Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
الجواب: أن الضمير ظاهر عوده إلى الوحي, فهو ظاهر في عدم تبديل الوحي, ولا يدل على منع تبديل الحكم.
ولو سلم, فقد سبق أن السنة بالوحي, فلا يكون بدّله من تلقاء نفسه بل الله بدّله.
قال: (مسألة: الجمهور على أن الإجماع لا ينسخ .
لنا: لو نسخ بنص قاطع أو إجماع قاطع, كان الأول خطأ, ولو نسخ بغيرهما فأبعد, للعلم بتقديم القاطع.
قالوا: لو اتفقت الأمة على قولين فإجماع على إنها اجتهادية, فلو اتفق على أحدهما كان نسخًا.
قلنا: لا نسخ بعد تسليم جوازه, وقد تقدمت).
أقول: اختلفوا في جواز نسخ الحكم الثابت بالإجماع القطعي, وإنما قيدنا الإجماع بالقطعي, لقوله: (للعم بتقديم القاطع) , والجمهور على منعه.
لنا: لو نسخ, فإما بنص قاطع أو إجماع قاطع أو بغيرهما, ولو كان / بنص قاطع, كان الإجماع الأول خطأ لمعارضة القاطع إياه.
قيل: الصواب أن يقول: يلزم أن يكون أحدهما خطأ؛ لأن التقدير أن كلًا منهما قطعي, فتعيين أحدهما للخطأ ترجيح بلا مرجح.
стр. 1192
وفيه نظر؛ لأن تأخر أحدهما معينًا مرجح له, كما هو في كل ناسخ.
ولو نسخ بظني من كتاب أو سنة أو قياس أو إجماع ظني, كالمنقول بالآحاد أو السكوتي, فأبعد عن الصواب, للعلم بتقديم القاطع على غيره, فيلزم خلاف المعقول.
قالوا: لو اختلفت الأمة على قولين, فهو إجماع على أن المسألة اجتهادية يجوز الأخذ فيها بكل واحد من القولين, فإذا أجمعوا على أحد القولين بطل الجواز الذي هو مقتضى الإجماع الأول, وهو معنى النسخ.
الجواب: لا نسلم جواز ذلك فإنه مختلف فيه, ولو سلم لا يكون نسخًا لما تقدم أن الإجماع الأول مشروط بعدم الإجماع الثاني, فينتفي الأول لانتفاء شرطه لا لكونه منسوخًا, وقد تقدمت هذه الشبهة في الإجماع.
قال: (مسألة: الجمهور على أن الإجماع لا ينسخ؛ لأنه إن كان عن نص, فالنص الناسخ, فإن كان عن غير نص - والأول قطعي - فالإجماع خطأ, أو ظني فقد زال شرط العمل به, وهو رجحانه.
قالوا: قال ابن عباس لعثمان: «كيف تحجب الأم بالأخوين, وقد قال الله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة﴾ , والأخوان ليسا إخوة؟ ».
فقال: حجبهما قومك يا غلام.
قلنا: إنما يكون نسخًا بثبوت المفهوم قطعًا, وأن الأخوين ليسا إخوة قطعًا, فيجب تقدير النص, وإلا كان الإجماع خطأ).
أقول: الجمهور على أنه الإجماع لا ينسخ به.
стр. 1193
وخالف ابن أبان وبعض المعتزلة؛ لأن الإجماع إن كان عن نص فالنص هو الناسخ, وإن كان عن غير نص تعين أن يكون قياسًا, فمستند الحكم الأول إن كان قطعيًا فالإجماع خطأ؛ لأنه على خلاف القاطع, وإن كان ظنيًا لم يبق مع الإجماع على خلافه دليل؛ لأن شرط العمل به رجحانه وإفادته الظن, وقد انتفى بمعارضة القاطع له وهو الإجماع, فلا نسخ لتوقف نسخه على ثبوته, وهو غير ثابت لزوال شرط العمل به.
قيل: قوله: (فالنص الناسخ) , لا يخالفه الخصم, إذ لا يقول الإجماع لذاته ناسخ, كيف ولا إجماع إلا عند مستند, فالخلاف لفظي.
قال: وقوله: (تبين زوال شرط العمل به وهو رجحانه) منقوض بكل ناسخ, فإن المنسوخ ترك العمل به لأنه صار مرجوحًا بناسخه, وكان العمل مشروطًا برجحانه فإذًا المراد بالرجحان المذكور رجحان ليس بحسب التاريخ.
قالوا: قال ابن عباس لعثمان: «كيف تحجب الأم عن الثلث / بالأخوين وقد قال الله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ , والأخوان ليسا إخوة؟ فقال عثمان: حجبهما قومك يا غلام» , وهذا تصريح بترك
стр. 1194
حكم القرآن للإجماع, وهو معنى النسخ.
الجواب: لا نسلم النسخ, فإنه يتوقف على أن الآية أفادت عدم حجب ما ليس بإخوة قطعًا, وعلى أن الأخوين ليسا إخوة قطعًا, فإن ذلك لو ثبت بدليل ظاهر وجب حمله على غير ظاهره دفعًا للنسخ, لكن دليل شيء منها ليس بقاطع, فإن الأول فرع ثبوت المفهوم, وإن ثبت فبظاهر, والثاني فرع أن الجمع لا يطلق لاثنين, وإن ثبت أنه ليس حقيقة فيه, لكن الجواز مجاز مما لا ينكر, ولم سلم فيجب تقدير ن ص قد حدث قطعًا ليكون النسخ به, وإلا كان الإجماع على خلاف القاطع, فكان خطأ وأنه باطل, وقد تقدم أنهم لو عملوا بخلاف نص تضمن ناسخًا.
قال: (مسألة: المختار أن القياس المظنون لا يكون ناسخًا, ولا منسوخًا .
أما الأول: فإن ما قبله إن كان قطعيًا لم ينسخ بالمظنون, وإن كان ظنيًا فقد تبين زوال شرط العمل به وهو رجحانه لأنه ثبت مقيدًا, كان المصيب واحدًا أم لا.
وأما الثاني: فلأن ما بعده قطعي أو ظني بين زوال شرط العمل به, وأما المقطوع فنسخ بالمقطوع في حياته, وأما بعده فتبين أنه كان منسوخًا.
قالوا: صح التخصيص فيصح.
قلنا: منقوض [بالعقل] , والإجماع, وخبر الواحد).
أقول: القياس إما أن يكون مظنونًا, وإما أن يكون مقطوعًا.
стр. 1195
أما الأول: فالمختار أنه لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا, أما أنه لا يكون ناسخًا؛ فلأن ما فرض منسوخًا إما قطعي أو ظني, فإن كان قطعيًا لم يجز نسخه؛ لأن نسخ المقطوع بالمظنون لا يجوز, وإن كان ظنيًا فقد تبين زوال شرط العمل به وهو رجحانه؛ لأن العمل به مقيد بعدم ظهور معارض راجح أو مساو, فلا يعمل به عند ظهور معارض راجح, سواء قلنا كل مجتهد مصيب, أو قلنا المصيب واحد, وحينئذ كان الواجب العمل به ما لم يظهر راجح, وقد عمل به فلم يرفع, ولا حكم له في الزمان الذي ظهر فيه الراجح فيرفع, فلا رفع لحكمه على التقديرين, فلا نسخ.
وأما أنه لا يكون منسوخًا؛ فلأن ما بعده لا يخلو عن أن يكون قطعيًا أو ظنيًا راجحًا, وإلا لم يقدم عليه, وأيّا ما كان فقد بان زوال شرط العمل به؛ لأن شرط العمل به رجحانه.
وأما المقطوع, فينسخ في حياته ﵇ بالمقطوع؛ لأن حكم هذا القياس حكم النص القاطع, فكما جاز نسخ القاطع بالقاطع, فكذا ينسخ القياس القطعي بالقاطع, وأما بعده ﵇ فلا ينسخ, إذ لا ولاية للأمة على النسخ, نعم قد يظهر أنه كان منسوخًا, بأن يظهر حكم أصله,
стр. 1196
وأما أنه ينسخ به فلا نزاع فيه, وإنما تركه لظهوره.
قالوا: يجوز النسخ بالقياس المظنون قياسًا على التخصيص به, بجامع أن كلًا منهما تخصيص, وكون أحدهما في الأعيان والآخر في الأذهان لا يصلح فارقًا.
الجواب: النقض بالعقل, والإجماع, وخبر الواحد, فإنها تخصص ولا تنسخ.
وفيه نظر؛ لأن المخصص سند الإجماع, وخبر الواحد قيل: ينسخ.
قال: (مسألة: المختار جواز نسخ أصل الفحوى دونه, وامتناع نسخ الفحوى دون أصله, ومنهم من جوزهما, ومنهم من منعهما.
لنا: أن جواز التأفيف بعد تحريمه لا يستلزم جواز الضرب, وبقاء الحرمة يستلزم تحريم الضرب, وإلا لم يكن معلومًا منه.
المجوز: دلالتان يجوز رفع كل منهما.
قلنا: إذا لم يكن استلزام.
المانع: الفحوى تابع فيرتفع بارتفاع متبوعه.
قلنا: تابع الدلالة لا للحكم, والدلالة باقية).
أقول: لا خلاف في جواز النسخ بالفحوى, ولا خلاف في نسخ حكم الفحوى, وإنما الخلاف في جواز نسخ الفحوى دون الأصل, ونسخ الأصل دون الفحوى.
стр. 1197
وثالثها المختار: جواز نسخ الأصل دون الفحوى.
لنا: أن تحريم التأفيف ملزوم لتحريم الضرب, وإلا لم يعلم منه من غير عكس للأولوية في الفرع, ونسخ الفحوى دون الأصل معناه بقاء تحريم التأفيف وانتفاء تحريم الضرب, وهو وجود الملزوم مع عدم اللازم وأنه محال, وأما عكسه وهو انتفاء تحريم التأفيف مع بقاء تحريم الضرب, فهو رفع الملزوم مع بقاء اللازم, وليس بممتنع.
قيل عليه: لا منافاة بين الاستلزام بحسب الفهم وعدم الاستلزام بدليل خارجي.
القائلون بالجواز فيهما قالوا: إفادة اللفظ الأصل والفحوى دلالتان متغايرتان, فجاز رفع كل منهما بدون الآخر.
الجواب: لا نسلم دلالة التغاير على جواز رفع كل منهما بدون الآخر, وإنما يصح ذلك إذا لم يكن أحد الغيرين مستلزمًا للآخر.
القائلون بالامتناع فيهما قالوا: أما الفحوى دون الأصل فلما قلتم, وأما الأصل دون الفحوى, فلأن الفحوى تابع للأصل, وإذا ارتفع الأصل لم يمكن بقاء الفحوى, لوجوب ارتفاع التابع بارتفاع متبوعه, وإلا لم يكن تابعًا له.
الجواب: أن دلالة اللفظ على الفحوى تابعة لدلالته على الأصل, وليس حكمها تابعًا لحكمه, فإن فهمنا لتحريم الضرب حصل من فهمنا تحريم
стр. 1198
التأفيف؛ لأن الضرب إنما كان حرامًا لأن التأفيف حرام, ولولا حرمة التأفيف لما كان الضرب حرامًا, والذي [هو] يرتفع [هو تحريم التأفيف لا دلالة اللفظ عليه فإنها باقية, إلا أنه لا يعمل بمقتضاها لدليل خاص بالأصل, فالمتبوع لم يرتفع, والمرتفع] ليس بمتبوع.
قال: (مسألة: المختار أن نسخ حكم أصل القياس لا يبقى معه حكم الفرع.
لنا: خرجت العلة من الاعتبار فلا فرع.
قالوا: الفرع تابع للدلالة لا / للحكم كالفحوى.
قلنا: يلزم من زوال الحكم زوال الحكمة المعتبرة, فيزول الحكم مطلقًا لانتفاء الحكمة.
قالوا: حكمتم بالقياس على انتفاء الحكم بغير علة.
قلنا: حكمنا بانتفاء الحكم لانتفاء علته).
أقول: إذا نسخ حكم أصل القياس, فالمختار أنه لا يبقى حكم الفرع, خلافًا لبعض الحنفية, وعلى أنه لا يبقى ففي تسميته نسخًا
стр. 1199
نزاع لفظي.
لنا: أنه يستلزم خروج علة الأصل عن كونها معتبرة شرعًا, حيث علم إلغاؤها بعد ثبوت الحكم معها في الأصل, والفرع إنما يثبت بالعلة, فإذا انتفت العلة انتفى الفرع, وإلا لزم ثبوت الحكم بلا دليل.
قيل: العلة أمارة الحكم لا موجبة له, والأمارة إنما يحتاج إليها ابتداء لا دوامًا, كما مرّ في نسخ الحكم دون التلاوة.
قيل: وفيه نظر؛ لأن العلة باعثة لا أمارة, والباعث يحتاج إليه دائمًا.
وردّ: بأن مراده من الأمارة المعرفة, أعم من أن يكون باعثًا أو مجرد أمارة لأنه جعله قسيم الموجب, ولو سلم فلا نسلم أن الباعث يحتاج إليه دائمًا, بل يحتاج إليه عند تأثير الفاعل في حصول المعلول فقط.
قالوا أولًا: الفرع تابع لدلالة حكم الأصل على علة الأصل لا الحكم الأصل, فلا يلزم من انتفاء الحكم انتفاء الدلالة, ولم يحدث شيء إلا انتفاء الحكم والدلالة باقية, فيبقى حكم الفرع, وهو بعينه الذي صرتم إليه في جواز نسخ الأصل دون الفحوى.
الجواب: أنا لا نسلم أنه لم يحدث شيء إلا انتفاء الحكم, بل ثبت انتفاء الحكمة المعتبرة شرعًا, وهو ملزوم لانتفاء الحكم, لاستحالة بقائه بغير حكمة معتبرة فينتفي الحكم, ولا كذلك في المفهوم, إذ لا يلزم من انتفاء الحكمة المحرمة للتأفيف انتفاء الحكمة المحرمة للضرب, إذ لا يلزم من ارتفاع الأضعف ارتفاع الأقوى, ويلزم من ارتفاع الأقوى ارتفاع الأضعف.
стр. 1200
قالوا: هذا حكم يرفع حكم الفرع, قياسًا على رفع حكم الأصل من غير علة جامعة بينهما موجبة للرفع, والقياس بلا جامع فاسد, ولو سلم الجامع فالقياس المظنون لا يكون ناسخًا.
الجواب: ليس حكمًا بالقياس, بل بانتفاء الحكم لانتفاء علته, وهو نوع من الاستدلال لا يحتاج إلى أصل, وفرع, وعلة.
نعم, علمنا عدم اعتبار العلة ببطلان حكم الأصل, لا أنا قسنا الفرع في عدم الحكم على الأصل بجامع عدم العلة.
قال: (مسألة: المختار أن الناسخ قبل تبليغه ﵇ لا يثبت حكمه.
لنا: لو ثبت لأدى إلى وجوب وتحريم, للقطع بأنه لو ترك الأول أثم.
وأيضًا: لو / عمل بالثاني عصى اتفاقًا.
وأيضًا: يلزم قبل تبليغ جبريل, وهو اتفاق.
قالوا: حكم, فلا يعتبر علم المكلف.
قلنا: لابد من اعتبار التمكن, وهو منتف).
أقول: ذهب أصحابنا, والحنفية, والحنابلة, وبعض الشافعية إلى أن الناسخ لا يثبت حكمه في حق من لم يبلغه, خلافًا لبعض الشافعية.
стр. 1201
والمصنف تابع للآمدي, وفرضها فيما إذا بلغ الخطاب النبي ﵇ فقبل تبليغه إلى المكلفين هل يثبت حكمه في حقهم أم لا؟ .
قال القاضي عياض: منهم من قال يثبت النسخ في حقه, لكن يشترط أن يبلغه, وهو خلاف في عبارة, وكلهم مجمعون على بقائه على الحكم الأول وإجزائه؛ إذ الجاهل لا يثبت التكليف في حقه بما جهله, وهذا مما يستحيل, وإنما ذهب إلى ثبوت النسخ في حقه طائفة من الفقهاء الذين لم يقووا في الأصول.
وقال الإمام في البرهان: «النزاع لفظي».
لنا: لو ثبت حكمه لأدى إلى وجوب وتحريم في محل واحد وهو محال, أما الملازمة؛ فلأنه لو ترك العمل بالأول قبل بلوغ الثاني إليه لأثم بتركه, قال الآمدي: «إجماعًا» , وهو ظاهر كلام الغزالي, وكلام عياض المتقدم.
ولو أثبته بالإجماع لكان أولى من إثباته بالقطع, فلو كان الحكم الثاني ثابتًا - وكان حظرًا - لكان ذلك الفعل قبل بلوغ الناسخ واجبًا حرامًا.
ولنا أيضًا: أنه لو عمل بالثاني - وهو معتقد عدم نسخه - لأثم قطعًا, ولو ثبت حكمه لما أثم بالعمل به, لا يقال: لو لم يكن مخاطبًا لما لزمه القضاء. وقد قال مالك والشافعي فيما حكى عياض: إن من أسلم في دار الحرب ولم يحد من يسأل عن الواجبات, ثم إنه وجد بعد ذلك من أخبره, أنه يقضي
стр. 1202
[فهذا مثله].
قلنا: قد قال أبو حنيفة وسحنون: لا قضاء عليه, وإن سلم فالقضاء بأمر جديد, فلا يستلزم وجوبًا قبله, كقضاء صوم الحائض.
ولنا أيضًا: أنه لو ثبت حكمه - قبل تبليغ الرسول - لثبت قبل تبليغ جبريل, واللازم باطل اتفاقًا, بيان اللزوم: أنهما سواء في وجود الناسخ وعدم علم المكلف به, ووجوده مقتض لحكمه, وعدم علم المكلف لا يصلح مانعًا فيثبت.
قالوا: حكم تجدد, فلا يعتبر علم المكلف به, وأيضًا: حق الشارع فلا يعتبر في إسقاطه عن المكلف علمه به, كما في عزل الموكل.
الجواب: أن العلم ليس بمعتبر, لكن التمكن من العلم معتبر, وإلا كان تكليفًا بالمحال, والتمكن منتف فلا يثبت حكمه, لا لعدم علمه, بل لعدم تمكنه من العلم وهو شرط التكليف, هذا أقرب إلى لفظه.
والحق: منع ثبوت الوجوب عليه إذا لم يعلم؛ لأنه لابد في الإيجاب عليه من اعتبار تمكنه من الامتثال, وإلا لزم تكليف ما لا يطاق, لكن التمكن منتف لانتفاء شرط امتثال الحكم, وهو العلم به, لعدم العلم بدليله.
قال: (مسألة: العبادات المستقلة ليست نسخًا .
وعن بعضهم: صلاة سادسة تنسخ.
стр. 1203
وأما زيادة جزء مشترط, أو زيادة شرط, أو زيادة ترفع مفهوم المخالفة, فالشافعية والحنابلة: ليس بنسخ, والحنفية: نسخ.
وقيل: الثالث نسخ.
عبد الجبار: إن غيرته حتى صار وجوده كالعدم شرعًا, كزيادة ركعة في الفجر وكعشرين في القذف, وكتخيير في ثالث بعد اثنين, فنسخ.
والغزالي: إن اتحدت كركعة في الفجر فنسخ, بخلاف عشرين على القذف.
والمختار: إن رفعت حكمًا شرعيًا بعد ثبوته بدليل شرعي فنسخ, لأنه حقيقة, وما خالفه ليس بنسخ.
فلو قال: «في السائمة زكاة» , ثم قال: «في المعلوفة الزكاة» فلا نسخ فإن تحقق أن المفهوم مراد فنسخ, وإلا فلا, ولو زيدت ركعة في الصبح فنسخ, لتحريم الزيادة ثم وجوبها, والتغريب على الحدّ كذلك.
فإن قيل: منفي بحكم الأصل.
قلنا: هذا لو لم يثبت تحريمه, فلو خبر في المسح بعد وجوب الغسل فنسخ التخيير بعد الوجوب, ولو قال: ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ , ثم ثبت الحكم بالنص بشاهد ويمين فليس بنسخ, إذ لا رفع لشيء.
ولو ثبت مفهومه ومفهوم ﴿فإن لم يكونا رجلين﴾ , إذ ليس فيه منع الحكم بغيره.
ولو زيد في الوضوء اشتراط غسل عضو فليس بنسخ؛ لأنه إنما حصل وجوب مباح الأصل.
стр. 1204
قالوا: كانت مجزئة ثم صارت غير مجزئة.
قلنا: معنى مجزئة امتثال الأمر بفعلها ولم يرتفع, وارتفع عدم توقفها على شرط آخر, وذلك مسند إلى حكم الأصل, وكذلك لو زيد في الصلاة ما لم يكن محرمًا).
أقول: هذه المسألة في الكتب مترجمة: بالزيادة على النص, هل تكون نسخًا؟ .
واعلم أن زيادة عبادة على ما قد شرع من العبادات, إن كان مستقلًا فليس بنسخ, وعن بعض العراقيين: إن إيجاب صلاة سادسة نسخ؛ لأنه يخرج الوسطى من كونها وسطى, فيبطل تأكيد المحافظة عليها الثابت بقوله: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ , وهو حكم شرعي وهذا معنى النسخ, وهو فاسد, إذ لا يبطل تأكد ما صدق عليه أنها وسطى, وإنما يبطل كونها وسطى, وهو أمر حقيقي لا حكم شرعي, وأما غير هذه الزيادة فعلى وجوه:
منها: أن تكون الزيادة مع الأولى جزئين لعبادة, بحيث / لا تعتبر الأولى دونها, فتكتون شرطًا لصحة المزيد عليه, كزيادة ركعة في الفجر.
стр. 1205
ومنها: أن تكون شرطًا في الأولى ولا تكون جزءًا, كزيادة شرط الإيمان في رقبة الكفارة.
ومنها: أن ترفع مفهوم مخالفة الأولى, كقوله: «في المعلوفة زكاة» بعد قوله: «في الغنم السائمة زكاة».
قلت: وهذا المثال من المستقل ولم يذكره الآمدي, هذا مع أن الحنفية لا يقولون بالمفهوم.
فقال مالك, والشافعي, والحنابلة, والجبائي, وابنه: ليس بنسخ.
وقال الحنفية: إنه نسخ, ونعني في الأولين.
وقال قوم: الثالث - وهو ما يرفع مفهوم المخالفة - نسخ دون الأولين.
وقال عبد الجبار: إن غيرت الزيادة الأصل تغييرًا شرعيًا حتى صار وجوده كالعدم شرعًا فنسخ, وإلا فلا, وذكر أمثلة:
منها: زيادة ركعة على ركعتين في الفجر, فإنهما لا يجزئان دونها.
ومنها: زيادة التغريب على الجلد, فإنه لا يحصل الحدّ بالجلد وحده.
ومنها: زيادة عشرين جلدة على حدّ القذف, فإنه لا يحصل الحدّ بدون العشرين.
ومنها: أن يخير المكلف في أمرين, ثم يخير فيهما وفي ثالث, فإن فِعْل الثالث مع ترك الأولين غير محرم, وقد كان فهو كالعدم في انتفاء الحرمة
стр. 1206
بنفيهما.
وما قيل من أن المثال الثاني والثالث لا يصح؛ لأن وجود الثمانين لا يكون كالعدم بل يضم إليها عشرين ويحصل الإجزاء, وكذا لو أتى بأحد الأولين بعد التخيير في الثالث, لم يكن وجوده كالعدم فوارد, إلا أن يتأول على ما ذكرنا.
وقال الغزالي: إن غيرت حكم المزيد عليه ورفعت جواز اقتصار عليه, وأنه لابد في امتثال الأمر من الزيادة فنسخ, كزيادة ركعتين في الصبح, فإن الركعتين الأوليين ارتفع موجب الأمر بهما, فليس الأربع اثنين وزيادة, إذ لو أتى بالصبح أربعًا لم يجزه, ولو كانت الأربع اثنين وزيادة لأجزأته, كما لو أمر أن يتصدق بدرهم فتصدق بدرهمين, أما لو لم تتصل هذا الاتصال, كعشرين على القذف فليس بنسخ, إذ لو حده بعد الزيادة ثمانين لي يبطل إجزاء الثمانين عن نفسها, بل يطالب بالعشرين فقط.
فزيادة الشرط نسخ على قول عبد الجبار, وليس بنسخ على قول الغزالي.
والمختار: أن الزيادة إن رفعت حكمًا شرعيًا بعد ثبوته بدليل شرعي فنسخ؛ لأنه حقيقة النسخ.
وقوله: (بدليل) يتعلق برفعت لا بثبوت, وإلا لزم التكرار, إذ الحكم الشرعي لا يكون إلا بدليل شرعي, مع أن النسخ لا يتحقق حتى يكون
стр. 1207
الرافع شرعيًا, وما خالف المذكور / وهو ألا يكون المرفوع حكمًا شرعيًا, إن كان حكمًا شرعيًا لكن الزيادة لم تتأخر, فليس بنسخ لانتفائه بانتفاء كل منهما.
فلو قال: «في الغنم السائمة الزكاة» , ثم قال: «في المعلوفة الزكاة» , فإن ثبت المفهوم وتحقق أنه كان مرادًا فنسخ, وإلا فلا إذ لا رفع, إنما هو دفع للمفهوم إن ثبت.
وإنما قال أولًا: (فلا نسخ) أي لمنطوق الأول بمفهوم الثاني.
ثم قال: (فإن تحقق إرادة مفهوم الأول) فمنطوق الثاني ناسخ له, وإلا فهو دفع إن قلنا بالمفهوم, فلو زيد في صلاة الصبح ركعة فنسخ؛ لأنه ثبت تحريم الزيادة عليها ثم ارتفع بوجوبها, وكلاهما حكم شرعي.
وكذا زيادة التغريب على الجلد؛ لأنه ثبت تحريم الزيادة, ثم ثبت وجوبها, كلاهما بدليل شرعي.
فإن قيل: التغريب كان منفيًا بالأصل, فرفعه رفع لحكم الأصل, وهو لا يكون نسخًا.
قلنا: إنما يصح لو لم يثبت تحريمه بدليل شرعي, وعلى هذا زيادة عشرين على القذف نسخ.
فلو أوجب غسل الرجلين معينًا, ثم خير بين غسلهما ومسحهما فهو نسخ؛ لأنه رفع الوجوب عينًا بوجوب أحد الأمرين مخيرًا وهو غيره, وقد ثبتا بدليل شرعي.
стр. 1208
فلو قال: ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ , ثم ورد نص بجواز الحكم بشاهد ويمين فلا نسخ؛ لأن المرفوع عدم جواز الحكم بشاهد ويمين, وقوله: ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ لم يثبته حتى يكون نسخًا للقرآن بخبر الواحد.
فإن قيل: مفهوم قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ , ومفهوم قوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ يمنع الحكم بالشاهد واليمين لأنه غيرهما, والنص قد نفى الغير بالمفهوم.
قلنا: دلّ على طلب الاستشهاد لرجلين ما أمكن, ولرجل وامرأتين إذا تعذر, فإن سلم مفهومهما فهو أن غيره غير مطلوب, وإما أنه لا يحكم بغيرهما إذا حصل, فلا يدل عليه لا بمنطوق ولا بمفهوم.
فلو زيد في الوضوء اشتراط غسل عضو, فليس بنسخ على الأصح؛ لأنه رفع مباح الأصل.
قالوا: نسخ؛ لأن الأربعة دونه كانت مجزية ولم تبق الآن مجزية, والإجزاء حكم شرعي وقد ارتفع.
الجواب: أن الإجزاء بدونه يدل على الامتثال بفعله وعدم توقفه على شرط آخر, أما الامتثال بفعله فلم يرتفع, وأما عدم توقفه على شرط آخر وإن ارتفع فليس حكمًا شرعيًا, بل هو مستند إلى حكم البراءة الأصلية.
ولو زيد في الصلاة ركن, فإن كان محرمًا قَبْلُ, فنسخ لحرمته لا للصلاة وإن لم يكن محرمًا فليس بنسخ؛ لأنه رفع لحكم الأصل, ونعني به إذا لم يرد
стр. 1209
دليل شرعي فيه, وإلا ورد المكروه والمباح والمستحب.
قال: (مسألة: إذا نقص جزء العبادة أو شرطها , فنسخ للجزء والشرط لا للعبادة, وقيل: نسخ للعبادة.
عبد الجبار: إن كان جزءًا لا شرطًا.
لنا: لو كان نسخًا لوجوبها, افتقرت إلى دليل ثان, وهو خلاف الإجماع.
قالوا: ثبت تحريمها بغير طهارة, وبغير الركعتين, ثم ثبت جوازها أو وجوبها.
قلنا: الفرض لم يتجدد).
أقول: لما فرغ من حكم الزيادة, شرع في حكم النقصان من العبادة, ولا يخلو من أن ينقص منها ركن أو شرط كما لو أسقط من الصبح ركعة, أو أبطل اشتراط الطهارة.
قال الكرخي وأبو الحسين: نقص الجزء أو الشرط نسخ للجزء أو الشرط لا للعبادة, واختاره المصنف.
وقال بعض المتكلمين - ومال إليه الغزالي -: نسخ للعبادة.
وقال عبد الجبار: نقص الجزء نسخ للعبادة, ونقص الشرط نسخ له فقط, فحصل الاتفاق على نسخ الجزء أو الشرط.
стр. 1210
قلت: والأظهر أن النزاع لفظي, فإنه يلزم من رفع الجزء أو الشرط رفع الكل, لا رفع كل واحد, وإلا لاحتيج في الباقي إلى تجدد وجوب, فمن قال إنه نسخ للعبادة, إن أراد أنه يرتفع المجموع من حيث هو مجموع بارتفاع الجزء أو الشرط, وإذا ارتفع المجموع - الذي هو العبادة - صدق أنها نسخت فمسلم ولا يخالف الآخر, وإن أراد أنه نسخ للباقي فمعلوم أنه لا يلزم من رفع جزء رفع جميع الأجزاء.
احتج للمختار: بأنه لو كان نسخًا للباقي إذا نقص الجزء, أو نسخًا للمشروط إذا نقص الشرط, لافتقر الباقي في وجوبه إلى دليل غير الأول, أما الملازمة؛ فلأن الوجوب السابق قد ارتفع, فالوجوب الثاني لابد له من دليل لأنه حكم شرعي, فلابد له من دليل.
وأما بطلان الثاني؛ فبالاتفاق.
قالوا: ثبت تحريمها تغير الركعتين وبغير الطهارة, وهذا التحريم بالشرع إذ لا مجال للعقل, فإذا نقص الجزء أو الشرط, فقد ثبت جوازها بدون الشرط ووجوبها بدون الجزء, فارتفع التحريم بالإباحة أو الوجوب, وهو معنى النسخ.
الجواب: الفرض أنه لم يتجدد وجوب الباقي, بل أبطل وجوب ما نقص وهو نسخ, ولا نزاع فيه, وإنما النزاع في نسخ وجوب الباقي, ووجوبه باق كما كان لم يتغير.
قال: (مسألة: المختار جواز نسخ وجوب معرفته , وتحريم الكفر وغيره خلافًا للمعتزلة, وهي فرع التحسين والتقبيح.
стр. 1211
والمختار: نسخ جميع التكاليف, خلافًا للغزالي.
لنا: أحكام غيرها.
قالوا: لا ينفك عن وجوب معرفة النسخ والناسخ.
وأجيب: بأنه يعلمها, وينقطع التكليف بهما وبغيرهما).
أقول: اتفقوا على جواز رفع جميع التكاليف بإعدام العقل, وعلى امتناع النهي عن معرفته إلا عند من يجوز تكليف المحال؛ لأن العلم بنهيه يستدعي معرفته, فيتوقف تحريم معرفته على معرفته فيدور.
واختلفوا في جواز نسخ وجوب معرفته, وتحريم الكفر وغيره من المعاصي, فجوزه أصحابنا, ومنعه المعتزلة, والمسألة فرع التحسين والتقبيح العقليين, إذ لو ثبتا لم تتغير هذه الأمور من وجوب إلى تحريم وبالعكس؛ لأن ما بالذات لا يتغير, وقد مرّ بطلانه.
واختلف أصحابنا, هل يجوز نسخ جميع التكاليف عن المكلف بعد ثبوتها مع بقاء شرائط التكليف؟ .
والمختار: جوازه, خلافًا للغزالي.
لنا: أنها أحكام, فما جاز على بعضها جاز على جميعها.
قالوا: لو جاز نسخ جميع التكاليف لأدى إلى عدم جواز نسخ جميعها.
стр. 1212
أما الملازمة؛ فلأن المنسوخ عنه لابد له من معرفة النسخ والناسخ ليعلم أنه غير مكلف بشيء, وهذا نوع من التكليف, فيلزم خلاف الفرض.
الجواب: أنّا وإن سلمنا أن النسخ لا يحصل في حق المكلف بدون علمه, فلا يمتنع تحقق النسخ لجميع التكاليف عند علمه بالنسخ, وإن لم يكن مكلفًا بمعرفة النسخ والناسخ.
ولئن سلمنا لزوم كونه مكلفًا بمعرفتهما, فيجوز أن يعملهما ثم ينقطع التكليف بهما وبغيرهما.
وقول من قال الانقطاع إن كان بنفسه لا يكون نسخًا وإن كان بغيره تسلسل, فاسد بما مرّ.
стр. 1213
قال: (القياس: التقدير والمساواة.
وفي الاصطلاح: مساواة فرع لأصل في علة حكمه.
ويلزم المصوبة زيادة في نظر المجتهد؛ لأنه صحيح وإن تبين الغلط والرجوع، بخلاف المخطئة.
وإن أريد الفاسد معه، قيل: تشبيه).
أقول: لما فرغ من الأدلة الثلاثة وما يتعلق بها من المشاركات الثلاثة والثنائية، شرع في الدليل الرابع الذي هو القياس، ويشمل على مقدمة وخمسة أبواب.
أما المقدمة: فهي تعريفه وبيان أركانه.
والقياس لغة: التقدير- يقال: قست الثوب بالذراع إذا قدرته- والمساواة، ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، أي يساويه [دون] ذلك، فيتوقف على أمرين يقدر أحدهما بالآخر، وإنما قيل في الشرع: قاس عليه؛ لأنه ضمن فيه معنى البناء والحمل، لأن الانتقال من صلة إلى صلة للتضمن أي من الباء إلى على.
وفي الاصطلاح: مساواة فرع لأصل في علة حكمه.
ولما كان القياس من أدلة الأحكام، فلابد من حكم مطلوب به وله محل ضرورة، والمقصود إثباته فيه لثبوته في محل آخر يقاس هذا به، فكان هذا
стр. 1214
فرعا وذلك أصلا، لحاجته/ إليه وابتنائه عليه، ولا يمكن ذلك في كل شيئين بل إذا كان بينهما أمر مشترك-ولا كل مشترك- بل المشترك الذي يوجب الاستواء في الحكم بأن يستلزم الحكم، ونسميه علة الحكم، فلابد أن نعلم علة الحكم في الأصل، ونعلم ثبوت مثلها في الفرع لا عينها لاستحالته، وبذلك يحصل ظن مثل الحكم في الفرع وهو المطلوب، ولم يعتبر المصنف تماثل الحكمين، لأنه تابع للقياس لا نفسه.
والمراد بالفرع: صورة لم يظهر للمجتهد حكمها بخصوصية دليل من نص أو إجماع، بل يكون حكمها مبنيا على حكم صورة أخرى.
والمراد بالأصل: صورة ظهر للمجتهد حكمها بخصوصية دليل من نص أو إجماع. فيندفع ما قيل إن الفرع تتوقف معرفته على معرفة القياس؛ لأنه الذي ساوى أصلا في علة حكمه، والأصل هو الذي يساويه الفرع في علة حكمه فيلزم الدور، إذ لا نسلم أن معرفة الأصل والفرع من -حيث ذاتيهما- متوقفة على معرفة القياس، لجواز أن يعلم كل منهما من حيث ذاته، ولا تعلم المساواة بينهما، وتعريفه بهما إنما هو من حيث ذاتيهما، لا من حيث إنهما فرع وأصل.
واعلم أن المراد من المساواة المذكورة، المساواة في نفس الأمر، قاس المجتهد أم لا؛ لأن القياس اسم لهذا الدليل وليس مصدرا لفعل القائس، فيختص بالقياس الصحيح عند من يرى ما لا مساواة فيه في نفس الأمر قياسا فاسدا.
وأما من يرى أن كل مجتهد مصيب، فالقياس الصحيح عنده ما حصلت
стр. 1215
فيه المساواة في نظر المجتهد، سواء حصلت في نفس الأمر أم لا، حتى لو تبين غلطه ووجب رجوع عنه، فإن ذلك لا يقدح في صحته عندهم قبل ظهور الدليل الصحيح وإن زالت صحته الآن، بخلاف المخطئة فإنهم لا يرون ما ظهر غلطه والرجوع عنه محكوما بصحته إلى زمان ظهور غلطه، بل فيما كان فاسدا وتبين الآن أنه كان فاسدا.
فإذا المصوبة لا يشترطون المساواة إلا في نظر المجتهد، فحقهم أن يقولوا: مساواة فرع لأصل في علة حكمه في نظر المجتهد، فإن أردنا دخول القياس الفاسد مع الصحيح لم نشترط المساواة في الواقع وفي نظر المجتهد، وقلنا بدلها: تشبيه فرع بأصل في علة حكمه، ومع زيادة "في نظر المجتهد" -على مذهب المصوبة- فيشمل القسمين على المذهبين، لأن التشبيه قد يكون بين المتساوين في علة الحكم وفي /الواقع أو عند المجتهد، وقد يكون بين غيرهما، وعلى الأول يتناول الصحيح على المذهبين، وعلى الثاني يتناول الفاسد على المذهبين، فيتبين أن المراد في التشبيه المشابهة، فلا يرد قول من قال: التشبيه فعل القائس فلا يتناول ما هو في الواقع قياس ولم ينظر فيه.
قال: (وأورد: قياس الدلالة، فإنه لا تذكر فيه علة.
وأجيب: بأنه إما غير مراد، وإما أنه يتضمن المساواة فيها.
وأورد: قياس العكس، مثل: "لما وجب الصيام في الاعتكاف بالنذر وجب بغير نذر"، عكسه: "الصلاة لما لم تجب فيه بالنذر، لم تجب بغير نذر".
وأجيب: بالأول، أو بأن المقصود: مساواة الاعتكاف فيه بغير نذر
стр. 1216
في اشتراط الصوم له بالنذر، بمعنى: لا فارق، أو بالبر، وذكرت الصلاة لبيان الإلغاء، أو قياس الصوم بالنذر على الصلاة بالنذر).
أقول: أورد على عكس الحد قياس الدلالة، فإن شرطه أن لا تذكر فيه علة، لأنه قسيم قياس العلة، كقياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة الدالة على الشدة، فإن الرائحة ليست بعلة- لا في الواقع ولا في نظر المجهد- بل العلة الشدة المطربة الملزومة للرائحة المذكورة- مع أنه قياس-.
[وفيه نظر؛ إذ المحدود القياس الذهني].
الجواب: إما بأن المحدود قياس العلة، فإن القياس إذا أطلق إنما يراد به قياس [العلة]، ولا يطلق لقياس الدلالة إلا مقيدا، وإما بأنه يتضمن المساواة في العلة، ومرادنا ما هو أعم من المساواة الضمنية أو المصرح بها، وهذا أولى لأنه بعد تقسيم القياس إلى قياس العلة وقياس الدلالة، فالمحدود المشترك واللازم المذكور مساو للملزوم –أعني الشدة- فالمساواة فيها تستلزم المساواة في العلة، فاندفع ما قيل: إن الاشتراك في اللوازم لا يوجب الاشتراك في الملزومات.
وأورد الأصل على عكس الحد قياس العكس وهو: ما أثبت فيه نقيض حكم الأصل بنقيض علته، كما لو قال المالكي أو الحنفي: "لما وجب الصيام
стр. 1217
في الاعتكاف بالنذر، وجب بغير نذر قياسا على الصلاة، لما لم تجب في الاعتكاف بالنذر، لم تجب بغير النذر"، فالحكم في الأصل عدم الوجوب بغير نذر، والعلة عدم وجوبه بالنذر، والمطلوب في الفرع وجوبه بغير نذر والعلة وجوبه بالنذر، فهذا لا يصدق عليه الحد، إذ لا مساواة بين الفرع والأصل في العلة ولا في الحكم، مع أنه قياس.
مثال آخر: قال [المغيرة] في كتاب الزكاة من المدونة، فيمن عنده عشرة دنانير حال عليها الحول، فأنفق بعضها واشترى بالبعض سلعة: إن عليه الزكاة، سواء أنفق قبل الشراء أو بعده، فإنه يحسب ما أنفق ويزكى إن كان المجموع مما باعها به وما أنفق نصابا، كما لا يحسب ما أنفق قبل الحول قبل الشراء أو بعده، كذلك لا /يترك أن يحسب ما أنفق بعد الحول قبل الشراء أو بعده.
الجواب أولا: بأنه ليس من القياس المحدود.
وثانيا: بأنه مساواة من وجهين:
أحدهما: أن المقصود مساواة الاعتكاف بغير نذر الصوم، في أن الصوم شرط في الاعتكاف بنذر الصوم، وتقريره: إما بإلغاء الفارق –وهو النذر- لأنه غير مؤثر كما في الصلاة، إذ وجوده وعدمه سواء، فتبقى العلة الاعتكاف المشترك، وإما [بالسير] وهو: أن العلة إما الاعتكاف، أو
стр. 1218
الاعتكاف بالنذر، أو غيرهما، وكونه بالنذر لا يصح علة ولا جزء علة؛ لأنه غير مؤثر، بدليل ثبوته في الصلاة بدون الحكم، فإذا الصلاة لم تذكر للقياس عليها، بل لبيان إلغاء الفارق، أو لإلغاء أحد أوصاف السبر، فلا تجب المساواة لهما، فلا يضر عدمهما، فيكون الاعتكاف بنذر الصوم أصلا والاعتكاف بغير نذر الصوم فرعا، والحكم وجوب اشتراط الصوم فيهما، والعلة الاعتكاف، فيصدق حد القياس عليه، وينعكس.
قلت: وفيه نظر؛ لأن ما كان بمعنى لا فارق، هو القياس في معنى الأصل، والذي بالسبر قياس العلة، ولابد أن يصرح فيه بالعلة، وهذا لم يصرح بها فيه.
الوجه الثاني: أنه قياس للصيام بالنذر على الصلاة بالنذر في أنها تجب به في الاعتكاف، ولا تأثير للنذر في وجوبها، فكذا الصيام، ويلزمه بدون النذر، كما يجب مع النذر إجماعا، وإلا لكان للنذر فيه تأثير، فالذي فيه القياس حصل فيه المساواة، والذي فيه عدم المساواة لازم له ولا يضر، فالصلاة أصل، والصوم فرع، والعلة كونهما عبادتين، والحكم عدم صيرورته شرطا بالنذر. وقد يجاب عنه: بأنه ملازمة، والقياس لبيان الملازمة والمساواة حاصلة على التقدير.
وحاصلة: لو لم يشترط لم يجب بالنذر واللازم باطل، ثم تبين الملازمة بالقياس على الصلاة، بأنها لما لم تكن شرطا لم تجب بالنذر، ولا شك أن على تقدير عدم وجوبه بالنذر، فالمساواة حاصلة بينها وبين الصوم، وإن لم تكن حاصلة في نفس الأمر.
стр. 1219
قال: (وقولهم: بذل المجتهد في استخراج الحق، وقولهم: الدليل الموصول إلى الحق، وقولهم: للعلم عن نظر، مردود بالنص، والإجماع، وبأن البذل حال القياس، والعلم ثمرة القياس.
أبو هاشم: حمل الشيء على غيره بإجراء حكمه عليه، ويحتاج بجامع.
وقول القاضي: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما، حسن، إلا أن "حمل" ثمرته، وإثبات الحكم فيهما معا ليس به، فبجامع كاف.
وقولهم: ثبوت حكم الفرع فرع القياس: فتعريفه به دور.
وأجيب: بأن المحدود القياس الذهني، وثبوت الفرع الذهني والخارجي ليس فرعا له).
/أقول: هذه تعريفات ذكرها الأصوليون للقياس مزيفة.
منها: قولهم: "بذل الجهد في استخراج الحق"، وهو غير مطرد لبذل الجهد في استخراج الحق من النص والإجماع؛ لأنه قد يحتاج إلى اجتهاد في صيغ العموم، والمفهوم، والإيماء، والإشارة، ورد المطلق إلى المقيد، وتخصيص العام، وتصحيح السند وغير ذلك، وبأن البذل حال القائس وهو غير القياس؛ فإن الدليل المنصوب من جهة الشارع نظر فيه القائس أو لا.
стр. 1220
ومنها: قولهم: ["والعلم عن نظر"]، وهو أيضا غير مطرد، بالعلم الحاصل عن نظر في نص أو إجماع.
وأيضا: العلم ثمرة القياس، فتعريفه به دور، ولا يطرد أيضا.
ومنها: ما ذكره أبو هاشم، وهو: "حمل الشيء على غيره، بإجراء حكمه عليه"، وهو منقوض بحمل بلا جامع، لصدق الحد دون المحدود، إذ لا تتحقق حقيقته لا صحيحا ولا فاسدا، فيحتاج إلى قيد، وهو أن يقال: "بجامع"، محافظة على طرده، مع أن الحمل فعل القائس.
ومنها: ما عرفه به القاضي أبو بكر، قال: "حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لها، أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما".
فقوله: "معلوم على معلوم"، يتناول جميع ما يجري فيه القياس من موجود ومعدوم وممكن ومستحيل، ولهذا لم يقل: حمل شيء.
وقوله: "في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما"، ليتناول القياس في الحكم الثبوتي، وفي الحكم العدمي.
وقوله: "بأمر جامع بينهما ... . إلى آخر"، يتناول الحكم الشرعي نحو: العدوانية، والوصف الفعلي نحو: العمدية، ونفيها كما يقال في الخطأ: ليس بعمد ولا عدوان، فلا قصاص كقتل الصبي.
стр. 1221
قال: (وهو حسن)، يعني عند الأصوليين، وزيفه المصنف من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الحمل ثمرة القياس، [إذ المراد من الحمل إثبات الحكم، وإثبات الحكم ثمرة القياس، وهو فعل فيدور، ولا يطرد أيضا.
الثاني: أنه يشعر بأن إثبات الحكم] فيهما جميعا بالقياس، وليس كذلك فإن الحكم في الأصل بالنص أو الإجماع.
وأيضا: القياس فرع على ثبوت حكم الأصل، فلو كان ثبوت حكم الأصل بالقياس لزم الدور.
وثالثها: أن قوله: "بجامع"، كاف في التمييز، ولا حاجة إلى تفصيل الجاحد في الحد.
قال: (وقولهم: ثبوت حكم الفرع)، اختلف الشراح في وجه إيراده فأكثرهم على أنه مما أورد على حد القاضي، وهو ظاهر الإحكام، مع أن الإيراد للآمدي، ثم أجاب عنه المصنف.
ومنهم من قال: إنه اعتراض على بعض الأصوليين الذين عرفوا القياس بثبوت حكم الفرع.
ومنهم من قال –وهو الأظهر-: إن المصنف صرح بأنهم عدلوا عن ذكر حكم الفرع إلى حكم شيء أو معلوم؛ لأنه دور.
стр. 1222
وفيه دعوى بطلان حد المصنف.
وقلنا: أظهر؛ لأنهم لم يعرفوه به، قصاراه أنه عرفه به واحد، وكذا إنما اعترض على القاضي بالدور الآمدي فقط.
والمصنف قال: وقولهم: "وإن كان سياق قوله أولى"، وقولهم: "بذل الجهد"، وقولهم: "الدليل الموصل" /وقولهم: "العلم [عن نظر"]، يرشد إلى الثاني، والمصنف أشار إلى تقريره.
وجوابه، إما تقريره بأن ثبوت حكم الفرع فرع القياس ومتأخر عنه، فيتوقف عليه، فتعريفه به دور.
والجواب: أن ثبوت حكم الفرع الخارجي فرع القياس الخارجي، والمعرف إنما هو القياس الذهني، أي الماهية العقلية للقياس، وتقييده بالذهني باعتبار حصوله ووجوده في الذهن، لا باعتبار أن المحدود القياس من حيث إنه في الذهن، إذ ذاك نوع من القياس.
وحكم الفرع الذهني أي تعقل حقيقته، وكذا الخارجي وهو حصول الحكم الجزئي، ليس شيء منها فرع القياس الذهني، أي يتوقف على ماهيته القياس، والذي توقف عليه القياس المعروف هو تصور ثبوت حكم لفرع الخارجي، فلا دور.
قال: (وأركانه: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والوصف الجامع.
стр. 1223
الأصل: الأكثر: محل الحكم المشبه به، وقيل: دليله، وقيل: حكمه.
والفرع: المحل المشبه، وقيل: حكمه.
والأصل: ما ينبني عليه غيره، فلا بعد في الجميع، ولذلك كان الجامع فرعا للأصل، أصلا للفرع).
أقول: أركان الشيء أجزاؤه التي لا يحصل إلا بحصولها، داخلة في حقيقته محققة لهويته، ولما فرغ من تحقيق ماهية القياس، شرع في بيان أركانه وهي أربعة محققة على تفسير الفقهاء والمتكلمين.
وأما على رأي الإمام فخر الدين فهي ثلاثة.
وأما حكم الفرع فهو ثمرة القياس ومتأخر عنه، فلا يكون ركنا له.
أما الأصل: فهو المحل المشبه به عند الأكثر، وبه قال الفقهاء، والغزالي.
وقال المتكلمون: الأصل: الدليل المثبت للحكم في ذلك المحل المشبه به.
وقال الإمام فخر الدين: "إن الأصل حكم المحل المشبه به".
стр. 1224
فإذا قلنا: "النبيذ مسكر فيحرم قياسا على الخمر، بدليل حرمة الخمر".
فالأصل الخمر، أو حرمة الخمر.
وأما الفرع: فقيل على الأول: إنه المحل المشبه، وعلى الثالث: إنه حكمه، ولم يقل أحد إنه دليله، وكيف يقال ودليله القياس؟
واعلم أن التفسير للفرع هنا إنما هو الفرع الواقع في كلام الأصوليين، لا الفرع الذي هو ركن القياس، إذ لا يكون حكم الفرع ركنا له.
ولما كان الأصل ما ينبنى عليه الشيء، فلا بعد في الكل؛ لأن الحكم في الفرع ينبني على الحكم في الأصل، وعلى مأخذه، وعلى محله، فالكل مما ينبني عليه حكم الفرع –بوسط أو بغير وسط- فلا بعد في التسمية، والأول أولى لافتقار الحكم ودليله إلى المحل من غير عكس، والثاني في الفرع أولى لأنه ينبني على الغير ويفتقر إليه دون المحل، والمحل إنما سمي فرعا مجازا.
والاصطلاح المتعارف بين الفقهاء: أن الأصل والفرع هما المحلان، وعلى هذا يفرع المصنف الأحكام.
ولأجل أن الأصل ما ينبني عليه غيره، قال بعض العلماء: الجامع أصلا /للحكم في الفرع والحكم فرع له، إذ يعلم ثبوته بثبوته وهو فرع للأصل فإن حكم الأصل أصل للجامع، والجامع فرع له، إذ يستنبط منه بعد العلم بثبوته.
قال: (ومن شرط حكم الأصل أن يكون شرعيا، وألا يكون منسوخا، لزوال الاعتبار الجامع).
стр. 1225
أقول: لما فرغ من المقدمة، شرع في الأبواب.
الباب الأول في شروط القياس: وهي لا تخرج عن شروط أركانه.
وأما شروط حكم الأصل فذكر منها ستة:
الأول: أن يكون حكم الأصل شرعيا؛ لأن المطلوب إثبات حكم شرعي في محل آخر للمساواة في علته، ولا يتصور إلا بذلك، وهو مبني على أن القياس لا يجري في اللغة ولا في العقليات من الصفات والأفعال.
وتظهر فائدته فيما إذا قاس النفي، فإذا لم يكن المقتضي ثابتا في الأصل كان نفيا أصليا، والنفي الأصلي لا يقاس عليه النفي الطارئ، وهو حكم شرعي، ولا الأصلي لثبوته بدون القياس.
الثاني: ألا يكون منسوخا ليمكن بناء الفرع عليه لأن الحكم إنما يتعدى من الأصل إلى الفرع بناء على اعتبار الشارع للوصف الجامع في الأصل حيث أثبت الحكم به، ولما زال الحكم مع ثبوت الوصف، على أنه لم يبق معتبرا في نظره فلا يتعدى الحكم، إذ لم يبق الاستلزام الذي كان دليلا للثبوت، كما لو قال: "لا تدخر لحوم الهدايا فوق ثلاث، قياسا على لحوم الأضاحي".
الثالث: أن لا يكون مثبتا بالقياس، خلافا للحنابلة، والبصري.
لنا: أن العلة الجامعة بين حكم الأصل وأصله، إن اتحدت مع الجامعة بين حكم الأصل وفرعه، كقول الشافعية في السفرجل: "مطعوم فيكون
стр. 1226
ربويا، قياسا على التفاح"، ثم يقيس لتفاح –في تحريم الربا- على البر بواسطة الطعم، فذكر الوسط –وهو التفاح-[زائد]، لإمكان قياس أحد الطرفين على الآخر، وإن لم تتحد العلة في القياسين فسد القياس؛ لأن العلة الأولى التي في القياس [الأول] وهي الجامعة بين الوسط وفرعه، لم يثبت اعتبارها؛ لأنها ليست بموجودة فيما هو أصل للوسط، والثانية في أصل الأصل غير موجودة في الفرع الأخير، فلا مساواة بينهما في العلة المعتبرة فلا تعدية، كما لو قال: "الجذام عيب يثبت به الفسخ في البيع، فيثبت به الفسخ في النكاح، قياسا على القرن والرتق"، فيمنع الخصم كون القرن والرتق يثبت بهما فسخ النكاح، فيقول: "لأنهما مفوتان للاستمتاع كالجب"، فقوات الاستمتاع هو الذي ثبت لأجله الحكم في القرن والرتق وأنه غير موجود في الجذام، والثابت في الجذام –وهو كونه يوجب للمشتري خيار الفسخ –لم يثبت اعتباره/ في حكم الوسط، هذا إن كان الأصل فرعا يوافقه المستدل ويخالفه المعترض.
أما لو كان المقيس عليه فرعا يخالفه المستدل ويوافقه المعترض، كما لو قال الحنفي –في صوم بنية النفل-: "أن صائم أتى بما أمر به فيصح، قياسا على فريضة الحج"، أي إذا أتى به بنية النفل وهو لم يحج حجة
стр. 1227
الإسلام، فإن الحنفي لا يقول بصحة فريضة الحج بنية النفل بل خصمه هو القائل به، فهذا فاسد لأنه معترف ضمنا [ببطلانه] في الأصل والاعتراف ببطلان إحدى مقدمات دليله اعتراف ببطلان دليله، ولا يسمع من المدعي ما هو معترف ببطلانه، ولا يمكن من دعواه إن لم يعترف بحكم الأصل.
فإن أورده الحنفي إلزاما للشافعي بناء على أصله.
قيل: إنما يتوجه لو بين في الفرع وجود ما هو علة في الأصل المقيس عليه عند المعترض، [وأما إذا بين ما ليس علة عند المعترض] فلا يتوجه الإلزام والظاهر أن هذا فرع عما إذا أتى بالحج بمطلق النية.
على أن الآمدي في "منتهى السول" جعل ذا شرطا آخر، فقال: "الشرط الخامس: أن يكون أصل المقيس مما يقول المستدل".
قال: (ومنها: ألا يكون معدولا به عن سنن القياس، كشهادة خزيمة، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفارات.
стр. 1228
ومنه ما لا نظير له، كان له معنى ظاهر كترخص المسافر، أو غير ظاهر كالقسامة).
أقول: الرابع: أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن سنن القياس –أي طريقة- لتعذر التعدية، بل يجب أن يكون موافقا للأصول والقواعد الشرعية معقولا حكمته.
فقد يكون مما لا يعقل معناه كشهادة خزيمة وحده، فإنه على خلاف قاعدة الشهادة التي استقرت في الشرع، ولم تعقل حكمته، فلا يلحق به صحابي آخر وإن كان على رتبته في المعنى المناسب في الدين والصدق.
فإنه علم أن القاعدة لم يخرج منها إلا هذا الفرد، وعلم قصد التخصيص فلا يلحق به غيره.
وكأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفارات، فإنها وإن لم تكن على خلاف قاعدة مستقرة في الشرع، لكن لا تعقل حكمتها.
ومن المعدول به عن سنن القياس: ما لا يوجد له ما يساويه في العلة، سواء كان له معنى ظاهر كترخص المسافر، إذ علته السفر وهو معنى مناسب للرخصة لما فيه من المشقة والوجد، والوصف غير موجود في محل آخر، أو لم يكن له معنى ظاهر كخمسين يمينا في القسامة غلظ لحقن الدماء، وكونها خمسين غير ظاهر المعنى.
стр. 1229
قال: (ومنها: ألا يكون ذا قياس مركب/، وهو أن يستغني بموافقة الخصم في الأصل مع منعه علة الأصل، أو منعه وجودها في الأصل.
فالأول: مركب الأصل، مثل: "عبد فلا يقتل به الحر كالمكاتب".
فيقول الحنفي: العلة جهالة المستحق من السيد او الورثة، فإن صحت بطل الإلحاق، وإن بطلت منع حكم الأصل، فم ينفك عن عدم العلة في الفرع.
أو منع الأصل الثاني مركب الوصف، مثل تعليق الطلاق، فلا يصح قبل النكاح، كما لو قال: "زينب التي أتزوجها طالق"، فيقول الحنفي: العلة مفقودة في الأصل، فإن صحت بطل الإلحاق، وإلا منع حكم الأصل، فما ينفك عن عدم العلة في الأصل، أو منع الأصل.
فلو سلم أنها العلة وأنها موجودة، أو أثبت أنها موجودة، انتهض الدليل عليه لاعترافه، كما لو كان مجتهدا.
وكذلك لو أثبت الأصل بنص ثم أثبت العلة بطريقها على الأصح.
لنا: لو لم يقبل، لم تقبل مقدمة تقبل المنع.
ومنها: ألا يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع).
أقول: الخامس: أن لا يكون حكم الأصل ذا قياس مركب، وهو أن يستغني المستدل عن إثبات حكم بالدليل لموافقة الخصم له فيه، مع كون الخصم مانعا بعلة المستدل، وذلك إما يمنعه لعلته، وإما يمنعه لوجودها فيه، والأول يسمى مركب الأصل، والثاني مركب الوصف.
стр. 1230
قالوا: وسمى مركبا لاختلافهما في تركيب الحكم، فالمستدل يركب العلة على الحكم، أي يستنبطها منه، والمعترض يقول: الحكم فرع العلة ولا طريق إلى إثباته بسواها، ولذلك يمنع الحكم عند إبطالها.
والأظهر: أنه سمي مركبا لإثباتهما الحكم كل بقياس، إذ ليس بمنصوص عليه ولا مجمع عليه فقد اجتمع قياساهما، وإلا لقال: ألا يكون مركبا أو ذا تركيب، ثم إن الأول اتفقا فيه على الحكم، وهو الأصل بالاصطلاح، والثالث دون الوصف الذي يعلل به المستدل فسمي مركب الأصل، والثاني اتفقا فيه على الوصف الذي يعلل به المستدل وإن اختلفا في وجوده، فسمي مركب الوصف بأدنى مناسبة، تمييزا له عن صاحبه.
مثال الأول: كما لو قال المستدل في الحر يقتل عبدا: فلا يقتل به الحر كالمكاتب، فيقول الحنفي: العلة في عدم قتله بالمكاتب جهالة المستحق للقصاص من السيد بتقدير العجز عن أداء الكتابة، أو ورثة المقتول بتقدير أدائه، والجهالة غير ثابتة في العبد، فإن صحت هذه العلة بطل إلحاق العبد به لعدم مشاركته في العلة، وإن بطلت منعت حكم الأصل، وقلت: يقتل الحر بالمكاتب لعدم المانع، إذ ليس الحكم المذكور بمجمع عليه ولا منصوص عليه فالخصم لا ينفك عن عدم العلة في الفرع، كما لو كانت هي الجهالة/، أو منع الحكم في الأصل، كما لو كانت كونه عبدا، وعلى التقديرين لا يتم القياس.
مثال مركب الوصف: ما لو قال في تعليق الطلاق قبل النكاح: تعليق للطلاق فلا يصح قبل النكاح، كما لو قال: "زينب التي أتزوجها طالق"،
следующие страницы →