أما اختلاف النسبة - من أن الماتريدية تنتسب إلى الماتريدي، وأن الأشعرية تنتسب إلى الأشعري - فلا يؤثر على كونهما فرقة واحدة، لأن هذا الاختلاف ليس اختلافا جوهريا.
وأما اختلاف الفريقين في بعض المسائل فهو ليس حاجزا دون اتحادهما لوجوه:
١ - الأول: أن الخلاف بين الفريقين ليس جوهريا بل في التفريعات دون الأصول.
٢ - الثاني: أن ذلك لا يستلزم التفسيق والتضليل والتبديع عندهم.
٣ - الثالث: أن الخلاف لفظي في جل تلك المسائل إن لم يكن في كلها.
وكل ذلك باعتراف الفريقين كما مر في الفقرات السابقة قريبا. فليس مثل هذا الخلاف مما يجعل فرقة واحدة فرقتين مستقلتين.
٤ - الرابع: أنه لو عد مثل هذا الخلاف حاجزا دون كونه فرقة ما فرقة واحدة لما صح أن تعد أية فرقة واحدة قط، لأنه لابد من الاختلاف اليسير فيما بين المنتسبين إلى أية فرقة كالحنفية فيما بينهم، والشافعية فيما بينهم، وكالماتريدية فيما بينهم، وكالأشعرية فيما بينهم، فمثل هذا الخلاف لا يجعل الفرقة فرقتين فما فوق.
قال التاج السبكي (٧٧١هـ): (وما مثل هذه المسائل - يعني مسائل الخلاف بين الماتريدية والأشعرية - إلا مثل مسائل كثيرة اختلف الأشاعرة فيها. .). وقال كمال الدين البياضي الحنفي الماتريدي (١٠٩٨هـ): (الخامسة: أنهم - يعني الماتريدية والأشعرية - متحدوا الأفراد في أصول الاعتقاد وإن وقع الاختلاف في التفاريع بينهما، إذ لا يعد كل من خالف غيره في مسألة ما صاحب مقالة عرفا، وما من مذهب من المذاهب إلا ولأصحابه اختلاف في التفاريع، فلو اعتبر مانعا عن اتحاد الفرقة لم تعد واحدة منها فرقة كما في النحل وغيرها. .) (١).
٥ - الخامس: ما قاله عصام الدين الحنفي الماتريدي (٩٥١هـ): (ولك أن تجعل الماتريدية داخلة فيمن تبعه - أي الأشعري -).
٦ - والسادس: أنه اصطلح المتأخرون على تسمية الفريقين الأشاعرة تغليبا للأشعرية على الماتريدية، وهذا مما يدل على أن الخلاف بين الفريقين لا يمنع أن يكونا فرقة واحدة.
٧ - السابع: أنه قد صرح الحنفية الماتريدية الديوبندية أنهم أشعرية وماتريدية في آن واحد.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الفريقين في الحقيقة فرقة واحدة في المنهج وأصول المعتقد ولا عبرة بالخلافيات، ولذلك قال الحسن بن عبد المحسن أبو عذبة (كان حيا سنة ١١٧٣هـ): (إن طعن بعضهم في بعض لأجل هذه المسائل الخلافية إنما صدر من المقصرين المتعصبين الذين لا اعتداد بأقوالهم، ولم يصدر عن أساطينهم وعظمائهم).
الحاصل: أن الماتريدية والأشعرية فرقة واحدة في المنهج وأصول العقائد مخالفة لسائر الفرق مخالفة جوهرية، وما بينهما من الخلاف لا يمنع من اتحادهما؛ وأنهم زملاء في التتلمذ على مشايخهم الجهمية الأولى والمعتزلة، وأخذهم عنهم تعطيل كثير من الصفات وتحريف نصوصها تحت ستار التنزيه، بل إنهم أشقاء رضعوا من ثدي أم واحدة، ولنعم ما قيل:
رضيعا لبان ثدي أم تحالفا ... بأسحم داج عوض لا نتفرق
وأما ادعاء أن الماتريدية والأشعرية هم أهل السنة، بل إذا أطلق أهل السنة فلا يراد بهم إلا الماتريدية والأشعرية، وأنهما الفرقة الناجية، وأن الماتريدي والأشعري إماما أهل السنة والجماعة وأنهما قاما بنصرة مذهب السلف، فأبو منصور الماتريدي قام بنصرة مذهب أبي حنيفة وبسطه، والأشعري قام بنصرة مذهب مالك والشافعي، ولم يبدعا مقالة ولا مذهبا جديدا إلى آخر ما تقدم في الفقرات رقم (١٠ - ١٥) آنفا- فهذا ما نناقشه ونكشف الستار عن حقيقته - إن شاء الله تعالى - في المبحث الآتي.
في بيان أن الماتريدية وزملاءهم الأشعرية فرقة مبتدعة كلامية من أهل القبلة، وليسوا من أهل السنة المحضة.
стр. 842
لقد تقدم في الفقرات رقم (١٠ - ١٥) في الفائدة الأولى من المبحث الأول: أن الماتريدية والأشعرية يدعون أنهم يمثلون أهل السنة، وأنهم على مذهب السلف الصالح، وأنهم فرقة ناجية إلى آخر ما يزعمون.
ولما كانت هذه الدعوى كاذبة خلاف الواقع، وأنه لا صلة لهم بالسلف الصالح في منهجهم وأصولهم في كثير من أبواب العقيدة، وأن الأشعرية لا تصح نسبتهم إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، كما أن الماتريدية لا صلة لهم بعقيدة الإمام أبي حنيفة ﵀.
رأينا من الواجب أن نعلق في هذا المبحث تعليقا على دعواهم هذه ليتبين للقراء حقيقة دعواهم، ولئلا يغتر بهم من خفي عليهم حقيقة أمرهم بعد هذا، فأقول وبالله التوفيق:
أما الأشعرية - فلا تصح نسبتهم إلى الإمام الأشعري؛ وذلك لوجوه:
الأول: أن للأشعري أدوارا ثلاثة:
دور اعتزالي.
ودور كلابي.
ودور سلفي.
قال ابن كثير (٧٧٤هـ) وأقره الزبيدي الحنفي الماتريدي (١٢٠٥هـ) والشيخ أحمد عصام الكاتب: (ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
أولها حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.
الحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع والبصر، والكلام، وتأويل الخيرية كالوجه واليدين، والقدم، والساق، ونحو ذلك.
الحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريا على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرا وشرحها الباقلاني، ونقلها ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني، وإمام الحرمين وغيرهما من أئمة الأصحاب المتقدين في أواخر أقوالهم).
قلت: هذا الذي قاله الحافظ ابن كثير، وأقره الزبيدي الحنفي، وأحمد عصام الكاتب هو القول الفصل في تقلبات الأشعري واستقراره على مذهب السلف أخيرا وهذا حجة على بطلان نسبة الأشعرية إليه.
الثاني: أن كتاب (الإبانة) للأشعري آخر كتبه، وهو الحق الذي لا مرية فيه كما صرح به جمع غفير من أهل العلم حتى بعض الماتريدية.
وهذا من الحجج القاطعة والبراهين الساطعة أن الأشعري استقر مذهبه على ما في كتاب (الإبانة)، وهو على طريقة السلف في الإثبات دون التفويض والتأويل، وهذا مما يبطل زعم الكوثري وغيره من المغرضين الممرضين: أن (الإبانة) أول ما صنفه الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال.
وكيف لا يكون زعم الكوثري هذا باطلا وقد صرح كثير من أهل العلم أن الأشعري إنما ألف كتاب (الإبانة) بعد ما دخل بغداد بل الكوثري نفسه قد صرح بهذا فوقع في تناقض واضح فاضح، وهو لا يشعر.
وللكوثري دجل آخر حول كتاب (الإبانة) يدل على أنه آية في التمويه والتشويه.
بل الحق - والحق يقال - أن الذي صنفه الأشعري بعد رجوعه من الاعتزال هو كتاب (اللمع) وما على شاكلته الذي يوافق طريقة الكلابية؛ وأما (الإبانة) - فلا، وألف لا؛ فقد صرح ابن عساكر بأن الأشعري لما صعد المنبر، وأعلن رجوعه عن الاعتزال دفع الكتب إلى الناس، ومنها كتاب (اللمع).
وذكر ابن فورك عدة كتب للأشعري ثم قال: (هذه أسامي كتبه التي ألفها إلى سنة عشرين وثلاثمائة). وذكر فيها كتاب (اللمع) ولم يذكر فيها كتاب (الإبانة)؛ فدل هذا على أن (الإبانة) صنفها بعد هذه المدة.
الثالث: أن كل من ذب عن الأشعري - إنما اعتمد في الذب عنه على نصوص كتاب (الإبانة)، فقد احتج بهذه الحجة شيخ الإسلام وغيره.
стр. 843
وهذا هو الواقع، فقد ذب الإمام ابن عساكر عن الأشعري، واعتمد في الذب عنه على (الإبانة)؛ فذكر منها نصا طويلا يستغرق (٢٥) صفحة، وسكت عليه الكوثري؛ وهذا النص موجود بحرفه ونصه وفصه - في كتاب (الإبانة) للأشعري وهكذا فعل أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس (٦٥٩هـ)؛ فقد ألف كتابا في الذب عن الأشعري، وجل اعتماده في الذب عنه على كتاب (الإبانة) وحقق نسبته إليه.
الرابع: أن الإمام الأشعري ذكر عقيدة أهل الحديث والسنة المحضة ثم قال: (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول: وإليه نذهب). ثم بعد ذلك ذكر عقيدة الكلابية. فهذا برهان قاطع على أنه رجع عن دوره الكلابي إلى عقيدة أهل السنة المحضة.
والحاصل: أن الأشعرية ولاسيما المتأخرين منهم أمثال أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني (٤٣٨هـ) والرازي (٦٠٦هـ) والآمدي (٦٣١هـ) ليسوا من أهل السنة المحضة، ولا تصح نسبتهم لا إلى السلف عامة، ولا إلى الأشعرية خاصة.
بل هي فرقة كلامية مبتدعة تحمل أمشاجا من أفكار مختلفة أخذوها من الجهمية الأولى، والمعتزلة، والجبرية، والمرجئة، مع ما عندهم من الحق الذي أخذوه من الكتاب والسنة؛ فهم واسطة بين أهل السنة وبين تلك الفرق المبتدعة؛ فهم كبقية الفرق المبتدعة من أهل القبلة، وليسوا بأهل السنة المحضة وإن صح بإطلاق أهل السنة عليهم بالمعنى العام في مقابلة الروافض والخوارج ونحوهم ولابد من معرفة الفرق بين هذين الاصطلاحين.
ولذلك ترى شيخ الإسلام يذكر الأشعرية في عداد من يلحد أسماء الله تعالى وآياته ويطلق عليهم اسم " الجهمية " ويحكم عليهم بأنهم أقرب فرق الجهمية إلى أهل السنة؛ بل يقرر فيهم: أن المعتزلة مخانيث الجهمية، والفلاسفة؛ والأشعرية مخانيث المعتزلة، وأن المعتزلة والجهمية الذكور، وأن الأشعرية الجهمية الإناث - يعني الأشعرية المتأخرة الذين ينفون الصفات الخبرية. ثم يقول شيخ الإسلام: (وأما من قال منهم بكتاب (الإبانة) الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعرية بدعة لاسيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب الشر) (١).ويقول فيهم في بعض المناسبات: (إنهم لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا): وإنهم يسفسطون في المعقولات، ويقرمطون في السمعيات) (٢).
فأنى لهؤلاء أن يكونوا من أهل السنة، ومن أراد معرفة حقيقة هؤلاء بالتفصيل فعليه بكتب شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله - ومن الكتب الحديثة رسالة (منهج الأشاعرة في العقيدة). للدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي - حفظه الله - وبالله التوفيق.
стр. 844
وأما الماتريدية فربما تخفى على كثير من الناس حقيقة أمرهم وتروج عليهم سلعتهم، حيث لم نطلع على كتاب يكشف الستار عن أسرارهم ويخرج للناس خباياهم من زواياهم، والذي يهمني ههنا أن أذكر بعض الأمثلة لتكون نماذج لخروج الماتريدية على معتقد أهل السنة، وتكون شواهد لما قلنا: إنها كزميلتها (الأشعرية) كلتاهما من تلامذة الجهمية الأولى منشقة عن المعتزلة، تحمل أفكار المرجئة، وإنها فرقة كلامية مبتدعة من فرق أهل القبلة، وليست لها صلة بالإمام أبي حنيفة ﵀ خاصة وبأهل السنة المحضة عامة؛ وذلك لما يأتي من الأمثلة والنماذج والشواهد.
١ - لقد تقدم في الفائدة الثالثة: أن الماتريدية والأشعرية فرقة واحدة، متفقة في المنهج وأصول العقائد، وانهما مخالفتان لبقية الفرق في الأصول مخالفة كبيرة، وعرفت - أيضا - حقيقة الأشعرية، وأنهم من فرق المعطلة الكلامية المبتدعة من أهل القبلة وليست من أهل السنة المحضة بالمعنى الأخص، فهذا - أيضا - حكم على الماتريدية دون شك.
٢ - الماتريدية يثبتون أربعا من الصفات بالاتفاق وهي الحياة والعلم، والقدرة، والإرادة، ولهم خلاف في إثبات السمع والبصر، ويزيدون صفة أخرى يسمونها التكوين وهو مرجع جميع صفات الأفعال المتعدية، وهم لا يعدون الصفات الفعلية صفات حقيقة، وهذا المذهب يتضمن التعطيل لكثير من الصفات.
أما صفة الكلام، فلا يؤمنون بها بل عطلوها وحرفوا نصوصها، وهم والأشعرية والمعتزلة والجهمية الأولى متفقون على خلق القرآن الكريم. لا نزاع بينهم فيه قط، غير أن الماتريدية والأشعرية زادوا بدعة أخرى وهي القول بالكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت، والذي لا يقره عقل ولا نقل.
أما بقية الصفات من العلو واليدين والعين والوجه والساق والاستواء والنزول والغضب والرضى والحياء وغيرها فيعطلونها، ويحرفون نصوصها فهذه العقائد ليست لها أية صلة بالسلف عامة وبالإمام أبي حنيفة خاصة.
٣ - من المعلوم عند الموافق والمخالف أن السلف لم يسلكوا بدعة التأويل في الصفات وهذا باعتراف الماتريدية - أيضا - ولذلك يقولون قولا زورا على السلف: إنهم كانوا مفوضة.
أما الماتريدية فهم مؤولة، وهم يثنون على طريقة التأويل، ويقولون: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم. فهم بإقرارهم واعترافهم مخالفون لمنهج السلف الصالح فكيف يدعون أنهم أهل السنة؟
٤ - سبحان الله! كيف تكون الماتريدية أهل السنة أتباع الإمام أبي حنيفة؟، وأبو حنيفة ﵀ يثبت العلو لله تعالى بل يكفرمن أنكر ذلك، بل من شك في ذلك ويستدل على ذلك بدليل الفطرة، والنقل وهو حديث الجارية -، والعقل؛ أما الماتريدي والماتريدية فينكرون علو الله تعالى؛ وينابذون العقل والنقل والفطرة والإجماع في آن واحد فيقولون: إن الله لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل به، ولا منفصل عنه، ولا فوق، ولا تحت. ويقولون في دليل الفطرة الذي استدل به الإمام أبو حنيفة: (إن هذا الدليل دليل غلاة الروافض واليهود والكرامية وجميع المشبهة). فجعلوا الإمام أبا حنيفة من الروافض، واليهود والمشبهة من حيث لا يشعرون.
٥ - الإمام أبو حنيفة ﵀ يثبت لله الوجه، واليد والنفس وغيرها من الصفات، ويصرح بأن تأويلها تعطيل لها، وهو مذهب أهل القدر والاعتزال؛ لكن الماتريدي والماتريدية خالفوا إمامهم واختاروا مذهب أهل القدر والاعتزال فعطلوا تلك الصفات، وحرفوا نصوصها.
٦ - الإمام أبو حنيفة ﵀ يثبت لله تعالى صفتي الغضب والرضى، ولكن الماتريدية يعطلون ذلك، ويحرفون نصوصهما.
стр. 845
٧ - الإمام أبو حنيفة ﵀ صرح بأن موسى ﵇ سمع كلام الله تعالى؛ أما الماتريدي والماتريدية فينفون ذلك، ويقولون إنما سمع صوتا مخلوقا بحروف مخلوقة.
٨ - الماتريدي والماتريدية من المرجئة، لأن الإيمان عندهم هو التصديق فقط، والإقرار والأعمال خارجان عن الإيمان، ولا يزيد الإيمان ولا ينقص عندهم، غير أن الإقرار باللسان شرط لإجراء الأحكام في الدنيا فقط، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن ناج عند الله.
فأنت ترى أن هؤلاء من غلاة المرجئة، وليسوا في شيء من عقيدة السلف في هذا، وبعد هذا كله كيف تصح دعوى الماتريدية والأشعرية أنهم يمثلون أهل السنة؟! وكيف يصح زعم الشيخ الفنجفيري.
٩ - كيف لا؟ وهم يعدون العقيدة السلفية السنية عقيدة وثنية وتشبيه وتجسيم وشرك وكفر، وأهلها وثنية مشبهة، مجسمة. وحشوية.
نعم، هم يلتقون بأهل السنة في باب الخلافة وذكر الصحابة ﵃ بخير، وما يسمونه السمعيات، وما يثبتونه من بعض الصفات، والقدر، وغير ذلك. فهم أهل السنة في مقابلة الروافض والخوارج، أما أهل السنة المحضة فلا.
لأن لفظ (أهل السنة) يطلق اصطلاحا على معنيين: معنى عام، ومعنى خاص. فبالنسبة إلى معناه العام - يدخل فيه كثير من الفرق المبتدعة، وأما المعنى الخاص - فلا يدخل فيه إلا أهل السنة المحضة، وهم السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال شيخ الإسلام: (فلفظ أهل السنة يراد بن من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك - معنى أهل السنة - جميع الطوائف إلا الرافضة؛ وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: إن القرآن غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة) (١).فبالنظر إلى المعنى العام يدخل في (أهل السنة) الكرامية المشهبة أيضا، لأنهم ممن يقول بخلافة الخلفاء الثلاثة (٢).
بل أقول: إنه يصح إطلاق (الجهمية) على الماتريدية أيضا بمعنى أنهم معطلة؛ لأن الجهمية تطلق ويراد بها المعطلة سواء كانت الجهمية الأولى، أو المعتزلة، أو الأشعرية، أو الماتريدية، أو غيرهم ويشهد لذلك تصريح كثير من الأئمة الأعلام: ١ - قال الإمام يزيد بن هارون: (من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة - يعني أنكر الاستواء أو أوله - فهو جهمي) (٣).٢ - وقال شيخ الإسلام: (فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات، وقال: إن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة - جهميا) (٤).
٣ - لذلك نرى شيخ الإسلام يطلق كلمة (الجهمية) على الأشعرية.
وقد ذكر شيخ الإسلام للجهمية ثلاث درجات فعد الكلابية والأشعرية ولاسيما المتأخرين منهم من الثالثة. ٤ - والحافظ ابن حجر قال: (الجهمية من ينفي صفات الله تعالى التي أثبتها الكتاب والسنة، ويقول: إن القرآن مخلوق) (٥).
٥ - قلت: بناء على عقيدة الماتريدية في الصفات وأقوال هؤلاء الأعلام يجوز أن يطلق عليهم كلمة (الجهمية) كما يجوز أن نطلق عليهم كلمة (المعطلة)، وعلى كل حال هم ليسوا بأهل السنة المحضة.
стр. 846
فواعجبا من الفنجفيرية كيف تجعل الماتريدية والأشعرية من أهل السنة حيث قال أحد أئمتها الشيخ الرستمي في (تنشيطه): ٣٥٠ " فهذا الفريق (يعني الخلف) لا يخرج عن أهل السنة "!؟
وهذا من قلب الحقائق وتسمية الزاهق بالفائق
إن البغاث بأرضنا يستنسر والطين في أيامنا ليستحجر
في بيان الفروق، والمسائل الخلافية بين الماتريدية والأشعرية:
أولا: من الناحية المذهبية الفقهية:
لقد بذلت كثيرا من جهدي فوصلت إلى أن الماتريدية كلهم حنفية المذهب بل المراد من الحنفية على الإطلاق في علم الكلام هم الماتريدية فحسب. ولا أعرف أحدا من المالكية والشافعية والحنابلة أن يكون ماتريديا، كما لا أعرف أحدا من الحنفية أن يكون أشعريا إلا أبا جعفر محمد بن أحمد السمناني (٤٤٤هـ) فقد كان عراقي المذهب أشعري الاعتقاد. وكان تلميذا للباقلاني (٤٠٣هـ) في علم الكلام، فكان الباقلاني يمازحه ويقول: (إنه مؤمن آل فرعون) يعني: أنه الأشعري الوحيد بين الحنفية. وأما ما صرح به الحنفية الديوبندية من أنهم ماتريدية وأشعرية فيعنون به اتفاق الفريقين في أصول العقيدة، وإلا فهم حنفية أصلاب، ماتريدية أجلاد.
أما الأشعرية فكثير منهم شافعية لأسباب، منها: أن الإمام أبا الحسن الأشعري كان شافعيا - كما هو الحق الذي لا مرية فيه - ولم يكن حنفيا - كما زعمه الكوثري وغيره من الحنفية - كما لم يكن مالكيا أيضا - كما زعمه بعض المالكية.
أما المالكية، فلم يعرف أحد منهم أشعريا قبل فتنة ابن تومرت (٥٢٤هـ) الذي فعل الأفاعيل وارتكب الأباطيل، وهتك الأعراض، وسفك الدماء، ونشر العقيدة الجهمية بسلطان السيف والسنان لا بسلطان الحجة والبرهان، والذي أسس دولة الموحدين على طريقة الجهمية والاتحادية والمتفلسفة من نفاة الصفات.
وأما الحنابلة، فلم يعرف فيهم أحد أشعريا؛ مع وقوع بعض الحنابلة في التفويض والتأويل؛ فهذا ابن الجوزي - مع انحرافه عن العقيدة السلفية في باب الصفات - عدو لدود للأشعري والأشعرية.
وقد ظهر بما تقدم بطلان زعم الكوثري: (فالمالكية كافة وثلاثة أرباع الشافعية، وثلث الحنفية، وقسم من الحنابلة، على هذه الطريقة من الكلام من عهد الباقلاني، والثلثان من الحنفية على الطريقة الماتريدية.). كما بطل زعم التاج السبكي: (أن الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة أشعريون. .).
ويدل على إبطال هذه المزاعم - أن في الحنفية فرقا أخرى كالحنفية الكاملة، والحنفية الجهمية الأولى، والحنفية المعتزلة، والحنفية المرجئة، والحنفية الكرامية، والحنفية الشيعية، والحنفية الزيدية حتى باعتراف الحنفية الماتريدية؛ فالحنفية الماتريدية نزر قليل بالنسبة إلى باقية فرق الحنفية، وهكذا حال الأشعرية؛ لأن العقيدة الأشعرية لم تكن معروفة حتى في العراق قبل سنة (٣٨٠هـ) ثم انتقلت من العراق إلى الشام ومصر بقوة السلطان لا بقوة البرهان، فقد أجبر ملوك بني أيوب أيام دولتهم كافة الناس على العقيدة الأشعرية، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام دولتهم ثم أيام مواليهم الملوك من الأتراك.
ثانيا: من الناحية الجغرافية:
لقد تقدم أن ذكرنا أن الماتريدية انتشرت في بلاد الهند وما جاورها من البلاد الشرقية كالصين وبنغلاديش وباكستان وأفغانستان. كما انتشرت في بلاد تركيا والروم وفارس وبلاد ما وراء النهر وتونس حسب انتشار الحنفية وسلطانهم.
стр. 847
أما الأشعرية فانتشرت في العراق والشام ومصر والمغرب وغيرها من البلاد بسبب انتشار متأخري الشافعية والمالكية وقوة سلطانهم وسيفهم وسنانهم. فقد ذكرنا أن ابن تومرت أجبر الناس في المغرب وحملهم على العقيدة الجهمية التي نسبها إلى الأشعري زورا بسفك الدماء وهتك الأعراض، وفعل ما فعل من الأباطيل والأفاعيل الشنيعة الفظيعة.
أما في العراق والشام ومصر، فلم تكن العقيدة الأشعرية معروفة إلا في آخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، فظهرت في العراق في نحو سنة (٣٨٠هـ) وانتقلت إلى الشام فمصر بسبب الدولة الأيوبية حيث حملوا كافة الناس عليها، فتمادى الحال على ذلك في أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام الأتراك من مواليهم.
ثالثا: من الناحية الفكرية:
وفيها وقفات ثلاث:
الوقفة الأولى: في نوعية هذا الخلاف:
اختلفت أفكار الماتريدية وأنظار الأشعرية في مسائل، وقد تقدم أن هذا الخلاف غير جوهري بل في التفاريع دون الأصول، وأن هذا الخلاف جله لفظي إن لم نقل كله، وأنه لا يستدعي التبديع والتفسيق فيما بينهم، وكان بينهم في أول الأمر تباين وتنافر ثم آل الأمر في الأخير إلى الإغضاء.
الوقفة الثانية: في عدد تلك المسائل الخلافية:
ذكر تاج الدين السبكي (٧٧١هـ) عن والده تقي الدين السبكي (٧٥٦هـ) أن تلك المسائل ثلاث، ثم ذكر أنها ثلاث عشرة مسألة: ست فيها خلاف معنوي، وأما السبع الباقية ففيها خلاف لفظي. ومشى على ذلك أبو عذبة وأقره الزبيدي، وهذا يوافق ما ذكره المقريزي.
ويرى عبد الرحيم شيخ زاده: أنها أربعون مسألة ثم ساقها.
وأوصلها كمال الدين البياضي إلى خمسين مسألة ثم ذكرها، وساق الزبيدي نصه أيضا.
والذي يبدو لي، أنه لا منافاة بين ما ذكره التاج السبكي وأبو عذبة وغيرهما وبين ما ذكره الباقون فالأولون أجملوا والآخرون فصلوا. وها أنا أسوق تلك المسائل حسب ما ذكره السبكي وأبو عذبة إن شاء الله تعالى.
الوقفة الثالثة: في بيان المسائل الخلافية بين الفريقين:
ذكرت آنفا خلاف العلماء في عدد المسائل الخلافية بين الماتريدية وبين الأشعرية واخترت ما ذكره السبكي وأبو عذبة من أن هذه المسائل ثلاث عشرة مسألة؛ لأنه قول وسط وأشهر، فأعرض هذه المسائل عرضا أمام القراء كالفهرس مع تعليقات مختصرة لبيان الحق دون مناقشة الفريقين تفصيلا، لأن المقصود ها هنا تعريف الماتريدية بما بينهم وبين الأشعرية من الخلاف فقط، أما الحديث عن هذه المسائل تفصيلا وبيان الحق فيها بالأدلة، ومناقشة الفريقين فيحتاج إلى بحث خاص ولعل الله تعالى يوفق من شاء من عباده فيقوم بهذا العمل؛ فأقول - وبالله التوفيق -.
المسائل الخلافية بين الفريقين - كما ذكره السبكي وأبو عذبة - ثلاث عشرة مسألة، وهي على نوعين: نوع فيه خلاف معنوي، ونوع فيه خلاف لفظي.
أما النوع الأول فست مسائل:
المسألة الأولى:
هل يجوز عقلا أن يعذب الله تعالى المطيع أم لا؟ فالأشعرية يجوزون ذلك، والماتريدية لا يجوزونه.
قلت: قول الأشعرية باطل محض عقلا ونقلا، والحق أن الله تعالى لا يعذب المطيع.
أما عقلا؛ فلأنه يستلزم وصفه تعالى بالجور كما أنه مناف لحكمته تعالى؛ لأنه سفه محض.
وأما نقلا: فلقوله تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:٣٥ - ٣٦].
стр. 848
وهذا الدليل النقلي عقلي أيضا؛ لأنه لا يجوز عقلا التسوية بين المختلفين كما لا يجوز التفريق بين المتماثلين. قال ابن القيم: " هو تعالى المحسن البر الرحيم الملك العدل الحكيم فلا تناقض حكمته رحمته بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه، فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب، ولا العكس، ولا يلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن الله: إن الأمرين إليه تعالى سواء، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة والقرآن كفيل بالرد على هذه المقالة" (١).
المسألة الثانية: هل معرفة الله واجبة بالشرع أم بالعقل؟
قلت: ها هنا مسألتان:
١ - الأولى: حصول معرفة الله بالعقل.
٢ - الثانية: وجوب معرفة الله بالعقل شرعا ينوط به التكليف ويترتب عليه الثواب والعقاب.
فالمسألة الأولى: لم يختلف فيها الماتريدية والأشعرية، لأن معرفة الله تعالى أمر فطري وعقلي في الجملة، وشرعي في التفصيل كما سيأتي قريبا - إن شاء الله -.
وأما المسألة الثانية: فاختلف فيها الأشعرية والماتريدية.
فقالت الأشعرية: معرفة الله واجبة بالشرع لا بالعقل.
وقالت الماتريدية: معرفة الله واجبة بالعقل ولو لم يكن الشرع.
وهو مذهب جمهور المعتزلة، حتى صرح أبو منصور الماتريدي، وكثير من مشايخ العراق من الحنفية بأنه يجب على صبي عاقل معرفة الله وإن لم يبلغ الحنث.
واختار أئمة بخارى من الحنفية مذهب الأشعرية فقالوا: لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل البعثة.
وصورة الخلاف وثمرته تظهران فيمن نشأ على شاهق جبل ولم تبلغه الدعوة، ولم يؤمن بالله ومات فهو غير معذب عند الأشعرية ومعذب عند الماتريدية.
قلت: قول الأشعرية - ها هنا - صواب ولكنهم ناقضوا أنفسهم في جعل العقول الفاسدة مصدرا لتلقي العقيدة وتقديمها على النصوص الشرعية في كثير من أبواب الصفات وغيرها.
وأما قول الماتريدية - فباطل، وسلفهم في ذلك المعتزلة، فأي عقل رشحوه حتى قدسوه إلى هذا الحد.
والحق: أن الوجوب الشرعي لمعرفة الله تعالى بالشرع لا بالعقل. فالعقل وحده - وإن كان مدركا لمعرفة الله - غير كاف في الوجوب: لأنه لا تتم الحجة على العبد بمجرد عقله ما لم يبلغه الشرع؛ وهذا من كمال رحمة الله، ووافر فضله، ونهاية عدله، ومقتضى حكمته .
غير أن العقل شرط في صحة التكليف؛ لا موجب له، فالعقل لا يطرح بالكلية، ولا يستقل بالكلية. والشرع هو الذي يعتمد عليه في أصول الدين والعقل عاضد له ومعاون. بل نفس معرفة الله تعالى أمر فطري جبلي فطر الله الناس عليه، لا ينحرف عنه إلا من فسدت فطرته، غير أن الذي يدرك بالعقل ومركوز في الفطرة هو معرفة الله الإجمالية؛ أما معرفة الله التفصيلية بأسمائه وصفاته فلا تحصل إلا بالشرع.
فالفطرة لها وظيفة، والعقل له وظيفة، وللشرع وظيفة، فالفطرة قابلة للحق والعقل مزك، والشرع مبصر مفصل لما هو مركوز في الفطرة.
قلت: ومن وظيفة الشرع أن الله تعالى أوجب به معرفته على العبد، وبه مناط التكليف، وعليه يترتب العقاب والثواب، وبذلك تتم حجة الله على عباده. وهذا الذي ذكرته هو مذهب أهل السنة والجماعة، وعليه كبار أئمة السنة فما ذكره الإمام ابن القيم من وجوبها بهما ففيه نظر.
ومن الأدلة الواضحة الناصعة القاطعة الساطعة على ذلك. .
قوله تعالى: رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦٥].
وقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:١٥].
стр. 849
وقوله تعالى: لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى [طه:١٣٤].
فهذه الآيات صريحة في عدم تعذيب من لم تبلغه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ ودلت هذه الآيات على أن وجوب المعرفة والتكليف والثواب والعقاب بالشرع لا بالعقل.
وبوب الإمام اللالكائي (٤١٨هـ) فقال: (سياق ما يدل من كتاب الله ، وما روي عن النبي على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل). ثم قال: (هذا مذهب أهل السنة والجماعة) (١).
وقال الإمام أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني (٤٨٩هـ) على ما ذكره الحافظ ابن حجر ملخصه وأقره: (إن العقل لا يوجب شيئا، ولا يحرم شيئا، ولا حظ له في شيء من ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم ما وجب على أحد شيء). ثم استدل بآيتين من كتاب الله، ثم قال: (ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد، وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك. .) (٢).
المسألة الثالثة: التكوين
وهو مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود، وصفات الأفعال راجعة إليه، وهو عبارة عن الإيجاد، والتخليق والترزيق، والإحياء والإماتة.
فالتكوين عند الماتريدية صفة أزلية، وأن الصفات الفعلية كلها من متعلقات التكوين وليست صفات حقيقية، وإلا لزم قيام الحوادث بالله تعالى، أو لزم تكثير القدماء جدا.
أما الأشعرية فلا يعترفون بصفة التكوين، فصفات الأفعال عندهم كلها حوادث، وهي ليست من صفات الله تعالى؛ بل هي إضافات واعتبارات، وليس التكوين. صفة أخرى غير القدرة والإرادة، فمرجع صفات الأفعال عندهم مجموع القدرة والإرادة.
وقد صرح الإمام ابن الهمام بأن القول بأن الصفات الفعلية قديمة راجعة إلى التكوين، وأنها زائدة على الصفات السبع ليس في كلام أبي حنيفة، ولا في كلام أصحابه المتقدمين، وإنما حدث هذا القول من زمن أبي منصور الماتريدي، فادعى متأخرو الحنفية ذلك.
وقد جعل ابن الهمام (٨٦١هـ) والملا علي القاري (١٠١٤هـ) من الماتريدية؛ وابن أبي شريف (٩٠٦هـ) من الأشعرية هذا الخلاف لفظيا. ولذلك قال الرازي (٦٠٦هـ) في مناظرته مع نور الدين الصابوني (٥٨٠هـ) الماتريدي: " هذه الصفة التي سميتها التكوين إن كانت عبارة عن هذه الصفات السبع فنحن نعترف بها إلا أن البحث يصير لفظيا، وإن كانت صفة أخرى فلابد من بيانها وشرح حقيقتها حتى يمكننا نفيها أو إثباتها " (٣).
واختار الغزالي (٥٠٥هـ) لرفع هذا الخلاف طريقة القوة والفعل فقال: (إن كون الله خالقا قبل الخلق بالقوة، وكونه خالقا بعد الخلق بالفعل، كالسيف يسمى صارما بالقوة في الغمد كما يسمى صارما بالفعل عند حصول القطع به، والماء في الكوز يسمى مرويا بالقوة، وعند الشرب يسمى مرويا بالفعل.
قلت: ولعل الباقلاني يشير إلى هذا، فيقول في تعريف صفات الأفعال: كل صفة كان موجودا قبل فعله لها غير أن وصفه لنفسه بجميع ذلك قديم).
стр. 850
قلت: الفريقان على باطل محض، سواء جعل الخلاف معنويا أم لفظيا؛ لأن الدافع لهم جميعا على ما قالوه - الفرار عن القول بقيام الصفات الاختيارية به تعالى، وهو ما يسمونه بحلول الحوادث، فلذا قالت الماتريدية: إن صفة التكوين أزلية، وإن الصفات الفعلية ليست - في الحقيقة - صفات لله تعالى، بل هي من متعلقات صفة التكوين لئلا يلزم حلول الحوادث به تعالى وليست قديمة حتى لا يلزم كثرة القدماء جدا.
وأما الأشعرية، فقالوا بنفي التكوين صفة لله تعالى زائدا على الصفات السبع؛ وقالوا: إن صفات الأفعال ليست صفات لله تعالى، بل هي إضافات واعتبارات، لئلا يقوم بذاته تعالى حادث هذا حاصل مذهب الفريقين.
مع أن القول بحلول الحوادث به تعالى لازم لهم شعروا أم لا حتى باعتراف الرازي فيلسوف الأشعرية.
والقول بحلول الحوادث به تعالى كما هو لازم لجميع الطوائف حتى الفلاسفة، كذلك هو قول أساطين الفلاسفة الأولين وفضلائهم المتأخرين غير واحد، وهو قول طوائف من الشيعة، والمرجئة، والكرامية، وغيرهم.
وأما جمهور أهل السنة والحديث فإنهم يقولون بها، أو بمعناها.
قلت: بهذا القول - أعني نفي قيام الصفات الاختيارية به تعالى - بشبهة أن ذلك يستلزم حلول الحوادث به تعالى - قد عطلت الماتريدية والأشعرية كثيرا من صفات الله تعالى، وناقضوا الكتاب والسنة وسلف هذه الأمة، وارتكبوا مخالفة العقل الصريح، وأتوا بمفاسد وظلمات، والحق ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية من أن أفعاله تعالى صفات قائمة به تعالى تتعلق بها مشيئته تعالى وقدرته، وتتجدد آحادها، غير أن نوعها قديم.
فإن قيل: يلزم من حدوث الآحاد حدوث النوع، لأن النوع لا يتحقق إلا في ضمن أفراده.
قلنا: لا يلزم من حدوث الأفراد حدوث النوع، ألا ترى أن نعيم الجنة وأكلها وظلها دائم باق لا ينفد؛ مع أن آحادها لا يتحقق فيها هذا الحكم. وهكذا أجزاء البيت والإنسان والشجر لا يطلق عليها حكم البيت والإنسان والشجر، وهكذا أجزاء الطويل والعريض لا يستلزم أن تكون طويلة وعريضة ودائمة فالنوع له أحكام وصفات، والأجزاء والأفراد لها أحكام وصفات. إلا إذا ثبت أن هذه الجملة موصوفة بصفة هذه الأفراد فالنوع وأفراده، والكل وأجزاؤه قد تتفق حكما وقد تختلف، وضابط ذلك: أنه إذا كان بانضمام هذا الفرد إلى هذا الفرد يتغير ذلك الحكم الذي للفرد لم يكن حكم المجموع حكم الأفراد، كما تبين لك في الأمثلة السابقة، من أن حكم الإنسان والبيت والطويل ليس حكم أجزائها، وحكم نعيم الجنة ليس حكم أفراده.
وإن لم يتغير ذلك الحكم الذي لذلك الفرد كان حكم المجموع حكم أفراده ككون الأفراد معدومة، أو موجودة، أو ممكنة مثلا يستلزم كون المجموع كذلك.
وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام ينجينا من كثير من الإشكالات الكلامية، كما هو متناسق منسجم مع نصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف.
ثم إن تهويل هؤلاء المعطلة بشبهة قيام الحوادث بالله تعالى من جملة تهويلهم بالكلمات المستحدثة الكلامية المجملة التي تحتمل معنى حقا وباطلا، وقاعدة السلف في مثل هذه الحكم عليها نفيا أو إثباتا حتى يعلم مراد قائلها.
الحاصل: أن نوع صفات الله الفعلية قديمة وتتجدد آحادها، دلت عليه نصوص كثيرة، استخرج بعضها الإمام أحمد لإثبات أن الصفات الاختيارية صفات له تعالى قائمة به تحت مشيئته واختياره.
وأذكر مثالا واحدا لذلك من الأمثلة التي استخرجها الإمام أحمد من القرآن للصفات الاختيارية المتجددة، وهو قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١].
стр. 851
فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ دليل على ثبوت السمع والبصر المطلقين القديمين له تعالى، وكل واحد منهما نوع لأفراده؛ وقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ، وقوله: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:١] دليل على تجدد أفراد ذلك النوع، وأن هذا السمع الخاص فرد من ذلك السمع المطلق، وإلا فهل يعقل أن الله تعالى سمع قول تلك المرأة، وسمع محاورتها مع رسول الله ﷺ في الأزل قبل أن يخلقهما، وقبل أن يخلق كلامهما وأصواتهما؟؟؟. ومن قال: إن الله تعالى سمع صوتهما ومحاورتهما بصفة التكوين القديم، وإن هذا السماع الخاص ليس من صفات الله تعالى بل هو من متعلقات التكوين - كما هو زعم الماتريدية - أو من قال: إن هذا السماع الخاص من الإضافات والاعتبارات وليس من صفات الله تعالى - فقد ناقض العقل الصريح والنقل الصحيح وارتكب التعطيل، وكابر وقد ثبت بهذا أن أفعال الله تعالى صفات له قائمة به تعالى تحت مشيئته واختياره، وأن نوعها قديم ,وآحادها تتجدد وأنها لا تستلزم حلول الحوادث به تعالى بالمعنى الذي تريده الجهمية، فلا تغرنك تسمية الجهمية لها بحلول الحوادث بالله تعالى ونحوه من الأسماء المدهشات.
المسألة الرابعة: هل يجوز أن يسمع كلام الله تعالى، أم لا؟
الأشعرية على الجواز، والماتريدية على عدم الجواز.
ويفسر الماتريدي سماع كلام الله بمعنى إعلام الله إيانا للكلام كما أعلمنا قدرته وربوبيته. ومعلوم أن قدرة الله تعالى وربوبيته من المعلومات، لا من المسموعات.
قلت: أما قول الماتريدية - فباطل؛ غير أنه أوفق لمذهبهم في الكلام النفسي - الذي ليس بحرف ولا صوت -؛ لأنه إذا لم يكن بحرف ولا صوت - لا يتصور سماع كلام الله تعالى. فالماتريدية قولهم بدعة مبنية على بدعة وهو القول بالكلام النفسي؛ لأن أول من ابتدع الكلام النفسي - هو ابن كلاب (٢٤٠هـ)، فالأنبياء والمرسلون والصحابة والتابعون والأئمة المتقدمون - لم يعرفوا الكلام النفسي، فقول الماتريدية مخالف لمذهب السلف كافة ولاسيما الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - واكتفى بنص الإمام أبي حنيفة ﵀ ليكون فيه عبرة للماتريدية. قال الإمام أبو حنيفة: (وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى كما قال الله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] (١)).
يا سبحان الله! الإمام أبو حنيفة يصرح بوقوع سماع كلام الله تعالى وأن موسى ﵇ سمع كلام الله فعلا فضلا عن الجواز، ويستدل على ذلك بكتاب الله تعالى لكن الماتريدي والماتريدية لا يجوزون سماع كلام الله فضلا عن الوقوع.
بل يصرحون بأن موسى ﵇ لم يسمع كلام الله تعالى. فيقول أبو المعين النسفي: (إن الله أسمع القرآن جبرائيل بالصوت والحرف المخلوقين فحفظه جبرائيل ونقله إلى النبي ﷺ (٢).وقال أبو منصور الماتريدي: " إن الله أسمع موسى ﵇ كلامه بحروف خلقها وصوت أنشأه " (٣).وقال أبو الليث السمرقندي: (إن الله ألقى في مسامعه صوتا مخلوقا على ما يشاء) (٤).
وقال البياضي: (إن التكليم لا يتوقف على السماع من الله بالذات، وليس في النظم الجليل - يعني قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما - أن الله تعالى أسمع موسى ﵇ كلامه بحروف وأصوات خلقها في الشجرة).
стр. 852
ويقولون في معنى كون موسى كليم الله: (إنه سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى بدون واسطة الكتاب والملك).
وبهذا العرض يتبين أن الماتريدية ينفون جواز سماع كلام الله تعالى مطلقا، فبطل ظن ابن أبي شريف، وشيخ زاده، من أن الخلاف في سماع موسى ﵇ لكلام الله تعالى فقط.
كما تبين للقراء أن الماتريدية مخالفون للسلف مخالفة صريحة، ولاسيما الإمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فهل يستطيع بعد هذا أحد أن يدعي أن الماتريدية من أهل السنة، أو هم أتباع الإمام أبي حنيفة في مثل هذه المخالفات؟
بل ظهر أنهم أهل بدعة، وأنهم يصرحون بالقول بخلق القرآن، وأنهم في هذا موافقون للجهمية الأولى والمعتزلة مع قولهم ببدعة أخرى وهي القول بالكلام النفسي، وفي هذا القدر كفاية لمن يطلب الحق ويعتبر.
وأما قول الأشعرية - مع أنه بظاهره موافق لقول السلف - أبعد في بداهة العقل، وأشد فسادا، لأنهم - أيضا - قائلون بالكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت، فكيف يقولون مع هذا بسماع كلام الله تعالى؟!.
وانتبه لهذا بعض الأشعرية؛ فالرازي فيلسوف الأشعرية صرح بعدم سماع كلام الله لأن علة صحة المسموعية هي الصوتية فقط. وإمام الحرمين أبو المعالي، فسر سماع كلام الله بكونه مفهوما معلوما.
قلت: فعل هذا يكون الخلاف بين الأشعرية والماتريدية لفظيا كما صرح به بعض الماتريدية.
فكلا الفريقين - في الحقيقة - على عدم جواز سماع كلام الله سبحانه عما يقولون علوا كبيرا.
المسألة الخامسة: هل يجوز من الله التكليف بما لا يطاق؟
فالأشعرية على الجواز، والماتريدية على المنع.
ثم ما لا يطاق أنواع ثلاثة:
الأول: مستحيل عقلا كالجمع بين النقيضين، أو الضدين، أو قلب الحقائق فهذا لا يجوز التكليف به إجماعا.
والثاني: مستحيل عادة لانتفاء شرط، أو وجود مانع كطيران الإنسان، فهذا هو محل النزاع.
والثالث: المستحيل وقوعا لعلم الله تعالى بعدم وقوعه كإيمان أبي جهل مثلا، فإنه ليس مستحيلا لا عقلا ولا عادة بل استحال وقوعا لعلم الله تعالى بعدم وقوعه، فهذا النوع قد وقع به التكليف إجماعا بلا خلاف، فأبو جهل كان مكلفا بالإيمان. وفي مثله لا يقال: إنه تكليف بما لا يطاق لأن أبا جهل كان مقتدرا على الإيمان، لأنه لم يسلب عنه القدرة على الإيمان وإنما اختار الكفر باختياره.
قلت: مذهب الأشعرية في غاية الفساد، والحق عدم جواز التكليف بما لا يطاق عقلا ونقلا: أما عقلا فلأنه سفه يخالف حكمة الله تعالى، وقسوة تخالف رحمة الله، وظلم يخالف عدله وإحسانه.
وأما نقلا فلقوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].
وهذا هو مذهب أهل السنة. وقدر الله تعالى وسبق علمه سبحانه لا يجعلان العبد مجبورا ولا يقال لذلك تكليف بما لا يطاق.
وقول الأشعرية يدل على أنهم جبرية كما يأتي جبرهم الصريح في كسبهم.
المسألة السادسة: هل يجوز صدور الصغائر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أم لا؟ ذكر التاج السبكي وأبو عذبة أن الأول مذهب أبي الحسن الأشعري، وبعض الأشعرية، والثاني مذهب الحنفية - أي الماتريدية (١).
قلت: نسبة القول بعدم جواز صدور الصغائر عن الأنبياء ﵈ إلى الحنفية هكذا على الإطلاق غير صحيح؛ لأن أقوال الأشعرية، والماتريدية في هذه المسألة مضطربة، حتى في جواز صدور الكبائر سهوا فضلا عن الصغائر وبيان ذلك ما يلي:
١ - طائفة من الماتريدية والأشعرية تصرح بأن الأكثرين على جواز صدور الكبائر سهوا عن الأنبياء ﵈.
بينما نرى كثيرا من الماتريدية والأشعرية لا يجوزون صدور الكبائر عنهم سهوا.
стр. 853
فهذا اضطراب الفريقين في جواز صدور الكبائر سهوا عن الأنبياء ﵈، وعدم جوازها.
٢ - وأما اضطرابهم في جواز صدور الصغائر عنهم ﵈ عمدا فطائفة من الماتريدية والأشعرية تصرح بأن جوازها مذهب الجمهور، ونجد كثيرا من الماتريدية والأشعرية لا يجوزون ذلك.
٣ - اضطرابهم في جواز صدور الصغائر عن الأنبياء ﵈ سهوا هو أننا نرى جماعة من الماتريدية والأشعرية يذكرون الاتفاق على ذلك، ولكن يشترطون شرطين:
الأول: أن لا تكون تلك الصغائر مما يدل على الخسة أو يوجب التنفير كسرقة لقمة أو التطفيف بحبة.
الثاني: أن ينبهوا على ذلك من الله تعالى فينتبهوا حتى لا يقروا على ذلك.
بينما كلام بعض الماتريدية والأشعرية صريح، أو ظاهر في نفي جواز صدور الصغائر عنهم ﵈ سهوا والفنجفيرية على هذا.
٤ - اضطرابهم في جواز صدور الزلة والخطأ والسهو والنسيان عنهم ﵈، فجمهور الماتريدية والأشعرية يصرحون بجواز ذلك كله. فالذين جوزوا صدور الكبائر سهوا. والصغائر عمدا، أو سهوا عن الأنبياء ﵈ جوزوا صدور الخطأ والسهو والنسيان عنهم بالطريق الأولى. وقد صرح الإمام أبو حنيفة بذلك فقال: (وقد كانت منهم زلات وخطيئات) (١).
وشذ من بين الحنفية مشايخ سمرقند فأفرطوا ومنعوا إطلاق اسم الزلة على ما صدر من الأنبياء ﵈ وقالوا: (إنما يقال فعلوا الفاضل وتركوا الأفضل فعوتبوا عليه) وارتكبت الفنجفيرية هذا الإفراط.
كما شذ من بين الأشعرية بعضهم فأفرط ونفى صدور الخطأ والنسيان عنهم ﵈.
قلت: هذه كانت أقوال الماتريدية والأشعرية في عصمة الأنبياء عن الكبائر والصغائر والخطأ والسهو والنسيان، وقد عرفت ما فيها من التناقض والتضارب.
وهذه الأقوال منها حق، ومنها باطل محض.
стр. 854
فأما الباطل منها: فقول من نفى جواز صدور الصغائر عنهم ﵈، وأشنع، وأبشع منه قول من غالى فأفرط، فنفى جواز الخطأ والنسيان والزلة على الأنبياء ﵈؛ فإن هؤلاء قد رفعوهم عن منزلة البشرية والعبودية إلى مرتبة الألوهية مضاهئين به إفراط النصارى. ثم لهؤلاء الغالين موقف ذميم من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة المحكمة الصريحة التي تنص على وقوع بعض الذنوب عنهم ﵈ فضلا عن النصوص التي تدل على وقوع السهو والنسيان عنهم فيردون ما كان منها أخبار الآحاد ويحرفون ما كان منها متواترا بحجة تنزيه الأنبياء ﵈ عن الذنوب وتوقيرهم كما يصنعون مثل ذلك في باب الصفات فيعطلون كثيرا منها ويحرفون نصوصها بحجة تنزيه الله تعالى عن مشابهة الخلق ولهذا قالوا (إذا تقعر هذا فما نقل عن الأنبياء ﵈ مما يشعر بكذب أو معصية فما كان منقولا بطريق الآحاد فمردود وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن وإلا فمحمول على ترك الأولى أو كونه قبل البعثة) (١).فأنت ترى أيها المسلم أن هذا الموقف من النصوص الشرعية ليس موقف من يؤمن بها ولذا قال شيخ الإسلام فيهم (والمنكرون لذلك " أي لجواز صدور الصغائر عن الأنبياء" يقولون في تحريف القرآن ما هو من جنس قول أهل البهتان ويحرفون الكلم عن مواضعه ... ) (٢).وقال (والرادون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد وهي من جنس تأويلات الباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم ويرد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم) (٣).قلت: هذا يكفي لبيان فساد أقوال الغالين، ومن أراد البسط والاطلاع على إبطال شبهاتهم فليرجع إلى الكتب المبسوطة لأئمة السنة (٤).
بيان القول الحق الوسط في باب العصمة:
стр. 855
إذا ظهر للقارئ بطلان الأقوال الفاسدة في باب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فليعلم أن القول الحق الوسط بين إفراط أهل البدع الذين يضاهئون بإفراطهم النصارى وبين تفريطهم الذي يضاهئون به اليهود في حق الأنبياء ﵇ هو القول بجواز الصغائر والخطأ والنسيان على الأنبياء ﵈ مع تنبيه الله لهم وعدم إقرارهم عليها. قال شيخ الإسلام: (واعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي النقيض كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه قوم أفرطوا في دعوى امتناع الذنوب حتى حرفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب ومغفرة الله لهم ورفع درجاتهم بذلك وقوم فرطوا في أن نزههم الله عنها وهؤلاء مخالفون للقرآن وهؤلاء مخالفون للقرآن ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريفه كان في الأمة الوسط مهتديا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) (١).وقال: (والجمهور الذين يقولون بجواز الصغائر عليهم يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها وحينئذ فما وصفوهم إلا بما فيه كمالهم فإن الأعمال بالخواتيم مع أن القرآن والحديث وإجماع السلف معهم ... ) (٢).وقال: (وأما قوله - أي ابن المطهر الرافضي (٧٧٦هـ) صاحب (منهاج الكرامة) - إن هذا ينفي الوثوق ويوجب التنفير فليس هذا بصحيح فيما قبل النبوة ولا فيما يقع خطأ ... ) (٣).وقال: (فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول) (٤).وقال (وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف - إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا والرد على من يقول إنه يجوز إقرارهم عليها .. ) (٥).
هذه المسائل الست التي كان الخلاف فيها معنويا عند السبكي وأبي عذبة لكنك عرفت أن الخلاف في المسألتين الثالثة والرابعة لفظي.
أما المسائل التي فيها خلاف لفظي فهي سبع مسائل:
المسألة الأولى:
الاستثناء في الإيمان وهو قول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله.
стр. 856
فجوزه الأشعرية ومنعه الماتريدية. ثم جعل السبكي وأبو عذبة هذا الخلاف لفظيا بمعنى أن هذا القائل إن أراد حسن الخاتمة والتفاؤل والتبرك فيجوز له الاستثناء وإن كان للشك فلا يجوز (١).قلت: ما ذهب إليه السبكي وأبو عذبة من أن هذا الخلاف لفظي غير صواب لأن الاستثناء في الإيمان لأجل الشك غير جائز بالاتفاق فهذا ليس محلا للخلاف وإنما بين الفريقين هو في الاستثناء لإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى أو لقصد حسن الخاتمة أو للتأدب أو للتبرك أو للتبرئ عن التزكية (٢). وقد صرح ابن الهمام بأنه لا خلاف في عدم جواز الاستثناء في الإيمان لأجل الشك في ثبوته فإنه كفر وأما إذا لم يكن للشك فمنعه الأكثرون منهم أبو حنيفة وأصحابه وإنما يقال أنا مؤمن حقا لأن ترك الاستثناء أبعد عن التهمة فكان تركه واجبا وأجازه كثير منهم الشافعي وأصحابه (٣).قلت: كان الواجب أن تذكر هذه المسألة فيما فيه خلاف معنوي ولذلك نرى أبا منصور الماتريدي والماتريدية بعده يمنعون الاستثناء في الإيمان ويتشبثون بشبهات منها أن الاستثناء يفسخ العقود ويمنع مضيه (٤). فما قاله التقي السبكي من أن أبا منصور الماتريدي مع الأشاعرة في جواز الاستثناء في الإيمان (٥). - غير صحيح لأن نصوص الماتريدي والماتريدية صريحة في المنع.
وقد تهور الشيخ أبو بكر محمد بن محمد الفضل الفضلي الكماري البخاري (٣٨١) فقال (من قال أنا مؤمن إن شاء الله - فهو كافر لا تجوز المناكحة معه) ومثله في الغلو قول الشيخ أبي حفص السفكردري وبعض أئمة خوارزم من الحنفية (لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شافعي المذهب ولكن يتزوج من الشافعية تنزيلا لهم منزلة أهل الكتاب بحجة أن الشافعية يرون جواز الاستثناء في الإيمان وهو كفر (٦).
قلت لي أربع وقفات حول مسألة الاستثناء في الإيمان
الأولى: تهور بعض الحنفية في التكفير وعدم جواز المناكحة لأجل الاستثناء فقد كفانا شرها كثير من الحنفية أنفسهم. فقد قال الفريهاري (وقد بالغ بعض الحنفية في المنع حتى قال الفضلي: لا يجوز نكاح المرأة الشافعية لأنهم كفروا بالاستثناء وهذه جرأة عظيمة وتعصب لا يرضاه الحق سبحانه) (٧).الثانية: ادعاء الحنفية ومنهم ابن الهمام أن الأكثر لا يرون الاستثناء فقد رد هذه الدعوى ابن أبي شريف وعارض شيخه ابن الهمام فقال (إن القول بالاستثناء قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم والشافعية والمالكية والحنابلة والكلابية والأشعرية) (٨).قلت: هذا هو الحق المتواتر عن السلف (٩).
стр. 857
الثالثة: أنه تبين مما سبق أن الماتريدية لا يرون الاستثناء في الإيمان والأشعرية يرونه لكن مذهب الماتريدية أوفق بأصلهم وهو أن الإيمان هو التصديق وأنه لا يزيد ولا ينقص وإن كان أصلهم وفرعهم كلاهما باطلا خلاف مذهب السلف. أما الأشعرية فقد وقعوا في تناقض واضح حيث نصروا مذهب السلف في الاستثناء مع مناصرتهم لمذهب الجهمية في الإيمان كما صرح شيخ الإسلام بتناقضهم (١).
الرابعة: بيان الحق في مسألة الاستثناء:
الحق في هذا الباب الاستثناء في الإيمان لأجل أن الإيمان يتضمن فعل الواجبات فلا يشهد الرجل لنفسه بذلك كما لا يشهد لها بالبر والتقوى فإن ذلك لا يعلمه بل هو تزكية للنفس بلا علم. وهذا هو مذهب السلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه والثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء البصرة وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة فكانوا يستثنون في الإيمان وهذا متواتر عنهم (٢).وهذا هو المذهب الوسط العدل وأصح من بين قول من يوجبه وبين قول من يحرمه (٣). وللعلامة المعلمي كلام في غاية من الأهمية فراجعه.
المسألة الثانية: السعيد هل يشقى؟ والشقي هل يسعد أم لا؟
فالأول مذهب الماتريدية، والثاني مذهب الأشعرية. والخلاف في الحقيقة لفظي لأنه إن كان المراد من السعادة ما كتب في أم الكتاب فلا تغير فيه وإن كان المراد منها ما ينوط بعمل ابن آدم فالشقي قد يسعد والسعيد قد يشقى والكافر قد يسلم والمسلم قد يرتد والعياذ بالله (٤).ولكن ذكر شيخ زاده أن الأشاعرة قالوا: إن أبا بكر وعمر وسحرة فرعون كانوا مؤمنين قبل إسلامهم (٥).
قلت: إن صح هذا النقل عن الأشعرية فالخلاف حقيقي ويكون ذلك من حماقات الأشعرية. وذكر ابن فورك عن الأشعري والأشعرية أن الله تعالى لم يزل راضيا عمن يعلم أنه يموت على الإيمان وساخطا على من يعلم أنه يموت على الكفر (٦).
المسألة الثالثة:
هل الكافر ينعم عليه أم لا؟
هذه المسألة ذكرها أبو عذبة في عداد المسائل التي فيها خلاف لفظي بين الفريقين وقال: (قال الأشعري: الكافر لا ينعم عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وإن ما أعطاهم الله من الملاذ فهو على سبيل الاستدراج.
وقال القاضي أبو بكر ينعم عليه نعمة دنيوية. وقالت القدرية: ينعم عليه نعمة دنيوية ودينية (٧).ثم قال أبو عذبة: (وعند التحقيق يرجع الخلاف إلى نزاع لفظي) (٨).قلت: لم يذكر أبو عذبة في هذه المسألة شيئا عن الماتريدية نفيا أو إثباتا لكن مذهب الماتريدية أن الكافر منعم عليه في الدنيا (٩).
بيان الحق في هذه المسألة:
الحق هو قول الماتريدية إن لم يجعل الخلاف لفظيا.
стр. 858
قال الإمام ابن القيم: (وفصل الخطاب في المسألة أن النعمة المطلقة مختصة بأهل الإيمان لا يشركهم فيها سواهم ومطلق النعمة عام للخليقة كلهم برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم (١).
المسألة الرابعة: هل الرسل والأنبياء ﵈ رسل وأنبياء حقيقة بعد موتهم أم لا؟
هذا الخلاف مبني على أصل المتكلمين من أن العرض لا يبقى زمانين فهؤلاء لما أصلوا هذا الأصل الفاسد وقعوا في مضيق وهو أن النبوة والرسالة من صفات الحي وصفات الحي أعراض فهل يكون النبي ﷺ نبيا ورسولا بعد موته؟
١ـ فقالت الكرامية: إنه ليس برسول الآن. وقالت الأشعرية وهو في حكم الرسول وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء (٢).قال أبو عذبة (هذا مذهب بعض العراقيين من الشافعية كالماوردي ونقل ابن حزم عن الأشعرية كلهم أنهم قالوا إن رسول الله ﷺ هو رسول الله اليوم ولكنه كان رسول الله (٣).ونقل أبو الوليد الباجي (٤٧٤هـ) وابن حزم (٤٥٦هـ) أن السلطان محمود بن سبكتكين (٤٢١هـ) سأل ابن فورك (٤٠٦هـ) عن رسول الله ﷺ فقال: (كان رسول الله وأما اليوم فلا) فأمر بقتله (٤).وأنكر ذلك بعض الأشعرية فقالوا: إن هذا كذب وبهتان (٥).٣ـ قلت: في المسألة قول آخر للأشعرية وهو ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ وسكت عليه تقي الدين السبكي (٧٥٦) ونسبه ابنه التاج السبكي (٧٧١هـ) وأبو عذبة إلى ابن فورك وهو أنهم لما سلموا تلك القاعدة الفاسدة من أن العرض لا يبقى زمانين وأن الروح وصفات الحي من الأعراض القائمة بالحي مشروطة بالحياة فإذا انتفت الحياة لزمهم القول بزوال رسالة رسول الله ﷺ بعد موته ففرارا من هذا المحذور رقعوا قولهم ببدعة أخرى وهي أن الرسول ﷺ حي في قبره حياة دنيوية فلا يلزم زوال رسالته ﷺ (٦).
стр. 859
فبنوا فرعا فاسدا على أصل فاسد وهكذا حال كثير من أصول المتكلمين وفروعهم لأن فساد الأصل مستلزم لفساد الفرع لأن الأصل الفاسد كالأساس على شفا جرف هار فالبنيان عليه ينهار ولا بد. ولا يخفى فساد هذا الأصل الفاسد قال ابن حزم (إنما حملهم على هذا الكفر الفاحش قول لهم آخر في نهاية الضلال والانسلاخ من الإسلام وهو قولهم إن الأرواح أعراض تفنى ولا تبقى زمانين .. وإن كل واحد منا يبدل أزيد من ألف ألف روح في كل ساعة زمانية .. وإنه ليس لمحمد ولا لأحد من الأنبياء ﷺ عند الله روح ثابتة تنعم ولا نفس قائمة تكرم وهذا خروج عن إجماع أهل الإسلام فما قال أحد ممن ينتمي إلى الإسلام قبل أبي الهذيل العلاف ثم تلاه هؤلاء وهذا خلاف مجرد للقرآن وتكذيب لله ثم أطال في الرد عليهم على طريقته الخاصة في الإغارة والبطش (١).٤ـ أما الماتريدية فصرحوا بأن رسول الله ﷺ في الحال كما كان رسولا (٢). وقالوا: إن المتصف بالرسالة والنبوة هو الروح والروح باق فهو رسول حقيقة.
قلت: هذا قول مخالف للصواب لأنه لم يقل أحد من أهل الإسلام أن الرسول ﷺ هو محمد بن عبدالله ﷺ فحسب.
تنبيه: ذكر أبو عذبة أن الخلاف في هذه المسألة على تقدير صحتها عن الأشعري خلاف لفظي (٣).
قلت: هذا باطل لأن هذا الخلاف خلاف في النفي والإثبات فهو خلاف حقيقي لا يمكن التوفيق بين قولي الأشعرية والماتريدية في نظري والله أعلم. غير أن القول بنفي رسالة محمد ﷺ ونفي نبوته يلزم الماتريدية أيضا وإن لم يلتزموه لأن من أصول الماتريدية أيضا أن العرض لا يبقى زمانين قال أبو المعين النسفي: (بخلاف قوة المخلوقين لأن صفاتنا أعراض والعرض لا يبقى زمانين وقوة الله تعالى وقدرته ليست بعرض لا تنقطع ولا تنقضي .. ) (٤).غير أننا نقول إن لازم المذهب ليس بمذهب إلا إذا عرفه صاحب المذهب والتزمه (٥). فنحن لا تتهم الماتريدية بهذا اللازم لأن هذا خلاف العدل والعلم كما يفعله المعطلة في اتهامهم لأهل السنة باللوازم ظلما وجهلا مع أن تلك اللوازم ليست لوازم لمذهب أهل السنة في الحقيقة كاتهامهم لأهل السنة بأنهم مشبهة قائلون بالجهة لمجرد إثباتهم للصفات (٦).
تنبيه آخر:
стр. 860
القول ببدعة حياة الأنبياء ﵈ حياة دنيوية هو مذهب الأشعرية كما سبق آنفا وأما قدماء الماتريدية فلم أجد لهم كلاما في ذلك لا نفيا ولا إثباتا ولكن المتأخرين منهم كالديوبندية والكوثرية والبريلوية فهم يقولون ببدعة القول بحياة الأنبياء ﵈ حياة دنيوية عنصرية.١ـ يقول الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (١٣٤٦هـ) أحد كبار أئمة الديوبندية في جواب سؤال (الجواب عندنا وعند مشايخنا حضرة الرسالة ﷺ حي في قبره الشريف وحياته دنيوية من غير تكليف وهي حاصلة لسائر المؤمنين بل لجميع الناس كما نص عليه العلامة السيوطي في رسالته (إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء) حيث قال: قال الشيخ تقي الدين السبكي: حياة الأنبياء والشهداء في القبر كحياتهم في الدنيا ولشيخنا شمس الإسلام والدين محمد قاسم العلوم على المستفيدين قدس الله سره العزيز في هذا المبحث رسالة مستقلة دقيقة المأخذ بديعة المسلك لم ير مثلها قد طبعت وشاعت في الناس واسمها (آب حيات) أي ماء الحياة (١).٢ـ وصرح الشيخان أنور شاه الكشميري (١٣٥٢هـ) وشبير أحمد العثماني (١٣٦٩هـ) بأن النبي ﷺ يصلي في قبره بأذان وإقامة (٢).٣ـ واحتج الشيخ محمد قاسم النانوتوي (١٢٩٧هـ) إمام الديوبندية والشيخ رشيد أحمد الجنوجوهي (١٣٢٣هـ) إمامهم الثاني والشيخ أشرف على التهانوي (١٣٢٣هـ) الذي لقبوه بـ (حكيم الأمة) لإثبات هذه البدعة بأن تركه النبي ﷺ لا تورث وأن أزواجه لا يحللن لأحد بعده فهذا دليل علي أن النبي ﷺ حي في قبره حياة عنصرية لكنه انعزل عن الناس كما ينعزل المعتكف أربعين يوما مثلا إلى آخر تلك الشبهات الواهيات (٣).٤ـ وقد استدل الكوثري لإثبات التوسل بالذات - التوسل البدعي - ببدعة القول بحياة الأنبياء ﵈ وهكذا الداجوي بل عامة القبورية (٤).قلت: عقيدة الأشعرية والديوبندية والكوثرية من الماتريدية أن رسول الله ﷺ حي في قبره حياة دنيوية - عقيدة باطلة خرافية مخالفة لصريح القرآن وعقيدة صحابة رسول الله ﷺ وعلى رأسهم الصديق رفيق رسول الله ﷺ وخليفته الأول ﵃ فقد قال (بأبي أنت وأمي يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة الأولى التي كتب عليك فقد متها) وفي رواية (طبت حيا وميتا والذي نفسي بيده! لا يذيقك الله الموتتين أبدا) ثم خطب وقال (أما بعد ألا من كان يعبد محمدا ﷺ فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله - فإن الله حي لا يموت) ثم استدل بقوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ
стр. 861
المبحث الثاني: الموازنة بين الماتريدية والمعتزلة
وأما الاختلاف بين الماتريدية والمعتزلة فهو:
اختلفوا في مصدر التلقي هل هو العقل أو النقل؟ فذهب المعتزل إلى أنه العقل، وتوسط الماتريدية فقالوا بالعقل فيما يتعلق بالإلهيات والنبوات وأما فيما يتعلق باليوم الآخر فمصدره السمع، كذا سموا هذه المسائل ونحوها بالسمعيات.
الأسماء: أسماء الله عند المعتزلة ثابتة، ولكن بلا دلالة على الصفات، فقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر .. إلى آخره.
وعند الماتريدية هي ثابتة بدلالاتها على الصفات الثابتة عندهم إلا اسم "الله" فليس له دلالة على شيء من الصفات. وقولهم باطل لا معنى له.
الصفات: نفى المعتزلة جميع الصفات القائمة بذات الله تعالى.
بينما أثبت الماتريدية ثمان صفات: العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والتكوين.
القرآن: يعتقد المعتزلة أنه كلام الله محدث مخلوق. ويعتقد الماتريدية أنه كلام الله النفسي وأنه قديم أزلي غير مخلوق.
أفعال العباد. نفت المعتزلة خلق الله لها وإرادته لها، وإنما هي من العباد، وأثبتت الماتريدية أنها خلق لله تعالى. وكسب من العباد لها.
الاستطاعة: نفى المعتزلة أن تكون مع الفعل بل هي قبله، بينما أثبتتها الماتريدية قبل الفعل ومع الفعل.
الرؤية: نفتها المعتزلة وأثبتتها الماتريدية.
الجنة والنار: غير مخلوقتين ولا موجودتين الآن عند المعتزلة، بل تنشأ في يوم القيامة، وقالت الماتريدية بخلقهما الآن.
ينفي المعتزلة نعيم القبر وعذابه والميزان والصراط والحوض والشفاعة لأهل الكبائر. وأثبتت الماتريدية كل ذلك لورود السمع به.
نفت المعتزلة كرامات الأولياء وأثبتتها الماتريدية.
الإيمان عند المعتزلة قول واعتقاد وعمل، وعند الماتريدية هو التصديق بالقلب، ومنهم من زاد الإقرار باللسان.
مرتكب الكبيرة في منزله بين المنزلتين عند المعتزلة في الدنيا، وأما في الآخرة فهو في النار , وعند الماتريدية هو مؤمن كامل الإيمان مع أنه فاسق بمعاصيه , وفي الآخرة هو تحت المشيئة.
لا يصح إيمان المقلد عند المعتزلة، وذهب الماتريدية إلى صحته مع الإثم على ترك الاستدلال.
عند المعتزلة الإيمان يزيد وينقص، لإدخالهم الأعمال في مسمى الإيمان، وأما المسائل التي وافقت فيها الماتريدية المعتزلة فهى كما يلي:
القول بوجوب معرفة الله تعالى بالعقل.
الاستدلال على وجود الله بدليل الأعراض وحدوث الأجسام.
الاستدلال على وحدانية الله تعالى بدليل التمانع.
القول بعدم حجية خبر الآحاد في العقائد.
نفي الصفات الخبرية والاختيارية.
القول بعدم إمكان سماع كلام الله.
القول بالحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى.
القول بالتحسين والتقبيح العقليين.
عدم جواز التكليف بما لا يطاق.
منع الاستثناء في الإيمان.
القول بأن معنى الإيمان والإسلام واحد (١)
وفيما سبق يتضح أن فرقة الماتريدية لم تنهج منهج السلف فيما يتعلق بالأمور الاعتقادية، وأن من وصفهم بأهل السنة أو العقيدة السلفية فقد بالغ في ذلك وجانب الحكم الصحيح.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي٣/ ١٢٣٣ - ١٢٣٥
стр. 862
الفصل السادس: الرد على الماتريدية
• المبحث الأول: الرد على الماتريدية في عدم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة.
• المبحث الثاني: الرد على تفويض الماتريدية للصفات.
• المبحث الثالث: الرد على الماتريدية في باب الأسماء والصفات.
• المبحث الرابع: الرد على الماتريدية في تعطيل صفة العلو.
• المبحث الخامس: الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة استواء الله تعالى على عرشه.
• المبحث السادس: الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة "نزول" الله إلى السماء الدنيا.
• المبحث السابع: الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة "اليدين" لله تعالى وتحريفهم لنصوصها.
• المبحث الثامن: الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة الكلام.
• المبحث التاسع: الرد على قولهم بخلق أسماء الله الحسنى.
• المبحث العاشر: الرد على الماتريدية في تفسيرهم لصفة "الألوهية" "بصفة" "الربوبية".
стр. 863
المبحث الأول: الرد على الماتريدية في عدم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة
إن موقف الماتريدية من أخبار الآحاد مركبٌ من المقدمات الثلاث - كما سبق-:
١ - أخبار الآحاد ظنية لا تفيد اليقين.
٢ - لا يحتج بها في باب الاعتقاد، وتصلح للعمليات.
٣ - إن وردت في مخالفة العقل؛ فإن كانت نصاً ترد، وإلا يفوض مرادها أو تؤول إلى ما يوافق العقل.
ونحن نعارض الماتريدية في جميع هذه المقدمات معارضة علمية على وجه البصيرة بتوفيق الله تعالى فنقول:
أولاً: القول بعدم الاحتجاج بأخبار الآحاد في العقيدة قولٌ مبتدع مخالفٌ لطريقة السلف المتوارثة ولاسيما منهج الإمام أبي حنيفة وأصحابه الأوائل.
ثانيا: أحاديث الصفات ليست أخبار الآحاد، بل هي من قبيل المشهورات والمتواترات فلا يصح زعمكم أنها ظنية.
ثالثا: أحاديث الصفات ليست أخبار الآحاد مجردة بل هي موافقة لكتاب الله والعقل الصريح والفطرة السليمة في الدلالة على صفات الله تعالى فلا يصح قولكم: إنها ظنية.
ورابعاً: القول بظنية أخبار الآحاد، هكذا مطلق العنان - لا يصح لأن أخبار الآحاد المحتفة بقرائن الصحة - بجميع أنواعها - مفيدةٌ للعلم اليقيني فهي كالمشهورات والمتواترات كل ذلك باعترافكم.
وخامساً: لو سلمنا مقدماتكم - على سبيل فرض المحال - لنقولُ: إن المراد من العمل أعم من عمل الجوارح، فيشمل عمل القلب، فصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب العقيدة حتى باعترافكم أيضاً.
الوجه الأول:
أن القول بأن أخبار الآحاد ظنية لا تصلح لإثبات العقيدة والفرق بين أبواب العقيدة، وبين أبواب الأحكام وأن أخبار الآحاد تصلح للأحكام دون العقائد - قول مبتدع في الإسلام ابتدعه طوائف الجهمية من المتكلمين ثم دب إلى بعض الأصوليين والفقهاء.
وأنه مخالف لما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة هذا الدين. حيث يحصل لهم العلم من تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي رويت من طريق الثقات الأثبات، ولو سلمنا أنها لا تفيد العلم اليقيني - كما هو زعم المتكلمين - لا نسلم هذه التفرقة: من أن أخبار الآحاد تصلح لإثبات الأحكام العملية ولا تصلح للمباحث العقدية العلمية. لأن هذه التفرقة هي خلاف ما أجمع عليه السلف بل هذه التفرقة أصل من أصول الضلال.
١ - قال إمام عصره المجمع على إمامته أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني (٤٨٩هـ) جد صاحب الأنساب:
قولهم: إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم - رأي سمعت به المبتدعة في رد الأخبار.
إذ أن الخبر إذا صح ورواه الثقات والأئمة، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم، وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة. وأما هذا القول المبتدع فقول القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار. وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول، ولو أنصف أهل الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد قد يوجب العلم. ثم ذكر الإمام السمعاني أدلة قاطعة على ذلك وبين بالحجج الدامغة أن منهج النقد عند المحدثين منهج متين رصين، لا يغادر للظنين طنيناً بل يورث يقيناً (١).
٢ - وقال ابن القيم على سبيل التسليم: "إن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها.
стр. 864
فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر؟ بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر؟ وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميّات كما تحتج بها في الطلبيات العمليّات، ولا سيما أن الأحكام العملية، تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه، ورضيه ديناً، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته.
ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوّز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله، وأسمائه وصفاته. فأين سلف المفرّقين بين البابين؟.
نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله، ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب، والسنة وأقوال الصحابة ويحيلون على آراء المتكلمين، وقواعد المتكلفين، فهم الذين يعرف عنهم هذا التفريق بين الأمرين ... ؛وهذا التقسيم أصل من أصول ضلال القوم. فإنهم فرّقوا بين ما سموه أصولاً وما سموه فروعاً، وسلبوا الفروع حكم الله المعين فيها، ... ، وجعلوا ما سموه أصولاً من أخطأ فيه عندهم فهو كافرٌ أو فاسق، وادعو بالإجماع على هذا التفريق" (١).
٣ - وقال الإمام ابن القيم أيضاً: ونحن نشهد بالله ولله شهادةً على البت والقطع أن الصحابة ﵃ كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله ﷺ ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله ﷺ : خبرك خبر واحدٍ لا يفيد العلم حتى يتواتر؛ ولم يكن أحد من الصحابة ولا أحد من أهل الإسلام بعدهم يشك فيما أخبر به أبو بكر الصديق، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي ولا عبدالله بن مسعود، ولا غيرهم عن رسول الله ﷺ بل كانوا لا يشكون في خبر أبي هريرة ﵁، مع تفرده بكثير من الحديث ولم يقل أحد منهم يوماً واحداً من الدهر: خبرك هذا خبر واحد لا يفيد العلم.
وكان حديث رسول الله ﷺ أجل في صدورهم من أن يقابل بذلك، وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثاً عن رسول الله ﷺ في الصفات تلقاه بالقبول، واعتقد تلك الصفة على القطع واليقين، كما اعتقدوا رؤية الرب وتكليمه ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة وضحكه، وفرحه، وإمساك سماواته بإصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له .
ومن سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله ﷺ أو عن أحد من الصحابة "﵃" اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق ولم يرتب فيها قط. إلى أن قال ابن القيم: حتى إن الصحابة ربما يَتَثَّبتونَ في بعض أحاديث الأحكام حتى يستظهروا بآخر؛ أما أحاديث الصفات فلم يطلب أحد منهم الاستظهار فيها البتة، بل كانوا أعظم مبادرةً إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها، ومن له أدنى إلمام بالسنة والالتفات إليها - يعلم ذلك دون شك، ولولا وضوح الأمر في ذلك كالشمس في رابعة النهار لذكرنا أكثر من مائة موضع.
стр. 865
فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله ﷺ خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام؛ ووافقوا به المعتزلة، والجهمية، والرافضة، والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين، والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف في الأئمة بذلك بل صرح الأئمة بخلاف قولهم. ثم أفاض الإمام ابن القيم في نقل إجماع الأئمة على ذلك ولاسيما الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الإمام أبي حنيفة، وغيرهم (١).٤ - وقد ذكر ابن عبدالبر الإجماع على قبول خبر الواحد في العقائد وله كلام قيم في بيان منهج السلف في العقيدة ولاسيما في الصفات فارجع إليه (٢).
الوجه الثاني:
أن نعارض الماتريدية بمنهج الإمام أبي حنيفة وأصحاب الأوائل في مصدر تلقي العقيدة فإن منهجهم في تلقي العقيدة أنهم يأخذون العقيدة عن كتاب الله تعالى والسنة الصحيحة بما فيها أخبار الآحاد، كما يستخدم الإمام دليل الفطرة الصحيحة السليمة أيضاً. فلا يوجد في منهج الإمام وأصحابه شيء مما زعمه هؤلاء المتكلمون: من أن ظواهر النصوص أدلة لفظية ظنية أو أخبار الآحاد ظنية لا تثبت بها العقيدة، بل نجد عندهم خلاف ما عند هؤلاء المتكلمين.
إذاً فهم خارجون جهاراً على أئمتهم مخالفون لمنهجهم في تلقي العقيدة.
وأنهم مبتدعون في تفريقهم حول أخبار الآحاد: من أنها تفيد العمل ولا تفيد العلم ومخالفون لإمامهم في آنٍ واحدٍ فليسوا أهل السنة.
وها هي نماذج من نصوص الإمام أبي حنيفة وبعض كبار أصحابه.
١ - قال الإمام أبو حنيفة:
"من قال: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر. وكذا من قال: إنه على العرش ولا أدري العرش في السماء أو في الأرض؟.والله يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء وعليه ما روي في الحديث، أن رجلاً أتى النبي ﷺ بأمة سوداء فقال: وجب علّي عتق رقبة مؤمنة أفتجزئ هذه فقال لها النبي ﷺ : ((أمؤمنة أنتِ فقالت: نعم فقال: أين الله فأشارت إلى السماء، فقال: (أعتقها فإنها مؤمنة)) (٣).
قلت: أيها المسلم! هذا نص أبي حنيفة بشهادة الحنفية الماتريدية جميعاً وعلى آخرهم الكوثري فقد ترى أن الإمام استدل في أكبر مسألة، وأوضحها في العقيدة - وهي العلو لله تعالى واستوائه على عرشه- بدليل الفطرة، وحديث الجارية اللذين تلاعب بهما المتكلمون وعلى رأسهم الكوثري أنواع التلاعب، ولم يكتف الإمام بإثبات علو الله تعالى بل كفّر من أنكر ذلك أو شك فيه، وفي ذلك عبرة للمتكلمين عامة وللماتريدية خاصة.
ولا شك أن حديث الجارية خبر الواحد وإن قيل بتواتره.
стр. 866
٢ - وقال الإمام محمد بن الحسن ﵀:"اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تفسير، ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي"؛ وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول الجهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه قد وصفه بصفة لا شيء (١).
تفكر أيها المسلم: في كلام هذا الإمام، فإنه مشتمل على الأمور الثلاثة على الأقل:
الأول: الإجماع على إثبات الصفات لله التي جاء بها الكتاب والأحاديث المروية عن طريق الثقات.
الثاني: الإجماع على إثبات الصفات بالأحاديث بدون تقييد كونها متواترةً أو مشهورةً أو أخبار الآحاد بعد أن كانت صحيحةً مرويةً عن الثقات.
الثالث: الإجماع على الإيمان بصفات الله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه ولا تفسير الجهمية وتأويلهم الذي هو عين التحريف والتعطيل المؤدي إلى كون الله تعالى موصوفاً بصفة لا شيء لأن نفي علو الله والقول بأنه لا فوق ولا تحت ولا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا ومنفصل عنه صفة معدوم بل ممتنع كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى."هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها" (٢).
فهذا نص صريح في إثبات الصفات بالأحاديث التي رويت عن الثقات بدون قيد التواتر فيصح الأخذ في باب العقيدة بالسنة بعد أن كانت صحيحة مروية عن طريق الثقات وهذا هو منهج السلف الصالح، ولاسيما أئمة الحنفية وفي ذلك عبرة للماتريدية أيما عبرة.
стр. 867
٤ - وقال الإمام الطحاوي فيما ذكره عن الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، الإمامين أبي يوسف، ومحمد ﵏ في أحاديث الرؤية:"وكل ما جاء من ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو ما قال: ومعناه، على ما أراد الله تعالى، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا" (١).٥ - وقال: "وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق" (٢).
فهذا النص كما ترى ينادي بأندى الصوت أن الحديث بعد ما صح عن رسول الله ﷺ يستدل به على إثبات العقيدة من دون قيد التواتر والشهرة فثبت ثبوتاً واضحاً كفلق الصبح بل كالشمس في رابعة النهار أن منهج الماتريدية كغيرهم من المتكلمين منهج مبتدع مخالف لمنهج السلف، عامة ولاسيما الإمام أبي حنيفة وأصحابه الأوائل. فوا عجباً للحنفية الماتريدية حيث يتهالكون في تقليد الإمام أبي حنيفة ﵀ في المسائل الفقهية، ولو كانت مخالفةً للكتاب والسنة الصحيحة المحكمة الصريحة مع نهي الإمام أبي حنيفة ﵀ وغيره من الأئمة عن مثل هذا التقليد الأعمى حتى باعتراف الحنفية (٣) وينبذون أصول هذا الإمام ومنهجه ومنهج أصحابه الأئمة الأوائل في باب العقيدة وراءهم ظهريا، وفي ذلك عبرة، فهل من معتبر؟
فلو كانوا حنفية كاملة على تعبير العلامة عبدالحي اللكنوي، لما نبذوا منهج الإمام وأصحابه الأوائل هكذا بالمرة.
مع أن أبواب الاعتقاد أهم من الأحكام فخروجهم على الإمام أبي حنيفة في الأصول وتشبثهم بأقواله في الفروع، ولو كانت مخالفة للأحاديث الصحيحة من عجب العجاب!.٦ - هذا، وللإمام ابن أبي العز الحنفي كلام مهم في شرح قول الطحاوية فارجع إليه (٤).
الوجه الثالث:
стр. 868
أن عامة أحاديث الصفات ليست أخبار آحادٍ - كما يزعم من لم يجمع طرفها ولم يعش معها، لأن أحاديث الصفات إما متواترة لفظاً ومعنى، أو معنى فقط، أو مشهورة، فلا يصح زعمهم: "أنها أخبار آحادٍ وهي ظنية لا تثبت بها العقيدة". لأنها ليست أخبار آحادٍ باصطلاح الحنفية الماتريدية واعترافهم بل هي فوق أخبار الآحاد في المنزلة وإفادة العلم، فقد صرحوا بأن المتواتر يوجب اليقين بلا شكٍ عندهم، وأما المشهور فيوجب علم الطمأنينة؛ فيجوز الزيادة به على كتاب الله عندهم، والمشهور في حيز المتواتر، بل قد صرح الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي بأن المشهور قسم من المتواتر؛.فقد صرح الحنفية بأن حديث الرجم وأحاديث المسح على الخفين، ونحوها مما كان أخبار الآحاد في القرن الأول ثم اشتهر فصار من المشهور في القرن الثاني والثالث (١) ومثل هذا يثبت به العقيدة حتى باعترافهم هم وشهادتهم بلسانهم وبنانهم. فقد قال الإمام شمس الأئمة السرخسي الحنفي ﵀ (٤٩٠هـ): "فأما الآثار المروية في عذاب القبر، ونحوها فبعضها مشهورة، وبعضها آحاد وهي توجب عقد القلب ... " (٢).ومثله بنصه قوله الإمام صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود الحنفي (٧٤٧هـ): "فيكفي له خبر الواحد وفي هذا نظر لأنه يجب أن لا يختص هذا بأحكام الآخرة بل يكون كل الاعتقاديات كذلك" (٣).
ثم لم يجب عن هذا الإشكال وهذا يدل على أنهم عملوا قوة هذه الأخبار ولو كانت أخبار آحاد.
الحاصل: أنه لما أنه لما كان غالب أحاديث الصفات إما متواتراً لفظاً ومعنى أو معنى فقط، أو مشهوراً - وهذه الأنواع أعلى مرتبة من أخبار الآحاد؛ فالمتواتر يفيد العلم القطعي اليقيني، والمشهور يفيد علم الطمأنينة، وكلا النوعين تثبت به العقيدة عند الحنفية الماتريدية - لم يصح دعواهم حول أحاديث الصفات أنها ظنية بحجة أنها أخبار الآحاد؛ فإن دعواهم بهذا الإطلاق والعموم منهدمة على عروشها منهارة على أسسها، وهذا واضح جداً، فدعواهم هذه كما تدل على استخفافهم بالنصوص وتقديم العقول الفاسدة عليها، كذلك تدل على جهلهم بالنصوص وبعدهم عنها؛ لأن أحاديث الصفات ليست كلها أخبار آحاد بل غالبها متواتر.
قال الإمام ابن القيم ﵀:
"والأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام:
أحدها: متواتر لفظاً ومعنى.
والثاني: أخبار متواترة معنى، وإن لم تتواتر بلفظ واحد.
والثالث: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة.
стр. 869
والرابع: أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي إلى رسول الله ﷺ .فأما القسمان الأولان: فكالأخبار الواردة في عذاب القبر، والشفاعة، والحوض، ورؤية الرب تعالى، وتكليمه عباده يوم القيامة، وأحاديث علوه فوق سماواته على عرشه، وأحاديث إثبات العرش ... ونحو ذلك مما يعلم بالاضطرار أن رسول الله ﷺ جاء بها كما يعلم بالاضطرار أنه جاء بالتوحيد وفرائض الإسلام وأركانه، وجاء بإثبات الصفات للرب ﵎ فإنه ما من باب من هذه الأبواب إلا وقد تواتر فيه المعنى المقصود عن النبي ﷺ تواتراً معنوياً لنقل ذلك عنه بعبارات متنوعة من وجوه متعددة يمتنع في مثلها في العادة التواطؤ على الكذب عمداً أو سهواً ... أفادت العلم اليقيني ... وهذا عند أهل الحديث أعظم من علم الأطباء بوجود بقراط وجالينوس فإنهما من أفاضل الأطباء، وأعظم من علم النحاة بوجود سيبويه، والخليل، والفراء، وعلمهم بالعربية،، لكن أهل الكلام وأتباعهم في غاية قلة المعرفة بالحديث وعدم الاعتناء به وكثير منهم بل أفضلهم عند أصحابه لا يعتقد أنه روي في الباب الذي يتكلم فيه عن النبي ﷺ شيء أو يظن أن المروي فيه حديث أو حديثان كما تجده لأكابر شيوخ المعتزلة، كأبي الحسين البصري الحنفي يعتقد أنه ليس في الرؤية إلا حديث واحد وهو حديث جرير، ولم يعلم أنه فيها ما يقارب ثلاثين حديثاً؛ وقد ذكرناها في كتاب (صفة الجنة) (حادي الأرواح) (١).
فإنكار هؤلاء لما عليه أهل الوراثة النبوية من كلام نبيهم أقبح من إنكار ما هو مشهور من مذاهب الأئمة عند أتباعهم.
وما يعلم أن كثيراً من الناس قد تطرق سمعه هذه الأحاديث ولا تفيده علماً، لأنه لم تجتمع طرقها وتعددها واختلاف مخارجها من قبله.
فإذا اتفق له إعراضٌ أن نفرةٌ عن رواتها، وإحسان ظن بمن قال بخلافها.
أو تعارض خيال شيطاني فهناك يكون الأمر كما قال الله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت:٤٤].
فلو كانت أضعاف ذلك لم تحصل لهم إيماناً ولا علماً ...
فإذا اجتمع في قلب المستمع لهذه الأخبار العلم بطريقها ومعرفة حال رواتها وفهم معناها - حصل له العلم الضروري، الذي لا يمكن رفعه؛ ولهذا كان جميع أئمة الحديث - الذين لهم لسان صدق في الأمة - قاطعين بمضمون هذه الأحاديث شاهدين بها على رسول الله ﷺ جازمين بأن من كذب بها أو أنكر مضمونها فهو كافر مع علم من له إطلاع على سيرتهم وأحوالهم بأنهم من أعظم الناس صدقاً وأمانةً وديانةً، وأوفرهم عقولاً وأشدهم تحفظاً وتحرياً للصدق ومجانبة للكذب وأن أحداً منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه ولا شيخه، ولا صديقه، وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله ﷺ تحريراً لم يبلغه أحدٌ سواهم لا من الناقلين عن الأنبياء ولا عن غير الأنبياء وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء وأخبر برضاه عنهم واختياره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة.
стр. 870
ومن تأمل ذلك أفاده علماً ضرورياً بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم تنقله كل طائفة عن صاحبها، وهذا أمر وجداني عندهم، لا يمكنكم جحده؛ بل هو بمنزلة ما تحسونه من الألم واللذة والحب والبغض، حتى إنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه، ويباهون من خالفهم عليه. وقول هؤلاء القادحين في الأخبار والسنن: "يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين" بمنزلة قول أعدائه: "يجوز أن يكون الذي جاء به شيطاناً كاذباً" ... فإن أنكروا حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث، كانوا مكابرين لهم ... والمناظرة إذا انتهت إلى هذا الحد لم يبق، فيها فائدة وينبغي العدول إلى ما أمر الله به ورسوله ﷺ من المباهلة، قال الله تعالى: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:٦١] (١).
قلت: رحم الله ابن القيم الإمام وشيخ الإسلام ورفعهما مكانا عليّا؛ فقد عرفا حقيقة هؤلاء المتكلمين من المعتزلة، والماتريدية والأشعرية أفراخ الجهمية المعطلة.
الوجه الرابع:
أن نقول: لو سلمنا أن أحاديث الصفات أخبار آحادٍ، لكن لا نسلم أنها أخبارُ أحادْ مجردةٌ ظنيةٌ، بل هي قطعيةٌ، لأنها موافقة لكتاب الله تعالى، والعقل الصريح والفطرة السليمة، وإجماع السلف في الدلالة على صفات الله تعالى، كعلو الله تعالى على خلقه، واستوائه، على عرشه، ووجهه الكريم، ويديه، ورضاه، وغضبه، ومحبته وكراهيته، وغيرها من صفات الله تعالى، التي تنفى حقائقها الماتريدية ويحرفون نصوصها؛ فقد جاءت بها نصوص كتاب الله كما جاءت سنة رسول الله ﷺ فحينئذ لا يصح زعمهم: "أن تلك الأحاديث أخبارُ آحادٍ وهي ظنية، لا تثبت بها العقيدة" لأن أحاديث الصفات ليست مجردة عن موافقتها العقل الصريح والفطرة السليمة، وإجماع السلف ومطابقتها لكتاب الله؛ ولأن تلك الصفات ثابتة بنصوص كتاب الله تعالى الصريحة مع موافقتها للعقل الصريح والفطرة السليمة، وإجماع السلف، فيكون مجييء الأحاديث بتلك الصفات من قبيل توافر الأدلة، وتواردها على مدلول واحد، وفيما يلي نبذة من كلام أئمة السنة:
١ - قال الإمام ابن القيم ﵀:
"هذه الأخبار الصحيحة في هذا الباب يوافقها القرآن ويدل على مثل ما دلت عليه، فهي مع القرآن بمنزلة الآية مع الآية والحديث مع الحديث، المتفقين وهما كما قال النجاشي في القرآن: "إن هذا والذي جاء به موسى من مشكاةٍ واحدة"؛
ومعلوم أن مطابقة هذه الأخبار للقرآن وموافقتها له أعظم من مطابقة التوراة للقرآن.
فلما كانت الشهادة بأن هذه الأخبار والقرآن يخرجان من مشكاة واحدة فنحن نشهد لله على ذلك شهادةً على القطع والبت إذا شهد خصومنا شهادة الزور أنها تخالف العقل.
وما يضرها أن تخالف العقول المنكوسة إذا وافقت الكتاب وفطرة الله التي فطر عباده عليها والعقول المؤيدة بنور الوحي.
وكذلك شهادة ورقة بن نوفل بموافقة القرآن لما جاء به موسى ... كان قوله: المبطل: "هذه الأحاديث لا تفيد العلم" - بمنزلة قول من قال في قصص القرآن "إنها لا تفيد العلم".
стр. 871
وهكذا قال المبطلون سواء وإن اختلفت جهة إبطال العلم، عندهم من نصوص الوحي فنصوص القرآن لا تفيد علماً من جهة الدلالة، وهذه لا تفيد علماً من هذه الجهة ومن جهة السند، وهذا إبطال لدين الإسلام رأساً. بل ذكر هذه الأحاديث بمنزلة ذكر أخبار المعاد، والجنة، والنار التي شهدت بما شهد به القرآن ... ، وهل يخفى على ذي العقل السليم أن تفسير القرآن بهذه الطرق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال، وشيوخ التجهم، والاعتزال ... وأضرابهم من أهل التفرق، والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالاتٍ وبدعاً؛ وفرقوا دينهم وكانوا شيعاً .. ؛ فإذا لم يجز تفسير القرآن وإثبات ما دل عليه وحصول العلم اليقين بسنن رسول الله ﷺ الصحيحة الثابتة وكلام الصحابة وتابعيهم - أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته؟ .. من كل أعمى أعجمي القلب واللسان بعيد عن السنة والقرآن مغمور عند أهل العلم والإيمان"؟ (١).
٢ - ٥ - وقال الحافظ ابن حجر:
(تنبيهان):
أحدهما: الذي يظهر من تصرف البخاري في كتاب (التوحيد)، أنه يسوق الأحاديث التي وردت في الصفات المقدسة فيدخل كل حديث منها في باب يؤيده بآية من القرآن بلا إشارة إلى خروجها من أخبار الآحاد، على طريق التنزل في ترك الاحتجاج بها في الاعتقادات، وأن من أنكرها خالف الكتاب والسنة جميعاً.
وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب (الرد على الجهمية)، بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال: "ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله؛ يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:٧٥] لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ [عمران:٢٨]. وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:٦٧] تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥] الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] ونحو ذلك فلم يزل - أي سلام بن أبي مطيع- يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس" (٢).
٦ - وللخطيب البغدادي كلام في مثل هذه المعنى يأتي نص كلامه قريباً إن شاء الله.٧ - ٨ ومثله كلام للإمام أبي محمد أحمد بن عبدالله المفضلي المزني (٣٥٦هـ). رواه عنه البيهقي بإسناده إليه، وأقره (٣).٩ - ولإمام الأئمة ابن خزيمة (٣١١ هـ) كلام مهم أيضاً (٤).١٠ - وقال ابن القيم: ولهذا كان أئمة السلف يذكرون الآيات ثم الأحاديث كما فعل البخاري ومن قبله ومن بعده، فإن الإمام أحمد وابن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تدل عليه أحاديث النزول والإتيان ونحوها بالقرآن (٥).
الحاصل: أن أخبار الصفات الصحيحة يؤيدها كتاب الله، فهي تفيد العلم اليقيني ويثبت بها الاعتقاد.
الوجه الخامس:
أن نقول: إن أحاديث الصفات لو سلم أنها أخبارُ آحادٍ؛ لكن لا نسلم أنها ظنيةٌ لا تفيد اليقين ولا تثبت بها العقيدة.
стр. 872
لأنها ليست أخبار آحادٍ فقط مجردةً من قرائن الصحة، بل هي محتفة بالقرائن؛ ومن المعروف المقرر المعترف به، أن أخبار الآحاد المحتفة بقرائن الصحة مفيدة للعلم اليقيني النظري.
وقد صرح بهذا كبار أئمة الأمة، بما فيهم كثيرٌ من أساطين الماتريدية وعلى آخرهم الكوثري، وكثير من أئمة الأشعرية، بل بعض كبار المعتزلة؛ فنصوص هؤلاء حجة عليهم في باب الصفات.
стр. 873
وفيما يلي نماذج ممن صرح بكون الخبر المحتف بالقرآئن مفيداً للعلم اليقيني لتكون شاهدة لما قلنا وتقطع أعذار الماتريدية وتتم عليهم الحجة:١ - أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام رأي المعتزلة (٢٣١هـ) (١).٢ - الإمام الحافظ الخطيب البغدادي (٤٦٣هـ) (٢).٣ - إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك الجويني (٤٧٨هـ) (٣).٤ - الغزالي (٥٠٥هـ) الذي يلقبونه بـ "حجة الإسلام وكلاهما من كبار أئمة الأشعرية" (٤).٥ - وفخر الدين الرازي فيلسوف الأشعرية (٦٠٦هـ) (٥).٦ - سيف الدين الآمدي (٦٣١هـ) وهو من كبار أئمة الأشعرية (٦).٧ - الإمام جمال الدين أبي عمرو وعثمان بن عمرو المعروف بابن الحاجب (٦٤٦)(٧).٨ - عضد الدين عبدالرحمن بن أحمد الإيجي من أئمة الأشعرية صاحب (الموقف) (٧٥٦هـ) (٨).٩ - سعد الدين التفتازاني فيلسوف الماتريدية (٧٩٢هـ) (٩).١٠ - الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ) ومفاد كلامه: أنه لا خلاف في هذه المسألة؛ لأن الخلاف فيها لفظي؛ لأن من قال: يفيد العلم، أراد العلم النظري، ومن أبى - خص بالمتواتر ولم ينف أن المحتف بالقرائن أرجح (١٠).١١ - كمال الدين بن الهمام (٨٦١هـ) وهو من أكابر الحنفية والماتريدية (١١).١٢ - وتلميذه ابن أمير الحاج الحنفي (٨٧٩هـ) (١٢).١٣ - شمس الدين محمد بن عبدالرحمن السخاوي (٩٠٢هـ) (١٣).١٤ - جلال الدين عبدالرحمن السيوطي (٩١١هـ) (١٤).١٥ - محمد أمين المعروف "بأمير بادشاه" الحنفي (٩٨٧هـ) (١٥).
стр. 874
١٦ - العلامة أنور شاه الكشميري الحنفي الديوبندي (١٣٥٢هـ) (١).
١٧ - الكوثري مجدد الماتريدية (١٣٧١هـ).
وغيرهم ممن لا يحصون.
أنواع الأخبار المحتفة بالقرائن:
ذكر الحافظ ابن حجر أربعة أنواع للخبر المحتف بقرائن الصحة:
الأول: ما أخرجه الشيخان في (صحيحهما)، مما لم يبلغ حد الواتر ولم ينقده أحد من الحافظ ولم يقع التجاذب بين مدلوليه.
الثاني: المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة.
الثالث: المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غريباً، كالحديث الذي يرويه الإمام أحمد مثلاً، ويشاركه فيه غيره من الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك، فإنه يفيد العلم عند سماعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته.
الرابع: المتلقى بالقبول: قال: "وهذا التلقي وحده أقوى من إفادته العمل من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر" (٢).
قلت:
أما النوع الأول:
وهو الحديث المتفق عليه فقد صرح أهل هذا الشأن بأنه أعلى أقسام الصحيح؛ فيذكرون للحديث مراتب سبعاً:
الأولى: ما أخرجه الشيخان في (صحيحيهما).
الثانية: ما انفرد به البخاري.
الثالثة: ما انفرد به مسلم.
الرابعة: ما كان صحيحاً على شرطهما جميعاً.
الخامسة: ما كان على شرط البخاري.
السادسة: ما كان على شرط مسلم. السابعة: ما كان صحيحاً، ولم يكن على شرط واحد منهما (٣).
فهذا النوع من الأحاديث قد صرح جمع غفير من الجهابذة النحارير من المحدثين، ومن كبار أساطين المتكلمين من الماتريدية والأشعرية بأنها تفيد العلم اليقيني النظري.
فكيف يصح زعم الماتريدية: أن أحاديث الصفات أخبار آحاد ظنية؟
وفيما يلي نماذج من هؤلاء الأعلام:١ - أبو إسحاق إسماعيل بن محمد الأسفراييني الملقب بركن الدين (٤١٨هـ) فقد نقل على ذلك إجماع أهل الحديث فقال: "أهل الصنعة مجموعة على أن الأخبار التي اشتمل عليها "الصحيحان مقطوع بها عن صاحب الشرع" (٤).٢ - الإمام أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بشمس الأئمة السرخسي (٤٨٣هـ) إمام الحنفية في وقته (٥).٣ - أبو عبدالله محمد بن أبي نصر الحميدي - صاحب (الجمع بين الصحيحين) (٤٨٨هـ) (٦).
стр. 875
٤ - الإمام أبو حامد الغزالي (٥٠٥هـ) أحد كبار أئمة الأشعرية، ذكره الكوثري فيمن يقولون بإفادة أحاديث (الصحيحين) القطع.٥ - الإمام أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (٥٠٧هـ) (١).٦ - أبو نصر بن يوسف (هو عبدالرحمن بن عبدالخالق اليوسفي) (٥٧٤هـ) (٢).٧ - الإمام الحافظ صدر الدين أبي طاهر أحمد بن محمد الأصفهاني السلفي (٥٧٦هـ) (٣).
٨ - الإمام أبو عمرو بن الصلاح (٦٤٣هـ).ونص كلامه: "وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به ... ، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة ... " (٤).٩ - شيخ الإسلام (٧٢٨هـ) (٥) وسيأتي نصه قريباً إن شاء الله تعالى.١٠ - الإمام ابن القيم (٧٥١هـ) (٦).
١١ - الحافظ ابن كثير (٧٧٤هـ).ومن كلامه: "وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه" (٧).١٢ - والإمام عمر بن رسلان البلقيني (٨٠٥هـ) (٨).١٣ - وأبو الفيض محمد بن محمد بن علي الفارسي المعروف بفصيح الهروي الحنفي (٨٣٧هـ) (٩).ومن قوله: "ما روياه، أو واحد مقطوع بصحته، أي يفيد العلم القطعي نظراً لا ضرورةً ... " (١٠).
١٤ - الحافظ ابن حجر (٨٥٢هـ).قال: " .. منها ما أخرجه الشيخان في (صحيحهما) مما لم يبلغ حد المتواتر، فإنه احتفت به قرائن، منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تميز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين" (١١).١٥ - والسخاوي (٩٠٢هـ) (١٢).
стр. 876
١٦ - والسيوطي (٩١١هـ).وقال: "وهو الذي اختاره، ولا أعتقد سواه" (١).١٧ - والعلامة محمد معين السندي الحنفي (١١٦١هـ) (٢) فله بحث قيم في إفادة أحاديث (الصحيحين) القطع (٣) ودراسته تقمع الحنفية.
١٨ - الإمام الشاة ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في وقته (١١٧٦هـ).فقد قال: "أما (الصحيحان) فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة وكتاب (الطحاوي) و (مسند الخوارزمي)، وغيرهما تجد بينها، وبينهما بعد المشرقين" (٤).
وقال في الثناء على صحيح البخاري:"ولعمري! إنه نال من الشهرة، والقبول درجة لا يرام فوقها" (٥) وكم لهذا الإمام من نصوص تقطع دابر أصول الحنفية.١٩ - والأمير اليماني الصنعاني (١١٨٢هـ) (٦).٢٠ - والإمام الشوكاني (١٢٥٠هـ) (٧).٢١ - والحافظ المحدث أبي العلي محمد عبدالرحمن المباركفوري (١٢٥٣هـ) (٨).٢٢ - ومحدث الشام العلامة جمال الدين القاسمي (١٣٣٢هـ) (٩).٢٣ - والشيخ طاهر بن صالح الجزائري (١٣٧٨هـ) (١٠).
٢٤ - العلامة محمد أنور شاه الكشميري الديوبندي الملقب بإمام العصر (١٣٥٢هـ) الذي يعظمه الديوبندية والكوثرية غاية التعظيم، ونحن نسوق نصه بطوله لأهميته، ولمكانته عندهم إتماما للحجة وإيضاحا للمحجة.
قال ﵀: "القول الفصل في أن خبر (الصحيحين) يفيد القطع اختلفوا في أن أحاديث الصحيحين هل تفيد القطع أم لا؟ فالجمهور (١١) إلى أنها لا تفيد القطع، وذهب الحافظ ﵁ إلى أنها تفيد القطع، وإليه جنح شمس الأئمة السرخسي ﵁ من الحنفية، والحافظ ابن تيمية من الحنابلة، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵁، وهؤلاء وإن كانوا أقل عدداً (١٢) إلا أن رأيهم هو الرأي.
وقد سبق في المثل السائر:
تعرينا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل
...
стр. 877
فإن قيل: إن فيهما أخباراً آحاداً، وقد تقرر في الأصول أنها لا تفيد غير الظن.
قلت: لا ضير؛ فإن هذا باعتبار الأصل، وذاك بعد احتفاف القرائن، واعتضاد الطرق فلا يحصل القطع إلا لأصحاب الفن الذي يسر لهم الله سبحانه التمييز بين الفضة، والقضة ورزقهم علماً من أحوال الرواة، والجرح والتعديل، فإنهم إذا مروا على حديث وتتبعوا طرقه، وفتشوا رجاله، وعلموا حال إسناده - يحصل لهم القطع، وإن لم يحصل لمن لم يكن له بصر ولا بصيرة .. ؛
ألا ترى أن الواحد جليل القدر إذا أخبرك بأمر، فنظرت إلى حاله وثقته، وعلمه ودينه - أيقنت بخبره كفلق الصبح، ولا يبقى في نفسك قلق، واضطراب، وكفاك جماعة؛ فإن واحداً قد يزن جماعة بل يرجحهم، والآخر كريشة طائر لا يوازي جناح بعوضة، وإن إبراهيم كان أمة قانتاً، ومن أمته من يجيء يوم القيامة أمة وحده.
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
... ، ولما كان هذا أمراً لا يسع إنكاره لأحد - جعل الحافظ هذا النزاع راجعاً إلى النزاع اللفظي، فلم يبق في نفس إفادة القطع خلاف، ولا شقاق، وإنما هو في أن تلك الإفادة بديهية، أو نظرية فمن ذهب إلى أنها تفيد القطع أراد به النظري، ومن أنكرها أراد به الضروري. وهذا، فإنه تحقيق حقق بالقبول، ومن حاد عنه فقد عدل عن المسلك القويم" (١).
قلت: نص العلامة الكشميري هذا يستأصل مزاعم الماتريدية ولا سيما الكوثرية والديوبندية منهم.
٢٥ - والكوثري مجدد الماتريدية وإمامهم في وقته (١٣٧١هـ)، فقد اعترف في صدد إثبات نزول عيسى ﵇ بأن أحاديث (الصحيحين) تفيد القطع. وهذا حجة عليه، وعلى الماتريدية في باب الصفات.٢٦ - ومحدث مصر، العلامة أبو الأشبال أحمد بن محمد شاكر (١٣٧٧هـ) (٢).٢٧ - والعلامة محمد إسماعيل السلفي (١٣٨٧هـ) فله خدمة مشكور عليها في هذا الباب (٣).٢٨ - والدكتور خليل ملا خاطر "من المعاصرين" له عمل عظيم في الذب عن مكانة (الصحيحين)، وله بحث قيم في إفادة أحاديث (الصحيحين) القطع (٤) وهذا الكتاب عديم النظير لقلع نسج متعصبة الحنفية.
قلت: الحاصل أن أحاديث (الصحيحين) تفيد العلم القطعي بشهادة من ذكرنا وفيهم كبار أعيان الحنفية الماتريدية الديوبندية منهم، والكوثرية، وغيرهم.
بل ثبت بلسان الحافظ ابن حجر، والعلامة الكشميري الديوبندي أن هذه المسألة لا خلاف فيها: فمن أثبت العلم القطعي - أراد النظري، ومن نفى ذلك أراد البديهي ولم ينف النظري.
تنبيه مهم:
لقد تبين مما سبق من علو مكانة (الصحيحين) وأن أحاديثهما تفيد القطع، وأنها أصح الصحاح.
стр. 878
إذا تقرر هذا علم أن أحاديث (الصحيحين) مقدمة على غيرها عند التعارض ولا أعلم في هذا خلافاً لأحد إلا لمتأخري الحنفية، فقد قالوا عدم ترجيح أحاديث (الصحيحين) عند التعارض على غيرها، وذلك لأنهم يعلمون جيداً أن مذهبهم مخالف لكثير من أحاديث (الصحيحين)، فوضعوا هذا الأصل ليخرجوا بهذا عن هذا المضيق؛ فقالوا: لا ترجيح لأحاديث (الصحيحين) عند التعارض بل - يجوز أن يقدم حديث آخر على حديث (الصحيحين).وأول من وضع هذا الأصل - فيما أعلم- من الحنفية هو الإمام ابن الهمام (٨٦١هـ) ثم تابعه الحنفية، ولا سيما الديوبندية منهم، والكوثرية (١).قلت: وهذا الأصل الفاسد مبني على أصلهم الآخر أفسد منه، وهو: أن للحنفية أصولاً وقواعد في تصحيح الحديث وتضعيفه، كما أن للمحدثين قواعد، فرب حديث ضعيف عند المحدثين صحيح عند الحنفية، وبالعكس فلا لوم على الحنفية إذا خالفوا بعض الأحاديث (٢).قلت: هذا الذي عرضناه من مكانة أحاديث (الصحيحين)، وأنها مما احتف بالقرائن، وأنها تلقتها الأمة بالقبول، وأنها تفيد العلم القطعي اليقيني - على لسان كبار أئمة الحنفية، وغيرهم - يقطع دابر هذا الأصل الفاسد، ولقد تصدى للرد على هذا الأصل المحدث المباركفوري (١٢٥٣هـ) (٣).
قلت: ويكفي لرد مزاعمهم في تقديم حديث خارج (الصحيحين) على أحاديثهما ورد أحاديث (الصحيحين) بذلك دفاعاً عن مذهبهم - ما قاله الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني الملقب بركن الدين (٤١٨):
"أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها (الصحيحان) مقطوع بصحة أصولها، ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها، ورواتها".قال: "فمن خالف حكمه خبراً منها، وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه، لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول" (٤).قلت: لكثير من متعصبة الحنفية موقف مذموم من (الصحيحين) وفي قلوبهم حزازة منهما يبدو أثرها بين حين وآخر، وما تخفي صدورهم أكبر؛ ولكن كتابي (الدراسات) و (المكانة) قضاء عليهم (٥).
стр. 879
وللحنفية عدة أصول باطلة فاسدة حماية للمذهب يحتاج إبطالها إلى كتاب مستقل ولي في ذلك كتاب،، علًة يفتح لإخراجه باب،،
وأما النوع الثاني: من المحتف بالقرائن - وهو المسلسل بالأئمة - فقد حكى السهيلي إفادته العلم اليقيني عن بعض الشافعية (١).وحكاه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (٤٧٦هـ) عن بعض المحدثين (٢).قلت: وجزم به الحافظ ابن حجر حيث قال: "فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم ... " (٣).
قلت: وإلى هذا يشير كلام العلامة الكشميري الديوبندي حيث يقول: "فإن واحداً قد يزن جماعة بل يرجحهم ... ؛
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وأما النوع الرابع: من المحتف بالقرائن - وهو المتلقى بالقبول - فهذا النوع بمدلوله أعم من الأنواع الثلاثة الأولى فهو يشملها جميعاً سواء كان في (الصحيحين) أو كان مشهوراً، أو كان مسلسلاً بالأئمة، فهو يفيد العلم اليقيني القطعي النظري، وهو مذهب كثير من أهل الكلام من المعتزلة، والماتريدية والأشعرية ومذهب أهل الحديث قاطبة والسلف عامة، وهو مذهب عامة المحققين من كبار أئمة الحنفية، والمالكية والشافعية، والحنابلة، ولم يخالف في ذلك إلا شرذمة قليلة من المتأخرين تبعاً لبعض المتكلمين، فلا عبرة بهم، كما صرح به شيخ الإسلام وغيره (٤).
ولا شك أن أحاديث الصفات لا تخلو من هذا النوع فهي مفيدة للعلم القطعي اليقيني فكيف يصح دعوى الماتريدية وغيرهم من المتكلمين: أنها أخبار آحاد، لا تفيد إلا الظن؟.
وفيما يلي عرض بعض نصوص العلماء إتماماً للحجة وإيضاحاً للمحجة وقطعا لأعذار الماتريدية وإلقامهم الأحجار.
١ - الإمام عيسى بن أبان (٢٢١هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية الأوائل (٥) فقد حكي عنه أنه قال:"خبر الواحد إذا عمل عليه أكثر الصحابة وعابوا من لم يعمل به يقطع به" (٦).
٢ - أبو هاشم عبدالسلام بن محمد الجبائي الحنفي، إمام الهاشمية من المعتزلة (٣٢١هـ) (٧).
٣ - أبو الحسن عبيد الله بن الحسن الكرخي أحد كبار أئمة الحنفية (٣٤٠هـ) (٨).
٤ - وقال الإمام أبو بكر بن علي الجصاص إمام الحنفية في وقته (٣٧٠هـ) (٩).
стр. 880
عند الكلام حول حديثين في طلاق الأمة، وعدتها:"وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة - وإن كان وروده من طريق الآحاد - فصار في حيز التواتر، لأن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواضع" (١).
٥ - الإمام أبو بكر بن فورك (٤٠٦هـ) من كبار أئمة الأشعرية - فقد حكى عنه إمام الحرمين أنه قال:"الخبر الذي تلقته الأئمة بالقبول محكوم بصحته ... وإن تلقوه بالقبول قولاً وقطعاً حكم بصدقه" (٢).
٦ - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأسفراييني الملقب بركن الدين (٤١٨هـ) فقد حكى عنه إمام الحرمين:"أن ما اتفق عليه أئمة الحديث مستفيض وهو قسم آخر بين المتواتر وبين خبر الواحد، وأنه يقيني العلم نظراً" (٣).
٧ - وقال أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري الحنفي المعتزلي (٤٣٦هـ):"فأما خبر الواحد إذا أجمعت الأمة على مقتضاه، وحكمت بصحته، فإنه يقطع على صحته، لأنها لا تجمع على خطأ" (٤).٨ - وقال الخطيب البغدادي (٤٦٣هـ): " .. وقد يستدل على صحته بأن يكون خبراً عن أمر اقتضاه نص القرآن، أو السنة المتواترة، أو أجمعت الأمة على تصديقه، أو تلقته بالقبول وعملت بموجبه" (٥).
٩ - أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي أحد الأئمة الشافعية (٤٧٦هـ) قال: " ... خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول، فيقطع بصدقه سواء عمل الكل به أو عمل البعض، وتأويله البعض، فهذه الأخبار توجب العمل، ويقع العلم بها استدلالاً" (٦).
١٠ - الإمام أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بشمس الأئمة السرخسي (٤٨٣هـ) أحد أكابر أئمة الحنفية.
١١ - وللإمام أبي المظفر منصور بن محمد السمعاني (٤٨٩هـ) جد صاحب الأنساب: كلام في غاية الأهمية في قبول خبر الواحد في العقيدة، وأن الخبر إذا صح ورواه الثقات وتلقته الأئمة بالقبول فهو يوجب العلم اليقيني وهذا قول عامة أهل الحديث وخلاف ذلك قول أهل البدعة، وقد ذكرنا نص كلامه.
١٢ - وقال الإمام محفوظ بن أحمد الكلوذاني من أئمة الحنابلة في وقته (٥١٠هـ):
"فأما خبر الواحد إذا أجمعت الأمة على حكمه وتلقته بالقبول .. فظاهر كلام أصحابنا: أنه يقع به العلم .. " (٧).
١٣ - ١٨ وقال شيخ الإسلام (٧٢٨هـ):
" ... فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي ﷺ قال: لأن غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول، والتصديق؛ والأمة لا تجتمع على خطأ؛ فلو كان الحديث كذباً في نفس الأمر - والأمة مصدقة له قابلة له - لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب؛ وهذا إجماع على خطأ، وذلك ممتنع".
وقال: "ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً - إذا كان في الاعتقاد - أو عملاً - إذا كان في الأحكام - أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد.