Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
وإنما ترك المصنف جواب هذين الشبهتين لظهورهما, إذ لا يلزم من عدم دلالة السبع على نفي الطهارة عما دونها, أن يكون / ما دون السبع مطهرًا لجواز ألا يدل على حكم ما دون السبع لا بتطهير ولا بغيره, وكذا بالجواب عن الآخر, وهما من مفهوم العدد.
قال: (النافي: لو ثبت لثبت بدليل - وهو عقلي ونقلي - إلى آخره.
وأجيب: بمنع اشتراط التواتر, والقطع بقبول الآحاد, كالأصمعي, والخليل, وأبي عبيدة, وسيبويه.
قالوا: لو ثبت لثبت في الخبر وهو باطل؛ لأن من قال: «في الشام الغنم السائمة» لم يدل على خلافه قطعًا.
وأجيب: بالتزامه, وبأنه قياس, ولا يستقيمان.
والحق: الفرق بأن الخبر وإن دلّ على أن المسكوت عنه غير مخبر به فلا يلزم ألا يكون حاصلًا, بخلاف الحكم, إذ لا خارجي له فيجري فيه ذلك.
قالوا: لو صح لما صح: «أدَّ زكاة السائمة والمعلوفة» , كما «لا تقول له أفّ واضربه» , لعدم الفائدة والتناقض.
وأجيب: بأن الفائدة عدم تخصيصه, ولا تناقض في الظواهر.
قالوا: لو كانت لما ثبت خلافه للتعارض, والأصل عدمه, وقد ثبت في نحو: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضعفة﴾.
وأجيب: بأن القاطع عارض الظاهر, فلم يقو, ويجب مخالفة الأصل بالدليل).
стр. 1122
أقول: احتج النافي لمفهوم الصفة: بأنه لو ثبت بدليل, إذ الحكم بثبوت شيء - وليس بضروري - بلا دليل باطل اتفاقًا, لكن لا دليل لأنه إما عقلي, ولا تثبت اللغة بمجرد العقل, وإما نقلي, فإما متواتر وكان يجب ألا يختلف فيه, وإما آحاد ولا يفيد في إثبات أصل من الأصول.
الجواب: منع اشتراط التواتر, ومنع عدم إفادة الآحاد في مثله, وإلا امتنع العمل بأكثر أدلة الأحكام, لعدم التواتر في ألفاظها.
وأيضًا: القطع بأن العلماء في كل عصر في سائر الأمصار كانوا يكتفون في فهم معاني الألفاظ بالآحاد, كنقلهم عن الخليل, والأصمعي, وأبي عبيدة, وسيبويه.
قالوا ثانيًا: لو ثبت المفهوم في الحكم لثبت في الخبر, أما الملازمة؛ فلأن موجب إثباته في الحكم الحذر عن عدم الفائدة, وهو قائم في الخبر, وأما بطلان التالي؛ فلأنه لو قال: «في الشام الغنم السائمة» , لم يدل على عدم المعلوفة في الشام, وذلك معلوم لغة وعرفًا قطعًا.
وقد أجيب عنه بجوابين:
أحدهما: منع بطلان التالي, وسنده ما سبق من نفرة الشافعية إذا قيل: الفقهاء الحنفية فضلاء.
стр. 1123
الثاني: أنه قياس في اللغة, وقد علمت أن القياس في اللغة لا يصح.
والجوابان لا يستقيمان؛ لأن الأول مكابرة, وأيضًا: لم يلتزمه أحد منهم. وأما الثاني؛ فلأنه على ذلك التقدير استقرائي, لا أنه قياس في اللغة.
قال المصنف: والحق في الجواب الفرق.
قال الآمدي: إذا قال: «رطبًا جنيا» إنما يخبر عما شاهده, ولا يلزم ألا يكون شاهد ما ليس على هذه الصفة, وإذا قال لعبده: «اشتر رطبًا جنيًا» بعد علمه أن الرطب البايت مما يباع في السوق, فقوله ذلك إنما قصد بن تبيين ما يشتري مما لا يشتري, فكان النفي ملازمًا للإثبات, بخلاف الخبر.
وتقرير ما قال المصنف: [أن الخبر في قوله: «في الشام الغنم السائمة» , وإن لم يدل على أن المعلوفة مخبر عنه - كما قال المصنف -] وإن دلّ على أن المسكوت عنه غير مخبر به, وإلا لدلّ ما لا يتناهى لأنه مسكوت عنه.
فصوابه: وإن لم يدل على أن المعلوفة مخبر عنه, فلا يلزم ألا يحصل العلم به؛ لأن الخبر له خارجي وهو متعلقه, فيجوز ثبوته مع عدم الإخبار عنه, وعدمه مع الإخبار به, بخلاف الحكم الخارجي له كذلك حتى يجري فيه ما جرى في الخبر؛ لأن متعلق حكم الشارع يتوقف ثبوته ونفيه على الشارع, لأنه لا يعلم إلا منه, فاستلزم الإثبات النفي.
وحاصل الجواب: لا نسلم أنه لو ثبت في الحكم لثبت في الخبر؛ لأن العلة في الحكم التقييد بالصفة مع عدم أمر خارجي, وهذا المعنى غير موجود في الخبر, فلا يلزم من الدلالة في الحكم الدلالة في الخبر.
стр. 1124
قال في المنتهى - وهو دقيق نفيس -: قال بعض فضلا الشراح: وهو كما قال, لا كما قال بعض الشراح: وأنه رجوع إلى نفي المفهوم.
قالوا ثالثًا: لو صح القول بمفهوم المخالفة, لما صح أن يقال: «أدَّ زكاة الغنم السائمة والمعلوفة» , بيان اللزوم: إن وازناه في منافاة مفهوم كل لمنطوق الآخر كقولك: «لا تقل له أفّ واضربه» , ولا شك أنه غير جائز, فكذلك هذا, وإنما لم يجز لعدم فائدة التقييد, لأنه يستغني بقوله: «أدَّ زكاة الغنم».
وأيضًا: لا يجوز للتناقض لأن مفهوم كل منهما مناقض لمنطوق الآخر.
الجواب أولًا: أنا إنما نقول به عند التخصيص بالذكر, فلا يلزم فيما ذكرتم مما لا تخصيص فيه, بل عطف عليه.
ولا نسلم أنه كمفهوم الموافقة, لقطعية ذلك وظنية هذا, والفائدة في ذكر النوعين عدم تخصيص أحدهما عن العام, لذكرهما بالنصوصية عليهما بخلاف «أدَّ زكاة الغنم» , ولا تناقض بين الظواهر, ولذلك يصح تقابلها وتعادلها دون القواطع, هذا مع إمكان صرفها عن ظواهرها بالدليل, ودفع التناقض أقوى دليل عليه.
قالوا رابعًا: لو دلّ تقييد الحكم بالصفة على النفي عند عدمها, لما ثبت خلافه, وهو ثبوت الحكم عند عدم الصفة, أما الملازمة, فللزوم التعارض بين المفهوم وبين الدليل المثبت للحكم عند عدم الصفة, والتعارض خلاف
стр. 1125
الأصل؛ لأنه يؤدي إلى إهمال الدليل, والأصل إعماله.
وأما انتفاء التالي؛ فلأنه ثبت في قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾ , مفهوم عدم النهي فيما ليس كذلك, والنهي ثابت / في القليل والكثير.
الجواب: منع الملازمة, والتعارض منتف, لأن القاطع - وهو الإجماع - لا يقوي الظاهر لمعارضته.
سلمنا, لكن التعارض وإن كان خلاف الأصل, يجب المصير إليه عند قيام الدليل, كما أن الأصل البراءة.
وتُخَالف الدليل, فلو أورده النافي هكذا: لو كان المفهوم ثابتًا لزم التعارض عند المخالفة وهو خلاف الأصل, وإذا لم يثبت لم يلزم, وما يفضي إلى خلاف الأصل مرجوح إلا لدليل, فحينئذ لا يرفعه ما ذكر المصنف.
وجوابه على هذا إجمالًا وتفصيلًا:
أما الإجمالي: فللزومه في الألفاظ التي لم يترتب عليها مدلولها, فقال: لو كان العام يتناول جميع الأفراد, لما ثبت خلافه للتعارض.
وثانيًا: أن ما ذكرتم خرج مخرج الغالب, فكل ما وجد شرط ما ثبت خلافه.
قال: (فأما مفهوم الشرط, فقال به بعض من لا يقول بالصفة.
والقاضي, وعبد الجبار, والبصري على المنع.
القائل به: ما تقدم.
стр. 1126
وأيضًا: يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط.
اعترض: قد يكون سببًا.
قلنا: أجدر إن قيل بالاتحاد, والأصل عدم إن قيل بالتعدد.
وأورد: ﴿إن أردن﴾.
وأجيب: بأن الأغلب, أو معارضة الإجماع).
أقول: أما مفهوم الشرط فحجة عندنا, وقال به بعض من لا يقول بمفهوم الصفة, كابن سريج, وأبي الحسين البصري.
ومنعه القاضي أبو بكر منّا, وعبد الجبار من المعتزلة, كما منعا مفهوم الصفة.
وفصّل البصري هناك, ومنع هنا مطلقًا.
احتج القائل به: بما تقدم في مفهوم الصفة من مقبول ومزيف, فينقل إلى هنا بعينه؛ لأن مرجع الشرط أنه وصف, واختص بدليل آخر وهو: أنه إذا ثبت أنه شرط, يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط؛ إذ لا معنى للشرط
стр. 1127
إلا ذلك, ولذلك فهم ذلك يعلى بن أمية كما سبق.
قيل: هو شرط لإيقاع الحكم لا لثبوته, وليس النزاع في مفهوم ما هو شرط في الواقع - أعني الشرط المصطلح - بل في مفهوم ما دخل عليه حرف الشرط.
واعترض هذا الدليل: بأنه لا يتعين أن يكون شرطًا, لجواز استعمال «أن» في السببية, بل غلبتها فيها كما تقدم, ولا يلزم من انتفاء السبب انتفاء المسبب, لجواز تعدد السبب.
الجواب: لا يضر ذلك, سواء قلنا: يجب اتحاد السبب, أو قلنا: يجوز تعدده.
أما إذا قلنا بالاتحاد فلانتفاء المسبب عند انتفاء سببه, فهو أجدر بالانتفاء عند الانتفاء من الشرط, للتلازم في الوجود والعدم, بخلاف الشرط.
وأما إن قلنا بجواز التعدد, فلأن الأصل عدم غيره وإن جاز, فإذا نتفى فقد انتفى السبب مطلقًا, فينتفي المسبب.
واعترض الدليل المذكور بإيراد نقض عليه وهو: لو ثبت مفهوم الشرط لثبت / جواز إكراه الفتيات على البغاء عند عدم إرادة التحصن, عملًا بقوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ , ولكن الإكراه عليه لا يجوز بحال إجماعًا.
الجواب أولًا: أنه انتفى المفهوم لانتفاء شرطه, وشرطه ألا يكون خرج مخرج الغالب, والغالب أن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن.
стр. 1128
وثانيًا: أن المفهوم اقتضى ذلك, لكنه ظاهر, والقاطع - وهو الإجماع - عارضه, فاندفع الظاهر للمعارض الأقوى.
وأيضًا: إنما يدل على عدم الحرمة عند عدم الإرادة وأنه ثابت, إذا لا إكراه حينئذ؛ لأنهن إذا لم يردن التحصن لم يكرهن البغاء, إذا الإكراه إلزام فعل مكروه, وإذا لم يمكن لم يتعلق به التحريم لأن شرط التكليف الإمكان.
قال: (مفهوم الغاية, قال به بعض من لا يقول بالشرط, كالقاضي وعبد الجبار.
القائل به: ما تقدم, وبأن معنى «صوموا إلى أن تغيب الشمس»: آخره غيبوبة الشمس, فلو قدر وجوب بعده لم يكن آخرًا).
أقول: أما مفهوم الغاية, فقال به بعض من لا يقول بالشرط والصفة, فهو أقوى منهما, كالقاضي منا, وعبد الجبار من المعتزلة.
احتج القائل به: بما تقدم في الصفة وبدليل يخصه وهو: أن قول القائل: «صوموا إلى أن تغيب الشمس» معناه: آخر وجوب الصوم غيبوبة الشمس, فلو قدرنا ثبوت الوجوب بعد أن غابت الشمس, لم تكن الغيبوبة آخرًا, وهو خلاف المنطوق.
قيل: الكلام في الآخر نفسه لا في ما بعد الآخر, ففي قوله تعالى ﴿إلى المرافق﴾ المرافق آخر, وليس النزاع في دخول ما بعد المرافق.
стр. 1129
قلت: النزاع فيما بعد الغاية, هل هو مسكوت عنه أو متعرض له؟ . ولم يختلفوا في حرمتها حين العقد في: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾. قال: (وأما مفهوم اللقب [فقال] وبعض الحنابلة, وقد تقدم.
وأيضًا: كان يلزم من «محمد رسول» , و «زيد موجود» وشبهه, ظهور الكفر.
واستدل: بأنه يلزم منه إبطال القياس, لظهور الأصل في المخالفة.
وأجيب: بأن القياس يستلزم التساوي في المتفق عليه فلا مفهوم, فكيف به هنا؟ .
قالوا: لو قال لمن يخاصمه: «ليست أمي بزانية ولا أختي» , تبادر نسبة الزنا إلى أم خصمه, ووجب الحدّ عند مالك وأحمد.
قلنا: من القرائن, لا مما نحن فيه).
أقول: أما مفهوم اللقب, فأنكره الجمهور, وقال به الدقاق وبعض الحنابلة, وهو نفي الحكم عما يتناوله الاسم, كما لو قال: «في الغنم زكاة» , فتنتفي عنده عن غير الغنم ظاهرًا, وقد تقدم أن المفهوم إنما يعتبر حذرًا عن عدم فائدة القيد, واللقب قد انتفي فيه المقتضى للمفهوم, إذ لو
стр. 1130
طرح / لاختل الكلام.
وأيضًا: كان يلزم من: «محمد رسول الله» نفي رسالة غيره من الأنبياء, ومن: «زيد موجود» نفي الوجود عند الله تعالى.
وإنما قال: (ظهور الكفر) , ولم يقل: يلزم الكفر؛ لأنه إنما يلزم لو كان منتبهًا لدلالة لفظه, ومريدًا بلفظه ما دلّ عليه بمفهومه, مع أن دلالة المفهوم لم يقل أحد إنها بطريق القطع.
واستدل أيضًا: بأن القول بمفهوم اللقب يلزم منه إبطال القياس, والقياس حق, والمؤدي إلى إبطال ما هو حق فهو الباطل.
أما الملازمة؛ فلأنه إذا كان تعليق الحكم بالاسم دالًا على نفيه عما عداه يكون الأصل المعين عليه ظاهرًا في مخالفة الفرع له في الحكم؛ لأن النص أو الإجماع الدال على الحكم في الأصل المقيس عليه يكون دالًا على نفي الحكم عن الفرع بحسب الظاهر, فلو عمل بالقياس يلزم مخالفة ظاهر النص أو الإجماع.
الجواب: أن القياس يستدعي مساواة الفرع للأصل في المعنى الذي شرع الحكم لأجله, فإذا حصل ذلك, دلّ على حكم الفرع وبطل مفهوم المخالفة هذا في الشرط والصفة, فكيف بمفهوم اللقب الذي هو أضعف؟ .
والحاصل: أن محل القياس لا يثبت فيه مفهوم اللقب اتفاقًا, فإذا لم يجتمعا في محل, فكيف يدفع القياس؟ .
قالوا: لو قال لمن يخاصمه: «ليست أمي بزانية ولا أختي» , تبادر منه
стр. 1131
نسبة الزنا إلى أم الخصم وأخته, ولذلك وجب الحدّ عند مالك, وأحمد ولولا مفهوم اللقب لما تبادر.
الجواب: أن فهم ذلك من القرائن الحالية وهي الخصام, وإرادة الإيذاء والتقبيح, وليس مما نحن فيه من المفهوم الذي كون اللفظ ظاهرًا فيه لغة.
قال: (وأما الحصر بإنما, فقيل: لا يفيد, وقيل: منطوق, وقيل: مفهوم.
الأول: إنما زيد قائم, بمعنى: إن زيدًا, والزائد كالعدم.
الثاني: ﴿إنما إلهكم الله﴾ بمعنى: ما إلهكم إلا الله, وهو المدعى.
وأما مثل: «إنما الأعمال بالنيات» , و «إنما الولاء» فضعيف؛ لأن العموم فيه بغيره, فلا يستقيم لغير المعتق, ولا ظاهرًا).
أقول: اختلفوا في تقييد الحكم بإنما, فذهب القاضي, والغزالي إلى أنه ظاهر في الحصر.
وذهب الحنفية, وبعض من أنكر دليل الخطاب إلى أنها تفيد الحصر.
стр. 1132
وقال قوم: يفيد الحصر مفهومًا لا منطوقًا.
احتج القائل بأنه لا يفيده: بأنه لا فرق بين: «إن زيدًا قائم» , وبين: «إنما زيد قائم» فما زائدة, والزائد كالعدم في إفادة الحصر, فكما لا يفيد الأول الحصر, فكذا الثاني.
احتج المثبت: بأن معنى ﴿إنما إلهكم الله﴾: ما إلهكم إلا الله, والثاني يفيد الحصر فكذا الأول, وكلاهما تقرير للدعوى عريًا عن الاستدلال.
واحتج بعضهم في إفادتهم الحصر بمثل: «إنما الأعمال بالنيات» , «إنما الولاء لمن أعتق» , إذ يتبادر منه عدم صحة العمل بغير نية, وعدم الولاء لغير المعتق.
والجواب: أن العموم مستفاد من الألف واللام, فكل عمل بنية, وكل ولاء للمتعق, فينتفي مقابله - وهو الجزئي السالب - وهو: ليس كل عمل بنية, وليس بعض الولاء للمتعق.
стр. 1133
فإن قيل: يحتمل الولاء للمعتق ولغيره, إذ لا منافاة بينهما, بل هو ظاهر في نفي الولاء عن غيره؛ لأن قوله: «للمعتق» ظاهر في الاستقلال, هذا ظاهر المنتهى, وقرر أيضًا من جانب القائل لا تفيد الحصر: أي لو أفادت الحصر لما صح عمل بغير نية, ولا ولاء لغير معتق, والتالي باطل؛ لصحة العمل بغير نية, وثبوت الولاء لغير المعتق.
وأجاب: بأنه إنما ثبت عموم الولاء للمعتق وغيره, وعموم صحة العمل بنية وبغير نية لغير الحديث كالإجماع مثلًا, والحديث يدل بحسب الظاهر أن لا يستقيم الولاء لغير المعتق, ويجوز العدول عن الظاهر بدليل قطعي.
قال: (وأما مفهوم الحصر, مثل: «صديقي زيد» , و «العالم زيد» ولا قرينة عهد.
فقيل: لا تفيد, وقيل: منطوق, وقيل: مفهوم.
الأول: لو أفاد لأفاد العكس؛ لأنه فيهما لا يصلح للجنس, ولا للمعهود معين لعدم القرينة, وهو دليلهم.
وأيضًا: لو كان, لكان التقديم بغير مدلول الكلمة.
القائل به: لو لم يفده, لأخبر عن الأعم بالأخص, لتعذر الجنس والعهد, فوجب جعله لمعود ذهني بمعنى الكامل والمنتهي.
وأجيب: بل جعله بمعهود ذهني, مثل: «أكلت الخبز» هو المعروف.
ولو سلّم, فاللام للمبالغة, فأن الحصر؟ .
ويلزمه: «زيد العالم» بعين ما ذكرتم, وهو الذي نص عليه سيبويه في:
стр. 1134
«زيد الرجل» , فأن زعم أنه مخبر بالأعم فغلط؛ لأن شرطه التنكير.
فإن زعم أن اللام لزيد فغلط, لوجوب استقلاله بالتعريف منقطعًا عن «زيد» كالموصول).
أقول: إذا قدم الوصف على الموصوف في القضية المهملة التي محمولها شخصي, مثل: «صديقي زيد» , و «العالم زيد» , ولا قرينة تفيد العهد.
قال الحنفية والقاضي: مثل هذا التركيب لا يفيد الحصر.
وقال الغزالي, وكثير من الفقهاء: يفيد الحصر؛ لأن الوصف لما قُدّم على الموصوف - والترتيب الطبيعي يقتضي خلافه - فهم من العدول إليه قصد النفي عن غيره.
ثم اختلف هؤلاء, فقال بعضهم: يفيده بمنطوقه, وقال بعضهم: بل بمفهومه.
احتج الأولون: بأنه لو أفاد: «العالم زيد» , و «صديقي زيد» الحصر, لأفاده: «زيد العالم» , و «زيد صديقي».
بيان اللزوم؛ أن دليلهم في «العالم زيد» هو أن العالم لا يصلح للجنس, لأن الإخبار عن الكلي بأنه زيد - الجزئي - كاذب, ولا يصلح للعهد؛ لأن الفرض ألا قرينة تصرفه إلى العهد, فكان لما يصدق عليه الجنس, وهو الماهية
стр. 1135
فيفيد أن الذي صدق عليه العالم «زيد» وهو معنى الحصر, وهذا الدليل بعينه يجري في قولنا: «زيد العالم» , والاشتراك في الدليل يوجب الاشتراك في الحكم.
قالوا: وأيضًا لو كان «العالم زيد» يفيد الحصر دون العكس؛ لكان التقديم مغيرًا لمدلول الكلمة؛ لأنه لو اتحد مفهوم العالم متقدمًا ومتأخرًا - وكلا التركيبين يفيد بين زيد والعالم الاتحاد فهو هو - لزم إما شمول الحصر, وإما شمول عدمه, وأما بطلان التالي؛ فلأن التقديم والتأخير إنما يغير الهيئة التركيبية, لا مدلول المفردات.
قيل: لا امتناع في تغيير التقديم, فإن نسبة الشيء إلى غيره بالموضوعية تغاير نسبة ذلك الغير بالمحمولية, ولذلك قد تصدق القضية ولا يصدق عكسها.
وردّ: بأن التقديم وإن غير نسبة الموضوعية والمحمولية, لكن لم يغير نفس مدلول الموضوع والمحمول.
وردّ الرّد: بأن قوله: «لا امتناع» مُنِع, وما ذكر سند له, وما تطرق إلى السند لا يقدح في المنع, مع أن قوله: «لم يغير نفس مدلول المحمول والموضوع» ممنوع؛ لأن محمول العكس وصف لموضوع الأصل, لا عين موضوع الأصل.
وأصل الحديث للإمام فخر الدين, قال: إذا قلنا: «المنطق زيد» , فالمنطلق دال على معنى نسبي, فهو في نفسه متعين للخبرية, وزيد دال على
стр. 1136
الذات, فهو في نفسه متعين للمبتدأية, تقدم أو تأخر.
قال السكاكي: لا معرج على هذا؛ لأن «المنطلق» لا يجعل مبتدأ إلا بمعنى الشخص الذي له الانطلاق, وأنه بهذا المعنى لا يجب كونه خبرًا, إذ لم يبق نسبيًا, وزيد لا يوقع خبرًا إلا بمعنى صاحب اسم زيد, فيكون المراد من قولنا في المنطلق زيد: الشخص الذي له لانطلاق صاحب اسم زيد, فقد غير التقديم مدلول الكلمة؛ لأن الوصف إذا وقع مسندًا إليه قصد به الذات الموصوفة به, وإذا وقع مسندًا قصد به كونه ذاتًا موصوفة.
صوابه: كون الذات موصوفة وهو عارض للأول فاندفع السؤالان, فإن أراد بتغير المفهوم هذا القدر منعنا بطلانه, وإن أراد غير منعنا الملازمة, وليس الحصر مدلول الكلمة, وإنما هو من الأمور الحاصلة من التركيب وتختلف بالتقديم والتأخير, بدليل «ما ضرب زيد إلا عمرًا» , و «ما ضرب عمرًا إلا زيد».
احتج القائل بأنه يفيد الحصر: بأنه لو لم يفده لأدى إلى الإخبار عن العام بالخاص, أما الملازمة؛ فلأنه لا قرينة عهد وليس للجنس, بل لما صدق عليه العالم, فلو فرض غير زيد وهو عمرو مثلًا أنه يصدق عليه العالم, لكان العالم أعم من زيد وعمرو, وقد أخبرت عنه بزيد.
وأما بطلان التالي؛ فلأن الخبر الثابت للعام ثابت لجزئياته, فيلزم ثبوت زيد لعمرو, فبطل للجنس ولما صدق عليه مطلقًا, فوجب جعله لما صدق عليه بعد تخصيصه بما يصلح أن يحمل عليه زيد من معين, وما ذاك إلا بأن
стр. 1137
يجعل / لمعهود ذهني, وهو شخص كامل أو منتهي في العلم قد تصوره المخاطب أو توهمه, وأنت تعلم ذلك فتخبر عن ذلك الشخص المتصور بأنه زيد.
ورده الآخرون: بأنا نختار أنه لما صدق عليه مطلقًا ولا محذورًا؛ لأن القضية مهملة فهي في قوة الجزئية, فكان بمعنى: بعض العلماء زيد, وبعض أصدقائي زيد.
سلمنا أنه لمعهود ذهني, لكن لا على الوجه الذي ذهبتم إليه, بل لمعهود ذهني غير مقيد بصفة, مثل: «أكلت الخبز, وشربت الماء».
سلمنا, ولا ينتج مطلوبكم؛ لأنه لم يحصل حصر العالم في زيد, بل الحاصل كون زيد كاملًا أو منتهيًا في العلم فقط, فحاصله أن اللام للمبالغة في علمه, لا لحصر العلم فيه.
وأيضًا: يلزم في «زيد العالم» - بعين ما ذكرتم - أن يكون لمعهود ذهني بمعنى الكامل والمنتهي, وهم لا يقولون به ويفرقون بينهما, مع أن سيبويه نص في «زيد الرجل» على أن اللام للبالغة.
فإن قالوا: لا يلزم الفرق, فإن الإخبار عن الأعم بالأخص غير جائز, بخلاف العكس.
قلنا: إنما يخبر عن الأخص بالأعم إذا كان الأعم نكرة يدل على كون الأخص شائعًا فيه, لا في الحمل, فهو هو, والخاص لا يكون غير العام, وهو هنا معرفة.
فإن قيل: الفرق أن اللام في «العالم» إذا تأخر كان لزيد, بخلاف ما إذا
стр. 1138
لم يتقدم ما يصلح له فيصدق, ثم [الأعهد] وهو إحدى مقدمات الدليل ولا يصدق هنا.
قلنا: العالم في «زيد العالم» ينبغي أن يكون منقطعًا عن زيد مستقلًا بإفادة معناه الإفرادي كالموصولات, فإنك إذا قلت: «زيد هو الذي علم» , كان «الذي علم» مستقلًا عند إفراده, ولم يمكن إشارة إلى زيد, وإنما يتعلق به ويصير هو إياه بعد الإسناد الحاصل بالتركيب, فكذا «اللام» التي هي بمعناه.
стр. 1139
قال: (النسخ: الإزالة, نسخت الشمس الظل.
والنقل: نسخت الكتاب, ونسخت النحل, ومنه المناسخات.
فقيل: مشترك, وقيل: للأول, وقيل: للثاني.
وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر.
فيخرج: المباح بحكم الأصل, والرفع بالنوم والغفلة, ونحو: «صلّ إلى آخر الشهر».
ونعني بالحكم, ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن, فإن الوجوب المشروط بالعقل لم يكن عند انتفائه قطعًا.
فلا يرد: الحكم قديم فلا يرتفع؛ لأنا لم نعينه, والقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب, وهو المعنى بالرفع).
أقول: لما فرغ مما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع, شرع فيما يشترك فيه الكتاب والسنة دون الإجماع, وهو النسخ.
وهو في اللغة: الإزالة, يقال: نسخت الشمس الظل إذا أزالته.
والنقل أيضًا, وهو تحويل الشيء من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه, ومنه: نسخت النحل إذا حولتها من خلية إلى خلية.
ومنه: المناسخات في المواريث, بانتقالها من قوم إلى قوم.
ومنه: نسخ الكتاب, لما فيه من مشابهة النقل لتحصيل مثل ذلك في الآخر, وإلا فما في الكتاب لم ينقل حقيقة.
стр. 1140
واختلف في استعماله فيهما, أهو بطريق الاشتراك, وإليه ذهب القاضي والغزالي, أو هو حقيقة في الأول مجاز في الثاني, إطلاقًا لاسم اللازم على الملوم, وإليه ذهب أبو الحسين.
وعكس القفال: إطلاق اسم الملزوم على اللازم, وهو بحث لفظي.
وأما في الاصطلاح: فهو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر.
فقوله: (رفع الحكم) جنس, و (الشرعي) فصل يخرج المباح بحكم الأصل, فإن رفعه بدليل شرعي متأخر لا يسمى نسخًا, وقوله: (بدليل شرعي) يخرج رفعه بالنوم والغفلة والجنون والموت, وقوله: (متأخر) ليخرج نحو: «صلّ عند كل زوال إلى آخر الشهر» , وكذا الشرط والاستثناء والمستقل المتصل, مثل: «اقتلوا المشركين ولا تقتلوا النساء» , وإن كان يمكن أن يقال فيه: لا رفع؛ لأن الحكم لم يثبت بأول الكلام؛ لأن الكلام بالتمام فيكف يرفع؟ .
لكن التصريح ودفع التوهم مما يقصد في الحدود.
قيل: الاحتراز عن النوم والغفلة لا يصح؛ لأن الرفع بهما بدليل شرعي وهو قوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث» , فالواجب أن يقال:
стр. 1141
احترازًا عن الرفع بالموت.
وردّ: بأن الرفع بالحقيقة هو إرادة الشارع, فكما صح أن يقال: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي» مع أنه ليس ذلك الدليل برافع, وإنما دلّ على الرافع.
قال بعض فضلاء الشراح: رفع حكم الخطاب إنما يكون بعد ثبوته ولم يثبت في قوله: «صلّ كل زوال إلى آخر الشهر» إلا بعد تمام الكلام, ثم قال: والعجب من المصنف سلّم ورود هذا على الغزالي, وغفل عن وروده عليه.
قلت: إنما سلّم وروده على الغزالي؛ لأن قوله: «الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم» , يغني عن قوله: «مع تراخيه عنه»؛ لأن لفظ المتقدم يُشعر بأنه غير مقارن, فأتى المصنف بلفظ «متأخر» إذ لم يتقدم له ما يغني عنه.
قيل: الحكم كلام الله تعالى وهو قديم, وما ثبت قدمه امتنع عدمه, فلا يتصور رفعه ولا تأخره عن غيره.
وأجاب المصنف: بأنا نريد بالحكم ما ثبت على المكلف بعد أن لم يكن ثابتًا, فإن نقطع بأن وجوب المشروط بالعقل لم يكن قبل العقل, ثم ثبت بعده, وذلك ليس بقديم / حتى يمتنع انتفاؤه وتأخره.
стр. 1142
ثم إنا نعلم قطعًا أنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه, فقد انتفى الوجوب لانتفاء التعلق الخارجي الذي هو جزء مفهوم الوجوب, وانتفاء التعلق الخارجي هو المعنى بالرفع, وإذا تصورنا الحكم والرفع لذلك, كان إمكان رفعه ضروريًا, وكذا تأخره.
وفي الحقيقة, المرتفع التعلق, وفي صدر الكتاب الإشارة إلى أن الحكم كما يطلق على خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين تعلقًا علميًا, فإنه يطلق أيضًا على خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين تعلقًا خارجيًا, وهو بالمعنى الثاني حادث؛ لأن التعلق الخارجي مشروط بالعقل, لانتفاء التكليف الخارجي عند انتفائه, والمشروط بالحادث حادث.
وعرف من الحدّ الناسخ والمنسوخ.
قال: (الإمام: اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول.
فيرد: أن اللفظ دليل النسخ, ولا يطرد, فإن لفظ العدل: «نسخ حكم كذا» ليس بنسخ, ولا ينعكس لأنه قد يكون فعله ﵇, ثم حاصله اللفظ الدال على النسخ؛ لأنه فسّر الشرط بانتفاء النسخ, وانتفاء انتفائه حصوله).
أقول أورد للنسخ حدودًا أربعة غير مرضية عنده:
فمنها: ما ذكر الإمام وهو: اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام
стр. 1143
الحكم الأول, ومعناه: أن الحكم كان دائمًا في علم الله تعالى دوامًا مشروطًا بشرط لا يعلمه إلا هو, وأجل الدوام أن يظهر انتفاء ذلك الشرط للمكلف فينقطع الحكم ويبطل دوامه, وما ذاك إلا بتوقيفه تعالى, فإذا قال قولًا دالًا عليه, فذلك هو النسخ.
واعترض من وجوه:
منها: أنه فسّر النسخ باللفظ, وهو دليل النسخ لا هو, ولذلك يقال: نسخ الحكم بالآية.
ومنها: عدم الطرد, لدخول قول العدل: نسخ حكم كذا.
ومنها: أنه غير منعكس, لخروج ما نسخ بفعله ﵇, وليس بلفظ.
ومنها: أنه تعريف للشيء بنفسه؛ لأنه فسّر شرط دوام الحكم الأول بانتفاء النسخ, فيكون المعنى انتفاء انتفاء النسخ هو حصول النسخ, فانحل إلى أنه اللفظ الدال على حصول النسخ.
قيل في دفع الأول: النسخ يستدعي ناسخًا - أي رافعًا هو الفاعل, وهو الله تعالى -, ومنسوخًا أي مرفوعًا وهو الحكم, والرافع والمرفوع يستدعيان رفعًا وارتفاعًا, فالرفع صفة الفاعل, والارتفاع صفة المفعول, فالنسخ قول الشارع: «نسخت».
وردّ: بأن ذلك دليل عليه, إذ اللفظ لا يكون صفة له تعالى.
قيل: قد علم أن الحكم / يدوم بدوام شرط دوامه وليس شرطه, وإلا
стр. 1144
عدم قول الله الدال على انتفائه, فقاطع الدوام هو ذلك القول وهو النسخ, كما أن الحكم ليس إلا قوله: «افعل» , كذلك النسخ ليس إلا ذلك القول.
قلت: وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أنه ليس شرطه إلا عدم قول الله, بل شرط دوامه عدم إرادة الله عدم دوامه, والقول دليل عدم إرادة الله دوامه.
سلمنا, لكن قوله: «فقاطع الدوام هو ذلك القول» يقتضي أنه ناسخ لا أنه نسخ, وقوله: «الحكم ليس إلا قوله افعل» لا نسلم بل هو دليل الحكم.
قيل في عدم الطرد: إن قول العدل يدل على القول الدال بالذات على النسخ, والمراد إنما هو الدال بالذات, وفي دفع العكس: أن الفعل يدل على قول ناسخ, إذ النبي ﵇ مُبلغ, وفي دفع الدوران: ما ذكر لا يتوقف فهمه على فهم النسخ, وإن كان في الخارج هو النسخ, وكذلك كل حدّ ومحدود يتحدان ذاتًا ويتغايران مفهومًا.
قلت: وهذا الأخير - وإن كان كما قال - لكنه تعريف للشيء بمساويه في الخفاء.
قيل في دفع الدور: لا نسلم أن دوام الحكم الأول هو انتفاء النسخ, غاية ما في الباب أنه يلزمه, ولا يلزم من تفسير الشرط بدوام الحكم الأول تفسيره بانتفاء النسخ, وإن كان شرطًا لهما لتلازمهما.
سلمناه, لكن التعرض لقوله: «وانتفاء انتفائه حصوله» - مع أنه متجوز فيه لأنه ليس عينه بل لازمه - ضائع, لحصول الدور بقوله: «لأنه فسر الشرط بانتفاء النسخ».
قلت: ولا يخفى عدم اتجاه هذا الكلام؛ لأنه لم يقل: إن دوام الحكم
стр. 1145
الأول هو انتفاء النسخ, [وإنما قال: شرط دوام الحكم الأول هو انتفاء النسخ] , على ما فسَّر به الإمام الشرط.
وقوله: «ولا يلزم من تفسير الشرط بدوام الحكم الأول تفسيره بانتفاء النسخ, وإن كان شرطًا لهما لتلازمهما» فاسد أيضًا؛ لأن المفسر شرط دوام الحكم الأول, والمفسر به انتفاء النسخ, لا أن المفسر نفس الشرط, والمفسر به دوام الحكم الأول.
قال: (وقال الغزالي: الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا, مع تراخيه عنه.
وأُورد: الثلاثة الأول, وأن قوله: على وجه ... إلى آخره زيادة.
وقال الفقهاء: النصُّ الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع التأخير عن مورده.
وأورد: الثلاثة الأول, فإن فرّوا من الرفع لكون الحكم قديمًا والتعلق قديمًا, فانتهاء أمد الوجوب ينافي بقاؤه عليه, وهو معنى الرفع.
وإن فروا لأنه لا يرتفع تعلق المستقبل, لزمهم منع النسخ قبل الفعل كالمعتزلة.
وإن كان لأنه بيان أمد التعلق بالمستقبل المظنون استمراره, فلابد من زواله.
المعتزلة: اللفظ الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا.
стр. 1146
فيرد: ما على الغزالي, والمقيد بالمرة بفعل).
أقول: ومن الحدود المزيفة ما عرّفه به القاضي وارتضاه الغزالي.
فقوله: (الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت) هو الجنس, واختار الخطاب على النص, ليشمل اللفظ والفحوى والمفهوم, لجواز النسخ بالجميع, وفيه الاحتراز عن الموت والغفلة ونحوهما, وقوله: (بالخطاب المتقدم) احتراز عن رفع مباح الأصل, وقوله: (لولاه لكان ثابتًا) لأن حقيقة النسخ الرفع, وهو إنما يكون رافعًا لو كان المتقدم بحيث لولا طريان هذا لبقي, وقوله: (مع تراخيه عنه) لأنه لو اتصل به لكان بيانًا كالشرط والغاية, والاستثناء.
واعترض: بالثلاثة الأول وهي: أن الخطاب دليل النسخ, ويدخل فيه قول العدل, إذ المراد لولاه لكان ثابتًا عندنا لا في نفس الأمر, وإلا لم يرد.
ويخرج النسخ بفعل الرسول, ونسخ ما ثبت بفعل الرسول ويختص بسؤال, وهو أن قوله: (على وجه لولاه لكان ثابتًا) مع [تراخيه عند - زيادة - أما لولاه لكان ثابتًا] , فإنه لا يكون الرفع إلا كذلك, وأما مع تراخيه عنه, فإنه لولاه لم يتقرر الحكم الأول, فكان دفعًا لا رفعًا.
ومنها ما عرّفه به الفقهاء فقالوا: النص الدال ... إلى آخره.
وأورد عليه: الثلاثة الأول الواردة على الإمام.
стр. 1147
وفي ورود عدم الطرد نظر مع أنه لا معنى لفرارهم من الرفع إلى الانتهاء.
أما أولًا: فلأنه الحكم لما كان خطاب الله, لم يتصور فيه انتهاء.
وأما ثانيًا: فلأن ذلك يحتمل أمورًا ثلاثة, اثنان فاسدان, وواحد نزاع لفظي.
فإنهم إن فرّوا من الرفع لكون الحكم قديمًا والتعلق قديمًا فلا يتصور رفع شيء منهما ففاسد, فإن انتهاء أمر الوجوب لا يتصور مع دوام الوجوب وعدم دوامه هو الرفع, فقد قالوا بالرفع معنى وأنكروه لفظًا, فقد ناقضوا.
وإن كان فرارهم من الرفع لكون التعلق بالفعل المستقبل لا يمكن رفعه فإذا نسخ علم أنه لم يكن متعلقًا به ففاسد؛ لأنه يلزم منه امتناع النسخ قبل الفعل, لأنه إذا صدق: أن ما نسخ لم يتناوله الخطاب, صدق بعكس النقيض: ما تناوله الخطاب لم ينسخ.
وإن كان فرارهم لأنهم يرون النسخ بيان أمد التعلق بالمستقبل المظنون استمراره قبل سماع الناسخ, مع أنه لم يكن مستمرًا في نفس الأمر, فبسماع الناسخ زال ذلك الظن, وزال التعلق المظنون قطعًا.
وهذا ليس خلافًا في المعنى / لأنه يستلزم زوال التعلق المظنون قطعًا, وهو مرادنا بالرفع, ومرادكم بالانتهاء, فصار النزاع لفظيًا.
ومنها: ما عرّفه به المعتزلة وهو: اللفظ الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا.
فورد عليه: ما ورد على الغزالي, واختص حدّهم بأنه يرد عليه عدم
стр. 1148
الطرد, بالمقيد بمرة يفعل, كما إذا قال: «حجوا» , ثم قال: «أوجبت عليكم الحج في جميع السنين مرة واحدة» , فمرة واحدة لفظ دال على أن مثل الحكم الثابت بقوله: «حجوا» زائل على وجه لولا «مرة واحدة» لكان ثابتًا «أوجبت عليكم الحج في جميع السنين».
قال: (والإجماع على الجواز, والوقوع.
وخالفت اليهود في الجواز, وأبو مسلم الأصفهاني في الوقوع.
لنا: القطع بالجواز, وإن اعتبرت المصالح, فالقطع أن المصلحة تختلف باختلاف الأوقات, وفي التوراة: أن آدم كان يزوج بناته بنيه, وقد حرم ذلك باتفاق.
واستدل: بإباحة السبت ثم تحريمه, وبجواز الختان ثم إيجابه يوم الولادة عندهم, وبجواز الأختين ثم التحريم.
وأجيب: بأن رفع مباح الأصل ليس بنسخ).
أقول: اتفقت الشرائع على جواز النسخ, وخالف بعض اليهود كالشمعنية, ومنهم من جوزه عقلًا ومنعه سمعًا كالعنانية منهم.
ومنهم من جوزه عقلًا وسمعًا كالعيسوية.
стр. 1149
واختلف النقل عن الأصبهاني, فحكى الإمام عنه أنه منع جوازه في القرآن, وحكى الآمدي عنه أنه جوزه عقلًا لا سمعًا, وظاهر كلام المصنف أنه جوزه سمعًا وعقلًا, ولكن ما وقع.
وقول المصنف: (الإجماع على الجواز) واضح, وعلى الوقوع: إما إجماع سابق, أو إجماع لا يكون قطعيًا, كما تقدم في لو ندر المخالف.
لنا على اليهود: أنا نقطع بجوازه عقلًا, وأنه لو فرض لم يلزم منه محال لذاته, سواء اعتبرت المصالح أو لا.
أما إذا قلنا بعدم اعتبار المصالح, فلأنه - تعالى - يفعل ما يشاء.
وأما إذا اعتبرت, فلأنا نقطع بأن المصلحة تختلف باختلاف الأوقات, كشرت دواء في وقت دون وقت, فلا بُعْد في أن تكون المصلحة في وقت تقتضي شرع ذلك الحكم, وفي وقت تقتضي رفعه.
ولنا عليهم أيضًا: الوقوع, فإنه جاء في التوراة أن آدم أُمر, تزويج بناته من بنيه, والآن ذلك حرام بالاتفاق, وهذا هو النسخ.
وفي هذا التمسك نظر؛ لأنه أمر بتزويج بناته لصلبه من بنيه لصلبه, وهو البنون حقيقة, فما بعد ذلك إنما يكون رفع مباح الأصل.
سلمنا أنه / مأمور بتزويج ما صدق عليه أنها بنت, لكن يجوز أن يكون مقيدًا بظهور شرع بعده.
стр. 1150
سلمنا, لكن الأمر له لا يكون أمرًا لمن بعده.
وقد استدل عليهم: بأن العمل يوم السبت كان قبل موسى مباحًا ثم حرم, وكان الختان جائزًا بعد الكبر ثم أوجب [بعد] الولادة عندهم, والجمع بين الأختين كان جائزًا ثم حرم عندهم, وكذلك نسخ, والوقوع دليل الجواز.
الجواب: منع كون ذلك نسخًا, بل هو رفع لمباح الأصل, فلا يكون نسخًا.
قال: (قالوا: لو نسخت شريعة موسى, لبطل قول موسى المتواتر: هذه شريعة مؤبدة.
قلنا: مختلق.
قيل: من ابن الراوندي, والقطع أنه لو ذلك كان عندهم صحيحًا لقضت العادة بقوله ﷺ .
قالوا: إن نسخ لحكمة ظهرت له لم تكن ظاهرة, فهو البداء, وإلا فعبث.
وأجيب - بعد اعتبار المصالح -: أنها تختلف باختلاف الأوقات والأحوال, كمنفعة شرب دواء في وقت أو حال وضرره في آخر, فما تجدد ظهور ما لم يكن.
قالوا: إن كان مقيدًا فليس بنسخ, وإن دلّ على التأبيد لم يقبل للتناقض بأنه مؤبد ليس بمؤبد, ولأنه يؤدي إلى تعذر الإخبار بالتأبيد,
стр. 1151
وإلى نفي الوثوق بتأبيد حكم ما, وإلى جواز نسخ شريعتكم.
أجيب: بأن تقييد الفعل الواجب بالتأبيد لا يمنع النسخ, كما لو كان معينًا, مثل: «صم رمضان أبدًا» ثم نسخ قبله, فهذا أجدر, و «صم رمضان أبدًا» بالنص يوجب أن الجميع متعلق الوجوب, ولا يلزم الاستمرار, فلا تناقض كالموت, وإنما الممتنع أن يخبر بأن الوجوب باق أبدًا ثم ينسخ).
أقول: تمسك مانعو النسخ من اليهود بخمس شبه:
قالوا أولًا: لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر: «هذه شريعة مؤبدة ما دامت السماوات والأرض» , والتالي باطل لكونه متواترًا, فلا يبطل متنًا, وقول رسول الله فلا يمكن بطلانه معنى.
الجواب: منع كونه قول موسى, ومنع تواتره, بل هو من اختلاقات ابن الراوندي, والقطع دال على أنه مختلق على موسى؛ لأنه لو كان عندهم صحيحًا - مع حرصهم على دفع نبوته ومعارضته - لقضت العادة بأن يقولوا له ذلك, ويحتجوا عليه به, ولكنهم لم يقولوه, وإلا لنقل واشتهر عادة.
ولنا أيضًا على مانعي الجواز العقلي: الاستفسار في الملزوم.
стр. 1152
فإن قالوا: لو جاز نسخ شريعة موسى بطل قول موسى, منعنا الملازمة.
وإن قالوا: لو وقع لبطل قول موسى, لم يلزم نفي الجواز, على أن التأبيد في الشريعة قد يريد به التوحيد, أو المراد بالتأبيد المبالغة, أو ما لم تظهر شريعة, مع أنهم في بعض الأزمنة أقل من عدد التواتر.
قالوا ثنايًا: لو جاز / النسخ لجاز على الله تعالى البداء أو العبث, والتالي باطل, بيان اللزوم, أن النسخ إن كان لحكمة ظهرت لله لم تكن ظاهرة له قبل النسخ, يلزم البداء, وهو ظهور ما لم يكن ظاهرًا, وإن لم يكن لحكمة فهو العبث, وكلاهما محال, لاستحالة البداء - الذي هو الظهور بعد الخفاء - عمن لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء, واستحالة العبث على الحكيم.
الجواب أولًا: إنما يرد ذلك لو وجب اعتبار المصالح في أفعاله تعالى, وهو غير لازم, لابتنائه على التحسين والتقبيح العقليين, وقد مرّ بطلانه.
سلمنا أن أفعاله تتبع المصالح, لكن المصلحة تختلف باختلاف الأزمان والأحوال, كمنفعة شرب الدواء في زمان أو حال, ومضرته في زمان أو حال, فقد تتجدد مصلحة لم تكن موجودة؛ لا أنه تجدد ظهور حكمة لم تكن ظاهرة, فلم يلزم بداء.
والحاصل: أنهم إن عنوا بظهور الحكمة تجددها, اخترنا الإثبات ولا بداء, وإن عنوا تجدد العلم بها, اخترنا النفي ولا عبث.
قالوا ثالثًا: الحكم الأول الذي ادعيتم نسخه, إما أن يكون مقيدًا بغاية أو مؤدبًا, وأيًّا ما كان لا نسخ.
стр. 1153
أما إذا كان مقيدًا بغاية؛ فلأن الحكم بخلافه بعد تلك الغاية لا يكون نسخًا؛ لأن الحكم انتهى بنفسه, كما لو قال: «صم إلى يوم العيد» , ثم يقول: «في العيد لا تصم» , إذ لا رفع قطعًا.
وأما إذا كان مؤبدًا, فلأنه لا يقبل النسخ لوجوه أربعة:
الأول: لزوم التناقض, إذ حاصله الإخبار بأنه مؤبد وأنه غير مؤبد.
الثاني: أنه يؤدي إلى تعذر الإخبار عن التأبيد بوجه من الوجوه, إذ ما من [عبادة] تذكر إلا وتقبل النسخ, لأن الإخبار بالتأبيد لكي يعرف المخاطب التأبيد, ولا طريق له إلى معرفته لجواز النسخ, وذلك يؤدي إلى عجز الله عن إعلامنا بالتأبيد, ونحن نعلم بالضرورة أن ذلك كسائر المعاني النفسية يمكن التعبير عنه والإخبار به.
والثالث: أنه يؤدي إلى نفي الوثوق بتأبيد حكم ما, وقد ذكرتم أحكامًا مؤبدة كالصلاة والصوم, ولا يبقى وثوق بوعد الله ووعيده, ولا يخفى ما فيه من اختلال الشريعة.
ورابعًا: أنه يؤدي إلى جواز نسخ شريعتكم, وأنتم لا تقولون به.
الجواب: أنا نختار أنه دلّ على التأبيد.
قوله: (لا يقبل النسخ للتناقض) , قلنا: تقييد الفعل الواجب بالتأبيد لا يمنع نسخه, كما لو كان الفعل الواجب مقيدًا بوقت معين, مثل: «صم رمضان هذه السنة» , ثم ينسخه قبل ذلك الوقت / فإن نسخه لا يلزم منه تناقض, فجواز نسخ المقيد بالتأبيد أولى وأجدر بعدم التناقض, لأن تعيين
стр. 1154
الوقت نص في طلب الفعل من المكلف في ذلك الوقت, بخلاف التأبيد فإنه يدل على الدوام ظاهرًا لا نصًا, فإنه يستعمل للزمان الطويل, وإذا كان ما دلالته نص لا يؤدي إلى التناقض, فما دلالته ظاهرة أجدر في عدم لزوم التناقض, على هذا يحمل كلامه لا على ظاهره؛ لأنهم يمنعون النسخ فضلًا عن النسخ قبل الفعل.
وتحقيقه: أن قوله: «صم رمضان أبدًا» , يدل على أن صوم كل شهر من شهور رمضان إلى الأبد واجب في الجملة, غير مقيد للوجوب بالاستمرار إلى الأبد, فلم يكن رفع الوجوب بعدم استمراره مناقضًا له, كما لو قال: «صم كل رمضان» , فإن جميع الرمضانات داخلة في هذا الخطاب, وإذا مات انقطع الوجوب قطعًا, ولم يكن نفيًا لتعلق الوجوب بشيء من الرمضانات, فالاستمرار إنما هو ما لم يرد ناسخ, كما يستمر ما لم يرد الموت, لأنه ظاهر تبين أنه غير مراد, وإنما الممتنع أن يجعل التأبيد قيدًا للوجوب, بأن يخبر أن الوجوب ثابت أبدًا ثم ينسخ, وما ذكرتم من الوجوه إنما تبطل هذا القسم, فثبت أن زمان الواجب غير زمان الوجوب, فقد يتقيد الأول بالأبد دون الثاني.
قلت: والأولى أن يقرر الجواب هكذا: قولكم إن دلّ على التأبيد لم يقبل, إن أردتم نصًا نمنع الحصر, وإن أردتم ظاهرًا نمنع بطلان اللوازم, إذ لا يناقض الصريح الظاهر, ولا يتعذر الإخبار بالتأبيد لجواز أن يخبر نصًا, ولا ينتفي الوثوق بتأبيد حكم إذا كان التأبيد نصًا, والرابع ملتزم لأن الامتناع شرعي لا عقلي.
стр. 1155
قال: (قالوا: لو جاز لكان قبل وجوده, أو بعده, أو معه, وارتفاعه قبل وجوده أو بعده باطل, ومعه أجدر؛ لاستحالة النفي والإثبات.
قلنا: المراد أن التكليف الذي كان زال كالموت؛ لأن الفعل يرتفع.
قالوا: إما أن يكون الباري علم استمراره أبدًا فلا نسخ, أو إلى وقت معين فليس بنسخ.
قلنا: إلى الوقت المعين الذي علم أنه ينسخه فيه, وعلمه بارتفاعه بالنسخ لا يمنع النسخ.
وعلى الأصبهاني: الإجماع على أن شريعتنا ناسخة لما يخالفها, ونسخ التوجه, والوصية للوالدين بالمواريث, وذلك كثير).
أقول: قالوا رابعًا: لو جاز النسخ - وهو رفع الحكم - لكان رفعه قبل وجوده, أو بعده, أو معه, واللازم بأقسامه باطل.
أما قبل الوجود؛ فلأن ما لم يوجد كيف يرتفع؟ والعدم الأصلي ليس ارتفاعًا, وأما بعد وجوده؛ فلأن ما وجد يمتنع أن يرتفع, لأن الواقع لا يرتفع, وأما مع وجوده؛ فلأنه لو ارتفع لزم اجتماع النفي والإثبات, فيوجد حين لا يوجد, وهو محال.
الجواب: أن اللازم أن الفعل لا يرتفع - وهو غير محل النزاع - بل المراد أن التكليف الذي كان متعلقًا بالفعل زال كما يزول بالموت, لأنا نعلم بالضرورة أنه بعد الموت لم يبق مكلفًا, وهو معنى الارتفاع في النسخ؛ لأن الفعل يرتفع.
стр. 1156
قالوا خامسًا: إما أن يكون الباري عالمًا باستمراره أبدًا, أو علم استمراره إلى وقت معين, وعلى التقديرين فلا نسخ, أما إذا علم استمراره أبدًا فظاهر وإلا لزم الجهل, وأما على التقدير الثاني؛ فلأن الحكم في علمه تعالى مؤقت فالحكم يكون منتهيًا بنفسه؛ لأن ذلك الوقت غاية له.
الجواب: نختار القسم الثاني, وهو أن الله علم استمراره إلى وقت معين وهو الوقت الذي علم الله أنه ينسخ ذلك الحكم فيه, وعلم الله تعالى بارتفاع الحكم بالنسخ لا يمنع النسخ, فيكون انتهاؤه بالنسخ لا بنفسه.
وأما الحجة على الأصبهاني على كل واحد من النقلين؛ فلأن الوقوع دليل الجواز؛ لأن الأمة أجمعت - قبل ظهور الخلاف - على أن أحكم شريعتنا ناسخة لما يخالفها من الأحكام, ثم نقول له: صحة شريعتنا إن توقفت على النسخ وقد ثبتت شريعتنا, فيكون النسخ ثابتًا, وإن لم تتوقف على النسخ جاز إثبات النسخ بالأدلة الشرعية؛ لأن كل ما لا يتوقف عليه السمع يجوز إثباته به, فيثبت النسخ بالإجماع.
ولنا: التوجه إلى بيت المقدس كان واجبًا إجماعًا, ونسخ بالتوجه إلى القبلة, وأيضًا: الوصية للوالدين والأقربين نسخت بآية المواريث.
وفيه نظر؛ لأنه يقول: خصّ بغير الوارثين.
قال: (مسألة: المختار جواز النسخ قبل وقت الفعل , مثل: «حجوا هذه السنة» , ثم يقول قبله: «لا تحجوا» , ومنع المعتزلة والصيرفي.
لنا: ثبت التكليف قبل وقت الفعل, فوجب جواز رفعه كالموت.
стр. 1157
وأيضًا: فكل نسخ كذلك؛ لأن الفعل بعد الوقت ومعه يمتنع نسخه.
واستدل: بأن إبراهيم ﵇ أُمر بالذبح, بدليل: ﴿افعل ما تؤمر﴾ , وبالإقدام, وبترويع الولد, ونسخ قبل التمكن.
واعترض: بجواز أن يكون موسعًا.
وأجيب: بأن ذلك لا يمنع رفع تعلق الوجوب بالمستقبل؛ لأن الأمر باق عليه وهو المانع عندهم؛ ولأنه لو كان موسعًا لقضت العادة بتأخيره رجاء نسخه أو موته لعظمه.
وأما دفعهم بمثل: لم يؤمر وإنما توهم, أو أمر بمقدمات الذبح, فليس بشيء, أو ذبح وكان يلتحم عقبه / أو جعل صفيحة نحاس أو حديد, فلا يسمع, ويكون نسخًا قبل التمكن).
أقول: قال الآمدي: اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ الفعل بعد التمكن من الامتثال, سواء أطاع المكلف أو عصى, وظاهر كلام الإمام فخر الدين خلافه؛ لأنه قال: يجوز النسخ قبل العمل, خلافًا للمعتزلة, وظاهر البرهان مع الآمدي.
واختلفوا في جوازه قبل التمكن من الامتثال, وذلك على وجهين:
стр. 1158
أحدهما: أن ينسخ قبل دخول الوقت, كما إذا قال: «حجوا هذه السنة» , ثم يقول قبل يوم عرفة: «لا تحجوا».
وثانيهما: أن ينسخ بعد دخول الوقت وقبل انقضاء زمن يسع الفعل, فذهب أصحابنا, وأكثر الشافعية, والحنفية إلى جوازه, ومنعه الصيرفي وبعض الحنابلة, وجمهور المعتزلة.
لنا: أنه ثبت بالدليل في مبادئ الإحكام, أن التكليف ثابت قبل وقت الفعل, فوجب جواز رفعه بالنسخ كما يرفع الموت لأنهما سواء.
قيل: قد يجاب عنه: بأن التكليف مقيد بعدم الموت عقلًا فلا رفع.
قلنا: كذا في زمانه ﵇ التكليف مقيد بعدم وصول الناسخ إلى المكلف, فلا فرق, وأيضًا: كل نسخ قبل وقت الفعل - وقد اعترفتم بجوازه - فيلزم جوازه قبل الفعل؛ لأن التكليف بالفعل بعد وقته محال؛ لأنه إن فعل أطاع وإن ترك عصى, فلا نسخ, وكذلك في وقت فعله؛ لأنه فعل وأطاع به وانقطع التكليف, ولاستحالة توارد النفي والإثبات.
وقد يقال: الكلام فيمن لي يفعل شيئًا من الأفراد التي تناولها التكليف, وليس كل ناسخ كذلك.
стр. 1159
واستدل أيضًا: بقضية إبراهيم ﵇, فإنه أُمر بذبح ولده إسماعيل ونسخ عنه قبل التمكن.
أما الأولى: فلقول إسماعيل: ﴿افعل ما تؤمر﴾ , وغير الذبح غير مذكور.
وفيه نظر؛ لأنه لم يقل: افعل ما أمرت, ولا ما رأيت, بل قال: ﴿ما تؤمر﴾ , فقد يريد: افعل ما يتحقق من الأمر في المستقبل.
وثانيًا: أنه أقدم على الذبح وترويع الولد, ولو لم يكن مأمورًا به لكان ممتنعًا شرعًا وعادة.
وأما الثانية: فلأنه لم يفعل, ولو كان بعد التمكن لكان عاصيًا.
واعترض: بأنا لا نسلم أنه لو لم يفعل بعد التمكن يكون عاصيًا, لم لا يجوز أن يكون موسعًا, فيحصل التمكن ويعصي بالتأخير, ثم ينسخ؟ .
وأجيب بجوابين:
الأول: لو كان موسعًا لكان الوجوب متعلقًا بالمستقبل؛ لأن الأمر باق عليه قطعًا, فإذا نسخ عنه فقد نسخ تعلق الوجوب بالمستقبل, وهو المانع عندهم من النسخ, فيتوارد النفي والإثبات ويلزم العبث.
أيضًا - وهذا بناء على شبههم لا على مذهبهم -: لأنهم يجوزون النسخ قبل الفعل وبعد التمكن.
وأيضًا: لو كان موسعًا لأخر الفعل ولم يقدم على الذبح وترويع الولد / عادة, إما رجاء أن ينسخ, وإما رجاء أن يموت أحدهما فيسقط عنه, لعظم
стр. 1160
الأمر, ومثله مما يؤخر عادة.
وفيه نظر؛ لأن الأنبياء شأنهم المبادرة إلى الامتثال, ولعله آخر إلى آخر الوقت, والمصنف استضعفه وما ذكر ردّه, فقد يكون إشارة إلى ما ذكرنا.
وقد دفع بعضهم هذا الاستدلال بوجوه أخر لم يرضها المصنف.
منها: أن إبراهيم لم يؤمر وإنما توهم, ولو سلّم فإنما أمر بمقدمات الذبح لا به, وقد أتى بها.
قال المصنف: (ليس بشيء)؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم﴾ , ولو لم يكن مأمورًا لما كان بلاء مبينًا, ولو كان بالمقدمات وقد وأتى بها لم يكن في حقه بلاء مبينًا, لكونه علم سلامة العاقبة, ولما احتاج إلى الفداء لفعله المأمور به, وعلى أصلهم هو توريط لإبراهيم في الجهل بما يظهر له أنه أمر وليس بأمر, ومما دفعوه به: أنه لا نسلم أنه لم يذبح, بل ذبح وكان يلتحم عقب الذبح, كلما قطع شيئًا التحم, وأن الله تعالى جعل على صفيحة نحاس أو حديد تمنع الذبح.
وهذا لا يسمع؛ لأنه لو ذبح لما احتاج إلى الفداء, ولو منع الذبح بالصفيحة مع الأمر به, لكان تكليف ما لا يطاق, وهم لا يجوزنه, ثم قد نسخ عنه, وإلا لأثم بتركه, فيكون ناسخًا قبل التمكن.
قال: (قالوا: إن كان مأمورًا به ذلك الوقت, توارد النفي والإثبات وإن لم يكن فلا نسخ.
وأجيب: بل لم يكن, بل قبله وانقطع التكليف به كالموت).
следующие страницы →