← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المبحث الثالث: الرد على الماتريدية في باب الأسماء والصفات الماتريدية - كغيرهم من فرق المعطلة- عرضت لهم شبهة وهي أن ظواهر نصوص الصفات موهمة للتشبيه فزعموا أنه لو بقيت هذه النصوص - بدون تفويض أو تأويل- على معانيها الحقيقية من العلو، والنزول، والاستواء، والوجه واليدين والغضب والرضا ونحوها - لزم تشبيه الله تعالى بالمخلوقات وهذا ينافي تنزيه الله تعالى عن مشابهتهم، والعقل يستحيل إبقاء هذه النصوص على ظاهرها فلذلك لابد من تفويض معانيها إلى الله تعالى، أو تأويلها إلى ما يوافق العقل. ولا يجوز حملها على ظاهرها. وهذه الشبهة هي التي دفعتهم إلى التقول بالتفويض الباطل على السلف، وتعطيل كثير من الصفات الكمالية لله تعالى، وتحريف نصوصها. ونحن بتوفيق الله تعالى نناقشهم ونذكر وجوهاً لإبطال هذه الشبهة وبيان خطرها. إن شاء الله تعالى، فنقول وبالله التوفيق. الوجه الأول: أن القول بأن ظاهر نصوص الصفات تشبيه، أو ظواهر هذه النصوص موهمة للتشبيه - قول في غاية الفساد والضلال؛ لأن ذلك يستلزم أموراً كفرية جداً منها: ١ - أن ظاهر نصوص القرآن والسنة هو الضلال البعيد والكفر الصريح والشرك القبيح والباطل المحض؛ لأن تشبيه الله بخلقه كفر. ٢ - أن الكتاب والسنة مشتملان على كفر وضلال، ولا يستفاد منهما نور وهداية وبيان الحق. ٣ - أن الكتاب والسنة لا يصلحان أن يكونا مصدرين لتلقي العقيدة فيما يخبران عن الله تعالى. ٤ - أنهما ليس فيهما ما يصلح للاعتقاد بل فيهما ما يفسد العقيدة، ويضلل الناس. ٥ - أن القلوب تتخلَّى عن الجزم بشيء مما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ٦ - أن يُعزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد ولاسيما فيما يتعلق بصفات الله. ٧ - أن ترك الناس بلا كتاب ولا رسالة كان خيراً لهم. ٨ - أن رسول الله ﷺ وأصحابه ثم التابعين يتكلمون بما ظاهره كفر وضلال دائماً ولم يقولوا يوماً من الدهر أن ظاهرها غير مراد. ٩ - أن هذا يستلزم إقرار الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهذا الكفر العظيم؛ حيث تكلموا بما ظاهره كفر بدون بيان ودون تحذير الأمة. ١٠ - أن هذا فتح الأبواب لأنواع من المشركين والمبتدعين من الباطنية وغيرهم لا يمكن سدها وهذه الأمور العشرة أذكرها مفصلة: قال شيخ الإسلام: "فإن كان الحق فيما يقول هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة - من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً فكيف يجوز على الله ثم على رسوله ﷺ ثم على أخير الأمة أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً، ولا ظاهراً، حتى يجيء أنباط الفرس والروم، وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها. لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون، والمتكلفون هو الاعتقاد الواجب - وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا الواجب - وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً - لقد ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين؛

стр. 912

فإن حقيقة الأمر - على ما يقوله هؤلاء- أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله ، ولا من طريق سلف الأمة؛ ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به ... ؛ هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين؛ وهذا الكلام قد رأيته بمعناه لطائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزوماً لا محيد عنه؛ ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدي به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم، والإخبار بصفات من أرسله، وان الناس عند التنازل لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ﷺ بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة، وهم المشركون، والمجوس، وبعض الصابئين ... ؛ وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا [النساء:٦٠] ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين، أو الصابئين أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا به ... ؛ قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥] ولازم هذه المقالة أن لا يكون الكتاب هدىً للناس، ولا بياناً، ولا شفاء لما في الصدور، ولا نوراً، ولا مرداً. عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون: إنه الحق الذي يجب اعتقاده - لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصاً ولا ظاهراً ... ؛ وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات، ونحو ذلك بقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:٦٥]، لقد أبعد النجعة، وهو إما ملغز وإما مدلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين؛ ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة؛ يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺ يوماً من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، واعتقدوا كذا وكذا. فإنه الحق وما خالفه ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه وما لا يوافق فتوقفوا فيه أو انفوه؛ ثم رسول الله ﷺ قد أخبر بأن أمته سوف تفترق على ثلاث وسبعين فرقة (١). فقد علم ما سيكون ثم قال: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله))؛

стр. 913

وروى عنه ﷺ أنه قال في صفة الفرقة الناجية: ((هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)).فهلا قال: من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم؟ .. " انتهى كلام شيخ الإسلام (١). وقال الإمام ابن ابي العز الحنفي: "ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك فهو لقصور فهمه ونقص علمه وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس: وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم وقيل: عليَّ نحتُ القوافي من مقاطعها ... وما عليَّ إذا لم تفهمِ البقرُ فكيف يقال في قول الله الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث، وهو الكتاب الذي أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير [هود: ١] إن حقيقة قولهم أن ظاهر القرآن والحديث هو الضلال وأنه ليس فيه ما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه (٢). هذا حقيقة قول المتأولين، والحق: أن مادل عليه القرآن فهو حق وما كان باطلاً لم يدل عليه والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه. فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه - وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية - فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين، ولا تقدرون على سده ... ". ثم ذكر ﵀ نتائج وخيمة: منها: أن ذلك يستلزم أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة. ومنها: أن القلوب تتخلى عن الجزم بشيء مما أخبر به الرسول ﷺ إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، والقرآن هو النبأ العظيم؛ وهذا فتح باب الزندقة نسأل الله تعالى العافية (٣). ونكفتي به الآن في بيان ضرر هذه الشبهة وسيأتي مزيد إيضاح في الوجوه الآتية، إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: أن نقول: إن أصحاب شبهة التشبيه - الذين ردوا نصوص الصفات أو حرفوها وعطلوا ما دلت عليه من صفات الله تعالى- لم يعرفوا حقيقة التشبيه المنفي عن الله تعالى وصفاته (٤)؛ فأتوا من سوء فهمهم. كما أنهم لم يعرفوا حقيقة التنزيه، وحقيقة التوحيد. فأدخلوا في مفهوم التشبيه ما ليس منه، كما أنهم أدخلوا في مفهوم التنزيه والتوحيد ما ليس منهما (٥) فيسمون نفي الصفات توحيداً وتنزيهاً (٦) كالجهمية والفلاسفة والقرامطة (٧).حيث أدخلوا في التشبيه إثبات الصفات، وأدخلوا في التنزيه نفي الصفات، وظنوا أن هذا هو التوحيد بحجة أن إثبات الصفات لله تعالى يخالف التنزيه والتوحيد ويستلزم التشبيه (٨).

стр. 914

مع أن الأمر ليس كذلك. بل الحقيقة أن وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله ﷺ الذي هو أعلم الخلق بالله - بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه والتجسيم في شيء بل هذا عين التنزيه والتوحيد والإيمان، لأن في ذلك تنزيه الله تعالى عن العيوب، والنواقص. ونفي الصفات تشبيه الله تعالى بالمخلوق بل المعدوم والممتنع حتى باعتراف أبي منصور إما الماتريدية (١). لأن إثبات الصفات وفق منهج السلف إثبات الكمال لله تعالى ونفي كل عيب ونقص عنه سبحانه. وإنما التشبيه أن يقال: علو الله تعالى كعلو خلقه؛ واستوائه، ونزوله وغضبه ورضاه وضحكه، وفرحه، ويده، ووجهه، وعينه كاستواء خلقه أو كنزوله وغضبه، ورضاه، وضحكه، وفرحه، ويده، ووجهه، وعينه. ومذهب السلف بعيد عن التشبيه بل هو وسط بين طرفي النقيض لا علاقة له بالتعطيل ولا بالتمثيل فمذهبهم عين التنزيه البعيد عن التشبيه. قال شيخ الإسلام: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها: أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي صفات الله تعالى - التي وصف بها نفسه - ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين، بل هو سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ... ومذهب السلف بين مذهبين، وهدى بين ضلالين: إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات؛ فقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] رد على أهل التشبيه والتمثيل. وقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ رد على أهل النفي، والتعطيل، فالممثل أعشى، والمعطل أعمى، والممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً" (٢). وقد بين أئمة هذه الأمة حقيقة التشبيه المنفي عن الله وعن صفاته كما بينوا أن إثبات الصفات لله تعالى بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه رداً على المعطلة، ونصوص الإمام أبي حنيفة حجة على الماتريدية. وإليك أقوال بعض أئمة الإسلام غير أبي حنيفة: ١ - قال الإمام نعيم بن حماد (٢٢٨هـ) "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه". ٢ - وقال الإمام إسحاق بن راهويه: (٢٣٨هـ): "إنما التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال: كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً وهو كما قال الله تعالى في كتابه:

стр. 915

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] ٣ - وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١هـ) في جواب سؤال: من المشبهة؟ قال: "من قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه" (١).قلت: إدخال نفي الصفات في مسمى التنزيه والتوحيد وجعل إثبات الصفات داخلاً في مسمى التشبيه ورمي من وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ بالتجسيم والتشبيه هو عين عقيدة الجهم وأصحابه كما قال الإمام أحمد عن الجهم: ( ... ووجد ثلاث آيات من المتشابه قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]، وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:٢]، لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:١٠٣]، فبنى أصل كلامه على هذه الآيات، وتأول القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافراً، وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشراً كثيراً، وتبعه على أقواله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية) (٢). ٤ - وقال الإمام الترمذي: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا: "قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف؟ " هكذا روى عن مالك وسفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا التشبيه؛ وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه: "اليد، والسمع، والبصر" فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ههنا القوة".ثم ذكر كلام الإمام إسحاق بن راهويه الذي سقنا نصه آنفاً (٣).٥ - وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "فتدبروا يا أولي الألباب ما نقوله في هذا الباب، في ذكر اليدين، كنحو قولنا في ذكر الوجه، والعينين تستيقنوا بهداية الله إياكم وشرحه جلّ وعلا صدورّكم للإيمان بصفات خالقنا وتعلموا بتوفيق الله إياكم أن الحق، والصواب، والعدل في هذا الجنس مذهُبنا مذهبُ أهلِ الآثارِ، ومُتَّبِعي السُّنَنِ، وتقفوا على جهل من يسميهم مشبهة، إذ الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه" (٤).٦ - ٧ - وذكر الحافظ ابن حجر والشاه ولي الله كلام الإمام إسحاق بن راهويه المتقدم آنفاً، وكلام الإمام الترمذي الذي يمثل عقيدة أئمة الإسلام أمثال مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وغيرهم في بيان حقيقة التشبيه وأن إثبات الصفات على منهج السلف ليس من التشبيه في شيء؛ وأقراه، وحققا أن التشبيه: أن يقال يد الله كيد خلقه ووجهه كوجه خلقه مثلاُ (٥).

стр. 916

٨ - وقال المحدث المباركفوري في شرح كلام الإمام الترمذي هذا: "قوله: وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات" إلخ قال الحافظ في (مقدمة الفتح): "الجهمية من ينفي صفات الله تعالى التي أثبتها الكتاب والسنة، ويقول: القرآن مخلوق"."وقالوا: هذا تشبيه" وذهبوا إلى وجوب تأويلها "فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم" فتفسيرهم لهذه الآيات ليس إلا تحريفاً فالحذر الحذر عن تأويلهم وتفسيرهم، "وقالوا: "إن الله لم يخلق آدم بيده"، وقالوا: "إنما معنى اليد القوة" فغرضهم من هذا التأويل هو نفي اليد لله تعالى ظناً منهم أنه لو كان له تعالى يد لكان تشبيهاً، ولم يفهموا أن مجرد ثبوت اليد له تعالى ليس بتشبيه، "وقال إسحاق بن إبراهيم" هو إسحاق بن راهويه: "إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد الخ" هذا جواب عن قول الجهمية" (١). ٩ - وقال شيخ الإسلام: "فمن قال: إن علم الله كعلمي، أو قدرته كقدرتي، أو كلامه مثل كلامي أو إرادته، ومحبته، ورضاه، وغضبه مثل إرادتي، ومحبتي ورضائي وغضبي؛ أو استواؤه على العرش كاستوائي، ونزوله كنزولي، أو إتيانه كإتياني، ونحو ذلك - فهذا قد شبه الله ومثَّله بخلقه، تعالى الله عما يقولون؛ وهو ضال، خبيث، مبطل، بل كافر، ومن قال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام، ولا مشيئة ولا سمع، ولا بصر، ولا محبة ولا رضى، ولا غضب، ولا استواء، ولا إتيان ولا نزول - فقد عطل أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، وألحد في أسماء الله وآياته؛ وهو ضال، خبيث، مبطل، بل كافر" (٢). قلت: لقد ظهر ظهوراً بيناً من نصوص هؤلاء الأئمة أن إثبات الصفات لله تعالى بلا تكييف ولا تمثيل ليس فيها شائبة من التشبيه وأن هذا عين التنزيه فالذين فسروا التشبيه من الجهمية وأذيالهم من الماتريدية وغيرهم بغير ما فسره به أئمة الهدى فقد حرفوا النصوص وقلبوا التوحيد وعطلوا الصفات ورموا أئمة السنة بالتشبيه والتجسيم والكفر والشرك والوثنية بهتاناً وعدواناً ولم يعرفوا حقيقة التشبيه ولا حقيقة التنزيه بل ولا حقيقة التوحيد. اعتراف الماتريدية والأشعرية: لقد اعترف أئمة الماتريدية والأشعرية - شعروا أم لا- بأن إثبات الصفات لله تعالى على طريقة السلف ليس من باب التشبيه أصلاً، وإليك بعض الأمثلة من اعترافاتهم:١ - الإمام أبو منصور الماتريدي إمام الماتريدية اعترف بذلك في صدد رده على المعتزلة: فقال: "وليس إثبات الأسماء، وتحقيق الصفات تشابه، لنفي حقائق ما في الخلق عنه ... لكنا أردنا به ما يسقط التشبيه من قولنا عالم لا كالعلماء وهذا في كل ما نسميه، ونصفه؛ والله الموفق" (٣).

стр. 917

واحتج الماتريدي على المعتزلة والجهمية الأولى الذين يزعمون أن إثبات الصفات تشبيه فذكر لهم أن إثبات الصفات وإن كان في بادئ النظر تشبيهاً ولكن نهايته توحيد وتنزيه فنفي الصفات تعطيل، وإثباتها تشبيه، ولكن إذا قلنا: "عالم وقادر لا كالعلماء والقادرين" هذا يزيل شبهة التشبيه. فمن نص كلام الماتريدي: "والأصل في حرف التوحيد أن ابتداءه تشبيه وانتهاءه توحيد ... فقيل عالم وقادر، ونحو ذلك، إذ في الإمساك عن ذلك تعطيل، وفي تحقيق المعنى في خلقه تشبيه، فوصل به "لا كالعلماء، ونحوه" ليجعل نفي التشبيه ضمن الإثبات: فهذا فيما ألزمت ضرورة العقل القول به والسمع جميعاً" (١).وقال أبو منصور الماتريدي أيضاً في الاحتجاج على الجهمية الأولى: "ثم الوصف لله بأنه قادر عالم كريم جواد، والتسمية بها حق من السمع والعقل جميعاً ... ؛ إلا أن قوماً وجهوا تلك الأسماء إلى غيره ظناً منهم أن في إثبات الاسم تشابهاً بينه وبين كل مسمى. ولو كان به ذلك لكان بنفي التعطيل ذلك، وبنفيه أيضاً تشابه وبين مالا يدخل تحت اسم ... " (٢). قلت: هلا يسير الماتريدي، والماتريدية هذا المنهج في مثل علو الله واستوائه ونزوله ويده وغيرها؟ وقال: "ثم الدليل على ما قلنا مجيء الرسل والكتب السماوية بها ولو كان في التسمية بما جاءت به الرسل تشبيه لكانوا سبب نقص التوحيد، وهم جميعاً دعوا إلى عبادة الواحد وإلى معرفة وحدانية الباري. لم يجز أن يكون ذلك - أي إثبات الصفات- مما يحقق العدد، ويثبت الموافقة للخلق، ولا قوة إلا بالله" (٣). قلت: تدبر كلام هذا الرجل كيف احتج على الجهمية الأولى حجة أهل السنة؟ مع أن هذه الحجة تنقلب حجة عليه، وعلى أتباعه الماتريدية جميعاً أيضاً فيما نفوه من الصفات كالعلو والاستواء والنزول والغضب والرضى واليدين وغيرها فكان ينبغي لهم أن ينهجوا منهج السلف في جميع الصفات لئلا يقعوا في تناقض فاضح، واعتراف واضح.٢ - ولقد أقحم شيخ الإسلام هؤلاء الماتريدية والأشعرية لما ادعوا أن أثبات العلو والاستواء والنزول وغيرها يستلزم التشبيه - في تلك المناظرة المشهورة التي عقدت حول العقيدة الواسطية فكلهم سكتوا وبهتوا وكان يوماً مشهوداً حضرها الأمراء وكبار الأشعرية وأعداء شيخ الإسلام وقد أظهر من قيام الحجة وبيان المحجة- ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة قاله شيخ الإسلام (٤). ولما تشبثوا بشبهات وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم ويطنبون في هذا- قال لهم شيخ الإسلام: "قولي: "من غير تكييف، ولا تمثيل" ينفي كل باطل وإنما أخذتُ هذين الاسمين لأن "التكييف" مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة ومالك وابن عيينة وغيرهم المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". فاتفق هؤلاء السلف على أن الكيف غير معلوم لنا؛ فنفيتُ اتباعاً لسلف الأمة، وهو أيضاً منفي بالنص تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف، وحقيقة صفاته، وهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله كما قرر ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في التأويل، والمعنى، والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله. وكذلك "التمثيل" يُنفي بالنص والإجماع القديم، مع دلالة العقل على نفيه، ونفي التكييف إذ كنه الباري تعالى غير معلوم للبشر.

стр. 918

وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي الذي نقل أنه مذهب السلف وهو: "إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه، ويتبع فيه مثاله. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات تكييف". فقال أحد كبراء "المخالفين": فحينئذ يجوز أن يقال: هو جسم، لا كالأجسام".فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين: "إنما قيل: إنه يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم، حتى يلزم هذا السؤال ... " (١). إلى آخر كلام طيب قامع ودامغ لهذه الشبهة الواهية، شبهة التشبيه".٣ - الإمام بدر الدين العيني الحنفي ﵀ (٨٥٥هـ) الذي يبجله الكوثري ويجله غاية الإجلال ويرجحه على الحافظ ابن حجر كما يرجح "عمدته" على "فتحه" بل طعن في ابن حجر دفاعاً عن العيني (٢). فقد ذكر العيني عقيدة شيخ الإسلام وأقرها وقال في الدفاع عنه والرد على أعدائه من الماتريدية والأشعرية: " ... بل الخالق بائن من المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل يوصف الله بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل فلا تمثل صفاته بصفات خلقه، ومذهب السلف إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، وقد سئل الإمام مالك ﵁ عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]، فقال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".فهذا الإمام - أي شيخ الإسلام- كما رأيت عقيدته، وكاشفت سريرته، فمن كان على هذه العقيدة كيف ينسب إليه الحلول والاتحاد، أو التجسيم أو ما يذهب إليه أهل الإلحاد ... " (٣). قلت: كلام الإمام البدر العيني صريح في أن إثبات الصفات بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه في شيء. وفي نصه عبرة للماتريدية ولاسيما الكوثرية كما أنه نص صريح على سلامة عقيدة شيخ الإسلام!.٤ - العلامة الملا على القاري الحنفي (١٠١٤هـ) الذي يُكْبُرهُ الكوثري ويقول فيه: "إنه ناصر السنة" (٤) وجعله الكوثري في قائمة كبار أئمة الحنفية (٥). فقد دافع القاري جزاه الله خيراً - دفاعاً كاملاً عن شيخ الإسلام وابن القيم، ورد على من رماهم بسوء الاعتقاد والتجسيم، والتشبيه والضلال، وأقر عقيدة السلف في الصفات وأنها لا تستلزم التشبيه كما دافع عن أهل الحديث ورد على من يطعن فيهم بالتشبيه والحشو. ثم حقق أن عقيدة شيخ الإسلام وابن القيم هي بعينها عقيدة الإمام أبي حنيفة ﵀؛ فمما قال العلامة القاري:

стр. 919

"أقول: صانهما - (يعني شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم) - الله عن هذه الوهمة الشنيعة، والنسبة الفظيعة ومن طالع شرح منازل السائرين - (يعني مدارج السالكين) - ... تبين له أنهما كانا من أهل السنة والجماعة بل ومن أولياء هذه الأمة ... وأنه - (أي شيخ الإسلام) - بريء مما رماه أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل على عادتهم في أهل الحديث والسنة بذلك ... وذلك ميراث من أعداء رسول الله ﷺ في رميه ورمي أصحابه بأنهم صباة قد ابتدعوا ديناً محدثاً، وهذا ميراث لأهل الحديث والسنة من نبيهم بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة". ثم ذكر العلامة القاري الحنفي بيتين إرغاماً للمعطلة: فإن كان تجسيماً ثبوت صفاته ... وتنزيهها عن كل تأويل مفتر فإني بحمد الله ربي مجسم ... هلموا شهوداً واملئوا كل محضر ثم ذكر نبذة من عقيدة الإمام أبي حنيفة التي تمثل عقيدة السلف عامة ولاسيما الإمام أبو حنيفة ومالك إمام دار الهجرة ثم أقرها وصرح أن عقيدته - (ابن القيم) - عين عقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فقال: "ثم بين في الشرح المذكور - (يعني بين ابن القيم في (مدارج السالكين)) - ما يدل على براءته من التشنيع المسطور والتقبيح المزبور وهو ما نصه: "إن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أفهام العامة، ولا نعني بالعامة الجهال، بل عامة الأمة كما قال مالك ﵀: "الاستواء معلوم والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". فرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك ﵀ شافٍ عامٌ في جميع مسائل الصفات من السمع والبصر والعلم، والنزول والغضب والرحمة والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقُّلُ الكيفِ فرعُ العلم بكيفية الذات، وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلومٍ فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟. والعصمة النافعة في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبت له الأسماء والصفات، وينفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثبات منزهاً عن التشبيه ونفي منزهاً عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل، ومن شبهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبه، ومن قال: هو استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المنزه".انتهى كلامه - (أي ابن القيم) - وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف ... فالطعن الشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه ولا متوجه إليه فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم في (فقهه الأكبر)، ما نصه: "وله تعالى يد ووجه ونفس .. له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطالُ الصفةِ، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف ... " (١).٥ - وبعدما ذكرنا من نصوص أئمة الحنفية لا نحتاج إلى مزيد، ولكن مع ذلك أود أن أقدم للقراء نص كلام العلامة الشاه محمد أنور الكشميري الحنفي (١٣٥٢هـ) محدث الديوبندية والذي يبجله الكوثري وأبو غدة ويعظمانه ويبجلانه غاية الإجلال بله الديوبندية إطراء وغلواً (٢).

стр. 920

قال العلامة أنور ﵀:"ألا ترى أن الأشعري لما بالغ في التنزيه وشدد فيه لزمه نفي كثير من الصفات التي أثبتها السمع حتى قارن المعطلة فلم يبق للاستواء المنصوص عنده مصداق، وصار نحو ذلك كله من باب المجازات عنده فالقرآن يأبى عما يريده الأشعري من تنزيهه هذا - تبارك الله- وقد نقلنا لك فيما أسلفنا أننا لم نجد تعبيراً في القرآن أزيد إيهاماً من قوله تعالى: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:٣٠]، ومن قوله بُورِكَ مَن فِي النَّارِ [النمل:٨]، وكان ذلك مسموعاً فالأشعري يزعمه خلاف التنزيه قلت: فعليه أن يكره هذا التعبير أيضاً، ولكن القرآن قد أتى به ولم يبال بذلك الإيهام، ولا رآه مخالفاً للتنزيه .. وبالجملة قد ثبت إسناد كثير من الأشياء في السمع ولا يرضى الأشعري إلا بقطعها عن الله تعالى، مع أن القرآن على ما يظهر لا يسلك مسلك تلك التنزيهات العقلية" (١). قلت: هذا كلام جيد غير أن الردَّ على الأشعري والسكوتَ على الماتريدي ليس من الإنصاف في شيء، فكلامه هذا. أولاً: حجة على الماتريدي والماتريدية أيضاً. وثانياً: فيه اعتراف بالحق، وهو أن إثبات الصفات ليس من التشبيه في شيء. ثالثاً: أن تنزيهاتهم المزعومة تعطيل في الحقيقة وليس من التنزيه المطلوب في شيء؛ بل يجب تنزيه الله تعالى من هذا التنزيه الباطل. فليتدبر القراء الكلام ولا سيما الحنفية الماتريدية في هذه النصوص التي سقتها عن هؤلاء الأئمة: الإمام أبو حنيفة، والإمام أبو منصور الماتريدي والإمام البدر العيني، الشاه ولي الله، والملا على القاري، والشاه أنور شاه الديوبندي ليعرفوا أن كلامهم مشتمل على أمور مهمة أذكر منها ما يلي: ١ - العقيدة الإسلامية في الصفات هي عقيدة السلف الصالح لا غيرها. ٢ - عقيدة السلف في الصفات أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل والصفات ومن غير تكييف ولا تمثيل. ٣ - لا صلة للتفويض بعقيدة السلف وإنما تفويض السلف تفويض علم الكيف لا علم المعنى فمعاني الصفات معلومة، وكيفيتها مجهولة. ٤ - إثبات الصفات لله تعالى وفق المنهج السلفي ليس من التشبيه والتجسيم في شيء. ٥ - مذهب السلف وسط بين الإفراط والتفريط من التشبيه والتعطيل. ٦ - تأويل الخلف خروج على منهج السلف. ٧ - ٩ تأويل الصفات تحريف للنصوص وتعطيل للصفات وإبطالها، وأنه مذهب الجهمية. ١٠ - أن الله تعالى عالٍ على خلقه بائن من مخلوقاته لا في ذاته شيء من المخلوقات ولا في المخلوقات شيء من ذاته. ١١ - فَزّعْمُ أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولا فوق ولا تحت ... باطل، وهذيان المجانين والمحمومين. ١٢ - ١٣ الدفاع الكامل عن الإمامين شيخ الإسلام وابن القيم، وأنهما بريئان من تهمة التشبيه والتجسيم، وأن رميهما بتلك الألقاب عدوان وبهتان على عادة الجهمية رمي أهل الحديث والسنة بها، وأنهما من أهل السنة والجماعة، بل من أولياء هذه الأمة؛ وأن عقيدتهما بعينها عقيدة السلف الصالح بما فيهم الإمام أبو حنيفة رحمهم الله تعالى. الوجه الثالث: أن نقول: هؤلاء الماتريدية وغيرهم من أهل الكلام كما لم يعرفوا حقيقة "التشبيه" الواجبِ نفيُه عن الله، فأدخلوا في مفهوم "التشبيه" إثبات صفات الله تعالى ثم عطلوها بحجة التشبيه. كذلك هم لم يعرفوا حقيقة "التنزيه" الواجبِ إثباته لله تعالى فأدخلوا في مفهوم "التنزيه" نفي كثير من صفات الله تعالى فعطلوها بحجة التنزيه.

стр. 921

وقد ناقشناهم في الوجه السابق وأوضحنا أن وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل ليس من التشبيه في شيء ونتحدث في هذا الوجه عن عدم معرفتهم حقيقة "التنزيه" وأن ما يسمونه من "التنزيه" يتضمن تعطيل صفات الله تعالى، وأن تنزيههم باطل يجب تنزيه الله تعالى من تنزيههم، فنقول وبالله التوفيق. "التنزيه" المطلوب الذي دل عليه الكتاب والسنة، والذي فهمه السلف أئمة هذه الأمة بما فيهم الإمام أبو حنيفة رحمهم الله تعالى - هو تنزيه الله تعالى من كل عيب ونقص مع إثبات ما ورد به الشرع من الأسماء الحسنى، المطلوب تحقيقه البتة. بل تسميةُ نفي الصفات "تنزيهاً" من قبيل تسمية الشيء بغير اسمه، كما أن إثبات الصفات الكمالية له تعالى ليس من باب "التشبيه" المطلوب نفيه. الوجه الخامس: لقد ذكرنا في الوجه السابق - لإبطال شبهة التشبيه - نصوص كبار أئمة الماتريدية، وغيرهم على أن اشتراك المسميات والموصوفين في الأسماء العامة والصفات المطلقة لا يستلزم التماثل بينهما، ونذكر الآن أنه لابد من وجود القدر المشترك بين الأشياء للإفهام والتفهيم، وإلا لا نسد باب الإفادة والاستفادة المقصودة في تفاهم الكلام وتعقل معانيه ومراد المتكلم منه، وهذا هو الطريق الوحيد للمعرفة والتفاهم. قال الإمام ابن أبي العز الحنفي: "واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها، أو ما يناسب عينها، ويكون بينهما قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط" (١). وقال: "فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها - أتي بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني، وجعلها أسماءً لها، فيكون بينهما قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والإيمان، والكفر. وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها - أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد". وقال: "وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة، فقد كانوا مما أدركوا نظيره بحسهم وعقلهم كإخبارهم بأن الريح قد أهلكت عاداً، فإن عاداً من جنسهم والريح من جنس ريحهم وإن كانت أشد ... ، وقد يكون الذي يخبر به الرسول ﷺ مما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه. كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلابد أن يعلموا معنى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم ... به يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة؛ فينبغي أن يعرف هذه الدرجات: وثانيها: عقله لمعانيها الكلية. وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية. فهذه المراتب الثلاث لابد منها في كل خطاب فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلابد لنا من تعريفنا المعاني المشتركة بينها، وبين الحقائق المشهودة، والاشتباه الذي بينهما وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة. ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق كما تقدم في قصص الأمم.

стр. 922

وإن لم تكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: "ليس ذلك مثل هذا" ونحو ذلك، وإذا تقرر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق. وانتفاء التساوي لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط" (١). قلت: هذا الذي ذكره ابن أبي العز رحمه الله تعالى. حقيقة واقعة اعترف بها أبو منصور الماتريدي أيضاً حيث يقول:"وليس في إثبات الأسماء، وتحقيق الصفات تشابه لنفي حقائق ما في الخلق عنه كالهستية - (كلمة فارسية بمعنى الوجود) - والثبات ولكن الأسماء لما لم يحتمل التعريف، ولا تحقيق الذات بحق الربوبية إلا بذلك، إذ لا وجه لمعرفة غائب إلا بدلالة الشاهد، ثم إذا أريد الوصف بالعلو، والإجلال فذلك طريق المعرفة في المشاهد، وإمكان القول، إذ لا يحتمل وسعنا العرفان بالتسمية بغير الذي شاهدنا .. ، لكن أردنا به ما يسقط الشبه من قولنا: "عالم لا كالعلماء"، وهذا النوع في كل ما نسميه به، ونصفه، والله الموفق" (٢). قلت: الحاصل: أن القدر المشترك بين الأشياء مما لابد منه للتفاهم، وأنه لا يستلزم التشبيه لأن التشبيه ينتفي بمجرد الإضافة والتقييد، والتخصيص، ولاسيما إذا قلنا: "عالم لا كالعلماء" فوصف الله تعالى بالصفات الكمالية بلا تكييف ولا تمثيل ليست فيه رائحة التشبيه، بل هذا عين التنزيه. الوجه السادس: أن ظاهر كل نص يختلف حسب سماع كل سامع فقد يظهر لسامع أن إثبات الصفات لله تعالى تشبيه ولا يظهر لسامع آخر؛ وسبب ذلك تغير الفطرة وفساد البيئة؛ فإذا كان السامع لنصوص الصفات سليم القلب صحيح الفطرة، ولم يتأثر ببيئةٍ فاسدةٍ فلسفية كلامية - لم يفهم منها إلا ما هو اللائق بالله تعالى ولا يخطر بباله رائحة التمثيل والتشبيه؛ فأقحاح العرب في جاهلية والإسلام حين سمعوا كلام الله، وكلام رسول الله ﷺ حول الصفات لم يقل أحد منهم إن ظاهره التشبيه أو ظاهره غير مراد، وهكذا خيار هذه الأمة بعد الصحابة التابعون وأتباعهم مضوا على هذا من دون نكير ولا ارتياب ولا تأويل، ولا تفويض مزور، بل كان إثبات الصفات بلا تشبيه، وتنزيه الله بلا تعطيل أمراً جِبِلّيًّا فُطِرَتْ قلوبهم على ذلك فكانوا يعرفون ذلك من أعماق قلوبهم من دون الحاجة إلى الدراسة (٣). وبعكس ذلك، إذا كان السامع لنصوص الصفات فاسد القلب والفطرة والعقل متأثراً ببيئة منتنة فلسفية كلامية غريقاً في ظلمات بعضها فوق بعض غريقاً في بحر لجي يغشاه موجٌ فوقه موجٌ - فهو ليلاً ونهاراً يفكر في التشبيه. والتمثيل، والتنزيه، والتركيب، والجهة، والحيز، وغيرها من المصطلحات الفلسفية الكلامية.

стр. 923

فكلما مر عليه نص من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ حول صفات رب العرش الكريم، يتبادر إلى ذهنه منه الصفة اللائقة بالمخلوق ثم يقف زاعماً: أن هذا النص لو بقي على ظاهره يلزم منه تشبيه الله بخلقه، وهذا مناف للتوحيد والتنزيه - في زعمه- الذي هو عين التعطيل في الواقع - فيلتجئ إلى الإنكار أو التأويل أو على الأقل إلى التفويض. ثم لفساد القلوب والفطر دركات شتى فكلما كان الفساد في القلوب والعقول، والفطر أشد وأعمق غوراً، كان أصحابها أشد وأعمق غوراً، في التعطيل. ألا ترى أن غلاة الجهمية لما كان فساد قلوبهم وفطرهم أشد - كانوا أشد غلواً في التعطيل حتى عطلوا الأسماء والصفات جميعاً. وبحجة لزوم التشبيه نفسه قاربهم المعتزلة فكانوا أحسن حالاً منهم وأقل خبثاً من هؤلاء الغلاة فعطلوا الصفات وأثبتوا الأسماء مجردة عن معانيها لزعمهم أن التشبيه إنما يتحقق في أثبات الصفات دون الأسماء. وقاربهم تلاميذهم الماتريدية، وزملاؤهم الأشعرية الكلابية؛ فأثبتوا الأسماء مع معاني بعضها وإلحاد في بعضها. كما أثبتوا بعض الصفات ونفوا سائرها، لظنهم أن التشبيه لا يتحقق فيما أثبتوه كالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر؛ وإنما يتحقق التشبيه فيما نفوه من الصفات، كالعلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، والغضب، والرضا، ونحوها. فلو كانت عقولهم وفطرهم صحيحة ولم يتأثروا بخرافات الفلاسفة وبيئة منتنة كلامية - لكانوا أسعد بالإيمان بالصفات كما كان الصحابة والتابعون أهل القرون المفضلة أسعد به. ونوضح هذا المقام بأمثلة يمانية ضربها العلامة المعلمي اليماني (١٣٨٦هـ) رحمه الله تعالى لبيان تأثر المتكلمين بفساد البيئة والفطرة حتى نفوا الصفات بحجة التشبيه، وتشبثوا بشبهة واهية وارتكبوا ما لا يقره عقل ولا نقل فقال: "والحق أن العقول كلها تنبذه البتة إلا من أرعبته شبهة المخالفين لعظمتهم في وهمه، وطالت ممارسته لها، وقد يأنس بالنفي الساقط كما تقدم، وهذا الأنس إنما هو ضرب من الحيرة بل هو ضرب من الجنون. أ- افرض أنك خرجت من بيتك، وعلى رأسك عمامة، فيلقاك رجل فيقول لك: "لم خرجت بلا عمامة؟ فترى أنه يمازحك: ثم يلقاك آخر فيقول لك نحو ما قال الأول، وثم يلقاك الثالث، ثم رابع، ثم خامس، هكذا كل منهم يقول لك نحو مقالة الأول. ألا ترتاب في نفسك، وتخاف أن تكون قد جُننت، حيث تعتقد أن على رأسك عمامة تراها وتلمسها، وتحس ثقلها، وهؤلاء كلهم ينفون ذلك وقد ينتهي بك الحال إلى أن تحاول أن تقنع نفسك بأنه ليس على رأسك عمامة، وتنفي أن تخبر أحداً بأنك تعتقد أن على رأسك عمامة، بل قد ترى الأولى أن ترمى العمامة عن رأسك حتى يتفق اعتقادك واعتقاد الناس. ب- ولكن افرض أنك رميت بها واعتقدت أنه ليس على رأسك عمامة، فلقيك رجل فقال لك: "عمامتك هذه كبيرة"؛ ثم لقيك آخر فقال: "عمامتك هذه وسخة" ثم ثالث، ثم رابع، ثم خامس وهلم جراً. كل منهم يثبت لك أن على رأسك عمامة؛ فماذا يكون حالك؟ وقد وقع ما يشبه هذا فكانت نتيجته الجنون.

стр. 924

ج- أخبرت أنه كان في هذه البلدة امرأة من نساء كبار الأمراء وكان لها ولد يعارضها ويمانعها عما تريد. واشتدت مضايقته لها، حتى عمدت إلى جماعة أعدتهم لمجالسة ولدها، وصحبته، وأن يتعمدوا مخالفته، وإظهار التعجب منه في أشياء كثيرة، كانوا يقولون في الحلو: "إنه حامض" وفي الأصفر: "إنه أحمر" ونحو ذلك، ففعلوا ذلك، وألحوا فيه حتى تشكك الولد، وجُنَّ. د- وأخبرت: أنه كان لرجل من كبار الوزراء ابن وابن أخ، وقريب آخر، وكان القريب عاقلاً ذكياً فطناً مهذباً نبيل الأخلاق، وكان الابن دون ذلك، فخاف الوزير أن يموت، فيتولى الوزارة قريبه دون ابنه فأعد جماعة لمجالسة قريبه، وأمرهم بمخالفته وتشكيكه، ففعلوا ذلك حتى جن المسكين" (١). قلت: وهكذا حال هؤلاء المتكلمين المجانين العقلاء، وذلك لفساد الفطرة والعقل والبيئة؛ فأفضت بهم عقلياتهم إلى طامات لا يقرها عقل ولا نقل، ولا إجماع ولا فطرة من القرمطة والسفسطة ورفع النقيضين؛ وشكوك وشبهات ظنوها براهين قاطعات وتعطيل الصفات وتحريف نصوصها بشبهة "التشبيه" وتشبيه الله بالحيوانات، والجمادات؛ بل بالمعدومات والممتنعات؛ فهم في الحقيقة - مع كونهم معطلة- مشبهة لا منزهة. الوجه السابع: أن قولهم: "ظاهر النصوص تشبيه أو يوهم التشبيه، أو ظاهر النصوص غير مراد". من الكلمات المجملة الكلامية والألفاظ المستحدثة البدعية المتشابهة المحتملة للحق والباطل كقولهم: "الله ليس في جهة، وليس له حد، ولا مكان، والله منزه عن الأعراض والحوادث" ونحوها. وقاعدة السلف في مثل ذلك: التوقف عن الحكم عليها نفياً وإثباتاً قبل التفصيل وقبل بيان مراد قائلها: فيجب فيها التفصيل وتمييز الحق من الباطل؛ فإن كان مراد قائلها معنًى حقا يقبل، وإلا يرد على قائلها، مع أن التقييد بالألفاظ الشرعية المأثورة هو الطريق المتبع (٢). فقولهم: (ظاهر النصوص تشبيه) أو قولهم: (ظاهر النصوص غير مراد) نعرضه على تلك القاعدة. قال شيخ الإسلام: (القاعدة الثانية: إذا قال القائل: "ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد". فإنه يقال: لفظ "الظاهر" فيه إجمال واشتراك؛ فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا "ظاهراً"، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلاً؛ والله اعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال. والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارة: يجعلون المعنى الفاسد "ظاهر اللفظ" حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك. وتارة: يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل) (٣).

стр. 925

وقال: "وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع فإن الله تعالى لما أخبر إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى:١٢]، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج:٦]، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد، كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا. وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقةً، عالم حقيقةً، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير. فكذلك إذا قالوا - في قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [المائدة:١١٩]، وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤]-: "وإنه على ظاهره". لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواءً كاستواء المخلوق، ولا حباً كحبه، ولا رضا كرضاه؛ فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء في ظاهر ذلك مراداً، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به. لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مراداً إلا بدليل يدل على النفي وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات فيكون الكلام في الجميع واحداً. وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا، كالوجه واليد. ومنها ما هي معان وأعراض، وهي قائمة بنا كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة. ثم من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير لم يقل المسلمون: "إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا". فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيده لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهوم في حقنا؛ بل صفة - كل- موصوف تناسبه. فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين فصفاته كذلك ليست من مثل صفات المخلوقين ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إلينا ... ". ثم ذكر شيخ الإسلام من مفاسد قولهم: "ظاهر النصوص غير مراد أو ظاهرها تشبيه" ما يلي: أ- أن مدلول النصوص هو التمثيل. ب- إبقاء النصوص معطلة عما هو اللائق بالله تعالى. ج- نفي الصفات التي تدل عليها تلك النصوص فيكون معطلاً، لما يستحقه . د- وصف الرب بنقيض صفاته اللائقة به تعالى من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات. ثم قال: "فيكون قد عطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحداً في أسماءه وآياته ... " (١). وقال شيخ الإسلام: "وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة. ١ - قسمان يقولون: تُجْرَى على ظواهرها. ٢ - وقسمان يقولون: هي على خلاف ظاهرها. ٣ - وقسمان يسكتون. أما الألولون فقسمان: أحدهما: من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين فهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف.

стр. 926

الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله كما يُجْرَى اسم "العليم، والقدير، والإله، والموجود، والذات" ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله. فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث، وإما عرض قائم به، فالعلم والقدرة والكلام، والمشيئة، والرحمة، والرضا، والغضب" ونحو ذلك في حق العبد أعراض. و"الوجه، واليد، والعين" في حقه أجسام. فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأن له علماً، وقدرة، وكلاماً، ومشيئة، وإن لم يكن ذلك عرضاً يجوز (١) عليه ما يجوز على صفات المخلوقين - جاز أن يكون وجه الله، ويداه صفاتٍ ليست أجساماً يجوز (٢) عليها ما يجوز على صفات المخلوقين. وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي، وغيره من السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر واضح. فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات - فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات، فمن قال: "لا أعقل علماًً، ويداً إلا من جنس العلم واليد المعهودين"، قيل له: فكيف تعقل ذاتاً من غير جنس ذوات المخلوقين؟ ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته، وتلائم حقيقته. فمن لم يفهم من صفات الرب - الذي ليس كمثله شيء - غلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله، ودينه. وما أحسن ما قال بعضهم: (إذا قال لك الجهمي: "كيف استوى"، أو "كيف ينزل إلى سماء الدنيا" أو "كيف يداه" ونحو ذلك؟. فقل له: "كيف هو في نفسه"؟ فإذا قال لك: "لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر" فقل له: "فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف. فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف، لم تعلم كيفيته؟ وإنما تعلم الذات، والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك ... ).ثم ذكر شيخ الإسلام بقية الأقسام فراجعه (٣). قلت: الحاصل من هذا الوجه: أن من زعم أن ظاهر نصوص الصفات موهم لتشبيه الله بخلقه ثم التزم ذلك فهو مشبه عابد صنم ممثل الله تعالى بخلقه، ومن زعم أن ظاهرها موهم للتشبيه ولكنه غير مراد ثم أولها إلى ما يقتضيه عقله الفاسد فهو أولاً: معطل لصفات الله تعالى، وثانياً: محرف لنصوصها، وثالثاً: واقع فيما فر منه، ورابعاً: مشبه لله تعالى بالجمادات والمعدومات، والممتنعات، كما أنه غالط في قوله: إن هذا ظاهر النصوص ومن آمن بالصفات ونصوصها بلا تكييف ولا تمثيل فقد أصاب الحق وسلم من التعطيل والتمثيل، لأن ذلك هو الظاهر اللائق بجلال الله تعالى، وبالله التوفيق. الوجه الثامن: أن نقول: إن الذين تشبثوا في نفي بعض الصفات بشبهة التشبيه، ويقولون: فإن ظاهر نصوصها تشبيه، أو موهم للتشبيه فظاهرها غير مراد"، أو يقولون: "إن هذه النصوص ظواهرها ظنية في معارضة العقليات القطعية، فهي إما أن تفوض معانيها إلى الله، أو تؤول إلى ما يوافق البراهين العقلية"، إلى أخر ما يزعمون - مضطربون متناقضون، وقولهم متناقض تناقضاً واضحاً، متضارب تضارباً فاضحاً؛ فإنهم قد أثبتوا بعض الصفات، كالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، فلم لم يفهموا من ظاهر نصوص تلك الصفات تشبيه الله بخلقه؟.

стр. 927

ولم لم يقولوا: إن ظاهرها موهم للتشبيه، أو ظاهرها غير مراد ونحوه؟ فهؤلاء إذا لم يفهموا من نصوص الصفات التي أثبتوها - تشبيه الله بخلقه- كان يجب عليهم أن لا يفهموا التشبيه من نصوص الصفات التي نفوها، كعلوا الله تعالى خلقه، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا وغضبه، ورضاه، ووجهه، ويديه، ونحوها. فإثبات بعض الصفات، ونفي بعضها، وتأويل بعض النصوص وعدم تأويل بعضها ليس إلا تناقضاً واضطراباً؛ وهومذهب ليس له قاعدة ولا ميزان؛ وموقف منهار؛ ولا مخلص لهم من هذا التناقض والاضطراب إلا أن يرجعوا إلى العقيدة السلفية التي ليس فيها إفراط ولا تفريط، من تشبيه وتعطيل. وأن يثبتوا جميع الصفات الكمالية الواردة في الكتاب والسنة وفق المنهج السلفي، وهو إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل، وإلا يلزمهم نفي ما أثبتوه من بعض الصفات أيضاً؛ بل نفى الأسماء الحسنى كلها بل نفي وجود الله تعالى لأجل شبهة التشبيه حتى يكونوا من غلاة غلاة غلاة المعطلة، ومع ذلك لا يمكن لهم التخلص من التشبيه مهما غالوا في نفيه؛ لأنهم سيقعون في تشبيه الله تعالى بالمعدومات، بل الممتنعات في آخر المطاف، ولابد من ذلك لهم إلا بالرجوع إلى العقيدة السلفية. هذا، ولكثير من العلماء نصوص مهمة في بيان تناقضهم، واضطراب موقفهم نذكرها في وجوه إبطال التأويل إن شاء الله تعالى. الحاصل: أن الماتريدية لما أثبتوا بعض الصفات، ونفوا بعضها بشبهة التشبيه، وظنوا أن ذلك مقتضى التنزيه - وقعوا في التناقض حيث أثبتوا بعضها، ونفوا بعضها مع أن القول في جميعها واحد، ثم لم ينجوا من التشبيه حيث وقعوا فيه بعد ما عطلوا بعضها وحرفوا نصوصها، لآن مالها إلى التشبيه قبل التأويل وبعده لازم ولا نجاة منه إلا بالمنهج السلفي الذي هو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، والحمد لله. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني ١/ ٤٧٨

стр. 928

أولا: مخالفة الماتريدية للنقل الصحيح لقد عارضت الماتريدية - في تعطيلهم لصفة "العلو" لله جميع ملل الأنبياء والمرسلين السابقين، وجميع الكتب الإلهية المنزلة، والنصوص الصريحة المحكمة الصريحة في الكتاب والسنة. أما اتفاق ملل الأنبياء والمرسلين السابقين على تحقيق "علو" الله تعالى - فقد اعترف بذلك كبار الماتريدية، والأشعرية، بل القرامطة الباطنية. والشيخ الإمام عبدالقادر بن موسى بن عبدالله الجيلاني (٥٦١هـ) (١) - الذي اتفق على كراماته وولايته (٢)، والذي قال فيه الإمام عز الدين بن عبدالسلام: "ما نعرف أحداً كراماته متواترة كالشيخ عبدالقادر ﵀" (٣) - قد قال: "وهو لجهة العلو مستوٍ على العرش، ... وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزله على كل نبي أرسله" (٤). وقال الإمام ابن القيم معلقاً على كلام الشيخ الجيلاني هذا:"وصدق ... ، فإن الرسل من أولهم إلى آخرهم ليس بينهم اختلاف في أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله ... ، فلم يختلف منهم اثنان في باب الأسماء والصفات وإن كان في الكتابين الذين لم ينزل من السماء كتاب أهدى منهما - من ذلك ما ليس في غيرهم، حتى زعمت أمة المعطلة: أنهما كتابا تشبيهٍ، ومن جاء بهما إماما المشبهة" (٥).وأما أدلة "علو الله تعالى" في القرآن الكريم وأحاديث رسول الله ﷺ وكلام سلف هذه الأمة ونصوص أئمة السنة، فأمر لا يعده العاد ولا يحصيه إلا رب العباد. وقد ذكر بعض كبار الحنفية وغيرهم من أهل العلم أن بعض أئمة السنة تتبعها فوجدها أكثر من ألف دليل (٦). وقد تنوعت أدلة "علو الله تعالى" أنواعاً متعددة ذكر منها بعض أئمة السنة أكثر من عشرين نوعاً، واعترف بها بعض كبار أئمة الكلام، ولا حاجة إلى ذكرها ولكن أشير إلى بعض تلك الأنواع: ١ - نصوص علوه تعالى على خلقه سبحانه. ٢ - نصوص فوقيته سبحانه على عباده. قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:١٨].

стр. 929

قلت: لا يصح أي تأويل لقوله تعالى: فَوْقَ عِبَادِهِ كأن يقال: المراد من "الفوقية" فوقية القهر، والغلبة، والعظمة، ونحوها مما يرتكبه الماتريدية في تحريف نصوص العلو كما تقدم، لأن قوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ دل على تلك الفوقية، فلو حمل قوله تعالى فَوْقَ عِبَادِهِ أيضاً على تلك الفوقية القهرية - لكان الكلام مبنياً على التأكيد والتكرار، مع أن التأسيس أولى من التأكيد لاشتمال التأسيس على الإفادة فائدةً جديدةً حتى باعتراف الماتريدية. على أن حمل الكلام على الحقيقة متعين؛ لأن الحقيقة هي الأصل باعترافهم أيضاً (١). وقال : يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ [النحل:٥٠] وهذه الآية لا احتمال فيها لأي مجاز أو تأويلٍ بوجهٍ من الوجه، لوجود كلمة "من" المعينة للفوقية الذاتية الحقيقية (٢).٣ - ونصوص كونه ﵎ في السماء. والمراد من "السماء" العلو والارتفاع، وكلمة "في" بمعنى كلمة "على" (٣). ٤ - ونوصوص استوائه سبحانه على عرشه تعالى. ٥ - ونصوص العروج إليه جلا وعلا. ٦ - ونصوص الصعود إليه تبارك. ٧ - ونصوص الرفع إليه سبحانه. ٨ - وأحاديث نزول الله ﵎ إلى السماء الدنيا. ٩ - وأحاديث معراجه ﷺ إلى ربه . ففي لفظ من تلك الأحاديث: ((ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى .. )) (٤).١٠ - وأحاديث الإشارة إلى السماء بعدها إشارة إلى الله منها حديث جابر الطويل في حجة الوداع، وفيه: ((فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس - اللهم اشهد - ثلاث مرات)) (٥).ومنها حديث الجارية وفيه: ((أين الله)) فقالت ((في السماء)) (٦). قلتُ: هذه النصوص ومعها أضعافُ أضعاف أضعافٍ تدل دلالة قاطعة لا تحتمل النقيض على أن الله تعالى فوق هذا العالم حقيقة، وأن هذه النصوص القاطعة الساطعة لا تحتمل المجاز والتأويل بوجه من الوجوه؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم بعد ما ساق أحداً وعشرين نوعاً من حجج "علو" الله تعالى: وقد اقتصرت على يسير من كثيـ ... ـرٍ فائتٍ للعدَ والحسبان ما كل هذا قابل التأويل بالـ ... ـتحريف فاستحيوا من الرحمن (٧) لكن الماتريدية يحرفون هذه النصوص مع كثرتها واطرادها وتظافرها إلى معانٍ مجازية قد زكرناها فيما سبق فلا داعي إلى إعادتها.

стр. 930

وقد رهنَّا في فصل التأويل على أن تأويل نصوص الصفات بدعةٌ في صميم الإسلام، وخروجٌ على إجماع أئمة الإسلام، وأن مقالة التأويل في الأصل مقالةُ الكفارِ، وأنها تستلزم تعطيل الصفات وتحريف نصوصها، وأنها طريق إلى الزندقة والإلحاد. ولقد تصدى شيخ الإسلام لإبطال حمل نصوص علو الله تعالى وفوقيته على المجاز فأجاد وأفاد (١)، وهكذا للإمام ابن القيم ﵀ مباحثُ قيمةٌ في إبطال تأويلات نصوص فوقية الله تعالى وعلوه سبحانه فارجع إليها (٢). وللإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) والعلامة محمود الآلوسى (١٢٧٠هـ) وابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) وحفيده العلامة شكرى الآلوسي (١٣٤٢هـ) كلمة قيمة قاضية على تأويلات الماتريدية وأمثالهم لنصوص "علو الله سبحانه وفوقيته" أنقلها لما فيها من عبرةٍ بالغةٍ وهم من كبار الحنفية وأئمتهم، واللفظ للآلوسي الجد: "وتأول بعضهم كل نص فيه نسبة الفوقية لله بأن "فوق" بمعنى "خير وأفضل" كما يقال: "الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم" وأنت تعلم أن هذا مما تنفر منه العقول السليمة وتشمئز منه القلوب الصحيحة؛ فإن قول القائل ابتداءً" الله خير من عباده" أو "خير من عرشه" من جنس قوله "الثلج بارد، والنار حارة، والشمس أضوأ من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار" ونحو ذلك. وليس في ذلك أيضاً تمجيد ولا تعظيم لله تعالى، بل من أرذل الكلام، فكيف يليق حمل الكلام المجيد عليه ... على أن في ذلك تنقيص لله تعالى شأنه ففي المثل السائر: ألم ترى أن السيف ينقص قدره إذا ... قيل: إن السيف أمضى من العصى "والفوقية" بمعنى "الفوقية في الفضل" مما يثبتها السلف لله تعالى أيضاً وهي متحققة في ضمن "الفوقية المطلقة" وكذا يثبتون "فوقية القهر والغلبة" كما يثبتون "فوقية الذات" ويؤمنون بجميع ذلك، وليسوا كمن - يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض" (٣). قلتُ: لا حاجة إلى مزيد من الرد على تأويلات الماتريدية بعد كلام هؤلاء الأئمة لكني أود أن أشير إلى نكتة تتعلق بهذا المقام وهي: أنه لا يمكن لأحدٍ إثبات "علو المكانة وعلو الشأن" لله إلا أن يعترف لله تعالى بعلو الذات والعلو حقيقةً؛ لأن نفي العلو الحقيقي الذاتي - عن الله تعالى - نفٌي لعلو الشأن والمكانة عنه سبحانه بالطريق الأولى والأحرى لكن التأويل التالي باطل فالمقدم مثله. الحاصل: أن علو الله تعالى ثابت بنصوص الكتب السماوية الصريحة والأحاديث الصحيحة، وأن الماتريدية قد خرجوا عليها، وأن تأويلها باطل محض، لأنه تحريف لها وتعطيل لهذه الصفة، وإبطال لها؛ حتى بشهادة إمامهم "الأعظم" حيث قال: "ولا يقال: غضبه: عقوبته، ورضاه، ثوابه". وقال أيضاً: "ولا يقال: إن يده: قدرته، أو: نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال". وهذا برهان باهر،، وسلطان قاهر،، على أن تأويل صفة بأخرى - كما تفعله الجهمية الأولى وأفراخهم من الماتريدية والأشعرية - تعطيلٌ للصفات وإبطالٌ لها وتحريفٌ لنصوصها وتخريفٌ للعقيدة. فواعجباً للفنجفيري القائل غالطاً جاهلاً،، أو مغالطاً متجاهلاً: الخلف المؤولون لا ينكرون الصفات بل الصفات عندهم ثابتةٌ مثل ما ثبت عند السلف؛ فهم من أهل السنة لا يخرجون منهم (٤). فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٢/ ٤٦٣

стр. 931

ثانيا: خروج الماتريدية على إجماع جميع بني آدم إن الماتريدية وأمثالهم وكل من نفى "علو" الله تعالى على خلقه من جميع طوائف المعطلة قديماً وحديثاً قد خالفوا إجماع جميع بني آدم على "علو الله تعالى" فإن جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين على إثبات علو الله حتى باعتراف كبار القرامطة الباطنية وكبار الماتريدية والأشعرية، بل أهل الأديان كلهم أجمعون مع المسلمين (١).واعترف بذلك ابن سينا وأمثاله من القرامطة الباطنية، وكذا كبار الماتريدية والأشعرية، حتى الفلاسفة اليونانيين الكافرين (٢)، وحتى اليهود والنصارى (٣).ولذلك قال الإمام عبدالله بن المبارك ﵀ (١٨١هـ) - الذي يعده الكوثرية والديوبندية من كبار أئمة الحنفية (٤): " ... إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكى كلام الجهمية" (٥).بل العرب والعجم (٦)، والآدميون كلهم عربهم وعجمهم، مؤمنهم وكافرهم (٧)، واتفقت بذلك كلمة المسلمين والكافرين (٨)، وكل عاقل من مسلم وكافر (٩)، وجميع بني آدم (١٠)، وعلى ذلك إجماع الأولين والأخرين، العالمين منهم والجاهلين، وكل من مضى ومن غير، حتى فرعون ونمرود (١١).وعليه فطرة المسلمين علمائهم وجهالهم، أحرارهم ومماليكهم، ذكرانهم وإناثهم، بالغيهم وأطفالهم، وكل من دعا الله (١٢).بل ابن كلاب (٢٤٠هـ) والكلابية، والأشعري (٣٢٤هـ) وقدماء الأشعرية، كالباقلاني وابن فورك، بل الجويني وغيرهم (١٣).وجمهور الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والداوودية، والصوفية والكرامية، والهشامية، والمرجئة، وقدماء الشيعة، وأهل التفسير والحديث والكلام (١٤)، والعرب العاربة، والعبرانيون (١٥)، ومشركوا العرب (١٦).وعلو الله على خلقه واستواؤه على عرشه أمر مجمعٌ عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ومن تبعهم، ولم يخالف فيه إلا من هو متهم على الإسلام، أو مغرور بالتقليد لمن يحسن به الظن (١٧). المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٢/ ٤٧١

стр. 932

ثالثا: مكابرة الماتريدية بداهة العقل الصريح لقد كابر الماتريدية بداهة العقل الصريح كما ناقضوا النقل الصحيح، وخالفوا إجماع بني آدم في قولهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق العالم ولا تحته. أما بيان مخالفتهم للنقل الصحيح والإجماع المحقق الثابت فقد تقدم بيانه في المبحثين السابقين. وأما بيان مكابرتهم لبداهة العقل الصريح فمن وجوه عقلية صريحة متعددة. ولقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ منها ثلاثين وجهاً (١). وأكتفى بذكر بعضها فأقول وبالله التوفيق: الوجه الأول: أننا جميعاً نحن وخصومنا على علم اليقين لا يحتمل النقيض بالاضطرار من دين الإسلام والعقل الصريح والفطرة الصحيحة: أن الله تعالى خلق هذا الكون بعد أن لم يكن. فنسأل الماتريدية: هل خلق الله تعالى هذا الكون في ذاته المقدسة؟. فيكون الكون داخلاً في ذات الله تعالى! والعياذ بالله منه!. أم أن الله تعالى خلق الكون خارجاً عن ذاته المقدسة؟. فإن اخترتم الصورة الأولى: فقد كفرتم كفراً قبيحاً صريحاً، لأنه حلول فظيع شنيع. وإن اخترتم الصورة الثانية: فقد اعترفتم بأن الله تعالى خارج عن هذه الأكوان وهذا هو المطلوب. فبطل قولكم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه. وإن تقولوا: لا نقول بالصورة الأولى ولا بالثانية - فقد كابرتم بداهة العقل الصريح كما عارضتم النقل الصحيح وخرجتم عن إجماع بني آدم وأكرهتم أنفسكم على مخالفة الفطرة المستقيمة (٢). الوجه الثاني: أن نقول لهؤلاء المنكرين لفوقية الله تعالى على خلقه القائلين: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق ولا تحت: نسألكم أولاً: هل وجود رب العالمين وجودٌ ذهنٌّ؟. أم وجودُه وجود خارجيٌّ؟. فإن قلتم وجوده وجود ذهني - فقد صرتم في غاية التعطيل لرب العالمين - وأنكرتم وجوده إنكاراً واضحا، وصرتم كفاراً كفراً فاضحاً، وهذا لا تقولون به. وإن قلتم وجودهُ وجودٌ خارجي، نسأكلم ثانياً: هل رب العالمين عين هذه الأكوان؟ أم غيرها؟ فإن قلتم: هو عين هذه الأكوان: ارتديتم بالإلحاد الصريح والكفر القبيح وجحدتم الرحمن رب هذه الأكوان، فكفركم حينئذ أقبح من كفر النصارى الحمير البلداء الحمقى عبدة الصلبان. وإن قلتم: هو غير هذه الأكوان - نسألكم ثالثاً: هل هذه الأكوان في ذات رب العالمين؟ أم ذات الرحمن في هذه الأكوان؟. فبأيهما قلتم - صرتم حلوليين ملحدين، وشراً من النصارى، وحينئذ يرحب بكم النصارى ويقبلون خدودكم. وإن قلتم: ننفي الأمرين جميعاً - نسألكم رابعاً: هل رب العالمين مستغن عن هذه الأكوان قائمٌ بنفسه؟ أم هو عرضٌ من الأعراض قائم بغيره؟. فإن قلتم بالثاني: أتيتم بكفرٍ أقبح أشنع، وإلحادٍ أصرح أبشع. وإن قلتم بالأول: فقد اعترفتم بأن الله تعالى خارجٌ عن هذه الأكوان مستغن عنها وهو المقصود. فبطل زعمكم: أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ... وإلا فقد كابرتم صريح المعقول كما عارضتم صحيح المنقول. وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم ﵀: وسل المعطل عن مسائل خمسة ... تردى قواعده من الأركان قل للمعطل هل تقول: إلهنا الـ ... ـمعبودُ حقاً خارج الأذهان فإذا نفى هذا فذاك معطل ... للرب حقاً بالغ الكفران

стр. 933

وإذا أقر به فسله ثانيا ... أتراه غير جميع ذي الأكوان؟ فإذا نفى هذا وقال بأنه ... هو عينها ما ههنا غيران فقد ارتدى بالاتحاد مصرحاً ... بالكفر جاحدً ربه الرحمن حاشا النصارى أن يكونوا مثله ... وهم الحمير وعابدُوا الصلبان هم حصصوه بالمسيح وأمه ... وأولاء ما صانوه عن حيوان وإذا أقرّ بأنه غير الورى ... عبدٌ ومعبودٌ هما شيئان فاسأله: هل هذا الورى في ذاته ... أم ذاته فيها هنا أمران وإذا أقرّ بواحد من ذينك الـ ... أمرين قَبَّلَ خدَّه النصراني ويقول: أهلاً بالذي هو مثلنا ... خشداشنا وحبيبنا الحقاني وإذا نفى الأمرين فسأله إذاً ... هل ذاته استغنت عن الأكوان؟ فلذلك قام بنفسه أم قام بالـ ... أعيان كالأعراض والألوان؟ فإذا أقر وقال: بل هو قائم ... بالنفس، فاسأله وقل ذاتان إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. الوجه الثالث: ما ساقه أربعة من الشهود العدول من كبار الحنفية وهم الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) والعلامة محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ)، وابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) وحفيده شكرى الألوسي (١٣٤٢هـ) واللفظ للأول. "من سمع أحاديث الرسول ﷺ وكلام السلف - وجد منه في إثبات "الفوقية" ما لا ينحصر. ولا ريب أن الله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة - تعالى الله عن ذلك -؛ فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجاً عن ذاته. ولو لم يتصف سبحانه "بفوقية الذات" - مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفاً بضد ذلك؛ وضد "الفوقية"،"السفول" وهو مذموم على الإطلاق؛ لأنه مستقر "إبليس" وأتباعه وجنوده. فإن قيل: لا نسلم أنه قابل "للفوقية" حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدهاً. قيل: لو لم يكن قابلاً "للعلو والفوقية" - لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها. فمتى أقررتم أنه ذات قائم بنفسه، غير محاط للعالم، وأنه موجود في الخارج وليس وجوده ذهنياً فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعاً. وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة: أن ما كان وجوده كذلك - فهو إما داخل العالم، وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى وأظهر من الأمور البديهيات بل الضرورية بلا ريب؛ فلا يستدل على ذلك بدليل إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه وأوضح وأبين. وإذا كان "صفةُ العلوِ والفوقية" صفة كمال لا نقص فيه، ولا يستلزم نقصاً ولا يوجب محذوراً ولا يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً. فنفي حقيقته يكون عين الباطل والمحال الذي لا تأتي به شريعة أصلاً. فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده، وتصديق رسله والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله - صلوات الله عليهم وسلامه - إلا بذلك؟.فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والنصوص الواردة المتنوعة على "علو الله" على خلقه، وكونه، فوق عباده التي تقرب من عشرين نوعاً ... " (١). شبهة والجواب عنها: هذه الوجوه العقلية التي ذكرناها لبيان أن الماتريدية كابروا بداهة العقل الصريح في نفيهم لعلو الله تعالى، وقولهم: "إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته"، وشُدَّ الخناقُ عليهم - فلم يجدوا عنها جواباً، ولا للخروج عنها باباً، وكان الواجب عليهم أن يذعنوا للنقل الصحيح ولا يكابروا العقل الصريح، ولكنهم ازدادوا في المكابرة للعقل الصريح مكابرةً على مكابرةٍ فحكموا على هذه الوجوه العقلية الصريحة البديهية بأنها وهمية. أما هذيانهم من أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت فهو من القطعيات العقليات اليقينيات، فقالوا،

стр. 934

"واحتج المخالف - (يعنون سلف هذه الأمة وأئمة السنة) - بالنصوص الظاهرة في الجهة والجسمية والصورة والجوارح - يعنون علو الله تعالى ووجهه ويديه وبأن كل موجودين فرضاً لابد أن يكون أحدهما متصلاً بالآخر مُمَاسّاً له، أو منفصلاً عنه مبايناً في الجهة والله تعالى ليس حالاً ولا محلاً للعالم فيكون مبايناً للعالم. والجواب: أن ذلك وهم محض ... " (١). قلت: واعجباً لهؤلاء المتكلمين يحكمون على القضايا الصادقة العقلية الصريحة الضرورية البديهية الموافقة للنصوص المحكمة الصحيحة بأنها قضايا وهميةٌ كاذبةٌ: أما حماقاتهم وجهلياتهم وخزعبلاتهم وشبهاتهم الواهية التي أوهى من بيت العنكبوت وهي في نفسها كاذبة بل من قبيل المستحيلات الممتنعات فهي عندهم براهين عقلية قاطعة يقينية حاكمة على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ونصوص سلف هذه الأمة وأئمة السنة. كقولهم: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته".وكقولهم الآخر العميق في الحماقة: "إنه لا خلاء ولا ملاء وراء العالم" (٢). ولذلك يقول شيخ الإسلام في بيان حماقات المتكلمين ومكابرتهم للعقل الصريح ومناقضتهم للنقل الصحيح وخروجهم على الإجماع المحقق وإكراههم أنفسهم ضد الفطرة: " ... وأن ما عارض أخباره من الأمور التي يحتج بها المعارضون ويسمونها "عقليات" أو "برهانيات" ... أو "مشاهدات" أو نحو ذلك من الأمور "الدّهاشات" أو يسمون ذلك "تحقيقاً" أو "توحيداً" أو "عرفاناً" أو "حكمة حقيقية" أو "فلسفة" أو "معارف يقينة" ونحو ذلك من الأسماء التي يسميها أصحابها - فنحن نعلم علماً يقينياً لا يحتمل النقيض: أن تلك "جهلياتٌ" و"ضلالاتٌ" و"خيالاتٌ" و"شبهاتٌ مكذوباتٌ" و"حججٌ سوفسطائيةٌ" و "أوهامٌ فاسدةٌ".وأن تلك الأسماء ليست مطابقة لمسماها، بل هي من جنس تسمية الأوثان "آلهة" وتسمية "مسيلمة الكذابِ" وأمثالهِ "أنبياء" ... " (٣). والحقيقة أن هؤلاء المتكلمين وإن حكموا بلسانهم أن حجج فوقية الله تعالى وهميةٌ؛ ولكنهم ليسوا مقتنعين مطمئنين بذلك في قلوبهم فقلوبهم تناقض ما يجري على ألسنتهم من الإنكار والعناد والمكابرة، وقلوبهم تشهد على "علو الله". قال شيخ الإسلام: "وكل هؤلاء يجد نفسه مضطربة في هذا الاعتقاد في نفسه وإنما يَسِكّنُ بعضَ اضطرابه نوع تقليد لمعظم عنده، أو خوفه من مخالفة أصحابه أو زعمه، أن حكم الوهم، والخيال، دون العقل. وهذا التناقض في إثبات هذا الموجود الذي ليس بخارج عن العالم، ولا هو العالم الذي ترده فطرهم وشهودهم، وعقولهم. غير ما في الفطرة من الإقرار بصانع فوق العالم؛ فإن هذا إقرار الفطرة بالحق المعروف، وذلك إنكار الفطرة بالباطل المنكر ... " (٤). قلت: ولله رد شيخ الإسلام ما أصدقه وما أنور فراسته، فلقد اعترف الغزالي (٥٠٥هـ) بهذه الحقيقة التي ذكرها شيخ الإسلام، من حيث لا يشعر.

стр. 935

فقال: "وهذه "القضايا" - يعني أدلة السلف في إثبات "علو الله تعالى" - مع أنها وهميةٌ فهي في النفس لا تتميز عن الأوليّات القطعية مثل قولك: لا يكون شخص في مكانين". بل يشهد به أول الفطرة كما يشهد بالأوليات العقلية. وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعاً هو صادق. بل الصادق ما يشهد به قوة العقل ... " (١). تدبر أيها المسلم من كلام هذا الفيلسوف الذي لقب بـ"حجة الإسلام" إسلام المكابرة لبداهة العقل الصريح ومناقضة محكم النقل الصحيح. كيف اعترف ببعض الحق؟. ولكن لما كان كلامه متضمناً للباطل أيضاً. وقف له العلامة المعلمي بالمرصاد فقال معلقاً على كلامه هذا، ومعقباً عليه، مُجْتَثّاً لأوهامه، مُقْبِلاً مِكَرّاً على هامته: "قال المثتبون - (للفوقية) -: أما أن القضية - (يعني كون الله فوق العالم) بديهية لفطرية فحق لا ريب فيه. وأما زعمه: أنها وهميةٌ - فباطل. لأن القضايا الوهمية من شأنها أن ينكشف حالها بالنظر انكشافاً واضحاً ومن شأن الشرع إذا كانت - تلك الوهمياتُ - ماسة بالدين كهذه أن يكشف عنها، وكلا هذين - الأمرين - منتفٍ. أما الشرع، فإنما جاء بتقرير هذه القضية، وتثبيتها، وتأكيدها بنصوص صريحة تفوق الحصر، بل أصل بناء الشرائع على نزول الملك من عند الله بالوحي على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام" (٢). قلتُ: ومما يُكَذِّبُ هؤلاء تكذيباً صريحاً اعترافهم بأن بني آدم كلهم - سوى أهل الكلام والفلسفة العريقين الغريقين - على الإقرار بأن الله تعالى فوق العالم، واعترفوا أيضاً بأن ملل الأنبياء والكتب السماوية والأحاديث النبوية جاءت على موافقتهم في "أن الله فوق العالم" لكن لمصلحة دعوتهم، لأن ملل الأنبياء والكتب السماوية والأحاديث النبوية لو جاءت صريحة بأن الله تعالى "لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ... لسارع الناس إلى الإنكار وبادروا إلى العناد، ولقالوا: هذا الرب الذي هذا وصفه عدم محض. قلت: تدبر أيها المسلم في هذا الكلام مع اشتماله على كفر قبيح - وهو أن الأنبياء والكتب جاءت على خلاف الحق وجاءت بالكذب لمصلحة دعوة العوام ولكن كلامهم هذا مع هذا الكفر الشنيع والإلحاد الفظيع، صريح في اعترافهم "بأن الله تعالى فوق العالم ليس إلاّ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف تكون فوقية الله تعالى على خلقه مع موافقتها المعقول والمنقول وإجماع بني آدم وفطرهم أمراً وهمياً؟!.

стр. 936

وهذا كله دليل على أن سلف هذه الأئمة وأئمة السنة على حقٍ مبين من إثبات "فوقية الله تعالى" على العالم كله، وأن هذه قضية شرعية نقلية صحيحة، كما هي عقلية بديهية صريحة، وإجماعية فطرية أيضاً، فمن قال خلاف ذلك أو زعم أن الفوقية أمر وهمي فهو "قرمطي" في المنقولات، وسوفسطائي في المعقولات. ولذلك قال شيخ الإسلام: في هؤلاء الماتريدية والأشعرية وأمثالهم: "ولهذا كان هؤلاء المعرضون عن الكتاب، المعارضون له سوفسطائية منتهاهم السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات ... " (١).وقد يقول فيهم: "وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا" (٢).وقال: "بل سلطوا الفلاسفة عليهم وعلى الإسلام" (٣). وللإمام ابن أبي العز الحنفي (٧٩٢هـ) ﵀ كلام مهم ينبغي الاطلاع عليه. حاصله: لو فرضنا أن العقل إن قبل قولكم: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ... " فهو لقولنا: "إن الله فوق العالم" - أقبل. وإن أبطل العقُل قولنا - فهو لقولكم أشد إبطالاً، فكيف تدعون أن قول القائل: "إن الله فوق العالم" من حكم الوهم؟. ثم نقول: إن عامة فطر الناس بل جميع بني آدم في ذلك معنا ولم يخرج عن هذه البداهة العقلية وهذه الفطرة السليمة إلا طائفة قليلة من المتكلمين، وأول من عرف عنه ذلك الجهم، فكيف تقولون "إن قول القائل: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق .. " هو من حكم العقل. وقول القائل: "إن الله فوق العالم" من حكم الوهم؟.ونقول أيضاً: أنتم تحكمون على عقلياتنا بأنها من حكم الوهم، فإن كان حكم فِطَرِ بني آدم مقبولاً ترجحنا عليكم، وإلا نرجع إلى السمع، فإن السمع معنا لا معكم؛ فترجحنا فكيف تدعون علينا بالوهم؟ (٤). قلت: الآن ليوازن كل مسلم طالب للحق والإنصاف بين حجج أئمة الإسلام وبين شبهات أساطين الكلام ليتبين من هم أصحاب الوهميات الكاذبات؟. ومن المكابر لصريح العقل؟ ومن المخالف لصحيح النقل؟ ومن الخارج عن الإجماع والفطرة؟ وهؤلاء كانوا أئمة السنة الأبطال، وتلك سيوفهم الصوارم على أهل الضلال وأذكر ما قيل في هؤلاء الرعيل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب فلينظر المسلم من يخالل؟ فإن المرء مع من أحب، ولا يخف في الله لومة لائم. وعيرني الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها الوجه الرابع: أن قول الماتريدية: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولا فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف، ولا أمام".

стр. 937

مع مخالفته المنقول الصحيح ومكابرته المعقول الصريح، وخروجه على الفطرة والإجماع مستلزمٌ لكون الله معدوماً بل ممتنعاً، بل صريح في ذلك بأبلغ عبارة؛ لأن الشيء إذا لم يكن داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته ولا يمينه ولا شماله ولا أمامه ولا خلفه فهو معدوم بل ممتنع بلا ريب، والعقل الصريح، والفطرة الصحيحة يشهدان على ذلك. بل الماتريدية والأشعرية أحسوا أن تصور هذا الشيء الذي هذه صفته صعبٌ، ولذلك قال الإيجي الأشعري (٧٥٦هـ): والجرجاني الماتريدي (٨١٦هـ) الحنفي واللفظ له: "وربما يستعان في تصور موجود لا حيز له أصلاً بالإنسان الكلي المشترك بين أفراده، وعلمنا به، فإنهما موجودان، وليسا بمتحيزين قطعا (١). قلت: انظر أيها المسلم كيف اعترف هؤلاء بالحق وأن هذا الشيء الذي هذه صفته لا يعقل ولكن ربما يستعان في تصوره بالإنسان الكلي؟. ومع ذلك لا يذعنون للحق. فاعترافهم هذا أكبر دليل وأقطع حجة على أن قولهم: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق، ولا تحت ... " صريح في عدم وجود الله تعالى بل في كونه ممتنعاً. لأن وجود الإنسان الكلي وجود ذهني، لا خارجي حتى باعتراف الماتريدية عامة والكوثري خاصة (٢). فوجود الإنسان الكلي في الخارج ممتنع بلا ريب، فإذا كان وجود الله تعالى كوجود الإنسان الكلي- فلابد أن يكون وجوده ذهنياً، يمتنع وجوده في الخارج. فيكون الله على قولهم معدوماً بل ممتنعاً. قال شيخ الإسلام: "الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وبشرط سلب الأمور الثبوتية أو لا بشرط مما يعلم بصريح العقل انتفاؤه في الخارج، وإنما يوجد في الذهن، وهذا مما قرروه في منطقهم اليوناني. وبينوا أن المطلق بشرط الإطلاق، كإنسانٍ مطلقٍ بشرط الإطلاق، وحيوان مطلقٍ بشرط الإطلاق، وجسم مطلقٍ بشرط الإطلاق، ووجودٍ مطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان دون الأعيان" (٣). قلتُ: لذا نرى أن استدلالهم على إثبات الصانع في الحقيقة استدلال على نفي الصانع. قال شيخ الإسلام: " ... قولهم: إنا عرفنا حدود العالم بهذه الطريقة وبه أثبتنا الصانع - يقال لهم: لا جرم (أنكم) ابتدعتم طريقاً لا يوافق السمع ولا العقل؛

стр. 938

فالعالمون بالشرع معترفون أنكم مبتدعون في الإسلام ما ليس منه، والذين يعقلون ما تقولون يعلمون أن العقل يناقض ما قلتم، وأن ما جعلتموه دليلاً على إثبات الصانع لا يدل على إثباته؛ بل هو استدلال على نفي الصانع، وإثبات الصانع حق، وهذا الحق يلزم من ثبوته إبطال استدلالكم" (١).قلت: لذلك قال أئمة السنة: "المعطل يعبد عدماً، والممثل يعبد صنماً، والمعطل أعمى، والممثل أعشى، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه" (٢).ومن هذا يظهر أن المشبهة خيرٌ من المعطلة؛ فإن المعطل شر منه؛ لأنه شبه الله تعالى، بالمعدومات والممتنعات (٣).ولأنه جمع بين التشبيه وبين التعطيل (٤).وأن القول بالتشبيه المحض أهون من التعطيل، والتعطيل أعظم ضرراً من التشبيه، حتى باعترافهم (٥). وقد صرح القرامطة الباطنية على لسان ابن سينا وأمثاله. والأشعرية على لسان الغزالي والرازي وأمثالهما، والماتريدية على لسان التفتازاني والبياضي، وأمثالهم، بأن الكتب السماوية والرسل لو صرحت للجمهور بأن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق- ليبادروا إلى الإنكار ولقالوا: إن هذا هو المعدوم. قلتُ: لا ريب أن هذا الرب الذي يصفه الماتريدية بأنه لا فوقُ ولا تحتُ ولا خارجُ ولا داخلُ شيءٌ ممتنع الوجود فضلاً عن أن يكون واجب الوجود. ولذلك جاءت الكتب السماوية والرسل على أن الله تعالى فوق العالم فتوافق النقل الصحيح والعقل الصريح والفطرة السليمة، وكل هذا يدل على أن هؤلاء الماتريدية في قولهم هذا مبطلون ومعدمون وجود الله ، بل جعلوه ممتنعاً، من حيث لا يشعرون. وقد صرح كثير من أئمة السنة والكلام بأن نفي علو الله تعالى مستلزم لكون الله معدوماً بل ممتنعاً. وسأذكر فيما يلي نماذج من نصوص بعضهم لتكون محجة واضحة وشاهدة لما قلنا وتكون فيها عبرة للماتريدية وتتم الحجة عليهم وتقطع أدبارهم وأعذارهم، وتقلع أوردتهم وأوتنتهم: ١ - الإمام محمد بن الحسن الشيباني أحد الأئمة الثلاثة للحنفية ﵏ (١٨٩هـ) فقد صرح بأن الجهمية وصفوا الله تعالى بصفة لا شيء. ٢ - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١هـ).قال بعد ما ذكر عقيدة الجهمية وسلوبهم: "فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يؤمنون بشيء" (٦). ٣ - الإمام عبد العزيز بن يحيى بن مسلم الكناني المكي (٢٤٠هـ) صاحب كتاب (الحيد) في صدد رده على الجهمية. قال: قال - (يعني أحدُ الجهمية) - أقول: إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء، ولا كالشيء على الشيء، ولا كالشيء خارجاً عن الشيء، ولا مبايناً للشيء. قال: (أي الكناني):

стр. 939

فقد دلت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئاً، لأنه لو كان شيئاً داخلاً في القياس المعقول - لأن يكون داخلاً في الشيء أو خارجاً من الشيء، فوصفت - لعمري! ملتبساً لا وجود له وهو دينك، وأصل مقالتك التعطيل" (١). قلت: علق على كلام الكناني هذا شيخُ الإسلام قائلاً:"فهذا عبدالعزيز يبين أن القياس والمعقول يوجب أن ما لا يكون في الشيء ولا خارجاً منه فإنه لا يكون شيئاً وأن ذلك صفةُ المعدوم ... ، وعبدالعزيز هذا قبل وجود الحنبلية ... " (٢). ٤ - الإمام أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب (بعد ٢٤٠هـ). الذي أصل ومهد للماتريدية والأشعرية جميعاً. والذي يعدُّ الإمام الأول للأشعرية كما هو الإمام للكلابية بل الأشعري نفسه (٣) في دوره الكلابي. والذي قد أثنى عليه ابن فورك (٤٠٦هـ) ثناء عاطراً وغالى فيه مغالاة فوصفه بألقابٍ فخمةٍ وأوصافٍ ضخمةٍ منها ما يلي: "شيخ أهل الدين" "إمام المحققين" "المنتصر للحق وأهله" "الذاب عن دين الله". "السيف المسلول على أهل الأهواء والبدع" "المؤيد بنصرة الهدى والرشد". "الشيخ الأول" "الإمام السابق" "الممهد لهذه القواعد" "المؤسس لهذه الأصول"."الفائق لرتق الأباطيل" إلى آخر ذلك الثناء العاطر .. (٤). فقد قال ابن كلاب هذا: "وأخرج من النظر والخبر قول من قال: "لا في العالم ولا خارج منه فنفاه نفياً مستوياً، لأنه لو قيل له: "صفه بالعدم". ما قدر أن يقول فيه أكثر منه، ورد أخبار الله نصاً، وقال في ذلك ما لا يجوز في خبر ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص". والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قياسيون. فإن قالوا: "نعم ليس فوق". قيل لهم: "وليس هو تحت"؟ فإن قالوا: "لا فوق ولا تحت". أعدموه؛ لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم". قيل لهم: "فهو لا مماس ولا مباين"؟. فإذا قالوا: "نعم". قيل لهم: "فهو بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم. فإذا قالوا: "نعم". قيل لهم: فأخبرونا عن معبودكم: مماس هو أم مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما". قيل لهم: "فصفة إثبات خالقنا كصفة عدم المخلوق. فلم لا تقولون: "عدم". كما تقولون للإنسان "عدم" إذا وصفتموه بصفة المعدوم. وقيل لهم: "إذا كان عدم المخلوق وجوداً له، فإذا كان العدمُ وجوداً كان الجهلُ علماً والعجزُ قوةً" (٥).وقال ابن كلاب أيضاً في الرد على ما يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته"، وجعلهم كالدهرية: "فلم لا كنتم أولى بالكفر والتشبيه منهم؟ إذ زعمتم مثل زعم الملحدين، وقلتم مثل مقالة الضالين، وخرجتم عن توحيد رب العالمين" (٦). قلت: وفي كلام ابن كلاب هذا عبرة بالغة للماتريدية والأشعرية وقد علق على كلامه هذا شيخ الإسلام قائلاً: "والمقصود: أن ابن كلاب - إمام الأشعري، وأصحابه، ومن قبلهم، كالحارث المحاسبي وأمثاله -

стр. 940

يبين أن من قال: "لا هو في العالم ولا خارج منه". فقوله فاسد خارجٌ عن طريق النظر، والخير، وأنه قد رد خبر الله نصاً. ولو قيل له: "صفة بالعدم". ما قدر أن يقول أكثر منه ... ، وأنهم قالوا: "هذا هو التوحيد الخالص".وهو النفي الخالص، فجعلوا "النفي الخالص" هو "التوحيد الخالص"، وهذا الذي قاله - ابن كلاب- هو الذي يقوله جميع العقلاء الذين يتكلمون بصريح العقل، بخلاف من تكلم في المعقول بما هو وهم وخيال فاسد" (١).٥ - الإمام أبو الحسن الأشعري (٣٢٤هـ) إمام الأشعرية، والذي جعله كثير من الحنفية، ومنهم الكوثري حنفياً (٢). فقد قال هذا الإمام في الرد على الجهمية نفاة الصفات ولاسيما صفة "العلو": " ... فلم يثبنوا له وصفهم حقيقةً، ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانيةً، إذ كلّ كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي، يريدون بذلك "التنزيه"، ونفي "التشبيه" على زعمهم. فنعوذ بالله من "تنزيه" يوجب النفي والتعطيل" (٣). قلت: في كلام هذا الإمام عبرة للماتريدية والأشعرية جميعاً، فاعتبروا يا أولي الأبصار.٦ - السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي (٤٢١هـ) الملك العادل، وفاتح بلاد الهند والسند، وكاسر الأصنام، الملقب بـ"يمين الدولة" و"أمين الملة" فله قصة مع ابن فورك (٤٠٦هـ) الذي قال فيه ذهبي العصر العلامة المعلمي (١٣٨٦هـ) ما قال (٤). فقد نفى ابن فورك - أمام هذا السلطان - "فوقية" الله تعالى، ووافق الجهمية، وخرج من الجماعة وكابر العقل الصريح وناقض النقل الصحيح وعاند الفطرة السليمة، فوصف الله بصفة المعدوم بل الممتنع. فقال له السلطان:"فلو أردت أن تصف المعدوم كيف تصفه بأكثر من هذا" (٥).وقال له أيضاً: "فرق لي بين هذا "الرب" الذي تصفه، وبين "المعدوم" (٦). ٧ - وقال الإمام حافظ المغرب ابن عبدالبر (٤٦٣هـ)." ... وهم - (أي "المعطلة") ... نافون للمعبود "يلاشون أي يقولون: لا شيء" (٧) والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهم أئمة الجماعة ... " (٨). ٨ - شيخ الإسلام (٧٢٨هـ). حَصْرُ كلام شيخ الإسلام في بيان أن قول المتكلمين: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ... ". صريح في كون الله معدوماً ممتنعاً بشهادة بداهة النظر والفطرة-: صعبٌ. وله تحقيقات بديعة إلى الغاية تسر الخواطر وتقر النواظر. وأكتفي بالإحالة إلى بعض مؤلفاته القيمة فليرجع القارئ إليها. يا منكراً أن الإله مباين ... للخلق يا مفتون بل يا فاتن هب قد ضللت فأين أنت؟ فإن تكن ... أنت المباينَ فهو أيضاً بائن أو قلت: لست مبايناً قلنا: إذن ... بالاتحاد، أو الحلول تشاحن أو قلت: ما هو داخل، أو خارج ... هذا يدل بأن ما هو كائن إذ قد جمعت نقائصاً ووصفته ... عدما بهاهل أنت عنها ضاعن

стр. 941

فارجع وتب من قال مثلك إنه ... لمعطل والكفر فيه كامن فأجاب شيخ الإسلام بجواب كاف شاف يشفي العليل ويروي الغليل من المرضى بأدواء التحريف والتعطيل. وحقق بالمنقول الصحيح والمعقول الصريح أن الله فوق العالم، وأن قولهم: "إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ... ".يلزم منه كون الله تعالى معدوماً بل ممتنعاً فأجاد وأفاد شيخ الإسلام، جزاه الله خيراً (١). ٩ - وقال مؤرخ الإسلام ناقد الرجال الإمام الذهبي (٧٤٨هـ): "مقالة السلف، وأئمة السنة، بل الصحابة، والله ورسوله ﷺ والمؤمنون: أن الله في السماء وأن الله على العرش، وأن الله فوق سماواته .. ومقالة الجهمية: أنه في جميع الأمكنة. ومقالة متأخري المتكلمين: أن الله تعالى ليس في السماء، ولا على العرش ولا على السماوات، ولا في الأرض، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا هو بائن عن خلقه، ولا هو متصل بهم ... قال لهم أهل السنة والأثر ... : فإن هذه السلوب نعوت المعدوم، تعالى الله ﷻ عن العدم؛ بل هو متميز عن خلقه، موصوف بما وصف به نفسه، من أنه فوق العرش بلا كيف" (٢). ١٠ - الإمام ابن القيم ﵀ (٧٥١هـ) له بحوث قيمة في تحقيق أن كلام المتكلمين: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ... ". مستلزم لكون الله تعالى معدوماً بل مستحيلاً ممتنعاً. وأن حاصل قولهم إنكار وجود الصانع، وأنهم سايروا الفلاسفة، والدهرية، والجهمية، والزنادقة، وأنهم لا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا، وأن طريقهم لإثبات الصانع طريق لنفيه، إلى آخر كلامه القيم المهم الفصيح البليغ الذي فيه دواءٌ شافٍ كافٍ للمرضى بداء التحريف والتعطيل (٣). ومن أقواله الصوارم: فاحكم على من قال: ليس بخارج ... عنها، ولا فيها، بحكم بيان بخلافه الوحيين، والإجماع والـ ... ـعقل الصريح، وفطرة الرحمن فعليه أوقع حدّ معدومٍ وذا ... حدُّ المحال بغير ما فرقان ياللعقول إذا نفيتم مخبراً ... ونقيضه! هل ذاك في إمكان إذ كان نفي دخوله، وخروجه ... لا يصدقان معا لذي الإمكان إلا على عدم صريح نفيه ... متحقق ببداهة الإنسان أيصح في المعقول يا أهل النهى ... ذاتان لا بالغير قائمتان ليست تباين منهما ذات لأخـ ... ـرى، أو تحايثها فتجتمعان إن كان في الدنيا محال فهو ذا ... فارجع إلى المعقول، والبرهان ١١ - وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي (٧٩٢هـ): " .. بل يقول هؤلاء المتكلمون "لا مباين، ولا مجابن، لا داخل العالم ولا خارجه". فيصفونه بصفة العدم والممتنع. تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً .... (٤) ١٢ - وقال الإمام الشوكاني (١٢٥٠هـ): "يا هذا .. قد رأيت ما يقوله كثير منهم: "إن الله سبحانه ... ، لا داخل العالم، ولا خارجه". فأنشدك الله! أي عبارة تبلغ مبلغ هذه العبارة في النفي؟. وأي مبالغةٍ في الدلالة على هذا النفي، تقوم مقام هذه المبالغة؟ فكأن هؤلاء في فرارهم من شبهة "التشبيه" إلى هذا "التعطيل" كما قال القائل":

стр. 942

فكنت كالساعي إلى مثعب ... موائلاً من سبل الراعد أو كالمستجير من الرمضا بالنار ... والهارب من لسعة الزنبور إلى لدغة الحية، ومن قرصة النحلة إلى قضمة الأسد" (١). ١٣ - ١٥ - وللعلامة محمود الآلوسي الحنفي (١٢٧٠هـ) وابنه نعمان الآلوسي الحنفي (١٣١٧هـ، وحفيده شكري الآلوسي الحنفي (١٣٤٢هـ) كلام مهم في هذا الصدد وقد تقدم نص كلامهم. وفي ذلك عبرة للماتريدية أيما عبرة؟ الحاصل: أن هؤلاء الماتريدية وخلطاءهم من المتكلمين أفنوا أعمارهم وأنهوا قواهم لإثبات وجود الله تعالى وأنه واجب الوجود بطرق استلزمت كون الله تعالى معدوماً؛ بل ممتنع الوجود فضلاً عن كونه ممن الوجود؛ لأنهم وصفوا الله تعالى بصفات المعدومات بل الممتنعات، فأرادوا التنزيه فوقعوا في أقبح التشبيه وأوقحه، وأرادوا نفي التمثيل فوقعوا في أبشع التحريف وأشنع التعطيل. الوجه الخامس: أن قول الماتريدية، "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوق ولا تحت ... " إلى آخر هذيانهم - رفعٌ للنقيضين. ورفع النقيضين محال عند العقلاء جميعاً (٢). فإن القاعدة المطردة الكلية في "النقيضين" أنه لا يجوز رفعهما ولا يجوز جمعهما، حتى باعتراف الماتريدية. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٢/ ٤٨٦ رابعا: خروج الماتريدية على الفطرة السليمة المستقيمة تشهد فطر بني آدم كلهم جميعاً - غير الشرذمة القليلة من المتكلمين - أن الله تعالى فوق خلقه أجمعين، وقلوبهم تتوجه إليه وترغب وقت نزول الشدائد والكرب، وعلى ذلك جميع بني آدم ذكورهم وإناثهم، وعلمائهم وعوامهم، وعربهم وعجمهم ومسلمهم وكافرهم. وليس إنكار ذلك إلا مكابرة وعناداً وإكراهاً للعقول على قبول ما لا تقبله أبداً وترد فطر بني آدم جميعاً. وقد استدل كثير من سلف هذه الأمة وأئمة السنة بدليل الفطرة على "علو الله تعالى" وأُقِدّم للقراء بعض النماذج من كلامهم ليعرفوا مدى مكابرة الماتريدية للمعقول والمنقول والفطرة والإجماع في آن واحد. ونبدأ بذكر نصٍ مهمٍ للإمام أبي حنيفة ﵀ إتماماً للحجة على الماتريدية وإيضاحاً للمحجة السلفية: ١ - قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى (١٥٠هـ): "من قال: لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض فقد كفر، قال الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]. فإن قال: أقول: بهذه الآية، ولكن لا أدري أين العرش؟. في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر أيضاً. ونذكره من أعلى لا من أسفل. لأن الأسفل من الربوبية والألوهية في شيء. وروى في الحديث أن رجلاً أتى النبي ﷺ بأمة سوداء فقال: وجب علي عتق رقبة مؤمنة أفيجزئ أن أعتق هذه؟ فقال لها النبي ﷺ : ((أمؤمنة أنت؟)).

стр. 943

قالت: نعم. فقال: ((أين الله)).فأشارت إلى السماء فقال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) (١) (٢). والمعتزلة تنكر هذا الخبر". ولفظ الفقه الأبسط بتحقيق الكوثري: "من قال: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض؟. فقد كفر؟ وكذا من قال: "إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض؟.والله يدعى من أعلى لا من أسفل ... وعليه ما روى في الحديث ... " (٣). قلت: هاتان الروايتان متفق عليهما بين الماتريدية ولاسيما الكوثري. وهما صريحتان في إثبات الإمام أبي حنيفة لصفة "علو" الله تعالى، وأنه في السماء وأن من أنكر كون الله في السماء، بل من شك في ذلك بل من شك في كون العرش في السماء فقد كفر. ونص أبي حنيفة هذا ذكره غير الحنفية أيضاً بهذا اللفظ وكذا بألفاظ متقاربة فقد رواه شيخ الإسلام: أبو إسماعيل الهروي: (٤٨١هـ) وذكره غيره. وفي بعض تلك الألفاظ: "من أنكر الله في السماء فقد كفر". وفي بعضها: "إذا أنكر أنه في السماء أم في الأرض فقد كفر". وفي لفظ: "من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، لأن الله يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]، وعرشه فوق سبع سموات ... ". قلت: "أي أبو مطيع الحكم بن عبدالله البلخي" (١٩٩هـ). فإن قلت: إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: "لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال - أي الإمام أبي حنيفة - هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين .... " (٤). قلت: أيها المسلم طالب الحق والإنصاف تدبر نصوص الإمام أبي حنيفة التي أجمع عليها الماتريدية حتى الكوثرية منهم والتي ذكرها غيرهم من أئمة السنة، فتراها كلها صريحة بأن الله فوق العالم، وأنه في السماء على عرشه، وأن من أنكر ذلك أو شك فيه أو شك في كون العرش في السماء فقد كفر. كما ترى الإمام أبا حنيفة استدل بعلو الله تعالى بحجج ثلاث: الأولى: الحجة النقلية فذكر آية من كتاب الله تعالى كما ذكر حديث الجارية وهذا دليل على أنه كان يستدل بخبر الواحد في باب العقيدة، وفي ذلك عبرة للماتريدية. الثانية: الحجة العقلية: وهي قوله: "لأن الأسفل ليس من الربوبية والألوهية في شيء. وهذا يتضمن الفرق بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية أيضاً. الثالثة: الحجة الفطرية: وهي قوله: "والله يدعى من أعلى لا من أسفل".

стр. 944

وكلام أبي حنيفة في جميع ذلك صريح غاية الصراحة لا يحتمل التأويل بوجه ما. ومع وضوح نص الإمام أبي حنيفة هذا وصراحته غاية الصراحة بإثبات الفوقية لله تعالى وأنه في السماء وأن من أنكر ذلك أوشك فقد كفر. ترى كثيراً من هؤلاء الماتريدية، ومنهم الكوثرية يحرفون نص هذا الإمام الصريح إلى ضدّ ما يقصده الإمام أبو حنيفة ﵀، من إثباته "الفوقية" لله تعالى؛ فيقول هؤلاء المحرفون: إن وجه تكفير الإمام أبي حنيفة لمن قال ذلك - هو إيهام كون الله تعالى في مكان، لأن هذا القائل: يوهم أن لله مكاناً، فكان مشركاً (١)، ويقولون أيضاً: إن المراد من الفوقية" الكبرياء والفوقية بالاستيلاء (٢). واستحالوا "الأينية" - أي الإشارة إلى الله تعالى بأين؟ في حق الله تعالى وقالوا: " ... فلا تتصور الأينية" إلا في الحادث" (٣).وقالوا أيضاً في هذا الحديث: "حديث الجارية" الذي استدل به الإمام أبو حنيفة ﵀ على فوقية الله تعالى وجواز الإشارة إليه ، وجواز القول "بأين الله"؟ وجواز الجواب "بأنه في السماء":- "أنه مؤول لمخالفة القواطع العقليات والنقليات ... " (٤). كما حرّفوا الدليل الفطري الذي استدل به الإمام أبو حنيفة ﵀، فقالوا: المراد أن السماء قبلةُ للدعاء لا أن الله في السماء. ثم هؤلاء لم يكتفوا بتحريف قول الإمام أبي حنيفة؛ بل حرفوا هذا الحديث "حديث الجارية" أيضاً فقالوا: المراد من "العلو" وكون الله في السماء المنزلةُ والعلوُّ على العباد على القهر والغلبة (٥). ولا غزو في ذلك؛ فإنهم لا تعودوا تحريف نصوص الصفات القرآنية والحديثية - هان عليهم التحريف لنصوص الإمام أبي حنيفة؛ لأنه أسهل وأيسر. ولشيخنا الألباني كلام مهم في كشف الستار عن تحريفهم لكلام الإمام أبي حنيفة (٦). تعصب الحنفية الماتريدية للإمام أبي حنيفة في الفقهيات ومخالفتهم له في العقائد: والعجب كل العجب من هؤلاء الحنفية الماتريدية!. كيف خرجوا على عقيدة الإمام أبي حنيفة؟.أ- مع أنهم مقلدون له في الفقهيات تقليداً أعمى ومتعصبون له تعصباً مقيتاً، كعادة المقلدة المتعصبة في رفع أئمتهم حتى كأنهم أنبياء مرسلون (٧). ب- ووصل الأمر بهم إلى أن جعلوا أحاديث رسول الله ﷺ حنفيةً. وقد اعترف بهذه الحقيقة الشيخ العلامة المفتي محمد شفيع الديوبندي رحمه الله تعالى رحمه واسعة، فأوصى وصيةً مهمةً حريةً بأن تكتب بماء الذهب على ألواح القلوب حيث قال: "لا بأس بأن تكونوا حنفيةً في مذهبكم الفقهي، ولكن إياكم وأن تتكلفوا بجعل الحديث النبوي حنفياً" (٨).

стр. 945

خامسا: إبطال شبهاتهم حول "علو" الله تعالى للماتريدية شبهات كثيرة تشبثوا بها في نفي "علو" الله تشبث الغريق بكل حيلة. وكلها ترجع إلى شبهة "التشبيه" التي عطلوا بها كثيراً من الصفات - ومنها صفة "العلو" وقد أبطلنا هذه الشبهة في الفصل الأول من الباب الثاني. أما في هذا الفصل فقد ذكرنا من شبهاتهم حول صفة "العلو" ستاً مع إبطالها في المباحث السابقة. ونذكر في هذا المبحث من شبهاتهم أربعاً أخرى مع الجواب عنها، وهي: شبهات "الحد" و"الجهة" و"الحيز" و"المكان". زعمت الماتريدية تبعاً للجهمية الأولى أن نصوص الفوقية وعلو الله تعالى ولو حملت على ظاهرها، وأن صفة "علو" الله تعالى لو حملت على حقيقتها- لزم كون الله تعالى في "الجهة" "وكونه" "محاطاً" وإن كان في "جهة" لابد أن يكون بينه وبينها مسافة مقدرة. ويتصور أن تكون أزيد من ذلك، أو أنقص، أو مساوية. ولو كان الله تعالى في "جهة". لزم قدم "المكان" و"الجهة" و"الحيز". كما لزم كون الله تعالى "جسماً" و"مركباً" و"جوهراً". وكونه محلاً للحوادث. وأيضاً إما أن يساوي "الحيز" أو ينقص عنه فيكون "متناهياً" أو يزيد عليه فيكون "متحيزاً". هذا كان تقريراً لشبهاتهم في نفي "علو الله تعالى". وبناءً على هذه الواهيات قالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه وليس في جهة، ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف، ولا على العرش ولا فوق العالم، ولا على غيره. ولذلك كفروا من وصف الله بأنه في السماء أو وصفه بأنه فوق العالم. وقالوا: "وهو تعالى منزه عن صفات الجواهر والأجسام والأعراض، ولوازمها لا مجال للزمان والمكان والجهة في حضرته تعالى، وهذه كلها مخلوقاته وزعم جماعة ممن لا خير لهم: أنه تعالى فوق العرش. وأثبتوا له جهة الفوق والعرش ... " (١). أما الكوثري مجدد الماتريدية ورافع لواء الجهمية والقبورية في آن واحد - فيقول: من جوز في معبوده الدخول والخروج والاستقراء - فهو عابد وثن. وقال فيمن أثبتوا علو الله تعالى، واستواءه على عرشه: لاحظ لهم من الإسلام غير أن جعلوا صنمهم الأرضي صنماً سماوياً. وقال الكوثري: "واعتقاد حلول الحوادث فيه جل شأنه كفر صراح عند أهل السنة" (٢). وقال: "وما له حد وغاية ونهاية - فهو الجسم الذاهب في الجهات، وإكفار من يقول بذلك في إله العالمين واجب ... ". وقال: " ... وأما المسلمون - فهم يعتقدون أن الله سبحانه منزه عن المكان ... ". "وإثبات الحد له تعالى من أهون ما في الكتاب - (نقض الدارمي) من صنوف الضلال". وقال: "مع أن القول بإثبات الجهة كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة ... ". وقال: فيمن أثبت لله جهة الفوق: "فهم منكرون لذات الإله المنزه عن ذلك فلزمهم الكفر لا محالة". وقال: "والصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور". وذكر أن من قال: بفوقية الله تعالى وأنه على العرش - فهو من أتباع فرعون ومحتج بقول ملحد جاهلي. وقال: "إن الأشعري وأكثر المتكلمين قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفراً أو أدت إلى كفر، كمن زعم أن لمعبوده صورةً، أو أن له حداً ونهايةً ... ، وكل ذلك موجود في كتاب الدارمي ... ".

стр. 946

ثم قال: وما في كتاب الدارمي من إثبات المكان والجهة والحد والنهاية والغاية ... وكفر ناقل من الملة حتى إخوان الصفا يقرون في قرارة أنفسهم أن ذلك كفر ناقل عن الملة فكيف أصدر الأزهر القرار بإباحة نشره وأنه لا شيء في تداوله - على ما فيه من الكفريات الفظيعة التي ذكرنا بعض نماذج منها. ثم قال: في كتاب الدارمي وسنة عبدالله بن أحمد من الكفريات والجاهلية الجهلاء والوثنية الخرقاء ودسائس الوثنية وصرائح الكفر الناقل من الملة (١).وقال: "ومن يَعُدُّ الله سبحانه متمكناً بمكان فهو عابدُ وثن خارجٌ عن جماعة المسلمين كما نص عليه غير واحد من أئمة أصول الدين، تعالى الله عن إفك الأفاكين" (٢). قلت: هكذا نرى الكوثري في عامة كتاباته الفتاكة المسمومة يجاهر بتلبيس الحق بالباطل، وتدليس في الدين وتحريف لصميم الإسلام وتكفير لسلف هذه الأئمة وأئمة السنة وجعلهم وثنية وطعنه في كتبهم وجعلها من كتب الوثنية. وقد قال مثل هذا الهذيان كبار أساطين الماتريدية. وقد حرف أبو الليث السمرقندي (٣٧٥هـ) قول الإمام أبي حنيفة: "من قال: لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فقد كفر".فقال: في توجيه كلام الإمام أبي حنيفة: "لأنه بهذا القول يوهم أن يكون له مكان فكان مشركاً" (٣).وتبعه في هذا التحريف رئيس قضاة الماتريدية لعساكرهم كمال الدين البياضي (١٠٩٨هـ) فقال في توجيه كلام الإمام أبي حنيفة: "لكونه قائلاً باختصاص الباري بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة ... " (٤). قلت: هذا كان بيانا تشبثهم بتلك الشبهات وتمسكهم بتلك الألفاظ المجملة البدعية الفلسفية الكلامية البراقة المدهشة المخوّفة المهولة لمن لا يعرف حقيقة قصدهم منهم، وبهذه الشبهة عطلوا "صفة العلو" لله تعالى، وحرفوا نصوصها بأنواع من التأويلات إلى شتى المعاني المجازية التي ذكرناها. الجواب عن هذه الشبهات: لأئمة السنة عن شبهاتهم جوابان: إجمالي، وتفصيلي: أما الجواب الإجمالي: فهو أن هذه الألفاظ المجملة المتشابهة المحدثة الفلسفية الكلامية لا تقبل مطلقاً ولا ترد مطلقاً قبل أن يعلم مراد قائلها. بل لابد أن يستفسر قائلها؛ فإن أراد معنًى حقاً موافقاً للكتاب والسنة - قيل قوله وإلا يرد قوله، وينبذ نبذ النواة. قال شيخ الإسلام (٧٢٨هـ) والإمام ابن القيم (٧٥١هـ) وابن أبي العز الحنفي (٧٩٢هـ) ونعمان الآلوسي الحنفي (١٣١٧هـ) واللفظ للثالث: "للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف ... لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية. فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كانت النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً ... وبعض المثبتين لها يدخل لها معنى باطلاً مخالفاً لقول السلف ...

стр. 947

وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصف به رسوله ﷺ نفياً وإثباتاً وإنما نحن متبعون لا مبتدعون، فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات فما أثبته الله ورسوله ﷺ أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله ﷺ نفيناه ... وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها. فإن كان معنى صحيحاً قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب به ونحو ذلك" (١). وقال ابن أبي العز أيضاً بعد ما أكد أن يجعل الكتاب والسنة أصلاً ودليلاً وبرهاناً: "ويجعل أقوال الناس التي توافقه أو تخالفه متشابهة مجملة، فيقال: لأصحابها هذه الألفاظ يحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر رسول الله ﷺ قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد، وهذا مثل لفظ المركب والجسم، والحيز، والجوهر والجهة، والحيز، والعرض، ونحو ذلك ... وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل".ثم ذكر ﵀ أننا لا نوافق هؤلاء على هذه التسميات ولا كرامة فإن سموا إثبات الصفات تركيباً مثلا، فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمراً لم يحرم بهذه التسمية (٢). قلت: بناء على ذلك نقول: للماتريدية سموا صفات الله تعالى من العلو والنزول والاستواء والوجه واليد، والقدم، والغضب، والرضا، والمحبة، والكراهية، ما شئتم فلا يجوز إبطال صفات الله تعالى بالتسميات المبتدعة والألقاب الشنيعة المدهشة من الحد، والحيز، والجهة، والمكان، والأفول، وحلول الأعراض، والتشبيه، والتجسيم ونحوها؛ فالعبرة للمعاني لا للمباني. وأما الجواب التفصيلي فهو ما يلي: ١ - "الحد". إننا قد بينا قاعدة مهمة من قواعد السلف في باب الصفات حول الألفاظ المجملة المتشابهة الكلامية آنفاً في الجواب الإجمالي. فنقول: في ضوء القاعدة:- إن لفظ "الحد" يطلق على معنيين: الأول: بمعنى الإحاطة بالله علماً فلا شك أن "الحد" بهذا المعنى منفي عن الله تعالى فلا منازعة بين أهل السنة، لأن الله تعالى غير مدرك بالإحاطة، وقد عجز الخلق عن الإحاطة به، وعلى هذا يحمل قول من نفى "الحد" من السلف. والثاني: بمعنى أن الله تعالى متميز عن خلقه منفصل عنهم مبائن لهم عال عليهم غير مخلوط بهم ولا حال فيهم فهذا المعنى حق فـ"الحد" بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر، فإنه ليس وراء نفيه إلا وجود الرب، ونفي حقيقته وعلى هذا يحمل قول من أثبت " الحد" لله تعالى من السلف (٣).لذا نرى كثيراً من السلف كسفيان الثوري وشعبه وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وشريك وأبو عوانه وأبو داود الطيالسي والطحاوي (٤)، وغيرهم نفوا "الحد".وفي رواية عن الإمام أحمد أيضاً (٥).

стр. 948

وبجانب ذلك نرى كثيراً من السلف يثبتون "الحد" لله تعالى. كعبد الله بن المبارك (١) - وهو حنفي عند الحنفية - ورواية عن الإمام أحمد (٢).والإمام عثمان الدارمي (٣) وغيرهم. فالذين نفوا "الحد" قصدوا المعنى الأول، وهو الباطل الذي يجب نفيه عن الله تعالى، والذين أثبتوا "الحد" قصدوا المعنى الثاني وهو الحق الذي يجب الإيمان به وهو "العلو" (٤).ولكن الطامة الكبرى أن طوائف المعطلة أدخلوا في معنى "الحد" حقاً وباطلاً فنفوها جميعاً فنفوا ضمن نفيهم "للحد" فوقية الله تعالى على عباده وعلوه على عرشه (٥). قال الإمام الذهبي (٧٤٨هـ): وقد سئل أبو القاسم التيمي ﵀: هل يجوز أن يقال: لله حدٌّ أو لا؟ وهل جرى هذا الخلاف في السلف؟ فأجاب: هذه مسألة أستعفي من الجواب عنها لغموضها، وقلة وقوفي على غرض السائل منها؛ لكني أشير إلى بعض ما بلغني، تكلم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة، محصولها أن حد كل شيء موضع بينونته عن غيره، فإن كان غرض القائل: ليس لله حد: لا يحيط علم الحقائق به، فهو مصيب، وإن كان غرضه بذلك: لا يحبط علمه تعالى بنفسه فهو ضال، أو كان غرضه أن الله بذاته في كل مكان فهو أيضاً ضال" (٦). وعلق عليه الذهبي قائلاً:"قلت: الصواب الكف عن إطلاق ذلك، إذ لم يأت فيه نص، ولو فرضنا أن المعنى صحيح فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله خوفاً من أن يدخل القلب شيء من البدعة اللهم احفظ علينا إيماننا" (٧). ٢ - "الجهة":هذه اللفظة أيضاً من الألفاظ المبتدعة الكلامية المتشابهة المجملة التي يجب التفصيل فيها، حتى يتميز الحق من الباطل، فيقبل الحق ويرد الباطل، وقبل التفصيل لا يحكم عليها نفياً ولا إثباتاً لئلا ينفى الحق ضمن النفي العام، لأن أهل البدع من طوائف المعطلة ينفون "الجهة" ويريدون بذلك نفي "علو الله تعالى" على عرشه، وفوقيته على خلقه (٨). وإذا فصلنا في معنى الجهة، علمنا أن "الجهة" تطلق على معنيين: حقٍ، وباطلٍ. فنظراً إلى المعنى الباطل يجب نفي الجهة عن الله تعالى، ونظراً إلى المعنى الحق يجب إثباته لله تعالى. قال شيخ الإسلام، والإمام ابن أبي العز، والعلامة محمود الآلوسي، وابنه نعمان، وحفيده شكري، وكلهم حنفية غير الأول، واللفظ له: "فلفظ "الجهة" قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقاً كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في نص إثبات لفظ "الجهة" ولا نفيه. كما فيه إثبات "العلو" و"الاستواء" و"الفوقية" و"العروج إليه" ونحو ذلك ... ، وقد علم أنه ما تم موجود إلا الخالق، والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيقال لمن نفى "الجهة": أتريد بالجهة أن شيء موجود مخلوق؟.

стр. 949

فالله ليس داخلاً في المخلوقات. أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟. فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟.فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل" (١). قلت: لفظ "الجهة" بالمعنى الصحيح، أعني بمعنى "العلو" لله تعالى على خلقه، هو مقتضى الكتب السماوية والأحاديث النبوية، وعلى ذلك العقل الصريح والفطرة السليمة ولذلك يوجد في كلام أئمة السنة، لفظة "الجهة" بهذا المعنى، ولا غبار عليها، ومع ذلك الأفضل التقيد بالألفاظ المأثورة. وإثبات "الجهة" لله تعالى بهذا المعنى مما اعترف به كثير من كبار المتفلسفة، والمتكلمة. ١ - ٣ - القاضي عياض (٥٤٤هـ) والإمام النواوي (٦٧٦هـ) والزبيدي الحنفي (١٢٠٥هـ):فقد صرحوا بأن المحدثين والفقهاء والمتكلمين بإثبات "جهة" الفوق وأن معنى في السماء عندهم "على السماء" وأما دهماء المتكلمين فينفون الجهة (٢). ٤ - وقال أبو الوليد محمد بن أحمد المعروف بابن "رشد" الحفيد المتفلسف (٥٩٥هـ): "القول بالجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية ... وظواهر الشرع كلها تقتضى إثبات الجهة".ثم ذكر عدة أدلة على ذلك كما ضرب مثالاً مهما للمؤولين المحرفين (٣). ٥ - وقال القرطبي المفسر (٦٧١هـ) بعد ما ذكر مذهب المتكلمين النفاة لعلو الله تعالى: "وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي "الجهة" ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها، كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة ... وإما جهلوا كيفية الاستواء".ثم ذكر مقالة الإمام مالك المشهورة في الاستواء ثم قال: "وهذا القدر كاف ... ، والاستواء في كلام الرب: هو العلو والاستقرار ... " (٤).٦ - وقال القرطبي أيضاً "وأظهر الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، وقاله الفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه، وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات" (٥).

стр. 950

قلت: بعد هذا كله تبين بلا ريب للمسلمين طالبي الحق والإنصاف أن الكوثري كذاب بهات أفاك فيما يفتري على الله ورسوله وأئمة الإسلام وغيرهم حيث يقول متحدياً:"ولم يقع ذكر الجهة في حق الله سبحانه في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في لفظ صحابي أو تابعي، ولا في كلام أحد ممن تكلم في ذات الله وصفاته من الفرق سوى أقحاح المجسمة، وأتحدى من يدعي خلاف ذلك أن يسند هذا اللفظ إلى أحد منهم بسند صحيح فلن يجد إلى ذلك سبيلاً فضلاً عن أن يتمكن من إسناده إلى الجمهور بأسانيد صحيحة ... " (١). ويقرر الكوثري قول السبكي ويسكت عليه بعد ما ذكر قول الإمام ابن القيم "إن الله فوق سماواته ... نقول ما قاله ربنا".فقال السبكي وأقره الكوثري: "أين قال: ربنا أنه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته؟ فقد نسبت إلى قول الله ما لم يقله" (٢). قلت: عار وشنار على الكوثري وبعض الديوبندية حيث يبالغون في الثناء على هذا الخائن الظنين الذي غالب كلامه ثرثرة وكذب وطنين، ثم يصفونه بالتثبت والاحتياط والأمانة وأنه لا فلة فيه دراية ورواية وأنه لا لجواده كبوة ولا لصارمه نبوة. مع أن نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف هذه الأمة وأئمة السنة بل نصوص كثير من أئمة الكلام صريحة في "الفوقية". ٣ - "الحَيِزّ": وكذلك لفظة "الحيز" فالقول فيها كالقول في أخواتها من ألفاظهم الكلامية المجملة المدهشة التي يردون بها الحق أيضا ضمن ردهم للباطل. قال شيخ الإسلام: "وكذلك لفظ "المتحيز" إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر بل وسع كرسيه السموات والأرض .. ، وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالاً فيها، فهو سبحانه كما قال أئمة السنة، فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه" (٣). ٤ - "المكان": وهكذا لفظ "المكان" لا ننفيه ولا نثبته حسب قاعدة السلف المذكورة بل نفصل فيه ونستفسر قائله فنقبل المعنى الحق ونرد المعنى الباطل، ولا نفعل كما يفعل طوائف المعطلة من نفيهم علو الله تعالى على خلقه ضمن نفيهم للمكان عن الله تعالى. قال شيخ الإسلام: " ... ومنهم من لا يفهم قول الجهمية بل يفهم من النفي معنى صحيحاً ... مثل أن يفهم من قولهم: "ليس في جهة" ولا له "مكان" ولا هو "في السماء".أنه ليس في جوف السماوات - وهذا معنى صحيح وإيمانه بذلك حق - ولكن يظن أن الذين قالوا هذا النفي اقتصروا على ذلك، وليس كذلك بل مرادهم، أنه ما فوق العرش شيء أصلاً ولا فوق السماوات إلا عدم محض، وليس هناك إله يعبد، ولا رب يدعى ويسأل، ولا خالق خلق الخلائق، ولا عرج بالنبي ﷺ إلى ربه أصلاً هذا مقصودهم" (٤).
следующие страницы →