Полный текст (1 541 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الخامس: جزئية موجبة وكلية سالبة: بعض البر مقتات, وكل بر لا يباع بجنسه متفاضلًا, ينتج ويتبين مثله.
السادس: كلية موجبة وجزئية سالبة: كل بر مقتات, وبعض البر لا يباع بجنسه متفاضلًا, ينتج مثله, ويتبين بعكس الكبرى على حكم الموجبة وجعلها صغرى وعكس النتيجة, ويتبين مع جميعه بالخلف, فتأخذ نقيض النتيجة كما تقدم, إلا أنك تجعلها الكبرى).
أقول: الضرب الأول من الشكل الثالث: من موجبتين كليتين, ينتج [موجبة] جزئية, بيانه بعكس الصغرى ليرتد إلى الضرب الثالث من الشكل الأول, ويمكن بيانه بعكس الكبرى وجعلها صغرى وعكس النتيجة.
مثاله: كل بر مقتات, وكل بر ربوي, فينتج: بعض المقتات ربوي بيانه بأن نعكس كل بر مقتات إلى: بعض المقتات بر, وينتج مع كبرى الأصل المطلوب, أو بعكس الكبرى إلى: بعض الربوي [بر] ونجعلها صغرى, والصغرى / كبرى, ينتج: بعض الربوي مقتات, تنعكس: بعض المقتات ربوي, وهو المطلوب.
الثاني: من موجبتين والصغرى جزئية, ينتج كالذي قبله, ولا يمكن بيانه بعكس الكبرى, وإلا عاد إلى الأول عن جزئيتين, بل بيانه بعكس
стр. 142
الصغرى كما تقدم في الذي قبله.
الضرب الثالث: من موجبتين والكبرى جزئية, بيانه بعكس الكبرى وجعلها صغرى ثم عكس النتيجة, ولا يمكن بيانه بعكس الصغرى وإلا لرجع إلى الأول وكبراه جزئية, والمثال والبيان كما سبق في الضرب الأول.
الضرب [الرابع]: من كليتين والكبرى سالبة, ينتج سالبة جزئية بيانه بعكس الصغرى.
مثاله: كل بر مقتات, وكل بر لا يباع بجنسه متفاضلًا, [بأن نعكس صغراه إلى: بعض المقتات بر, ونضمه إلى الكبرى] لينتج: بعض البر لا يباع بجنسه متفاضلًا, وهو المطلوب.
ولا يمكن بيانه بعكس الكبرى وجعلها صغرى, وإلا عاد إلى الأول وصغراه سالبة.
الضرب الخامس: من موجبة جزئية صغرى, وسالبة كبرى, ينتج سالبة جزئية, بيانه بعكس الصغرى كما تقدم, ولا يمكن بيانه بعكس الكبرى وجعلها صغرى [وإلا كانت صغرى الأول سالبة.
السادس: من موجبة كلية صغرى وسالبة جزئية كبرى, ينتج سالبة جزئية, لا يمكن بيانه بعكس الصغرى] وإلا عاد إلى الأول وكبراه جزئية
стр. 143
ولا بعكس الكبرى وجعلها صغرى؛ لأنها لا تنعكس, وبتقدير انعكاسها تصير صغرى الأول سالبة.
وبينه المصنف بأن عكس الكبرى على حكم الموجب وسماه عكسًا لها على طريق التجوز, وإنما هو عكس لازمها, ولا شك أن لازم اللازم لازم؛ لأن الكبرى الجزئية السالبة البسيطة تستلزم موجبة سالبة المحمول, والموجبة السالبة المحمول تنعكس إلى الموجبة السالبة الموضوع, وينتج صغرى [مع صغرى] الأصل ما ينعكس إلى ما يستلزم المطلوب.
مثاله: كل بر مقتات, وبعض البر لا يباع بجنسه متفاضلًا, ينتج: بعض المقتات لا يباع بجنسه متفاضلًا, ولا شك أن بعض المقتات لا يباع بجنسه متفاضلًا يستلزم: بعض المقتات هو لا يباع بجنسه متفاضلًا [مقتاتًا] وينعكس إلى: ما لا يباع بجنسه متفاضلًا بر, وكل بر مقتات, ينتج: ما لا يباع بجنسه متفاضلًا مقتات, وينعكس إلى: بعض المقتات هو لا يباع بجنسه متفاضلًا, وهو مستلزم: [لبعض] المقتات هو لا يباع بجنسه متفاضلًا, وهو المطلوب.
ويتبين هذا الضرب وسائر الضروب التي قبله بالخلف, بأن نأخذ نقيض
стр. 144
النتيجة ونجعله كبرى لكليته, مثلًا في هذا الضرب: لو لم يصدق: بعض المقتات لا يباع بجنسه متفاضلًا, لصدق: كل مقتات يباع بجنسه متفاضلًا, نجعله كبرى لقولنا: كل بر مقتات, ينتج: كل بر يباع بجنسه متفاضلًا, وقد كانت الكبرى: بعض البر لا يباع بجنسه متفاضلًا, هذا خلف.
قال: (الشكل الرابع: وليس تقديمًا وتأخيرًا للأول؛ لأن هذا نتيجة عكسه.
والجزئية السالبة ساقطة لأنها لا تنعكس, وإن بقيتا وقلبتا, فإن كانت الثانية لم تتلاقيا, وإن كانت الأولى لم تصلح للكبرى, وإذا كانت الصغرى موجبة كلية فالكبرى على الثلاث, وإن كانت سالبة كلية فالكبرى موجبة كلية؛ لأنها إن كانت موجبة جزئية وقلبت وجب جعلها الصغرى وعكس النتيجة, وإن عكست وبقيت لم تصلح للكبرى, وإن كانت سالبة كلية لم تتلاقيا بوجه, وإن كانت موجبة جزئية فالكبرى سالبة كلية؛ لأنها إن كانت موجبة كلية وفعلت الأول لم تصلح الصغرى للكبرى, وإن فعلت الثاني صارت الكبرى جزئية, وإن كانت موجبة جزئية فأبعد, فينتج منه خمسة:
الأول: كل عبادة مفتقرة إلى النية, وكل وضوء عبادة, نتج: بعض المفتقر وضوء, ويتبين بالقلب فيها وعكس النتيجة.
الثاني: مثله, والثانية جزئية.
الثالث: كل عبادة لا تستغني, وكل وضوء عبادة, فنتج: كل
стр. 145
مستغن ليس بوضوء, ويتبين بالقلب وعكس النتيجة.
الرابع: كل مباح مستغن, وكل وضوء ليس بمباح, فنتج: بعض المستغني ليس بوضوء, ويتبين بعكسهما.
الخامس: بعض المباح مستغن, وكل وضوء ليس بمباح, وهو مثله).
أقول: ظن بعض الناس أن الشكل الرابع هو الأول [إلا أنه] قدم كبراه وأخر صغراه, وليس كذلك, [لأن] نتيجة هذا الشكل عكس نتيجة الأول, فلو كان هو الأول لعكست نتيجته لتصير كنتيجة الشكل الأول, إذ الأشكال إنما تتعين باعتبار موضوع النتيجة ومحمولها, ولا يتعين ذلك إلا بتعيين النتيجة, فإذن إنما يكون أول بكون نتيجته نتيجة الأول, وهذا نتيجته عكس نتيجة الأول, ثم الجزئية السالبة لا تستعمل في هذا الشكل؛ لأن هذا الشكل إنما يتبين بالرد إلى الأول, وذلك إما بعكس المقدمتين أو بقلبهما وعكس النتيجة وهي لا تنعكس, ولا تصلح صغرى للأول ولا كبرى له, فتسقط بحسب ذلك سبعة أضرب, فإن كانت صغراه
стр. 146
موجبة كلية, أنتج مع الموجبتين ومع السالبة الكلية, وإن كانت الصغرى سالبة كلية, أنتج مع الموجبة الكلية فقط, إذ لو كانت الكبرى موجبة جزئية وقلنا, وجب عكس النتيجة وهي جزئية سالبة لا تنعكس, وإن [عكستا وبقيتا] لم تصلح كبرى الأول لجزئيتها, يعنى ولم تصلح الصغرى أيضًا لأنها سالبة ولا تكون صغرى الأول سالبة, ولو كانت سالبة كلية لم يتلاقيا بوجه, إذ لا قياس عن سالبتين فتسقط ضربان آخران, وإن كانت الصغرى موجبة جزئية, فالكبرى سالبة كلية؛ لأنها إن كانت موجبة كلية وقلبتا, لم تصلح الصغرى كبرى الأول, وإن عكستا صار عن جزئيتين, وإن كانت موجبة جزئية فأبعد, فتسقط اثنان آخران, والبيان بالاختلاف الموجب للعقم أولى لما تقدم.
الضرب الأول: من كليتين موجبتين, ينتج موجبة جزئية.
مثاله: كل عبادة مفتقرة إلى النية, وكل وضوء عبادة, ينتج: بعض المفتقر وضوء, بأن تقلب المقدمتين وتعكس النتيجة, ولا يمكن بيانه بعكسهما وإلا لصار عن جزئيتين وأنتج الجزئي؛ لأن ما يبدل فيه الترتيب لابد فيه من عكس النتيجة, وهي موجبة كلية, وعكسها إيجاب جزئي.
والأولى في البيان أن يقال: هذا الضرب قد يكون الأكبر فيه أخص من الأصغر, ولا يثبت الأخص لجميع أفراد الأعم, وهذا الضرب أخص ضربي الأيجاب, وهو لا ينتج إيجابًا كليًا, فالأعم أولى.
الضرب الثاني: من موجبة كلية صغرى, وموجبة جزئية كبرى, ينتج
стр. 147
موجبة جزئية, بيانه بالقلب كما تقدم.
الثالث: من سالبة كلية صغرى, وموجبة كلية كبرى, نتج: سالبة كلية, بيانه بقلب المقدمتين وعكس النتيجة.
مثاله: كل عبادة لا تستغني عن النية, وكل وضوء عبادة, نتج: كل مستغن ليس بوضوء, بأن نجعل الكبرى صغرى والصغرى كبرى, نتج: كل وضوء ليس بمستغن عن النية, ينعكس: كل مستغن عن النية ليس بوضوء, وهو المطلوب.
ولا يمكن البيان بعكسهما, وإلا رجع إلى الأول وقد فقد شرطاه.
الرابع: من موجبة كلية صغرى, وسالبة كلية كبرى, ينتج: سالبة جزئية, بيانه بعكس المقدمتين, ولما كان عكس الصغرى جزئيًا لم ينتج إلا الجزئي, ولا يمكن بيانه بالقلب, وإلا رجع إلى الأول وقد فقد شرطاه, والأولى أن يبين أيضًا بأن الأكبر قد يكون فيه أخص من الأصغر, والأخص لا ينفى عن جميع أفراد الأعم, وهذا الضرب أخص من الخامس, [ومتى لم ينتج الأخص الكلي, لم ينتجه الأعم].
وأما الضرب الخامس: فإن إنتاجه وبيانه كالذي قبله, ويمكن بيان جميع ضروب هذا الشكل بالخلف, بأن نأخذ نقيض / النتيجة في الضربين الأولين ونجعله كبرى, لينتج نقيض الكبرى الصادقة, والثلاث الأخيرة تأخذ نقيض النتيجة ونجعله صغرى, لينتج نقيضها أيضًا.
стр. 148
قال: (والاستثنائي ضربان: ضرب بالشرط ويسمى المتصل, والشرط مقدمًا, والجزاء تاليًا, والمقدمة الثانية استثنائية.
وشرط إنتاجه: أن يكون الاستثناء بعين المقدم, فلازمه عين التالي أو بنقيض التالي, فلازمه نقيض المقدم.
وهذا حكم كل لازم مع ملزومه, وإلا لم يكن لازمًا, مثل: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان, وأكثر الأول «بأن» , والثاني «بلو».
ويسمى بلو قياس الخلف, وهو إثبات المطلوب بإبطال نقيضه).
أقول: لما فرغ من القياس الاقتراني, شرع الآن في الاستثنائي, وهو قياس مركب من مقدمتين, إحداهما شرطية, والأخرى [استثنائية] , وضع أحد طرفي الشرطية ليلزم الآخر, أو رفعه ليرتفع الآخر أو يثبت, فإن كانت الشرطية من حمليتين فالموضوعة أو المرفوعة حملية, وإن كانت من شرطيتين فالموضوعة أو المرفوعة شرطية؛ وهو على ضربين؛ لأن الشرطية فيه إما متصلة, وهي التي حكم فيها بلزوم شيء على تقدير شيء آخر, وإما منفصلة, وهي التي حكم فيها بالتنافي بين قضيتين.
والشرطية بحكم وضع اللغة هي الأولى, وإنما سمى المنطقيون المنفصلة شرطية, لمشاركتها الأولى في التركيب من قضيتين.
القسم الأول: ما كان بالشرط؛ ويسمى الاستثنائي المتصل, وما دخل عليه حرف الشرط يسمى المقدم لتقدمه, والجزء الثاني الذي دخل عليه
стр. 149
حرف الجزاء يسمى التالي لتأخره, والمقدمة الثانية استثنائية لاشتمالها على حرف الاستثناء الذي هو لكن, وهذه التسمية لا يختص بها حين كونها جزء القياس المتصل؛ لأنها تسمى كذلك في المنفصل.
وشرط إنتاج المتصل أن يكون الاستثناء بعين المقدم ليلزم عين التالي, أو بنقيض التالي ليلزم نقيض المقدم, [لأنه يلزم] من ثبوت الملزوم ثبوت اللازم وإلا لم يكن ملزومًا, ومن رفع اللازم رفع الملزوم وإلا لم يكن لازمًا, ولا يلزم من ثبوت اللازم ثبوت الملزوم لجواز كون اللازم أعم, ولا يلزم من وجود العام وجود الخاص, ولا يلزم من رفع الملزوم رفع اللازم, إذ لا يلزم من رفع الخاص رفع العام, فإن كان اللازم مساويًا لزم من وضع أيهما كان وضع الآخر, ومن رفعه رفع الآخر, لكن ذلك للزوم المقدم أيضًا للتالي فهو اتصال آخر.
وقوله: (وهذا حكم كل لازم مع ملزومه) يعنى من حيث هو لازم وملزوم, إذ اللازم يجب صدقه على تقدير صدق ملزومه, فيكون متضمنًا للشروط الثلاثة التي هي إيجاب المتصلة, وكونها لزومية, وكون الملازمة كلية, أو كلية الاستثناء إن كانت جزئية, وإلا لما حصل إنتاج لجواز أن يكون حال الاتصال غير حال الاستثناء. وأكثر استعمال ما يستثنى فيه عين المقدم «بأن» , فإنها وضعت لتعلق الوجود بالوجود, واستعمال ما يستثنى فيه نقيض التالي, فهي وضعت لتعلق العدم بالعدم.
قال: (ويسمى «بلو» قياس الخلف» يعنى يسمى المتصل الذي استثني
стр. 150
فيه نقيض التالي قياس الخلف, هذا يحتمل أنه يريد بقياس الخلف برهان الخلف الذي تقدم له, كما لو قال: لو ثبت نقيض النتيجة لثبت منضمًا إلى مقدمة من مقدمتي القياس ولزم المحال, أو يكون اختار من مذهب الكاتبي في أن قياس الخلف قياس بسيط استثنائي مركب من متصلة مقدمها نقيض المطلوب وتاليها أمر محال, ومن استثناء نقيض التالي ليلزم / نقيض المقدم.
وهو عند الجمهور مركب من قياسين, أحدهما اقتراني, والآخر استثنائي.
فالاقتراني: مركب من متصلة مقدمها فرض المطلوب غير صادق, وتاليها وضع نقيضه صادقًا, ومن حملية صادقة في نفس الأمر مشاركة للتالي. والاستثنائي: من نتيجة التأليف, أعني نتيجة القياس الشرطي الاقتراني ومن حملية هي رفع التالي.
مثاله: إذا كان المطلوب: ليس كل (ج) (ب) , فلو لم يصدق: ليس كل (ج) (ب) , صدق: كل (ج) (ب) , وكل (ب) (أ) صادق في نفس الأمر, نضمه إليه فينتج: لو لم يصدق ليس كل (ج) (ب) , صدق: كل (ج) (أ) , لكن لا يصدق: كل (ج) (أ) على أنه قول محال, ينتج: ليس يصدق ليس كل (ج) (ب) , فيصدق: ليس كل (ج) (ب) , إذ سلب السلب إيجاب وهو المطلوب.
стр. 151
فقد قام الدليل على إثبات المطلوب بواسطة إبطال النقيض.
قال: (وضرب بغير شرط ويسمى المنفصل, ويلزمه تعدد اللازم مع التنافي.
فإن تنافيا إثباتًا ونفيًا, لزم من إثبات كل نقيض الآخر, ومن نقيضه عينه, فيجئ أربعة, مثاله: العدد إما زوج أو فرد, لكنه ... إلى آخرها.
وإن تنافيا إثباتًا لا نفيًا, لزم الأولان, مثاله: الجسم إما جماد أو حيوان.
وإن تنافيا نفيًا لا إثباتًا, لزم الآخران, مثاله: الخنثى إما لا رجل أو إما لا امرأة).
أقول: لما فرغ من المتصل, شرع في المنفصل, وهو ما كان بغير شرط ويسمى استثنائيًا منفصلًا, والأولى تسمى منفصلة, ويلزم هذا القسم تعدد اللازم, أي تعدد أجزاء المنفصلة مع التنافي بين تلك الأجزاء, وتسمى الأجزاء لوازم؛ لأنها على صور النتائج, أو يكون المراد يلزمه تعدد النتائج مع التنافي بينها, إذ لا يجتمع بعض النتائج مع بعض, وذلك أن أجزاء المنفصلة إن تنافيا في الإثبات والنفي, يلزم أربع نتائج؛ لأنهما لما تنافيا في الإثبات لزم من وضع أحدهما وضع الآخر, ولما تنافيا نفيًا لزم من رفع أحدهما رفع الآخر؛ لأنها مركبة من الشيء ونقيضه, والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان, وهذه المنفصلة تسمى الحقيقية, وإلى النتائج الأربع أشار المصنف بقوله: (لكنه ... إلى آخرها).
стр. 152
وإن تنافا جزءآها إثباتًا فقط, لزم من وضع أحدهما رفع الآخر لامتناع اجتماعهما, ولا يلزم من رفع أحدهما وضع الآخر لجواز رفعهما؛ لأنها مركبة من الشيء والأخص من نقيضه, ولو اجتمع الشيء والأخص من نقيضه لاجتمع الشيء ونقيضه, ويجوز رفعهما إذ لا يلزم من رفع الأخص رفع الأعم, وإلى هذا أشار بقوله: (لزم الأولان) , أي يلزم من إثبات كل واحد نقيض الآخر, فإنه يلزم من إثبات الحيوان انتفاء الجماد, ومن إثبات الجماد انتفاء الحيوان, وقد انتفيا عن النبات, وتسمى مانعة جمع.
وإن تنافيا نفيًا لا إثباتًا لزم الآخران, أي يلزم من نقيض كل واحد عين الآخر, ولا يلزم من عين أحدهما نقيض الآخر لجواز اجتماعهما, لأنها لما تركبت من الشيء والأعم من نقيضه, لم يجز رفعهما؛ لأنه متى ارتفع الأعم ارتفع الأخص, فلو ارتفعا ارتفع النقيضان, ويجوز اجتماعهما, إذ لا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص.
مثاله: المثنى إما لا رجل وإما لا امرأة, لكنه رجل فليس بامرأة, لكنه امرأة فليس برجل, ولو استثنيت عين أحدهما لم يلزم نقيض الآخر لاجتماعهما في الحجر, وتسمى مانعة الخلو, ويشترط في المنفصلة أن تكون موجبة كلية عنادية, أو كلية الاستثناء إن كانت جزئية, وهذا إذا استثنى عين المقدم, وإلا لم ينتج الجزئية سوى الكلية الموجبة / دائمًا, والإهمال بالاقتصار على إما, والجزئية سوى الكلية الموجبة / دائمًا, والإهمال بالاقتصار على إما, والجزئية قد تكون إما أن يكون العدد زوجًا وإما أن يكون فردًا, والمصنف وسط حرف الانفصال, والاصطلاح تقديمه.
стр. 153
قال: (وي رد الاستثنائي إلى الاقتراني , بأن يجعل الملزوم وسطًا, والاقتراني إلى المنفصل بذكر منافيه معه).
أقول: أما رد المتصل فبأن يجعل الملزوم وسطًا, مثاله: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان, بأن نقول: هذا إنسان, وكل إنسان حيوان, وكذا إذا استثنى نقيض التالي, مثاله: لو كان هذا فرسًا لكان غير ناطق, فنقول: هذا ناطق, وكل ناطق ليس بفرس, فالاستثنائية أبدًا صغرى, والحملية التي هي تالي الشرطية كبرى, ورد المنفصل إلى الاقتراني بأن ننفي الموضوع ونجعل أحد الجزئين وسطًا ونقيضه أكبر, مثاله: العدد إما زوج وإما فرد, لكنه زوج فليس بفرد, بأن نقول: هذا العدد زوج, وكل زوج ليس بفرد, فهذا العدد ليس بفرد, وكذا البواقي.
وينبغي حمل الملزوم في كلام المصنف على ملزوم النتيجة ليتناول سائر الأقسام, ونعني المحكوم به في الاستثنائية, أو نفس الاستثنائية لكونها ملزومة للنتيجة كما قال في المنتهى.
يرد بأن تجعل الاستثنائية صغرى والأولى كبرى, ويجوز في جعلها وسطًا حيث جعل بعضها كذلك, أو يكون المصنف أراد القسم الأول وهو ما استثني فيه عين المقدم, يدل عليه قوله: (والأولى كبرى) , وإنما ذلك في ما استثني فيه عين المقدم, على أنه ليس الأولى كبرى بل تاليها فقط.
واعلم أن هذا إذا كانت الشرطية تشارك مقدمها وتاليها في الموضوع, وإلا فلا, كما لو قلنا: إما أن تكون الشمس طالعة أو يكون الليل موجودًا.
стр. 154
ويرد الاقتراني إلى المنفصل بأن يذكر منافي الوسط معه, مثاله: الاثنان زوج, وكل زوج ليس بفرد, فمنافي الزوج الذي هو الوسط إنما هو الفرد, فنقول: الإنسان إما زوج أو فرد, لكنه زوج, فليس بفرد.
ويرد إلى المتصل بجعل الوسط ملزومًا, وهو بين.
قال: (و الخطأ في البرهان لمادته وصورته.
فالأول: يكون في اللفظ للاشتراك, أو في حروف العطف, نحو: الخمسة زوج وفرد, ونحو: حلو حامض, وعكسه: طبيب ماهر.
ولاستعمال المتباينة كالمترادفة, كالسيف والصارم.
ويكون في المعنى لالتباسها بالصادقة كالحكم على الجنس بحكم النوع وجميع ما ذكر في النقيضين.
وكجعل غير القطعي كالقطعي.
وكجعل العرضي كالذاتي.
وكجعل النتيجة مقدمة بتغير ما, ويسمى المصادرة.
ومنه المتضايفة, وكل قياس دوري.
والثاني أن يخرج عن الأشكال).
أقول: لما فرغ من مادة البرهان وصورته, ذكر الآن الخلل الواقع فيه, وهو إما في مادته أو صورته, والأول يكون لفظيًا, ويكون معنويًا.
فاللفظي: إما أن يكون في المفردات, أو في التركيب, والذي في المفرد قد يكون في جوهر اللفظ, وقد يكون في تصاريفه.
стр. 155
الأول: بسبب اشتباه دلالته, إما لاشتراك في أحد جزئي القول, كقولنا: هذا عين, وكل عين ربوي, ومنه استعمال اللفظ الذي له حقيقة ومجاز.
والثاني: كالمختار مشترك بين الفاعل والمفعول بحسب الصيغة لا بحسب الجوهرية.
وأما الذي بحسب التركيب, فقد يكون بسبب حرف العطف, وقد لا [يكون].
فالأول: الخمسة زوج وفرد, وكل ما هو زوج وفرد فهو زوج, ينتج: الخمسة زوج, فإن أريد أن الخمسة تحصل منهما فالصغرى صادقة / ولا يلزم من تركيب شيء من شيئين صدق كل واحد منهما عليه, لأن ذلك إنما يكون في الأجزاء المحمولة, وإن أريد أن الخمسة يصدق عليها كل منهما كذبت الصغرى, وكذا بغير حرف العطف, كقولنا في المر: إنه حلو حامض, وهذان من ظن التركيب الموجود معدومًا, وعكسه وهو ظن التركيب المعدوم موجودًا, كما إذا كان زيد طبيبًا وماهرًا في الشعر؛ فإنه يصدق أنه طبيب وماهر حالة الإفراد, ولا يصدق في حالة التركيب لإيهامه أنه ماهر في الطب, وهو غلط من تركيب المفصل, والذي قبله غلط من تفصيل المركب.
وقد يحصل الغلط باستعمال المباين مكان المرادف, كالسيف والصارم فيوهم اتحاد الوسط, فإن السيف اسم للذات, والصارم اسم له باعتبار
стр. 156
القطع, وهذا من الأول, ولذلك أعاد المصنف الجار, ولو أتى به عقب قوله: للاشتراك, لكان أولى.
وأما المعنوي: فيكون لالتباس المادة [الصادقة بالصادقة] أيضًا.
فقوله: (لالتباسها بالدقة) راجع إلى اللفظي والمعنوي كما هو في المنتهى, كالحكم على الجنس بما يحكم به على النوع, كما يقال: الفرس حيوان, والحيوان ناطق, وهذا من سوء اعتبار الحمل, ويسمى أيضًا إيهام العكس, ومن هذا القبيل الغلط في جميع ما ذكر في النقيضين, مثل أخذ ما بالقوة مكان ما بالفعل, وكأخذ الجزء مكان الكل فيهما, وكأخذ المطلق مكان المقيد وبالعكس, وكذا جميع ما اشترط في النقيضين, فإنه إن لم يراع التبست الكاذبة بالصادقة.
ومنه جعل ما ليس بقطعي من الحدسي, والاعتقادي, والتجريبي [الناقص] , والظن, والوهم مكان القطعي.
ومنه جعل العرضي كالذاتي, مثل: السقمونيا مبرد, وكل مبرد بارد, فإن السمونيا مبرد لا بالذات, بل لأن السقمونيا تسهل الصفراء, وانتفائها عن البدن يوجب برده, وإنما البارد هو المبرد بالذات, وهذا غير
стр. 157
الذاتي والعرضي بالتفسير المتقدم, أو بجعل الماشي جنسًا للإنسان مكان الحيوان, فيكون موافقًا لما تقدم.
ومنه جعل النتيجة مقدمة بتغير في اللفظ, ويسمى هذا النوع مصادرة على المطلوب, مثل: كل إنسان بشر, وكل بشر ناطق, فإن النتيجة عين الكبرى.
ومن جعل النتيجة مقدمة بتغيير في اللفظ المتضايفة, مثل: هذا ابن, وكل ابن ذي أب, ينتج: هذا ذو أب, وهي عين الصغرى.
ومن جعل النتيجة مقدمة بتغيير ما القياس الدوري , وهو ما يتوقف ثبوت إحدى مقدمتيه على النتيجة, أي تثبت إحدى مقدمتيه بقياس مركب من نتيجة القياس الأول وعكس الآخر كليًا, مثل: كل إنسان حيوان, وكل حيوان حساس, تُضم نتيجته إلى: كل حساس حيوان, لينتج صغرى الأول, وهو لا يتمشى إلا في الحدود المتعاكسة.
стр. 158
قيل عليه: المصادرة لا ترجع إلى خلل المادة, بل إلى الصورة.
وقيل: ليس الخلل من جهة مادته لأنها صحيحة, ولا من جهة صورته لأنها على نظم الشكل الأول, بل لكون اللازم ليس قولًا آخر, ويجب كونه [قولًا آخر].
وأيضًا: ليس كل ما استعمل فيه أحد المتضايفين يكون مصادرة, إلا إذا كان سببًا لإنتاج إحدى المقدمتين كمثال المذكور.
القسم الثاني: خطأ الصورة, بأن لا يكون على تأليف الأشكال المذكورة, ونعني بالفعل أو بالقوة, وإلا لكان الاستثنائي فاسدًا.
أو بفقد شرط من شروط الإنتاج.
стр. 159
قال: (مبادئ اللغة , ومن لطف الله تعالى / إحداث الموضوعات اللغوية).
أقول: إضافة المبادئ إلى اللغة من إضافة الشيء إلى جنسه, فهي بمعنى [خاتم من فضة] , ولما فرغ مما تمس الحاجة إليه من القواعد المنطقية, التي هي من تتمة مبادئ هذا الكتاب, شرع الآن فيما تستمد منه أصول الفقه من المباحث اللغوية, ولما كان المستمد منه على ما تقدم من المبادئ لهذا العلم, قال: (مبادئ اللغة).
ولم يظهر لتغير عبارته وجه حيث قال أولًا: (من الكلام والعربية والأحكام) , وقال الآن: (مبادئ اللغة) , ولم يقل: مبادئ العربية, ولم يذكر المصنف شيئًا من مباحث المبادئ الكلامية؛ لأن المبادئ الكلامية على ما سبق: معرفة الباري, وصدق المبلغ, ودلالة المعجزة على صدقه, وقد جرت عادة العلماء أن يبحثوا عن ذلك في تصانيف علم الكلام خوفا من الانتشار وخلط العلوم.
والمبحوث عنه في المبادئ اللغوية هنا, ولما لم يكن مبحوثًا عنه في تصانيف علوم العربية, لم يمكنه أن يحيل الكلام فيه على فن آخر, بخلاف مبادئ الكلام, ولذلك أيضًا ذكر مبادئ الأحكام, وقدم المصنف مقدمة على المباحث اللغوية.
واعلم أن الإنسان لما كان شريفًا لكونه خلق الله تعالى, كما قال ﵇ حاكيًا عن الله تعالى: «كنت كنزًا مخفيًا, فأحببت أن أعرف,
стр. 160
فخلفت خلقًا لأعرف به» ولا يتم ذلك للخلق بدون الاطلاع على المقدمات النظرية, والخلق متفاوتون في مقتضى أفكارهم, فمست الحاجة إلى إعلام بعضهم بما في ضمير بعض, لتكمل المعارف بتشارك الأفكار, وأيضًا للإنسان قوة حسية ترتسم فيها صور الأشياء الخارجية وتتأدى عنها إلى النفس فترتسم ارتسامًا ثانيًا في النفس, وقد ترتسم في النفس لا من جهة الحس, فللأشياء وجود في الخارج ووجود في النفس, وكما أن الحاجة ماسة إلى التحصيل في العقل لما ليس بحاصل فيه, مست إلى إبراز ما حصل في النفس لمن لم يحصل عنده, إذ الإنسان لا يستقل بأمر نفسه في تحصيل معارفه وتسهيل معايشه, بل يحتاج إلى معاون, ولا يتيسر ذلك له إلا بإبراز ما في ضميره, ولما لم يكن ما يتوصل به إلى ذلك أخف من أن يكون فعلًا, ولم يكن أخف من أن يكون صوتًا لعدم ثباته وازدحامه, ولأنه كيفية للنفس الضروري فخفت المؤونة وعمت الفائدة, لتناوله الموجود والمعدوم والمحسوس والمعقول, ولأنه مقدر بقدر الحاجة وينقضي عند انقضائها, إذ لو بقي بعد الحاجة ربما اطلع عليه من لا يريد اطلاعه عليه, قاده الإلهام الإلهي إلى استعمال الصوت وتقطيع الحروف بالآلة المعدة له, ليدل غيره على ما عنده من المدركات بحسب تركيباتها على وجوه شتى موضوعة لها, فالعبارة دالة على الصور الذهنية وهي على الأمور الخارجية, لكن الأولى لما كانت وضعية اختلف الدال بحسب الواضعين دون المدلول, [ولما كانت الثانية طبيعية, لم
стр. 161
يختلف الدال ولا المدلول] وأيضًا [وضع] الذهن لأن اللفظ دائر معه أما في المفردات فلأن من رأى شبحًا فظنه إنسانًا يسميه إنسانًا, ثم إذا تبين له أنه حجر سماه حجرًا, فقد دار الاسم مع الذهن وجودًا وعدمًا, فالواضع له إذ لو كان الواضع للخارجي ما تبدل بتبدل الظن, وكان يلزم تغير الأمر الخارجي.
وأما المركب فلأنه لو دل زيد قائم على الخارجي, كان كل حكم صدقًا / بل على الذهني, فإن طابق الخارجي فصدق, وإلا فكذب, ولقوة العلاقة بين اللفظ والمعنى, قلما ينفك تعقل الشيء عن تخيل اللفظ, وكأن المفكر يناجي نفسه بألفاظ متخيلة, وسبب القوة كثرة الاحتياج وتوقف الاستفادة عليه.
قيل: قوله (ومن لطف الله) إشارة إلى أن اللغة عنده توقيفية.
стр. 162
قلت: وفيه نظر؛ إذ التوقيف والإقدار في كونه لطفًا سواء.
قال: (فلنتكلم على حدها, وأقسامها, وابتداء وضعها, وطريق معرفتها.
الحد: كل لفظ وضع لمعنى.
أقسامها: مفرد, ومركب).
أقول: أمر المتكلم نفسه قليل, ومنه قوله تعالى: ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ وحصر المصنف النظر في الموضوعات اللغوية في أربعة أقسام:
الأول: الحد, إذ هو طريق معرفة الماهية.
الثاني: أقسامها, من كونها مفردة ومركبة.
الثالث: في ابتداء الوضع, أهي توقيفية أو اصطلاحية, ليتفرع على ذلك التغير والنقل.
الرابع: طريق معرفتها أهو النقل, أو العقل, أو المركب منهما.
أما الحد: فكل لفظ وضع لمعنى.
(كل) لا تدخل في الحد؛ لأنه للماهية من حيث هي, ولا يدخل فيها عموم؛ ولأنه يجب صدقه على كل فرد, ولا يصدق بصفة العموم, فذكرها إما للإشعار بأنه لا يختص بقوم دون قوم, أو لأنه يحد الموضوعات
стр. 163
بصفة العموم, فوجب اعتبارها فيه, فيكون للكل المجموعي؛ لأن الموضوعات مجموع الألفاظ لا كل واحد.
فلفظ ومعنى, مصدران يدل كل منهما على القليل الكثير.
فكأنه قال: مجموع ألفاظ وضعت لمعانٍ.
قيل: إن أريد كل واحد لم يتناول المركب, ويلزم أن يكون العارف بكلمة لغويًا, وإن أريد الكل المجموعي لزم أن لا يوجد لغوي أصلًا.
وفيه نظر؛ لأن المعنى ما صدق عليه أنه لفظ موضوع, [والمركب صدق عليه أنه لفظ موضوع] لمعنى, ضرورة أن أجزاءه وضعت لأجزاء المعنى, أو نختار الثاني, ويكون اللغوي المستعد للعلم بالجميع.
والوضع: اختصاص شيء بشيء, بحيث إذا أطلق الأول فهم الثاني من علم الاختصاص.
وبقوله: (وضع لمعنى) خرج المهمل, وهذا يشمل ما مدلوله لفظ كالاسم والفعل والحرف؛ لأنه معنى أيضًا, إذ المعنى هو المقصود بشيء, وهو أعم من كل منهما, وظهر أن مذهبه أن المركبات موضوعة أيضًا, إذ المعنى بالوضعي ما للوضع فيه مدخل وأجزاء اللفظ موضوعة لأجزاء المعنى,
стр. 164
وليس المراد بالوضعي ما وضع اللفظ له, وإلا لم يكن الدال بالتضمن والالتزام وضعيًا.
قيل: أن أريد أن المركب وضع وضعًا شخصيًا, لم تنحصر الوضعية في الدلالات الثلاث لعدم وضع المركب بالشخص؛ لأن المشخصات لا تدخل في الوضع المذكور, وإن أريد الوضع النوعي, يلزم انحصار الموضوع في الدال بالمطابقة؛ لأن المدلول التضمني والالتزامي مجازي, واللفظ موضوع بإزاء المعنى المجازي وضعًا نوعيًا.
قلت: نمنع الوضع للمجاز, وإنما استعمل اللفظ في المدلول فقط, ولا يلزم من كون دلالة اللفظ عليه بسبب الوضع أن يكون اللفظ موضوعًا له, ودلالة المركب لا تخرج عن الدلالات الثلاث؛ لأن دلالة المركب إما على مدلول مفرديه, أو على مدلول أحد مفرديه, أو على لازم مجموعهما, لا يكون مدلول واحد منهما, والأول إما أن يدل على مدلول مفرديه, أو على مدلول واحد لمفرديه, والأول من هذين ينحصر في ستة أقسام, لأن دلالتي المفردين على مدلوليهما إما بالمطابقة, أو بالتضمن, أو بالالتزام, أو دلالة أحدهما بالمطابقة, والآخر بالتضمن, أو دلالة أحدهما مطابقة /
стр. 165
والآخر التزام, أو دلالة أحدهما بالتضمن والآخر بالالتزام, والأول مطابقي.
والثاني والرابع تضمني؛ لأن مجموع الجزء وجزء الجزء جزء.
والثالث والخامس والسادس التزامي؛ لأن مجموع الجزء والخارج خارج. والثاني منهما ينحصر في خمسة أقسام؛ لأن ذلك المدلول الذي دل عليه المركب, إن كان خارجًا عن كل واحد منهما فدلالته عليه التزام إلا فتضمن وهو أربعة أقسام: تضمن لهما, ومطابقي لأحدهما وتضمني للآخر, ومطابقي لأحدهما والتزامي للآخر, وتضمني لأحدهما والتزامي للآخر.
والثاني ينحصر في ثلاثة أقسام: قسمان تضمن, وقسم التزام, فإن كانت دلالة المفرد بالمطابقة فتضمن, وإن كانت بالتضمن فتضمن, وإن كانت بالالتزام فالتزام, والثالث لا يكون إلا التزامًا؛ لأن مدلوله المطابقي هو من مدلولات مفرداته المطابقية, ومدلوله التضمني إنما هو جزء من مدلولات مفرداته, فالأقسام تنحصر في خمسة عشر, لا تخلو كلها عن الدلالات الثلاث, وعليك استخراج الأمثلة.
قيل: لم يوضع عين اللفظ لعين المعنى في المركب, ولم توضع أجزاؤه لأجزاء المعنى؛ لأن منها الجزء الصوري وليس موضوعًا لمعنى, وإلا لتوقف كل تركيب على معرفة وضعه, فلا يكون المركب موضوعًا.
وجوابه: أن الأجزاء المادية موضوعة للأجزاء المادية, والجزء الصوري موضوع للجزء الصوري؛ لأن المعنى أيضًا مركب من مادة وصورة, غير أنها ليست موضوعة بالشخص لكنها موضوعة بالنوع, ولذلك تختلف
стр. 166
هيئات التراكيب بحسب اللغات.
أو نقول: الهيئة التركيبية ليست جزءًا لفظيًا.
قال: (المفرد: اللفظ بكلمة واحدة.
وقيل: ما وضع لمعنى ولا جزء له يدل فيه.
والمركب بخلافه فيهما, فنحو بعلبك, مركب على الأول لا على الثاني, ونحو يضرب بالعكس.
ويلزمهم أن نحو: ضارب, ومخرج, مما لا ينحصر مركب).
أقول: رسم النحاة المفرد بأنه اللفظ بكلمة واحدة, والألف واللام للعهد, فكأنه قال: المفرد لفظ وضع لمعنى بشرط كونه كلمة واحدة.
اللفظ بمعنى الملفوظ, أي الذي لفظ بكلمة واحدة, لا بمعنى التلفظ, فإن المفرد نفس الكلمة لا التلفظ بها.
وما قيل: إن الكلمة ترادف المفرد فلا يعرف بها ويلزم أيضًا التكرار إذ الكلمة هي اللفظ الموضوع لمعنى, ساقط, إذ الكلمة تتناول المفرد والمركب الناقص, ولا تكرار لأن اللفظ الموضوع لمعنى أعم من الكلمة وغيرها, فقيده ليخرج الكلام, فـ (اللفظ) جنس, وقوله: بـ (كلمة) ليخرج الكلام, وقوله: (واحدة) ليخرج المركب الناقص, وحيوان ناطق علمًا, إذ المراد ما لا يشتمل على لفظين موضوعين.
لا يقال: الكلمة النحوية يؤخذ في حدها المفرد, فلا تؤخذ في حده, لأن المأخوذ في حدها اللغوي, والمحدود بها الاصطلاحي.
لا يقال: الحد غير منعكس, لخروج أسماء الحروف وهي مفردة.
стр. 167
لأنا نقول: حروف زيد ليست [موضوعة] لشيء, بل هي مسميات الزاي والياء والدال, وهذه الأسماء داخلة تحت الحد.
ورسمه المنطقيون بأنه: ما وضع لمعنى ولا جزء له يدل فيه, أي حين هو داخل فيه, فيتناول ما لا جزء له مثل (ب) الجر, وما له جزء لكن لا يدل على معنى مثل زيد, وما له جزء يدل على معنى لكن لا يدل حين هو داخل فيه مثل عبد الله علمًا, ولا يرد حيوان ناطق؛ لأنه لا يدل حين هو جزء لفظ العلم وإن كان جزؤه يدل على جزء معناه في الوضع الأول, ويجب أن يفسر ما بلفظ, وإلا اختل طرده بالإشارة وعقد الحساب, وعود ضمير المجرور على ما ذكرناه أولى من عوده على المعنى وعلى الوضع.
قيل: لا ينعكس لخروج الفعل / فإنه يدل على الحدث بمادته, وعلى الزمان بصيغته.
رد: بأن المراد بالجزء ما له ترتب في المسموع, ولم يتميز ها هنا لسماعهما معًا, فلم يكن مركبًا, والمركب بخلاف المفرد في التعريفين, فنحو: بعلبك مركب على التعريف [الأول] وإن كان كلمة نحوية؛ لأنه مركب نظرًا إلى الوضع الأول, وإن كان مفردًا نظرًا إلى الوضع الثاني, لأن العلمية لا تخرج الكلمتين إلا عن الدلالة.
قلت: ويلزم أن يكون إنسان مركبًا على الأول بعين ما ذكروه, ونحو
стр. 168
يضرب مفرد على الأول؛ لأنه لفظ بكلمة واحدة, مركب على الثاني؛ لدلالة الياء على المذكر الغائب, والباقي على المصدر, وذكر غير الغائب أولًا؛ لأن يضرب عندهم مفرد, وتضرب عندكم مركب, لاحتماله الصدق والكذب, وإنما ألزموا الغائب لما قالوا: إن المتكلم والمخاطب مركب وفرقوا بأن الغائب معناه أن شيئًا معينًا في نفسه وعند القائل, مجهولًا عند السامع ووجد منه الضرب, فلا يتمكن السامع من التصديق والتكذيب, لكن لا فرق بينهما من حيث أن جزء كل واحد دل على جزء معناه, وأيضًا احتمال الصدق والكذب إنما هو في نفس الأمر لا إلى السامع, وإلا لم يحتمل جاء واحد صدقًا ولا كذبًا وهو باطل.
ولما فهم من التعريف أن المركب ما له جزء يدل على جزء معناه, أعم من أن يدل عن الانفراد أو عند الاجتماع, وإن كان ما بعد الحرف لا يدل عند الانفراد أورد أسماء الفاعلين, لكونهما مركبة من المصدر والصيغة.
قيل: لا يلزمهم؛ لأن المراد بالجزء ما له ترتب في المسموع, والحد لا يشعر بذلك, وجماعة من المنطقيين جعلوا المقسم إلى المفرد والمركب الدال مطابقة, وعلل بأن الدلالة الالتزامية مهجورة في العلوم, واللفظ الواحد قد يكون بالنسبة إلى التضمن مفردًا ومركبًا معًا, كالحيوان الماشي, فإن المجموع يدل على الحيوان بالتضمن, ولا تدل أجزاؤه على أجزاء المعنى بالمطابقة أو التضمن المعتبرين, فيكون مفردًا, ويدل على الجسم الماشي بالتضمن مع دلالة الأجزاء فيكون مركبًا.
стр. 169
وقال: (معًا) لأن الدال بالمطابقة قد يكون مفردًا ومركبًا لكن في حالين, كعبد الله علمًا وغير علم.
وفيه نظر؛ لأن دلالة الالتزام ليست مهجورة مطلقًا لاعتبارها في الحد الناقص والرسم, وثانيًا: لا محذور في اللازم؛ لأن المفهوم التضمني فيه تعدد فيجوز أن يكون اللفظ بالنسبة إلى أحد المفهومين مفردًا وإلى الآخر مركبًا.
قال: (وينقسم المفرد إلى: اسم, وفعل, وحرف).
أقول: هذا تقسيم آخر للمفرد, ووجه الحصر أن اللفظ المفرد إن لم يستقل بالمفهومية فهو حرف, وإن استقل بالمفهومية, فإن دل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة فهو الفعل, وإلا فهو الاسم, وقد علم بذلك حدودها, للإحاطة بالمشترك, وبما به امتياز كل واحد وهو الفصل.
قال: (ودلالته اللفظية في كمال معناها دلالة مطابقة, وفي جزئه دلالة تضمن, وغير اللفظية التزام, وقيل: إذا كان ذهنيًا).
أقول: الدلالة: كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.
وذلك الشيء إن كان لفظًا فالدلالة لفظية, وإلا فغير لفظية, كدلالة الخطوط, وعقد الحساب, والإشارات, والنصب, ودلالة الأثر على المؤثر. واللفظية منحصرة في ثلاثة بحكم الاستقراء, وهو كاف في مباحث الألفاظ.
وضعية: كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق.
وطبيعة: كدلالة أح على وجع الصدر.
وعقلية: كدلالة اللفظ المسموع على وجود اللافظ /.
стр. 170
والعقلية والطبيعية غير منضبطتين, لاختلافهما باختلاف الأفهام والطباع فاختص النظر بالوضعية وهي: كون اللفظ بحيث إذا أورده الحس على النفس التفتت إلى معناه للعلم بالوضع.
ثم الوضعية: إما مطابقة, أو تضمن, أو التزام؛ لأن ما يدل عليه اللفظ بطريق الوضع, إما تمام المعنى الموضوع له, أو جزؤه, أو خارج عنه.
والأول: مطابقة؛ لتطابق اللفظ والمعنى.
والثاني: تضمن؛ لأنه في ضمن المعنى الموضوع له.
والثالث: التزام؛ لأنه خارج عن المعنى الموضوع له ولازم له.
وقيد في الثلاثة بقولنا: من حيث هو كذلك؛ لأن اللفظ يكون مشتركًا بين الكل والجزء, كالإمكان المشترك بين مفهومه العام والخاص, ويكون مشتركًا بين الملزوم واللازم, كالشمس للجرم والنور, فلم يقيد حد دلالة المطابقة لانتقض بدلالة التضمن والالتزام؛ لأنه إذا أطلق الإمكان وأريد مفهومه الخاص, دل على الإمكان العام تضمنًا, مع أنه يصدق أنه دلالة اللفظ على تمام مسماه, وعند التقييد لا انتقاض؛ لأنها ليست من حيث إنه وضع له, وإذا أطلق لفظ الشمس وأريد الجرم, دل على النور التزامًا, مع أنه تمام ما وضع له, ولا انتقاض عند التقييد؛ لأن تلك الدلالة ليست من حيث هو موضوع له, بل من حيث هو لازم, وكذا لو لم يقيد في الدلالتين لانتفضتا بالمطابقة؛ لأن لفظ الإمكان إذا أريد منه الإمكان العام, دل مطابقة مع أنه جزء ما وضع له, ولا نقض عند التقييد؛ لأنها ليست من حيث هو جزؤه, وكذلك إذا أريد من لفظ الشمس الضوء الدلالة مطابقية وهو لازم
стр. 171
ما وضع له, لكن ليست من حيث هو لازم.
قيل: لا ينفع التقييد على هذا الوجه؛ لأن اللفظ المشترك عند إرادة المعنى الكلي أو الملزوم يدل على الجزء واللازم مطابقة, غايته أنه يدل عليه دلالتين من جهتين, فيصدق عليه الحد.
قلت: صدق الحد عليه باعتبارين لا يضر؛ لأن دلالته عليه مطابقة من حيث هو تمام أيضًا, ودلالته عليه تضمن لا من حيث هو تمام, والضمير في ودلالته يعود على المفرد, وفي كمال معناه مستدرك؛ لأنه احتراز عن جزء المعنى وقد خرج؛ لأن جزء المعنى غير المعنى, وتعديته بفي مستدرك, وإنما يعدى بعلى, وكذا قوله: (معناها) أضاف المعنى إلى الدلالة, وإنما يضاف إلى اللفظ, وأراد التنبيه بأن اللفظ لا ينسب إليه المعنى إلا باعتبارها, وأن الدلالة واحدة, وتختلف التسمية باعتبار ما تنسب إليه.
والمصنف جعل الالتزامية غير لفظية كما فعل صاحب الإحكام, بل قال صاحب الدقائق: «من جعل الالتزامية لفظية فقد أخطأ».
ووجهه: أن الدلالة الوضعية إما أن تكون على المعنى الخارج عن المسمى بواسطة المسمى, أو على المسمى الغير خارج عنه, والثانية لفظية لأن الذهن ينتقل من اللفظ إلى المعنى ابتداء, إما إلى كمال معناه وهو المطابقة, أو إلى جزئه وهو التزام, والأولى غير لفظية بل عقلية؛ لأن الذهن ينتقل من اللفظ إلى معناه, ومن معناه إلى اللازم, والتضمن غير خارج عن مسمى اللفظ
стр. 172
بخلاف الالتزام, وإلا فكل منهما منسوبة إلى اللفظ, وكل منهما عقلية.
وشرط المنطقيون في دلالة الالتزام اللزوم الذهني بين المسمى والأمر الخارجي, وهو أن يحصل في الذهن متى حصل المسمى فيه, وإلا لم يفهم من اللفظ المعنى / الخارجي؛ لأن فهم المعنى من اللفظ إما بسبب أن اللفظ موضوع له, أو بسبب انتقال الذهن إليه من المعنى الموضوع له, والكل منتف على ذلك التقدير, فلم يكن دالًا عليه.
وفيه نظر؛ إذ لا يلزم من عدم الانتقال على الوجه المخصوص عدم الانتقال مطلقًا, لجواز أن ينتقل بواسطة, أو ينتقل باعتبار تصورهما لا تصور المسمى فقط, ولا يشترط اللزوم الخارجي, أي تحقق اللازم في الخارج متى تحقق المسمى فيه, إذ لو كان شرطًا لما تحقق دلالة الالتزام بدونه, لكن العمى يدل على البصر بالالتزام, ولا لزوم خارجي بينهما, هذا معنى قوله.
وقيل: إذا كان ذهنيًا, أي وإلا فلا فهم, فلا دلالة.
والأصوليون لا يشترطون ذلك, بل اللزوم الأعم من الذهني والخارجي وهو أظهر, وإلا لم تنحصر الدلالات لخروج المجازات.
ولأنا نفهم شيئًا من بعض الألفاظ في وقت دون وقت ولا لزوم ذهني.
وأيضًا المسميات دالة على معانيها وليست لوازم ذهنية؛ لأن فهمها بعد كلفة, وكذا دلالة المنطوق على المفهوم, بل بعض دلالات الاقتضاء
стр. 173
وبعض الإيماءات ودلالات الإشارات من هذا القبيل, إلا أن يقال: الدلالة في عرفنا فهم المعنى من اللفظ متى أطلق, لا فهم المعنى في الجملة, فإن ذلك عرف غيرنا.
قال: (والمركب: جملة, وغير جملة.
فالجملة: ما وضع لإفادة, ولا يتأتى إلا في: اسمين, أو فعل واسم.
ولا يرد حيوان ناطق وكاتب, لأنها لم توضع لإفادة نسبة).
أقول: لما قسم المفرد, أخذ الآن يقسم المركب, وأتى به اعتراضًا في أثناء تقاسيم المفرد, وهو ينقسم إلى: جملة, وغير جملة.
فالجملة: ما وضع لإفادة نسبة, والمراد من النسبة إسناد أحد جزأي المركب إلى الآخر؛ لإفادة المخاطب معنى يصح السكوت عليه, فيخرج المركب الإضافي, والتقييدي, والجملة لا تتألف إلا من اسمين أو من فعل واسم؛ لأن الجملة تتضمن نسبة, وهي تقتضي منسوبًا ومنسوبًا إليه, والاسم يصلح لهما, والفعل يصلح لأن ينسب فقط, والحرف لا ينسب ولا ينسب إليه, فالتركيب العقلي من كلمتين لا يزيد على ستة أقسام إن لم
стр. 174
نعتبر التقديم والتأخير, وإلا فتسعة, والتركيب الإسنادي لا يتأتى إلا في اسمين, أو فعل واسم, إما لعدم المسند, أو لعدم المسند إليه, أو لعدمها.
ونقض: بالحرف مع الاسم في النداء.
ورد: بأنه ناب مناب الفعل, فهو في الحقيقة من فعل واسم.
قيل عليه: لو كان كذلك, لكان خطابًا مع ثالث, ولاحتمل الصدق والكذب.
رد: بأنه إنشاء لا خبر.
وقوله: (ولا يرد حيوان ناطق) جواب عن سؤال مقدر, أي الحد المذكور غير مطرد لصدقه على حيوان ناطق لإفادة نسبة النطق إلى الحيوان, وكذا كاتب من: زيد كاتب؛ لأن اسم الفاعل منسوب إلى الضمير.
والجواب: أنا نمنع صدق الحد عليهما؛ لأن المراد نسبة يحسن السكوت عليها, وهما لم يوضعا لها.
أو نقول: شيئًا منهما لم يوضع لإفادة نسبة, بل لذات باعتبار نسبة, ولم يقل: لأنهما, إذ المراد أن أمقال هذين لم يوضع لإفادة نسبة.
وغير الجملة بخلافه, أي ما لم يوضع لإفادة نسبة, ويسمي النحويون غير الجملة مفردًا أيضًا, بالاشتراك بينه وبين غير المركب.
قال: (وللمفرد باعتبار وحدته ووحدة مدلوله وتعددهما أربعة أقسام:
الأول: إن اشترك في مفهومه كثيرون فهو الكلي.
стр. 175
فإن تفاوت كالوجود للخالق والمخلوق فمشكك, وإلا فمتواطئ /.
وإن لم يشترك فجزئي, ويقال للنوع أيضًا جزئي.
والكلي: ذاتي وعرضي كما تقدم.
الثاني من الأربعة: متقابلة متباينة.
الثالث: إن كان حقيقة للمتعدد فمشترك, وإلا فحقيقة ومجاز.
الرابع: مترادفة, وكلها مشتقة وغير مشتقة, صفة وغير صفة).
أقول: هذا تقسيم آخر للفظ المفرد بالنسبة إلى مدلوله.
واللفظ إما واحد أو متعدد, وعلى التقديرين فمعناه إما واحد أو متعدد فهي أربعة أقسام: الأول قسم, والثلاثة داخلة تحت تعددهما.
القسم الأول: أن يتحد اللفظ والمعنى, فإن اشترك في مفهومه كثيرون يحمل اللفظ عليهم إيجابًا فهو الكلي, وهو ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه.
والمراد بالكثير ما هو أعم من الأفراد المحققة أو المتوهمة؛ لأنه قد يكون ممتنعًا في الخارج, إما بنفس المفهوم كالجمع بين النقيضين, أو لأمر خارج عن المفهوم كشريك الإله.
وقلنا: إيجابًا؛ لأن زيدًا يشترك كثيرون في سلبه عن مفهومه, وليس بكلي.
стр. 176
ثم الكلي إما أن تتساوى أفراده في مقوليته عليها, سواء كانت ذهنية أو خارجية أو مختلطة, أو تتفاوت.
والثاني المشكك, سمي بذلك لأن الناظر في مفهومه يشك أنه من قبيل المتواطئ لتساوي الأفراد في حصول المعنى, أو هو مشترك لتفاوت الأفراد في ذلك المعنى, ومن هنا جاءت الأقوال الثلاثة فيه.
ثم التفاوت يكون بالشدة والضعف, وبالأولوية وعدمها, وبالأقدمية وعدمها, والأول كبياض الثلج والعاج, والثاني والثالث كالوجود للخالق والمخلوق, فإنه في الواجب أولى وأقدم.
وجعل جماعة من الشراح التفاوت في الوجود بالمعاني الثلاثة.
قلت: فيه نظر؛ لأن معنى الشدة أن يكون الحال الغير القادر في المحل الثابت تتبدل نوعيته فيه, كاسوداد الجسم شيئًا فشيئًا, ويتجدد جميعها على ذلك المحل المتقدم دونها من حيث هو متوجه بتلك التجديدات إلى غايةٍ
стр. 177
ما, ومعنى الضعف كذلك, إلا أنه من حيث هو منصرف بها عن تلك الغاية كانسلاخ السواد شيئًا فشيئًا, فالأخذ في الشدة والضعف هو المحل لا الحال المتجدد, ومثل هذا الحال لا يكون إلا عرضًا؛ لأن المحل متقدم دونه, والوجود لما لم يكن محله متقدمًا دونه, لم يتصور الاشتداد فيه.
وإن لم تتفاوت فمتواطئ, لتواطؤ الأفراد وتساويها في المعنى, كالإنسان بالنسبة إلى أفراده, وذكر السهروردي أن بعض الأصوليين اصطلح على تسمية ما لا يمنع تصوره من الشركة فيه بالعام.
والأكثر على تسميته بالمطلق.
وإن لم يشترك في مفهومه كثيرون, فهو الجزئي الحقيقي, كزيد.
وإطلاق الكلي والجزئي على اللفظ إنما هو باعتبار معناه, فتسمية اللفظ به مجاز, ويقال للنوع أيضًا جزئي إضافي باعتبار أنه مندرج تحت جنسه.
قالوا: والإضافي أعم؛ لاندراج كل شخص تحت ماهيته المعراة عن المشخصات, وليس كل جزئي إضافي حقيقيًا, لجواز كونه كليًا, كالإنسان وليس جنسًا له؛ لأنا نتصور كون الشيء مانعًا من الشركة مع الذهول عن كونه مندرجًا تحت كلي.
قلت: وفي كونه أعم نظر؛ لأنه منقوض بالباري تعالى, والحقيقي
стр. 178
والكلي متباينان. لا يقال: الكلي محمول عليه فلا مباينة.
لأنا نقول: المحمول الكلي الطبيعي لا المنطقي.
ثم الكلي إن لم خارجًا عن حقيقة ما تحته فهو الذاتي كالحيوان بالنسبة / إلى الإنسان, وإلا فعرضي كالضاحك بالنسبة إلى الإنسان, وقد تقدم الكلام عليهما.
القسم الثاني من الأربعة: وهو مقابل الأول, وخصه بذلك لأن بينهما غاية التقابل, وتسمى متباينة؛ لأن كلًا منهما باين الآخر في معناه ولفظه.
وهذه النسخة أولى من التي فيها متقابلة, إذ ذاك اصطلاح غير معروف, وما قيل [من] أنه ترجيح من غير مرجح - إذ الرابع يقابل الثالث ولم يقل ذلك - فساقط؛ لأن ذكره هنا ليتعين به, وفي الرابع تعين بحيث لم يبق غيره.
[قلت: والمناسب ما فعله المؤلف؛ لأنه نبه بقوله: (مقابله) على العلة التي لأجلها اتبعه الأول, وهي حضوره في الذهن عند ذكر مقابله, واكتفى بهذا عن ذكره في الرابع, وإن كان مقابلًا للثالث].
ثم المتباينة قد تكون متفاضلة كالإنسان والفرس, وقد تكون متواصلة كالسيف والصارم.
стр. 179
القسم الثالث: أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى كثيرًا, فإن كان اللفظ حقيقة في كل واحد من تلك المعاني المختلفة, بأن يكون وضع لكل واحد منها وضعًا أوليًا, فهو المشترك, كالعين بالنسبة إلى مفهوماته.
وإن لم يكن حقيقة, بأن لا يكون موضوعًا لكل واحد وضعًا أوليًا, فهو حقيقة بالنسبة إلى المعنى الذي وضع له, ومجاز بالنسبة للمعنى الثاني الذي استعمل فيه لعلاقة بينهما, كالأسد للحيوان المفترس والرجل الشجاع, وهذا بناء على أن المجاز يستلزم الحقيقة, وإلا فقد يكون لهما مجازًا.
القسم الرابع: أن يتحد المعنى ويتعدد اللفظ, وتسمى هذه الألفاظ مترادفة لترادفها على المعنى, مأخوذ من رديفي الدابة, كالليث والأسد.
والأقسام الأربعة تكون مشتقة إن شارك اللفظ غيره بحروفه الأصول ومعناه, وغير مشتقة إن لم يكن كذلك, وكلها صفة إن دل على معنى قائم بذات العلم, وإلا فغير صفة كالإنسان, وإليك طلب الأمثلة في سائر الأقسام.
قال: (مسألة: المشترك واقع على الأصح.
لنا: أن القرء مشهور للطهر والحيض معًا على البدل, من غير ترجيح).
أقول: المشترك هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعًا
стр. 180
أوليًا.
فبالقيد الأول خرج المتباين.
وبالثاني خرج المتواطئ والمشكك.
وبالثالث خرج المجاز إن قلنا إنه موضوع, فإنه ليس وضعًا أوليًا.
و المشترك إما ممتنع الوقوع, أو واجب, أو ممكن.
والممكن إما واقع أو لا, فهذه أربع احتمالات, وقال بكل واحد منها قائل, إلا أنه لا فرق عند التحقيق بين الواجب والممكن الواقع, إذ لا وجوب ذاتي هنا, والممكن ما لم يجب صدوره عن الغير لم يقع, ومنه يعلم أنه لا فرق بين الممتنع والممكن الغير واقع, إذ لا امتناع ذاتي, ولذلك لم يتعرض المصنف إلا للوقوع وعدمه.
وقد علم أن اصطلاحه, أن (لنا) للدليل الصحيح على مذهبه.
وأن (واستدل) للدليل المزيف على مذهبه, وإن كان قد وقع له في ثلاث مواضع وما أجاب عنه, ولكن لا يلزم أن يكون مرضيًا عنده.
وأن (قالوا) لدليل الخصوم.
следующие страницы →