Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
قال: (مسألة: لا إجمال فيما له محمل لغوي ومحمل في حكم شرعي, مثل: «الطواف بالبيت صلاة» , ليس مجملًا.
لنا: عرف الشارع تعريف بالأحكام, ولم يبعث لتعريف اللغة.
قالوا: يصلح لهما, ولم تتضح دلالته.
قلنا: تتضح بما تقدم).
أقول: إذا ورد من الشارع لفظ يمكن حمله على حكم شرعي مجرد, ويمكن حمله على الموضوع اللغوي, مثل ما روى الترمذي عنه ﵇ أنه قال: «الطواف بالبيت صلاة» , فإنه يحتمل أن يكون أراد أنه صلاة حكمًا في افتقاره إلى الطهارة, ويحتمل أنه أراد أنه يشتمل على الدعاء فهو صلاة لغة, قال الغزالي: إنه مجمل؛ إذ ليس حمله على حكم مجرد أولى من التقدير على الحكم العقلي أو الاسم اللغوي, ومن هنا يعرف الفرق بين هذه المسألة والتي بعدها, وهما مسألتان في المستصفى والإحكام.
واختار الآمدي والمصنف أنه ليس بمجمل.
لنا: أن عرف الشارع أن يعرف الأحكام الشرعية ولذلك بعث, ولم
стр. 1052
يبعث لتعريف الموضوعات اللغوية, فكان ذلك قرينة واضحة لحمله على الحكم الشرعي, فلا إجمال.
قالوا: اللفظ يصلح للمحمل اللغوي والشرعي لأنه الفرض, ولم يتضح دلالته على أحدهما لعدم الدليل فرضًا, وهو معنى الإجمال.
الجواب: لا نسلم أنه لم تتضح دلالته, بل متضحة بما ذكرنا أن عرف الشارع تعريف الأحكام لا اللغة, غايته أنه لم يتضح بدليل خاص, وذلك لا يوجب عدم الاتضاح مطلقًا.
قال: (مسألة: لا إجمال فيما له مسمى لغوي ومسمى شرعي .
وثالثها: الغزالي: في الإثبات الشرعي وفي النهي مجمل.
ورابعها: في النهي اللغوي والإثبات الشرعي مثل: «إني إذًا لصائم».
لنا: أن عرفه يقتضي بظهوره فيه. الإجمال: يصلح لهما.
الغزالي: في النهي تعذر الشرعي للزوم صحته.
وأجيب: ليس معنى الشرعي الصحيح, وإلا لزم في: «دعي الصلاة / أيام أقرائك» الإجمال.
الرابع: في النهي تعذر الشرعي للزوم صحته, كبيع الحر والخمر.
وأجيب: بما تقدم, وبأن: «دعي الصلاة» للغوي, وهو باطل).
أقول: قد يكون للفظ مسمى لغوي ومسمى شرعي, كلفظ الصلاة والصوم, قال القاضي: هو مجمل.
стр. 1053
قال الغزالي: وهذا منه على تقدير التزام الأسماء الشرعية, وإلا فهو ينكرها, وقال بعض الشافعية وبعض الحنفية: يحمل على الشرعي مطلقًا, واختاره المصنف.
وقال الغزالي: إن وقع في الإثبات, مثل قوله ﵇, وقد سأل بعض أزواجه في الغداء: «هل عندكم شيء؟ » , فقالت: لا, فقال: «إني إذًا لصائم» , حمل على الشرعي, فيصح الصوم بنية من النهار, وفي المنتهى: كنهيه ﵇ عن صوم يوم النحر, يكون مجملًا.
واختار الآمدي: أنه في الإثبات للشرعي, وفي النهي للغوي.
لنا: أن عرف الشارع استعماله في الشرعي, وذلك يقضى بظهوره فيه عند إطلاقه, فلا إجمال.
стр. 1054
احتج القاضي: بأنه يصلح لهما ولم يتضح لأحدهما وهو معنى الإجمال.
الجواب: متضح بأن عرفه معرف لإرادته.
احتج الغزالي: بأنه في الإثبات للشرعي بما ذكرتم, وفي النهي لا يحمل على الشرعي وإلا لكان صحيحًا واللازم باطل, أما الملازمة؛ فلأن الصحيح ما وافق أمر الشارع, وهو المراد بالشرعي, وأما انتفاء اللازم؛ فلأن النهي يدل على الفساد, أو لا يدل على الصحة.
الجواب: أن الشرعي ليس هو الصحيح شرعًا, بل الشرعي ما يسميه الشارع بهذا الاسم من الهيئات المخصوصة, وإلا لزم فيه: «دعي الصلاة أيام أقرائك» , أن يكون مجملًا بين الصلاة والدعاء واللازم باطل؛ لأنه ظاهر قطعًا في معناه الشرعي.
قلت: ولو صح دليل الغزالي لم ينتج إلا المذهب الرابع؛ لأنه إذا تعذر الحمل على الشرعي تعين الحمل على اللغوي, فينتفي الإجمال.
احتج في الإثبات: بما ذكروا في النفي بأنه ظاهر في اللغوي, لتعذر الحمل على الشرعي للزوم صحته, وأنه باطل كبيع الحر والخمر مما نهى الشارع عنه, وشيء منها لا يصح بيعه.
стр. 1055
الجواب: ما تقدم أن الشرعي ليس هو الصحيح, وبأنه يلزم في: «دعي الصلاة أيام أقرائك» , أن يكون المنهي عنه الدعاء, وأنه باطل.
قال: (البيان والمبين .
يطلق البيان على فعل المبين, وعلى الدليل, وعلى المدلول, ولذلك قال الصيرفي: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح. وأورد: البيان ابتداء, والتجوز بالحيز, وتكرير الوضوح.
وقال القاضي والأكثر: الدليل.
وقال البصري: العلم عن الدليل.
والمبين: نقيض المجمل.
ويكون في مفرد, وفي مركب, وفي فعل, وإن لم يسبق إجمال).
أقول: البيان يطلق على فعل المبين, وهو التبيين الذي هو التعريف والإعلام بما ليس بمعروف, كالسلام والكلام للتسليم والتكليم, مشتق من بان إذا ظهر وانفصل, ويطلق على ما حصل بن التبيين وهو الدليل, وعلى متعلق التبيين ومحله وهو المدلول, ولأجل النظر إلى المعاني الثلاثة اختلف تفسير العلماء له. فقال الصيرفي بالنظر إلى النظر الأول:
إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح.
وأورد عليه: ما يدل على الحكم ابتداء من غير سبق إجمال وإشكال مع أنه بيان, وليس ثم إخراج من حيز الإشكال.
стр. 1056
ثانيهما: لفظ الحيز في الموضعين مجاز لأنه للأجرام والمجاز يجتنب في الحدّ.
ثالثها: أن الوضوح هو التجلي, فيكون تكرارًا.
وزاد الغزالي: أن الشيء يختص بالموجود.
وقال القاضي, والغزالي, وأكثر الأصوليين نظرًا إلى الثاني: إنه الدليل, وقال أبو عبد الله البصري نظرًا إلى الثالث: العلم عن الدليل.
ثم عرف المصنف المبين: بأنه نقيض المجمل, يعني ما اتضحت دلالته, فخاصة هذا منافية لخاصة هذا, فيدخل الخطاب المبين ابتداء, والخطاب الذي معه البيان, كالمجمل الذي معه بيانه, والبيان الوارد بعد مجمل أو عام أو مطلق, والفعل البين ابتداء, والفعل المقترن بما يدل على أنه بيان للغير.
ثم المبين قد يكون في مفرد, وقد يكون في مركب, مثل: «عليّ عشرة إلا درهمًا» , وقد يكون في فعل سبقه إجمال كبيان النبي ﵇ الصلاة بفعله بعد أقيموا الصلاة, أو لم يسبق إجمال كقطعه يد السارق من الكوع بعد آية السرقة, إذ ليست بمجمل على ما سبق.
قال: (مسألة: المختار أن الفعل يكون بيانًا .
لنا: أن ﵇ بيّن الصلاة والحج بالفعل.
стр. 1057
وقوله: «صلوا كما» , و «خذوا عني» يدل عليه.
فإن المشاهدة أدل؛ وليس الخبر كالمعاينة.
قالوا: يطول, فيتأخر البيان.
قلنا: وقد يطول بالقول.
ولو سلّم, فما تأخر للشروع فيه.
ولو سلّم, فالسلوك أقوى البيانين.
قلنا: وقد يطول بالقول.
ولو سلّم, فما تأخر عن وقت الحاجة).
أقول: الجمهور أن الفعل يكون بيانًا.
لنا: أنه ﵇ بيّن الصلاة والحج بالفعل.
فإن قيل: المبين قوله ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي» , و «خذوا عني مناسككم» لا الفعل.
قلنا: البيان بالفعل, والقول دليل أن الفعل بيانو لا أنه هو البيان, إذ لم / يشتمل القول على شيء من أفعالهما.
وأيضًا: مشاهدة الفعل أقوى في بيانه من الإخبار عنه, ولذلك قيل: «ليس الخبر كالمعاينة». أخرجه ابن حبان في صحيحه.
стр. 1058
قالوا: الفعل يطول, فلو بين به لزم تأخير البيان مع إمكان تعجيله.
الجواب: قد يطول بالقول أكثر, ولو سلم فلا نسلم تأخير البيان؛ إذ تأخير البيان لا يشرع فيه عقب الإمكان, وهذا قد شرع فيه, والفعل هو الذي استدعى زمانًا, ومثله لا يعد تأخيرًا, كمن قال لعبده: «ادخل المدينة» فسار في الحال.
ولو سلّم, فإنما يمتنع تأخير البيان مع إمكان التعجيل إذا لم يكن فيه غرض, وهنا إنما تأخر لسلوك أقوى البيانين.
ولو سلّم, فتأخير البيان إنما يمتنع عن وقت الحاجة لا مطلقًا, وهو لم يتأخر عنه.
قال: (مسألة: إذا ورد بعد المجمل قول وفعل , فإن اتفقا وعرف المتقدم منهما, فهو البيان, والثاني تأكيد, فإن جهل فأحدهما.
وقيل: يتعين غير الأرجح للتقديم؛ لأن المرجوح لا يكون تأكيدًا.
وأجيب: بأن المستقل لا يلزم فيه ذلك.
فإن لم يتفقا كما لو طاف بعد آية الحج طوافين وأمر بطواف واحد, فالمختار القول وفعله ندب أو واجب متقدمًا أو متأخرًا؛ لأن الجمع أولى.
أبو الحسين: المتقدم بيان.
ويلزمه نسخ الفعل متقدمًا مع إمكان الجمع).
أقول: إذا ورد مجمل, وورد بعده قول وفعل, كل منهما صالح لأن
стр. 1059
يكون بيانًا لذلك المجمل, فإما أن يتفقا أو يختلفا.
فإن اتفقا, كما لو كان طاف بعد نزول آية الحج طوافًا واحدًا وأمر بطواف واحد, فإن عرف المتقدم منهما فهو البيان لحصوله به, والثاني تأكيد, وإن جهل فالبيان أحدهما من غير تعيين.
وقيل: إن كان أحدهما أرجح, تعين المرجوح للتقديم فكان بيانًا, والراجح للتأكيد؛ لأن المرجوح لا يكون تأكيدًا.
وأجيب: بأن ذلك إنما يلزم في المفردات, نحو: «جاءني القوم كلهم» , أما المؤكد المستقل فلا يلزم فيه ذلك, كالجمل التي يذكر بعضها بعد بعض للتأكيد, فإن الثانية - وإن كانت أضعف -[أو] استقلت؛ فإنها بانضمامها إلى الأولى تفيدها تأكيدًا لمضمونها في النفس وزيادة تقرير.
أما لو اختلفا, كما لو طاف طوافين وأمر بطواف واحد, فالمختار أن لقول هو البيان, والفعل ندب له, أو واجب عليه يختص به, ولا فرق بين أن يكون القول متقدمًا أو متأخرًا؛ لأنه جمع بين الدليلين, وهو أولى من إبطال أحدهما.
وقال أبو الحسين: المتقدم منهما هو البيان.
وهو باطل؛ إذ يلزمه نسخ الفعل إذا كان الفعل هو المتقدم مع إمكان
стр. 1060
الجمع؛ لأنه إذا طاف أولًا طوافين, وجب علينا طوافان, فإذا أمر بطواف فقد نسخ أحد [الطوافين] عنا.
قال: (مسألة: المختار: أن البيان أقوى .
والكرخي: يلزم المساواة.
أبو الحسين: بجواز الأدنى.
لنا: لو كان مرجوحًا, ألغي الأقوى في العام إذا خص, والمطلق إذا قيد, وفي التساوي التحكم).
أقول: المختار وجوب كون المبيَّن أقوى دلالة من المبيَّن.
وذهب الكرخي إلى جوازه بالمساوي.
وجوزه أبو الحسين بالأدنى دلالة.
والحق: إن كان المبين عامًا أو مطلقًا؛ فلابد وأن يكون المخصص والمقيد في دلالته أقوى من دلالة العام على صورة التخصيص, ومن دلالة المطلق على صورة التقييد, وإلا فلو كان مرجوحًا لزم إلغاء الراجح بالمرجوح ولو كان مساويًا لم يكن تقديم أحدهما على الآخر بأولى من العكس؛ فيلزم التحكم.
стр. 1061
قلت: وفيه نظر؛ لأن فيه جمعًا بين الدليلين, كالمفهوم مع العموم
قال في المنتهى: وأما المجمل فواضح, يعني يكون بيان المجمل أقوى دلالة منه؛ لأن المجمل لما كان ما لم يتضح دلالته, كان بيانه وهو ما يعين أحد احتمالاته أقوى منه ضرورة, وهو معنى قول الآمدي: أما المجمل فيكفي في تعين أحد احتمالاته أدنى ما يفيد الترجيح.
قال: (مسألة: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع , إلا عند من يجوز تكليف ما لا يطاق, وإلى وقت الحاجة يجوز.
والصيرفي والحنابلة: ممتنع.
والكرخي: ممتنع في غير المجمل.
وأبو الحسين: مثله في الإجمالي لا التفصيلي, مثل: هذا العموم مخصوص, والمطلق مقيد, والحكم سينسخ.
والجبائي: ممتنع في غير النسخ.
لنا: ﴿فإن لله خمسة﴾ , إلى: ﴿ولذي القربى﴾ , ثم بين أن السلب للقاتل, إما عمومًا وإما برأي الإمام, وأن ذوي القربى بنو هاشم دون بني أمية وبني نوفل, ولم ينقل اقتران إجمالي مع أن الأصل عدمه.
وأيضًا: ﴿أقيموا الصلاة﴾ ثم بين جبريل, وكذلك الزكاة, وكذلك السرقة, ثم بين على تدريج.
стр. 1062
وأيضًا: فإن جبريل ﵇ قال: أقرأ, قال: وما أقرأ, وكرر ثلاثًا, ثم قال: ﴿اقرأ باسم ربك﴾.
واعترض: بأنه متروك للظاهر؛ لأن الفور لا يمتنع تأخيره, والتراخي يفيد جوازه في الزمن الثاني فيمتنع تأخيره.
وأجيب: بأن الأمر قبل البيان لا يجب به شيء, وذلك كثير).
أقول: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز إلا عند مجوز تكليف ما لا يطاق, وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.
فالجمهور: جوازه, ومنعه الأبهري من أصحابنا, حكاه القاضي عنه, ومنعه الصيرفي, وأبو إسحاق المروزي من الشافعية,
стр. 1063
والظاهرية, وذهب الكرخي وأكثر الحنفية إلى جواز تأخير بيان المجمل دون الظاهر إذا أريد غير ظاهره. وقال أبو الحسين بمثل ما قال الكرخي في المجمل, وأما الظاهر فلا يجوز تأخير بيانه الإجمالي, أما التفصيلي فيجوز تأخيره, فيجب أن يقول: هذا العموم مخصوص, وهذا لمطلق مقيد, وهذا الحكم سينسخ, ولا يجب تفصيل ما خص عنه, وذكر الصفة التي قيد بها, وتعيين وقت النسخ, وذهب الجبائي وعبد الجبار إلى جواز تأخير بيان النسخ دون ما عداه.
لنا: قوله تعالى: ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ إلى قوله: ﴿ولذي القربى﴾؛ فإنه أثبت خمس الغنيمة للمذكورين, وأثبت لذوي القربى عمومًا نصيبًا, و «ما غنمتم» , و «ذوي القربى» فما له ظاهر وأريد خلافه من غير ذكر بيان معه, لا إجمالي ولا تفصيلي.
ثم بين بعد ذلك أن السلب للقاتل, إما عمومًا عملًا بقول ﵇:
стр. 1064
«من قتل قتيلًا فله سلبه» , كما يقول ابن وهب والشافعي.
وإما برأي الإمام, كما يقول مالك وأبو حنيفة.
وأيضًا: بيّن أن ذوي القربى بنو هاشم وبنو المطلب, دون بني أمية وبني عبد شمس.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون البيان الإجمالي مقترنًا به, والمتأخر هو التفصيلي؟ .
أجيب: لم ينقل اقتران بيان إجمالي, ولو اقترن به لنقل.
وأيضًا: الأصل عدمه.
ولنا أيضًا: ﴿أقيموا الصلاة﴾ , والصلاة عند نزول الآية كانت ظاهرة في الدعاء, مع أن المراد ذات الأركان, ولو كانت ظاهرة في الشرعية فالقدر والصفة والشرائط مما بيّن بَعْدُ, ولم يقترن بها بيان إجمالي ولا تفصيلي, ثم بَيَّن جبريل, ثم بَيَّن الرسول بتدريج.
وكذلك: ﴿وآتوا الزكاة﴾ , أوجب الزكاة ثم بَيَّن تفاصيل الجنس والنصاب بتدريج.
وكذلك قال: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ , فأوجب
стр. 1065
حدّ السرقة, ثم بَيَّن اشتراط النصاب والحرز بتدريج, والجميع مما له ظاهر وأريد خلافه.
ولنا أيضًا: ما في الصحيح, أن جبريل ﵇ في ابتداء الوحي قال للنبي ﵇: «اقرأ, فقال ﵇: ما أنا بقارئ» , ثم كرر ثلاثًا والنبي ﵇ يقول مثل ذلك, ثم قال جبريل: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ , فأخبر بيان ما أمره به أولًا إلى ما بعد الثلاث.
واعترض هذا الدليل الذي ادعيتم تأخير بيانه: فإنه متروك الظاهر, وما كان كذلك لا يصح التمسك به اتفاقًا, أما الصغرى: فلا يلزم لو حمل على ظاهره من تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن الأمر إن كان على الفور فلا يجوز تأخيره؛ لأنه تأخير عن وقت الحاجة, وإن كان على التراخي فإن
стр. 1066
الوجوب يتراخى دون الجواز؛ إذ جواز الفعل ثابت على الفور, لأنه لم يقل أحد بوجوب التأخير, والجواز أيضًا حكم يحتاج إلى البيان, كما يحتاج إليه الوجوب, فيمتنع تأخيره لأنه تأخير عن وقت الحاجة, فترك الظاهر لازم لنا ولكم, هكذا جعله الآمدي خاصًا بهذا الأخير.
والشراح جعلوه اعتراضًا عليها كلها, ولا يصح؛ لأن الجواب يأبى ذلك, لذكر متعلق الأمر ظاهرًا, فلو لم يرد بعد ذلك اشترط / النصاب والحرز لقطعنا, وكذلك فيما ذكر معه, بخلاف «اقرأ».
ثم أجاب: بمنع كون الأمر قبل البيان على الفور أو على التراخي, بل هو قبل البيان لا يجب به شيء أصلًا, ثم قال: وذلك كثير, أي الصور التي أخَّر فيها البيان مثل ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ ثم بَيَّن أن المحصين يرجم وكذلك قوله تعالى ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم﴾ ثم نزل المخصص.
قال الآمدي: «إلى غيره من العمومات التي لم يبين تفاصيلها إلا بعد مدة» [لا كما قال الشراح]: الأمر الذي لا يجب به شيء كثير.
قال: (واستدل: بقوله تعالى: ﴿أن تذبحوا بقرة﴾ وكانت معينة, بدليل تعيينها بسؤالهم مؤخرًا, وبدليل أنهم لم يؤمروا بمتجدد, وبدليل المطابقة لما ذبح.
стр. 1067
وأجيب: بمعنى التعيين, فلم يتأخر بيان, بدليل: بقرة, وهو ظاهر وبدليل قول ابن عباس: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم, وبدليل: ﴿وما كادوا يفعلون﴾.
واستدل: بقوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون﴾ , فقال ابن الزبعري: فقد عبدت الملائكة والمسيح, فنزل: ﴿إن الذين سبقت لهم﴾.
وأجيب: بأن «ما» لما لا يعقل, ونزول ﴿إن الذين سبقت﴾ زيادة بيان لجهل المعترض, مع كونه خبرًا.
واستدل: لو كان ممتنعًا, لكان لذاته أو لغيره بضرورة أو نظر, وهما منتفيان.
وعورض: لو كان جائزًا ... إلى آخره).
أقول: هذه دلائل استدل بها للمذهب المختار, كلها مزيفة عند المصنف.
الأول: احتجوا بقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ , وجه التمسك بها أن البقرة المأمور بذبحها بقرة معينة لا أي بقرة كانت كما هو الظاهر, فقد أريد خلاف الظاهر, وإنما قلنا: إنها كانت معينة, لأن عود هذه الكلمات وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أنها معينة, عينها الله بسؤالهم بعدُ, فقال: ﴿إنها بقرة ... ﴾ إلى آخره, والضمير في
стр. 1068
السؤال ضمير المأمور بها, فكذا في الجواب.
ويدل أيضًا على أنها معينة: أنهم لم يؤمروا بمتجدد, ولو كانت بقرةٍ ما لكان الأمر بالمعين أمرًا بمتجدد.
وأيضًا: لما ذُبح ذلك العين, طابق الأمر بذبح المعين, ويُعلم قطعًا أنه لو ذبح غيره لما كان مطابقًا للأمر, فعلم أن المأمور بها معينة.
الجواب: منع كونها معينة بل بقرةٍ ما, فلا يحتاج إلى بيان, بدليل: ﴿يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ وهو ظاهر في بقرة غير معينة, وبدليل قول ابن عباس: «لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم, ولكن شددوا فشدد الله عليهم» وبدليل: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ دلّ على أنهم كانوا قدرين على الفعل وأن السؤال عن التعيين كان تعنتًا, فلو كانت معينة ما عنفهم.
والحق: أن هذه الأجوبة ضعيفة.
قوله: (بدليل بقرة) هو كما قال ظاهر في أي بقرة كانت لكن أريد خلافه, بدليل تعيينه بسؤالهم, وإلا لزم النسخ قبل التمكن, فإن التعيين إبطال للتخيير / الثابت تعيينها بسؤالهم, وإلا لزم النسخ قبل التمكن, فإن التعيين إبطال للتخيير / الثابت بالنص, وهو إن كان جائزًا عندنا لكن محذوره أشد من محذور تأخير البيان إلى وقت الحاجة, وأما الذم فقد يكون للتواني بعد البيان, وقول ابن عباس لا يكون حجة في مثله.
الثاني: استدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله
стр. 1069
حصب جهنم﴾ , وهو عام أريد به الخصوص وتأخر البيان؛ لأنها لما نزلت, قال عبد الله بن الزبعري: «فقد عبدت الملائكة والمسيح» , فنزل: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾.
الجواب: أن «ما» لما لا يعقل, ونزول ﴿إن الذين﴾ زيادة بيان, وإلا فقد ظهر عدم تناوله للملائكة والمسيح, أو مخصوص بدليل العقل, واحتيج إلى زيادة البيان لجهل المعترض.
لا يقال: «ما» تستعمل لما يعقل والمختلط بمن يعقل.
لأنا نقول: لا نزاع في الاستعمال, إنما النزاع في الظهور, وهي ظاهرة فيما لا يعقل وإلا لزم الاشتراك, قال المصنف: «هذا مع كونه خبرًا».
قال البيضاوي: ﴿إن الذين﴾ خبر مستأنف لا إشعار فيه أنه مخصص.
وقال بعض الشراح: النزاع في التكاليف التي يحتاج إلى معرفتها للعمل بها, ولذلك عقدنا المسألة في تأخير البيان إلى وقت الحاجة, والآية خبر.
стр. 1070
وفيه نظر؛ لأن جماعة جوزوا تأخير بيان الأمر دون الخبر, ولا نعرف من عكس.
وقال معظم الشراح: المراد أنه خبر آحاد, فلا يعول عليه في المسألة العلمية, هذا بعد صحته.
واستدل أيضًا: لو كان تأخير البيان عن وقت الخطاب ممتنعًا, لكان امتناعه لذاته أو لغيره, ولو كان أحدهما لعرف بالضرورة أو بالنظر وهما منتفيان, أما الضرورة فبالضرورة, ولأنه لا تسمع دعوى الضرورة في محال الخلاف, وأما بالنظر؛ فلأنه لو امتنع لامتنع لجهل مراد المتكلم من كلامه, لعلمنا أنه لا يحصل بالبيان إلا ارتفاع ذلك, وأنه لا يصلح مانعًا.
الجواب: المعارضة بالمثل, أي لو كان جائزًا لعرف جوازه ضرورة أو نظرًا وكلاهما منتف, أما الضرورة فللخلاف فيه, وأما النظر؛ فلو جاز فلعدم المانع ولا جزم به, غايته عدم الوجدان.
قال: (المانع بيان الظاهر: لو جاز لكان إلى مدة معينة, وهو تحكم ولم يقل به.
أو إلى الأبد, فيلزم المحذور.
وأجيب: إلى معينة عند الله, وهو وقت التكليف.
قالوا: لو جاز لكان مفهمًا؛ لأنه مخاطب فتلزمه.
стр. 1071
وظاهره جهالة, والباطن متعذر.
وأجيب: بجريه في النسخ, لظهوره في الدوام.
وبأنه يفهم الظاهر مع تجويزه التخصيص عند الحاجة, فلا جهالة ولا إحالة.
عبد الجبار: تأخر بيان المجمل يخل بفعل العبادة في وقتها؛ للجهل بصفتها بخلاف النسخ.
وأجيب: بأن وقتها وقت بيانها.
قالوا: لو جاز تأخير بيان المجمل لجاز الخطاب بالمهمل ثم يبين مراده.
وأجيب: بأنه يفيد أنه مخاطب بأحد مدلولاته, فيطيع ويعصي بالعزم بخلاف الآخر.
وقال: تأخير بيان التخصيص يوجب / الشك في كل شخص, بخلاف النسخ.
وأجيب: بأن ذلك على البدل, وفي النسخ يوجب الشك في الجميع فكان أجدر).
أقول: احتج المانعون من جواز تأخير بيان الظاهر: بأنه لو جاز التأخير فإنما إلى مدة معينة أو إلى الأبد, وكلاهما باطل.
أما إلى مدة معينة فلأنه تحكم؛ لأن العام نسبته إلى الأزمنة كلها على السواء, ولأنه لم يقل به أحد.
стр. 1072
وأما إلى الأبد؛ فلأنه يلزم المحذور, وهو تأخر البيان عن وقت الحاجة المستلزم تكليف ما يطاق.
الجواب: نختار إلى مدة معينة عند الله تعالى, وهو الوقت الذي يعلم أنه مكلف به فيه, ونسبة البيان إلى وقت التكليف أولى, لاحتياج المكلف في هذا الوقت إلى الامتثال بخلاف غيره فلا تحكم, ونحن قائلون به.
قالوا ثانيًا: لو جاز تأخير بيانه, لكان المتكلم بالعام غير مبين قاصدًا به التفهيم, أما الملازمة؛ فلأنه مخاطب والخطاب يستلزم التفهيم, لأن حقيقته توجب الكلام إلى المخاطب لأجل التفهيم, ولذلك لا يصح خطاب الزنجي بالعربي.
وأما بطلان اللازم؛ فلأنه لو قصد التفهيم, فإما لظاهره وهو غير مراد فيكون فهمه جهالة, ولا يصح مقصود الشارع.
وإما لباطنه وهو متعذر, ويلزم القصد إلى ما يمتنع حصوله.
الجواب أولًا: النقض بالنسخ؛ لأنه ظاهر في الدوام مع أنه غير مراد, فيجيء فيه ما ذكرتم بعينه.
وثانيًا: أنه يقصد تفهيم الظاهر مع تجويز التخصيص عند الحاجة, فلا جهالة, إذ لم يعتقد عدم التخصيص وأن الظاهر مراد قطعًا, ولا إحالة, إذ لم يرد منه فهم التخصيص تفصيلًا.
نعم, لو كان مفهمًا لنفس الظاهر من كلامه فقط, أو لنفس ما هو مراده من كلامه, لزمته الجهالة أو الإحالة.
ثم احتج المصنف للمانع في غير النسخ, ولم يتقدم ذكر عبد الجبار, لكنه
стр. 1073
يوافق الجبائي, فأفاد هنا مذهبه وأن هذا الدليل من تصرفه, ولذلك لم يقل: «قالوا».
ولما شاركهم في الدليل الثاني, قال المصنف: «قالوا» , ولما اختص بالآخر قال: «قال».
احتج أولًا على منع تأخير بيان المجمل: بأن تأخير بيانه يوجب الجهل بصفة العبادة, والجهل بصفة الشيء يخل بفعله في وقت فامتنع, بخلاف النسخ فإنه لا يخل بذلك فجاز.
الجواب: وقت العبادة وقت بيان صفتها لا قبل ذلك, فلا يخل التأخير بفعلها في وقتها.
قال هو وأصحابه: لو جاز تأخير بيان المجمل, لجاز الخطاب بالمهمل ثم يبّين مراده, أما الملازمة؛ فلأنه عدم الإفهام لا يصلح مانعًا, وإلا لما جاز بالمجمل.
الجواب: الفرق أن المجمل يعلم أن المراد أحد مدلولاته؛ فيطيع ويعصي بالعزم على فعله إذا تبين, بخلاف المهمل, فإنه لا يفهم منه شيء.
احتج عبد الجبار في المقام الثاني, ولهذا أخَّره المصنف, وفصل بين دليله بالدليل المشترك, قال: تأخير بيان الظاهر سوى النسخ, وفرض الكلام في التخصيص؛ فقال: تأخير بيان التخصيص يوجب الشك في كل واحد من أفراد العام, هل هو مراد للمتكلم أم لا, فلا يعلم منه تكليف أحد
стр. 1074
بعينه, فينتفي التكليف الذي هو غرض الخطاب, بخلاف النسخ فإن الكل داخلون إلى أن ينسخ.
الجواب: أن ذلك في التخصيص يوجب الشك في كل واحد واحد على البدل, وفي النسخ يوجب الشك في الجميع؛ إذ يجوز في كل زمان النسخ عن الجميع وعدم بقاء التكليف, فكان النسخ أجدر بأن يمنع من التخصيص فتجويزه في النسخ دون التخصيص باطل.
فإن قيل: في النسخ كلف الجميع إلى وقت ورود الناسخ, فلا شك في الحال, إنما الشك في الاستمرار, وفي التخصيص إنما كلف البعض فقط, فالشك في كل واحد واحد في الحال.
قلنا: الشك قبل وقت العمل لا يضر.
قال: (مسألة: المختار على المنع, جواز تأخير إسماع المخصص الموجود .
لنا: أنه أقرب من تأخيره مع العدم.
وأيضًا: فإن فاطمة سمعت: ﴿يوصيكم الله﴾ , ولم تسمع: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».
وسمعوا: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ , ولم يسمع الأكثر: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» , إلا بعد حين).
أقول: المانعون من تأخير البيان إلى وقت الحاجة اختلفوا في جواز إسماع
стр. 1075
العام [للداخل تحته, مع عدم إسماع المخصص له إلى وقت الحاجة].
فذهب أبو الحسين منهم إلى الجواز واختاره المصنف تنزيلًا على المنع.
لنا: أن تأخير إسماعه مع وجوده أقرب من تأخيره مع عدمه, والدال على منع الأبعد لا يدل على منع الأقرب, والأصل عدم دليل منع هذا بخصوصه.
وأيضًا: لو لم يجز لم يقع, وقد وقع, فإن فاطمة سمعت ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وهو عام, [ولم تسمع مخصصه وهو: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث».
وسمع الصحابة ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ولم يسمع أكثرهم] مخصصه, وهو قوله ﵇ في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» , إلا بعد حين, ولو ادعى الضرورة ما أبعد؛ إذ ليس كلما سمعوا العام سمع جميعهم الخاص.
стр. 1076
قال: (مسألة: المختار على المنع, جواز تأخيره ﵇ تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة, للقطع بأنه لا يلزم منه محال, ولعل فيه مصلحة.
قالوا: ﴿بلغ﴾.
وأجيب: بعد كونه للوجوب, والفور أنه للقرآن).
أقول: المانعون من تأخير البيان إلى وقت الحاجة اختلفوا في جواز تأخير النبي ﵇ تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة.
والمختار: جوازه؛ للقطع بأنه لا يلزم منه محال لذاته, والاستحالة بالغير منفية؛ لأن الأصل عدم الغير.
وأيضًا: يجوز أن يكون في التأخير مصلحة, قالوا: قال تعالى: ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ , والأمر للوجوب وللفور وإلا لم يفد فائدة زائدة؛ لأن وجوب التبليغ يقضي به العقل.
الجواب بعد تسليم أن الأمر للوجوب وأنه على الفور: أن هذا الأمر ظاهر في تبليغ لفظ القرآن, لا في كل الأحكام.
قال: (مسألة: المختار على التجويز: جواز بعض دون بعض .
لنا: أن المشركين فيه الذمي, ثم العبد, ثم المرأة بالتدريج, وآية الميراث بيّن ميراثه ﵇, والقاتل والكافر بتدريج.
قالوا: يوهم الوجوب في الباقي, وهو تجهيل.
ولنا: إذا جاز إيهام الجميع, فالبعض أولى).
стр. 1077
أقول: المجوزون لتأخير البيان إلى وقت الحاجة, اختلفوا في جواز التدريج, أو لابد أن يبين جميع ما خصّ من العام جملة, ولا يجوز أن يبين شيئًا فشيئًا, والمختار الجواز.
لنا: قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ , ثم بين فيه إخراج أهل الذمة ثم العبد ثم المرأة بتدريج, والذي في الإحكام بدل العبد: العسيف ولم يثبت أن النبي ﵇ خصّ عنه العبد, ولم يثبت التدريج.
والثابت أنه ﵇ قال: «ألحق خالدًا - حين رأى امرأة مقتولة - فقل له: لا تقتل امرأة, ولا ذرية, ولا عسيفًا».
وآية الميراث وهي: ﴿يوصيكم الله﴾ , بين ﵇ إخراج نفسه بقوله: «لا نورث» , وإخراج القاتل وإخراج الكافر بتدرج.
قالوا: تخصيص البعض يوهم إرادة الباقي وأنه تجهيل فإنه يمتنع من الشارع.
стр. 1078
الجواب: أن العموم مع تأخير البيان يوهم إرادة جميع ما خرج, وإذا جاز إيهام الجميع, فإيهام البعض أولى.
قال: (مسألة: يمتنع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص إجماعًا.
والأكثر: يكفي بحث يغلب على الظن انتفاؤه.
وقال القاضي: لابد من القطع بانتفائه, وكذلك كل دليل مع معارضه.
لنا: لو اشترط لبطل العمل بأكثر العمومات.
قالوا: ما كثر البحث فيه فالعادة تفيد القطع, وإلا فبحث المجتهد يفيده؛ لأنه لو أريد لاطلع عليه ومنعه, وأسند بأنه قد يجد ما يرجع به).
أقول: قال الغزالي: «لا خلاف في منع المبادرة إلى العمل بموجب العام قبل البحث عن المخصص».
قلت: لأن إمكان وجود المخصص مانع من اعتقاد ظن العموم؛ لأن أكثر العمومات مخصوص.
قيل: حكى صاحب المحصول عن الصيرفي أنه تمسك بالعام ابتداء.
стр. 1079
وقال غير الصيرفي: إنما يجوز إذا طلب المخصص فلم يجده, فما حكي عن الصيرفي يدفع الإجماع.
قلت: قال الإمام في البرهان: إذا ورد لفظ عام بعبادة قبل دخول وقت العمل به, قال الصيرفي: يجب اعتقاد عمومه / جزمًا قبل ظهور المخصص, فإذا ظهر ذلك المخصص يغير ذلك الاعتقاد.
وذكر الآمدي عن الصيرفي مثله.
وخطأه الإمام وقال: إنه غير معدود في مباحث العقلاء, وإنه قول صدر عن غباوة واستمرار في عناد.
وخطأه الآمدي أيضًا وقال: احتمال إرادة الخصوص قائم, ولهذا لو ظهر المخصص لما كان ذلك ممتنعًا ووجب اعتقاد الخصوص, وما هذا شأنه فاعتقاد عمومه جزمًا قبل الاستقصاء في البحث عن مخصصه وعدم الظفر به على وجه تركن النفس إلى عدمه, يكون ممتنعًا.
فإذن لابد في الجزم باعتقاد عمومه من اعتقاد انتفاء مخصصه بطريقه, ومع ذلك لا نعرف خلافًا بين الأصوليين في امتناع العمل بموجب اللفظ العام
стр. 1080
قبل البحث عن المخصص, وكأن قوله مع ذلك من تمام الردّ عليه؛ لأنه إذا اعتقد عمومه أوجب العمل به قبل البحث, فكان محجوجًا بإجماعهم.
وأما على ما حكاه صاحب المحصول, فلا يلزم من التمسك به العمل لأنه قد يتمسك به ليرى هل عند المناظر مخصص أو لا, فيعمل به لغلبة الظن بعدم المخصص بعد مناظرتهما.
ولا يتوقف الاستدلال به على طلب المخصص, كما لا يتوقف على طلب المجاز. بيس
وقال القرطبي في شرح مسلم: «اختلفوا في العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص, وإذا قلنا: إنه يمتنع العمل به قبل البحث عن المخصص, فقال الأكثرون: يكفي بحث يغلب على النفس ظن انتفاء المخصص».
وقال القاضي: «لابد من القطع بانتفائه, وهذا الخلاف لا يختص بهذه المسألة, بل كل دليل مع معارضه كذلك».
لنا: لو اشترط القطع لبطل العمل بأكثر العمومات المعمول بها, إذ القطع لا سبيل إليه, والغاية عدم الوجدان.
стр. 1081
قيل: نمنع الملازمة, إذ قد ينضم إلى ذلك قرائن توجب القطع, أو عند النظر في الأدلة يفيض الله عليهم الجزم بموجبه.
قالوا: إن كانت المسألة مما كثر البحث فيها ولم يطلع على تخصيص, فالعادة قاضية بالقطع بانتفائه, إذ لو كان لوُجد مع كثرة البحث قطعًا, وإن لم يكن مما كثر البحث فيه, فبحث المجتهد يوجب القطع بانتفائه, لأنه لو أريد بالعام الخاص لاطّلع عليه, لاستحالة ألا يُنَصَّب عليه دليلًا, وإلا لزم تكليف ما لا يطاق, وألا يبلغه إلى المكلف وإلا كان نصب الدليل عليه عبثًا إذ الحكم مع عدم اطلاعه على المخصص هو العموم قطعًا.
الجواب: منع المقدمتين, وهو العلم عادة عند كثرة البحث, والعلم عند بحث المجتهد, وأسند بأنه كثير ما يبحث / فيحكم, ثم يجد ما يرجع به عن حكمه, ولو حصل القطع لما رجع.
قال: (الظاهر والمؤول .
الظاهر: الواضح.
وفي الاصطلاح: ما دلّ دلالة ظنية, إما بالوضع كالأسد, أو بالعرف كالغائط.
والتأويل: من آل يؤول, أي رجع.
وفي الاصطلاح: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح.
وإن أردت الصحيح زدت: بدليل يصيره راجحًا.
الغزالي: احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من الظاهر.
стр. 1082
ويرد: أن الاحتمال ليس بتأويل بل شرط, وعلى عكسه: التأويل المقطوع به).
أقول: من أقسام المتن: الظاهر, والمؤول.
والظاهر لغة: الواضح, ومنه الظهور.
وفي الاصطلاح: ما دلّ دلالة ظنية, فيخرج النص لأن دلالته قطعية, ويخرج المجمل والمؤول, إذ لا ظن في المجمل, ودلالة المؤول موهومة.
ثم الدلالة الظنية إما بالوضع كالأسد للحيوان المفترس, وإما بالعرف كالغائط للخارج المستقذر, إذا غُلّب فيه بعد أن كان للمكان المطمأن من الأرض, فيكون الترديد في أنواع المحدود, فيخرج المجاز مع القرينة لأنه وإن دلّ دلالة ظنية, لكن لا بالوضع ولا بالعرف فليس بظاهر.
وقد يقال: المراد ما دل بنفسه, فلا يكون المجاز مع القرينة داخلًا, فينتهي الحدّ عند دلالة ظنية.
ثم المشترك بين النص والظاهر هو المحكم, لاستغنائهما عن البيان.
والتأويل: من آل الأمر إلى كذا أي رجع, ومآل الأمر مرجعه.
وفي الاصطلاح: حمل الظاهر على المعنى المحتمل المرجوح, فيتناول التأويل الصحيح والفاسد, فإن أردت الصحيح فقط, زدت في الحدّ: بدليل يصيره راجحًا, فما كان لا بدليل, أو بدليل يصيره مساويًا, لا يكون تأويلًا صحيحًا, وسواء كان الدليل قطعيًا أو ظنيًا, فالمؤول على هذا
стр. 1083
الظاهر: المحمول على المعنى المحتمل المرجوح.
وعرّف الغزالي التأويل بأنه: احتمال يعضده دليل يصير به أغلب عن الظن من المعنى الذي دلّ عليه الظاهر.
ويرد عليه: أن الاحتمال ليس بتأويل بل شرط خارج والتأويل الحمل.
ويرد على عكسه: التأويل المقطوع به, فإنه يعضده دليل يفيد القطع, وهو ضد الظن.
ولما كان الظاهر أكثر استعمالًا من الظهور, والتأويل أكثر استعمالًا من المؤول, تعرض المصنف لهما فقط.
والمشترك بين المجمل والمؤول المتشابه, لاحتياجهما إلى البيان, لأن كلًا منهما غير / راجح الدلالة, لكن المؤول دلالته مرجوحة.
قال: (يكون قريبًا, فيترجح بأدنى مرجح.
وقد يكون بعيدًا, فيحتاج إلى الأقوى.
وقد يكون متعذرًا فيُرد.
فمن البعيدة: تأويل الحنفية قوله ﵇ لابن غيلان وقد أسلم على عشرة نسوة: «امسك أربعًا وفارق سائرهن» , أي ابتدئ النكاح, أو أمسك الأوائل, فأنه يبعد أن يخاطب بمثله [يتجدد] في الإسلام من غير تحديد بيان, ومع أنه لم ينقل تحديد قط.
وأما تأويلهم قوله ﵇ لفيروز الديلمي وقد أسلم على أختين:
стр. 1084
«أمسك أتيهما شئت» , فأبعد لقوله: أيتهما).
أقول: التأويل على ثلاثة أقسام: قريب, وبعيد, ومتعذر.
فالقريب: يترجح الطرف المرجوح بأدنى مرجح لقربه, مثل: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي إذا أردتم.
والبعيد: ما احتاج الطرف المرجوح في ترجيحه على المعنى الراجح - لولا الدليل - إلى دليل أقوى.
والمتعذر: ما لا يحتمله اللفظ, فيجب ردّه.
وعدّ المصنف تأويلات وحكم ببعدها, وحكم الغزالي بردّ أكثرها.
فمن ذلك: تأويل ما أخرجه الترمذي, أن غيلان - لا كما قال المصنف ابن غيلان - أسلم على عشرة نسوة, فأمره ﵇ أن يتخير أربعًا منهن.
هذا لفظ الترمذي, ورواه الشافعي بلفظ: «أمسك أربعًا وفارق سائرهن».
قال الحنفية: مؤول إما في «أمسك» أي ابتدئ نكاح أربع, «وفارق سائرهن» أي اتركهن, وإما في «أربع» أي الأوائل من العشر, «وفارق سائرهن» أي اترك الأواخر, ولذلك يرون وجوب تجديد النكاح إن تزوجهن
стр. 1085
معًا, وإمساك الأربع الأوائل إن تزوجهن مترتبات.
ووجه بعده: أن غيلان كان متجد الإسلام لا يعرف شيئًا من الأحكام فكيف يخاطب بأمسك ويكون المراد به ابتداء النكاح؟ .
ولا شك أنه يبعد خطاب متجدد في الإسلام بمثله, مع أنه لم ينقل تجديد قط لا منه ولا من غيره, مع كثرة إسلام المتزوجين, ولو كان لنقل قطعًا.
ومنها: تأويلهم ما خرّجه الترمذي, أن فيروز الديلمي أسلم على أختين, فقال له ﵇: «اختر أيتهما شئت» , تأولوه بمثل ما مرّ, وهو أبعد مما تقدم, غذ فيه ما تقدم, ويختص بأن فيه التصريح بقوله: «أيتهما شئت» , فدل على أن الترتيب غير معتبر.
قال: (ومنها: قولهم في ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ , أي إطعام طعام ستين مسكينًا, لأن المقصود دفع الحاجة, وحاجة ستين كحاجة واحدة في ستين يومًا, فجعلوا المذكور معدومًا والمعدوم مذكورًا, مع إمكان قصده لفضل الجماعة وبركتهم, وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن.
ومنها: قولهم في ربعين شاة شاة, أن قيمة الشاة, لما تقدم.
وهو أبعد, إذ يلزم منه: أن لا تجب الشاة.
وكل معنى إذا استنبط من حكم أبطله, باطل).
стр. 1086
أقول: ومن تأويلهم البعيد قوله تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ , قالوا: المراد إطعام طعام ستين مسكينًا؛ لأن المقصود دفع الحاجة, وحاجة ستين شخصًا كحاجة واحد في ستين يومًا, لا فرق بينهما عقلًا.
ووجه بعده: أنه جعل المعدوم - وهو طعام ستين - مذكورًا بحسب الإرادة, [والموجود - وهو ستين - معدومًا بحسب الإرادة] , حيث لم يجعلوه مفعولًا للطعام مع رجحان أن المذكور هو المراد؛ لأنه يقصد إطعام ستين عينًا ولا يخير فيه في واحد في ستين يومًا, لفضل الجماعة وبركتهم وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن, فيكون إلى الإجابة أقرب.
ومنها: تأويلهم ما خرّجه أبو داود, أنه ﵇ قال: «من أربعين شاة شاة». قالوا: المراد قيمة الشاة, لما تقدم أن المقصود دفع الحاجة, والحاجة إلى قيمة الشاة كالحاجة إليها, قال: وهو أبعد من الذي قبله؛ لأنه إذا وجبت قيمة الشاة لا تجب الشاة بخلاف الأول, إذ لا منافاة بين إيجاب إطعام طعام ستين مسكينًا وبين إطعام ستين مسكينًا, فيرجع المعنى - المستنبط من الحكم - وهو دفع الحاجة المستنبطة من إيجاب الشاة على الحكم وهو
стр. 1087
وجوب الشاة بالإبطال, وكل معنى استنبط من حكم فأبطله فهو باطل؛ لأنه يوجب بطلان أصله المستلزم لبطلانه, فيلزم من صحته اجتماع صحته وبطلانه وأنه محال, فتنتفي صحته فيكون باطلًا.
والثابت عن الحنفية أنهم قالوا: أو قيمة الشاة, وكذا قال جماعة من أصحابنا, فلا يلزمهم شيء مما ألزمهم, ولا يكون تأويلًا بعيدًا.
قال: (ومنها: حمل «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها, فنكاحها باطل باطل باطل» على الصغيرة, والأمة, والمكاتبة.
وباطل: أي يؤول إليه غالبًا لاعتراض الأولياء؛ لأنها مالكة لبضعها فكان كبيع سلعة, واعترض الأولياء لدفع نقيصة - إن كانت - فأبطل ظهور قصد التعميم بتمهيد أصل مع ظهور «أي» مؤكدة بـ «ما» , وتكرير لفظ البطلان وحمله على نادر بعبيد كاللغز, مع إمكان قصده لمنع استقلالها فيما يليق بمحاسن العادات).
أقول: ومنها: تأويلهم ما خرّجه أبو دود عنه عليه السلم, أنه قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل».
стр. 1088
فتارة تأولوا «أيما» فحملوه على الصغيرة والأمة والمكاتبة, وأجروا لفظ «باطل» على ظاهره, وتارة أوّلوا لفظ «باطل» أي يؤُول إلى البطلان غالبًا لاعتراض الولي إذا تزوجت بغير كفٍ, وحملوا «أيما امرأة» على غير المذكورات, وإنما أولوه بما ذكر لأن المرأة - غير من ذكر – مالكة لبضعها فرضاها / هو المعتبر, فيصح نكاحها كبيع سلعة تملكها.
فإن قيل: فكان ينبغي ألا يجوز للولي الاعتراض كما في بيع سلعتها؟ .
قلنا: اعتراض الأولياء لدفع نقيضة - إن كانت - فإن الشهوة مع قصور النظر مظنة الوقوع فيها, فإذا عدمها بعدم اعتراض الولي فقد حصل المقصود, ولا يتأتى مثله في السلعة.
ووجه بعده: أنه أبطل ظهور قصد النبي ﵇ التعميم في كل امرأة, بتمهيد أصل من الأصول, فإنّ واضعي القواعد إذا ذكروا حكمًا بلا تفصيل يفهم منه قصدهم العموم, وجعل ذلك قاعدة كلية وإن لم يكن اللفظ صريحًا في العموم, فكيف واللفظ صريح في العموم, وهو «أي» لأنها من صيغ العموم, لا سيما مؤكدة بـ «ما» , فحمله على نادر - وهي الصغيرة والأمة والمكاتبة - ثَمّ حمل باطل, مع تكرير لفظ ثلاث مرات تأكيدًا يؤتى به نفيًا لاحتمال السهو, والتجوز على نادر أيضًا وهومصيره إلى البطلان عند اعتراض الولي لنقيصة - إن كانت - لا شك أنه بعيد يتنزل منزلة اللغز, هذا مع إمكان قصده منع استقلال المرأة عن نهوضها بنفسها [بما لا
стр. 1089
يليق بمحاسن العادات, فهو خاص به بنفسها] , ولا شك أن نكاحها بنفسها من هذا القبيل, يشهد به العرف ولا يمكن إنكاره.
وجعل بعض الشراح (بتمهيد أصل) يتعلق بقوله: (فأبطل) أي أبطل ظهور قصد التعميم بسبب تمهيد أصل, وهو العلة المذكورة لتأويلهم.
قال: (ومنها: حملهم «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» على القضاء والنذر, لما ثبت عندهم من صحة الصوم بنيته من النهار, وجعلوه كاللغز, فإن صح المانع من الظهور فليطلب أقرب التأويل.
ومنها: حملهم القربى على الفقراء منهم؛ لأن المقصود سد الخلة, ولا خلة مع الغنى, فعطلوا لفظ العموم مع ظهور أن القرابة سبب للاستحقاق مع الغنى).
أقول: ومنها: تأويلهم ما رواه النسائي عنه ﵇ أنه قال: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» , قالوا: يحمل على قضاء الصوم ونذره, وإنما حملوه على ذلك لما ثبت عندهم من صحة الصيام بنية من النهار.
стр. 1090
ووجه بُعْده: أنهم حملوه على صورة نادرة بالنسبة إلى الصوم, مع ظهور العموم بالنكرة في سياق النفي, فصار كاللغز, فإن صح المانع من حمله على العموم كما هو مذهب الشافعي القائل بصحة صوم التطوع بنية من النهار, فيصار إلى الأقرب إليه وهو القضاء, والنذر, والواجب.
وإن لم يصح - كما هو مذهب مالك - حُمل على عمومه.
وإنما قال: (إن صح المانع من الظهور) مع أن الحقيقة منتفية إجماعًا بناء على / ما قدم من أن العرف في مثله نفي الفائدة, فهو ظاهر عنده في العرفية. ومنها: حملهم قوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ على الفقراء منهم, قالوا: لأن المقصود سد الخلة, ولا خلة مع الغنى.
ووجه بُعْده: أنهم عطلوا لفظ العموم مع ظهور أن القرابة سبب مناسب للاستحقاق, وكان تعطيلًا للعام لذكر المساكين بعد, لا كما قال بعض الشراح: إنه تخصيص للعام فلا بُعْد.
وعدّ بعض الشافعية حمل مالك آية الزكاة على أن اللام لبيان المصرف, لا أنها للتشريك, من التأويلات البعيدة.
следующие страницы →