Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
قالوا خامسًا: إما أن يكون الباري عالمًا باستمراره أبدًا, أو علم استمراره إلى وقت معين, وعلى التقديرين فلا نسخ, أما إذا علم استمراره أبدًا فظاهر وإلا لزم الجهل, وأما على التقدير الثاني؛ فلأن الحكم في علمه تعالى مؤقت فالحكم يكون منتهيًا بنفسه؛ لأن ذلك الوقت غاية له.
الجواب: نختار القسم الثاني, وهو أن الله علم استمراره إلى وقت معين وهو الوقت الذي علم الله أنه ينسخ ذلك الحكم فيه, وعلم الله تعالى بارتفاع الحكم بالنسخ لا يمنع النسخ, فيكون انتهاؤه بالنسخ لا بنفسه.
وأما الحجة على الأصبهاني على كل واحد من النقلين؛ فلأن الوقوع دليل الجواز؛ لأن الأمة أجمعت - قبل ظهور الخلاف - على أن أحكم شريعتنا ناسخة لما يخالفها من الأحكام, ثم نقول له: صحة شريعتنا إن توقفت على النسخ وقد ثبتت شريعتنا, فيكون النسخ ثابتًا, وإن لم تتوقف على النسخ جاز إثبات النسخ بالأدلة الشرعية؛ لأن كل ما لا يتوقف عليه السمع يجوز إثباته به, فيثبت النسخ بالإجماع.
ولنا: التوجه إلى بيت المقدس كان واجبًا إجماعًا, ونسخ بالتوجه إلى القبلة, وأيضًا: الوصية للوالدين والأقربين نسخت بآية المواريث.
وفيه نظر؛ لأنه يقول: خصّ بغير الوارثين.
قال: (مسألة: المختار جواز النسخ قبل وقت الفعل , مثل: «حجوا هذه السنة» , ثم يقول قبله: «لا تحجوا» , ومنع المعتزلة والصيرفي.
لنا: ثبت التكليف قبل وقت الفعل, فوجب جواز رفعه كالموت.
стр. 1157
وأيضًا: فكل نسخ كذلك؛ لأن الفعل بعد الوقت ومعه يمتنع نسخه.
واستدل: بأن إبراهيم ﵇ أُمر بالذبح, بدليل: ﴿افعل ما تؤمر﴾ , وبالإقدام, وبترويع الولد, ونسخ قبل التمكن.
واعترض: بجواز أن يكون موسعًا.
وأجيب: بأن ذلك لا يمنع رفع تعلق الوجوب بالمستقبل؛ لأن الأمر باق عليه وهو المانع عندهم؛ ولأنه لو كان موسعًا لقضت العادة بتأخيره رجاء نسخه أو موته لعظمه.
وأما دفعهم بمثل: لم يؤمر وإنما توهم, أو أمر بمقدمات الذبح, فليس بشيء, أو ذبح وكان يلتحم عقبه / أو جعل صفيحة نحاس أو حديد, فلا يسمع, ويكون نسخًا قبل التمكن).
أقول: قال الآمدي: اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ الفعل بعد التمكن من الامتثال, سواء أطاع المكلف أو عصى, وظاهر كلام الإمام فخر الدين خلافه؛ لأنه قال: يجوز النسخ قبل العمل, خلافًا للمعتزلة, وظاهر البرهان مع الآمدي.
واختلفوا في جوازه قبل التمكن من الامتثال, وذلك على وجهين:
стр. 1158
أحدهما: أن ينسخ قبل دخول الوقت, كما إذا قال: «حجوا هذه السنة» , ثم يقول قبل يوم عرفة: «لا تحجوا».
وثانيهما: أن ينسخ بعد دخول الوقت وقبل انقضاء زمن يسع الفعل, فذهب أصحابنا, وأكثر الشافعية, والحنفية إلى جوازه, ومنعه الصيرفي وبعض الحنابلة, وجمهور المعتزلة.
لنا: أنه ثبت بالدليل في مبادئ الإحكام, أن التكليف ثابت قبل وقت الفعل, فوجب جواز رفعه بالنسخ كما يرفع الموت لأنهما سواء.
قيل: قد يجاب عنه: بأن التكليف مقيد بعدم الموت عقلًا فلا رفع.
قلنا: كذا في زمانه ﵇ التكليف مقيد بعدم وصول الناسخ إلى المكلف, فلا فرق, وأيضًا: كل نسخ قبل وقت الفعل - وقد اعترفتم بجوازه - فيلزم جوازه قبل الفعل؛ لأن التكليف بالفعل بعد وقته محال؛ لأنه إن فعل أطاع وإن ترك عصى, فلا نسخ, وكذلك في وقت فعله؛ لأنه فعل وأطاع به وانقطع التكليف, ولاستحالة توارد النفي والإثبات.
وقد يقال: الكلام فيمن لي يفعل شيئًا من الأفراد التي تناولها التكليف, وليس كل ناسخ كذلك.
стр. 1159
واستدل أيضًا: بقضية إبراهيم ﵇, فإنه أُمر بذبح ولده إسماعيل ونسخ عنه قبل التمكن.
أما الأولى: فلقول إسماعيل: ﴿افعل ما تؤمر﴾ , وغير الذبح غير مذكور.
وفيه نظر؛ لأنه لم يقل: افعل ما أمرت, ولا ما رأيت, بل قال: ﴿ما تؤمر﴾ , فقد يريد: افعل ما يتحقق من الأمر في المستقبل.
وثانيًا: أنه أقدم على الذبح وترويع الولد, ولو لم يكن مأمورًا به لكان ممتنعًا شرعًا وعادة.
وأما الثانية: فلأنه لم يفعل, ولو كان بعد التمكن لكان عاصيًا.
واعترض: بأنا لا نسلم أنه لو لم يفعل بعد التمكن يكون عاصيًا, لم لا يجوز أن يكون موسعًا, فيحصل التمكن ويعصي بالتأخير, ثم ينسخ؟ .
وأجيب بجوابين:
الأول: لو كان موسعًا لكان الوجوب متعلقًا بالمستقبل؛ لأن الأمر باق عليه قطعًا, فإذا نسخ عنه فقد نسخ تعلق الوجوب بالمستقبل, وهو المانع عندهم من النسخ, فيتوارد النفي والإثبات ويلزم العبث.
أيضًا - وهذا بناء على شبههم لا على مذهبهم -: لأنهم يجوزون النسخ قبل الفعل وبعد التمكن.
وأيضًا: لو كان موسعًا لأخر الفعل ولم يقدم على الذبح وترويع الولد / عادة, إما رجاء أن ينسخ, وإما رجاء أن يموت أحدهما فيسقط عنه, لعظم
стр. 1160
الأمر, ومثله مما يؤخر عادة.
وفيه نظر؛ لأن الأنبياء شأنهم المبادرة إلى الامتثال, ولعله آخر إلى آخر الوقت, والمصنف استضعفه وما ذكر ردّه, فقد يكون إشارة إلى ما ذكرنا.
وقد دفع بعضهم هذا الاستدلال بوجوه أخر لم يرضها المصنف.
منها: أن إبراهيم لم يؤمر وإنما توهم, ولو سلّم فإنما أمر بمقدمات الذبح لا به, وقد أتى بها.
قال المصنف: (ليس بشيء)؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم﴾ , ولو لم يكن مأمورًا لما كان بلاء مبينًا, ولو كان بالمقدمات وقد وأتى بها لم يكن في حقه بلاء مبينًا, لكونه علم سلامة العاقبة, ولما احتاج إلى الفداء لفعله المأمور به, وعلى أصلهم هو توريط لإبراهيم في الجهل بما يظهر له أنه أمر وليس بأمر, ومما دفعوه به: أنه لا نسلم أنه لم يذبح, بل ذبح وكان يلتحم عقب الذبح, كلما قطع شيئًا التحم, وأن الله تعالى جعل على صفيحة نحاس أو حديد تمنع الذبح.
وهذا لا يسمع؛ لأنه لو ذبح لما احتاج إلى الفداء, ولو منع الذبح بالصفيحة مع الأمر به, لكان تكليف ما لا يطاق, وهم لا يجوزنه, ثم قد نسخ عنه, وإلا لأثم بتركه, فيكون ناسخًا قبل التمكن.
قال: (قالوا: إن كان مأمورًا به ذلك الوقت, توارد النفي والإثبات وإن لم يكن فلا نسخ.
وأجيب: بل لم يكن, بل قبله وانقطع التكليف به كالموت).
стр. 1161
أقول: إن كان مأمورًا بالفعل في ذلك الوقت, فلو نسخ في ذلك الوقت لزم أن يكون في ذلك الوقت مأمورًا بالفعل غير مأمور به, فيلزم توارد النفي والإثبات على محل واحد وهو محال, وإن لم يكن مأمورًا به في ذلك الوقت, لم يكن نفي الوجوب فيه نسخًا له.
الجواب: نختار أن ليس مأمورًا به ذلك الوقت.
قوله: (فلا نسخ) نمنعه, وإنما لم يكن مأمورًا به ذلك الوقت لوجود الناسخ فيه, وكان مأمورًا قبله وانقطع التكليف عند دخول وقته بالناسخ, كما ينقطع التكليف بالموت, فالتكليف وعدمه قبل الموت في زمانين, إلا أن متعلقها هو الفعل في وقت واحد, وذلك جائز.
قال: (مسألة: المختار جواز نسخ «صوموا أبدًا» , بخلاف «الصوم واجب مستمر أبدًا».
لنا: لا يزيد على «صم غدًا» , ثم ينسخ قبله.
قالوا: يتناقض.
قلنا: لا منافاة بين إيجاب صوم غد وانقطاع التكليف قبله كالموت).
أقول: الخطاب المقيد بالتأبيد, إن كان التأبيد قيدًا في الفعل, مثل: «صوموا أبدًا» , فالجمهور على جواز نسخه, وإن كان التأبيد قيدًا للوجوب وبيانًا لاستمراره, فإن كان نصًا, مثل: «الصوم واجب مستمر أبدًا» , لم يقبل خلافه, وإلا قبل وحمل على مجازه.
стр. 1162
لنا: أن لا يزيد في دلالته على جزئيات الزمان على دلالة قوله: «صم غدًا» , على «صوم غد» وقد قدمنا أن ذلك قابل للنسخ, فإذا جاز ذلك مع قوة النصوصية فيما يتناوله فهذا مع ظهوره واحتماله ألا يتناول أولى.
قالوا: التأبيد معنى الدوام وهو ينافي النسخ, فكان تناقضًا, ولا يجوز على الله.
الجواب: لا نسلم التناقض, إذ لا منافاة بين إيجاب فعل مقيد بالأبد, وعدم أبدية التكليف به, وذلك كما لا منافاة بين إيجاب صوم مقيد بزمان, وأن لا يوجد الوجوب في ذلك الزمان, كما يقال: «صم غدًا» ثم ينسخ قبله وذلك كما يتعلق التكليف بالصوم في غد ثم يموت قبل غد, فلا يوجد في غد تكليف.
قال: (مسألة: الجمهور: جواز النسخ من غير بدل .
لنا: أن مصلحة التكليف قد تكون في ذلك.
وأيضًا: وقع, كنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر, وتحريم ادَّخار لحوم الأضاحي.
قالوا: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾.
وأجيب: بأن الخلاف في الحكم لا في اللفظ.
سلمنا: لكن خصص.
سلمنا: ويكون نسخه بغير بدل خيرًا لمصلحة علمت.
ولو سلّم أنه لم يقع, فمن أين لم يجز؟ ).
أقول: اختلفوا في جواز نسخ التكليف من غير تكليف آخر يكون بدلًا
стр. 1163
عنه, لا كما قالوا: جواز النسخ من غير بدل؛ لأن الإباحة بدل, فجوزه الجمهور, ومنعه قوم.
لنا: أن الحكم إن لم يتبع المصلحة فجوازه ظاهر, لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد, قال الغزالي: إثبات بدل تكليف من الله, ولا يجب عليه أن يكلف عباده, وإن تبع الحكم المصلحة فلا استحالة عقلًا في أن تكون المصلحة في نسخ الحكم عن المكلف من غير بدل.
ولنا أيضًا: لو لم يجز لم يقع, لكنه وقع, من ذلك ما رواه القاسم بن سلام في كتاب «الناسخ والمنسوخ» , من نسخ وجوب الإمساك عن المباشرة بعد الفطر, فإنه نسخ مبيحًا من غير بدل.
ومن ذلك: ما في الصحيح من تحريم ادَّخار لحوم الأضاحي, ثم نسخ
стр. 1164
مبيحًا من غير بدل.
قالوا: قال تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ , ولا يتصور كونه خيرًا أو مثلًا إلا في بدل.
الجواب: المراد نأت بآية خير منها, لا بحكم خير منها, والآية لفظ والخلاف في الحكم لا في اللفظ, ولا دلالة عليه في الآية, والإتيان بالآية وإن استلزم حكمًا لا يستلزم تكليفًا.
وفيه نظر؛ لاستلزامه حرمه مسّه للمحدث.
سلمنا أن المراد نأت بحكم, لكنه عام يقبل التخصيص, فلعله مخصوص بما نسخ لا إلى بدل, كآية النجوى.
سلمنا بقاءه على عمومه, لكن نسخه من غير بدل حكم, ولعله خير للمكلف لمصلحة يعلمها الله ولا نعلمها.
سلمنا: لكن الآية تدل على عدم الوقوع, وأما عدم الجواز فلا, والنزاع في الجواز لا في الوقوع.
قال: (مسألة: الجمهور: جواز النسخ بأثقل .
لنا: ما تقدم, وبأنه نسخ التخيير في الصوم والفدية وصوم عاشوراء برمضان, والحبس في البيوت بالحدّ.
стр. 1165
قالوا: أبعد في المصلحة.
قلنا: يلزمكم في ابتداء التكليف.
وأيضًا: فقد يكون علم الأصلح في الأثقل, كما يسقمهم بعد الصحة ويضعفهم بعد القوة.
قالوا: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ , ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾. قلنا: إن سلم عمومه, فسياقه للمآل في تخفيف الحساب وتكثير الثواب, أو تسمية الشيء بعاقبته, مثل: «لدوا للموت وابنوا للخراب» وإن سلّم الفور, فمخصص بما ذكرنا, كما خصصت بثقال التكاليف والابتلاء باتفاق.
قالوا: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ , والأشق ليس بخير للمكلف.
وأجيب: بأنه خير باعتبار الثواب).
أقول: يجوز نسخ التكليف بتكليف أخف أو مساو اتفاقًا, واختلفوا في جواز نسخ تكليف بتكليف أثقل منه, والجمهور على جوازه, خلافًا لبعض الشافعية.
لنا: ما تقدم من أنه إن لم تعتبر المصلحة فواضح, وإن اعتبرت فلعل
стр. 1166
المصلحة في الأثقل.
وأيضًا: لو لم يجز لم يقع, وقد وقع, ففي الصحيح التخيير بين الصوم والفدية, ثم نسخ بوجوب صوم رمضان عينًا, ولا شك أن إلزام أحد الأمرين عينًا أشق من التخيير بينه وبين غيره.
ومن ذلك: أن صوم يوم عاشوراء كان الواجب, فنسخ بصوم رمضان وصوم شهر أشق من صوم يوم, وفي الصحيح أنه ﵇ لما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه, فلما فرض رمضان كان هو الواجب وترك عاشوراء, وهذا يدل على أن ذلك الأمر كان للوجوب؛ لأن الندب باق.
ومنه: الحبس في البيوت كان هو الواجب على الزاني, فنسخ بالجلد وبالرجم, وأنه أثقل.
стр. 1167
قالوا أولًا: نقلهم إلى الأثقل أبعد في المصلحة, لكونه إضرارًا بالمكلفين لأنهم إن فعلوا التزموا المشقة الزائدة وإن تركوا استحقوا العقاب, وهو غير لائق بالحكمة.
الجواب أولًا: النقض بأنه يلزمكم في أصل التكليف, لأنه نقل من البراءة الأصلية إلى ما هو أثقل, فينبغي ألا يجوز.
لا يقال: خرج بالإجماع؛ لأن الكلام في الجواز لا في الوقوع.
وأيضًا: لا نسلم أنه أبعد في المصلحة, وربما علم الله تعالى المصلحة في الأثقل بعد الأخف أكثر, كما ينقلهم من الصحة إلى السقم, ومن القوة إلى الضعف, ومن الشباب إلى الهرم, هذا بعد تسليمهم رعاية المصلحة.
قالوا ثانيًا: قال تعالى: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ , ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ , والأثقل غير يسير وغير تخفيف فلا يريده.
الجواب: لا نسلم عموم التخفيف واليسر / في الآيتين, أما ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ فظاهر أنه مطلق, وأما ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ ففي المذكور, وهو إباحة الفطر للمريض والمسافر.
سلمنا العموم, لكن سياق الآيتين يدل على إرادة ذلك في المآل بالتخفيف في الحساب, واليسر تكثير الثواب, أو في الحال لكن مجاز, تسميةً للشيء باسم عاقبته, مثل: «لدوا للدود وابنوا للخراب» , سمي
стр. 1168
التكليف تخفيفًا ويسرًا باعتبار تخفيف الحساب وتكثير الثواب.
ولو سلّم أنه للعموم وأنه للفور لا للمآل - ولا مجاز باعتبار المآل - فهو مخصوص بما ذكرناه من النسخ بالأثقل, كما هو مخصوص بخروج أنواع التكليف الثقيل وأنواع الابتلاء مما هو واقع اتفاقًا.
قالوا ثالثًا: قال تعالى: ﴿مما نسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ , فيجب الأخف لأنه الخير, أو يجب المساوي لأنه المثل, والأشق ليس بخير ولا مثل.
الجواب: أنه خير باعتبار الثواب؛ لأن ثوابه أكثر, لقوله ﵇: «أجرك على قدر نصبك».
وأيضًا: لا يلزم من عدم الوقوع عدم الجواز.
قال: (يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس, ونسخهما معًا, خلافًا لبعض المعتزلة.
لنا: القطع بالجواز.
وأيضًا: الوقوع, عن عمر: «كان في ما أنزل: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» , ونسخ الاعتداد بالحول, وعن عائشة: «كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات» , والأشبه جواز مس المحدث المنسوخ لفظه.
стр. 1169
قالوا: التلاوة مع حكمها كالعلم مع العالمية والمنطوق مع المفهوم, فلا ينفكان.
وأجيب: بمنع العالمية والمفهوم, ولو سلّم, فالتلاوة أمارة الحكم ابتداء لا دوامًا, فإذا نسخ لم ينتف المدلول, وكذلك العكس.
قالوا: بقاء التلاوة يوهم بقاء الحكم, فيوقع في الجهل وتزول فائدة القرآن.
قلنا: مبني على التحسين, ولو سلّم فلا جهل مع الدليل؛ لأن المجتهد يعلم والمقلد يرجع إليه, وفائدته كونه معجزًا وقرآنًا يتلى).
أقول: يجوز نسخ التلاوة دون الحكم, ويجوز نسخ الحكم دون التلاوة ويجوز نسخهما معًا, وخالف بعض المعتزلة في الأولين.
لنا القطع بالجواز, فإن تلاوة الآيات حكم من أحكامها يثاب عليه, وما تدل عليه من الأحكام حكم آخر لها ولا تلازم بينهما, وإذا ثبت ذلك جاز نسخهما ونسخ أحدهما, كسائر الأحكام المتباينة.
وأيضًا: لو لم يجز لم يقع, لكنه وقع.
أما التلاوة فقط, فما روي في الصحيح عن عمر: «الشيخ والشيخة / إذا زنيا فارجموهما» , وحكمه ثابت.
стр. 1170
وأما نسخ الحكم, فما روى البخاري من نسخ الاعتداد بالحول, واللفظ مقروء.
وأما نسخهما, ففي الصحيح عن عائشة ﵂: «كان فيما أنزل: عشر رضعات معلومات يرحمن, فنسخن بخمس».
لا يقال: لا نسلم أن هذا قرآن, إذ لا يثبت القرآن بأخبار الآحاد.
لأنا نقول: الاحتجاج أن هذا قرآن, إذ لا يثبت القرآن بأخبار الآحاد.
لأنا نقول: الاحتجاج بقول عمر وإخباره إن كان كذا كان, يتلى ونسخ, ولم ينكر عليه, فدلّ على أنهم كانوا يعلمون ذلك, لأن ما شأنه كذلك لا ينفرد عمر ولا عائشة بعلمه وليس الكلام في إثبات كونه الآن قرآنًا حتى يقال: لا يثبت بالآحاد.
لا يقال: آية الاعتداد بالحول لم تنسخ, بل خصصت لبقاء حكمها في المرتابة.
لأنا نقول: لا خلاف أن الاعتداد كان بالحول - مرتابة كانت أم لا - حتى نزلت الآية الأخرى, وما رواه البخاري يرشد إليه.
لا يقال: لم ينسخ عشر رضعات يحرمن لبقاء حكمه, نعم مفهومه ليس
стр. 1171
معمولًا به, ولعله لكون مفهوم العدد ليس بحجة.
لأنا نقول: الاحتجاج إنما هو بقول عائشة: «فنسخن بخمس» , أعلمت أن مفهومه كان معمولًا به, ثم نسخ اللفظ والحكم الناشئ عن المفهوم.
قال المصنف: والأشبه جواز مس المحدث المنسوخ لفظه, وعند الآمدي: الأشبه منع مسه له.
والحق الأول, إذ لم يبق قرآنًا ومتلوًا, وليس من المصحف, وتضمنه للحكم لا يوجب ذلك, كالأخبار الإلهية الواقعة في الأحاديث.
احتج الآخرون بوجهين:
الأول: أن التلاوة مع حكمها في دلالتها عليه كالعلم مع العالمية والمنطوق مع المفهوم, فكما لا انفكاك بين العلم والعالمية, وبين المنطوق والمفهوم, كذلك التلاوة مع الحكم, ولو قال «المتلو» كان أولى.
الجواب: منع ثبوت العالمية, فإنها فرع ثبوت الحال ولا نقول به, إذ ليست العالمية أمرًا وراء قيام العلم بالذات, وكذا نقول في المفهوم: لا نسلم لزومه للمنطوق, هكذا صرح به الآمدي.
سلمنا أن العالمية مغايرة, وأن المفهوم ملازم للمنطوق, ولا نسلم أن التلاوة لا تنفك عن الحكم, إذ التلاوة أمارة الحكم ابتداء لا دوامًا, أي يدل ثبوت التلاوة على ثبوت الحكم, ولا يدل دوامها على دوامه, ولذلك قد
стр. 1172
يثبت الحكم مرة واحدة وهي متكررة أبدًا, فنسخ التلاوة وحدها نسخ لدوامها, فإذا عرفت الحكم ابتداء - دائمًا أو غير دائم - لم يحتج إلى التلاوة.
ثانيًا: ليعرف, ولا تحتاج التلاوة إليه, فإذا لم يحتج أحدهما إلى الآخر في دوامه, لم ينتف المدلول - الذي هو الحكم - بنسخ التلاوة, ولم ينتف الدال - الذي هو التلاوة - بنسخ الحكم.
قالوا ثانيًا: بقاء التلاوة يوهم بقاء الحكم لأنها دليله, وبقاء الدليل يشعر ببقاء المدلول, فلو جاز نسخه مع بقائه كان إيقاعًا في الجهل, وهو على الله قبيح, وأيضًا: تزول فائدة القرآن؛ لأن فائدة اللفظ إفادة مدلوله, وإذا لم يقصد به ذلك, فقد بطلت فائدته, والقرآن منزه عما لا فائدة فيه.
الجواب: أنه مبني على التقبيح العقلي وقد أبطلناه.
ولو سلّم, فلا يكون إيقاعًا في الجهل, وإنما يكون كذلك لو لم ينصب عليه دليل, وأما إذا نصب عليه دليل فلا, والمجتهد يعلم ذلك بدليل, والمقلد يعلم ذلك بالرجوع إلى المجتهد فينتفي الجهل.
قوله: (تزول فائدة القرآن) , إنما يلزم ذلك لو انحصرت فائدته فيما ذكرتم, ومن فوائده: كونه معجزًا بفصاحة لفظه, وقرآنًا يتلى للثواب.
قال: (مسألة: يجوز نسخ التكليف بالإخبار بالإخبار بنقيضه, خلافًا للمعتزلة.
وأما نسخ مدلول خبر لا يتغير فباطل, والمتغير كإيمان زيد, وكفر مثله, خلافًا لبعض المعتزلة.
стр. 1173
واستدلالهم بمثل: «أنتم مأمورون بكذا» , ثم ينسخ برفع الخلاف).
أقول: النسخ في الخبر إما أن يكون للفظه, أو للتكليف بالإخبار بمدلوله, وإما أن يكون لنفس مدلوله.
والأول: متفق عليه عند القائلين بالنسخ, ماضيًا كان أو مستقبلًا.
وكذا اتفقوا على جواز نسخ تكليفنا بالإخبار عن شيء, عقليًا كان أو شرعيًا, كان مما لا يتغير مدلوله كالإخبار بوجود الإله وحدوث العالم, أو يتغير كالإخبار بكفر زيد وإيمانه؛ لأن ذلك حكم من الأحكام الشرعية فجاز أن يكون مصلحة في وقت مفسدة في آخر.
واختلفوا, هل يجوز نسخه بالإخبار بنقيضه, أي يكلفنا الإخبار بنقيض ما كلفنا الإخبار له؟ .
فجوزه بعض أصحابنا.
ومنعه المعتزلة, بناء على أنه كذب, والتكليف بالكذب قبيح, وهو مبني على التحسين العقلي.
وأما نسخ مدلول الخبر, فإن كان مما لا يتغير كوجود الصانع وحدوث
стр. 1174
العالم, فلا يجوز اتفاقًا, لاستحالة الكذب عليه تعالى.
وإن كان مدلوله مما يتغير, سواء كان ماضيًا كالإخبار بما وجد من إيمان زيد وكفره, أو مستقبلًا وسوءا كان وعدًا, أو وعيدًا, أو حكمًا شرعيًا.
فقال القاضي أبو بكر, والجبائي, وأبو هاشم, وكثير من الفقهاء والمتكلمين: يمتنع رفعه, وذهب عبد الجبار, والبصري, وأبو الحسين إلى جوازه, ومنهم من منع في الخبر الماضي, وجوّز في الخبر المستقبل.
واختار الآمدي الجواز إذا كان ما دلّ عليه الخبر متكررًا, فيكون الخبر عامّاً فيه, فأمكن أن يكون الناسخ مبينًا لإخراج بعض ما تناوله اللفظ, كما في الأوامر.
وقريب منه في المحصول, قال الإمام: «الخبر إذا كان عن ماض كقوله: عمرت نوحًا ألف / سنة, جاز أن يبين من بعد أنه ألف سنة إلا خمسين عامًا».
وفيه نظر؛ إذ هو كذب إن كان مدلول الأول مرادًا, وإلا كان تخصيصًا.
стр. 1175
احتج المانعون: بأن نسخ مدلول الخبر يؤذن بكونه كذبًا, ولذلك لو قال: «أهلك الله زيدًا» ثم قال: «ما أهلك الله زيدًا» كان كذبًا بخلاف الأمر.
سلمنا إمكان نسخ مدلول الخبر, لكن إذا كان المدلول حكمًا شرعيًا تكليفيًا, حتى يكون الخبر في معنى الأمر, والأمر يجوز نسخه, وهذا كما لو قال: «أمرتكم, ونهيتكم, وأوجبت عليكم».
قال الآمدي: والجواب: أن ذلك إنما يفضي إلى الكذب أن لو لم يكن حَمْلُ الناسخ على غير ما أريد من الخبر, وأما إذا قال: «أهلك الله زيدًا» , فإهلاكه إنما لم يدخله النسخ, لأنه لم يتكرر حتى يمكن رفعه بعضه وتبقية بعضه, بل يقع دَفعة, فلو أخبر عن عدمه مع اتحاده كان كذبًا.
قال: وقولهم: الخبر بالحكم الشرعي في معنى الأمر, إن أرادوا أن صيغته كصيغته فخلاف الحسّ, وإن أرادوا أنه يفيد إيجاب الفعل كما في الأمر, فمسلّم, ولا يلزم أن يكون هو هو, إذ لا يلزم من اشتراك شيئين في لازمٍ اتحادهما, وغايته تسليم نسخ مدلول بعض الأخبار, وليس فيه ما يدل على امتناع نسخ غيرها.
قلت: وقد أشار المصنف في المنتهى إلى دفع ما ذكر, بأن المدلول المنسوخ إن ناقض مدلول الناسخ كان أحدهما كذبًا, وهو مستحيل على الله وإن لم يناقضه تعين أن يكون الثاني تخصيصًا, فعلى كل تقدير لا نسخ.
قوله: إن أرادوا أنه يفيد إيجاب الفعل ... إلى آخره, ترديد ضعيف, إذ
стр. 1176
المراد من كونه بمعناه, إفادته الإيجاب لا على وجه لا يحتمل الصدق والكذب وإلا لخرج من كونه خبرًا, وهذا القدر يحصل المطلوب, لأنا نجوّز نسخ الخبر إذا كان كذلك, ولا حاجة إلى اتحادهما حتى يُمنع.
قال المصنف: (واستدلالهم - يعني المجوزين - بمثل: أنتم مأمورون بكذا ثم ينسخ برفع الخلاف) , لأن المانعين يجوزنه محتجين بأنه في معنى الأمر, فجاز نسخه كالأمر.
قال: (مسألة: يجوز نسخ القرآن بالقرآن كالعدتين, والمتواتر بالمتواتر, والآحاد بالآحاد.
وأما المتواتر بالآحاد, فنفاه الأكثرون, بخلاف تخصيص العام.
لنا: قاطع فلا يقابله مظنون.
قالوا: وقع, فإن أهل قباء سمعوا مناديه ﵇: «ألا إن القبلة قد حولت» , فاستداروا ولم ينكر عليهم.
أجيب: علموه بالقرآن لما ذكرناه.
قالوا: كان يرسل الآحاد لتبليغ الأحكام مبتدأة وناسخة.
أجيب: إلا أن تكون مما ذكرنا, فتعلم بالقرآن لما ذكرنا.
قالوا: ﴿قل لا أجد﴾ , نسخ بنهيه عن أكل كل ذي ناب من السباغ, فالخبر أرشد.
وأجيب: إما بمنعه, وإما بأن المعنى: لا أجد الآن, وتحريم حلال الأصل ليس نسخًا).
стр. 1177
أقول: اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ القرآن بالقرآن, كآية الاعتداد بالحول, بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرا, وكذا نسخ الخبر المتواتر بالخبر المتواتر, وكذا نسخ خبر الآحاد بخبر الآحاد, كنهيه عن ادّخار لحوم الأضاحي, ونُسِخَ بقوله: «فكلوا وادخروا» , ونسخ الآحاد بالمتواتر أجدر.
وأما نسخ المتواتر بالآحاد, فاتفقوا على جوازه عقلًا, واختلفوا في وقوعه. فنفاه الأكثرون, وأثبته بعض الظاهرية, والباجي منا, بخلاف تخصيص المتواتر بالآحاد, جوزه الأكثرون, والفرق بينهما: أن التخصيص فيه بيان وجمع بين الدليلين, والنسخ إبطال.
стр. 1178
لنا: أن المتواتر قاطع والآحاد مظنون, والقاطع لا يقابله المظنون.
قيل: يجوز أن يكون المتواتر ظني الدلالة, والآحاد قطعي الدلالة فيتقابلان وينسخه الآحاد المتأخر.
ردّ بأنه حينئذ يتعين أن يكون الآحاد مخصصًا لأن الجمع أولى من النسخ.
قيل: إنما يتعين التخصيص إذا ورد قبل العمل بالعام, وأما بعده فيكون ناسخًا.
قلت: إذا عمل بالعام, فالعام قد ت بين أنه على عمومه ومراد جميع أفراده فهو قطعي المتن, وعلم إرادة جميع أفراده, فصار قطعي الدلالة بما انضم إليه, فلا يرفع حينئذ بما هو مظنون المتن.
احتج الأقلون بوجوه ثلاثة:
قالوا: وقع في الصحيح: «بينما الناس بقباء في صلاة الصبح, إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي ﵇ قد أنزل عليه الليلة قرآن, وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها, وكانت وجوههم إلى الشام, فاستداروا إلى الكعبة» , وبلغ ذلك النبي ﵇ ولم ينكر, وكان التوجيه إلى بيت المقدس عندهم مقطوعًا به.
الجواب: نمنع أنهم رجعوا إلى قوله, بل رجعوا إلى الآيات التي تلا عليهم, التي فيها ذكر النسخ.
стр. 1179
سلمنا, لكن خبر الواحد قد يفيد القطع [بالقرائن المنضمة إليه - وهذا من ذلك القبيل - لأن منادي الرسول بقربه على رؤوس الأشهاد في مثل هذه الواقعة, مع تجويزهم النسخ وانتظارهم ذلك لوعده تعالى بقوله: ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾ قرينة دالة على صدقه عادة, ويجب الحمل عليه لما ذكرنا من امتناع ترك القاطع] بالمظنون, فلا يرد قولهم: لو فتح هذا الباب لانسد باب التمسك بخبر الواحد؛ لأنه يمكن تقدير قرائن يكون عمل الصحابة بناء عليها, لا على أخبار الآحاد, لأنا إنما قدرنا ذلك هنا للضرورة لئلا يرفع القطع بالظن.
قالوا ثانيًا: تقطع بأنه ﵇ كان يبعث الآحاد لتبليغ الأحكام مطلقًا مبتدأة وناسخة, والمبعوث إليهم متعبدون بتلك الأحكام, ولم ينقل / فرق يقتضي منع نسخ المتواتر بالآحاد.
الجواب: أنه مسلم في غير المتواتر بالآحاد, وأما فيه فلا, وإن سلّم فيه فبالقرائن الحالية, لما ذكرنا من أن القاطع لا يقابله المظنون.
قالوا ثالثًا: قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا﴾ , نسخ بما في الصحيح: «من نهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع» وهو خبر آحاد, وإذا جاز نسخ القرآن به فالخبر المتواتر أجدر.
стр. 1180
الجواب أولًا: لا يلزم من الجواز الوقوع الذي هو مدعاكم.
وثانيًا: إما بمنع حكم الخبر, فإنه مختلف في أكل لحوم السباع عند المالكية, وإما بأن المعنى: لا أجد الآن, والتحريم في المستقبل لا ينافيه حتى يلزم منه نسخه به, غايته أن عدم التحريم في المستقبل ثابت بالآية ورفع بالخبر, لكن عدم التحريم معناه بقاء الإباحة الأصلية, فالخبر قد حرم حلال الأصل ولم يرفع حكمًا شرعيًا, ومثله ليس نسخًا اتفاقًا.
قيل: معنى أجيب إما بمنعه بأن يقال: لا نسلم أن الآية منسوخة فإنها لا تدل على إباحة الجميع حتى يكون تحريم كل ذي ناب ناسخًا, بل يدل على عدم وجدان المحرم, وعدم وجدان المحرم بالوحي لا يدل على إباحة الجميع.
وإما بأن المعنى: لا أجد الآن محرمًا, فيكون مؤقتًا, والمؤقت لا يكون منسوخًا, ونهيه عن أكل كل ذي ناب راجع إلى مباح الأصل.
قال: (ويتعين الناسخ بعلم تأخره, وبقوله ﵇: هذا ناسخ أو ما في معناه, مثل: «كنت نهيتكم» , أو الإجماع.
ولا يثبت بتعيين الصحابي إذ قد يكون عن اجتهاد, وفي تعيين أحد المتواترين نظر, ولا يثبت بقبليته في المصحف, ولا بحداثة الصحابي, ولا
стр. 1181
بتأخر إسلامه, ولا بموافقة الأصل, وإذا لم يعلم ذلك, فالوجه الوقف لا التخيير).
أقول: مما تدعو الحاجة إليه طريق معرفة الناسخ والمنسوخ, فإذا تعارض نصان من كل وجه فإن علم المتأخر فهو ناسخ, ويعلم التأخر بضبط التاريخ, مثل أن يعلم أن هذه نزلت في الخامسة من الهجرة والأخرى في السادسة.
ومنها: أن يقول ﵇: هذا ناسخ إما صريحًا, وإما بذكر ما في معناه, مثل: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور, فزوروها» , ومثل: «كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي, فكلوا وادخروا».
ومنه: الإجماع على أن هذا ناسخ لهذا, فلو قال الصحابي: كان الحكم كذا ثم نسخ, لم يكن طريقًا صحيحًا لمعرفة التأخر, إذ قد يكون ذلك منه اجتهد, ولا يجب اتباع المجتهد له فيه, فلو لم يتعرض للنسخ ولكنه عين أحد الدليلين المتقدمين, فإن كانا متواترين, فقال المصنف: «فيه نظر» من حيث إنه نسخ للمتواتر بالآحاد, أو نسخ بالمتواتر والآحاد؛ لأنه وإن لم يقبل / قوله - ابتداء -: هذا ناسخ, فلا يلزم ألا يقبل فيما أدى إليه, كما يثبت
стр. 1182
الإحصان بشاهدين - مع أنه يترتب عليه الرجم - الذي لا يثبت ابتداء إلا بأربعة, وكقبول شهادة النساء في الولادة وإن ترتب عليها النسب, قال أبو الحسين البصري: «وهذا يقتضي الجواز العقلي لا الوقوع».
قيل: وجه النظر أنه يستلزم ألا يثبت التأخر بقول جميع الأمة, لاستلزامه كون الإجماع ناسخًا.
قلت: جزم المصنف بأنه لا يثبت النسخ بقوله, وتردد هل يثبت التأخر بقوله وإن كان ذلك يستلزم النسخ. وظاهر ما اعتلوا به أنه لو عين تأخر أحد الظنيين أو تأخر القطعي قبل منه, وأما قبليته في المصحف, فلا يستلزم قبليته في النزول.
وكذا حداثة سن الصحابي لا تدل على أن ما رواه متأخرًا, إذ قد يكون ما روه متقدم الإسلام متأخرًا, اللهم إلا أن تنقطع صحبة الأول قبل صحبة الثاني. وكذا تأخر إسلام الراوي أيضًا لا يقتضي تأخر ما رواه.
ولا يثبت التأخر أيضًا بكونه موافقًا للبراءة الأصلية, مستروحًا أنه لو تقدم لم يفد إلا علم بالأصل, فيكون عريًا عن فائدة جديدة, وإذا تأخر أفاد الأول رفع حكم الأصل, والآخر رفع الحكم الشرعي.
وإذ لم يعلم الناسخ معينًا بطريقه, فإن كانا قطعيين وجب الوقف عن العمل, أو التخيير, واختار المصنف الوقف.
والأظهر الوقف إذا كانا قطعيين, وإن كانا ظنيين فالتخيير, ولو كان
стр. 1183
بينهما عموم وخصوص من وجه, فهما كما إذا تنافيا من كل وجه.
قال: (مسألة: الجمهور على جواز نسخ السنة بالقرآن, وللشافعي قولان.
لنا: لو امتنع لكان بغيره, والأصل عدمه.
وأيضًا: التوجه إلى بيت المقدس بالسنة ونسخ بالقرآن, والمباشرة بالليل كذلك, وصوم عاشوراء.
وأجيب: بجواز نسخه بالسنة, ووافق القرآن.
وأجيب: بأن ذلك يمنع تعين ناسخ أبدًا.
قالوا: تبيين, والنسخ رفع لا بيان.
قلنا: المعنى لتبلغ, ولو سلّم فالنسخ أيضًا بيان, ولو سلمّ فأين نفي النسخ؟ .
قالوا: منفر.
قلنا: إذا علم أنه مبلغ فلا نفرة).
أقول: يجوز نسخ السنة بالقرآن, وعن الشافعي أنه غير جائز.
لنا: لو امتنع لكان امتناعه لغيره؛ لأنه بالنظر إلى ذاته لو فرض لم يلزم منه محال, وأما انتفاء اللازم؛ فلأن الأصل عدم غيره.
стр. 1184
وأيضًا: لو لم يجز لم يقع, وقد وقع, فإن التوجه إلى بيت المقدس بالسنة إذ ليس في الآية ما يدل عليه, ونسخ القرآن.
وأيضًا: حرمة المباشرة بعد الفطر ثبت بالسنة ونسخ بالقرآن.
ووجوب صوم عاشوراء بالسنة ونسخ القرآن.
واعترض: بأنا لا نسلم أن النسخ فيما ذكرتم من الصوم بالقرآن, ولم لا يجوز أن يكون بالسنة, ونزل الكتاب على وفقها, أو ثبت أولًا بقرآن ثم نسخت تلاوته وحكمه, أو بقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ / أو أنه بيان لأقيموا الصلاة المجمل وفسّر بأمور, منها التوجه إلى بيت المقدس فيكون داخلًا في الأمر.
الجواب عن الأولين: أن ذلك لو صح لمنع تعيين ناسخ أبدًا, لتطرق ذلك الاحتمال إليه, وهو خلاف الإجماع.
قلت: ولا يلزم ذلك فيما علم بقوله ﵇ هذا ناسخ, ولا فيما علم بالإجماع, نعم ينفى بالأصل إذ الأصل عدمه.
وعن الثالث: أن الآية لا تقتضي بيت المقدس عينًا, الذي هو الواجب المنسوخ.
وعن الرابع: أنا لا نسلم أن الداخل في البيان كالملفوظ به في جميع أحكامه, حتى ينسخ دون المبين.
стр. 1185
قالوا: قال تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ , يدل على أن الرسول مبين للقرآن بالسنة, فلو نسخت به لم يكن بيانًا له, لأن النسخ رفع المنسوخ بالناسخ وليس بيانًا للناسخ بالمنسوخ, والمرفوع لا يكون بيانًا لرافعه.
الجواب: أن المعني بالبيان في الآية تبليغه إليهم لأنه أظهر, تفاديًا عن الإجمال والتخصيص؛ لأن الإبلاغ عام فيه, بخلاف البيان لاختصاصه ببعضه كالعام والمجمل والمطلق والمنسوخ.
سلمنا أن المراد تبيين المجمل والعام والمطلق والمنسوخ, ولا نسلم أن النسخ ليس ببيان, بل هو مع كونه رافعًا للسنة بيان لها, ولا يمنع كونها مبينة له أن تكون مرفوعة به, فإن القرآن بيان لقوله تعالى: ﴿تبيانًا لكل شيء﴾ , مع أنه ينسخ بالقرآن, مع أن الآية إنما دلت على أنه المبيّن, فيبين تارة بالكتاب, وتارة بالسنة, فيرجع قوله: (النسخ أيضًا بيان) إلى المعارضة؛ لأن معنى «أيضًا» في قوله: فالنسخ أيضًا بيان, أنه لا تختص السنة بذلك, فلو صح ما ذكرتم لزم ألا ينسخ بعض القرآن بعضًا.
سلمنا أنه ليس ببيان, فمن أين ثبت نفي نسخ السنة بالقرآن؟ والآية لا تدل على أن كل سنة بيان للقرآن, غايته أنها تدل على أن القرآن لا ينسخ من السنة ما كان منها بيانًا له, فالسنة مبينة لغير ما هو ناسخ لها, والناسخ لها مبين لها.
стр. 1186
قالوا: نسخ السنة بالقرآن منفر للناس عن النبي ﵇ وطاعته؛ لأنه يوهم أن الله لم يرض بما سنه نبيه, فلا يحصل مقصود البعثة.
الجواب: أنه إذا علم أنه ﵇ مبلغ الإحكام - لا أنه واضع لها - فلا نفرة حينئذٍ.
قال: (مسألة: الجمهور على جواز نسخ القرآن بالخبر المتواتر , ومنع الشافعي.
لنا: ما تقدم.
واستدل: بأن «لا وصية لوارث» نسخ الوصية للوالدين والأقربين, والرجم للمحصن نسخ الجلد.
وأجيب: بأنه يلزم ن سخ المعلوم بالمظنون, وهو خلاف الفرض.
قالوا: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ , والسنة ليست كذلك, ولأنه قال: ﴿نأت / بخير منها﴾ , والضمير لله.
وأجيب: بأن المراد الحكم؛ لأن القرآن لا تفاضل فيه, فيكون أصلح للمكلف أو مساويًا, وصح ﴿نأت﴾؛ لأن الجميع من عنده.
قالوا: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله﴾.
قلنا: ظاهر في الوحي, ولو سلّم فالسنة أيضًا بالوحي).
أقول: الجمهور على جواز نسخ القرآن بالخبر المتواتر, ومنعه
стр. 1187
الشافعي.
لنا: ما تقدم وهو: لو امتنع لكان لغيره, والأصل عدمه.
واستدل أيضًا: بالوقوع, روى الترمذي, والنسائي عن ﵇: «لا وصية لوارث» , وهو ناسخ لقوله تعالى: ﴿الوصية للوالدين والأقربين﴾ , والرجم للمحصن ثبت بفعله, وهو ناسخ لآية الجلد.
أجيب: لو صح ما ذكرتم لزم نسخ المعلوم بالمظنون؛ لأن الخبرين آحاد وهو خلاف الفرض الذي هو نسخ القرآن بالخبر المتواتر, ثم يكون من الصورة التي لا تجوز باتفاق.
قيل: معنى خلاف الفرض: أي المفروض أن خبر الواحد - الذي هو مظنون - لا ينسخ القرآن - الذي هو مقطوع به - وهذا الفرض لزم من الدعوى بطريق المفهوم؛ لأن تقييد الخبر بالمتواتر في الدعوى يدل على أنه لا يجوز نسخ القرآن بالآحاد.
قلت: وهو بعيد من لفظه.
قيل: قوله: (خلاف الفرض) يشعر بأن المجيب قد سلم النسخ بخبر الواحد, لكن منع إفادته للمطلوب, وحينئذ يلزم النسخ بالمتواتر بطريق الأحرى.
стр. 1188
قلت: لو سلم إشعاره بذلك فهو خلاف الفرض؛ لأنه جعل دليل الجواز الوقوع ففرض الوقوع ولا يلزم من وقوع النسخ بخبر الواحد وقوعه بالمتواتر.
قيل: إنما ردّ الجواز, وإلا كان قوله: (يلزم نسخ المعلوم بالمظنون) ضائعًا, إذ يكفي قوله: (خلاف الفرض) على ذلك التقدير, فالأولى أن يحمل قوله: (خلاف الفرض) أي خلاف المجمع عليه.
قلت: لا يكون ضائعًا؛ لأنه بيّن به أن المذكور آحاد, ليرد قول من قال إنه متواتر, وحَمْلُ خلاف الفرض على ما ذكر لا يشك في بعده.
واعلم أنه لو صح تواترهما لم ينتهض على الخصم.
أما الأولى: فلحمل الوالدين على غير الوارثين فلا نسخ.
سلمنا عمومها, لكن منسوخة بآية المواريث على ما قدم.
أما الثانية: فتخصيص أيضًا فلا نسخ, ولو سلم فمنسوخة بالشيخ والشيخة, أو بغيرها من القرآن, يدل على ذلك قوله ﵇: «لأقضين بينكما بكتاب الله» , ثم قال في آخر الحديث: «واغد يا أنيس
стр. 1189
على امرأة هذا, فإن اعترفت فارجمها» , وهذا الطريق أولى؛ لأن الرجم في المحصن متواتر عند المحدثين.
احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ , يدل على عدم جواز نسخة بالسنة؛ لأن / ما ينسخ به القرآن يجب أن يكون خيرًا أو مثلًا, والسنة ليست كذلك.
وأيضًا: قال ﴿نأت﴾ الضمير لله, فيجب ألا ينسخ إلا بما أتى الله به وهو القرآن.
الجواب: أن المراد من الآية: ننسخ حكمها؛ لأنه وصف البدل بالخير, والقرآن خير كله ولا يفضل بعضه بعضًا بحسب اللفظ, نعم يكون ذلك باعتبار الحكم, وحكم السنة قد يكون خيرًا أو مثلًا من حيث كونه أصلح للمكلف, أو مساويًا للمنسوخ باعتبار الثواب وغيره.
قوله: ولأن الضمير في نأت لله.
قلنا: السنة أيضًا من عند الله, لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ , وهذا الجواب مخالف لم أجاب به عن الآية في مسألة النسخ من
стр. 1190
غير بدل, وقد سلك غير المصنف في الجواب ما هو أولى, وهو: أن الآية لا تفيد أن الخير هو الناسخ؛ لأنه رتب الإتيان به على نسخ الآية, فلو كان الخير هو الناسخ لترتب نسخ الآية على الإتيان به ويدور.
وإنما قلنا: إنه أولى؛ لأن قوله: (القرآن لا تفاضل فيه) ممنوع.
قال القاضي عياض: قال ابن راهويه: يفضل بعضه بعضًا, وهو أيضًا أفضل من سائر الكتب, وذلك راجع إلى عظم الأجر.
وقاله غيره من المتكلمين, ومنع ذلك الأشعري, والقاضي, وبعض الفقهاء؛ لأن مقتضى الأفضل نقص المفضول, وما ورد من ذلك فمعناه فاضل وعظيم.
وحكى السهيلي عن ابن أبي زيد, وابن القابسي ذلك, في نفي أن لله اسمًا أعظم.
واعلم أن للمجيب أن يمنع كونه السنة ليست مثلًا للمنسوخ لفظه من القرآن.
قالوا: قال تعالى: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ نفى جواز التبديل عنه, والنسخ تبديل فينتفي جوازه.
стр. 1191
الجواب: أن الضمير ظاهر عوده إلى الوحي, فهو ظاهر في عدم تبديل الوحي, ولا يدل على منع تبديل الحكم.
ولو سلم, فقد سبق أن السنة بالوحي, فلا يكون بدّله من تلقاء نفسه بل الله بدّله.
قال: (مسألة: الجمهور على أن الإجماع لا ينسخ .
لنا: لو نسخ بنص قاطع أو إجماع قاطع, كان الأول خطأ, ولو نسخ بغيرهما فأبعد, للعلم بتقديم القاطع.
قالوا: لو اتفقت الأمة على قولين فإجماع على إنها اجتهادية, فلو اتفق على أحدهما كان نسخًا.
قلنا: لا نسخ بعد تسليم جوازه, وقد تقدمت).
أقول: اختلفوا في جواز نسخ الحكم الثابت بالإجماع القطعي, وإنما قيدنا الإجماع بالقطعي, لقوله: (للعم بتقديم القاطع) , والجمهور على منعه.
لنا: لو نسخ, فإما بنص قاطع أو إجماع قاطع أو بغيرهما, ولو كان / بنص قاطع, كان الإجماع الأول خطأ لمعارضة القاطع إياه.
قيل: الصواب أن يقول: يلزم أن يكون أحدهما خطأ؛ لأن التقدير أن كلًا منهما قطعي, فتعيين أحدهما للخطأ ترجيح بلا مرجح.
стр. 1192
وفيه نظر؛ لأن تأخر أحدهما معينًا مرجح له, كما هو في كل ناسخ.
ولو نسخ بظني من كتاب أو سنة أو قياس أو إجماع ظني, كالمنقول بالآحاد أو السكوتي, فأبعد عن الصواب, للعلم بتقديم القاطع على غيره, فيلزم خلاف المعقول.
قالوا: لو اختلفت الأمة على قولين, فهو إجماع على أن المسألة اجتهادية يجوز الأخذ فيها بكل واحد من القولين, فإذا أجمعوا على أحد القولين بطل الجواز الذي هو مقتضى الإجماع الأول, وهو معنى النسخ.
الجواب: لا نسلم جواز ذلك فإنه مختلف فيه, ولو سلم لا يكون نسخًا لما تقدم أن الإجماع الأول مشروط بعدم الإجماع الثاني, فينتفي الأول لانتفاء شرطه لا لكونه منسوخًا, وقد تقدمت هذه الشبهة في الإجماع.
قال: (مسألة: الجمهور على أن الإجماع لا ينسخ؛ لأنه إن كان عن نص, فالنص الناسخ, فإن كان عن غير نص - والأول قطعي - فالإجماع خطأ, أو ظني فقد زال شرط العمل به, وهو رجحانه.
قالوا: قال ابن عباس لعثمان: «كيف تحجب الأم بالأخوين, وقد قال الله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة﴾ , والأخوان ليسا إخوة؟ ».
فقال: حجبهما قومك يا غلام.
قلنا: إنما يكون نسخًا بثبوت المفهوم قطعًا, وأن الأخوين ليسا إخوة قطعًا, فيجب تقدير النص, وإلا كان الإجماع خطأ).
أقول: الجمهور على أنه الإجماع لا ينسخ به.
стр. 1193
وخالف ابن أبان وبعض المعتزلة؛ لأن الإجماع إن كان عن نص فالنص هو الناسخ, وإن كان عن غير نص تعين أن يكون قياسًا, فمستند الحكم الأول إن كان قطعيًا فالإجماع خطأ؛ لأنه على خلاف القاطع, وإن كان ظنيًا لم يبق مع الإجماع على خلافه دليل؛ لأن شرط العمل به رجحانه وإفادته الظن, وقد انتفى بمعارضة القاطع له وهو الإجماع, فلا نسخ لتوقف نسخه على ثبوته, وهو غير ثابت لزوال شرط العمل به.
قيل: قوله: (فالنص الناسخ) , لا يخالفه الخصم, إذ لا يقول الإجماع لذاته ناسخ, كيف ولا إجماع إلا عند مستند, فالخلاف لفظي.
قال: وقوله: (تبين زوال شرط العمل به وهو رجحانه) منقوض بكل ناسخ, فإن المنسوخ ترك العمل به لأنه صار مرجوحًا بناسخه, وكان العمل مشروطًا برجحانه فإذًا المراد بالرجحان المذكور رجحان ليس بحسب التاريخ.
قالوا: قال ابن عباس لعثمان: «كيف تحجب الأم عن الثلث / بالأخوين وقد قال الله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ , والأخوان ليسا إخوة؟ فقال عثمان: حجبهما قومك يا غلام» , وهذا تصريح بترك
стр. 1194
حكم القرآن للإجماع, وهو معنى النسخ.
الجواب: لا نسلم النسخ, فإنه يتوقف على أن الآية أفادت عدم حجب ما ليس بإخوة قطعًا, وعلى أن الأخوين ليسا إخوة قطعًا, فإن ذلك لو ثبت بدليل ظاهر وجب حمله على غير ظاهره دفعًا للنسخ, لكن دليل شيء منها ليس بقاطع, فإن الأول فرع ثبوت المفهوم, وإن ثبت فبظاهر, والثاني فرع أن الجمع لا يطلق لاثنين, وإن ثبت أنه ليس حقيقة فيه, لكن الجواز مجاز مما لا ينكر, ولم سلم فيجب تقدير ن ص قد حدث قطعًا ليكون النسخ به, وإلا كان الإجماع على خلاف القاطع, فكان خطأ وأنه باطل, وقد تقدم أنهم لو عملوا بخلاف نص تضمن ناسخًا.
قال: (مسألة: المختار أن القياس المظنون لا يكون ناسخًا, ولا منسوخًا .
أما الأول: فإن ما قبله إن كان قطعيًا لم ينسخ بالمظنون, وإن كان ظنيًا فقد تبين زوال شرط العمل به وهو رجحانه لأنه ثبت مقيدًا, كان المصيب واحدًا أم لا.
وأما الثاني: فلأن ما بعده قطعي أو ظني بين زوال شرط العمل به, وأما المقطوع فنسخ بالمقطوع في حياته, وأما بعده فتبين أنه كان منسوخًا.
قالوا: صح التخصيص فيصح.
قلنا: منقوض [بالعقل] , والإجماع, وخبر الواحد).
أقول: القياس إما أن يكون مظنونًا, وإما أن يكون مقطوعًا.
стр. 1195
أما الأول: فالمختار أنه لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا, أما أنه لا يكون ناسخًا؛ فلأن ما فرض منسوخًا إما قطعي أو ظني, فإن كان قطعيًا لم يجز نسخه؛ لأن نسخ المقطوع بالمظنون لا يجوز, وإن كان ظنيًا فقد تبين زوال شرط العمل به وهو رجحانه؛ لأن العمل به مقيد بعدم ظهور معارض راجح أو مساو, فلا يعمل به عند ظهور معارض راجح, سواء قلنا كل مجتهد مصيب, أو قلنا المصيب واحد, وحينئذ كان الواجب العمل به ما لم يظهر راجح, وقد عمل به فلم يرفع, ولا حكم له في الزمان الذي ظهر فيه الراجح فيرفع, فلا رفع لحكمه على التقديرين, فلا نسخ.
وأما أنه لا يكون منسوخًا؛ فلأن ما بعده لا يخلو عن أن يكون قطعيًا أو ظنيًا راجحًا, وإلا لم يقدم عليه, وأيّا ما كان فقد بان زوال شرط العمل به؛ لأن شرط العمل به رجحانه.
وأما المقطوع, فينسخ في حياته ﵇ بالمقطوع؛ لأن حكم هذا القياس حكم النص القاطع, فكما جاز نسخ القاطع بالقاطع, فكذا ينسخ القياس القطعي بالقاطع, وأما بعده ﵇ فلا ينسخ, إذ لا ولاية للأمة على النسخ, نعم قد يظهر أنه كان منسوخًا, بأن يظهر حكم أصله,
следующие страницы →