، واحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له. وأهل السنة يخالفونهم في هذا المفهوم لتوحيد الألوهية. اعتمدت الماتريدية في إثبات وجود الله تعالي على دليل حدوث الأعراض والأجسام، وهى طريقة باطلة لا اعتبار لها عند السلف، وإنما هي طريقة غلاة الفلاسفة وأهل الكلام المذموم. يستدل الماتريدية على وحدانية الله تعالى بقوله : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء:٢٢] وهو ما يسميه البعض بدليل التمانع، وقد خطأهم السلف في هذا المفهوم، مع إقرار السلف بأن دليل التمانع صحيح في دلالته على امتناع صدور العالم عن إلهين، لكن ليس هذا هو المقصود من الآية الكريمة. تثبت الماتريدية جميع الأسماء الحسنى لدلالة السمع عليها، إلا أنهم غلوا في الإثبات ومدلول الأسماء لعدم تفريقهم بين ما جاء في باب التسمية وبين ما جاء في باب الإخبار عن الله، فمدلول الاسم عندهم هو الذات وهذا خاص في اسم "الله" فقط، وأما ما عداه فمدلوله يؤخذ عندهم من الصفات التي أثبتوها فلم يقفوا على ما ثبت بالسمع فقط. وقف الماتريديون في باب الصفات على إثبات بعض الصفات دون غيرها، فأثبتوا من الصفات: القدرة، العلم، الحياة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، التكوين، وذلك لدلالة العقل عليها عندهم، وهم تحكم باطل، وقد ألزمهم السلف بإثبات ما نفوه بنفس الدليل الذي أثبتوا به تلك الصفات الثمانية. نفت الماتريدية جميع الصفات الخبرية الثابتة بالكتاب والسنة، لأن في إثباتها - بزعمهم - مخالفة للعقل الذي يرى في إثباتها ما يدعو إلى وصف الله تعالي بالتشبيه والتجسيم. ولقد دحض السلف هذا المفهوم الباطل والاعتقاد الخاطئ، وكذلك نفوا ثبوت الصفات الاختيارية لله تعالى التي هي صفات الفعل اللازمة لله تعالي، لأنها كذلك تؤدي إلى التشبيه والتجسيم، وقد أبطل السلف هذا المفهوم وفندوا شبههم. يعتقد الماتريديون أن كلام الله تعالي معنى واحد قديم أزلي، ليس له تعلق بمشيئة الله تعالى وقدرته، وأنه ليس بحرف ولا صوت، بل هو كلام نفسي لا يسمع، بل المسموع منه إنما هو عبارة عنه، وهو اعتقاد باطل مخالف للكتاب والسنة ولما عليه السلف. حصر الماتريديون الدليل على صدق الأنبياء في ظهور المعجزات على أيديهم، لأنها تفيد العلم اليقيني وحدها بزعمهم. والسلف لا يختلفون في أن المعجزات دليل صحيح معتبر لصدق الأنبياء، ولكنهم يخالفونهم في حصر أدلة صدق الأنبياء في المعجزات فقط دون النظر إلى الأدلة الأخرى. يرى الماتريديون أن كل المسائل المتعلقة باليوم الآخر لا تعلم إلا بالسمع، والسلف يخالفونهم في هذا، ويقولون: إن تلك المسائل علمت بالسمع ودل عليها العقل أيضا. أثبت الماتريديون رؤية الله تعالي، ولكنهم نفوا الجهة والمقابلة، وخالفهم السلف واعتبروا قول الماتريدية تناقضاً واضطراباً في مفهومهم للرؤية، ويؤدي إلى إثبات ما لا يمكن رؤيته، وإلى نفي جهة العلو المطلق الثابت لله تعالي. اعتبر السلف ما ذهب إليه الماتريديون في خلق أفعال العباد اعتقادا خاطئا لما فيه من إثبات إرادة للعباد مستقلة - عن مشيئة الله تعالى، وأن خلق الله لأفعالهم إنما هو تبع لإرادتهم غير المخلوقة، والسلف يعتقدون أن لله تعالى وحده المشيئة وأن للعباد مشيئة لا تخرج عن مشيئة الله تعالى. ذهبت الماتريدية إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وقال بعضهم: إنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان ومنعوا زيادته ونقصانه وحرموا الاستثناء فيه ومنعوا التفريق بين مفهوم الإيمان والإسلام. وخالفهم السلف في كل ذلك فإن الإيمان عندهم هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالأركان وأنه يزيد وينقص ويجوز الاستثناء فيه لعدم جواز تزكية النفس. وأما الإسلام والإيمان فإنهما متلازمان، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا كما هو الحال في مفهوم الفقير والمسكين ونحو ذلك. يرى الماتريديون أن الفاسق مؤمن كامل الإيمان، بينما يرى السلف أنه مؤمن بإيمان فاسق بكبيرته، فلا يسلبون منه الإيمان ولا يثبتون له الكمال فيه. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١٢٣٦ - ١٢٣٩

стр. 838

المبحث الأول: الموازنة بين الماتريدية والأشاعرة لقد بحثت كثيرا من المظان لهذا المطلوب فوجدت عددا كبيرا من الباحثين قد تعرضوا للموازنة بين الماتريدية والأشعرية، فمن مجمل مخل، ومن مفصل ممل، ومنهم من أفرد لذلك تأليفا ولم أعرف من بينهم من ذكر المسائل الخلافية بين الفريقين على طريقة النقد، وبين ما هو الحق في ذلك على طريقة السلف الصالح، فقد يكون الفريقان على باطل في مسألة ويكون الحق قولا ثالثا، ولعل الله يوفق باحثا يستوفي هذا المطلوب بإحقاق الحق وإبطال الباطل في كل مسألة تنازع فيها الفريقان، هذا يحتاج إلى مجلد ضخم. ومهمتى هنا دراسة متوسطة، وموازنة في عدة جوانب دون الخوض في التفصيل؛ فمن هؤلاء الذين تعرضوا للموازنة بينهما: ١ - أبو اليسر محمد بن محمد البزدوي الحنفي (٤٩٣هـ). ٢ - الإمام ابن عساكر (٥٧١هـ). ٣ - تاج الدين السبكي (٧٧١هـ) عدو شيخ الإسلام. ٤ - التفتازاني الحنفي (٧٩٢هـ) الجهمي فيلسوف الماتريدية. ٥ - المقريزي (٨٤٥هـ). ٦ - عبد الرحيم المعروف بشيخ زاده الحنفي (٩٤٤هـ) فقد أفرد له كتابا (نظم الفرائد وجمع الفوائد). ٧ - عبد الوهاب الشعراني الصوفي (٩٧٣هـ) الخرافي القبوري. ٨ - كمال الدين أحمد بن حسن بن سنان البياضي الحنفي (١٠٩٨هـ). ٩ - العلامة الملا على القاري الحنفي الماتريدي (١٠١٤هـ). ١٠ - صالح بن مهدي المقبلي (١١٠٨هـ). ١١ - عبد الله بن عثمان المعروف بمستحيي زاده الحنفي (١١٥٠هـ) فقد أفرد لذلك (رسالة في الخلافيات بين الماتريدية والأشعرية). ١٢ - الحسن بن عبد المحسن المعروف بأبي عذبة (كان حيا سنة ١١٧٣هـ). فقد صنف كتابا سماه: (الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية) مطبوع. ١٣ - محمد بن محمد الشهير بمرتضى الزبيدي (١٢٠٥هـ). ١٤ - الكوثري (١٣٧١هـ) محيي دولتي الجهمية والقبورية. ١٥ - أحمد أمين المصري (١٣٧٣هـ) أحد جواسيس المستشرقين. ١٦ - أبو زهرة (محمد بن أحمد المصري) (١٣٩٣هـ) الكوثري. ١٧ - محمد يوسف البنوري الديوبندي (١٣٩٧هـ) الكوثري. ١٨ - الدكتور فؤاد سزكين. ١٩ - الدكتور محمود قاسم. ٢٠ - الدكتور جلال موسى. ٢١ - الدكتور فتح الله خليف الماتريدي. ٢٢ - الدكتور أبو الخير محمد أيوب على البنغلاديشي الماتريدي. ٢٣ - الدكتور علي عبد الفتاح المغربي الماتريدي. ٢٤ - الشيخ أحمد عصام الكاتب. ومن المستشرقين: ٢٥ - جولد تسيهر (١٣٤٠هـ) الكافر اليهودي. ٢٦ - ماكدونالد (١٣٦٢هـ) الكافر النصراني. ٢٧ - كارل بروكلمان (١٣٧٥هـ) الكافر الألماني. ٢ - الفائدة الثانية: في نتائج بحوث هؤلاء الباحثين: حاصل بحوث هؤلاء الباحثين حول موازنتهم بين الفريقين ما يلي من الفقرات: ١ - اتفاق الفريقين في المنهج وأصول المذهب. ٢ - كلاهما أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية (أهل الكلام). ٣ - كلاهما أهل التوسط بين طرفي إفراط المعتزلة العقلية المحضة، وبين تفريط الحشوية النقلية البحتة (يعنون أهل السنة أصحاب الحديث). بزعمهم الفاسد الكاسد. ٤ - الفريقان - مع اتفاقهما فيما بينهما في المنهج والأصول - مخالفان في الأصول لسائر الفرق مخالفة كبيرة. ٥ - الخلاف في المسائل بين الفريقين لفظي في أكثرها إن لم يكن لفظيا في كلها. ٦ - ومع ذلك الخلاف بين الفريقين غير جوهري، بل في التفاريع دون الأصول. ٧ - هذا النوع من الخلاف لا يستدعي التبديع ولا التفسيق عندهم. ٨ - عدد هذه المسائل قليل كما سيأتي إيضاحه. ٩ - كان بسببها أول الأمر تباين وتنافر وقدح كل منهم في عقيدة الآخر إلا أن الأمر آل آخرا إلى الإغضاء. ١٠ - الماتريدي والأشعري إماما أهل السنة والجماعة - على زعمهم.

стр. 839

١١ - إنهما لم يبدعا مذهبا من عندهما وإنما هما مقرران لمذاهب السلف، مناضلان عما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ على زعمهم - وأنى لهم ذلك؟ ١٢ - عقائدهما هي أصول الأئمة، فالأشعري قام بنصرة نصوص مالك والشافعي، والماتريدي قام بنصرة أبي حنيفة ﵏ جميعا - ولم يبدعا مقالة، ولا مذهبا جديدا، وليس لهما أكثر من بسط مذهب السلف، وشرحه، والتأليف في نصرته - على زعمهم الكاذب. ١٣ - إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد الأشعرية والماتريدية - على زعمهم -؛ سبحان الله!!! ١٤ - إذا أطلق الأشاعرة يراد بها الأشعرية والماتريدية تغليبا. ١٥ - الفريقان كلاهما من الفرقة الناجية. هذه آراء جمهرة من تصدى للموازنة بين الفريقين، وهناك آراء أخرى نذكر منها ما يلي: ١٦ - يرى الكوثري وتبعه أبو زهرة ترجيح الماتريدية على الأشعرية بأن الماتريدية هم الوسط بين الأشعرية، وبين المعتزلة؛ لأن الماتريدية أعطوا النقل حقه والعقل حكمة؛ بخلاف الأشعرية بسبب ابتعادهم عن العقل مرة وعن النقل أخرى، فالأشعرية عدل وسط بين المعتزلة، وبين الحشوية - يعنيان أهل السنة أصحاب الحديث عدوانا منهما وظلما -. قلت: اعترف الكوثري ومن تبعه بأن الماتريدية أقرب من الأشعرية إلى المعتزلة فهذه في الحقيقة مثلبة لا منقبة؛ وأما زعمه أن الأشعرية ابتعدوا عن النقل مرة وعن العقل أخرى دون الماتريدية فادعاء محض، بل الماتريدية مع الأشعرية كأسنان المشط في هذا لا فرق بين هؤلاء وهؤلاء فهم كلهم خالفوا العقل والنقل في آن واحد؛ وكلهم ينفون علو الله ويعطلون كثيرا من الصفات ويقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ويقولون ببدعة الكلام النفسي. ١٧ - يرى الدكتور محمود قاسم: أن الماتريدي أكثر تسامحا مع المعتزلة، وأقرب إليهم منه إلى الأشاعرة. وهكذا المستشرق إجناس جولد تسيهر يقول: (وعلى العموم فإن آراء الماتريدية أكثر حرية وعقلية من آراء زملائهم الأشاعرة فأولئك أدنى إلى المعتزلة من هؤلاء) (١) هذا كرأي الكوثري. وهذا يحتمل المدح والذم؛ ومع ذلك لا حقيقة لهذا الرأي؛ بل الماتريدية والأشعرية سواء، اللهم إلا أن يراد الأشعرية القدامى كالباقلاني، ونحوه فهم أقرب إلى أهل السنة. ١٨ - ويرى العلامة المقبلي (١١٠٨هـ) أن الفرقتين الرئيسيتين هما المعتزلة والأشعرية، أما الماتريدية فلا وجود لها استقلالا فهم معتزلة في مهمات الدين؛ بل في محمود مسائلهم إلا مسألة الكسب وهم أشعرية في مسألة الرؤية، وخلق الأفعال. قلت: هذا حكم قاس على الماتريدية بل الحق أن الماتريدية والأشعرية - ولا سيما المتأخرين منهم - واسطة بين أهل السنة وبين الجهمية الأولى والمعتزلة، كما يتبين للقارئ من خلال هذه الرسالة فالماتريدية والأشعرية من فرق المعطلة على اختلاف دركاتهم في التعطيل ولا يرى فضل واضح لإحدى هاتين الطائفتين على الأخرى غير أن الأشعرية القدامى أقرب إلى أهل السنة. ١٩ - ويرى الأستاذ أحمد أمين: أن الاعتزال أظهر في الأشعرية بالنسبة إلى الماتريدية، ولكن الماتريدية لم يبلغوا مبلغ أتباع الأشعري فرجح مذهب الأشعري وزاد انتشاره، وكثر أتباعه.

стр. 840

قلت: هذا الرأي عكس الآراء السابقة من أن الماتريدية أقرب إلى المعتزلة، وأكثر حرية، والحقيقة أنهما سواء في مخالفة العقل والنقل. ٢٠ - وقد رجح عبد العزيز الفريهاري الماتريدي الأشعرية على الماتريدية باعتبار أن الأشعرية أرسخ علوما، ولهم يد طولى في التدقيق، أما الماتريدية فأكثر أدلتهم من قبيل الإقناعات ولذلك يسمى مجموع الفريقين (الأشاعرة) تغليبا لاسم الأشعري لأنه أشهر، وأكثر علما بالدقائق والدلائل (١).٢١ - يرى الشيخ أحمد عصام الكاتب: أن موقف أبي منصور الماتريدي وموقف أبي الحسن الأشعري وموقف أصحاب الحديث من الصفات وآياتها وأحاديثها موقف واحد وهو إثباتها بلا كيف (٢). قلت: أما قوله: (إن موقف الأشعري، وموقف السلف من الصفات واحد) فحق كما يظهر من (إبانته)، و (مقالاته)؛ وإن الأشعرية ولاسيما المتأخرة - خالفوا إمامهم، وانتسبوا إليه زورا وهو بريء منهم. وأما قوله: (إن موقف الماتريدي من الصفات، وموقف السلف واحد) - فخلاف الواقع؛ فأبو منصور الماتريدي ينكر علو الله تعالى، ويقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا مخالف لبداهة العقل وشرائع الأنبياء، وهذا قول بأن الله تعالى غير موجود أصلا؛ ويؤول صفة العلو والفوقية إلى فوقية القهر والاستيلاء وتعاليه عن الأمكنة وعلو القهر؛ ويؤول صفة الاستواء إلى الاستيلاء؛ ويؤول صفة العين إلى الحفظ والرعاية والإعلام والأمر والوحي والنظر؛ ويؤول صفة اليد إلى النعمة أو القدرة، ويزعم: أن موسى ﵇ لم يسمع كلام الله وإنما أسمعه بلسان موسى وبحروف خلقها، وصوت أنشاه؛ ويقول في مسألة رؤية المؤمنين لربهم: (بل يرى بلا وصف. . اتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة، وساكن ومتحرك، ومماس ومبائن، وخارج وداخل). فأنت ترى كلام أبي منصور الماتريدي هذا في الرؤية ينفي حقيقة الرؤية، ويجعلها مستحيلة، كما يتضمن كلامه هذا نفي علو الله تعالى، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولذلك ذكره شيخ الإسلام فيمن سلكوا أصول الجهمية. فهذه نماذج من عقيدته وتعطيله وتحريفه للنصوص؛ فهل يجوز لأحد بعد هذا أن يقول: إن موقفه من الصفات مثل موقف السلف وهو إثباتها بلا كيف؟ فالشيخ أحمد عصام الكاتب - حفظه الله - قد أبعد النجعة إذ خبره على نقيض المخبر سامحه الله. والحاصل: أن الماتريدية والأشعرية فرقة واحدة من ناحية المعتقد أو كادتا أن تكونا فرقة واحدة على أقل تقدير، وما بينهما من الخلاف فهو يسير وغالبه لفظي، وهما واسطة بين أهل السنة والجهمية الأولى والمعتزلة، كما أنهما من المعطلة، وهذا الذي قلناه، نبرهن عليه الآن في الفائدة الثالثة إن شاء الله تعالى. الفائدة الثالثة: في أن الفريقين في الحقيقة فرقة واحدة في المنهج والأصول. لقد تبين للقراء من الفقرات التي مرت بأرقام (١ - ١٥) آنفا في نتائج بحوث الذين قاموا بالموازنة بين الماتريدية والأِشعرية - وهؤلاء من الفريقين أنفسهما - أن الماتريدية والأشعرية في الحقيقة فرقة واحدة متفقة في المنهج وأصول المذهب، وأنهما مخالفتان لسائر الفرق في الأصول مخالفة كبيرة، وأنه يعبر عن الفريقين بالأشاعرة تغليبا للأشعرية على الماتريدية، وأنهما هم أهل السنة والجماعة بل المراد من أهل السنة والجماعة هم الماتريدية والأشعرية، وأنهما الفرقة الناجية - على زعمهم - ولا شك أن أهل السنة والجماعة طائفة واحدة، كما أن الناجية ليست إلا واحدة لا اثنتين فصاعدا.

стр. 841

أما اختلاف النسبة - من أن الماتريدية تنتسب إلى الماتريدي، وأن الأشعرية تنتسب إلى الأشعري - فلا يؤثر على كونهما فرقة واحدة، لأن هذا الاختلاف ليس اختلافا جوهريا. وأما اختلاف الفريقين في بعض المسائل فهو ليس حاجزا دون اتحادهما لوجوه: ١ - الأول: أن الخلاف بين الفريقين ليس جوهريا بل في التفريعات دون الأصول. ٢ - الثاني: أن ذلك لا يستلزم التفسيق والتضليل والتبديع عندهم. ٣ - الثالث: أن الخلاف لفظي في جل تلك المسائل إن لم يكن في كلها. وكل ذلك باعتراف الفريقين كما مر في الفقرات السابقة قريبا. فليس مثل هذا الخلاف مما يجعل فرقة واحدة فرقتين مستقلتين. ٤ - الرابع: أنه لو عد مثل هذا الخلاف حاجزا دون كونه فرقة ما فرقة واحدة لما صح أن تعد أية فرقة واحدة قط، لأنه لابد من الاختلاف اليسير فيما بين المنتسبين إلى أية فرقة كالحنفية فيما بينهم، والشافعية فيما بينهم، وكالماتريدية فيما بينهم، وكالأشعرية فيما بينهم، فمثل هذا الخلاف لا يجعل الفرقة فرقتين فما فوق. قال التاج السبكي (٧٧١هـ): (وما مثل هذه المسائل - يعني مسائل الخلاف بين الماتريدية والأشعرية - إلا مثل مسائل كثيرة اختلف الأشاعرة فيها. .). وقال كمال الدين البياضي الحنفي الماتريدي (١٠٩٨هـ): (الخامسة: أنهم - يعني الماتريدية والأشعرية - متحدوا الأفراد في أصول الاعتقاد وإن وقع الاختلاف في التفاريع بينهما، إذ لا يعد كل من خالف غيره في مسألة ما صاحب مقالة عرفا، وما من مذهب من المذاهب إلا ولأصحابه اختلاف في التفاريع، فلو اعتبر مانعا عن اتحاد الفرقة لم تعد واحدة منها فرقة كما في النحل وغيرها. .) (١). ٥ - الخامس: ما قاله عصام الدين الحنفي الماتريدي (٩٥١هـ): (ولك أن تجعل الماتريدية داخلة فيمن تبعه - أي الأشعري -). ٦ - والسادس: أنه اصطلح المتأخرون على تسمية الفريقين الأشاعرة تغليبا للأشعرية على الماتريدية، وهذا مما يدل على أن الخلاف بين الفريقين لا يمنع أن يكونا فرقة واحدة. ٧ - السابع: أنه قد صرح الحنفية الماتريدية الديوبندية أنهم أشعرية وماتريدية في آن واحد. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الفريقين في الحقيقة فرقة واحدة في المنهج وأصول المعتقد ولا عبرة بالخلافيات، ولذلك قال الحسن بن عبد المحسن أبو عذبة (كان حيا سنة ١١٧٣هـ): (إن طعن بعضهم في بعض لأجل هذه المسائل الخلافية إنما صدر من المقصرين المتعصبين الذين لا اعتداد بأقوالهم، ولم يصدر عن أساطينهم وعظمائهم). الحاصل: أن الماتريدية والأشعرية فرقة واحدة في المنهج وأصول العقائد مخالفة لسائر الفرق مخالفة جوهرية، وما بينهما من الخلاف لا يمنع من اتحادهما؛ وأنهم زملاء في التتلمذ على مشايخهم الجهمية الأولى والمعتزلة، وأخذهم عنهم تعطيل كثير من الصفات وتحريف نصوصها تحت ستار التنزيه، بل إنهم أشقاء رضعوا من ثدي أم واحدة، ولنعم ما قيل: رضيعا لبان ثدي أم تحالفا ... بأسحم داج عوض لا نتفرق وأما ادعاء أن الماتريدية والأشعرية هم أهل السنة، بل إذا أطلق أهل السنة فلا يراد بهم إلا الماتريدية والأشعرية، وأنهما الفرقة الناجية، وأن الماتريدي والأشعري إماما أهل السنة والجماعة وأنهما قاما بنصرة مذهب السلف، فأبو منصور الماتريدي قام بنصرة مذهب أبي حنيفة وبسطه، والأشعري قام بنصرة مذهب مالك والشافعي، ولم يبدعا مقالة ولا مذهبا جديدا إلى آخر ما تقدم في الفقرات رقم (١٠ - ١٥) آنفا- فهذا ما نناقشه ونكشف الستار عن حقيقته - إن شاء الله تعالى - في المبحث الآتي. في بيان أن الماتريدية وزملاءهم الأشعرية فرقة مبتدعة كلامية من أهل القبلة، وليسوا من أهل السنة المحضة.

стр. 842

لقد تقدم في الفقرات رقم (١٠ - ١٥) في الفائدة الأولى من المبحث الأول: أن الماتريدية والأشعرية يدعون أنهم يمثلون أهل السنة، وأنهم على مذهب السلف الصالح، وأنهم فرقة ناجية إلى آخر ما يزعمون. ولما كانت هذه الدعوى كاذبة خلاف الواقع، وأنه لا صلة لهم بالسلف الصالح في منهجهم وأصولهم في كثير من أبواب العقيدة، وأن الأشعرية لا تصح نسبتهم إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، كما أن الماتريدية لا صلة لهم بعقيدة الإمام أبي حنيفة ﵀. رأينا من الواجب أن نعلق في هذا المبحث تعليقا على دعواهم هذه ليتبين للقراء حقيقة دعواهم، ولئلا يغتر بهم من خفي عليهم حقيقة أمرهم بعد هذا، فأقول وبالله التوفيق: أما الأشعرية - فلا تصح نسبتهم إلى الإمام الأشعري؛ وذلك لوجوه: الأول: أن للأشعري أدوارا ثلاثة: دور اعتزالي. ودور كلابي. ودور سلفي. قال ابن كثير (٧٧٤هـ) وأقره الزبيدي الحنفي الماتريدي (١٢٠٥هـ) والشيخ أحمد عصام الكاتب: (ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال: أولها حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة. الحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع والبصر، والكلام، وتأويل الخيرية كالوجه واليدين، والقدم، والساق، ونحو ذلك. الحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريا على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرا وشرحها الباقلاني، ونقلها ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني، وإمام الحرمين وغيرهما من أئمة الأصحاب المتقدين في أواخر أقوالهم). قلت: هذا الذي قاله الحافظ ابن كثير، وأقره الزبيدي الحنفي، وأحمد عصام الكاتب هو القول الفصل في تقلبات الأشعري واستقراره على مذهب السلف أخيرا وهذا حجة على بطلان نسبة الأشعرية إليه. الثاني: أن كتاب (الإبانة) للأشعري آخر كتبه، وهو الحق الذي لا مرية فيه كما صرح به جمع غفير من أهل العلم حتى بعض الماتريدية. وهذا من الحجج القاطعة والبراهين الساطعة أن الأشعري استقر مذهبه على ما في كتاب (الإبانة)، وهو على طريقة السلف في الإثبات دون التفويض والتأويل، وهذا مما يبطل زعم الكوثري وغيره من المغرضين الممرضين: أن (الإبانة) أول ما صنفه الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال. وكيف لا يكون زعم الكوثري هذا باطلا وقد صرح كثير من أهل العلم أن الأشعري إنما ألف كتاب (الإبانة) بعد ما دخل بغداد بل الكوثري نفسه قد صرح بهذا فوقع في تناقض واضح فاضح، وهو لا يشعر. وللكوثري دجل آخر حول كتاب (الإبانة) يدل على أنه آية في التمويه والتشويه. بل الحق - والحق يقال - أن الذي صنفه الأشعري بعد رجوعه من الاعتزال هو كتاب (اللمع) وما على شاكلته الذي يوافق طريقة الكلابية؛ وأما (الإبانة) - فلا، وألف لا؛ فقد صرح ابن عساكر بأن الأشعري لما صعد المنبر، وأعلن رجوعه عن الاعتزال دفع الكتب إلى الناس، ومنها كتاب (اللمع). وذكر ابن فورك عدة كتب للأشعري ثم قال: (هذه أسامي كتبه التي ألفها إلى سنة عشرين وثلاثمائة). وذكر فيها كتاب (اللمع) ولم يذكر فيها كتاب (الإبانة)؛ فدل هذا على أن (الإبانة) صنفها بعد هذه المدة. الثالث: أن كل من ذب عن الأشعري - إنما اعتمد في الذب عنه على نصوص كتاب (الإبانة)، فقد احتج بهذه الحجة شيخ الإسلام وغيره.

стр. 843

وهذا هو الواقع، فقد ذب الإمام ابن عساكر عن الأشعري، واعتمد في الذب عنه على (الإبانة)؛ فذكر منها نصا طويلا يستغرق (٢٥) صفحة، وسكت عليه الكوثري؛ وهذا النص موجود بحرفه ونصه وفصه - في كتاب (الإبانة) للأشعري وهكذا فعل أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس (٦٥٩هـ)؛ فقد ألف كتابا في الذب عن الأشعري، وجل اعتماده في الذب عنه على كتاب (الإبانة) وحقق نسبته إليه. الرابع: أن الإمام الأشعري ذكر عقيدة أهل الحديث والسنة المحضة ثم قال: (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول: وإليه نذهب). ثم بعد ذلك ذكر عقيدة الكلابية. فهذا برهان قاطع على أنه رجع عن دوره الكلابي إلى عقيدة أهل السنة المحضة. والحاصل: أن الأشعرية ولاسيما المتأخرين منهم أمثال أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني (٤٣٨هـ) والرازي (٦٠٦هـ) والآمدي (٦٣١هـ) ليسوا من أهل السنة المحضة، ولا تصح نسبتهم لا إلى السلف عامة، ولا إلى الأشعرية خاصة. بل هي فرقة كلامية مبتدعة تحمل أمشاجا من أفكار مختلفة أخذوها من الجهمية الأولى، والمعتزلة، والجبرية، والمرجئة، مع ما عندهم من الحق الذي أخذوه من الكتاب والسنة؛ فهم واسطة بين أهل السنة وبين تلك الفرق المبتدعة؛ فهم كبقية الفرق المبتدعة من أهل القبلة، وليسوا بأهل السنة المحضة وإن صح بإطلاق أهل السنة عليهم بالمعنى العام في مقابلة الروافض والخوارج ونحوهم ولابد من معرفة الفرق بين هذين الاصطلاحين. ولذلك ترى شيخ الإسلام يذكر الأشعرية في عداد من يلحد أسماء الله تعالى وآياته ويطلق عليهم اسم " الجهمية " ويحكم عليهم بأنهم أقرب فرق الجهمية إلى أهل السنة؛ بل يقرر فيهم: أن المعتزلة مخانيث الجهمية، والفلاسفة؛ والأشعرية مخانيث المعتزلة، وأن المعتزلة والجهمية الذكور، وأن الأشعرية الجهمية الإناث - يعني الأشعرية المتأخرة الذين ينفون الصفات الخبرية. ثم يقول شيخ الإسلام: (وأما من قال منهم بكتاب (الإبانة) الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعرية بدعة لاسيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب الشر) (١).ويقول فيهم في بعض المناسبات: (إنهم لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا): وإنهم يسفسطون في المعقولات، ويقرمطون في السمعيات) (٢). فأنى لهؤلاء أن يكونوا من أهل السنة، ومن أراد معرفة حقيقة هؤلاء بالتفصيل فعليه بكتب شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله - ومن الكتب الحديثة رسالة (منهج الأشاعرة في العقيدة). للدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي - حفظه الله - وبالله التوفيق.

стр. 844

وأما الماتريدية فربما تخفى على كثير من الناس حقيقة أمرهم وتروج عليهم سلعتهم، حيث لم نطلع على كتاب يكشف الستار عن أسرارهم ويخرج للناس خباياهم من زواياهم، والذي يهمني ههنا أن أذكر بعض الأمثلة لتكون نماذج لخروج الماتريدية على معتقد أهل السنة، وتكون شواهد لما قلنا: إنها كزميلتها (الأشعرية) كلتاهما من تلامذة الجهمية الأولى منشقة عن المعتزلة، تحمل أفكار المرجئة، وإنها فرقة كلامية مبتدعة من فرق أهل القبلة، وليست لها صلة بالإمام أبي حنيفة ﵀ خاصة وبأهل السنة المحضة عامة؛ وذلك لما يأتي من الأمثلة والنماذج والشواهد. ١ - لقد تقدم في الفائدة الثالثة: أن الماتريدية والأشعرية فرقة واحدة، متفقة في المنهج وأصول العقائد، وانهما مخالفتان لبقية الفرق في الأصول مخالفة كبيرة، وعرفت - أيضا - حقيقة الأشعرية، وأنهم من فرق المعطلة الكلامية المبتدعة من أهل القبلة وليست من أهل السنة المحضة بالمعنى الأخص، فهذا - أيضا - حكم على الماتريدية دون شك. ٢ - الماتريدية يثبتون أربعا من الصفات بالاتفاق وهي الحياة والعلم، والقدرة، والإرادة، ولهم خلاف في إثبات السمع والبصر، ويزيدون صفة أخرى يسمونها التكوين وهو مرجع جميع صفات الأفعال المتعدية، وهم لا يعدون الصفات الفعلية صفات حقيقة، وهذا المذهب يتضمن التعطيل لكثير من الصفات. أما صفة الكلام، فلا يؤمنون بها بل عطلوها وحرفوا نصوصها، وهم والأشعرية والمعتزلة والجهمية الأولى متفقون على خلق القرآن الكريم. لا نزاع بينهم فيه قط، غير أن الماتريدية والأشعرية زادوا بدعة أخرى وهي القول بالكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت، والذي لا يقره عقل ولا نقل. أما بقية الصفات من العلو واليدين والعين والوجه والساق والاستواء والنزول والغضب والرضى والحياء وغيرها فيعطلونها، ويحرفون نصوصها فهذه العقائد ليست لها أية صلة بالسلف عامة وبالإمام أبي حنيفة خاصة. ٣ - من المعلوم عند الموافق والمخالف أن السلف لم يسلكوا بدعة التأويل في الصفات وهذا باعتراف الماتريدية - أيضا - ولذلك يقولون قولا زورا على السلف: إنهم كانوا مفوضة. أما الماتريدية فهم مؤولة، وهم يثنون على طريقة التأويل، ويقولون: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم. فهم بإقرارهم واعترافهم مخالفون لمنهج السلف الصالح فكيف يدعون أنهم أهل السنة؟ ٤ - سبحان الله! كيف تكون الماتريدية أهل السنة أتباع الإمام أبي حنيفة؟، وأبو حنيفة ﵀ يثبت العلو لله تعالى بل يكفرمن أنكر ذلك، بل من شك في ذلك ويستدل على ذلك بدليل الفطرة، والنقل وهو حديث الجارية -، والعقل؛ أما الماتريدي والماتريدية فينكرون علو الله تعالى؛ وينابذون العقل والنقل والفطرة والإجماع في آن واحد فيقولون: إن الله لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل به، ولا منفصل عنه، ولا فوق، ولا تحت. ويقولون في دليل الفطرة الذي استدل به الإمام أبو حنيفة: (إن هذا الدليل دليل غلاة الروافض واليهود والكرامية وجميع المشبهة). فجعلوا الإمام أبا حنيفة من الروافض، واليهود والمشبهة من حيث لا يشعرون. ٥ - الإمام أبو حنيفة ﵀ يثبت لله الوجه، واليد والنفس وغيرها من الصفات، ويصرح بأن تأويلها تعطيل لها، وهو مذهب أهل القدر والاعتزال؛ لكن الماتريدي والماتريدية خالفوا إمامهم واختاروا مذهب أهل القدر والاعتزال فعطلوا تلك الصفات، وحرفوا نصوصها. ٦ - الإمام أبو حنيفة ﵀ يثبت لله تعالى صفتي الغضب والرضى، ولكن الماتريدية يعطلون ذلك، ويحرفون نصوصهما.

стр. 845

٧ - الإمام أبو حنيفة ﵀ صرح بأن موسى ﵇ سمع كلام الله تعالى؛ أما الماتريدي والماتريدية فينفون ذلك، ويقولون إنما سمع صوتا مخلوقا بحروف مخلوقة. ٨ - الماتريدي والماتريدية من المرجئة، لأن الإيمان عندهم هو التصديق فقط، والإقرار والأعمال خارجان عن الإيمان، ولا يزيد الإيمان ولا ينقص عندهم، غير أن الإقرار باللسان شرط لإجراء الأحكام في الدنيا فقط، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن ناج عند الله. فأنت ترى أن هؤلاء من غلاة المرجئة، وليسوا في شيء من عقيدة السلف في هذا، وبعد هذا كله كيف تصح دعوى الماتريدية والأشعرية أنهم يمثلون أهل السنة؟! وكيف يصح زعم الشيخ الفنجفيري. ٩ - كيف لا؟ وهم يعدون العقيدة السلفية السنية عقيدة وثنية وتشبيه وتجسيم وشرك وكفر، وأهلها وثنية مشبهة، مجسمة. وحشوية. نعم، هم يلتقون بأهل السنة في باب الخلافة وذكر الصحابة ﵃ بخير، وما يسمونه السمعيات، وما يثبتونه من بعض الصفات، والقدر، وغير ذلك. فهم أهل السنة في مقابلة الروافض والخوارج، أما أهل السنة المحضة فلا. لأن لفظ (أهل السنة) يطلق اصطلاحا على معنيين: معنى عام، ومعنى خاص. فبالنسبة إلى معناه العام - يدخل فيه كثير من الفرق المبتدعة، وأما المعنى الخاص - فلا يدخل فيه إلا أهل السنة المحضة، وهم السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال شيخ الإسلام: (فلفظ أهل السنة يراد بن من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك - معنى أهل السنة - جميع الطوائف إلا الرافضة؛ وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: إن القرآن غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة) (١).فبالنظر إلى المعنى العام يدخل في (أهل السنة) الكرامية المشهبة أيضا، لأنهم ممن يقول بخلافة الخلفاء الثلاثة (٢). بل أقول: إنه يصح إطلاق (الجهمية) على الماتريدية أيضا بمعنى أنهم معطلة؛ لأن الجهمية تطلق ويراد بها المعطلة سواء كانت الجهمية الأولى، أو المعتزلة، أو الأشعرية، أو الماتريدية، أو غيرهم ويشهد لذلك تصريح كثير من الأئمة الأعلام: ١ - قال الإمام يزيد بن هارون: (من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة - يعني أنكر الاستواء أو أوله - فهو جهمي) (٣).٢ - وقال شيخ الإسلام: (فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات، وقال: إن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة - جهميا) (٤). ٣ - لذلك نرى شيخ الإسلام يطلق كلمة (الجهمية) على الأشعرية. وقد ذكر شيخ الإسلام للجهمية ثلاث درجات فعد الكلابية والأشعرية ولاسيما المتأخرين منهم من الثالثة. ٤ - والحافظ ابن حجر قال: (الجهمية من ينفي صفات الله تعالى التي أثبتها الكتاب والسنة، ويقول: إن القرآن مخلوق) (٥). ٥ - قلت: بناء على عقيدة الماتريدية في الصفات وأقوال هؤلاء الأعلام يجوز أن يطلق عليهم كلمة (الجهمية) كما يجوز أن نطلق عليهم كلمة (المعطلة)، وعلى كل حال هم ليسوا بأهل السنة المحضة.
следующие страницы →