← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

١٦ - والسيوطي (٩١١هـ).وقال: "وهو الذي اختاره، ولا أعتقد سواه" (١).١٧ - والعلامة محمد معين السندي الحنفي (١١٦١هـ) (٢) فله بحث قيم في إفادة أحاديث (الصحيحين) القطع (٣) ودراسته تقمع الحنفية. ١٨ - الإمام الشاة ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في وقته (١١٧٦هـ).فقد قال: "أما (الصحيحان) فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة وكتاب (الطحاوي) و (مسند الخوارزمي)، وغيرهما تجد بينها، وبينهما بعد المشرقين" (٤). وقال في الثناء على صحيح البخاري:"ولعمري! إنه نال من الشهرة، والقبول درجة لا يرام فوقها" (٥) وكم لهذا الإمام من نصوص تقطع دابر أصول الحنفية.١٩ - والأمير اليماني الصنعاني (١١٨٢هـ) (٦).٢٠ - والإمام الشوكاني (١٢٥٠هـ) (٧).٢١ - والحافظ المحدث أبي العلي محمد عبدالرحمن المباركفوري (١٢٥٣هـ) (٨).٢٢ - ومحدث الشام العلامة جمال الدين القاسمي (١٣٣٢هـ) (٩).٢٣ - والشيخ طاهر بن صالح الجزائري (١٣٧٨هـ) (١٠). ٢٤ - العلامة محمد أنور شاه الكشميري الديوبندي الملقب بإمام العصر (١٣٥٢هـ) الذي يعظمه الديوبندية والكوثرية غاية التعظيم، ونحن نسوق نصه بطوله لأهميته، ولمكانته عندهم إتماما للحجة وإيضاحا للمحجة. قال ﵀: "القول الفصل في أن خبر (الصحيحين) يفيد القطع اختلفوا في أن أحاديث الصحيحين هل تفيد القطع أم لا؟ فالجمهور (١١) إلى أنها لا تفيد القطع، وذهب الحافظ ﵁ إلى أنها تفيد القطع، وإليه جنح شمس الأئمة السرخسي ﵁ من الحنفية، والحافظ ابن تيمية من الحنابلة، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵁، وهؤلاء وإن كانوا أقل عدداً (١٢) إلا أن رأيهم هو الرأي. وقد سبق في المثل السائر: تعرينا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل ...

стр. 877

فإن قيل: إن فيهما أخباراً آحاداً، وقد تقرر في الأصول أنها لا تفيد غير الظن. قلت: لا ضير؛ فإن هذا باعتبار الأصل، وذاك بعد احتفاف القرائن، واعتضاد الطرق فلا يحصل القطع إلا لأصحاب الفن الذي يسر لهم الله سبحانه التمييز بين الفضة، والقضة ورزقهم علماً من أحوال الرواة، والجرح والتعديل، فإنهم إذا مروا على حديث وتتبعوا طرقه، وفتشوا رجاله، وعلموا حال إسناده - يحصل لهم القطع، وإن لم يحصل لمن لم يكن له بصر ولا بصيرة .. ؛ ألا ترى أن الواحد جليل القدر إذا أخبرك بأمر، فنظرت إلى حاله وثقته، وعلمه ودينه - أيقنت بخبره كفلق الصبح، ولا يبقى في نفسك قلق، واضطراب، وكفاك جماعة؛ فإن واحداً قد يزن جماعة بل يرجحهم، والآخر كريشة طائر لا يوازي جناح بعوضة، وإن إبراهيم كان أمة قانتاً، ومن أمته من يجيء يوم القيامة أمة وحده. ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد ... ، ولما كان هذا أمراً لا يسع إنكاره لأحد - جعل الحافظ هذا النزاع راجعاً إلى النزاع اللفظي، فلم يبق في نفس إفادة القطع خلاف، ولا شقاق، وإنما هو في أن تلك الإفادة بديهية، أو نظرية فمن ذهب إلى أنها تفيد القطع أراد به النظري، ومن أنكرها أراد به الضروري. وهذا، فإنه تحقيق حقق بالقبول، ومن حاد عنه فقد عدل عن المسلك القويم" (١). قلت: نص العلامة الكشميري هذا يستأصل مزاعم الماتريدية ولا سيما الكوثرية والديوبندية منهم. ٢٥ - والكوثري مجدد الماتريدية وإمامهم في وقته (١٣٧١هـ)، فقد اعترف في صدد إثبات نزول عيسى ﵇ بأن أحاديث (الصحيحين) تفيد القطع. وهذا حجة عليه، وعلى الماتريدية في باب الصفات.٢٦ - ومحدث مصر، العلامة أبو الأشبال أحمد بن محمد شاكر (١٣٧٧هـ) (٢).٢٧ - والعلامة محمد إسماعيل السلفي (١٣٨٧هـ) فله خدمة مشكور عليها في هذا الباب (٣).٢٨ - والدكتور خليل ملا خاطر "من المعاصرين" له عمل عظيم في الذب عن مكانة (الصحيحين)، وله بحث قيم في إفادة أحاديث (الصحيحين) القطع (٤) وهذا الكتاب عديم النظير لقلع نسج متعصبة الحنفية. قلت: الحاصل أن أحاديث (الصحيحين) تفيد العلم القطعي بشهادة من ذكرنا وفيهم كبار أعيان الحنفية الماتريدية الديوبندية منهم، والكوثرية، وغيرهم. بل ثبت بلسان الحافظ ابن حجر، والعلامة الكشميري الديوبندي أن هذه المسألة لا خلاف فيها: فمن أثبت العلم القطعي - أراد النظري، ومن نفى ذلك أراد البديهي ولم ينف النظري. تنبيه مهم: لقد تبين مما سبق من علو مكانة (الصحيحين) وأن أحاديثهما تفيد القطع، وأنها أصح الصحاح.

стр. 878

إذا تقرر هذا علم أن أحاديث (الصحيحين) مقدمة على غيرها عند التعارض ولا أعلم في هذا خلافاً لأحد إلا لمتأخري الحنفية، فقد قالوا عدم ترجيح أحاديث (الصحيحين) عند التعارض على غيرها، وذلك لأنهم يعلمون جيداً أن مذهبهم مخالف لكثير من أحاديث (الصحيحين)، فوضعوا هذا الأصل ليخرجوا بهذا عن هذا المضيق؛ فقالوا: لا ترجيح لأحاديث (الصحيحين) عند التعارض بل - يجوز أن يقدم حديث آخر على حديث (الصحيحين).وأول من وضع هذا الأصل - فيما أعلم- من الحنفية هو الإمام ابن الهمام (٨٦١هـ) ثم تابعه الحنفية، ولا سيما الديوبندية منهم، والكوثرية (١).قلت: وهذا الأصل الفاسد مبني على أصلهم الآخر أفسد منه، وهو: أن للحنفية أصولاً وقواعد في تصحيح الحديث وتضعيفه، كما أن للمحدثين قواعد، فرب حديث ضعيف عند المحدثين صحيح عند الحنفية، وبالعكس فلا لوم على الحنفية إذا خالفوا بعض الأحاديث (٢).قلت: هذا الذي عرضناه من مكانة أحاديث (الصحيحين)، وأنها مما احتف بالقرائن، وأنها تلقتها الأمة بالقبول، وأنها تفيد العلم القطعي اليقيني - على لسان كبار أئمة الحنفية، وغيرهم - يقطع دابر هذا الأصل الفاسد، ولقد تصدى للرد على هذا الأصل المحدث المباركفوري (١٢٥٣هـ) (٣). قلت: ويكفي لرد مزاعمهم في تقديم حديث خارج (الصحيحين) على أحاديثهما ورد أحاديث (الصحيحين) بذلك دفاعاً عن مذهبهم - ما قاله الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني الملقب بركن الدين (٤١٨): "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها (الصحيحان) مقطوع بصحة أصولها، ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها، ورواتها".قال: "فمن خالف حكمه خبراً منها، وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه، لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول" (٤).قلت: لكثير من متعصبة الحنفية موقف مذموم من (الصحيحين) وفي قلوبهم حزازة منهما يبدو أثرها بين حين وآخر، وما تخفي صدورهم أكبر؛ ولكن كتابي (الدراسات) و (المكانة) قضاء عليهم (٥).

стр. 879

وللحنفية عدة أصول باطلة فاسدة حماية للمذهب يحتاج إبطالها إلى كتاب مستقل ولي في ذلك كتاب،، علًة يفتح لإخراجه باب،، وأما النوع الثاني: من المحتف بالقرائن - وهو المسلسل بالأئمة - فقد حكى السهيلي إفادته العلم اليقيني عن بعض الشافعية (١).وحكاه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (٤٧٦هـ) عن بعض المحدثين (٢).قلت: وجزم به الحافظ ابن حجر حيث قال: "فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم ... " (٣). قلت: وإلى هذا يشير كلام العلامة الكشميري الديوبندي حيث يقول: "فإن واحداً قد يزن جماعة بل يرجحهم ... ؛ ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وأما النوع الرابع: من المحتف بالقرائن - وهو المتلقى بالقبول - فهذا النوع بمدلوله أعم من الأنواع الثلاثة الأولى فهو يشملها جميعاً سواء كان في (الصحيحين) أو كان مشهوراً، أو كان مسلسلاً بالأئمة، فهو يفيد العلم اليقيني القطعي النظري، وهو مذهب كثير من أهل الكلام من المعتزلة، والماتريدية والأشعرية ومذهب أهل الحديث قاطبة والسلف عامة، وهو مذهب عامة المحققين من كبار أئمة الحنفية، والمالكية والشافعية، والحنابلة، ولم يخالف في ذلك إلا شرذمة قليلة من المتأخرين تبعاً لبعض المتكلمين، فلا عبرة بهم، كما صرح به شيخ الإسلام وغيره (٤). ولا شك أن أحاديث الصفات لا تخلو من هذا النوع فهي مفيدة للعلم القطعي اليقيني فكيف يصح دعوى الماتريدية وغيرهم من المتكلمين: أنها أخبار آحاد، لا تفيد إلا الظن؟. وفيما يلي عرض بعض نصوص العلماء إتماماً للحجة وإيضاحاً للمحجة وقطعا لأعذار الماتريدية وإلقامهم الأحجار. ١ - الإمام عيسى بن أبان (٢٢١هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية الأوائل (٥) فقد حكي عنه أنه قال:"خبر الواحد إذا عمل عليه أكثر الصحابة وعابوا من لم يعمل به يقطع به" (٦). ٢ - أبو هاشم عبدالسلام بن محمد الجبائي الحنفي، إمام الهاشمية من المعتزلة (٣٢١هـ) (٧). ٣ - أبو الحسن عبيد الله بن الحسن الكرخي أحد كبار أئمة الحنفية (٣٤٠هـ) (٨). ٤ - وقال الإمام أبو بكر بن علي الجصاص إمام الحنفية في وقته (٣٧٠هـ) (٩).

стр. 880

عند الكلام حول حديثين في طلاق الأمة، وعدتها:"وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة - وإن كان وروده من طريق الآحاد - فصار في حيز التواتر، لأن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواضع" (١). ٥ - الإمام أبو بكر بن فورك (٤٠٦هـ) من كبار أئمة الأشعرية - فقد حكى عنه إمام الحرمين أنه قال:"الخبر الذي تلقته الأئمة بالقبول محكوم بصحته ... وإن تلقوه بالقبول قولاً وقطعاً حكم بصدقه" (٢). ٦ - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأسفراييني الملقب بركن الدين (٤١٨هـ) فقد حكى عنه إمام الحرمين:"أن ما اتفق عليه أئمة الحديث مستفيض وهو قسم آخر بين المتواتر وبين خبر الواحد، وأنه يقيني العلم نظراً" (٣). ٧ - وقال أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري الحنفي المعتزلي (٤٣٦هـ):"فأما خبر الواحد إذا أجمعت الأمة على مقتضاه، وحكمت بصحته، فإنه يقطع على صحته، لأنها لا تجمع على خطأ" (٤).٨ - وقال الخطيب البغدادي (٤٦٣هـ): " .. وقد يستدل على صحته بأن يكون خبراً عن أمر اقتضاه نص القرآن، أو السنة المتواترة، أو أجمعت الأمة على تصديقه، أو تلقته بالقبول وعملت بموجبه" (٥). ٩ - أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي أحد الأئمة الشافعية (٤٧٦هـ) قال: " ... خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول، فيقطع بصدقه سواء عمل الكل به أو عمل البعض، وتأويله البعض، فهذه الأخبار توجب العمل، ويقع العلم بها استدلالاً" (٦). ١٠ - الإمام أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بشمس الأئمة السرخسي (٤٨٣هـ) أحد أكابر أئمة الحنفية. ١١ - وللإمام أبي المظفر منصور بن محمد السمعاني (٤٨٩هـ) جد صاحب الأنساب: كلام في غاية الأهمية في قبول خبر الواحد في العقيدة، وأن الخبر إذا صح ورواه الثقات وتلقته الأئمة بالقبول فهو يوجب العلم اليقيني وهذا قول عامة أهل الحديث وخلاف ذلك قول أهل البدعة، وقد ذكرنا نص كلامه. ١٢ - وقال الإمام محفوظ بن أحمد الكلوذاني من أئمة الحنابلة في وقته (٥١٠هـ): "فأما خبر الواحد إذا أجمعت الأمة على حكمه وتلقته بالقبول .. فظاهر كلام أصحابنا: أنه يقع به العلم .. " (٧). ١٣ - ١٨ وقال شيخ الإسلام (٧٢٨هـ): " ... فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي ﷺ قال: لأن غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول، والتصديق؛ والأمة لا تجتمع على خطأ؛ فلو كان الحديث كذباً في نفس الأمر - والأمة مصدقة له قابلة له - لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب؛ وهذا إجماع على خطأ، وذلك ممتنع". وقال: "ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً - إذا كان في الاعتقاد - أو عملاً - إذا كان في الأحكام - أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد.

стр. 881

إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيراً من أهل الكلام، أو أكثرهم يوافقون الفقهاء، وأهل الحديث والسلف على ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية، كأبي إسحاق، وابن فورك. وأما ابن الباقلاني: فهو الذي أنكر ذلك، وتبعه مثل أبي المعالي وأبي حامد وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن الخطيب، والآمدي ونحو هؤلاء. والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب، وأبو إسحاق، وأمثاله من الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبدالوهاب، وأمثاله من المالكية. وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي، وأمثاله من الحنفية. وهو الذي ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب، وأبو الحسن بن الزاغروني، وأمثالهم من الحنبلية. إذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجباً للقطع فالاعتبار (١) في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة ... " (٢). ١٩ - ٢٣ - قلت: قد قبل كلام شيخ الإسلام هذا جماعة من العلماء وأقروه: كالإمام ابن القيم (٧٥١هـ) (٣)، والحافظ ابن كثير (٧٧٤هـ) (٤)، والإمام عمر بن رسلان البلقيني (٨٠٥هـ) (٥).والحافظ ابن حجر (٨٥٢هـ) (٦) والسخاوي (٩٠٢هـ) (٧) والسيوطي (٩١١هـ) (٨)، والعلامة محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار (٩٧٢هـ) (٩) والأمير الصنعاني (١١٨٢هـ) (١٠)، وجمال الدين القاسمي (١٣٣٢هـ) (١١)، وطاهر بن صالح الجزائري (١٣٣٨هـ) (١٢).والكوثري مجدد الماتريدية وإمامهم في وقته (١٣٧١هـ) ذكر نص كلام شيخ الإسلام، ولكن لشدة عدائه إياه، لم ينسبه إليه، والعلامة محمد إسماعيل السلفي (١٣٨٧هـ) (١٣)، والشيخ أحمد بن محمد شاكر (١٣٧٧هـ) (١٤).والدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر (أشعري العقيدة)، فقد ألف كتابه العظيم (مكانة الصحيحين) أجاد فيه وأفاد، وذكر كلام شيخ الإسلام ثم قال: "وهذا الذي قاله كلام نفيس، ومهم يعبر عن نظرةٍ بعيدةٍ، وسير لأسانيد وروايات طرق الأحاديث" (١٥).

стр. 882

٣٣ - وللإمام ابن أبي العز الحنفي (٧٩٢هـ) بحث قيم في الأخذ بأخبار الآحاد في العقيدة، وأن الخبر المتلقى بالقبول من قسم المتواتر، وأنه لا نزاع فيه عند السلف (١). ٣٤ - الشيخ أبو غدة الكوثري، فقد نقل عن الإمام الشافعي، والسخاوي: أن الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ به المقطوع (٢). قلت: إذا كان الحديث الضعيف يرتفع إلى منزلة المتواتر بمجرد التلقي فما ظنك بأحاديث الصفات المتواترة، والمشهورة والمتفق عليها، المتلقاة بالقبول، المحتفة بالقرائن؟ وفي هذا كله عبرة للماتريدية أيما عبرة. خاتمة هذا الوجه: ٣٥ - لما كان الكوثري يعدّ إماماً للماتريدية؛ بل مجدداً لهم في وقته، ولاسيما للكوثرية منهم، والديوبندية أردت أن أختم هذا الوجه بنصوص الكوثري التي اعترف فيها بالحق لما رأى وسمع أن أعداء الإسلام احتجوا بقاعدة المتكلمين - من أن خبر الواحد ظني لا يثبت به العقيدة- على إنكار نزول عيسى ﵇ (٣). فتصدى لهم الكوثري، وألف في الرد عليهم كتاباً بعنوان (نظرة عابرة) أجاد فيه وأفاد، ورد على تلك القاعدة الفاسدة للمتكلمين من أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين، ولا تثبت بها العقيدة - ولكن هذا الكتاب كله حجة عليه، وعلى الماتريدية في باب الصفات وهذا تناقض. وهذه بعض نصوص الكوثري: (من قال: "إن خبر الآحاد لا يفيد العلم" يريد خبر الآحاد من حيث هو بالنظر إلى رأي جماعة، وإلا فخبر الآحاد الذي تلقته الأمة بالقبول، يقطع بصدقه، كما نص على ذلك أبو المظفر السمعاني في (القواطع) (٤)؛ وقد حكى السخاوي في (فتح المغيث) عن جماعة من المحققين إفادة خبر الآحاد العلم عند احتفافه بالقرآن، بل قال جماعة: إن ما اتفق عليه البخاري ومسلم يفيد - في غير مواضع النقد منه - العلم؛ لاحتفافه بالقرائن، ومنهم الغزالي).وقال: "وأين اجتماع نصوص العلماء مع قول أمثال أبي حامد الأسفراييني، وأبي إسحاق الأسفراييني، والقاضي أبي الطيب، وابي إسحاق الشيرازي، وشمس الأئمة السرخسي، والقاضي عبدالوهاب، ورواية ابن خويز منداد عن مالك، وقول أبي يعلى وأبي الخطاب، وابن الزاغوني، وابن فورك، وغيرهم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، وفي الخبر المحتف بالقرائن" (٥).وقال: (بل جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له، أو عملاً به أنه يوجب العلم كما تجد تفصيل ذلك في (توجيه النظر) في ص: ١٣٤" (٦). قلت: كلام الكوثري هذا حق لا ريب فيه غير أنه لم يقتصر على مسألة "نزول عيسى ﵇" فقط، بل هو شامل لجميع الأحاديث الواردة في جميع الأبواب، ومنها باب صفات الله تعالى، فكلام الكوثري هذا حجة عليه خاصة، وعلى الماتريدية عامة كما هو حجة على منكري نزول عيسى ﵇، وغيرهم من الملحدين في أسماء الله وصفاته.

стр. 883

وقال الكوثري: "ونحن نسمع من فلتات ألسنة دعاة هذه النعرة بين حين، وآخر تهوين أمر أخبار الآحاد الصحيحة من السنة .. ، .. ، فبتهوين أمر أخبار الآحاد يتخلصون من كتب السنة، من صحاح، وسنن وجوامع ومصنفات، ومسانيد، وتفاسير بالرواية، وغيرها ... ؛فهل يسلك مثل هذه السبيل من سبل الشيطان غير صنائع أعداء الإسلام؟ على أن أخبار الآحاد الصحيحة قد يحصل بتعدد طرقها تواتر معنوي؛ بل قد يحصل العلم بخبر الآحاد عند احتفافه بالقرائن؛ بل يوجد بين أهل العلم من يرى أن أحاديث الصحيحين - غير المنتقدة - من تلك الأحاديث المحتفة بالقرائن" (١). قلت: أول من استخف بالأحاديث النبوية واستهان بأمرها هم هؤلاء المتكلمون - أئمة الكوثري وهو منهم - في باب الصفات - فهم قدموا عليها عقولهم الفاسدة وردوها أو حرفوها وعلى كل حالٍ كلام الكوثري هذا حجة عليه وعلى الماتريدية في باب الصفات وهذا تناقض واضح فاضح. الحاصل: أن أحاديث الصفات لو سلمنا أنها أخبار آحادٍ لكنها محتفة بالقرائن مفيدةٌ للعلم القطعي بشهادة أئمة الإسلام، وكبار المتكلمين من المعتزلة والماتريدية والأشعرية، أولهم النظام، وآخرهم الكوثري. ولكن الكوثري مع تناقضه الفاضح ... شهد على نفسه ببيانه الواضح فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها الوجه السادس: لو سلمنا أن أحاديث الصفات أخبار آحاد مجردة، وسلمنا أيضاً أنها غير محتفة بالقرائن، وسلمنا أيضاً أنها لا تفيد اليقين ولا تفيد إلا العمل فقط، لكن لا نسلم أن لفظ "العمل" مقصور بعمل الجوارح فقط. بل المراد من "العمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب"، فيصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب الاعتقاد؛ لأنه من "عمل القلب"، وهذا كله بشهادة كبار الماتريدية واعترافهم بما فيهم الكوثري. فكيف يصح إبعاد أخبار الآحاد عن حيز الاحتجاج بها في باب العقيدة؟. وكيف يصح زعمهم أنها ظنية لا تثبت بها العقيدة؟. هذا كله على فرض تسليم أنها ظنية كفرض المحال، مع أنها متواترة، ومشهورة، ومحتفة بالقرائن، ومتفق عليها، متلقاة بالقبول، مفيدة للعلم القطعي يصح الاحتجاج بها في الاعتقاد والأحكام جميعاً بإجماع السلف، ونصوص كبار المتكلمين من المعتزلة، والماتريدية والأشعرية كما سبق، فهي أحد مصدري تلقي العقيدة في دين الإسلام. وإليك بعض نصوص الماتريدية في أن "العمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب" فيصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب الاعتقاد؛ لأنه من عمل القلب؛ فأقول وبالله التوفيق: لقد تصدى الكوثري للرد على مزاعم منكري نزول عيسى ﵇ الذين تمسكوا بقاعدة فاسدة باطلة وضعها المتكلمون من أن أخبار الآحاد ظنية لا تثبت بها العقيدة؛ فقالوا: "إن أحاديث نزول عيسى ﵇ أخبار آحاد ظنية لا تثبت بها العقيدة، ولا تصلح إلا للأحكام العملية". إلزاماً للمتكلمين واحتجاجاً عليهم. فرد عليهم الكوثري ردوداً عدة: منها أن المراد من العمل في كلام المتكلمين: "أن أخبار الآحاد لا تصلح إلا للعمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب" وهو الاعتقاد. فيقول الكوثري: (قال علاء الدين عبدالعزيز بن أحمد البخاري في شرح أصول فخر الإسلام البزدوي: "اعتقاد القلب فضل على العلم، لأن العلم قد يكون بدون عقد القلب، كعلم أهل الكتاب بحقيقة النبي ﷺ ، مع عدم اعتقادهم حقيقة .. ، والعقد قد يكون بدون العلم أيضاً كاعتقاد المقلد، وإذا كان كذلك جاز أن يكون خبر الواحد موجباً للاعتقاد الذي هو عمل القلب، وإن لم يكن موجباً للعلم.

стр. 884

قال أبو اليسر: "الأخبار الواردة في أحكام الآخرة من باب العمل فإن العمل نوعان: عمل الجوارح، واعتقاد القلب، فالعمل بالجوارح إن تعذر لم يتعذر العمل بالقلب اعتقاداً". وذلك عند شرحه لقول فخر الإسلام "وفيه ضرب من العمل أيضاً، وهو عقد القلب عليه، إذ العقد فضل عليه".فظهر أن خبر الآحاد الصحيح قد يفيد اعتقاداً جازماً في أناس، ولا يفيد البرهان العلمي اعتقاداً في آخرين، فواحد يعتقد اعتقاداً جازماً بنزول عيسى ﵇ بمجرد أن سمع حديثاً واحداً في ذلك من صحيح البخاري مثلاً، وآخر لا يعتقد ذلك ولو أسمعته سبعين حديثاً، وثلاثين أثراً من الصحاح والسنن والمسانيد والجوامع وسائر المدونات في الحديث مما يحصل التواتر بأقل منها بكثير، فالناجي هو ذاك الواحد دون الآخر) (١). ويقول الكوثري أيضاً: (والواقع أن من قال: "إن خبر الواحد يفيد العمل فقط". يريد بالعمل ما يشمل عمل الجوارح، وعمل القلب - وهو الاعتقاد، كما نص على ذلك البزدوي نفسه حيث قال في آخر مبحث الآحاد: "فأما الآحاد في أحكام الآخرة فمن ذلك ما هو مشهور، ومن ذلك ما هو دون ذلك، لكنه يوجب ضرباً من العلم على ما قلنا، وفيه ضرب من العمل أيضاً، وهو عقد القلب ... ، فصح الابتلاء بالعقد كما صح الابتلاء بالعمل بالبدن". وبذلك يعلم وجه تدوين أخبار الآحاد في كتب الحديث في المغيبات، وأمور الآخرة ... ؛فالآن قد ظهر من يفهم معنى العقيدة، ومن لا يفهمه حقاً، ومن تزبب قبل أن يتحصرم يلقى ما يلقاه من تزعم قبل أن يتعلم .. ) (٢). وقال الكوثري أيضاً: (والاعتقاد عمل قلبي يؤخذ من خبر الآحاد، كما سبق من فخر الإسلام، فيكون إنكار أخذ الاعتقاد من خبر الآحاد إنكاراً للدليل العقلي المفيد للعلم الموجب للعمل بخبر الآحاد أعم من أن يكون عمل الجوارح، وعمل القلب - وهو الاعتقاد - .. ؛فيعلم أن حفاظ الأمة ما كانوا عابثين في تدوينهم لأخبار الآخرة، والأمور الغيبية في كتبهم، ولا كان الأئمة لاعبين في تدوينهم السمعيات في كتب العقائد) (٣). قلت: نعمد إلى حجة الماتريدية والكوثري هذه - التي احتجوا بها على منكري نزول عيسى ﵇ فنقلبها حجة على الكوثري خاصة والماتريدية عامة، فنقول: لو سلمنا أن أحاديث الصفات أخبار آحاد مجردة، ظنية، لا تفيد إلا العمل، لكن نقول: إن العمل نوعان: عمل الأركان، وعمل الجنان؛ فهي تفيد عمل الجنان، وهو الاعتقاد، فصح أخذ العقيدة من أخبار الآحاد؛ وخبر الآحاد الصحيح قد يفيد اعتقاداً جازماً لأناس بقوا على فطرتهم السليمة؛ فإن أحدهم إذا سمع حديثاً واحداً من صحيح البخاري في صفات الله تعالى اعتقده اعتقاداً جازماً. أما الذين زاغت قلوبهم، وفسدت فطرهم، وعقولهم بالفلسفة والكلام فإن أحدهم لو أسمعته سبعين حديثاً، وثلاثين أثراً من الصحاح، والسنن لا يحصل لهم شيء من العلم بل ربما يردها أو يحرفها. فالآن قد ظهر من يفهم معنى العقيدة فهماً صحيحاً، ومن تزبب قبل أن يتحصرم يلقى ما يلقاه من تزعم قبل أن يتعلم كما تبين أن أئمة السنة وحافظ الأمة ما كانوا عابثين ولا لاعبين في تدوينهم لأحاديث الصفات وغيرها في كتب العقائد، ولله الحمد والمنة،، على أن هدانا إلى السنة،، وله الشكر على أن قتل الكوثري سلاح لسانه، وسيف بيانه وسكين بنانه،، ورده بغيظه برد كيده في نحره،، وهتك مكره وأمره بعجره وبجره،، فهو متناقص مفضوح صريح قتيل ذليل،، بقاله هذا وقيله الآتي عما قليل،، أرادوا بنا كيداً فكيدوا بكيدهم ... وزلوا فضلوا لم يجدوا مواليا المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٢/ ٦٩ - ١١٦

стр. 885

المطلب الأول: معنى "التفويض" في اصطلاح السلف التفويض في باب صفات الله تعالى عند السلف هو التفويض في الكيف فقط، دون المعنى، فالسلف كانوا يعرفون معاني الصفات ويفوضون علم كيفيتها إلى الله تعالى؛ فيكون الكيف هو المجهول عندهم لا المعنى فكانوا مثبتين للصفات لا مفوضين لها، وهذا هو التفويض الحق الذي ندين الله تعالى به، ونصوص السلف في ذلك متواترة، منها المقالة الرَّبَعِيَّةُ، والمالكية التي سارت كالمثل السائر: "الاستواء معلوم والكيف مجهول"

стр. 886

المطلب الثاني: التفويض عند الماتريدية التفويض في صفات الله تعالى عند الماتريدية هو التفويض في معانيها وكيفيتها وجهلهما جميعا، ونفي ما تدل عليه نصوصها، وتلاوتها دون فهم معانيها، وجعلها متشابهات كالحروف المقطعة، وتقويلهم السلف إياه، فهم معطلة جاهلة مجهلة (١) وفيما يلي بعض نصوص الماتريدية. ١ - قال الإمام أبو منصور الماتريدي: " .. مع ما كان الله يمتحن بالوقوف في أشياء كما جاء من نعوت الوعد والوعيد، وما جاء من الحروف المقطعة وغير ذلك مما يؤمن المرء أن يكون ذا مما المحنة فيه الوقف لا القطع".وقال: "يجب نفي التشبيه عنه والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء" (٢). ٢ - وقال أبو المعين النسفي: "وما تعلق به الخصوم من الآيات المتشابهة محتملة لوجوه كثيرة غير ممكنة الحمل على ظواهرها على ما قررنا. فإما أن نؤمن بتنزيلها ولا نشتغل بتأويلاتها على ما هو اختيار كثير من كبراء الأمة، وعلماء الملة. وإما أن تصرف إلى وجه من التأويل يوافق التوحيد ولا تناقض الآية المحكمة، وكتب العلماء والتفسير، والكلام مملوءة من تأويلاتها، وكتابنا هذا لا يسع لبيان ذلك" (٣).٣ - وقال: " ... فإذا ظهرت صحة ما ادعينا من تعذر حمل الآيات على الظواهر، ووجوب الصرف إلى ما يصح من التأويلات، ثم بعد ذلك اختلف مشائخنا ﵏، منهم من قال في هذه الآيات: إنها متشابهة يعتقد فيها أن لا وجه لإجرائها على ظواهرها، ونؤمن بتنزيلها ولا نشتغل بتأويلها ونعتقد أن ما أراد الله بها حق .. " (٤). ٤ - قال نور الدين الصابوني وحافظ الدين النسفي واللفظ الأول: "لأهل السنة فيها - أي في نصوص الصفات - طريقان: أحدهما: قبولها: وتصديقها، وتفويض تأويلها إلى الله مع تنزيهه عما يوجب التشبيه، وهو طريق سلفنا الصالح.

стр. 887

والثاني: قبولها والبحث عن تأويلها على وجه يليق بذات الله تعالى موافقاً لاستعمال أهل اللسان من غير قطع بكونه مراد الله تعالى" (١).٥ - وقال التفتازاني بعد ما ذكر عدة آيات الصفات: "والجواب أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية فيقطع بأنها ليست على ظاهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله تعالى مع اعتقاد حقيقتها جرياً على الطريق الأسلم ... أو تؤول تأويلات مناسبة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفاسير وشرح الأحاديث سلوكاً للطريق الأحكم" (٢).٦ - وقال الإمام ابن الهمام: "إنها من المتشابهات، وحكم المتشابه القطاع رجاء المراد منه في هذه الدار" (٣).٧ - وقال الشيخ قاسم بن قطلوبغا: "وقال سلفنا في جملة المتشابه: نؤمن به، ونفوض تأويله إلى الله مع تنزيهه عما يوجب التشبيه والحدوث بشرط أن لا يذكر إلا ما في القرآن والحديث، فلا نقول: الاستواء صفة، ... أجمع السلف على أن لا يزيدوا على تلاوة الآية ... ، ولا يبدلوا لفظة: "على" بلفظة: "فوق" ونحو ذلك" (٤).٨ - وقال الملا علي القاري: "ومذهب الخلف جواز تأويل الاستواء بالاستيلاء ومختار السلف عدم التأويل، بل اعتقاد التنزيل مع وصف التنزيه له سبحانه عما يوجب التشبيه، وتفويض الأمر إلى الله، وعلمه في المراد به كما قال الإمام مالك .. ، واختاره إمامنا الأعظم، وكذا كل ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهات ... " (٥).٩ - وقال: "فالتفويض إلى الله، والاعتقاد بحقيقة مراد الله من غير أن يعرف مراده من كمال العبودية في العبد فلذا اختاره السلف" (٦).١٠ - وقال المرعشي: "والأولى اتباع السلف في الإيمان بهذه الأشياء ورد علمها إلى الله تعالى ... وحاصل الرد إليه تعالى التوقف عن الحكم بأنها صفات زائدة على الذات غير الصفات المذكورة، أو مؤولة بما ذكروه" (٧).١١ - وذكر الكوثري: " .. ولا كيف ولا معنى" (٨).١٢ - قال: "مراد من يقول من أهل السنة بإجراء أخبار الصفات على ظاهرها - حيث يرد إجراء اللفظ المستفيض عن النبي ﷺ في صفات الله على اللسان كما ورد مع التفويض أو التأويل - على ما سبق" (٩).١٣ - وذكر: " .. تفسيره قراءته بلا كيف ولا معنى" (١٠).١٤ - الحاصل: أن معنى التفويض عند الماتريدية تفويض معاني الصفات ونصوصها وتفويض كيفيتها جميعاً إلى الله تعالى، وعدم العلم بالمعنى والكيف وعدم إثبات ما تدل عليه نصوص الصفات فهم معطّلة مجهّلة للسلف، جاهلة ولذلك يجعلون نصوص الصفات من قبيل المتشابهات (١١).مع أنه أجاد وأفاد في بيان مذهب السلف، وحقق أن مذهبهم هو الإثبات لا التفويض، وصرح بأن التفويض بمثابة انسحاب من المشكلة أساساً، فلا يقول بإثبات ولا بنفي، وأن التفويض أن تقول: أفوض علم ذلك إلى الله (١٢). المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٢/ ١٢٦

стр. 888

المطلب الثالث: في إبطال التفويض لقد سبق .... أن بينا الفرق بين التفويض السلفي الحق وبين التفويض الكلامي الخلفي الباطل المتقول على السلف. ولما كان نسبة هذا التفويض الباطل إلى السلف بالغ التقول اقتضى ذلك أن نذكر وجوهاً تتضمن براهين قاطعة وحججاً ساطعة على إبطال ذلك التفويض وبطلان نسبته إلى السلف الصالح، فأقول وبالله التوفيق: الوجه الأول: أن القول بهذا التفويض المطلق - التفويض في المعنى والكيف جميعاً - يستلزم الجهل بالله تعالى، وصفاته العلا. كما يستلزم الجهل بمذهب السلف، والتقول عليهم. ويستلزم أيضاً تجهيل السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة هذا الدين - بالله تعالى وصفاته الكمالية كما يستلزم استبلادهم، وأنهم كانوا يتلون كتاب الله ويقرؤون أحاديث رسول الله ﷺ ولا يفهمون معاني ذلك. ويستلزم تفضيل الخلف أهل الكلام والبدع على خيار هذه الأمة بحجة أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم، وغيرها من اللوازم الفاسدة. وكل من هذه اللوازم في غاية الفساد والبطلان فالملزوم مثلها وفيها يلي نصوص بعض الأئمة لبيان فساد القول بالتفويض ونسبته إلى السلف: ١ - قال شيخ الإسلام: "ولا يجوز أن يكون الخالفون أعلم من السالفين - كما يقول بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله، ورسوله، والمؤمنين به حقيقة المعرفة: من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم ... فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم - على طريقة السلف- إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن؛ إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن؛ والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين ... ، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالات التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف. وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين. فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان لابد للنصوص من معنى - بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى - وهي التي يسمونها طريقة السلف - أو بين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف - وهي التي يسمونها طريقة الخلف. فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات، وهي شبهات. والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه. فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين - كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين، واستبلادهم، واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي. وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله. ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخرون - لاسيما والإشارة بالخلف إلى ضرب المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ من معرفة الله حجابهم". ثم ذلك أمثلةً لحيرتهم وشكوكهم واضطرابهم وندامتهم على لسانهم ثم قال: "كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفصولون المسبوقون الحيارى المتهوكون - أعلم بالله وأسمائه وصفاته؟؟.

стр. 889

وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى. الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا. الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم. وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيى من يطلب المقابلة. ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة - لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته - من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟؟.أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة، وأتباع الهند، واليونان وورثة المجوس، والمشركين، وضلال اليهود، والنصارى، والصابئين وأشكالهم وأشباههم - أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟؟!! " (١). ٢ - وقال شيخ الإسلام أيضاً: "فإن معرفة مراد الرسول، ومراد الصحابة هو أصل العلم، وينبوع الهدى. وإلا فكثير ممن يذكر مذهب السلف، ويحكيه لايكون له خبرة بشيء من هذا الباب. كما يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفا، وأحاديثها أنه لا يفهم أحد معانيها، لا الرسول، ولا غيره ... ؛فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآناً لا يفهم معناه. بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها. وأن جبريل كذلك، وأن الصحابة والتابعين كذلك، وهذا ضلال عظيم، وهو أحد أنواع الضلال، ظن أهل التخييل، وظن أهل التحريف، والتبديل، وظن أهل التجهيل" (٢). ٣ - وقال: أما المنحرفون عن طريقهم - (أي السلف) - فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل". ثم فصل القول في الرد على أهل التخييل والتأويل ثم قال:"وأما الصنف الثالث - وهم أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف، يقولون: إن الرسول ﷺ لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك، كذلك قولهم من أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله. مع أن الرسول تكلم بها ابتداء، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه" (٣).٤ - وقال أيضاً: "والمقصود هنا التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ ، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعنى القرآن الذي نزل إليه، ولا جبريل - جعله غير عالم بالسمعيات، ولم يجعل القرآن هدى، ولا بياناً للناس ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول، وأمته في باب معرفة الله لا علوماً عقلية ولا سمعية، وهم شاركوا الملاحدة في هذه من وجوه متعددة، وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول ﷺ ، وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف، والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة (٤). ٥ - وقال الإمام ابن القيم:

стр. 890

"والصنف الثالث: أصحاب التجهيل: الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا ندري ما أراد الله ورسوله، منها، ولكن نقرؤها ألفاظاً لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلاً لا يعلمه إلا الله، وهي عندنا بمنزلة كهيعص [مريم:١] وحم عسق [الشورى: ١ - ٢]. وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات .. وبنوا هذا المذهب على أصلين: أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه. والثاني: أن للمتشابه تأويلاً لا يعلمه إلا الله. فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، والتابعين لهم بإحسان ... ؛ ولازم قولهم أن الرسول كان يتكلم بذلك، ولا يعلم معناه. ثم تناقضوا أقبح التناقض فقالوا: تجرى على ظواهرها، وتأويلها مما يخالف الظواهر باطل، ومع ذلك فلها تأويل لا يعلمها إلا الله ... ؛ وهؤلاء غلطوا في المتشابه، وفي جعل هذه النصوص من المتشابه، وفي كون المتشابه لا يعلم معناه إلا الله. فأخطأوا في المقدمات الثلاث، واضطرهم إلى هذا التخلص من تأويلات المبطلين، وتحريفات المعطلين، وسدوا على نفوسهم الباب، وقالوا: لا نرضى بالخطأ، ولا وصول لنا إلى الصواب. فهؤلاء تركوا التدبر المأمور به والتذكر، والعقل لمعاني النصوص الذي هو أساس الإيمان، وعمود اليقين. وأعرضوا عنه بقلوبهم، وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك، وظنوا أنها أنزلت للتلاوة، والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها، والتفكر فيها (١).٦ - وللإمام ابن القيم كلام مهم آخر غالبه سبق في كلام شيخ الإسلام (٢). ٧ - وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي (٧٩٢) هـ:"فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاماً لا يعلم معناه، جميع الأمة، ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لاحظ لهم في معرفة معناه سوى قولهم: مَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:٧] وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك" (٣). ٨ - وقال الحافظ ابن حجر عن بعض أهل العلم: (قول من قال: "طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم" ليس بمستقيم، لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات. فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقاً بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمنعه القطع بصحة تأويله) (٤). ٩ - وقال ابن عربي المعروف عند أهل الخرافة بالشيخ الأكبر، وخاتم الأولياء (٦٣٨هـ) وهو في الحقيقة "الشيخ الأكفر" والكذوب قد يصدق: "وقسم آخر: قال: نؤمن بهذا اللفظ كما جاء من غير أن نعقل له معنى حتى نكون في هذا الإيمان به في حكم من لم يسمع، ونبقى على ما أعطانا دليل العقل من إحالة مفهوم هذا الظاهر من هذا القول. فهذا القسم متحكم أيضاً بحسن عبارة، وأنه رد على الله بحسن عبارة، فإنهم جعلوا نفوسهم في حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب. وقسم آخر: قالوا: نؤمن بهذا اللفظ على حد علم الله فيه، وعلم رسوله ﷺ .

стр. 891

فهؤلاء قد قالوا: إن الله خاطبنا عبثاً، لأنه خاطبنا بما لا نفهم، والله يقول: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:٤].وقد جاء بهذا، فقد أبان كما قال الله، لكن أبى هؤلاء أن يكون ذلك بياناً" (١).١٠ - قلت: نقله الشعراني، وأقره (٢) وهو خرافي فلا يصدق. وفي كلام هذين الرجلين عبرة للمتكلمة المتصوفة.١١ - وصرح العلامة المقبلي أن السلف لم يكونوا مفوضة، والتفويض جهل بالمعنى. وهو أخو التأويل فالمفوض متأول لا مسلِّم (٣). ١٢ - ١٣ - وقال العلامة المحمود الألوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) وابنه السيد نعمان الألوسي (١٣١٧هـ): "قيل: إن السلف بعد نفي ما يتوهم من التشبيه يقولون: لا ندري ما معنى ذلك؟ والله أعلم بمراده. واعترض بأن الآيات والأخبار المشتملة على ذلك كثيرة جداً ويبعد غاية البعد أن يخاطب الله تعالى، ورسوله ﷺ العباد فيما يرجع إلى الاعتقاد بما لا يدرى معناه ... " (٤). الحاصل: أن القول بالتفويض المطلق - أي تفويض المعنى، والكيف جميعاً - قول في غاية الفساد والبطلان، وموقف بالغ الضلال والبهتان لاستلزامه ما يلي: ١ - الجهل بالله تعالى وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا. ٢ - ٣ الجهل بمذهب السلف، والتقول الفاحش عليهم. ٤ - تجهيل السلف من الصحابة والتابعين، بل تجهيل رسول الله ﷺ . ٥ - استبلاد السلف وأنهم كانوا يقرؤون نصوص الصفات بدون فهم معناها. ٦ - تفضيل الخلف الحيارى المتهوكين على السلف الذين هم أعلم الناس بصفات ربهم بعد الأنبياء ﵈. ٧ - ٨ - أن القرآن لم يكن هدى وشفاء وبياناً، وأن الله خاطب الناس بكلام لا يفهمون معناه، إلا غير ذلك من اللوازم الفاسدة. الوجه الثاني: أن القرآن لا يمكن أن يوصف بكونه هدى وشفاء ونوراً إلا إذا كان مفهوم المراد ويكون في غاية من الوضوح والبيان. ولذلك وصف الله تعالى كتابه بأنه مبين. ووصفه بأنه بيان، وأنه تبينا، ووصف آياته بأنها بينات، ووصفها بأنها مبينات، ووصف كتابه بأنه على لسان عربي مبين. وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:٤]. وقال: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:٤٤] وأمر عباده بالتدبر في القرآن وآياته. فكيف يعقل بعد هذا أن آيات الصفات مع تلك الكثرة الكاثرة والأهمية لا يعلم المراد منها، ولا يعرف معانيها، وأن السلف كانوا يتلونها بدون معرفة المراد؟. الحاصل: أن الذي يدعي التفويض في المعنى، ويتقوله على السلف - فهو في الحقيقة مع جهله وتجهيله للسلف لم يجعل القرآن بياناً،، ولا هدى وفرقانا،، كما صرح به شيخ الإسلام،، وأشار إليه ابن القيم الإمام،، الوجه الثالث: أن نقول: مما لا ريب فيه أن السلف تعرضوا لتفسير نصوص الصفات فتفسيرهم لها فرع معرفتهم لمعانيها، لأن تفسير الشيء فرع العلم به فإذا لا يعرف الإنسان شيئاً ما كيف يفسره؟! لأن الحكم على الشيء فرع لتصوره. فتفسير السلف لنصوص الصفات يبطل التفويض كما يبطل تقوله عليهم وأنهم براء من هذا التفويض الباطل المنقول.

стр. 892

والذي لم يتعرضوا لتفسيره هو كيفية الصفات، أما معانيها فقد فسروها ووضحوا المراد منها، وفيما يلي بعض نصوص السلف:١ - هذا مجاهد - وهو إمام التفسير بعد الصحابة - قال: في تفسير "استوى": (على العرش) (١).٢ - وهذا أبو العالية. قال: في تفسير اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة:٢٩] (ارتفع) (٢).٣ - وهكذا فسر الربيع بن أنس قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة:٢٩] (٣).٤ - وقال أبو عبيدة معمر بن المثني (٢١٠هـ) في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [يونس:٣]: ظهر على العرش وعلا عليه" (٤).٥ - والإمام البخاري استدل بقول مجاهد، وأبي العالية في تفسير لفظ "استوى" على أن المراد: علا وارتفع (٥).٦ - وبهذا فسره ابن قتيبة أديب أهل السنة (٢٧٦هـ) (٦).٧ - وقال ابن جرير إمام مفسري أهل السنة: "وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: "ثم استوى إلى السماء فسواهن" علا عليهن وارتفع .. " (٧).٨ - ومشى على هذا حافظ المغرب ابن عبدالبر (٤٦٣هـ) (٨).٩ - وقال البغوي (٥١٦هـ) "قال ابن عباس، وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء .. " (٩). ١٠ - قال شيخ الإسلام:"ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال: هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآنِ آياتٍ لا يعلم معناها رسول الله ﷺ ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك من بعض الناس، وهذا لا ريب فيه" (١٠). ١١ - وقال: "وأيضاً فالسلف من الصحابة والتابعين، وسائر الأمة قد تكلموا في جميع النصوص - آيات الصفات، وغيرها- وفسروها بما يوافق دلالتها ورووا عن النبي ﷺ أحاديث كثيرةً توافق القرآن والحديث، وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم، مثل عبدالله ابن مسعود - الذي كان يقول: "لو أَعْلَمُ أَعْلَمَ بكتاب الله مني تبلغه آباط الإبل أتيته" - وعبدالله بن عباس- الذي دعا له النبي ﷺ ، وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن-. كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة والتابعين إثباتاً للصفات، ورواية لها عن النبي ﷺ .

стр. 893

ومن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا. وما في التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين ... ؛ ولو كان معنى هذه الآيات منفياً، ومسكوتاً عنه لم يكن ربانيو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاماً فيه، ثم إن الصحابة نقلوا عن النبي ﷺ : أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة. ولم يذكر أحد منهم أنه امتنع من تفسير آية. قال أبو عبدالرحمن السلمي: "حدثنا الذين كانوا يقرؤننا - عثمان ابن عفان، وعبدالله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل". وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا شيئاً من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيف". ثم ذكر مقالة الإمامين ربيعة ومالك، المعروف وشرحها شرحاً وافياً ثم قال:"ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعضهم: "ارتفع على العرش: علا على العرش"، وقال بعضهم عبارات أخرى، وهذه ثابتة عن السلف، قد ذكر البخاري في "صحيحه" في آخر كتاب الرد على الجهمية" (١). ١٢ - ١٤ وقال العلامة محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) وابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ): وحفيده شكري:" ... وأيضاً قد ورد في الأخبار ما يدل على فهم المخاطب المنى ... ، ... وقد صح عن بعض السلف أنهم فسروا ففي صحيح البخاري: قال مجاهد: "استوى على العرش" "علا على العرش"، وقال أبو العالية: "استوى على العرش" "ارتفع" (٢). قلت: الحاصل: أن السلف كانوا يعرفون معاني صفات الله تعالى والمراد من نصوصها، ولذلك فسروها كتفسيرهم لبقية النصوص غير أنهم كانوا يفوضون علم كيفيتها إلى الله تعالى. وهذا دليل قاطع على إبطال التفويض المتقول على السلف، وأنهم لم يكونوا مفوضة، بل كانوا مثبتين للصفات بلا تكييف ولا تمثيل ومنزهين لله تعالى عن كل عيب ونقص بلا تحريف ولا تعطيل. ويزيده إيضاحاً وتحقيقاً ما في الوجه الآتي. الوجه الرابع: أن السلف كانوا يميزون بين صفة وصفة وكانوا يصرحون بأن هذه الصفة غير تلك الصفة، وليست عينها، ولا يجوزون تفسير أحداها، بالأخرى. فلو كانوا لا يعرفون معانيها كيف يميزون بين صفة وأخرى؟؟ فهذا من الحجج الدامغة على أنهم كانوا على حظ عظيمٍ وافر من العلم بها مع تفويضهم علم كيفيتها إلى الله تعالى. وأذكر لذلك مثالين على لسان الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى لتكون فيهما عبرة للحنفية الماتريدية الذين ادعوا التفويض ونسبوه إلى السلف. الأول: ما قاله الإمام أبو حنيفة: " ... ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف .. " (٣).الثاني: ما قال: "وغضبه، ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه، ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه" (٤).

стр. 894

قلت: هذان مثلان واضحان ونصان صريحان في عدم جواز تفسير صفة بأخرى، وأن ذلك مذهب المعتزلة، وليس من مذهب أهل السنة في شيء وأنه يجب وصف الله بما وصف به نفسه بلا كيف، وكما أن معنى "القدرة" معروف كذلك معنى "اليد" معروف وهكذا معنى "الغضب" ومعنى "الرضا" معروفان وهما من صفات الله بلا كيف. وهو قول أهل السنة، فبطل التفويض المفتعل المتقول على السلف. قال شيخ الإسلام: "والله أخبرنا: أنه عليم قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته. فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم، والقدرة، وبين الرحمة، والسمع، والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله مع تنوع معانيها. فهي متفقة متواطئة من حيث الذات متباينة من جهة الصفات".ثم أورد أمثلة متعددة لإيضاح هذا المطلب، كأسماء النبي ﷺ ، وأسماء القرآن والسيف،، وحقق أن هذه الأسماء مع تعددها تدل على ذات واحدة من اختلاف معانيها (١).وقال: " ... فإنا نفهم من قوله: إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:٧٥] معنى ونفهم من قوله: إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:٦٥] معنى ليس هو الأول، ونفهم من قوله: إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:٤٧] معنى، وصبيان المسلمين بل وكل عاقل يفهم هذا" (٢). الوجه الخامس: أنه من الواقع المحسوس أن الناس إذا سمعوا كلاماً ولا يفهمون معناه، يبادرون إلى السؤال عن معناه ومراد المتكلم ليفهموا معناه ويعرفوا المراد منه، والنفوس تحرص على هذا والقلوب تتطلع إلى المعرفة والإطلاع إلى العلوم، ولاسيما إذا كان الكلام بين الأستاذ وتلامذته، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة ﵃ أحرص الناس على حصول الخير والإطلاع على العلوم النافعة التي تتصل بصميم دينهم. وباب الأسماء الحسنى والصفات العلا من أعظم المعارف الإسلامية وكان الصحابة أحرص الناس على الاستفادة من رسول الله ﷺ ، وكانوا يسألونه في أمور جليلها ودقيقها - وكانا خير تلامذة وأصحاب لخير معلم ومرشد - إذا أشكل عليهم شيء في أمر الدين أو صعب عليهم فهم نص من نصوص الوحي. ومع ذلك لم يثبت عنهم أنهم شكُّوا في صفات الله تعالى أو سألوا رسول الله ﷺ لفهم معناها. بل كانوا يتلقون كتاب الله تعالى وأحاديث رسول الله ﷺ بما فيهما نصوص الصفات مع تلك الكثرة الكاثرة. فهل يَتَصوَّرُ من له أدنى مسكةٍ من عقلٍ صحيحٍ أنهم يتلونها ويرددونها بدون فهم معانيها ومعرفة المراد منها - طيلة حياتهم - ولم يسألوا رسول الله ﷺ ؟؟. فهذا من البراهين الواضحة على أنهم لم يكونوا مفوضة بالمعنى الذي يعنيه الماتريدية، ولم يكونوا جاهلين بالله وبصفاته تعالى إلى الحد الذي زعمه أهل الكلام عليهم وقولهم التفويض الذي هم منه براء. بل نقول جزماً لا يحتمل النقيض: أنهم لو لم يفهموا معانيها لبادروا إلى السؤال عنها، ولسابقوا إلى الإطلاع على المراد منها. نعم قد ورد أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن رؤية الله تعالى، فعن أبي هريرة: ((أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة ... )) الحديث. وعن أبي سعيد الخدري مثله. فمثل هذين الحديثين يدلنا دلالة قاطعة على أنهم كانوا يعرفون معاني صفات الله تعالى، ويفهمون المراد من نصوصها، وإلا لبادروا إلى السؤال عنها ليعرفوا المراد كما فعلوا في مسألة الرؤية.

стр. 895

الحاصل: أن سؤال الصحابة وعدم سؤالهم في باب الصفات كلاهما دليل قاطع على أنهم كانوا يعرفون معانيها ويفهمون المراد منها. وهكذا نرى الصحابة اختلفوا في باب الأحكام ولم يختلفوا قطعاً في باب الصفات قط. ويزيد هذا المطلب إيضاحاً كلام الإمام المقريزي حيث يقول: "اعلم أن الله تعالى لما بعث العرب نبيه محمداً ﷺ رسولاً إلى الناس جميعاً وصف لهم ربهم بما وصف به نفسه الكريم في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه ﷺ الروح الأمين وبما أوحى إليه ربه تعالى. فلم يسأله ﷺ أحد من العرب بأسرهم قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك كما كانوا يسألونه ﷺ عن الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر ونهي، وكما سألوه ﷺ ، عن أحوال القيامة والجنة والنار إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه ﷺ في أحكام الحلال والحرام وفي الترغيب والترهيب وأحوال القيامة. والملاحم والفتن ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها. ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم: أنه سأل رسول الله ﷺ ، عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد ﷺ بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات نعم ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقاً واحداً وهكذا أثبتوا ﵃ ما أطلقه الله سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين فأثبتوا ﵃ بلا تشبيه ونزهوا من غير تعطيل ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت. ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوة محمد ﷺ سوى كتاب الله ولا عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة فمضى عصر الصحابة ﵃ على هذا ... " (١).قلت: للإمام ابن القيم أيضاً كلام قيم في هذا الصدد فراجعه (٢). ولنعلم ما قيل: وهذا الحق بس به خفاء ... فدعنى من بُنّيَّاتِ الطريق قلت: هذه حقيقة واقعة اعترف بها تقي الدين على بن عبدالكافي السبكي (٧٥٦هـ) حيث قال: " ... وقد فهمها الصحابة، ولذلك لم يسألوا عنها النبي ﷺ ، لأنها كانت معقولة عنهم بوضع اللسان، وقرائن الأحوال، وسياق الكلام، وسبب النزول.

стр. 896

ومضت الأعصار الثلاثة التي هي خيار القرون على ذلك. حتى حدثت البدع والأهواء ... " (١).قلت: السبكي من أئمة الكوثري في المباحث الكلامية وعداء شيخ الإسلام وابن القيم ولذلك نرى الكوثري يبجله غاية التبجيل (٢). وقد سكت الكوثري على قوله هذا، فيكون حجة عليه في باب التفويض. وهذا الذي ذكرنا من عدم سؤال الصحابة وعدم استشكالهم في باب الصفات. من ناحية؛ ومن ناحية أخرى. أن الكفار بأصنافهم كانوا ألد أعداء الإسلام، وكانوا يترصدون الفرصة - بين حين وآخر - للطعن في القرآن والإسلام والرسول ﷺ والمؤمنين. وقد عارضوا رسول الله ﷺ في كثير من المواطن طعناً في القرآن والإسلام (٣). فلو كانت نصوص الصفات لا تعلم معانيها، ولا يعرف المراد منها، ولا كانوا يعرفوها، لبادروا إلى الطعن في القرآن، ولكان ذلك فرصة سعيدة لأعداء الإسلام، كما سيأتي في الوجه السابع. الوجه السادس: أن دعوى التفويض المطلق وتقوله على السلف الصالح دعوى باطلة يكذبها واقع نصوص السلف. فإن نصوص السلف قد تواترت في إثبات الصفات بلا تكييف ولا تمثيل مع تنزيه الله تعالى بلا تحريف ولا تعطيل؛ وكلامهم في ذلك إما نص وإما ظاهر، وهذه كتب أئمة السنة تفوح بأقوال السلف وحصر أقوالهم خارج عن نطاق طاقة البشر. ولكن أكتفي بأمثلة عديدة من أقوالهم تبين أن مذهبهم إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، وأنهم كانوا يعرفون معاني الصفات ويفهمون المراد من نصوصها وتفويضهم في الكيف أما نسبة التفويض المطلق إليهم - فافتراء قيبح،، وبهت صريح،، وكذب شنيع،، وتقول فظيع،، عليهم: ١ - قال الإمام ربيعة بن أبي عبدالرحمن المعروف بربيعة الرأي (١٣٦هـ) شيخ الإمام مالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول .. ". ٢ - ومثله كلام الإمام مالكٍ رحمهما الله تعالى. وقال مالك (١٧٩هـ) أيضاً: "الله في السماء وعلمه في كل مكان ... ". قلت: هذه المقالة الرَّبَعية والمالكية - التي سارت مسيرة الأمثال، وسارت بها الركبان - هي منهج كل مسلم سني سلفي، وهي تمثل مذهب السلف قديماً وحديثاً، وبهذا المهيع المستقيم السوي الوسط نجاة من ديجور التعطيل وفجور التمثيل. وهي رد صريح على مزاعم أهل الجهل والتجهيل والتفويض، والتأويل؛ فإنهما قد صرحا بأن الاستواء معلوم، وإنما المجهول هو كيفيته. ٣ - قال شيخ الإسلام: " ... وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا شيئاً من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيف. كقول مالك ... "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" ... وكذلك ربيعة قبله. وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس أحد من أهل السنة ينكره، وقد بين: أن الاستواء معلوم، كما أن سائر ما أخبر به معلوم، ولكن الكيفية لا تعلم، ولا يجوز السؤال عنها، لا يقال: كيف استوى ... ؛ فإن قيل: معنى قوله: "الاستواء معلوم" أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم ... ؛ قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية. وأيضاً فلم يقل ذكر الاستواء في القرآن، ولا إخبار الله بالاستواء، وإنما قال: "الاستواء معلوم فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، ولم يخبر عن الجملة. وأيضاً فإنه قال: "والكيف مجهول" ولو أراد ذلك يقال: معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء.

стр. 897

وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه. لو قال في قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:٤٦]: كيف يسمع، وكيف يرى؟. لقلنا: السمع، والرؤيا معلوم، والكيف مجهول. ولو قال: كيف كلم موسى تكليماً؟ لقلنا: التكليم معلوم، والكيف غير معلوم" (١). قلت: هذا الذي حققه شيخ الإسلام في تفسير المقالة الرَّبَعِيَّة والمالكية حقيقة واقعة، وقد اعترف بها أبو بكر بن العربي (٥٤٣هـ) فقال:٤ - "ومذهب مالك ﵀: أن كل حديث منها معلوم المعنى، ولذلك قال للذي سأله: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة ... " (٢).وابن العربي هذا من أئمة الكوثري في المباحث الكلامية ولذا - يثني عليه ثناء عاطراً (٣) فكلامه حجة عليه خاصة وعلى الماتريدية عامة. والعجب من العلامة ملا علي القاري حيث حمل كلام الإمام مالك هذا على التفويض المطلق الباطل فقال: مذهب السلف عدم التأويل، وتفويض الأمر إلى الله وعلمه في المراد به، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول، واختاره إمامنا الأعظم (٤). مع أن كلام الإمام مالك صريح في كون المعنى معلوماً، وإنما المجهول هو الكيف فهو يفوض في الكيف دون المعنى فبطل زعم الماتريدية. ٥ - وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: "من قال: لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض - فقد كفر، قال الله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]. فإن قال: أقول بهذه الآية ولكن لا أدرى أين العرش؟ في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر أيضاً. ونذكره من أعلى لا من أسفل، لأن الأسفل ليس من الربوبية والألوهية في شيء ... " (٥). ثم ذكر حديث الجارية مستدلاً به على علو الله تعالى. قلت: أي عقل يحمل هذا النص الواضح على التفويض المفتعل الباطل مع أن الإمام أبا حنيفة يكفر من قال: لا أعرف الله هل في السماء أم في الأرض؟ بل يكفر من قال: لا أدري أين العرش مع اعتقاده أن الله على العرش. ثم ذكر الإمام أبو حنيفة ثلاثة دلائل على إثبات علو الله تعالى: الأول: الدليل الفطري: وهو أن الله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل فالقلوب مفطورة بالتضرع إليه تعالى وأنه فوق العالم، وترفع الأيدي إليه على أنه فوق عباده. والثاني: الدليل العقلي: وهو أن الأسفل ليس وصف الربوبية والألوهية فمقتضى كونه تعالى رباً وإلهاً أنه فوق خلقه أجمعين. والثالث: الدليل النقلي: وهو قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وحديث الجارية، وفيه قول النبي ﷺ : ((أين الله)) وجواب الجارية: ((في السماء)) (٦).ومع ذلك كله نرى الماتريدية ينسبون التفويض المفتعل المتقول الباطل إلى الإمام أبي حنيفة رحمة الله تعالى (٧). مع أنه من أهل الإثبات، وكلامه صريح في هذا غاية الصراحة وحمله على التفويض المطلق الباطل تحريف محض. نعم أبو حنيفة الإمام كبقية أئمة الإسلام يفوض في الكيف (٨).

стр. 898

فاكتفاء الإمام بالتفويض في الكيف دليل قاطع على أنه لم يفوض في المعنى وهذا برهان قاطع على أن الماتريدية لم يعرفوا مذهب إمامهم؛ وثبت أن مذهبه إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، وتفويض الكيف.٦ - كلام الإمام عبدالله بن المبارك (١٨١ هـ) الذي عده الحنفية ومنهم الكوثري في زمرة كبار أئمة الحنفية (١) فرية بلا مرية. قال علي بن الحسن بن شقيق (٢١٥هـ). "سألت عبدالله بن المبارك: كيف ينبغي أن نعرف ربنا ؟ قال: "على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه ها هنا في الأرض". قلت: ليتدبر كل عاقل طالب الحق رباني القلب في نص هذا الإمام العظيم، هل هو يثبت علو الله على عرشه، وفوقيته على خلقه؟. أم يفوض في معنى العلو وكيفيته؟ بلى احتج هذا الإمام العظيم بعلو الله تعالى على عرشه على معرفته تعالى فهل يكون هذا من المفوضة؟ فاعتبروا يا أولى الأبصار. ٧ - وقال الإمام عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (١٥٧ هـ) وهو يحكي إجماع السلف على إثبات فوقية الله تعالى على خلقه وعلوه على عرشه - خاصة وجميع الصفات عامة-: "كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت السنة بما من صفاته جل وعلا". الحاصل: أن نصوص أئمة السنة دالة - إما نصاً وإما ظاهراً - على أنهم كانوا يعرفون معاني الصفات ويفهمون المراد من نصوصها غير أنهم كانوا يفوضون في الكيف فقط دون المعنى؛ فنسبة التفويض المطلق الباطل إليهم تقول قبيح وكذب صريح، وبهت شنيع، وافتراء فظيع وضلال وإضلال. وفي ذلك عبرة للماتريدية،، ولاسيما الفنجفيرية،،الذين ينسبون التفويض إلى السلف كذباً وزوراً (٢). الوجه السابع: أنه من المعلوم علماً اضطرارياً أن المشركين واليهود والنصارى وغيرهم من الكفرة كانوا ألد أعداء الإسلام ورسول الله ﷺ وعامة المسلمين. وكانوا يترصدون الفرص للقدح في الإسلام بكل وسيلة ممكنة لهم. ومن المعلوم بلا ارتياب أنهم لم يقدحوا في نصوص الصفات، ولا قالوا: إن هذا الرجل - رسول الله ﷺ وأتباعه - الصحابة ﵃ يتكلمون بكلام لا يفهم معناه. فلو كانت نصوص الصفات لا يعلم المراد منها، وأن الصفات لا تُعرف معانيها، وأن الصحابة لا يعرفون لك - لبادر هؤلاء الكفار إلى الطعن في الإسلام وسارعوا إلى القدح في القرآن والمسلمين من هذا الباب فدل ذلك دلالة قاطعة على أن هؤلاء الكفار لم يكونوا مفوضين على الإطلاق فضلاً عن المسلمين أصحاب رسول الله ﷺ . ومن المعلوم أيضاً أن المسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ ينقدون الكفار وآلهتهم بأنها لا تتصف بصفات الألوهية الكمالية، من السمع والبصر، والقدرة، والعلم، والكلام، ونحوها، والتكليم، بل هي متصفة بصفات النقص فلا تستحق الألوهية بخلاف رب العالمين إله الحق فإنه متصف بصفات الكمال فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. ولم يكن المشركون يعارضون المسلمين في هذا قط؛ كما عارضوهم في مسائل أخرى (٣): فلم ينفوا عن الله تعالى صفاته الكمالية، وكانوا معترفين بذلك، اللهم إلا من عاند منهم وأكره نفسه على مخالفة الفطرة وما هو مركوز في القلوب.

стр. 899

فهذا يدل دلالة قاطعة على أنهم لم يكونوا مفوضةً، فضلاً عن أن يكون رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ مفوضةً جاهلين بالله وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا. ولهذا قال الله تعالى: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:٦٠] قال شيخ الإسلام: "وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص في الكتب الإلهية، أكثر وأعظم من نصوص المعاد. ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول ﷺ ، وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم يكن العرب تنكر. فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد. فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وأن ما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟ " (١). وقال الإمام السهيلي (٥٨١هـ): "فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة لا يفهم معناه. قلنا: ليس الأمر كذلك بل كان معناها مفهوماً عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم. ولذلك لم يستفت واحد من المؤمنين عن معناها، ولا خاف على نفسه وتوهم التشبيه، ولا احتاج إلى شرح وتنبيه؛ وكذلك الكفار لو كانت عندهم لا تعقل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض، واحتجوا بها على الرسول ﷺ . ولقالوا له: زعمت: أن الله ليس كمثله شيء، ثم تخبر أن له يداً كأيدينا وعيناً كأعيننا. ولم ينقل ذلك عن مؤمن، ولا كافر علم أن الأمر كان فيها عندهم جلياً لا خفياً .. " (٢).ولشيخ الإسلام كلام مهم في هذا الصدد أيضاً فراجعه (٣). تنبيه: لقد جمع العلامة عبدالسلام أحد كبراء الفنجفيرية عدة نصوص لبيان مذهب السلف؛ فاختلط عليه الحابل بالنابل، وخلط علماً صالحاً وآخر سيئاً؛ عيسى الله أن يتوب علينا وعليه؛ حيث ذكر عن السيوطي: أن مذهب السلف تفويض معناها المراد إلى الله مع تنزيهه عن حقيقتها (٤). قلت: كلامه متناقض لأنه ذكر نصوصاً قبله وبعده تناقضه؛ وباطل أيضاً بهذه الوجوه السابقة واللاحقة. وهذا برهان إنَّيٌّ على أنه لم يعرف التوحيد ومذهب السلف،، فلذا وقع في طامات الماتريدية الخلف،، وهذا الجهل المطبق برهان لِمِّىٌّ على وقوعه في التفويض الواضح،، والتناقص الفاضح،، الوجه الثامن: أن التفويض المطلق المفتعل المصنوع على السلف أخو التأويل الذي يتضمن تعطيل الصفات وتحريف نصوصها كما سيأتي تحقيقه. فكذلك التفويض يتضمن التعطيل غير أن التأويل يتضمن التحريف أيضاً. فالتفويض والتأويل مشتركان في تضمنهما للتعطيل، لأن المفوض لا يثبت لله الصفات بل ينفيها؛ لأنه يقول: ظاهر نصوص الصفات غير مراد فهو ينفي العلو، والاستواء والنزول واليدين، والغضب والرضا ونحوها من صفات الله؛ ويقول: إن النصوص لا تدل على هذه، وهي غير مرادة منها، وأن المراد غير معلوم فقد وقع المفوض في التعطيل من هذه الجهة من حيث لا يشعر كما وقع في الجهل بصفات الله وتجهيل السلف.

стр. 900

قال العلامة المقبلي: "المذهب الثالث: من يقول ليس المراد هو ظاهر العبارة بحسب ما يفهم من اللغة لكنا جهلنا المعنى المراد، فنمسك عن الفحص عنه كما أمسك السلف. وهذا المذهب في الحقيقة هو الأول - (أي التأويل) - وإن كان أسلم من الذي قبله باعتبار أنه سهل، فهو ليس بمذهب ثالث، لأن صاحبه إنما سكت عن التعيين، وقد حكم بالتأويل في الجملة فهو متأول لا مسلم" (١) يعني أن المفوض نافٍ للصفات. وقال الدكتور محمد خليل هراس ﵀: "فالفرق بين التحريف والتعطيل: أن التعطيل نفي المعنى الحق الذي دل عليه الكتاب السنة، وأما التحريف: فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها. والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق. فإن التعطيل أعم مطلقاً من التحريف، بمعنى أنه كلما وجد التحريف وجد التعطيل دون العكس. وبذلك يوجدان معاً فيمن أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق. ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفى الصفات الواردة في الكتاب والسنة، وزعم أن ظاهرها غير مراد، ولكنه لم يعين لها معنى آخر، وهو ما يسمونه بالتفويض ... " (٢). الحاصل: أن التفويض المطلق الباطل يتضمن التعطيل فهو أخو التأويل. فثبت أن السلف لم يكونوا مفوضة كما لم يكونوا مؤولة معطلة .. بل كانوا مثبتين للصفات بلا تمثيل ومنزهين لله تعالى بلا تعطيل. وبهذا تبين بطلان القول بالتفويض، ونسبته إلى السلف، وبالله التوفيق. تنبيه: لقد تبين بهذا التحقيق الفرق بين التفويضين اللغوي، والكلامي، فالتفويض اللغوي عدم الحكم على الشيء لا نفيا ولا إثباتاً وهو التفويض السلفي بعينه، أما التفويض الكلامي فهو نفي الصفات ثم رد معانيها وكيفيتها إلى الله. الوجه التاسع: أن القول بالتفويض، ونسبته إلى السلف - قول متناقض مضطرب تناقضاً واضحاً، واضطراباً فاضحاً. فإن من أثبت شيئاً من الصفات، وادعى في بقيتها إما التفويض، وإما التأويل - لزمه التفويض أو التأويل فيما أثبته؛ لأنه لو طولب بالفرق بين ما أثبته وبين ما فوض فيه أو أول لم يجد جواباً صحيحاً وفرقاً. فالماتريدية قد أثبتوا لله حياة، وعلماً، وإرادة وسمعاً، وبصراً، فلم يجعلوها متشابهاتٍ، ولم يفوضوا فيها ولم يؤولوها. فهلا جعلوها متشابهاتٍ لا يعلم معناها إلا الله كما جعلوا غيرها متشابهات؟ وهلا فوضوا فيها كما فوضوا في غيرها؟ أو لم لا يؤولونها كما أولوا غيرها؟ وهلا نسبوا التفويض فيها إلى السلف كما نسبوا في غيرها إليهم؟. ولهذا لا يوجد لهؤلاء ولأمثالهم قانونٌ مستقيمٌ. الحاصل: أنه تبين للقراء الكرام بهذه الوجوه التسعة إبطال القول بالتفويض المطلق المختلق ونسبته إلى سلف هذه الأمة بحمد الله تعالى. الجواب عن شبهاتهم التي تعلقوا بها: للماتريدية شبهات في إثبات بدعة التفويض ونسبته إلى السلف أقواها شبهتان: أ- أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. واستدلوا بقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ [آل عمران:٧] على قراءة الوقف على لفظ الجلالة (٣). ب- أن كثيراً من السلف قد صرحوا بأن هذه النصوص لا تفسر، بل تفسيرها تلاوتها، وقالوا: نمرها كما جاءت. وهذا صريح في أنهم كانوا يفوضون في المعنى والكيف جميعاً (٤). أما الشبهة الأولى: فعنها عدة أجوبة نذكر منها ما يلي:

стр. 901

الجواب الأول: أن قياس نصوص الصفات على الحروف المقطعة في أوائل السور باطل، لأن نصوص الصفات من الكلام العربي المبين أسلوباً وتركيباً، ومركبة من جمل تنحل إلى المفردات العربية المعروفة في لغة العرب الواضحة معانيها لكل عربي مدني وقروي وحضري كوضوح ألفاظها، بخلاف تلك الحروف المقطعة في أوائل السور فإنها رموز، حتى صرح الإمام ابن أبي العز بأنها ليست آيات عند جمهور العادّين (١). ولأن المتشابه نوعان: ١ - متشابه في نفسه وأصله الذي استأثر الله بعلم تأويلها كالحروف المقطعة في أوائل السور.٢ - ومتشابه في وصفه وهو متشابه إضافي الذي يعرفه الراسخون (٢).فقياس الثاني على الأول قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق باطل (٣). الجواب الثاني: أننا لا نسلم أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا تُعْلَمُ معانيها، بل هي آيات محكمات واضحات، والقول بأنها متشابهات لا تعلم معانيها - قول مبتدع لا سلف لقائله. وليست مما يندرج تحت قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ [آل عمران:٧]، لأنه لم يقل أحد من السلف أن معاني نصوص الصفات لا يعلمها أحد إلا الله، لا رسوله ﷺ ، ولا صحابته ﵃. فلا يصح استدلالهم بهذه الآية قطعاً، وفيما يلي بعض أقوال الأئمة: ١ - قال الإمام ابن قتيبة (٢٧٦هـ) أديب أهل السنة: "ولسنا ممن يزعم: أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم وهذا غلط من متأوليه على اللغة، والمعنى. ولم ينزل الله شيئاً من القرآن إلا ينفع به عباده، ويدل على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره لزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة. وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله ﷺ لم يكن يعرف المتشابه؟! ". ثم ذكر نصوصاً دالة على أن الصحابة ﵃ أيضاً يعلمون معاني المتشابهات، ثم قال: "ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:٧]- لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين لأنهم جميعاً يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا. وبعدُ: فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن، فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمروه كله على التفسير حتى فسروا "الحروف المقطعة في أوائل السور ... " (٤).٢ - ومثله كلام للإمام القرطبي (٦٧١هـ) (٥).٣ - ومثله كلام الإمام ابن أبي العز الحنفي (٧٩٢هـ) (٦).٤ - والعلامة محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) (٧). ٥ - وقال شيخ الإسلام: "من قال: إن هذا من المتشابه، وأنه لا يفهم معناه. فنقول له: أما الدليل على بطلان ذلك: فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل، ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه.

стр. 902

وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إن الله ينزل كلاماً لا يفهم أحد معناه .. فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يُسكَتُ عن بيانهِ، وتفسيره، بل يُبَيَّنُ باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه، أو إلحاد في أسماء الله وآياته" (١). الجواب الثالث: أن القول بأن نصوص الصفات متشابهات لا تُعلم معانيها - قولٌ يكذبه الواقع بل هي محكمات واضحات وليست متشابهات - نعلم ذلك بالاضطرار. قال شيخ الإسلام: "والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه أن نقول: لا ريب أن الله سمى نفسه في القرآن بأسماء مثل الرحمن، والودود، والعزيز، والجبار، والعليم، والقدير، ونحو ذلك. ووصف نفسه بصفات، مثل سورة الإخلاص، وآية الكرسي، وأول الحديد وآخر الحشر، وقوله: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:٢] .. فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:٥٥]، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ [محمد:٢٨]، وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ [التوبة:٤٦]، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:١٠]، إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:٤٦]، مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥]، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة:٦٤]، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:٢٧]، أوَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:٣٩] إلى أمثال ذلك ... ؛ ثم يقال لهذا المعاند: فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود وعلى الحق الموجود أم لا؟ فإن قال: لا - كان معطلاً محضاً، وما أعلم مسلماً يقول هذا. وإن قال: نعم - قيل له: فهمت منها دلالتها على نفس الرب ولم تفهم دلالتها على ما فيها من المعاني من الرحمة، والعلم وكلاهما في الدلالة سواء ... (٢) "؟! الجواب الرابع: أن هؤلاء الماتريدية عاكسوا السلف في جعل نصوص الصفات الإلهية الكمالية - متشابهات. وجعل المتشابهات - عند السلف - محكماتٍ (٣). كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:٦٥].ونحوهما من المتشابهات - بمعنى أنها مجملات فيها نفي مجمل تشتبه على من لا يفهمها. (٤) فردوا بها نصوص العلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، وغيرها من نصوص الصفات التي هي في غاية الصراحة والبيان والإيضاح والإحكام والتفصيل كما سيأتي تفصيله. فالماتريدية في هذه المعاكسة تبع للجهمية الأولى بشهادة إمام أهل السنة: قال الإمام أحمد في الجهم وطريقته الباطلة: " ... ووجد ثلاث آيات من المتشابه:

стр. 903

قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:٣] ولاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:١٠٣]. فبنى كلامه - أي تعطيل الصفات، وتحريف نصوصها - على هذه الآيات وتأويل القرآن على غير تأويله؛ وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ . وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسوله - كان كافراً وكان من المشبهة. فأضل بكلامه بشراً كثيراً، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة، ووضع دين الجهمية (١). الجواب الخامس: أن عاجل نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه مضطربٌ في فعله هذا ومتناقض في قوله حيث لا يسعه أن يطرد قوله إلا أن يكون معطلاً غالياً. فقد ذكر شيخ الإسلام عدة أمثلة من آيات الصفات التي سبق ذكرها في الجواب الثالث. ثم قال: "فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه: أتقول هذا في جميع ما سمى الله ووصف به نفسه أم في البعض؟. فإن قلت: هذا في الجميع - كان هذا عناداً ظاهراً، وجحداً لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، بل كفر صريح ... ".ثم ذكر شيخ الإسلام، أن هذا المدعي إن اعترف بأن بعضه متشابه دون البعض طولب بالفرق، ولا يستطيع إلى ذلك سبيلاً لا عقلاً ولا سمعاً، إلى آخر كلامه المتين الرصين (٢). فلابد من وقوعه في التناقض الشنيع والاضطراب الفظيع إلا أن يرجع إلى المنهج السلفي ويقول: إن نصوص الصفات ليست من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ويستقر على إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. ولابن رشد الحفيد (٥٩٥هـ) كلام في بيان تناقض من يدعي أن نصوص الصفات متشابهاتٌ فراجعه (٣). الجواب السادس: أنه لو سلم أن نصوص الصفات من المتشابهات فلا نسلم أن تأويلها غير معلوم. لأن المراد من "التأويل" في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:٧] الآية - بمعنى التفسير وبيان المعنى المفهوم من اللفظ العربي -، ويكون الوقف على قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ويكون قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ عطف على قوله: اللهُ، ويكون قوله يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا في محل نصب حال من الراسخين فيكون التقدير: وما يعلم تفسيره ومعناه إلا الله والراسخون في العلم - قائلين: كل من عند ربنا (٤). وذلك لأن التأويل يطلق في اصطلاح السلف ولغة القرآن على معنيين: أحدهما: التفسير وبيان المعنى، فيكون التأويل، والتفسير وبيان معنى اللفظ واحداً وتكون هذه الكلمات من الألفاظ المترادفة.

стр. 904

ويكون هذا المعنى "للتأويل" هو المراد في هذه الآية على هذا التقدير، فيكون الراسخون في العلم يعلمون معاني تلك النصوص ويعرفون المراد منها، فبطل تشبث المدعين للتفويض بهذه الآية كما بطل زعمهم أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله. لأن الآية الكريمة - على هذا التقدير - تدل على خلاف مطلوبهم. قال شيخ الإسلام: "قال مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره مرات، أقف عند كل آية، وأسأله عنها". فهذا ابن عباس - حبر الأمة - وهو أحد من كان يقول، "لا يعلم تأويله إلا الله - يجيب مجاهداً عن كل آية من القرآن. وهذا هو الذي حمل مجاهداً، ومن وافقه كابن قتيبه على أن جعلوا الوقف عند قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧]. فجعلوا الراسخين في العلم يعلمون التأويل. لأن مجاهداً تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله، ومجاهد إمام التفسير، قال الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك ... " (١). ثم ذكر شيخ الإسلام معاني التأويل فقال: "وأما التأويل في لفظ السلف فله معنيان: أحدهما تفسير الكلام، وبيان معناه ... ، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربين أو مترادفين، وهذا - والله أعلم - هو الذي عناه مجاهد: أن العلماء يعلمون تأويله ... " (٢). وقال أيضاً في بيان كون "التأويل" بمعنى "التفسير": "وهذا هو معنى التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم. وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم. وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧] كما نقل ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد ابن إسحاق، وابن قتيبة، وغيرهم ... " (٣). الحاصل: أنه لو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات وأنها تندرج تحت آية آل عمران. فلا نسلم أن معناها غير معلوم لما مر في توجيه لهذه الآية، وفي كتب أئمة السنة والتفسير نصوص كثيرة عن الصحابة والتابعين على أن الراسخين كانوا يعلمون معاني تلك المتشابهات (٤). وثانيهما: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. الجواب السابع: أن نقول: لو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات التي لا يَعلمُ تأويلها إلا الله، بناءً على أن يكون الوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله.

стр. 905

كما هو قراءة الأكثرين، وأن الراسخين لا يعلمون تأويلها على عَدَِ قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران:٧] جملة مستأنفة، فيكون الراسخون لا يعلمون تأويلها - فلا نسلم أن المراد بلفظ "التأويل" في هذه الآية ما يرادف فهم المعنى من اللفظ العربي، وتفسيره، بل المراد من "التأويل" في هذه الآية: هو حقيقة ما يؤول إليه الكلام وهو أحد معنى "التأويل" في لغة القرآن واصطلاح السلف كما سيأتي تحقيقه. فيكون المراد بـ"التأويل" كيفية الصفات فهي لا يعلمها إلا الله، فلا يعلمها الراسخون، ولا غيرهم. وأما معنى الصفات فإنه معلوم يعلمه الراسخون بلا شك. فهذا يؤيد قاعدة السلف في الصفات: "الاستواء معلوم والكيف مجهول". إذن لا يصح تمسك المدعين للتفويض بهذه الآية أصلاً على أن معاني الصفات غير معلومة كما أن كيفيتها غير معلومة. لأن المنفي في الآية على هذا التقدير إنما هو "الحقيقة التي يؤول الكلام إليها وهي الكيف"، لا المعنى المفهوم من اللفظ العربي. ولشيخ الإسلام تحقيق دقيق لتقرير هذا المطلوب فراجعه (١). الحاصل: أن قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:٧] فيه قراءتان منقولتان عن السلف والكل قراءة توجيه وجيه. أما القراءة الأولى: فهي الوقف على لفظ الجلالة. وكون قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ جملة مستأنفة. وتوجيه هذه القراءة: أن لفظ "التأويل" على هذه القراءة بمعنى حقيقة ما يؤول غليه الكلام في نفس الأمر وهو الكيفية. فيكون الراسخون في العلم لا يعلمونها، لأن ذلك مما استأثر الله بعلمه. وأما القراءة الثانية: فهي الوقف على قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وجعل قوله: وَالرَّاسِخُونَ عطفاً على لفظ الجلالة. وتوجيه هذه القراءة، أن لفظ "التأويل" على هذه بمعنى التفسير وبيان المعنى المفهوم من اللفظ العربي. فيكون الراسخون يعلمون معاني تلك النصوص مع تفويضهم في الكيف. قال شيخ الإسلام وغيره من أئمة الإسلام واللفظ له: "وكلا القولين حق باعتبار كما بسطناه، في موضع آخر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق" (٢). وقال: "وقد روى عن ابن عباس ما ذكره عبدالرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: ١ - تفسير تعرفه العرب من كلامها. ٢ - وتفسير لا يعذر أحد بجهالته. ٣ - وتفسير يعلمه العلماء.

стр. 906

٤ - وتفسير لا يعلمه إلا الله . فمن ادعى علمه فهو كاذب ... " (١). فأصل اللفظ - وهو المعنى المفهوم منه لغة - معلوم دون شك،، وإنما المجهول وصف ذلك المعنى - وهو الكيف - فلو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات - نقول: إن المتشابه نوعان: متشابه بأصله كالحروف المقطعات ومتشابه بوصفه وكيفيته كآيات الصفات. فعلى هذا التقدير: هي معلومة .. الأصل - أي المعنى - لكنها مجهولة الوصف - أي الكيف، فالتأويل المنفي في الآية هو الكيف لا المعنى. وهذه حقيقة اعترف بها كبار أئمة الحنفية والماتريدية. أمثال فخر الإسلام البزدوي (٤٨٢هـ) وشمس الأئمة السرخسي (٤٨٣هـ) وحافظ الدين النسفي (٧١٠هـ) وعبدالعزيز بن أحمد البخاري (٧٣٠هـ) وأبو المنتهى المغنيساوي (كان حيا ٩٣٩هـ) والملا علي القاري (١٠١٤هـ) وشيخ زاده عبدالرحمن بن محمد (١٠٧٨هـ) والقاضي كمال الدين البياضي (١٠٩٨هـ). فقالوا في التمثيل للمتشابه - واللفظ للأول: "ومثاله: إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار .. فصار بوصفه متشابهاً، فوجب تسليم المتشابه على اعتقاد الحقيقة فيه. وكذلك إثبات اليد، والوجه حق عندنا، معلوم بأصله متشابه بوصفه ولن يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف. وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة". وزاد شمس الأئمة السرخسي، وحافظ الدين النسفي، والقاري؛ واللفظ له:"وأهل السنة، والجماعة أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص، أي بالآيات القطعية، والدلالات اليقينية، والدلالات اليقينية، وتوقفوا فيما هو المتشابه، وهو الكيفية، ولم يجوزوا الاشتغال بطلب ذلك كما وصف الله به الراسخين في العلم فقال: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:٧] (٢). الخلاصة: أنه لا دليل في هذه الآية أصلاً للمدعين للتفويض ونسبته إلى السلف والحمد لله. وبعد ما قضينا على هذه الشبهة ننتقل إلى الرد على الشبهة الثانية. وأما الشبهة الثانية: فما أفسدها، وأظهر بطلانها!!: لأنه ليس المرادُ التفويض في المعنى من قول السلف: "نمرها كما جاءت" أو "أمروها كما جاءت" أو "أنها لا تفسر" أو "أن تفسيرها تلاوتها" أو نؤمن بها ولا كيف ولا معنى" أو "على ما أراد الله"، ونحوها من الأقوال التي تنقل عن سلف الأمة وأئمة السنة. ليس قصدهم بذلك أنهم جاهلون بمعاني نصوص الصفات ومرادها، وأنهم كانوا يتلونها تلاوة مجردة كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب بدون فهم المعنى والمراد. فمن فسر أقوال السلف بهذا التفسير فقد كذب عليهم وافترى أشنع الكذب وأبشع الافتراء. بل كان قصدهم بهذه الأقوال هو الردَّ على تفسيرات الجهمية وتأويلاتهم التي كانت عين التحريفات". فقالوا: "أمروها" أي أثبتوها وأقروها وآمنوا بها، و"لا تُفَسَّرُ" تفسيرَ الجهمية، ولا تُحَرَّفُ كما حرفوها "بل تفسيرها تلاوتها" فإنها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار يفهمها التالي والسامع بمجرد تلاوتها. كما قصدوا بقولهم: "بلا كيف" الردَّ على الممثلة.

стр. 907

فكلام السلف يتضمن إحقاق الحق وإبطال الباطل وانتصار مذهب أهل السنة والقضاء على مذهب أهل التعطيل، والتمثيل في آن واحد، وهو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل. ويشهد لما قلنا نصوص السلف، وفيما يلي بعض الشواهد من نصوصهم: أ- نصُّ الإمام محمد بن الحسن الشيباني (١٨٩هـ) صاحب أبي حنيفة رحمهما الله وهو أحد الأئمة الثلاثة للحنفية على الإطلاق: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ، من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه؛ فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ ، وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا، ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا؛ فمن قال يقول الجهم، فقد فارق الجماعة لأنه وصفه بصفة لا شيء". فيا ترى هل قوله: "على الإيمان بالقرآن ... " يدل على إيمان الإثبات أم إيمان التفويض؟. وهل يقول عاقل: إن الإيمان بالقرآن إيمانُ تفويضٍ؟. أليس قوله: "فمن قال بقول جهم ... ، لأنه وصفه بصفة لا شيء" صريحاً في أنه يقصد الردَّ على تفسير الجهمية وتحريفهم؟. فالماتريدية في نفيهم لصفة علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده - تابعوا الجهم، فوصفوا الله تعالى بصفة لا شيء. بل زادوا على مقالة الجهم، وقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق، ولا تحت، إلى آخر ذلك الهذيان الذي لا يقر عقل ولا نقل ولا فطرة ولا إجماع في آن واحد. فوصفوه بصفة الممتنع في بداهة العقول، وبتصريح كبار أئمة السنة والكلام. وقوله: "فإنهم لم يصفوا، ولم يسفروا" معناه: أن أهل السنة لم يصفوا الله بصفة لا شيء ولم يؤولوا صفات الله تعالى كما يصنع الجهم وأذياله. وقوله: "ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا" معناه: أنهم أفتوا بإثبات ما في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى ثم سكتوا عن تأويلها وبيان كيفيتها. وقوله: "في صفة الرب " عام لجميع الصفات ومطلق، فهل الماتريدية يفوضون في جميع الصفات؟. ب-هـ- "الأئمة" الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وليث بن سعد. روى الإمام ابن عبدالبر حافظ المغرب (٤٦٣هـ) عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وليث بن سعد، غير مرة عن الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقال: "أمروها كيف جاءت بلا كيف" (١). فيا ترى هل هؤلاء الأئمة كانوا مفوضين في معنى "الرؤية" وكيفيتها جميعاًً؟ أم قصدهم الرد على تحريفات منكري "الرؤية" والمشبهة؟. وهل الماتريدية يفوضون في معنى "الرؤية" أيضاً؟.و- الإمام أبو عبيد قاسم بن سلام (٢٢٤هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية ومن أجل أصحاب الإمام محمد بن الحسن الشيباني - عند الكوثري والكوثرية (٢). فقد قال هذا الإمام في أحاديث الرؤية، والكرسي، وصفة الضحك ووضع القدم في جهنم وأشباه هذه الأحاديث: "هذه الأحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث، والفقهاء بعضهم على بعض وهي عندنا حق لا شك فيها، ولكن إذا قيل: "كيف وضع قدمه"؟ وكيف ضحك"؟.قلنا: لا يُفَسَّر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره" (٣).

стр. 908

انظر أيها المسلم طالب الحق والإنصاف إلى نص هذا الإمام، وصراحته بأن أحاديث الرؤية وغيرها من الصفات يجب الإيمان بها وأنها حق، فمن قال: "كيف؟ " قلنا: لا يفسر كيفيتها ولم يفسر أحد من السلف كيفيتها وأن التفويض إنما هو في الكيف لا المعنى؛ فهذا النص متضمن لإحقاق الحق وهو الإثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل وإبطال الباطل وهو الرد على أهل التعطيل، وأهل التمثيل. وفي ذلك عبرة للماتريدية ولاسيما الكوثرية منهم. ز- الإمام أحمد إمام أهل السنة: لقد صرح الكوثري بأن الإمام سئل عن أحاديث النزول والرؤية ووضع القدم، ونحوها، فقال: "نؤمن بها، ولا كيف، ولا معنى" (١). فترى أن قول الإمام أحمد هنا: " ... ولا كيف ولا معنى" في جميع الصفات حتى في "رؤية" الله تعالى، فهل ترى أنه يفوض في "رؤية" الله تعالى أيضاً؟ معنى وكيفاً؟. وهل يصح عند من له أدنى مسكة من عقل أن الإمام أحمد يقول: إن أحاديث "الرؤية" لا كيف لها ولا معنى لها"؟. وهل الماتريدية، وعلى رأسهم الكوثري - الذي استدل بقول الإمام أحمد هذا على التفويض المفتعل المنقول - يفوضون في "الرؤية" أيضاً؟ سبحان قاسم العقول!. فهذا دليل صريح على أن الإمام أحمد يقصد بقوله: "لا كيف ولا معنى" الرد على المشبهة والمعطلة، والمراد من المعنى المنفي في كلامه هو تفسيرات الجهمية وتأويلاتهم وتحريفاتهم؛ لا المعنى المفهوم من النص. ح- نص آخر للإمام أحمد مثل قوله: "تُمَرُّ كما جاءت" في غير أحاديث الصفات. قال شيخ الإسلام: "وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفاتِ: "تُمَرُّ كما جاءت" في أحاديث الوعيد، مثل قوله: "من غش فليس منا". وأحاديث الفضائل. ومقصوده بذلك: أن الحديث لا يُحَرَّفُ كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلاً بالعرف المتأخر. فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل" (٢). قلت: فهل يعقل أن السلف - ومنهم الإمام أحمد - يفوضون في معاني نصوص الوعيد، والفضائل أيضاً؟ وهل الماتريدية - ومنهم الكوثري والكوثرية - يفوضون فيها تفويضاً باطلاً عاطلاً؟.ط-ل- روى الإمام الترمذي حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة تربو في كف الرحمن ... )) (٣).وفي رواية: ((إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه ... )) (٤) الحديث. ثم قال الترمذي: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا. قالوا: "تثبت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف". هكذا روى عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن المبارك: أنهم قالوا في هذه الأحاديث: "أمروها بلا كيف". وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: "هذا تشبيه". وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه: "اليد" و"السمع" و"البصر"؛ فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: "إن الله لم يخلق آدم بيده" وقالوا: "إن معنى اليد هنا القوة .. ". قلت: تدبر أيها المسلم في نص هذا الإمام وفيما نقله عن أئمة الإسلام.

стр. 909

فقوله: "ففسروها على غير ما فسر أهل العلم" صريح بأن أئمة الإسلام قد فسروا نصوص الصفات على وجهها، وأن تفسير الجهمية تحريف لها فكلام هؤلاء الأئمة موافق لقولهم: "أمروها بلا كيف" وقولهم: "يؤمن بها ولا يقال: كيف". فأئمة الإسلام على إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، وكلام هؤلاء الأئمة في جميع الصفات، في السمع والبصر، وغيرها بنص الإمام الترمذي. فهل يظن الماتريدية - بما فيهم الكوثرية - أن أئمة الإسلام كانوا يفوضون في صفتي "السمع" و"البصر" أيضاً؟!. وهل الماتريدية يفوضون في هاتين الصفتين؟ هكذا يحصد الزوبعة من زرع الريح. فنصوص هؤلاء الأئمة دليل قاطع على أنهم يريدون بنفي "التفسير"، وبنفي "المعنى"، وبقولهم: أمروها، كما جاءت، ونحوه من العبارات - تفسيرات الجهمية وتحريفاتهم ولا يقصدون نفي معنى النص. وقد ظهر من نص الإمام الترمذي ومما نقله عن أئمة الإسلام: أن الماتريدية تابعوا الجهمية في نفي الصفة "اليد"، وتأويلها بالقوة، والقدرة كما سيأتي. واحتجوا بشبهة الجهمية من أن إثباتها تشبيه ما تقدم. فهم في هذا خارجون على أهل السنة وليسوا منهم. بل زاد الماتريدية بدعة أخرى على بدعة التعطيل، وهي بدعة التفويض وافترائه على أئمة الإسلام شاعرين أم غير شاعرين. م- الإمام الطحاوي (٣٢١هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية، وعقيدته هي عقيدة الأئمة الثلاثة: "أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد" ﵏ باعتراف الماتريدية والكوثري". يقول الإمام الطحاوي: "والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة، ولا كيفية .. ، كما نطق به كتاب ربنا ... ؛ وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ ، فهو كما قال: ومعناه على ما أراد. لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا .. " (١). قلت: فهل كان الإمام الطحاوي وأئمة الحنفية الثلاثة مفوضين في "الرؤية"؟ وهل الماتريدية يفوضون فيها معنى وكيفية؟. الحاصل: أن هذه الآثار التي نقلت عن السلف لا حجة للمفوضة فيها، بل هي على عكس مطلوبهم، لأن قصدهم نفي تفسيرات الجهمية وتحريفاتهم، وليس قصدهم أنها مجرد ألفاظ تتلى بدون فهم المعاني. قال شيخ الإسلام: (فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب" - موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف. فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا علم حقيقة الصفة؛ ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم معناه، على ما يليق بالله لما قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف". فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم، وأيضاً فإنه لا يحتاج إلى نفي الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي الكيفية إذا أثبت الصفات. وأيضا فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف". فمن قال: "إن الله ليس على العرش" لا يحتاج أن يقول: "بلا كيف" فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف". وأيضاً فقولهم: "أمروها كما جاءت" يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت بألفاظ دالة على معان؛

стр. 910

فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: "أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد"، أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله تعالى لا يوصف بما دلت عليه حقيقة"، وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت. ولا يقال حينئذ: "بلا كيف" لأن نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (١).وقال: (فقولهم ﵃: "أمروها كما جاءت" ردٌ على المعطلة، وقولهم: "بلا كيف" ردٌ على الممثلة) (٢). قلت: لقد تبين من خلال نصوص أئمة السنة أنهم كانوا يقصدون بنفي التفسير نفي تفسيرِ الجهمية وتحريفهم وتعطيلهم للصفات ونصوصها، ولم يكن قصدهم أنها لا تعلم معانيها ولا يعرف المراد منها. فحمل كلام الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ وكلام السلف على الاصطلاحات المبتدعة تحريفٌ محضٌ ويكون من قبيل توجيه قول القائل بما لا يرضى به قائله: فمن حمل كلام السلف على التفويض المفتعل المختلق المصنوع الموضوع المبتدع فقد حَرَّفَ كلامهم لأنه بمثابة شهادة الزور، لأنه تأويل كلام متكلم بما لا يطابق مراده. قال الإمام ابن القيم: "فإذا قيل معنى اللفظ كذا - كان إخباراً بالذي عناه، المتكلم، فإن لم يكن هذا الخبر مطابقاً كان كذباً على المتكلم" (٣). قلت: هذه حقيقة واقعة حتى اعترف بها الكوثري حيث قال: وأين التجليات التي اصطلح عليها الاتحادية من تخاطب العرب ومن تفاهم السلف والخلف بهذا اللسان العربي المبين؟. حتى يكون حمل النصوص، والآثار على التجليات المصطلح عليها فيما بعد عهد التنزيل بدهور - استعمالاً لها في حقائقها؟.ومن زعم ذلك فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل السلف الصالح ومسلك أئمة أصول الدين، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد في الجرح، والتعديل، والتقويم، والتعليل ... " (٤). قلت: هذا الكلام في غاية الدقة والإتقان، ولكن ليت الكوثري والكوثرية والماتريدية يطبقونه مطرداً ويستقيمون على منهج السلف الصالح، ولكنهم خالفوه في مواضع لا تحصى، فقد ادعوا على السلف التفويض وحملوا نصوصهم عليه فحرفوها تحريفاً معنوياً وشهدوا عليهم زورا؛ وهكذا ترى الكوثري - حامل راية الخلف، والطاعن في السلف - يحمل نصوص الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف على الكلام النفسي (٥).وهكذا يتلاعب بنصوص الإمام أحمد فيحملها على الكلام النفسي (٦) نضالاً عن بدعته الكلامية الجهمية الماتريدية. مع أن القول ببدعة الكلام النفسي قول مفتعل موضوع مصنوع متقول على الله ورسوله، وسلف هذه الأمة من أئمة السنة. وأول من أحدثه هو ابن كلاب. فكيف تحمل نصوص السلف على شيء لم يكن موجوداً في عهدهم؟! فحمل نصوص الوحي وكلام السلف على التفويض ونحوه تحريف؛ فلنا أن نقلب على الكوثري كلامه فنقول: إن القول بالكلام النفسي، ونسبته إلى السلف وحمل نصوصهم عليه، وكذا القول بالتفويض ونسبته إلى السلف وحمل نصوصهم عليه بعيد من تخاطب العرب، وتفاهم السلف بهذا اللسان العربي المبين، فكيف يصح حمل النصوص والآثار على هذه المصطلحات المبتدعة الكلامية المحدثة بعد عهد التنزيل بدهور؟. فمن زعم ذلك فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل السلف الصالح، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد في الجرح والتعديل، والتقويم والتعليل. وفي هذا كفاية لمن عنده طلب الحق والإنصاف والدراية، وأما من تعود: أن يقول: "عنزة وإن طارت" فلا دواء لدائه. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٢/ ١٣٣ - ١٦٨

стр. 911

المبحث الثالث: الرد على الماتريدية في باب الأسماء والصفات الماتريدية - كغيرهم من فرق المعطلة- عرضت لهم شبهة وهي أن ظواهر نصوص الصفات موهمة للتشبيه فزعموا أنه لو بقيت هذه النصوص - بدون تفويض أو تأويل- على معانيها الحقيقية من العلو، والنزول، والاستواء، والوجه واليدين والغضب والرضا ونحوها - لزم تشبيه الله تعالى بالمخلوقات وهذا ينافي تنزيه الله تعالى عن مشابهتهم، والعقل يستحيل إبقاء هذه النصوص على ظاهرها فلذلك لابد من تفويض معانيها إلى الله تعالى، أو تأويلها إلى ما يوافق العقل. ولا يجوز حملها على ظاهرها. وهذه الشبهة هي التي دفعتهم إلى التقول بالتفويض الباطل على السلف، وتعطيل كثير من الصفات الكمالية لله تعالى، وتحريف نصوصها. ونحن بتوفيق الله تعالى نناقشهم ونذكر وجوهاً لإبطال هذه الشبهة وبيان خطرها. إن شاء الله تعالى، فنقول وبالله التوفيق. الوجه الأول: أن القول بأن ظاهر نصوص الصفات تشبيه، أو ظواهر هذه النصوص موهمة للتشبيه - قول في غاية الفساد والضلال؛ لأن ذلك يستلزم أموراً كفرية جداً منها: ١ - أن ظاهر نصوص القرآن والسنة هو الضلال البعيد والكفر الصريح والشرك القبيح والباطل المحض؛ لأن تشبيه الله بخلقه كفر. ٢ - أن الكتاب والسنة مشتملان على كفر وضلال، ولا يستفاد منهما نور وهداية وبيان الحق. ٣ - أن الكتاب والسنة لا يصلحان أن يكونا مصدرين لتلقي العقيدة فيما يخبران عن الله تعالى. ٤ - أنهما ليس فيهما ما يصلح للاعتقاد بل فيهما ما يفسد العقيدة، ويضلل الناس. ٥ - أن القلوب تتخلَّى عن الجزم بشيء مما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ٦ - أن يُعزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد ولاسيما فيما يتعلق بصفات الله. ٧ - أن ترك الناس بلا كتاب ولا رسالة كان خيراً لهم. ٨ - أن رسول الله ﷺ وأصحابه ثم التابعين يتكلمون بما ظاهره كفر وضلال دائماً ولم يقولوا يوماً من الدهر أن ظاهرها غير مراد. ٩ - أن هذا يستلزم إقرار الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهذا الكفر العظيم؛ حيث تكلموا بما ظاهره كفر بدون بيان ودون تحذير الأمة. ١٠ - أن هذا فتح الأبواب لأنواع من المشركين والمبتدعين من الباطنية وغيرهم لا يمكن سدها وهذه الأمور العشرة أذكرها مفصلة: قال شيخ الإسلام: "فإن كان الحق فيما يقول هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة - من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً فكيف يجوز على الله ثم على رسوله ﷺ ثم على أخير الأمة أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً، ولا ظاهراً، حتى يجيء أنباط الفرس والروم، وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها. لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون، والمتكلفون هو الاعتقاد الواجب - وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا الواجب - وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً - لقد ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين؛

стр. 912

فإن حقيقة الأمر - على ما يقوله هؤلاء- أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله ، ولا من طريق سلف الأمة؛ ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به ... ؛ هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين؛ وهذا الكلام قد رأيته بمعناه لطائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزوماً لا محيد عنه؛ ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدي به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم، والإخبار بصفات من أرسله، وان الناس عند التنازل لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ﷺ بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة، وهم المشركون، والمجوس، وبعض الصابئين ... ؛ وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا [النساء:٦٠] ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين، أو الصابئين أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا به ... ؛ قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥] ولازم هذه المقالة أن لا يكون الكتاب هدىً للناس، ولا بياناً، ولا شفاء لما في الصدور، ولا نوراً، ولا مرداً. عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون: إنه الحق الذي يجب اعتقاده - لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصاً ولا ظاهراً ... ؛ وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات، ونحو ذلك بقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:٦٥]، لقد أبعد النجعة، وهو إما ملغز وإما مدلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين؛ ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة؛ يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺ يوماً من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، واعتقدوا كذا وكذا. فإنه الحق وما خالفه ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه وما لا يوافق فتوقفوا فيه أو انفوه؛ ثم رسول الله ﷺ قد أخبر بأن أمته سوف تفترق على ثلاث وسبعين فرقة (١). فقد علم ما سيكون ثم قال: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله))؛

стр. 913

وروى عنه ﷺ أنه قال في صفة الفرقة الناجية: ((هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)).فهلا قال: من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم؟ .. " انتهى كلام شيخ الإسلام (١). وقال الإمام ابن ابي العز الحنفي: "ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك فهو لقصور فهمه ونقص علمه وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس: وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم وقيل: عليَّ نحتُ القوافي من مقاطعها ... وما عليَّ إذا لم تفهمِ البقرُ فكيف يقال في قول الله الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث، وهو الكتاب الذي أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير [هود: ١] إن حقيقة قولهم أن ظاهر القرآن والحديث هو الضلال وأنه ليس فيه ما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه (٢). هذا حقيقة قول المتأولين، والحق: أن مادل عليه القرآن فهو حق وما كان باطلاً لم يدل عليه والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه. فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه - وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية - فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين، ولا تقدرون على سده ... ". ثم ذكر ﵀ نتائج وخيمة: منها: أن ذلك يستلزم أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة. ومنها: أن القلوب تتخلى عن الجزم بشيء مما أخبر به الرسول ﷺ إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، والقرآن هو النبأ العظيم؛ وهذا فتح باب الزندقة نسأل الله تعالى العافية (٣). ونكفتي به الآن في بيان ضرر هذه الشبهة وسيأتي مزيد إيضاح في الوجوه الآتية، إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: أن نقول: إن أصحاب شبهة التشبيه - الذين ردوا نصوص الصفات أو حرفوها وعطلوا ما دلت عليه من صفات الله تعالى- لم يعرفوا حقيقة التشبيه المنفي عن الله تعالى وصفاته (٤)؛ فأتوا من سوء فهمهم. كما أنهم لم يعرفوا حقيقة التنزيه، وحقيقة التوحيد. فأدخلوا في مفهوم التشبيه ما ليس منه، كما أنهم أدخلوا في مفهوم التنزيه والتوحيد ما ليس منهما (٥) فيسمون نفي الصفات توحيداً وتنزيهاً (٦) كالجهمية والفلاسفة والقرامطة (٧).حيث أدخلوا في التشبيه إثبات الصفات، وأدخلوا في التنزيه نفي الصفات، وظنوا أن هذا هو التوحيد بحجة أن إثبات الصفات لله تعالى يخالف التنزيه والتوحيد ويستلزم التشبيه (٨).

стр. 914

مع أن الأمر ليس كذلك. بل الحقيقة أن وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله ﷺ الذي هو أعلم الخلق بالله - بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه والتجسيم في شيء بل هذا عين التنزيه والتوحيد والإيمان، لأن في ذلك تنزيه الله تعالى عن العيوب، والنواقص. ونفي الصفات تشبيه الله تعالى بالمخلوق بل المعدوم والممتنع حتى باعتراف أبي منصور إما الماتريدية (١). لأن إثبات الصفات وفق منهج السلف إثبات الكمال لله تعالى ونفي كل عيب ونقص عنه سبحانه. وإنما التشبيه أن يقال: علو الله تعالى كعلو خلقه؛ واستوائه، ونزوله وغضبه ورضاه وضحكه، وفرحه، ويده، ووجهه، وعينه كاستواء خلقه أو كنزوله وغضبه، ورضاه، وضحكه، وفرحه، ويده، ووجهه، وعينه. ومذهب السلف بعيد عن التشبيه بل هو وسط بين طرفي النقيض لا علاقة له بالتعطيل ولا بالتمثيل فمذهبهم عين التنزيه البعيد عن التشبيه. قال شيخ الإسلام: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها: أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي صفات الله تعالى - التي وصف بها نفسه - ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين، بل هو سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ... ومذهب السلف بين مذهبين، وهدى بين ضلالين: إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات؛ فقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] رد على أهل التشبيه والتمثيل. وقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ رد على أهل النفي، والتعطيل، فالممثل أعشى، والمعطل أعمى، والممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً" (٢). وقد بين أئمة هذه الأمة حقيقة التشبيه المنفي عن الله وعن صفاته كما بينوا أن إثبات الصفات لله تعالى بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه رداً على المعطلة، ونصوص الإمام أبي حنيفة حجة على الماتريدية. وإليك أقوال بعض أئمة الإسلام غير أبي حنيفة: ١ - قال الإمام نعيم بن حماد (٢٢٨هـ) "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه". ٢ - وقال الإمام إسحاق بن راهويه: (٢٣٨هـ): "إنما التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال: كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً وهو كما قال الله تعالى في كتابه:

стр. 915

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] ٣ - وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١هـ) في جواب سؤال: من المشبهة؟ قال: "من قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه" (١).قلت: إدخال نفي الصفات في مسمى التنزيه والتوحيد وجعل إثبات الصفات داخلاً في مسمى التشبيه ورمي من وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ بالتجسيم والتشبيه هو عين عقيدة الجهم وأصحابه كما قال الإمام أحمد عن الجهم: ( ... ووجد ثلاث آيات من المتشابه قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]، وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:٢]، لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:١٠٣]، فبنى أصل كلامه على هذه الآيات، وتأول القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافراً، وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشراً كثيراً، وتبعه على أقواله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية) (٢). ٤ - وقال الإمام الترمذي: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا: "قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف؟ " هكذا روى عن مالك وسفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا التشبيه؛ وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه: "اليد، والسمع، والبصر" فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ههنا القوة".ثم ذكر كلام الإمام إسحاق بن راهويه الذي سقنا نصه آنفاً (٣).٥ - وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "فتدبروا يا أولي الألباب ما نقوله في هذا الباب، في ذكر اليدين، كنحو قولنا في ذكر الوجه، والعينين تستيقنوا بهداية الله إياكم وشرحه جلّ وعلا صدورّكم للإيمان بصفات خالقنا وتعلموا بتوفيق الله إياكم أن الحق، والصواب، والعدل في هذا الجنس مذهُبنا مذهبُ أهلِ الآثارِ، ومُتَّبِعي السُّنَنِ، وتقفوا على جهل من يسميهم مشبهة، إذ الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه" (٤).٦ - ٧ - وذكر الحافظ ابن حجر والشاه ولي الله كلام الإمام إسحاق بن راهويه المتقدم آنفاً، وكلام الإمام الترمذي الذي يمثل عقيدة أئمة الإسلام أمثال مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وغيرهم في بيان حقيقة التشبيه وأن إثبات الصفات على منهج السلف ليس من التشبيه في شيء؛ وأقراه، وحققا أن التشبيه: أن يقال يد الله كيد خلقه ووجهه كوجه خلقه مثلاُ (٥).
следующие страницы →