Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
أقول: ومن تأويلهم البعيد قوله تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ , قالوا: المراد إطعام طعام ستين مسكينًا؛ لأن المقصود دفع الحاجة, وحاجة ستين شخصًا كحاجة واحد في ستين يومًا, لا فرق بينهما عقلًا.
ووجه بعده: أنه جعل المعدوم - وهو طعام ستين - مذكورًا بحسب الإرادة, [والموجود - وهو ستين - معدومًا بحسب الإرادة] , حيث لم يجعلوه مفعولًا للطعام مع رجحان أن المذكور هو المراد؛ لأنه يقصد إطعام ستين عينًا ولا يخير فيه في واحد في ستين يومًا, لفضل الجماعة وبركتهم وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن, فيكون إلى الإجابة أقرب.
ومنها: تأويلهم ما خرّجه أبو داود, أنه ﵇ قال: «من أربعين شاة شاة». قالوا: المراد قيمة الشاة, لما تقدم أن المقصود دفع الحاجة, والحاجة إلى قيمة الشاة كالحاجة إليها, قال: وهو أبعد من الذي قبله؛ لأنه إذا وجبت قيمة الشاة لا تجب الشاة بخلاف الأول, إذ لا منافاة بين إيجاب إطعام طعام ستين مسكينًا وبين إطعام ستين مسكينًا, فيرجع المعنى - المستنبط من الحكم - وهو دفع الحاجة المستنبطة من إيجاب الشاة على الحكم وهو
стр. 1087
وجوب الشاة بالإبطال, وكل معنى استنبط من حكم فأبطله فهو باطل؛ لأنه يوجب بطلان أصله المستلزم لبطلانه, فيلزم من صحته اجتماع صحته وبطلانه وأنه محال, فتنتفي صحته فيكون باطلًا.
والثابت عن الحنفية أنهم قالوا: أو قيمة الشاة, وكذا قال جماعة من أصحابنا, فلا يلزمهم شيء مما ألزمهم, ولا يكون تأويلًا بعيدًا.
قال: (ومنها: حمل «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها, فنكاحها باطل باطل باطل» على الصغيرة, والأمة, والمكاتبة.
وباطل: أي يؤول إليه غالبًا لاعتراض الأولياء؛ لأنها مالكة لبضعها فكان كبيع سلعة, واعترض الأولياء لدفع نقيصة - إن كانت - فأبطل ظهور قصد التعميم بتمهيد أصل مع ظهور «أي» مؤكدة بـ «ما» , وتكرير لفظ البطلان وحمله على نادر بعبيد كاللغز, مع إمكان قصده لمنع استقلالها فيما يليق بمحاسن العادات).
أقول: ومنها: تأويلهم ما خرّجه أبو دود عنه عليه السلم, أنه قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل».
стр. 1088
فتارة تأولوا «أيما» فحملوه على الصغيرة والأمة والمكاتبة, وأجروا لفظ «باطل» على ظاهره, وتارة أوّلوا لفظ «باطل» أي يؤُول إلى البطلان غالبًا لاعتراض الولي إذا تزوجت بغير كفٍ, وحملوا «أيما امرأة» على غير المذكورات, وإنما أولوه بما ذكر لأن المرأة - غير من ذكر – مالكة لبضعها فرضاها / هو المعتبر, فيصح نكاحها كبيع سلعة تملكها.
فإن قيل: فكان ينبغي ألا يجوز للولي الاعتراض كما في بيع سلعتها؟ .
قلنا: اعتراض الأولياء لدفع نقيضة - إن كانت - فإن الشهوة مع قصور النظر مظنة الوقوع فيها, فإذا عدمها بعدم اعتراض الولي فقد حصل المقصود, ولا يتأتى مثله في السلعة.
ووجه بعده: أنه أبطل ظهور قصد النبي ﵇ التعميم في كل امرأة, بتمهيد أصل من الأصول, فإنّ واضعي القواعد إذا ذكروا حكمًا بلا تفصيل يفهم منه قصدهم العموم, وجعل ذلك قاعدة كلية وإن لم يكن اللفظ صريحًا في العموم, فكيف واللفظ صريح في العموم, وهو «أي» لأنها من صيغ العموم, لا سيما مؤكدة بـ «ما» , فحمله على نادر - وهي الصغيرة والأمة والمكاتبة - ثَمّ حمل باطل, مع تكرير لفظ ثلاث مرات تأكيدًا يؤتى به نفيًا لاحتمال السهو, والتجوز على نادر أيضًا وهومصيره إلى البطلان عند اعتراض الولي لنقيصة - إن كانت - لا شك أنه بعيد يتنزل منزلة اللغز, هذا مع إمكان قصده منع استقلال المرأة عن نهوضها بنفسها [بما لا
стр. 1089
يليق بمحاسن العادات, فهو خاص به بنفسها] , ولا شك أن نكاحها بنفسها من هذا القبيل, يشهد به العرف ولا يمكن إنكاره.
وجعل بعض الشراح (بتمهيد أصل) يتعلق بقوله: (فأبطل) أي أبطل ظهور قصد التعميم بسبب تمهيد أصل, وهو العلة المذكورة لتأويلهم.
قال: (ومنها: حملهم «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» على القضاء والنذر, لما ثبت عندهم من صحة الصوم بنيته من النهار, وجعلوه كاللغز, فإن صح المانع من الظهور فليطلب أقرب التأويل.
ومنها: حملهم القربى على الفقراء منهم؛ لأن المقصود سد الخلة, ولا خلة مع الغنى, فعطلوا لفظ العموم مع ظهور أن القرابة سبب للاستحقاق مع الغنى).
أقول: ومنها: تأويلهم ما رواه النسائي عنه ﵇ أنه قال: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» , قالوا: يحمل على قضاء الصوم ونذره, وإنما حملوه على ذلك لما ثبت عندهم من صحة الصيام بنية من النهار.
стр. 1090
ووجه بُعْده: أنهم حملوه على صورة نادرة بالنسبة إلى الصوم, مع ظهور العموم بالنكرة في سياق النفي, فصار كاللغز, فإن صح المانع من حمله على العموم كما هو مذهب الشافعي القائل بصحة صوم التطوع بنية من النهار, فيصار إلى الأقرب إليه وهو القضاء, والنذر, والواجب.
وإن لم يصح - كما هو مذهب مالك - حُمل على عمومه.
وإنما قال: (إن صح المانع من الظهور) مع أن الحقيقة منتفية إجماعًا بناء على / ما قدم من أن العرف في مثله نفي الفائدة, فهو ظاهر عنده في العرفية. ومنها: حملهم قوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ على الفقراء منهم, قالوا: لأن المقصود سد الخلة, ولا خلة مع الغنى.
ووجه بُعْده: أنهم عطلوا لفظ العموم مع ظهور أن القرابة سبب مناسب للاستحقاق, وكان تعطيلًا للعام لذكر المساكين بعد, لا كما قال بعض الشراح: إنه تخصيص للعام فلا بُعْد.
وعدّ بعض الشافعية حمل مالك آية الزكاة على أن اللام لبيان المصرف, لا أنها للتشريك, من التأويلات البعيدة.
стр. 1091
ورده الغزالي وقال: اللام لا تتعين للتمليك, والواو لا تتعين للتشريك, قال: لأن سياق الآية يدل على ذلك, كأنه قال: ليس لهؤلاء تُصرف الصدقة, وإنما تُصرف لهؤلاء, فاللفظ ليس بظاهر فيما ادعوه حتى يمتنع صرف اللفظ إلى ما ذكر, بل هذه الجهة يعينها السياق.
قال المصنف: سياق الآية, وهو الرد على لمزهم ورضاهم عن المعطين إذا أعطوهم وسخطهم عليهم إذا منعوهم, اقتضى بيان المصرف, لئلا يتوهم في المعطين أنهم مختارون في الإعطاء والمنع.
قال: (المفهوم والمنطوق: ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق, والمفهوم بخلافه, أي لا في محل النطق.
والأول صريح, وهو ما وضع اللفظ له.
وغير الصريح بخلافه, وهو ما يلزم عنه, فإن قصد وتوقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية بدلالة اقتضاء, مثل: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» , و ﴿اسأل القرية﴾ , و «أعتق عبدك عني على ألف» , لاستدعائه تقدم الملك, لتوقف العتق عليه.
وإن لم يتوقف واقترن بحكم لو لم يكن لتعليله لكان بعيدًا, فتنبيه وإيماء كما سيأتي.
وإن لي يقصد, فدلالة إشارة, مثل: «النساء ناقصات عقل ودين,
стр. 1092
قال: وما نقصان دينهنّ؟ قال: تمكث إحداهنّ شطر دهرها لا تصلي».
فليس المقصود بيان أكثر الحيض وأقل الطهر, ولكنه لزم من أن المبالغة تقتضي ذكر ذلك.
وكذلك: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ , يلزم منه جواز الإصباح جُنُبًا, ومثله: ﴿فالآن باشروهن﴾ إلى ﴿حتى يتبين لكم﴾).
أقول: لما فرغ مما دلّ بمنطوقه, شرع الآن فيما دلّ لا بمنطوقه.
قال الآمدي: اللفظ إذا اعتبر بحسب دلالته, فقد تكون دلالته بصريح صيغته ووضعه وهو المنطوق, وقد تكون دلالته لا بصريح صيغته ووضعه وهو غير المنطوق.
وهو أربعة أقسام: لأنه إما أن يكون مدلوله مقصودًا أو لا, والثاني / دلالة الإشارة, والأول إما أن يتوقف الصدق أو الصحة عليه أو لا, والأول دلالة الاقتضاء, والثاني إما أن يكون مفهومًا في محل تناوله اللفظ نطقًا أو لا, والأول دلالة التنبيه والإيماء, والثاني دلالة المفهوم.
وعرّف المصنف هنا المنطوق وإن كان إنما صدّر بالمفهوم, للعلة التي ذكر الآمدي من أن المفهوم مقابل للمنطوق والمنطوق أصل للمفهوم, فلابد من تعريف المنطوق أولًا.
وعرّفه المصنف بأنه: ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق, وأراد بمحل النطق مورد الكلام, أعني ما أُورد الكلام لأجله, كما تقول: محل كلامك
стр. 1093
كذا, وعلى هذا ففي تناوله لدلالة الإشارة نظر.
قال الآمدي: قال بعضهم: المنطوق ما فهم من اللفظ في محل النطق, وليس بصحيح, فإن الأحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء مفهومة من اللفظ في محل النطق, ولا يقال لشيء من ذلك منطوق اللفظ.
فالواجب أن يقال: المنطوق ما فهم من دلالة اللفظ نطقًا في محل النطق, كوجوب الزكاة المفهوم من قوله: «في الغنم السائمة الزكاة» , وتحريم التأفيف من قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾.
فغير الصريح - عند المصنف - من المنطوق, وليس منه عند الآمدي.
ثم قال: (المفهوم بخلافه) أي ما دلّ عليه اللفظ في غير محل النطق, خلافًا لقوله أول الكتاب: (وغير اللفظية التزام).
قال الآمدي: والمنطوق وإن كان مفهومًا من اللفظ, غير أنه لما كان مفهومًا من دلالة اللفظ نطقًا, خُصّ باسم المنطوق, وبقي ما ورآءه معرفًا بالمعنى العام المشترك, تمييزًا بين الأمرين.
ثم المنطوق ينقسم إلى: صريح, وغير صريح.
فالصريح ما وضع له اللفظ, فيدل عليه بالمطابقة أو بالتضمن.
стр. 1094
وغير الصريح بخلافه, وهو دلالة اللفظ على ما يلزم عن ما وضع له - يعني في محل النطق - ليتميز عن المفهوم فإنه أيضًا دلالة اللفظ على ما يلزم عما وضع له ولكن [لا] في محل النطق, والدلالة فيهما معًا التزام.
قيل: لا حاجة إليه لأن «ما» في قوله: «ما يلزم» كناية عن المنطوق.
ولا يصح؛ لأن المنطوق غير الصريح مأخوذ في المحدود لا في الحدّ, نعم تركه لظهوره.
ثم غير الصريح, وهو عند الإمام فخر الدين من قبيل المفهوم, ينقسم إلى ثلاثة أقسام, لأنه إما أن يكون مقصودًا للمتكلم أو لا, والأول بحكم الاستقراء قسمان:
أحدهما: أن يتوقف الصدق أو صحة الملفوظ العقلية أو الشرعية عليه, ويُسمَّى دلالة الاقتضاء, أما توقف الصدق نحو: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» , لو لم يقدر المؤاخذة ونحوها كان كذبًا, لأنهما لم يرفعا.
وأما الصحة العقلية فنحو: ﴿واسأل القرية﴾ , إذ لو لم يُقدّر لم يصح عقلًا, لأن سؤال القرية لا يصح عقلًا.
وأما الصحة الشرعية فنحو قول السائل: «أعتق عبدك عني على ألف» , لأنه يستدعي تقدير الملك, أي مملكًا على ألف, لأن العتق بدون الملك لا يصح شرعًا.
стр. 1095
وثانيهما: أن يقترن المقصود اللازم عما وضع اللفظ له بحكم, لو لم يكن اللازم لتعليل الحكم كان الإتيان بالحكم مقترنًا به بعيدًا من الشارع, فيهم منه التعليل وإن لم يصرح به, ويُسمَّى تنبيهًا وإيماءً, كقول الأعرابي: «واقعت أهلي في نهار رمضان, فقال ﵇: «أعتق رقبة» , فإن السؤال مقدر في الجواب, وسيأتي بأقسامه.
وظاهر كلامه عدم انحصار غير الصريح في الثلاثة؛ لأن الذي لا يتوقف عليه لا يقترن بحكم كذلك, وهو مقصود يخرج عن التنبيه ولا يدخل تحت شيء من الأقسام الثلاثة, وعند الآمدي وفي المنتهى: أن المفهوم من المقصود ولم يتعرض له هنا.
أما لو لم يكن مقصودًا للمتكلم, فهو المسمى بدلالة الإشارة, وضرب له أمثلة منها: قوله ﵇ في النساء: «ناقصات عقل ودين» , فقيل: يا رسول الله! فما نقصان دينهن؟ فقال: «تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي» دلّ على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا, وبيان ذلك غير
стр. 1096
مقصود, ولكن لزم من حيث إنه قصد به المبالغة في نقصان دينهن, والمبالغة تقتضي ذكر أكثر ما يتعلق به الغرض, فلو كان زمان ترك الصلاة - أي وقت الحيض - أكثر من ذلك لذكره.
والحديث لم يرد بهذا اللفظ, ولفظه عند مسلم: «تمكث الليالي ما تصلي» , فلا يكون مثالًا لدلالة الإشارة.
ومنها قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ , مع قوله: ﴿وفصاله في عامين﴾ , يعلم منهما أن أقل مدة الحمل ستة أشهر, وليس بيان ذلك بمقصود في شيء من الآيتين, إذ المقصود في الأولى بيان حق الوالدة وما تعانيه من المشقة في الحمل والفصال, وفي الثانية بيان مدة أكثر الفصال, ولكن لزم منه ذلك.
ومنها: قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ يلزم منه جواز الإصباح جُنُبًا, وهو غير مقصود الآية, ولكن لزم منه استغراق الليل بالرفث, ومثله: ﴿فالآن باشروهن﴾ إلى ﴿حتى يتبين لكم﴾ , يلزم منه جواز الإصباح جُنُبًا قطعًا.
стр. 1097
قال: [ثم المفهوم: مفهوم موافقة, ومخالفة.
فالأول: أن يكون المسكوت موافقًا في الحكم, ويسمى فحوى الخطاب, ولحن الخطاب, كتحريم الضرب من قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ , وكالجزاء بما فوق المثال من قوله: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة﴾ , وكتأدية ما دون القنطار من ﴿يؤده إليك﴾ , وعدم الأجر من ﴿لا يؤده إليك﴾.
وهو تنبيه بالأدنى, فلذلك كان في غيره أولى.
ويعرف بمعرفة المعنى, وأنه أشد مناسبة في المسكوت.
ومن ثمة قال قوم: هو قياس جلي.
لنا: القطع بذلك لغة قبل شرع القياس.
وأيضًا: فأصل هذا قد يندرج في الفرع, مثل: «لا تعطيه ذرة» فإنها مندرجة في الذرتين.
قالوا: لولا المعنى لما حكم.
وأجيب: بأنه شرطه لغة.
ومن ثَمّ قال به النافي للقياس].
أقول: ينقسم المفهوم إلى: مفهوم موافقة, ومفهوم مخالفة؛ لأن حكم غير المذكور إما موافق لحكم المذكور نفيًا وإثباتًا أو لا.
والأول: مفهوم الموافقة, وهو أن يكون المسكوت عنه وهو الذي سماه
стр. 1098
غير محل النطق, موافقًا في الحكم المذكور وهو ما سماه محل النطق, وهذا يسمى: فحوى الخطاب ولحن الخطاب, أما تسميته بالأول فلأن فحوى الكلام ما يفهم منه على طريق الجزم وهذا كذلك, وأما الثاني فلأن لحن الخطاب عبارة عن معنى الخطاب.
ولما كان هذا النوع من المفهوم مما سبق فهمه إلى الذهن, سمي بهذا الاسم إشعارًا بأنه كان معناه, كقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ , عُلم من حال التأفيف وهو محل النطق, [حال الضرب وهو غير محل النطق] , مع الاتفاق وهو إثبات الحرمة فيهما.
ومنها: قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره, ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾ , المذكور مثقال ذرة, والمسكوت ما فوقه, والحكم متحد وهو الجزاء بهما, و ﴿يره﴾ كناية عن الجزاء.
ومنها: قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ , يعلم منه تأدية ما دون القنطار, وقوله: ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك﴾ , يعلم منه عدم تأدية ما فوق الدينار.
ومفهوم الموافقة تنبيه بالأدنى على الأعلى, فلذلك كان الحكم في غير المذكور أولى منه في المذكور, فالجزاء بأكثر من المثقال أشد مناسبة منه
стр. 1099
بالمثقال, وتأدية الدينار أشدّ مناسبة من تأدية القنطار, وعدم تأدية القنطار أنسب من عدم تأدية الدينار.
ولا يعرف كون الحكم في غير المذكور أشد مناسبة منه في الحكم المذكور إلا بعد معرفة المعنى المناسب المقصود من الحكم, كالإكرام في منع التأفيف, وعدم تضييع الإحسان والإساءة في الجزاء, والأمانة في أداء القنطار, وعدمها في عدم أداء الدينار.
قال: (وهو تنبيه بالأدنى) وهو الأقل مناسبة, على الأعلى وهو الأكثر مناسبة.
وفي المنتهى: «وهو تنبيه بالأدنى على الأعلى, وبالأعلى على الأدنى» فالأولان والرابع تنبيه بالأدنى, وفي الثالث تنبيه بالأعلى.
ومن أجل توقف معرفة الحكم في المسكوت على معرفة المعنى في محل النطق, وكونه أشدّ مناسبة للحكم المسكوت, قال قوم: هو قياس جلي.
لنا: القطع بإفادة هذه الصيغ لهذه المعاني لغة قبل شرع القياس.
وقد يقال: القياس كان ثابتًا قبل الشرع, وكانوا يسمونه تمثيلًا, فما ثبت بالفحوى وإنما ثبت بقياس, لا فارق.
احتج أيضًا: بأن الأصل في القياس لا يكون مندرجًا في الفرع إجماعًا,
стр. 1100
وهنا قد يكون مندرجًا, مثل: «لا تعطه ذرة» يدل على عدم إعطاء الأكثر, والذرة داخلة في الأكثر.
قالوا: لو قطع النظر عن المعنى المشترك المناسب الموجب للحكم وعن كونه آكد في الفرع, لما حكم به, ولا معنى للقياس إلا ذلك.
الجواب: أن ذلك شرط لتناوله لغة, فلا يدل اللفظ / على ذلك إلا إذا اتصف بالشرائط المذكورة, فحينئذ يكون المعنى مدلولًا عليه بالفحوى, والقياس الدلالة فيه على الفرع من حيث المعقول لا من اللفظ وفحوه, فليس المثبت للحكم هو الوصف حتى يكون قياسًا, ولكونه ليس بقياس قال به من لا يقول بالقياس.
وقد يقال: القائل به لم ينكر القياس الجلي, ثم مفهوم الموافقة قد يكون قطعيًا وهو ما لا يتطرق إليه إنكار كالأمثلة المذكورة, لكون المعنى أشد مناسبة في المسكوت قطعًا, وقد يكون ظنيًا كقول الشافعية: قتل الخطأ يوجب الكفارة فالعمد أولى, وإذا كان اليمين غير الغموس يوجب الكفارة فالغموس أولى, وهو ظني لجواز ألا يكون المعنى ثم الزجر الذي هو أشد مناسبة, بل التدارك والتلاقي, فلا يلزم من رفع الكفارة لأدنى الجنايتين رفعهما لأعلاهما.
قلت: والحق أن من أثبت ذلك فبالقياس لا بالفحوى؛ لأنه سبق أن الفحوى ما يفهم من اللفظ على سبيل القطع, وحيث لا قطع فلا فحوى.
стр. 1101
وأيضًا استدل المصنف على أن الفحوى ليس بقياس: فإنا نقطع بذلك لغة قبل شرع القياس, فلا ينهض فيما لا قطع فيه أنه ليس قياس.
ففي كلام المصنف وحكمه أنه يكون ظنيًا نظر.
قال: (مفهوم المخالفة: أن يكون المسكوت مخالفًا, ويُسمى دليل الخطاب, وهو أقسام:
مفهوم الصفة.
ومفهوم الشرط, مثل: ﴿وإن كن﴾.
ومفهوم الغاية, ﴿حتى تنكح﴾.
والعدد الخاص, مثل: ﴿ثمانين جلدة﴾.
وشرطه ألا تظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت فيكون موافقة, وإلا خرج مخرج الغالب, مثل: ﴿اللاتي في حجوركم﴾ , ﴿فإن خفتم﴾ , «أيما امرأة نكحت» , ولا لسؤال أو حادثة, ولا تقدير جهالة أو خوف, أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر).
أقول: لما فرغ من مفهوم الموافقة, شرع في مفهوم المخالفة وهو: ما كان المسكوت عنه مخالفًا للمذكور في الحكم إثباتًا ونفيًا, ويُسمّى دليل الخطاب, وهو أقسام, وذكر المصنف أقواها.
الأول مفهوم الصفة: مثل «في الغنم السائمة زكاة» , يفهم منه أنه
стр. 1102
لا زكاة في المعلوفة.
الثاني مفهوم الشرط: مثل ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوةا عليهن﴾ , مفهومه لا تجب النفقة على غير الحامل.
الثالث مفهوم الغاية: مثل ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ , مفهومه أنها إذا نكحت زوجًا غيره حلّت.
الرابع مفهوم العدد الخاص: مثل ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ , يفهم منه أن الزائد غير واجب.
وشرط مفهوم المخالفة بأقسامه, ألا تظهر أولوية المسكوت / عنه, أو [مساواته] فيه, وإلا استلزم ثبوت الحكم في المسكوت عنه كذلك, وكان موافقة لا مخالفة, ويعني موافقة في الحكم.
ففي الأول يكون مفهوم موافقة, وفي الثاني يكون موافقة في الحكم بطريق القياس, وإنما قلنا ذلك لأن مفهوم الموافقة - كما سبق - تنبيه بالأدنى وأنه في غيره أولى, وأنه أشد مناسبة في المسكوت, فلا يكون المساوي مفهوم موافقة.
وشرط مفهوم المخالفة أيضًا: ألا يكون خرج مخرج الغالب المعتاد, مثل ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ , فإن الغالب كون الربائب في
стр. 1103
الحجور, فقيد به لذلك, لا لأن حكم اللاتي في غير الحجور بخلافه.
ومثل قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ , لأن الخلع غالبًا إنما يكون عند الخوف من عدم قيام كل واحد من الزوجين بما أمره الله به, فلا يفهم منه أن عدم الخوف لا يجوز الخلع.
ومثله قوله ﵇: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها» , فإن الغالب أن المرأة إنما تباشر نكاح نفسها عند عضل الولي, فلا يفهم منه أنها إذا نكحت نفسها بإذن وليها لم يكن باطلًا.
ويشترط أيضًا: ألا يكون لسؤال سائل عن المذكور, كما لو سأل: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فقال ﵇: «في الغنم السائمة زكاة».
وألا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت عنه, وإلا فقد يكون ترك التعرض له لعدم العلم بحاله.
وألا يكون لحادثة, كما لو قيل بحضرته: لفلان غنم سائمة, فقال ﵇: «في الغنم السائمة زكاة».
وألا يكون خوف يمنع من ذكر حال المسكوت عنه, أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر, لأن الباعث على التخصيص ثابت, فانتفاء العموم لانتفاء شرطه.
стр. 1104
وقيل: المراد في تقدير جهالة أو خوف راجع إلى المخاطب, بألا يعلم وجوب الزكاة مثلًا في السائمة, ويكون عالمًا بوجوبها في المعلوفة, فيقول ﵇: «في الغنم السائمة زكاة» , وكذلك إذا كان المقيد بالوصف يخاف منه, فذكر له ذلك الموصوف ونفى عنه الخوف بسببه, فلا يدل على أن ما عداه ليس كذلك.
قال: (فأما مفهوم الصفة, فقال به الشافعي, وأحمد, والإمام, وكثير. ونفاه أبو حنيفة, والقاضي, والغزالي, والمعتزلة.
البصري: إن كان لبيان كالسائمة, أو لتعليم كالتحالف, أو كان ما عدا الصفة داخلًا تحتها كالحكم بالشاهدين, وإلا فلا).
أقول: أما مفهوم الصفة, فقال به مالك, والشافعي, وأحمد, والأشعري.
ونفاه أبو حنيفة, والقاضي منا, وابن سريج / وإمام الحرمين على ما حكاه الإمام فخر الدين, ونفاه الغزالي, والمعتزلة.
стр. 1105
والمصنف حكى عن الإمام أمنه يقول به, فإن أراد بالإمام فخر الدين صح النقلان, على أنه إذا أطلق الإمام لا يريد إلا إمام الحرمين.
والأظهر ما حكاه المصنف, وهو ظاهر البرهان, وقد أورد له دليلًا حيث قال الإمام: «لو لم يفد الحصر».
وفصل أبو عبد الله البصري فقال: إن كان للبيان كقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ ثم يقول ﵇ بيانًا له: «في الغنم السائمة زكاة». أو كان للتعليم وتمهيد القاعدة, كخبر التحالف وهو قوله ﵇: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وترادا» , فإنه بمعنى: إذا اختلف متبايعا سلعة قائمة تحالفا.
أو يكون ما عدا الصفة داخلًا تحتها كالحكم بالشاهدين, فإنه يدل على
стр. 1106
نفيه عن الشاهد الواحد لدخوله في الشاهدين, ولا يدل على النفي فيما عدا هذه الصور الثلاثة.
قال: (المثبتون: قال أبو عبيد في «لي الواجد يحل عقوبته وعرضه»: يدل على أن ليّ من ليس بواجد لا يحل عقوبته وعرضه.
وفي «مطل الغني ظلم» , مثله.
وقيل له في قوله «لأن يمتلئ جوف أحدكم نارًا خير له من أن يمتلئ شعرًا»: المراد الهجاء, أو هجاء الرسول ﵇؟ .
فقال: لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى؛ لأن قليله كذلك فالتزم من تقديره الصفة المفهوم.
وقال الشافعي: هما عالمان بلغة العرب, فالظاهر فهمهما ذلك لغة.
قالوا: بنيا على اجتهادهما.
أجيب: بأن اللغة تثبت بقول الأئمة من أهل اللغة, ولا يقدح فيها التجويز.
وعورض: بمذهب الأخفش.
وأجيب: بأنه لم يثبت كذلك, ولم سلّم فمن ذكرناه أرجح, ولو سلّم فالمثبت أولى.
وأيضًا: لو لم يدل على المخالفة, لم يكن لتخصيص محل النطق بالذكر فائدة, وتخصيص آحاد البلغاء بغير فائدة ممتنع, فالشارع أجدر.
اعترض: لا يثبت الوضع بما فيه من الفائدة.
أجيب: بأنه يعلم بالاستقراء, إذ لم يكن للفظ فائدة سوى واحدة
стр. 1107
تعينت.
وأيضًا: تثبت دلالة التنبيه بالاستبعاد اتفاقًا, فهو أولى.
واعترض: بمفهوم اللقب.
وأجيب: بأنه لو سقط لاختل الكلام, فلا مقتضى للمفهوم فيه.
واعترض: بأن فائدته تقوية الدلالة حتى لا يتوهم تخصيصه.
وأجيب: بأن ذلك فرع العموم, ولا قائل به, وإن سلّم في بعضها خرج, فإن الفرض أنه لا شيء يقتضي تخصيصه سوى المخالفة.
واعترض: بأن فائدته ثواب الاجتهاد بالقياس / فيه.
وأجيب: بتقدير المساواة يخرج, وإلا اندرج فيه).
أقول: احتج المثبت: بأن أهل اللغة فهموا ذلك؛ لأن أبا عبيد لما سمع قوله ﵇: «ليّ الواجد يحل عقوبته وعرضه» قال: «هذا يدل على أن ليّ غير الواجد لا يحل عقوبته وعرضه, والليّ: المطل, والواجد: الغني, والعقوبة: الحبس, وحلّ العرض: أن يقول له ظلمتني».
стр. 1108
وقال وكيع: «عرضه شكايته» , وهذا الحديث خرّجه أبو داود, وفي البخاري في باب لصاحب الحق مقال, قال: يذكر عن النبي ﷺ «ليّ الواجد يحل عقوبته وعرضه» , وفي الصحيحين: «مطل الغني ظلم» , قال أبو عبيد أيضًا: «يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم».
وقيل في قوله ﵇ «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا»: المراد بالشعر الهجاء مطلقًا, أو هجاء الرسول ﵇ فسمع ذلك أبو عبيد فقال: «لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى؛ لأن قليله وكثيره سواء فيه» , فجعل الامتلاء من الهجو في قوة الهجو الكثير يوجب ذلك, ففهم منه أن غير الكثير ليس كذلك, فاحتج به, فقد ألزم من تقدير الصفة المفهوم, فكيف من التصريح بها؟ والحديث في الصحيح, وهذا كله حكاه الإمام في البرهان عن أبي عبيدة معمر بن المثنى,
стр. 1109
وقال: هو إمام غير مدافع, وإذا ساغ الاحتجاج بقول أعرابي جلف, فالاحتجاج بقول أبي عبيدة أولى.
والآمدي نقل ذلك عن أبي عبيد القاسم بن سلام.
وذكر السهيلي في الروض الأنف: أن عائشة أم المؤمنين تأولت قوله ﵇: «لأن يمتلئ جوف أحدكم» , على الأشعار التي هجي بها ﵇, وأنكرت حمله على العموم.
قال: وأنكر أبو عبيد هذا التأويل, وقال: رواية نصف بيت من ذلك حرام, قال السهيلي: وعائشة أعلم بإن البيت والبيتين من تلك الأِشعار على طريق الحكاية بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا فيه رسول الله, بخلاف تتبعها والخوض فيها, قال: ذكر ذلك عن عائشة ابن وهب في جامعه.
فالسهيلي وافق الآمدي.
وقال الشافعي بمفهوم الصفة, وهو وأبو عبيد عالمان بلغة العرب, فالظاهر فهمهما ذلك لغة, ولو لم يفده لغة لما فهماه منه, فظهر إفادته لغة وهو المطلوب.
اعترض: بأنا لا نسلم أنهما فهما النفي عن غيره من اللفظ لغة, لجواز أن يكون عن نظر واستنباط؛ لأن العالم قد يحكم على اللسان عن نظر
стр. 1110
واستنباط, وهو في مسلكه - في محل النزاع - مطالب بالدليل, بخلاف الأعرابي منطقه طبعه فيتمسك به, وهذا ذكره الإمام في البرهان تضعيفًا لهذا المسلك.
الجواب: أن أكثر اللغة إنما يثبت بقول الأئمة: معنى كذا كذا, وهذا التجويز قائم فيه, مع أنه لا يقدح / في إفادته الظن, ولو كان قادحًا لم يثبت مفهوم لأكثر الموضوعات.
قيل: هذا الجواب مع كونه على [المسند] ضعيف؛ لأن اللغة إنما تثبت بما نقلا, وليس في كلامهما ما يدل على أنهما نقلا.
قلت: الظاهر أن ذلك عن نقل, والمستند إذا انحصر فيما جعل مستندًا كان ملزومًا مساويًا للمنع, فإذا اندفع اندفع اللازم, وهو هنا كذلك.
وعورض هذا الدليل أيضًا: بمذهب الأخفش, فإنه نفاه مع كونه من علماء العربية, فدل على أنه غير مفهوم من اللغة.
الجواب: أنه لم يثبت ذلك عن الأخفش, كما تكرر وشاع نفي ذلك عن الآخرين, وسلّم, فمن ذكرناه أرجح, لأنهما اثنان وهو واحد, وهما - أيضًا - أعلم, ولو سلّم, فهما مثبتان وهو نافي والمثبت مقدم؛ لأن
стр. 1111
النافي إنما ينفي لعدم الوجدان, ولا يدل على عدم الوجود إلا ظنًا, والمثبت يثبت الوجدان وهو يدل على الوجود قطعًا.
ولنا أيضًا: لو لم يدل على أن المراد مخالفة المسكوت للمذكور في الحكم, لم يمكن لتخصيص المذكور بالذكر فائدة؛ لأن الفرض ألا فائدة سواه, واللازم باطل, إذ لا يستقيم تخصيص آحاد البلغاء لغير فائدة, فالشارع أجدر.
واعترض هذا الدليل: [بأنه] إثبات لوضع التخصيص لنفي الحكم عن المسكوت عنه بما فيه من الفائدة, ولا يثبت الوضع بغير النقل.
الجواب: أنه إثبات للوضع بالاستقراء؛ لأنا استقرينا كلام العرب فوجدنا كل ما ظن ألا فائدة للفظ سوى واحدة تعينت لأن تكون مرادة للواضع لأنه حكيم, وهو كذلك, فاندرج في القاعدة الكلية الاستقرائية فكان إثباتًا بالاستقراء لا بالفائدة, وأنه يفيد الظهور فيه فيكتفى به.
سلمنا أنه إثبات للوضع بما فيه من الفائدة, ولا نسلم بطلانه؛ لأنا جميعًا أثبتنا دلالة الإيماء حذرًا من لزوم البعد, فلأن يثبت المفهوم حذرًا من عدم الفائدة أولى.
اعترضوا ثانيًا على المذكور بنقض إجمالي تقريره: لو صح ما ذكرتم وهو أنه لو لم يدل على نفي الحكم عن المسكوت لم يكن مفيدًا, لزم أن يعتبر مفهوم اللقب بعين ما ذكرتم, ولا يعتبر بما سلمتم.
الجواب: أن اللقب لو أسقط لاختل الكلام, فذكر لعدم الاختلال وهو
стр. 1112
أعظم فائدة, فلم يصدق: لو لم يثبت المفهوم لم يكن ذكره مفيدًا, وهو المقتضى لإثبات المفهوم, فتنتفي دلالته على المفهوم لانتفاء تعين الفائدة.
ويلزم على هذا الجواب لو ذكرت الصفة دون الموصوف, كما لو قال: «في السائمة زكاة» ألا يدل على النفي عن المعلوفة, لكن خلفه أمر آخر وهو أن الوصف مشعر بالعلية, بخلاف اللقب.
اعترضوا ثالثًا على الدليل المذكور: بمنع الملازمة, وهو أنا لا نسلم أنه لو لم يدل تخصيص محل النطق بالذكر على المخالفة, لم يكن لذكر الوصف فائدة, ومن فوائده تقوية الدلالة على محل الوصف, حتى لا يتوهم خروج السائمة بالتخصيص, فإنه لو قال: «في الغنم زكاة» , جاز أن يكون المراد المعلوفة فقط تخصيصًا, فلما ذكر السائمة زال الوهم.
الجواب وإن كان على المستند أن نقول: دفع التوهم يستلزم أن لفظ الغنم باق على عمومه حالة التقييد بالصفة, فيكون معناه: في الغنم سيما السائمة زكاة, لأنه إذا كان لفظ السائمة لتقوية دلالة لفظ الغنم على السائمة حتى لا تخرج بالتخصيص, فلفظ الغنم باق على عمومه, إلا أن دلالته على بعض الأفراد وهي الموصوفة أقوى, وذلك مما لم يقل به أحد, لأن المسكوت إما مخالف أو غير متعرض له.
ولو سلّم تناوله للمسكوت في بعض الصور, قال الآمدي: كما لو قال: «ضحوا بشاة» , فإنه يتوهم أنه لا تجزئ العوراء, فلو قال بعد ذلك: «ضحوا بشاة عوراء» , فإنه على التضحية بغير العوراء بطريق الأولى, لكن
стр. 1113
يخرج عن محل النزاع؛ لأن النزاع فيما ليس فيه ما يقتضي التخصيص سوى مخالفة المسكوت عنه للمذكور, [وليس في] دفع توهم التخصيص فائدة سواها.
وأيضًا: من شرطه ألا يظهر أولوية ولا مساواة, على أن هذا المثال الذي اعتمدوا عليه عندنا مما خرج مخرج الغالب.
اعترضوا رابعًا: بمنع الملازمة أيضًا, أي لا نسلم أنه لو لم يدل على التخصيص لم يكن له فائدة, بل له فائدة وهو ثواب الاجتهاد بالقياس, وهو إلحاق المسكوت بالمذكور بمعنى جامع, وهي فائدة, فلا تتعين فائدة التخصيص.
الجواب: أنه بتقدير المساواة في المعنى المقتضي للحكم يخرج عن محل النزاع, إذ شرطنا ألا تظهر أولوية ولا مساواة, وإن لم تكن مساواة اندرج فيما لا فائدة فيه سوى التخصيص, لاستحالة القياس حينئذٍ.
قال: (واستدل: لو لم يكن للحصر لزم الاشتراك إذ لا واسطة, وليس للاشتراك باتفاق.
وأجيب: إن عنى السائمة فليس محل نزاع, وإن عنى إيجاب الزكاة فيها, فلا دلالة على واحد منهما.
الإمام: لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص بما دون غيره لأنه معناه.
والثانية معلومة وهو مثل ما تقدم, فإنه إن عنى لفظة السائمة فليس محل النزاع, وإن عنى الحكم المتعلق بها, فلا دلالة له على الحصر,
стр. 1114
ويجريان معًا في اللقب, وهو باطل.
واستدل: بأنه لو قيل: الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء, لنفرت الشافعية ولولا ذلك ما نفرت.
وأجيب: من تركهم على الاحتمال, كما تنفر من التقديم, أو لتوهم المعتقدين ذلك.
واستدل: بقوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ , قال: «لأزيدن على السبعين» , ففهم أن ما زاد بخلافه, والحديث صحيح.
وأجيب: [لهم ذلك] , لأنها مبالغة / فتساويا, أو لعله باق على أصله في الجواز, فلم يفهم منه.
واستدل: بقول يعلى بن أمية لعمر: ما بالنا نقصر وقد أمنَّا؟ , وقد قال تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾ , فقال عمر: تعجبت مما تعجبت منه, فسألت رسول الله ﷺ , فقال: «إنما هي صدقة تصدق الله بها عليكم, فاقبلوا صدقته» , ففهما نفي القصر حال عدم الخوف, وأقرّ الرسول ﵇.
وأجيب: بجواز أنهما اصطحبا وجوب الإتمام, فلا يتعين.
واستدل بأن فائدته أكثر فكان أولى تكثيرًا للفائدة, وإنما يلزم من [جمع] تكثير الفائدة يدل على الوضع, وما قيل من أنه دور لأن دلالته تتوقف على تكثير الفائدة, وبالعكس يلزمهم في كل موضع.
стр. 1115
وجوابه: أن دلالته تتوقف على تعقل تكثير الفائدة عندها, لا على حصول الفائدة.
واستدل: لو لم يكن مخالفًا لم يكن السبع في قوله: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعًا» مطهره؛ لأن تحصيل الحاصل محال, وكذلك: «خمس رضعات يحرمن»).
أقول: استدل للمختار بوجوه ضعيفة:
الأول: لو لم يكن المقيد بصفة ظاهر في الحصر, وهو ثبوت الحكم للمذكور ونفيه عما عداه, لزم اشتراك أفراد المنطوق وهي السائمة, وأفراد المسكوت وهي المعلوفة في الحكم والتالي باطل, أما الملازمة؛ فلعدم الواسطة بين الحصر والاشتراك, فإذا انتفى الأول ثبت الثاني, لكنه ليس للاشتراك اتفاقًا, غايته أنه محتمل.
الجواب: إن عنى بالحصر أن السائمة انتفى عن المعلوفة فمُسَلَّم, لكنه غير محل النزاع, وإن عنى أن إيجاب الزكاة انتفى عن المعلوفة, فلا نسلم أن اللفظ لو لم يدل عليه لتعين ثبوت الاشتراك.
قوله: (لا واسطة) نمنعه, إذ لا يلزم من عدم الدلالة على النفي دلالته على الاشتراك, لجواز ألا يدل على حصر ولا اشتراك.
احتج الإمام بما هو قريب مما تقدم, فقال: لو لم يفد الحصر لم يفد
стр. 1116
الاختصاص به دون غيره, أما الملازمة؛ فلأنه لا معنى للحصر إلا الاختصاص دون غيره, وأما انتفاء التالي؛ فلأنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور قطعًا.
والجواب أيضًا: إن عنى أن لفظ (السائمة) منتف عن المعلوفة سلمنا, وليس محل النزاع, وإن عنى أن ما يتعلق بالسائمة من الحكم منتف عن المعلوفة فممنوع, بل لا دلالة للفظ عليه إثباتًا ولا نفيًا, ولا يلزم من عدم الحكم فيه الحكم بالعدم فيه, فلا يلزم من دلالته على وجوب الزكاة في السائمة, عدم دلالته على وجوب الزكاة فيما عداه - الذي هو معنى الاختصاص - دلالته على ثبوت الحكم في المذكور ونفيه عما عداه - الذي هو معنى الحصر.
ثم دليل الإمام والذي قبله منقوضان بمفهوم اللقب؛ لأنهما يجريان فيه مع أنه باطل اتفاقًا, بأن يقال في اللقب: لو لم يكن للحصر لكان للاشتراك, ولو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص.
واستدل أيضًا: بأنه لو قيل: الفقهاء الحنفية فضلاء, ولا شيء يقتضي التخصيص مما تقدم, نفر الشافعية, ولولا فهمهم نفي الفضل عن غير المذكور لما نفروا.
الجواب: منع الملازمة, والنفرة إما للتصريح بغيرهم وتركهم على الاحتمال, كما تنفر من التقديم في الذكر لاحتمال أن يكون للتفضيل, وإن
стр. 1117
جاز أن يكون لغيره, وإما لتوهم المعتقدين لمفهوم الصفة قصد ذلك في الصورة المذكورة, فينفروا من ذكر عبارة يتوهم منها بعض الناس نفي الفضل عنهم, أو النفرة للمعتقدين من الشافعية المفهوم بحسب اعتقادهم, وهو توهم.
واستدل أيضًا, وهو من قبيل مفهوم العدد: بأن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول سأل رسول الله ﷺ أن يستغفر لأبيه, فقيل للنبي ﵇: قد نهيت عن الاستغفار, فقال: «إنما خيرني ربي فقال ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ , وسأزيده على السبعين».
ووجه الاحتجاج: أنه لو لم يدل التقييد على المخالفة, لما فهم النبي ﵇ ذلك.
стр. 1118
الجواب: منع فهمه ذلك؛ لأن السبعين للمبالغة, فما زاد عليها فهو مثلها في الحكم, لا سيما وآخر الآية: ﴿ذلك بأنهم كفروا﴾.
قال الزمخشري: خيل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته بمن بعث لأمته ودعا لأمته إلى ترحم بعضهم على بعض.
سلمنا فهمه ذلك, لكن لا نسلم أنه فهمه من تخصيص السبعين بالذكر ولعله باق على أصله؛ لأن الأصل جواز الاستغفار للرسول وكونه مظنة الإجابة, ففهم من حيث إنه الأصل؛ لأنه لما أخرج السبعين بقي ما زاد على الأصل.
واعلم أن فهم المبالغة من الفهم من البقاء على الأصل متنافيان, ولذلك أتى بأو دون الواو, ولما كان كل من قال بمفهوم العدد قال بمفهوم الصفة, حسن إيراده, أو لأن العدد وصف للمعدود.
واستدل أيضًا: بما في الصحيح من قول يعلى بن أمية لعمر: ما بالنا نقصر وقد أمِنّا؟ وقد قال تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾ , فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه, فسألتُ
стр. 1119
رسول الله ﷺ , فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم».
ووجه الاستدلال: أنهما فهما من تقييد قصر الصلاة بحال الخوف, عدم قصرها عند عدم الخوف, وأقرّ الرسول ﷺ , ولولا إفادته له لغة لما فهماه, ولما أقرّ الرسول ﵇.
الجواب: لا نسلم أنهما فهما ذلك منه, لجواز أنهما حكما بذلك باستصحاب الحال في وجوب إتمام الصلاة, وذلك لأن الأصل الإتمام, وخولف في الخوف بالآية بخلاف غيرها, فلا يعدل عنه إلا بدليل, وإذا جاز ذلك لم يتعين أن يكون المفهوم منه على أنه مفهوم شرط, إلا أن يكون الغرض به إلزام من لا يفرق بينهما.
واستدل أيضًا: بأن إفادته للتخصيص يفضي إلى تكثير الفائدة, فإن إثبات المذكور ونفيه عما عداه أكثر فائدة من إثبات المذكور وحده, وكثرة فائدته ترجح المصير إليه, لأنه ملائم لغرض العقلاء.
وهذا الدليل إنما ينهض على من جعل تكثير الفائدة دالًا على الوضع, ونحن لا نقول به, فلا ينهض علينا.
وقد اعترض هذا الدليل: باستلزامه الدور؛ لأن دلالة التقييد [بالوصف على النفي على الغير] يتوقف على الوضع المتوقف على تكثير الفائدة, إذ
стр. 1120
به تثبت, وإنما يحصل تكثير الفائدة بدلالته على النفي عن الغير فهو دور.
ثم أجاب عن الدور بنقض إجمالي وتفصيلي.
أما الإجمالي: فلأن ما ذكرتم يجري في كل موضع يثبت الشيء لفائدة, سواء كان حكمًا أو وضعًا شرعيًا, فيجب ألا يثبت الشيء لفائدته أصلًا, فتنتفي المقاصد والحكم, وأنه باطل.
وأما التفصيلي فهو: أن الذي تتوقف عليه دلالة اللفظ تعقل تكثير الفائدة, والمتوقف على الدلالة هو حصول تكثير الفائدة, فالعلة [الغائبة] تعقل الفائدة عند الدلالة, أي تقدير الدلالة.
واستدل أيضًا: لو لم يكن المسكوت مخالفًا, يلزم ألا يكون السبع مطهرة في نحو قوله ﵇: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات»؛ لأن الطهارة إذا حصلت بدون السبع, فلا تحصل بالسبع؛ لأن تحصيل الحاصل محال, ذلك كقوله ﵇: «خمس رضعات معلومات يحرمنّ» , لأن الحرمة إذا حصلت بدون الخمس فلا تحصل بالخمس, والحديثان في الصحيح.
стр. 1121
وإنما ترك المصنف جواب هذين الشبهتين لظهورهما, إذ لا يلزم من عدم دلالة السبع على نفي الطهارة عما دونها, أن يكون / ما دون السبع مطهرًا لجواز ألا يدل على حكم ما دون السبع لا بتطهير ولا بغيره, وكذا بالجواب عن الآخر, وهما من مفهوم العدد.
قال: (النافي: لو ثبت لثبت بدليل - وهو عقلي ونقلي - إلى آخره.
وأجيب: بمنع اشتراط التواتر, والقطع بقبول الآحاد, كالأصمعي, والخليل, وأبي عبيدة, وسيبويه.
قالوا: لو ثبت لثبت في الخبر وهو باطل؛ لأن من قال: «في الشام الغنم السائمة» لم يدل على خلافه قطعًا.
وأجيب: بالتزامه, وبأنه قياس, ولا يستقيمان.
والحق: الفرق بأن الخبر وإن دلّ على أن المسكوت عنه غير مخبر به فلا يلزم ألا يكون حاصلًا, بخلاف الحكم, إذ لا خارجي له فيجري فيه ذلك.
قالوا: لو صح لما صح: «أدَّ زكاة السائمة والمعلوفة» , كما «لا تقول له أفّ واضربه» , لعدم الفائدة والتناقض.
وأجيب: بأن الفائدة عدم تخصيصه, ولا تناقض في الظواهر.
قالوا: لو كانت لما ثبت خلافه للتعارض, والأصل عدمه, وقد ثبت في نحو: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضعفة﴾.
وأجيب: بأن القاطع عارض الظاهر, فلم يقو, ويجب مخالفة الأصل بالدليل).
стр. 1122
أقول: احتج النافي لمفهوم الصفة: بأنه لو ثبت بدليل, إذ الحكم بثبوت شيء - وليس بضروري - بلا دليل باطل اتفاقًا, لكن لا دليل لأنه إما عقلي, ولا تثبت اللغة بمجرد العقل, وإما نقلي, فإما متواتر وكان يجب ألا يختلف فيه, وإما آحاد ولا يفيد في إثبات أصل من الأصول.
الجواب: منع اشتراط التواتر, ومنع عدم إفادة الآحاد في مثله, وإلا امتنع العمل بأكثر أدلة الأحكام, لعدم التواتر في ألفاظها.
وأيضًا: القطع بأن العلماء في كل عصر في سائر الأمصار كانوا يكتفون في فهم معاني الألفاظ بالآحاد, كنقلهم عن الخليل, والأصمعي, وأبي عبيدة, وسيبويه.
قالوا ثانيًا: لو ثبت المفهوم في الحكم لثبت في الخبر, أما الملازمة؛ فلأن موجب إثباته في الحكم الحذر عن عدم الفائدة, وهو قائم في الخبر, وأما بطلان التالي؛ فلأنه لو قال: «في الشام الغنم السائمة» , لم يدل على عدم المعلوفة في الشام, وذلك معلوم لغة وعرفًا قطعًا.
وقد أجيب عنه بجوابين:
أحدهما: منع بطلان التالي, وسنده ما سبق من نفرة الشافعية إذا قيل: الفقهاء الحنفية فضلاء.
стр. 1123
الثاني: أنه قياس في اللغة, وقد علمت أن القياس في اللغة لا يصح.
والجوابان لا يستقيمان؛ لأن الأول مكابرة, وأيضًا: لم يلتزمه أحد منهم. وأما الثاني؛ فلأنه على ذلك التقدير استقرائي, لا أنه قياس في اللغة.
قال المصنف: والحق في الجواب الفرق.
قال الآمدي: إذا قال: «رطبًا جنيا» إنما يخبر عما شاهده, ولا يلزم ألا يكون شاهد ما ليس على هذه الصفة, وإذا قال لعبده: «اشتر رطبًا جنيًا» بعد علمه أن الرطب البايت مما يباع في السوق, فقوله ذلك إنما قصد بن تبيين ما يشتري مما لا يشتري, فكان النفي ملازمًا للإثبات, بخلاف الخبر.
وتقرير ما قال المصنف: [أن الخبر في قوله: «في الشام الغنم السائمة» , وإن لم يدل على أن المعلوفة مخبر عنه - كما قال المصنف -] وإن دلّ على أن المسكوت عنه غير مخبر به, وإلا لدلّ ما لا يتناهى لأنه مسكوت عنه.
فصوابه: وإن لم يدل على أن المعلوفة مخبر عنه, فلا يلزم ألا يحصل العلم به؛ لأن الخبر له خارجي وهو متعلقه, فيجوز ثبوته مع عدم الإخبار عنه, وعدمه مع الإخبار به, بخلاف الحكم الخارجي له كذلك حتى يجري فيه ما جرى في الخبر؛ لأن متعلق حكم الشارع يتوقف ثبوته ونفيه على الشارع, لأنه لا يعلم إلا منه, فاستلزم الإثبات النفي.
وحاصل الجواب: لا نسلم أنه لو ثبت في الحكم لثبت في الخبر؛ لأن العلة في الحكم التقييد بالصفة مع عدم أمر خارجي, وهذا المعنى غير موجود في الخبر, فلا يلزم من الدلالة في الحكم الدلالة في الخبر.
стр. 1124
قال في المنتهى - وهو دقيق نفيس -: قال بعض فضلا الشراح: وهو كما قال, لا كما قال بعض الشراح: وأنه رجوع إلى نفي المفهوم.
قالوا ثالثًا: لو صح القول بمفهوم المخالفة, لما صح أن يقال: «أدَّ زكاة الغنم السائمة والمعلوفة» , بيان اللزوم: إن وازناه في منافاة مفهوم كل لمنطوق الآخر كقولك: «لا تقل له أفّ واضربه» , ولا شك أنه غير جائز, فكذلك هذا, وإنما لم يجز لعدم فائدة التقييد, لأنه يستغني بقوله: «أدَّ زكاة الغنم».
وأيضًا: لا يجوز للتناقض لأن مفهوم كل منهما مناقض لمنطوق الآخر.
الجواب أولًا: أنا إنما نقول به عند التخصيص بالذكر, فلا يلزم فيما ذكرتم مما لا تخصيص فيه, بل عطف عليه.
ولا نسلم أنه كمفهوم الموافقة, لقطعية ذلك وظنية هذا, والفائدة في ذكر النوعين عدم تخصيص أحدهما عن العام, لذكرهما بالنصوصية عليهما بخلاف «أدَّ زكاة الغنم» , ولا تناقض بين الظواهر, ولذلك يصح تقابلها وتعادلها دون القواطع, هذا مع إمكان صرفها عن ظواهرها بالدليل, ودفع التناقض أقوى دليل عليه.
قالوا رابعًا: لو دلّ تقييد الحكم بالصفة على النفي عند عدمها, لما ثبت خلافه, وهو ثبوت الحكم عند عدم الصفة, أما الملازمة, فللزوم التعارض بين المفهوم وبين الدليل المثبت للحكم عند عدم الصفة, والتعارض خلاف
стр. 1125
الأصل؛ لأنه يؤدي إلى إهمال الدليل, والأصل إعماله.
وأما انتفاء التالي؛ فلأنه ثبت في قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾ , مفهوم عدم النهي فيما ليس كذلك, والنهي ثابت / في القليل والكثير.
الجواب: منع الملازمة, والتعارض منتف, لأن القاطع - وهو الإجماع - لا يقوي الظاهر لمعارضته.
سلمنا, لكن التعارض وإن كان خلاف الأصل, يجب المصير إليه عند قيام الدليل, كما أن الأصل البراءة.
وتُخَالف الدليل, فلو أورده النافي هكذا: لو كان المفهوم ثابتًا لزم التعارض عند المخالفة وهو خلاف الأصل, وإذا لم يثبت لم يلزم, وما يفضي إلى خلاف الأصل مرجوح إلا لدليل, فحينئذ لا يرفعه ما ذكر المصنف.
وجوابه على هذا إجمالًا وتفصيلًا:
أما الإجمالي: فللزومه في الألفاظ التي لم يترتب عليها مدلولها, فقال: لو كان العام يتناول جميع الأفراد, لما ثبت خلافه للتعارض.
وثانيًا: أن ما ذكرتم خرج مخرج الغالب, فكل ما وجد شرط ما ثبت خلافه.
قال: (فأما مفهوم الشرط, فقال به بعض من لا يقول بالصفة.
والقاضي, وعبد الجبار, والبصري على المنع.
القائل به: ما تقدم.
следующие страницы →