Полный текст (1 541 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقد استدلوا على كون هذا الشيء جنسًا لكذا, وعلى كون هذا الشيء فصلًا لكذا, فنشأ من ذلك برهان: أن هذا حد لهذا.
فيقال: هذا جنس كذا قيد يفصله, وجنس الشيء إذا قيد بفصله كان حدًا له.
قيل: الإنسان حيوان ناطق ليس بحكم وليس بدعوى, بل هو تصور شيء مفصل, ودعوى الحدية يفتقر إلى دليل, وتعريف الماهية لا يفتقر, والتعريف كون كذا كذا, والدعوى كون هذا الشيء هو كذا وكذا, وهذا لا طائل تحته.
الوجه الثاني: أن الدليل يستلزم تعقل ما يستدل عليه, وهو ثبوت الحد للمحدود, فيكون الدليل متوقفًا على تعقل المحدود, والحد, وثبوت الحد له فلو دل الدليل على ثبوت الحد للمحدود, لكان ثبوت الحد للمحدود موقوفًا على الدليل, وتعقل المحدود موقوف على ثبوت الحد له؛ لأن تصوره مستفاد من إثبات الحد له على ذلك التقدير فيدور.
قلت: وفيه نظر؛ لا لما قيل: إن المتوقف عليه تصور المحدود, والذي أنتجه الدليل كونه حدًا.
لأنا نقول: إذا كان متصورًا بحقيقته فالاستدلال على كون هذا حدًا له إنما هو لتعلم حقيقته مع أنها معلومة, بل لأن الدليل موقوف على تصور المحدود باعتبار, وتعقل الحقيقة موقوف على الدليل, فلا دور.
стр. 107
وما قيل: من أن المثبت بالدليل بثبوت الحد للمحدود من حيث هو حد فيجب تصوره من هذه الحيثية, وتصوره بهذه الحيثية يوجب تصور المحدود بحقيقته, فيكون الدليل عليه موقوفًا على تصور المحدود بحقيقته فيلزم الدور فباطل, لأنا لا نسلم أن تصوره بتلك الحيثية يوجب تصور المحدود بحقيقته, لجواز أن يتصور مثلًا الإنسان باعتبار, وتتصور حقيقة الحيوان الناطق, ويتصور أن معنى كونه حدًا للإنسان أنه مشتمل على جنسه وفصله, ويجهل كون جنسه وفصله حتى يثبت بالدليل, وأنت تعلم أنه لو صح هذا لزم ألا يحصل أيضًا بأمارة, ولزم منه ألا يحصل الرسمي لا ببرهان ولا بأمارة.
ثم أورد المصنف نقضًا على الدليل الثاني, وهو: أن ما ذكرتم لو صح لم يكتسب تصديقًا, والتالي باطل فالمقدم مثله؛ لأن الدليل على التصديق متوقف على تعقل النسبة, فلو اكتسبت بالدليل لتوقفت عليه ولزم الدور.
والجواب: أن الذي يتوقف عليه الدليل تعقل النسبة, والمتوقف على الدليل ثبوت النسبة أو نفيها لا تعقلها, وأتى بلفظي حصول ثبوت النسبة بمعنى حصول نسبة الثبوت, أو حصول نسبة النفي.
فقوله: (أو نفيها) أي حصول نفيها, فلا يكون أحدهما حشوًا.
ثم قال: (ومن ثم لم يمنع الحد) لما ثبت أنه لا يطلب بالدليل لم يمنع الحد لأن معنى / المنع طلب الدليل, وهو لا يكتسب بالدليل.
وإنما الحاد في مقام التفصيل, مثل من يعمد إلى جواهر في خزانة
стр. 108
الصور للمخاطب فينظمها قلادة بمرآى منه ولا يزيد.
والراسم مثل من يعمد إلى صورة فيضع أصبعه عليها, فكيف يمنع؟ .
وفيه نظر؛ لأنه ما منعه من نظمها, ولكن منع أن هذه الجواهر تساوي كذا.
ثم قال: (ولكن يعارض ويبطل بخلله) أي يعارض بحدّ آخر, فإن اعترف به الخصم بطل الأول؛ لأنه لا [يكون] لشيء حدان حقيقان, إلا أن يكون من طريق العبارة.
فنقول أيضًا: هذا أخصر فهو أولى.
وإن لم يعترف به الخصم, فلا معارضة, ويبطله أيضًا بأنه غير مطرد, أو غير منعكس, أو [بما] تقدم, من [جعل] العرض مكان الجنس إلى آخرها.
أما لو قال: الإنسان حيوان ناطق ولم يقصد به تعريف حقيقة الإنسان, وإنما قصد أنه مدلوله لغةً أو شرعًا, فهو حكم بأن المسمى بهذا اللفظ في اللغة أو في الشرع هو كذا, فهو حكم على اللفظ بالمعنى, فيفتقر إلى نقل عن اللغة أو الشرع.
بخلاف تعريف الماهية؛ لأن معناه: أن ماهية الإنسان متصورة من الحيوان الناطق, فلا يستدل عليه.
стр. 109
وأيضًا: في اللفظي اشتمل على دعوى الوضع, بخلاف الحقيقي فإنه يعود إلى إشارة العقل ولا حكم عليها, وفيه ما تقدم.
стр. 110
قال: (ويسمى كل تصديق قضية, ويسمى في البرهان مقدمة.
والمحكوم عليه فيها إما جزئي معين أو لا, والثاني إما مبين جزئيته أو كليته أو لا صارت أربعة: شخصية, وجزئية محصورة, وكلية, ومهملة كل منها موجبة أو سالبة, والمتحقق في المهملة الجزئية فأهملت).
أقول: لما فرغ من التصور, شرع في التصديق, والقضية مأخوذة من القضاء بأمر على أمر, ويرادفها التصديق, ويسمى بذلك تسمية له بأشرف عارضيه, ويسمى خبرًا, وعلمًا, وكلامًا, فإن كانت ملفوظًا بها سميت بذلك وبالقول الجازم, فإن جعلت جزء قياس سميت مقدمة بفتح الدال وكسرها, وظاهر كلام المصنف أنها لا تسمى مقدمة حتى يكون في البرهان, فإن وضعت ليستدل عليها سميت دعوى ومطلوبًا, فإن استنتجت بالعقل سميت نتيجة ولازمًا.
ثم المحكوم عليه في القضية إن كان جزئيًا معينًا أي حقيقًا فهي الشخصية, وترادفها المخصوصة.
وإن لم يكن جزئيًا معينًا فهو كلي, فإن بين كمية أفراده كانت محصورة ومسورة, وإلا فهي مهملة.
стр. 111
ثم المحصورة إما بلفظ يدل على جميع أفراد الموضوع فهي الكلية, أو على بعضها فهي الجزئية, وكان الأولى أن يقول: إما مبين كمية أفراده بالكلية والجزئية أو لا, ولا يعطي هذا المعنى قوله: (إما مبين كليته)؛ لأنه كلي ولابد عند كونه ليس جزئيًا حقيقًا, لكنه لا يريد بالكلي امتناع الشركة أو جوازها, ولا كل الأجزاء ولا بعضها.
واللفظ الدال على كمية الأفراد يسمى سورًا, وحاصرًا, لإحاطته بتلك الأفراد.
فسور الإيجاب الكلي «كل» , وسور الإيجاب الجزئي «بعض» و «واحد» ولم يستعمل المصنف إلا الأول. وسور السلب الكلي «لا شيء» , و «لا واحد» , وذكر المصنف «كل شيء» وحكاه الخنجي عن الشيخ.
وسور السلب الجزئي «ليس بعض» , و «بعض ليس» , و «ليس كل».
стр. 112
وقيل: إن هذا التقسيم غير حاصر, لخروج الطبيعية, وهي ما كان الحكم فيها على مفهوم الكلي, لا على ما صدق عليه من الأفراد.
أما ما يقيد العموم وهي الطبيعية العامة, كقولنا: الحيوان جنس؛ لأنه إنما يكون جنس يقيد العموم أو لا يقيد العموم, كقولنا: الإنسان جوهر.
وقيل: / إن الطبيعية مهملة.
وقيل: شخصية. ولما كانت الجزئية مساوية للمهملة في الصدق, استغنى بالجزئية عنها فأهملت؛ لأنه مهما صدقت المهملة صدقت الجزئية, ومهما صدقت الجزئية صدقت المهملة, إذ الجزئية لا يعتبر فيها عدم الكلية, بل ألا يتعرض لها. وقيل: المهملة يحتمل صدقها كليًا وجزئيًا, فالجزئية محققة, والكلية مشكوكة, فطرح المشكوك وبقي المتقين, فأهملت استغناء عنها بالجزئية.
وقيل: أهملت من الحاصر, وفيه بعد.
قال: (و مقدمات البرهان قطعية, تنتج قطعيًا؛ لأن لازم الحق حق, وتنتهي إلى ضرورته, وإلا لزم التسلسل.
وأما الأمارات فظنية أو اعتقادية, إن لم يمنع مانع؛ إذ ليس بين الظن
стр. 113
والاعتقاد وبين أمر ربط عقلي, لزوالهما مع قيام موجبها).
أقول: البرهان يجب أن تكون مقدماته يقينية, إذ الغرض منه إنتاج نتيجة قطعية, فلو لم تكن حقًا لم يلزم كون النتيجة اللازمة لها حقًا, وعلى هذا سقط الاعتراض بأن الكاذب حقًا لم يلزم كون النتيجة اللازمة لها حقًا, وعلى هذا سقط الاعتراض بأن الكاذب قد يستلزم الصادق. واليقينية: هي التي يجزم العقل بها مع المطابقة وامتناع التغيير.
وقد يحمل على أن المقدمات في البرهان لما كانت قطعية فنتائجها قطعية؛ لأن النتيجة لازم المقدمات, ولازم الحق حق, إذ لو كذب اللازم كذب الملزوم, والأولى أولى؛ لأنه ظاهر في الاستدلال على حقيقة المقدمات لا حقيقة النتيجة.
وقيل: مقدمات البرهان يجب أن تكون قطعية؛ لأنها لازمة للبرهان الذي هو قطعي, ضرورة أنها أجزاؤه, ولازم الحق حق.
قلت: وهو أبعدها؛ لأن قوله: (تنتج قطعيًا) يكون على هذا اعتراض ولا يجب كون مقدمات البرهان ضرورية أي بينة بنفسها, لجواز كون بعضها أو كلها مطلوبًا [قطعيًا ينتج قطعيًا] , نعم يجب الانتهاء إلى بينة بنفسها وإلا لزم التسلسل المانع من الاكتساب؛ لأن المقدمات حينئذ تكتسب من مقدمات أخر, وتلك من غيرها وهلم جرا. ولما كان الدور تسلسلًا في موضوعات متناهية, استغني بالتسلسل عنه.
стр. 114
وأما الأمارات فتنتج ظنًا أو اعتقادًا, إن لم يمنع مانع من معارض حسي أو علقي.
وقوله: (لزوالهما) أي لزوال الظن والاعتقاد بالمانع, مع قيام موجبهما وهي الأمارة, إذ ليس بين الظن والاعتقاد وبين الأمارة ربط عقلي, ولا كذلك البرهان؛ لأن العلم به يستلزم العلم بالنتيجة, فبينه وبينها ربط عقلي إذ لا يقبل معارضًا, والحق أن الموجب هو المقتضي مع عدم المانع, فلو قال: لزوالهما مع قيام المقتضي, كان أولى.
وقيل: المعنى: وأما الأمارات أنفسها فظنية أو اعتقادية, تفيد ظنًا أو اعتقادًا إن لم يمنع مانع, ورجح بأنه يكون معادلًا للأول, ورجح الأول بأن في هذا إضمار جملة وليس في ذلك الإضمار مفرد, وأيضًا يكون معناه: مقدمات الأمارات ظنية, وهو لا يسمى قضايا الأمارات مقدمات. وأيضًا: قد يكون بعض قضايا الأمارة قطعي ولا يردان, لأنا قلنا: نفس الأمارات ظنية لا مقدماتها, وإذا كانت ظنية فالأمارة ظنية.
قال: (ووجه الدلالة في المقدمتين: أن الصغرى خصوص والكبرى عموم, فيجب الاندراج, فيلتقي موضوع الصغرى ومحمول الكبرى.
وقد تحذف إحدى المقدمتين للعلم بها).
أقول: السبب لحصول النتيجة في الذهن هو التفطن / لوجودها بالقوة في الدليل, والوجه الذي لأجله لزمت النتيجة عن المقدمتين: أن الصغرى خصوص والكبرى عموم؛ [إذ الدلالة في المقدمتين لكونهما بحيث يلزم من
стр. 115
العلم بهما العلم بالنتيجة, وذلك أن الصغرى خصوص والكبرى عموم]. وعموم الكبرى لأن موضوعها محمول الصغرى, أو طبيعة المحمول بما هو محمول أعم, فيجب اندراج الأخص تحت الأعم, ولا يرد المساوي لما قلنا, فإذن الحكم في الكبرى على ما صدق عليه الأوسط, فيتناول الأصغر وغيره فيندرج تحته ويثبت له ما ثبت له, وهو محمول الكبرى نفيًا أو إثباتًا, فيلتقي موضوع الصغرى ومحمول الكبرى وهو النتيجة, وخص البيان بالشكل الأول لرجوع الباقي إليه, والمصنف لم يتعرض لوجه الدلالة هل هو سبب لحصول النتيجة عن المقدمتين على سبيل التولد, بأن تكون العلة القريبة للعلم بالنتيجة هو مجرد التفطن لوجود النتيجة بالقوة في المقدمة, أو استعداد الذهن بسبب حصول المقدمات مع التفطن لفيضان النتيجة من عند واهب الصور المعقولة وهو العقل الفعال, أو الحصول بقدرة الله تعالى عقب حضور المقدمتين في الذهن, والتفطن لوجه صدور النتيجة عنهما بطريق إجراء العادة على وجه يقبل الخرق, بأن لا يخلق العلم بها عقب ذلك, أو
стр. 116
على سبيل [تضمن] المقدمات النتيجة بطريق اللزوم الذي لابد منه المخالف للتولد, بحيث يكون الفيض من الله تعالى لكن بطريق الوجوب الذي لا يتخلف.
والأول: مذهب المعتزلة.
والثاني: مذهب قدماء الفلاسفة.
والثالث: مذهب الأشعري.
والرابع: مذهب فلاسفة الإسلام.
وإنما لم يتعرض لذلك, لأنها من مسائل الكلام.
قال: (وقد ت حذف إحدى المقدمتين للعلم بها).
أقول: أما حذف الصغرى فكقولنا: هذا يحد لأن كل زان يحد, حذف: هذا زان. وحذف الكبرى كقولنا: هذا يحد لأنه زان, حذف: وكل زان يحد.
стр. 117
وكذلك تحذف أيضًا الاستثنائية وهي كالصغرى, ولم يقع الاستثنائي في القرآن إلا وهي محذوفة, وقد تحذف للإبهام, وتسمى ما حذفت فيه إحداهما: بقياس الضمي.
قال: (و الضروريات: منها المشاهدات الباطنة, وهي: ما لا يفتقر إلى عقل كالجوع والألم.
ومنها الأوليات, وهي: ما يحصل بمجرد العقل, كعلمك بوجودك, وأن النقيضين يصدق أحدهما.
ومنها المحسوسات, وهي: ما يحصل بمجرد الحس.
ومنها التجريبيات, وهي: ما يحصل بالعادة, كإسهال المسهل, والإسكار.
ومنها المتواترات, وهي: ما يحصل بالأخبار تواترًا, كبغداد ومكة).
أقول: لما ذكر أن مقدمات البرهان تنتهي إلى ضرورية, أشار إلى الضروريات وهي خمس, على أن قوله: (منها) لا يعطي الحصر.
الأول: المشاهدات الباطنة: أي القضايا التي يستفاد التصديق بها من القوى الباطنة, وهي ما يفتقر إلى عقل, أي في حصول طرفيها عند مشاهدها كالجوع والألم, فإذا حصولهما عند مشاهدهما لا يفتقر إلى عقل, ولذلك تحصل للبهائم, وأما الحكم فيها فيفتقر إلى عقل كالمحسوسات الظاهرة, لا يفتقر في حصول طرفيها عند مشاهدها إلى عقل, والحكم فيها
стр. 118
يفتقر إلى العقل؛ لأن الحكم بإيقاع النسبة وأن ذلك مطابق لما في الخارج أو لا مطابق أمر العقل. فإن توقف حكم / في القضية على الحس الباطن فهي الوجدانيات, وإن توقف على الحس الظاهر فهي المحسوسات, ومنها الأوليات, وهي التي لا يتوقف الحكم فيها إلا على تصور طرفيها والنسبة, سواء كان تصور طرفيها جزئيًا كعلمك بوجودك, أو كليًا كعلمك أن النقيضين لا يصدق إلا أحدهما, بخلاف غيرهما فإنها بانضمام الحواس أو العادة أو التواتر.
ومنها المحسوسات: وهي القضايا التي يستفاد التصديق بها من الحواس الظاهرة, أعني [الحواس الخمسة] , ويكفي في حصول طرفيها مجرد الحس, كالعلم بأن النار حارة, والشمس مضيئة.
ومنها التجريبيات: وهي ما تحصل بتكرر المشاهدة على وجه يتأكد منها عقد قوي لا شك فيه من غير علاقة عقلية, وهي لا تخلو مع ذلك عن قياس خفي, وهو أن الوقوع المتكرر على نهج واحد لو كان اتفاقيًا ما كثر ولا دام, وقد تختص كعلم الطبيب بإسهال المسهلات, وقد تعم كعلم العامة أن الخمر مسكر.
قيل: عبر عنها بقوله: وهي ما يحصل بالعادة, كحصول الشبع عقب الأكل كمذهب الأشعري, وليس كذلك, بل المراد بالعادة التكرر
стр. 119
وما ذكر فغير مختص بهذا المكان, بل في الجميع, إذ العلم في جميع المذكور بالعادة عند الأشعري, مع أنه لا يعلم موافقة المصنف له في ذلك.
ومنها المتواترات: وهي قضايا يحكم العقل بها بسبب توالي الأخبار الموجب لسكون النفس, بحيث لا يبقى شك بسبب كثرتها بحيث يحيل العقل تواطؤ المخبرين على الكذب, ولا دور في تعريف أمر اصطلاحي [بأمر] أقوى.
وأما الحدسيات: وهي التي يجزم العقل بها بسبب حدس النفس لسبب شهادة القرائن دون الأثر, كما يقال: نور القمر مستفاد من نور الشمس, لاختلاف أحواله بسبب قربه وبعده منها.
فقيل: إنها من الضروريات. وقيل: إنها من الظنيات.
وأما القضايا التي قياساتها معها فهي من الضروريات, وعدها بعضهم من النظريات. ط
قال: (و صورة البرهان: اقتراني واستثنائي .
فالاقتراني: ما لا يذكر اللازم ولا نقيضه فيه بالفعل.
стр. 120
والاستثنائي: نقيضه.
فالأول بغير شرط ولا تقسيم ويسمى المبتدأ فيه موضوعًا, والخبر محمولًا, وهي الحدود, فالوسط: الحد المتكرر, وموضوعه: الأصغر, ومحمولة: الأكبر, وذات الأصغر: الصغرى, وذات الأكبر: الكبرى).
أقول: لما ذكر مادة القياس وهي القضايا, شرع في صورته وهي الهيئة الحاصلة من تركيب مواده, أي لابد وأن يكون على إحدى هاتين الصورتين:
إما اقتران وسط بجزئين وهو الاقتراني, وذكره إما بتقدير قياس, أو لأنه صفة للاجتماع المفهوم من الصورة.
وإما باستثناء أحد جزئي شرط أو تقسيم, والاستثناء بمعنى التثني, وهو التكرير.
فالاقتراني: ما لا يذكر اللازم فيه - وهو النتيجة - بالفعل, بل بالقوة.
والاستثنائي: ما يذكر اللازم فيه أو نقيضه بالفعل, كقولنا: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان, لكنه إنسان فهو حيوان, أو لكنه ليس بإنسان فليس بحيوان, والنتيجة مذكورة بالفعل في الأول, ونقيضها مذكور بالفعل في الثاني, وكذا في المنفصل.
ولو قال: والاستثنائي بخلافه, كان أولى, إذ ليس الاستثنائي بنقيض للاقتراني, لكن أراد خاصة هذا نقيض خاصة هذا, فالأول يعني الاقتراني
стр. 121
بغير شرط ولا تقسيم, أي يكون بغير شرط ولا تقسيم, ولا يكون الاستثنائي إلا على أحد الوجهين, فلا يرد الاقتراني الشرطي / إذ يعتبرها المصنف بأن الأقدمين لم يذكروها لكونها غير يقينية الإنتاج, ولكثرة شغبها وقلة جدواها, وبعد أكثرها عن الطبع.
وقوله: (ويسمى المبتدأ فيه موضوعًا) , قيل: في الاقتراني, وقيل: في التصديق. قيل عليه: كل إنسان حيوان, المبتدأ كل وليس بموضوع؛ إذ الموضوع إنسان, وكل سور, وكذا قائم زيد, فإن زيدًا مبتدأ عند النحاة, وقائم خبر مقدم, وزيد هو المحمول عند المنطقيين.
ورد: بأن المراد المبتدأ في التصديق من حيث هو تصديق, ولا مدخل للسور فيه, وفي الثاني: لا نسلم أنه ليس بموضوع, إذ الموضوع أعلم أن يُسبق في الذكر أو لا, وهي الحدود, ولما كانت ثلاثة أنثها, سميت بذلك لأنها نهاية الاقتراني, إذ حد الشيء نهايته, ولابد من حد متكرر باعتبار نسبته إلى طرفي المطلوب ويسمى الأوسط, وموضوع الأوسط هو الحد الأصغر, ومحموله هو الحد الأكبر, وعلى هذا لا يتناول إلا الشكل
стр. 122
الأول, ويحتمل أن يكون موضوعه أي موضوع اللازم الحد الأصغر, ومحموله الحد الأكبر, فيشمل جميع الأشكال, والمقدمة المشتملة على الحد الأصغر تسمى «الصغرى» , والمشتملة على الحد الأكبر تسمى «الكبرى».
قال: (ولما كان الدليل قد يقوم على إبطال النقيض والمطلوب نقيضه, وقد يقوم على الشيء والمطلوب عكسه, احتيج إلى تعريفهما.
فالنقيضان: كل قضيتين إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى وبالعكس.
فإن كانت شخصية فشرطها أن لا يكون بينهما اختلاف في المعنى إلا النفي والإثبات, فيتحد الجزءان بالذات والإضافة, والجزء أو الكل, والقوة أو الفعل, والزمان والمكان والشرط, وإلا لزم اختلاف الموضوع في الكمية؛ لأنه إن اتحد جاز أن يكذبا في الكلية, مثل: كل إنسان كاتب لأن الحكم بعرضي خاص بنوع, ويصدقا في الجزئية لأنه غير متعين.
فنقيض الكلية المثبتة جزئية سالبة, ونقيض الجزئية الموجبة كلية سالبة).
أقول: لما كان الدليل قد لا يقوم [على] صدق المطلوب ابتداءً, بل على إبطال نقيض المطلوب, فيلزم ثبوت المطلوب, إذا لا خروج عن أحد النقيضين, وهذا كقياس الخلف, وقد يقوم على تحقق ملزوم المطلوب, ولا يقوم على نفس المطلوب, فيستفاد من إقامة الدليل عليه ثبوت عكسه, كالأشكال الثلاثة غير الأول, فإنها عند ردها إليه ربما قام الدليل على قضية
стр. 123
والمطلوب عكسها, فلذلك احتيج إلى معرفتهما, وبيان شرائطهما وأحكامهما, ولما كان بيان العكس موقوفًا على التناقض من غير عكس, بدأ بالتناقض, فقال:
النقيضان: كل قضيتين إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى وبالعكس, وبالقيد الآخر يخرج الضدان, والمتضايفان, والعدم, والملكة, فإن كذب أحدهما لا يستلزم صدق الآخر, لجواز كذبهما.
وقوله: (إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى وبالعكس) أي يلزم من صدق أيهما كان كذب الأخرى, ومن كذب أيهما كان صدق الأخرى, فلا يرد النقض بقولنا: هذا إنسان, هذا ليس بناطق, فإن كذب كل واحدة لا يلزم من صدق الأخرى, بل من صدقها واستلزامها نقيض الأخرى.
وهكذا قولنا: هذا واجب هذا ممكن, فلا حاجة إلى زيادة قولنا: لذاته. ثم القضية [لذات] إما شخصية وإما محصورة, ولما كانت شرائط الشخصية شرائط المحصورة من غير عكس, بدأ بها, فإن كانت / شخصية فشرطها أن لا يكون بينهما اختلاف في المعنى إلا بالنفي والإثبات.
وقال: (في المعنى) ليدخل الاختلاف في اللفظ كقولنا: هذا إنسان, هذا ليس ببشر, ولا حاجة إلى الاختلاف في الجهة؛ لأنها غير مستعملة في الشخصية, وإن جاز صدق المكنتين وكذب الضروريتين في مادة الإمكان, وإذا لم يكن بينهما اختلاف في المعنى إلا النفي والإثبات, لزم اتحاد الموضوع والمحمول بالذات, أي بالمعنى وهما الجزءان, وبالإضافة, والجزء أو الكل,
стр. 124
والقوة أو الفعل, والزمان والمكان والشرط, إذا لولا الاتحاد فيما ذكر لكان بينهما اختلاف بغير النفي والإثبات, فلم يتحقق التناقض, فزيد كاتب مع عمرو ليس بكاتب, لم يتحدا في الموضوع, وزيد كاتب مع زيد ليس بنجار لم يتحدا في المحمول, زيد أب لعمرو مع زيد ليس بأب لبكر لم يتحدا بالإضافة, والزنجي أسود جزؤه الزنجي ليس بأسود جميعه لم يتحدا بالجزء أو بالكل, إذا المراد بالأول الجزء, والثاني المراد ليس كله أسود, ولا يلزم أن يكون لا شيء منه أسود وهما صادقان, وكذا الخمر مسكرة في الدن, الخمر ليست بمسكرة فيها, لا تناقض [فيها] إذا كان الأول بالقوة والثاني بالفعل, وكذا زيدٌ جالس أول النهار زيد ليس بجالس آخره للاختلاف بالزمان, وكذا زيد جالس على السرير زيد ليس بجالس على الأرض للاختلاف بالمكان, وكذا الكاتب متحرك الأصابع بشرط الكتابة, الكاتب ليس بمتحرك الأصابع بشرط عدم الكتابة.
أما لو لم تكن شخصية بأن تكون محصورة, يلزم مع ما ذكر اختلاف الموضوع في النقيضين بالكم أي بالكلية والجزئية؛ لأنه إن اتحد جاز أن يكذب في الكلية إذا كان الحكم بعرضي خاص نوع, وكان غير شامل, كقولنا: كل إنسان كاتب بالفعل, فإنه كاذب, وكذا لا شيء من الإنسان بكاتب, لا يصدق السلب عن الجميع ولا الثبوت للجميع, ضرورة ثبوته
стр. 125
للبعض, سلبه عن البعض.
قيل: فيه نظر؛ إذ لو كان شاملًا لما كذبت الموجبة, فينبغي إلا يشترط الاختلاف إلا فيما هذا شأنه, وجاز صدقهما في الجزئية لأنه غير معين, مثل: بعض الإنسان كاتب, بعض الإنسان ليس بكاتب, إذ لم يتعين أن المحكوم عليه بالثبوت هو المنفي عنه.
قيل: إن اتحد الموضوع فيهما تناقضا, وإلا فعدم تناقضهما لعدم اتحاد الموضوع لا لغيره, فنقيض الكلية المثبتة جزئية سالبة, أي إذا كان الاختلاف بالكم شرطًا, فنقيض الكلي المثبت جزئي سالب وبالعكس, إذ التناقض إنما يتحقق من الجانبين, ونقيض الجزئي الموجب كلي سالب وبالعكس, ولابد في تحقيق التناقض من الاختلاف بحسب الجهة, لصدق الممكنتين وكذب الضروريتين في مادة الإمكان, لكن المصنف إنما تكلم على المحصورات الغير موجبة.
قال: (وعكس كل قضية: تحويل مفرديها على وجه يصدق.
فعكس الكلية الموجبة جزئية موجبة.
وعكس الكلية السالبة مثلها.
وعكس الجزئية الموجبة مثلها.
ولا عكس للجزئية السالبة).
أقول: لما فرغ من التناقض, شرع في العكس, وبدأ ب العكس المستوي . واعلم أن العكس يستعمل ويراد به القضية اللازمة, ويطلق ويراد به نفس التحويل, وكثيرًا ما يطلقونه لإرادة الأول, والشيخ قال: «العكس
стр. 126
تبديل الموضوع بالمحمول» , فأطلق العكس على نفس التبديل.
وقوله: (تحويل مفرديها) يتناول الحملي والشرطي؛ لأن جزء الشرطية وإن كان قضية, لكنه مفرد / بالنسبة إليها, فهو أحد مفرديها. وقوله: (على وجه يصدق) أي على وجه يلزم من صدق الأصل صدقه, فلا نقض بقولنا: بعض الإنسان حيوان, بعض الحيوان ليس بإنسان؛ لأنه يلزم من صدق إحداهما صدق الأخرى, والمعنى: على وجه يلزم على تقدير صدق الأصل صدقه؛ إذ كل إنسان فرس, عكسه بعض الفرس إنسان, وهما كاذبان, لكن لو صدق الملزوم صدق اللازم لامتناع استلزام الصادق الكاذب.
فعكس الكلية الموجبة جزئية موجبة؛ لأنه إذا صدق كل (ج) (ب) , صدق بعض (ب) (ج) , ولا صدق نقيضه وهي: لا شيء من (ب) (ج) , نجعله كبرى للأصل, ينتج سلب الشيء عن نفسه, ولا تنعكس كنفسها, لجواز كون المحمول أعم, فيحمل على أفراد الخاص ولا يحمل الخاص على جميع أفراد العام.
وأما السالبة الكلية فتنعكس كنفسها؛ لأنه إذا صدق: لا شيء من (ج)
стр. 127
(ب) , صدق: لا شيء من (ب) (ج) , وإلا لصدق نقيضه وهو: بعض (ب) (ج) فجعله صغرى للأصل ينتج: بعض (ب) ليس (ب) وإنه محال, ولا تنعكس السالبة الجزئية لصدق: بعض الحيوان ليس بإنسان, ولا يصدق بعض الإنسان ليس بحيوان, إذ لا يسلب الأعم عن الأخص, ولابد أيضًا من اعتبار الجهة, وإلا منع الاستحالة في المذكور لجواز كونهما مطلقتين.
فالسوالب الكلية سبع منها لا تنعكس, والدائمتان والوصفيات الأربع منعكسة, لكن لا ينعكس كنفسه منها إلا الدائمة والعرفية العامة.
وأما الجزئية السالبة فلا ينعكس منها إلا الخاصتين, وعكس المتصلات على قياس عكس الحمليات, والمنفصلات لا تنعكس, إذ لا يتميز مقدمها عن تاليها طبعًا.
قال: (وإذا عكس الكلية الموجبة بنقيض مفرديها صدقت, ومن ثمة انعكس السالبة سالبة).
أقول: عكس النقيض: عبارة عن قضية بدل فيها كل واحد من طرفيها بنقيض الآخر مع بقاء الكيف والصدق, وهو بناء على رأي القدماء.
فالموجبة الكلية ونعني الدائمتين والوصفيات الأربع تنعكس كليًا, وبرهانه: أن محمول هذه إما مساوٍ لموضعها أو أعلم, وأيًا ما كان يلزم من نفي المساوي الأعم نفي مساويه الأخص, ضرورة انتفاء الملزوم عند انتفاء اللازم, أو نقول: موضوعها ملزوم لمحمولها وإذا انتفى اللازم ينتفي الملزوم.
стр. 128
ولا تنعكس الموجبة الجزئية؛ لأنه يصدق بعض الحيوان هو لا إنسان, ولا يصدق بعض الإنسان هو لا حيوان, ونعنى غير الخاصتين, فإنهما ينعكسان عرفية خاصة, وليس هذا موضع استقصائه, ومن ثم انعكست السالبة سالبة, أي ومن أجل أن الكليتين الموجبتين متلازمتان, انعكست السالبة كلية كانت أو جزئية بعكس النقيض, أما السالبة الجزئية فلأنها وما فرضناه عكسًا لها نقيض الكليتين, والتلازم بين شيئين يوجب التلازم بين نقيضيهما, وأما الكلية فلأنها تستلزم الجزئية المستلزمة للعكس المذكور, ومستلزم المستلزم مستلزم, ولا تنعكس الكلية كنفسها به؛ لأنه يصدق لا شيء من الإنسان بلا حيوان, ولا يصدق لا شيء من الحيوان بلا إنسان, لصدق بعض الحيوان لا إنسان, أو نقول: ومن ثم انعكست السالبة سالبة أي لما كان عكس السالبة يتوقف على عكس الموجبة بعكس النقيض, لأنه إذا صدق بعض (ج) ليس (ب) , صدق ليس بعض ما ليس (ب) ليس (ج) , وإلا لصدق نقيضه وهو: كل ما ليس (ب) ليس (ج) , وينعكس موجبًا بعكس النقيض: كل (ج) (ب) المناقض للأصل, فلولا انعكاس الموجبة تم / برهان انعكاس السالبة.
قال: (وللمقدمتين باعتبار الوسط أربعة أشكال.
فالأول: محمول لموضوع النتيجة موضوع لمحمولها.
والثاني: محمول لهما.
والثالث: موضوع لهما.
والرابع: عكس الأول.
стр. 129
فإذا ركب كل شيء باعتبار الكلية والجزئية, والموجبة والسالبة, صارت مقدراته ستة عشر ضربًا).
أقول: الشكل الهيئة الحاصلة [بسبب] وضع الأوسط عند الحدين الآخرين, واقتران الصغرى بالكبرى قرينة وضربًا, فللمقدمتين باعتبار وضع الأوسط أربعة أشكال؛ لأن الأوسط إن كان محمولًا في الصغرى موضوعًا في الكبرى فهو الأول, وبالعكس هو الرابع, ولم يتعرض له القدماء إلى زمان جالينوس, وإن كان محمولًا فيهما فهو الثاني, وإن كان موضوعًا فيهما فهو الثالث, ثم الضروب المنعقدة في كل شكل ستة عشر ضربًا؛ لأن الصغرى إما موجبة وإما سالبة كلية أو جزئية فأربع, والكبرى كذلك, وأربعة في أربعة بستة عشر, وهو معنى قوله: (صارت مقدراته) أي الذي يقدر العقل فيه للذي به منه؛ لسقوط أكثرها لعدم شرط الإنتاج.
قال: (الشكل الأول أبينها, ولذلك يتوقف غيره على معرفة رجوعه إليه, وينتج المطالب الأربعة.
стр. 130
وشرط إنتاجه إيجاب الصغرى أو في حكمه, ليتوافق الوسط وكلية الكبرى, ليندرج فينتج.
يبقى أربعة: موجبة كلية أو جزئية, وكلية موجبة أو سالبة.
الأول: كل وضوء عبادة, وكل عبادة بنية.
الثاني: كل وضوء عبادة, وكل عبادة لا تصح بدون النية.
الثالث: بعض الوضوء عبادة, وكل عبادة بنية.
الرابع: بعض الوضوء عبادة, وكل عبادة لا تصح بدون النية).
أقول: الشكل الأول أبين الأشكال؛ لأن إنتاجه بديهي لأنه بالالتفاء والاندراج, بخلاف سائر الأشكال فإنها غير بديهية الأشكال والإنتاج, ولبيانه توقف معرفة إنتاج غيره على معرفة رجوعه إليه؛ لأن بيان باقي الأشكال إما بالعكس أو بالخلف على ما ذكر, وعلى التقديرين تتوقف على رجوعها إلى الأول؛ لأن برهان الخلف من الأول, وهذا الشكل أشرف الأشكال لذلك, ولأنه ينتج المطالب الأربعة, وليس في الأشكال الباقية ما ينتج الإيجاب الكلي.
ويشترط لإنتاج الشكل الأول بحسب الكيف والكم شرطان:
الأول: إيجاب الصغرى, أو ما في حكم الإيجاب, وإنما اشترط إيجاب الصغرى ليتوافق الأوسط مع الأصغر, فيتعدى الحكم من الأوسط إلى الأصغر إذ لو كانت سالبة, حصل التباين فلا يتعدى الحكم؛ لأن الحكم على الشيء لا يستلزم الحكم على مباينه, والاختلاف الموجب للعقم يحققه, وكذا في
стр. 131
حكم الإيجاب وهي السالبة المركبة العقلية عند المتأخرين, أعني الوجوديتين, والوقتيتين, والخاصتين, وإنما أنتجت صغرى لتضمنها الموجبة.
قلت: والحق أن نتائج الأقيسة التي صغراها سالبة مركبة ما لزمت عن مجموع ما وضع في القياس, بل الموضوع فيه مستلزم لقياسات تلك النتائج؛ إذ الكلام فيما استلزم لذاته, وإلا فبرهان الخلف يدل على إنتاج السالبة الكلية صغرى في الأول مع الموجبة الكلية السالبة الموضوع, ومع السالبة الكلية السالبة الموضوع, وكذا السالبة الجزئية صغرى معهما, لكن هذه الضروب الأربعة إنما أنتجت بحسب ما استلزمته؛ لأن الصغرى لما كانت سالبة بسيطة استلزمت موجبة سالبة المحمول, نعم المنتج بالذات موجبة سالبة المحمول مع سالبة الموضوع, أو معدولة المحمول مع معدولة الموضوع, فلو قال: إيجاب الصغرى / فقط, لكن أحسن, إذا ليس إنتاج المذكور بالذات لكن المصنف تابع سيف الدين حيث قال في الإحكام: «شرط الأول إيجاب الصغرى أو في حكمه» , وفسرها في غير الإحكام بما ذكرنا, وكذا اشترطه الشيخ قبله, فلا دخل على المصنف.
وقولهم: إذا تكرر السلب أنتج في الأولى, إنما ذلك للاستلزام المذكور.
الشرط الثاني: كلية الكبرى, ليعلم اندراج الأصغر فيه, إذ لو كانت
стр. 132
جزئية جاز كون الأوسط أعم من الأصغر, وكون المحكوم عليه في الكبرى بعضًا منه غير الأصغر فلا يندرج, والاختلاف الموجب للعقم يحققه, فيسقط بحسب الشرط الأول ثمانية أضرب, من ضرب السالبتين صغريين في الكبريات الأربع, وبحسب الشرط الثاني أربعة, من ضرب الموجبتين صغريين في الجزئيتين كبريين, تبقى النتيجة أربعة من الستة عشرة: موجبة كلية أو جزئية, كل واحدة مع كلية موجبة أو سالبة.
وقدم الموجبة على الكلية أولًا, وقدم الكلية ثانيًا, إشارة أولًا إلى اشتراط الموجبة صغرى, وثانيًا إلى اشتراط الكلية كبرى.
واعلم أنه إذا كانت إحدى المقدمتين سالبة أو جزئية, فالنتيجة سالبة أو جزئية؛ لأن السلب والجزئي لازم, بخلاف الإيجاب والكلي.
وقدم ما أنتج السلب الكلي على منتج الإيجاب الجزئي؛ لأن المطالب الكلية أشرف ولو كانت سلبًا, ولذلك قدم الشكل الثاني على الثالث.
واعلم أن اشتراط ما ذكر في المحصورات لا المخصوصات.
قال: (الشكل الثاني شرطه اختلاف مقدمتيه في الإيجاب والسلب وكليه كبراه, تبقى أربعة, ولا ينتج إلا سالبة.
أما الأول, فلوجوب عكس إحداهما وجعلها الكبرى فموجبتان باطل وسالبتان لا تتلاقيان.
وأما كلية الكبرى؛ فلأنها إن كانت التي تنعكس فواضح.
وإن عكست الصغرى, فلابد وأن تكون سالبة ليتلاقيا.
ويجب عكس النتيجة ولا تنعكس, لأنها تكون جزئية سالبة).
стр. 133
أقول: شرط هذا الشكل لإنتاجه بحسب الكيف والكم شرطان:
الأول: اختلاف مقدمتيه بالسلب والإيجاب.
الثاني: كلية كبراه.
فيسقط بحسب ذلك اثنا عشر ضربًا, تسقط بحسب الأول ثمانية, من ضرب الموجبتين في الموجبتين والسالبتين في السالبتين, وأربعة بحسب الشرط الثاني, من الموجبتين صغريين مع السالبتين الجزئية كبرى, ومن السالبتين صغريين مع الموجبة الجزئية كبرى, تبقى المنتجة أربع: الكلية الموجبة الكبرى مع السالبتين صغريين, والكلية السالبة كبرى مع الموجبتين صغريين, ولما كانت إحدى مقدمتيه سالبة, لم ينتج إلا سالبة.
أما بيان اشتراط الأول؛ فلأن هذا الشكل إنما يتبين إنتاجه بالرد إلى الشكل الأول, وذلك لا يكون إلا بعكس إحدى مقدمتيه وإبقائها إن عكسنا الكبرى, أو جعلها كبرى إن كانت التي عكست الصغرى, فلو كانت موجبتين لم يصح؛ لأن الموجبة لا تنعكس إلا جزئية, ولا تصلح الجزئية كبرى, وإن كانت سالبتين لم يتلاق الأوسط مع الأصغر فلم ينتج.
لا يقال: لو كانت الصغرى موجبة سالبة المحمول, والكبرى موجبة محصلة الطرفين, لأنتج بعكس الكبرى بعكس النقيض.
لأنا نقول: الموجبة السالبة المحمول مع السالبة البسيطة متلازمتان, فأنتجت السالبة البسيطة صغرى في الأول مع الموجبة السالبة الطرفين, بواسطة استلزام السالبة المذكورة للموجبة السالبة المحمول, وأنتجت الموجبة
стр. 134
السالبة المحمول صغرى في الثاني مع الموجبة المحصلة الطرفين / لاستلزام الموجبة المذكورة السالبة البسيطة.
قيل: الواجب رد الثلاثة إلى الأول, ولا يجب في البيان تعين العكس كما ذكر هنا؛ لجواز البيان بالخلف, فلا يجب اشتراط ما ذكر.
والأولى أن يقال: لو اتفقا في الكيف لحصل الاختلاف الموجب للعقم, وهو صدق القياس مع توافق الطرفين تارة, ومع تباينهما أخرى.
وأما بيان اشتراط الأمر الثاني وهو كلية الكبرى؛ فلأنها إن كانت التي تنعكس فواضح اشتراط كليتها؛ لأن الجزئية لا تنعكس كليًا, فلا تصلح كبرى للأول, وإن عكست الصغرى فلابد وأن تكون سالبة كلية لتحفظ العكس, وترجع الكبرى الموجبة صغرى حتى يقع الاندراج والتلاقي؛ لأن الكبرى إذا كانت جزئية لم يتحقق التلاقي بين الأوسط والأصغر, فلو كانت كبراه في الأصل موجبة جزئية, وعكسنا السالبة الكلية الصغرى ورددناها كبرى, احتجنا إلى عكس النتيجة؛ إذ كل قياس يدل فيه الترتيب لابد فيه من عكس النتيجة, وهي لا تنعكس لأنها جزئية سالبة.
ولو بّين اشتراط هذا الشرط, فإن الكبرى لو كانت جزئية, لحصل الاختلاف الموجب للعقم, لكان أولى.
قال: (الأول: كليتان الكبرى سالبة: الغائب مجهول الصفة, وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول, فلازمه: كل غائب لا يصح بيعه, ويتبين بعكس الكبرى.
الثاني: كلية سالبة وكلية موجبة: الغائب ليس بمعلوم الصفة, وكل
стр. 135
ما يصح بيعه معلوم, فلازمه: كل غائب لا يصح بيعه, ويتبين بعكس الصغرى وجعلها الكبرى, وعكس النتيجة.
الثالث: جزئية موجبة وكلية سالبة: بعض الغائب مجهول الصفة, وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول, فلازمه: بعض الغائب لا يصح بيعه.
الرابع: جزئية سالبة وكلية موجبة: بعض الغائب ليس بمعلوم الصفة وكلما يصح بيعه معلوم الصفة, ينتج: بعض الغائب لا يصح بيعه, ويتبين بعكس الكبرى بنقيض مفرديها, ويتبين أيضًا فيه وفي جميع ضروبه بالخلف فتأخذ نقيض النتيجة وهو: كل غائب يصح بيعه, فتجعله صغرى, فينتج نقيض الصغرى الصادقة, ولا خلل إلا من نقيض المطلوب, فالمطلوب صدق).
أقول: الضرب الأول من الشكل الثاني: من كلية موجبة صغرى, وكلية سالبة كبرى, ينتج سالبة كلية, بيانه بعكس الكبرى, وهي سالبة كلية تحفظ العكس فيرتد إلى الضرب الثاني من الأول, ولا يمكن بيانه بعكس الصغرى وجعلها كبرى, وإلا لرجع إلى الأول, وقد فقد شرطاه معًا.
مثاله: كل غائب مجهول الصفة, وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة, [بيانه] بعكس الكبرى إلى: كل مجهول الصفة لا يصح بيعه, ينتج: كل غائب لا يصح بيعه.
الثاني: من كلية سالبة صغرى؛ وموجبة كلية كبرى, ينتج سالبة كلية كالأول, بيانه بعكس الصغرى وجعلها كبرى وعكس النتيجة, فيرجع أيضًا
стр. 136
إلى الضرب الثاني من الأول, ولا يرتد بعكس الكبرى؛ لأنها موجبة لا تحفظ العكس, فيرجع إلى الأول وقد فقد شرطاه.
مثاله: كل غائب ليس بمعلوم الصفة, وكل ما يصح بيعه معلوم, ينتج: كل غائب لا يصح بيعه, بعكس صغراه إلى: كل معلوم الصفة ليس بغائب, نجعلها كبرى, لقولنا: كل ما يصح بيعه معلوم الصفة, ينتج: كل ما يصح بيعه ليس بغائب, فعكسها إلى: كل غائب لا يصح بيعه وهو المطلوب.
الضرب الثالث: من موجبة جزئية صغرى, وسالبة كلية كبرى, ينتج سالبة جزئية, بيانه بعكس الكبرى وهي سالبة كلية تحفظ العكس, فيرجع إلى الضرب الرابع من الأول.
مثالة: بعض الغائب مجهول الصفة, وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة, ينتج: بعض الغائب لا يصح بيعه, بيانه بأن تعكس كبراه إلى: كل مجهول / الصفة لا يصح بيعه, ينتج: بعض الغائب لا يصح بيعه وهو المطلوب.
الضرب الرابع: من سالبة جزئية صغرى, وموجبة كلية كبرى, ينتج سالبة جزئية, لا يمكن بيانه بعكس الكبرى بالمستوي؛ لأنها لا تحفظ العكس فيرجع إلى الأول وقد فقد شرطاه معًا, وبينه المصنف بعكس الكبرى بنقيض مفرديها, فتصير سالبة الطرفين لا معدولة الطرفين, والصغرى السالبة البسيطة تستلزم موجبة سالبة المحمول, والموجبة السالبة المحمول لشبهها بالسالبة لا تستدعي وجود موضوع, فيرجع إلى الضرب الثالث من الأول.
стр. 137
مثاله: بعض الغائب ليس معلوم الصفة, وكل ما يصح بيعه معلوم, ينتج: بعض الغائب لا يصح بيعه, بأن تعكس كبراه إلى: كل ما ليس بمعلوم الصفة لا يصح بيعه, لينتج مع الصغرى المطلوب.
ولا يشترط في صغرى الشكل الأول أن يكون موضوعها خارجيًا أو حقيقيًا بل قد يكون ذهنيًا؛ لأن الشيخ لما اشترط في الموجبة وجود الموضوع, واعترف بإنتاج ما يكون صغراه لا وجود لموضوعها إلا في الذهن.
مثل قولهم: الخلاء ليس بموجود, وكلما ليس بموجود ليس بمحسوس, مع أن الخلاء عنده ممتنع في الخارج, دل على أن الموجبة الشرطية لصغرى الأول أعم.
على أن بعضهم يقول: السالبة أيضًا تستدعي وجود الموضوع, وإلا لم تتناقض الموجبة للاختلاف في الموضوع, فحينئذ تستلزم السالبة موجبة معدولة المحمول وتنتج مع سالبة الطرفين, لكن المنتج في الحقيقة مع الكبرى حينئذ لازم الصغرى وهي السالبة المحمول الموجبة, أو الموجبة المعدولة المحمول على هذا القول الأخير.
ويتبين هذا الضرب أيضًا وباقي الضروب بالخلف, بأن نأخذ نقيض النتيجة؛ لأنها إن لم تصدق فلابد وأن يصدق نقيضها, وإلا لكذب النقيضان ونقيضها موجب لكون النتيجة سالبة, فنجعل ذلك النقيض صغرى ونضمها إلى الكبرى من أصل القياس, فينتج نقيض الصغرى الصادقة, مثلًا في هذا الضرب لو لم يصدق: بعض الغائب لا يصح بيعه, لصدق نقيضه وهو: كل غائب يصح بيعه, وكل ما يصح بيعه معلوم, ينتج: كل غائب معلوم
стр. 138
[الصفة] , وهو يناقض الصغرى الصادقة, وهي: بعض الغائب ليس معلوم, ولا خلل في صورة القياس لأنه على نهج الشكل الأول, ولا خلل في الكبرى لأنها صادقة, فالخلل من نقيض الصغرى الصادقة فتنتفي لانتفاء لازمها, فيثبت المطلوب, وبطل قول من يقول: لم لا يجوز أن يكون الخلل من ضم إحداهما إلى الأخرى؟ إذ المجموع هو المستلزم للنتيجة, ومثل هذا العمل يعمل في سائر الضروب.
وقوله: لابد من عكس إحداهما وجعلها كبرى, معارض لقوه: ويتبين فيه وفي جميع ضروبه بالخلف.
قال: (الشكل الثالث شرطه إيجاب الصغرى أو في حكمه, وكلية إحداهما, تبقى ستة, ولا ينتج إلا جزئية.
أما الأول: فلوجوب عكس إحداهما وجعلها الصغرى.
فإن قدرت الصغرى سالبة وعكستها, لم يتلاقيا.
وإن كان العكس في الكبرى وهي سالبة, لم يتلاقيا مطلقًا.
وإن كانت موجبة, وجب عكس النتيجة ولا تنعكس؛ لأنها جزئية سالبة.
وأما كلية إحداهما؛ فلتكون هي الكبرى أخرى بنفسها أو بعكسها.
وإما إنتاجه جزئية؛ فلأن الصغرى عكس موجبة أبدًا وفي حكمها).
أقول: الشكل الثالث يشترط لإنتاجه بحسب الكيف والكم شرطان:
стр. 139
إيجاب الصغرى أو في حكمه, بأن تكون سالبة مركبة كما تقدم في الأول.
الشرط الثاني: كلية إحدى مقدمتيه, تبقى المنتجة بحسب ذلك ستة أضرب, لسقوط / ثمانية بشرط الأول, من ضرب السالبتين صغريين في المحصورات الأربعة, ولسقوط الجزئية الموجبة صغرى مع الجزئيتين كبريين للشرط الثاني, تبقى ستة: الموجبة الكلية مع المحصورات الأربع, والموجبة الجزئية مع الكليتين, وهذا الشكل لا ينتج إلا جزئية.
أما الشرط الأول: فلأن هذا الشكل إنما يتبين بالرد إلى الأول, إما بعكس الكبرى وجعلها صغرى ثم عكس النتيجة, أو بعكس الصغرى وإبقائها, فلو كانت الصغرى سالبة وعكستها, رجع إلى الأول وصغراه سالبة, وإن عكست الكبرى وهي سالبة - والفرض أن الصغرى سالبة - لم يتلاقيا مطلقًا أي في شكل من الأشكال, إذ لا قياس عن سالبتين بوجه.
ولم يقيد الأول [بقوله]: مطلقًا؛ لأنه قد يتلاقيا الأوسط والأصغر والصغرى سالبة في الشكل الرابع, وإن عكست الكبرى وهي موجبة فهي لا تنعكس إلا جزئية, وكل قياس يدل فيه الترتيب لابد فيه من عكس النتيجة وهي لا تنعكس؛ لأنها تكون جزئية سالبة.
وأما الشرط الثاني: فلتكون هي الكبرى بعد رده إلى الأول, إما بنفسها أو بعكسها, أعني بنفسها إذا عكسنا الصغرى, أو بعكسها أي بسبب عكس الكبرى؛ لأنا إذا عكسنا الكبرى جعلناها صغرى, عادت
стр. 140
الصغرى كبرى, وذلك بسبب عكس الكبرى إذ لا تنعكس وتبقى مكانها, وإلا عاد إلى الشكل الرابع وبعد من الأول.
وأما أنه لا ينتج إلا جزئية؛ فلأن الصغرى بعد الرد عكس موجبة أبدًا أو في حكمها, وعكس الموجبة لا يكون إلا جزئية, وهذا الذي ذكر إنما يتم لو لم يكن طريق للبيان إلا العكس, والأولى أن يقال: لو كانت صغراه سالبة لحصل الاختلاف الموجب للعقم, وهو صدق القياس تارة مع الإيجاب وتارة مع السلب, وكذا نقول في الشرط الثاني بعينه.
وأما أنه لا ينتج إلا جزئية؛ فلأن الضرب الأول والرابع من هذا الشكل أخص ضروبه, وهما لا ينتجان الكلي, لجواز كون الأصغر أعم من الأكبر, ولا يثبت الأخص لجميع أفراد الأعم, ولا يسلب الأخص عن جميع أفراد الأعم, ومهما لم ينتج الأخص ذلك, لم ينتج الأعم.
قال: (الأول: كلتاهما كلية موجبة: كل بر مقتات, وكل بر ربوي فينتج: بعض المقتات ربوي, ويتبين بعكس الصغرى.
الثاني: جزئية موجبة وكلية موجبة: بعض البر مقتات, وكل بر ربوي, فينتج مثله, ويتبين كالأول.
الثالث: كلية موجبة وجزئية موجبة, كل بر مقتات, وبعض البر ربوي فينتج مثله, ويتبين بعكس الكبرى وجعلها صغرى وعكس النتيجة.
الرابع: كلية موجبة وكلية سالبة: كل بر مقتات, وكل بر لا يباع بجنسه متفاضلًا, ينتج: بعض المقتات لا يباع بجنسه متفاضلًا, ويتبين بعكس الصغرى.
стр. 141
الخامس: جزئية موجبة وكلية سالبة: بعض البر مقتات, وكل بر لا يباع بجنسه متفاضلًا, ينتج ويتبين مثله.
السادس: كلية موجبة وجزئية سالبة: كل بر مقتات, وبعض البر لا يباع بجنسه متفاضلًا, ينتج مثله, ويتبين بعكس الكبرى على حكم الموجبة وجعلها صغرى وعكس النتيجة, ويتبين مع جميعه بالخلف, فتأخذ نقيض النتيجة كما تقدم, إلا أنك تجعلها الكبرى).
أقول: الضرب الأول من الشكل الثالث: من موجبتين كليتين, ينتج [موجبة] جزئية, بيانه بعكس الصغرى ليرتد إلى الضرب الثالث من الشكل الأول, ويمكن بيانه بعكس الكبرى وجعلها صغرى وعكس النتيجة.
مثاله: كل بر مقتات, وكل بر ربوي, فينتج: بعض المقتات ربوي بيانه بأن نعكس كل بر مقتات إلى: بعض المقتات بر, وينتج مع كبرى الأصل المطلوب, أو بعكس الكبرى إلى: بعض الربوي [بر] ونجعلها صغرى, والصغرى / كبرى, ينتج: بعض الربوي مقتات, تنعكس: بعض المقتات ربوي, وهو المطلوب.
الثاني: من موجبتين والصغرى جزئية, ينتج كالذي قبله, ولا يمكن بيانه بعكس الكبرى, وإلا عاد إلى الأول عن جزئيتين, بل بيانه بعكس
стр. 142
الصغرى كما تقدم في الذي قبله.
الضرب الثالث: من موجبتين والكبرى جزئية, بيانه بعكس الكبرى وجعلها صغرى ثم عكس النتيجة, ولا يمكن بيانه بعكس الصغرى وإلا لرجع إلى الأول وكبراه جزئية, والمثال والبيان كما سبق في الضرب الأول.
الضرب [الرابع]: من كليتين والكبرى سالبة, ينتج سالبة جزئية بيانه بعكس الصغرى.
مثاله: كل بر مقتات, وكل بر لا يباع بجنسه متفاضلًا, [بأن نعكس صغراه إلى: بعض المقتات بر, ونضمه إلى الكبرى] لينتج: بعض البر لا يباع بجنسه متفاضلًا, وهو المطلوب.
ولا يمكن بيانه بعكس الكبرى وجعلها صغرى, وإلا عاد إلى الأول وصغراه سالبة.
الضرب الخامس: من موجبة جزئية صغرى, وسالبة كبرى, ينتج سالبة جزئية, بيانه بعكس الصغرى كما تقدم, ولا يمكن بيانه بعكس الكبرى وجعلها صغرى [وإلا كانت صغرى الأول سالبة.
السادس: من موجبة كلية صغرى وسالبة جزئية كبرى, ينتج سالبة جزئية, لا يمكن بيانه بعكس الصغرى] وإلا عاد إلى الأول وكبراه جزئية
стр. 143
ولا بعكس الكبرى وجعلها صغرى؛ لأنها لا تنعكس, وبتقدير انعكاسها تصير صغرى الأول سالبة.
وبينه المصنف بأن عكس الكبرى على حكم الموجب وسماه عكسًا لها على طريق التجوز, وإنما هو عكس لازمها, ولا شك أن لازم اللازم لازم؛ لأن الكبرى الجزئية السالبة البسيطة تستلزم موجبة سالبة المحمول, والموجبة السالبة المحمول تنعكس إلى الموجبة السالبة الموضوع, وينتج صغرى [مع صغرى] الأصل ما ينعكس إلى ما يستلزم المطلوب.
مثاله: كل بر مقتات, وبعض البر لا يباع بجنسه متفاضلًا, ينتج: بعض المقتات لا يباع بجنسه متفاضلًا, ولا شك أن بعض المقتات لا يباع بجنسه متفاضلًا يستلزم: بعض المقتات هو لا يباع بجنسه متفاضلًا [مقتاتًا] وينعكس إلى: ما لا يباع بجنسه متفاضلًا بر, وكل بر مقتات, ينتج: ما لا يباع بجنسه متفاضلًا مقتات, وينعكس إلى: بعض المقتات هو لا يباع بجنسه متفاضلًا, وهو مستلزم: [لبعض] المقتات هو لا يباع بجنسه متفاضلًا, وهو المطلوب.
ويتبين هذا الضرب وسائر الضروب التي قبله بالخلف, بأن نأخذ نقيض
стр. 144
النتيجة ونجعله كبرى لكليته, مثلًا في هذا الضرب: لو لم يصدق: بعض المقتات لا يباع بجنسه متفاضلًا, لصدق: كل مقتات يباع بجنسه متفاضلًا, نجعله كبرى لقولنا: كل بر مقتات, ينتج: كل بر يباع بجنسه متفاضلًا, وقد كانت الكبرى: بعض البر لا يباع بجنسه متفاضلًا, هذا خلف.
قال: (الشكل الرابع: وليس تقديمًا وتأخيرًا للأول؛ لأن هذا نتيجة عكسه.
والجزئية السالبة ساقطة لأنها لا تنعكس, وإن بقيتا وقلبتا, فإن كانت الثانية لم تتلاقيا, وإن كانت الأولى لم تصلح للكبرى, وإذا كانت الصغرى موجبة كلية فالكبرى على الثلاث, وإن كانت سالبة كلية فالكبرى موجبة كلية؛ لأنها إن كانت موجبة جزئية وقلبت وجب جعلها الصغرى وعكس النتيجة, وإن عكست وبقيت لم تصلح للكبرى, وإن كانت سالبة كلية لم تتلاقيا بوجه, وإن كانت موجبة جزئية فالكبرى سالبة كلية؛ لأنها إن كانت موجبة كلية وفعلت الأول لم تصلح الصغرى للكبرى, وإن فعلت الثاني صارت الكبرى جزئية, وإن كانت موجبة جزئية فأبعد, فينتج منه خمسة:
الأول: كل عبادة مفتقرة إلى النية, وكل وضوء عبادة, نتج: بعض المفتقر وضوء, ويتبين بالقلب فيها وعكس النتيجة.
الثاني: مثله, والثانية جزئية.
الثالث: كل عبادة لا تستغني, وكل وضوء عبادة, فنتج: كل
стр. 145
مستغن ليس بوضوء, ويتبين بالقلب وعكس النتيجة.
الرابع: كل مباح مستغن, وكل وضوء ليس بمباح, فنتج: بعض المستغني ليس بوضوء, ويتبين بعكسهما.
الخامس: بعض المباح مستغن, وكل وضوء ليس بمباح, وهو مثله).
أقول: ظن بعض الناس أن الشكل الرابع هو الأول [إلا أنه] قدم كبراه وأخر صغراه, وليس كذلك, [لأن] نتيجة هذا الشكل عكس نتيجة الأول, فلو كان هو الأول لعكست نتيجته لتصير كنتيجة الشكل الأول, إذ الأشكال إنما تتعين باعتبار موضوع النتيجة ومحمولها, ولا يتعين ذلك إلا بتعيين النتيجة, فإذن إنما يكون أول بكون نتيجته نتيجة الأول, وهذا نتيجته عكس نتيجة الأول, ثم الجزئية السالبة لا تستعمل في هذا الشكل؛ لأن هذا الشكل إنما يتبين بالرد إلى الأول, وذلك إما بعكس المقدمتين أو بقلبهما وعكس النتيجة وهي لا تنعكس, ولا تصلح صغرى للأول ولا كبرى له, فتسقط بحسب ذلك سبعة أضرب, فإن كانت صغراه
следующие страницы →