Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
ربويا، قياسا على التفاح"، ثم يقيس لتفاح –في تحريم الربا- على البر بواسطة الطعم، فذكر الوسط –وهو التفاح-[زائد]، لإمكان قياس أحد الطرفين على الآخر، وإن لم تتحد العلة في القياسين فسد القياس؛ لأن العلة الأولى التي في القياس [الأول] وهي الجامعة بين الوسط وفرعه، لم يثبت اعتبارها؛ لأنها ليست بموجودة فيما هو أصل للوسط، والثانية في أصل الأصل غير موجودة في الفرع الأخير، فلا مساواة بينهما في العلة المعتبرة فلا تعدية، كما لو قال: "الجذام عيب يثبت به الفسخ في البيع، فيثبت به الفسخ في النكاح، قياسا على القرن والرتق"، فيمنع الخصم كون القرن والرتق يثبت بهما فسخ النكاح، فيقول: "لأنهما مفوتان للاستمتاع كالجب"، فقوات الاستمتاع هو الذي ثبت لأجله الحكم في القرن والرتق وأنه غير موجود في الجذام، والثابت في الجذام –وهو كونه يوجب للمشتري خيار الفسخ –لم يثبت اعتباره/ في حكم الوسط، هذا إن كان الأصل فرعا يوافقه المستدل ويخالفه المعترض.
أما لو كان المقيس عليه فرعا يخالفه المستدل ويوافقه المعترض، كما لو قال الحنفي –في صوم بنية النفل-: "أن صائم أتى بما أمر به فيصح، قياسا على فريضة الحج"، أي إذا أتى به بنية النفل وهو لم يحج حجة
стр. 1227
الإسلام، فإن الحنفي لا يقول بصحة فريضة الحج بنية النفل بل خصمه هو القائل به، فهذا فاسد لأنه معترف ضمنا [ببطلانه] في الأصل والاعتراف ببطلان إحدى مقدمات دليله اعتراف ببطلان دليله، ولا يسمع من المدعي ما هو معترف ببطلانه، ولا يمكن من دعواه إن لم يعترف بحكم الأصل.
فإن أورده الحنفي إلزاما للشافعي بناء على أصله.
قيل: إنما يتوجه لو بين في الفرع وجود ما هو علة في الأصل المقيس عليه عند المعترض، [وأما إذا بين ما ليس علة عند المعترض] فلا يتوجه الإلزام والظاهر أن هذا فرع عما إذا أتى بالحج بمطلق النية.
على أن الآمدي في "منتهى السول" جعل ذا شرطا آخر، فقال: "الشرط الخامس: أن يكون أصل المقيس مما يقول المستدل".
قال: (ومنها: ألا يكون معدولا به عن سنن القياس، كشهادة خزيمة، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفارات.
стр. 1228
ومنه ما لا نظير له، كان له معنى ظاهر كترخص المسافر، أو غير ظاهر كالقسامة).
أقول: الرابع: أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن سنن القياس –أي طريقة- لتعذر التعدية، بل يجب أن يكون موافقا للأصول والقواعد الشرعية معقولا حكمته.
فقد يكون مما لا يعقل معناه كشهادة خزيمة وحده، فإنه على خلاف قاعدة الشهادة التي استقرت في الشرع، ولم تعقل حكمته، فلا يلحق به صحابي آخر وإن كان على رتبته في المعنى المناسب في الدين والصدق.
فإنه علم أن القاعدة لم يخرج منها إلا هذا الفرد، وعلم قصد التخصيص فلا يلحق به غيره.
وكأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفارات، فإنها وإن لم تكن على خلاف قاعدة مستقرة في الشرع، لكن لا تعقل حكمتها.
ومن المعدول به عن سنن القياس: ما لا يوجد له ما يساويه في العلة، سواء كان له معنى ظاهر كترخص المسافر، إذ علته السفر وهو معنى مناسب للرخصة لما فيه من المشقة والوجد، والوصف غير موجود في محل آخر، أو لم يكن له معنى ظاهر كخمسين يمينا في القسامة غلظ لحقن الدماء، وكونها خمسين غير ظاهر المعنى.
стр. 1229
قال: (ومنها: ألا يكون ذا قياس مركب/، وهو أن يستغني بموافقة الخصم في الأصل مع منعه علة الأصل، أو منعه وجودها في الأصل.
فالأول: مركب الأصل، مثل: "عبد فلا يقتل به الحر كالمكاتب".
فيقول الحنفي: العلة جهالة المستحق من السيد او الورثة، فإن صحت بطل الإلحاق، وإن بطلت منع حكم الأصل، فم ينفك عن عدم العلة في الفرع.
أو منع الأصل الثاني مركب الوصف، مثل تعليق الطلاق، فلا يصح قبل النكاح، كما لو قال: "زينب التي أتزوجها طالق"، فيقول الحنفي: العلة مفقودة في الأصل، فإن صحت بطل الإلحاق، وإلا منع حكم الأصل، فما ينفك عن عدم العلة في الأصل، أو منع الأصل.
فلو سلم أنها العلة وأنها موجودة، أو أثبت أنها موجودة، انتهض الدليل عليه لاعترافه، كما لو كان مجتهدا.
وكذلك لو أثبت الأصل بنص ثم أثبت العلة بطريقها على الأصح.
لنا: لو لم يقبل، لم تقبل مقدمة تقبل المنع.
ومنها: ألا يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع).
أقول: الخامس: أن لا يكون حكم الأصل ذا قياس مركب، وهو أن يستغني المستدل عن إثبات حكم بالدليل لموافقة الخصم له فيه، مع كون الخصم مانعا بعلة المستدل، وذلك إما يمنعه لعلته، وإما يمنعه لوجودها فيه، والأول يسمى مركب الأصل، والثاني مركب الوصف.
стр. 1230
قالوا: وسمى مركبا لاختلافهما في تركيب الحكم، فالمستدل يركب العلة على الحكم، أي يستنبطها منه، والمعترض يقول: الحكم فرع العلة ولا طريق إلى إثباته بسواها، ولذلك يمنع الحكم عند إبطالها.
والأظهر: أنه سمي مركبا لإثباتهما الحكم كل بقياس، إذ ليس بمنصوص عليه ولا مجمع عليه فقد اجتمع قياساهما، وإلا لقال: ألا يكون مركبا أو ذا تركيب، ثم إن الأول اتفقا فيه على الحكم، وهو الأصل بالاصطلاح، والثالث دون الوصف الذي يعلل به المستدل فسمي مركب الأصل، والثاني اتفقا فيه على الوصف الذي يعلل به المستدل وإن اختلفا في وجوده، فسمي مركب الوصف بأدنى مناسبة، تمييزا له عن صاحبه.
مثال الأول: كما لو قال المستدل في الحر يقتل عبدا: فلا يقتل به الحر كالمكاتب، فيقول الحنفي: العلة في عدم قتله بالمكاتب جهالة المستحق للقصاص من السيد بتقدير العجز عن أداء الكتابة، أو ورثة المقتول بتقدير أدائه، والجهالة غير ثابتة في العبد، فإن صحت هذه العلة بطل إلحاق العبد به لعدم مشاركته في العلة، وإن بطلت منعت حكم الأصل، وقلت: يقتل الحر بالمكاتب لعدم المانع، إذ ليس الحكم المذكور بمجمع عليه ولا منصوص عليه فالخصم لا ينفك عن عدم العلة في الفرع، كما لو كانت هي الجهالة/، أو منع الحكم في الأصل، كما لو كانت كونه عبدا، وعلى التقديرين لا يتم القياس.
مثال مركب الوصف: ما لو قال في تعليق الطلاق قبل النكاح: تعليق للطلاق فلا يصح قبل النكاح، كما لو قال: "زينب التي أتزوجها طالق"،
стр. 1231
فيقول الحنفي: العلة عندي –وهي كونه تعليقا- مفقودة في الأصل، فإن قوله: "زينب التي أتزوجها طالق" تنجيز لا تعليق، فإن صح هذا بطل إلحاق التعلق به لعدم الجامع، وإلا منع حكم الأصل، وهو عدم الوقوع في قوله: "زينب التي أتزوجها طالق"، لأني إنما منعت الوقوع لأنه تنجيز، ولو كان تعليقا لقلت به، فالخصم لا ينفك عن منع الأصل إذا لم يكن التعليق ثابتا فيه، أو منع حكم الأصل إذا كان ثابتا، وعلى التقديرين لا يتم القياس.
قيل: يجب أن يقيد منع الأصل فيهما بما إذا كان مجتهدا، أما المقلد فلا إذ ليس له تخطئة إمامه لاحتمال ألا يكون ما عينه المعترض هو مأخذ إمامه، وبتقدير أن يكون هو، لا يلزم من عجزه عن تقديره عجز إمامه، بل يجب على المعترض تصويب إمامه في الأصل وإن لزمه تخطئته في الفرع؛ لأن تخطئته في الفرع أولى من تخطئته في الأصل، لأن تخطئته في الأصل تستلزم التخطئة في الفرع من غير عكس.
وصرح الآمدي في المنتهى به، قال: إنما يمنع حكم الأصل إذا كان مجتهدا، ثم الخصم لا يعجز عن إظهار قيد يختص بالأصل يدعي أن ذلك هو العلة عنده بعد الموافقة على الحكم، ولا سبيل إلى دفعه بالدليل على أن علتك هي العلة عندي، بل لو قال علة غير ذلك ولم يعنيه سمع، فإذا طريق ثبوت ذلك هو تسليمه.
فإن سلم المعترض المناظر في مركب الأصل ما جعل المستدل علة، وسلم أن العلة موجودة في الأصل في مركب الوصف، انتهض الدليل عليه لاعترافه بصحة الموجب وثبوته، وإلا فالمستدل إن ثبت وجودها في الأصل بدليل من
стр. 1232
عقل أو حس أو شرع، فينتهض عليه ويلزم القول بموجبه، كما لو كان مجتهدا في طلب الحكم لنفسه وغيره مناظر وظن ذلك، فإنه لا يكابر نفسه، فكذلك المناظر إذا عرض له ما يحصل به الظن لموافقة صاحبه عليه، فيبعد ترك ما ظن لتضافرهما.
وقيد بالمجتهد؛ لأن المقلد قد يعتقد أن إمامه يدفع ما تمسك به.
أما لو لم يكن حكم الأصل مجمعا عليه في الواقع، ولا بين المتناظرين، فإن أثبت المستدل حكم الأصل بنص، ثم أثبت العلة بطريق من طرقها، قبل منه على الأصح، وقيل: لا يقبل لما فيه من الانتقال.
لنا: لو لم يقبل، لم يقبل في المناظرة مقدمة تقبل المنع؛ لأن من منع ذلك إنما منعه خشية الانتشار والانتقال، فلا يحصل المقصود من المناظرة، وهذا لا يختص بحكم الأصل/ بل هو ثابت في كل مقدمة تقبل المنع، وربما فرق بأن هذا الحكم شرعي مثل الأول، فيستدعي ما يستدعي الأول، بخلاف المقدمات الأخر.
السادس: أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع، وإلا لم يكن جعل احدهما أصلا والآخر فرعا أولى من العكس.
وقد يدفع بأن دلالة الدليل قد تكون على حكم الأصل أقوى.
قال: (ومن شروط علة الأصل: أن تكون بمعنى الباعث، أي مشتملة على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم، لأنها لو كانت مجرد أمارة –وهي مستنبطة من حكم الأصل- كان دورا.
ومنها: أن تكون وصفا وضابطا لحكمة، لا لحكمة مجردة، لخفائها أو
стр. 1233
لعدم انضباطها، ولو أمكن اعتبارها جاز على الأصح).
أقول: أما شروط علة الأصل: فقد اتفقوا على جواز التعليل بالأوصاف الظاهرة المنضبطة، [سواء] كان الوصف معقولا كالرضى، أو محسوسا كالقتل، أو عرفيا كالحسن والقبح، وسواء كان موجودا في محل الحكم كما مر من الأمثلة، أو ملازما له غير موجود فيه، كتحريم نكاح الأمة لعلة رق الولد.
واختلفوا في شروط، وذكر المصنف أربعة وعشرين:
الأول: أن تكون بمعنى الباعث، اشترطه المعتزلة، وأكثر الفقهاء، واختاره الآمدي، والمصنف.
وجمهور الأشاعرة لا يشترطونه، ويرونه يجر إلى التحسين العقلي، وأنه لو كانت علة أحكامه البواعث، لزم أن يكون مستكملا بالغير.
وفسر الأشاعرة علة الحكم بمعرفة دون الموجب له والداعي [للشارع] إليه؛ لأن الحكم لما كان خطاب الله الذي هـ كلامه القديم، امتنع تعليله بشيء من العلل.
стр. 1234
وفيه نظر؛ لأن المعلل تعلقه، والخلاف في المستنبطة، أما المنصوصة فاتفقوا على جواز التعليل بها وإن كانت مجرد أمارة.
وصرح المصنف به بعد هذا، فقال: "والمختار جواز تعليل حكمين بعلة بمعنى الباعث، وأما الأمارة فاتفاق". ومعنى الباعث: أن تكون مشتملة على حكمة مقصودة للشارع من الحكم، من تحصيل مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها؛ لأنها لو كانت [مجرد] أمارة لم يكن لها فائدة ولا تعرف الحكم، وإنما يعرف بها الحكم إذا لم تكن منصوصة أو مجمعا عليها، وإلا عرف الحكم بنص أو الإجماع لا بها، فإذا قال: "حرمت الخمر معللة بالإسكار"، كان تصريحا بحرمة الخمر، فلا يكون [قد عرف] بالعلة.
بقي أن يعرف بها وهي مستنبطة وحينئذ يلزم الدور، لأن المستنبطة لا تعرف إلا بثبوت الحكم، فلو عرف ثبوت الحكم بها لزم الدور.
ودفع الأشاعرة الدور: [بأنها مستنبطة من حكم الأصل، معرفة لحكم الفرع. ورد: بأنها لا تكون معرفة لحكم الفرع دون حكم الأصل]، وإلا لم يتحقق القياس الذي هو مساواة فرع لأصل في علة حكمه.
وقيل: معرفة للحكم.
رده أيضا: أن حكم الأصل إنما يعرف عليه الوصف، لإفضاء الوصف إلى الحكمة المقصودة، فما لم يشتمل/ الوصف على الحكمة، لم يكن الحكم
стр. 1235
معرفا لعليته إلا بالمقارنة الصرفة، فحصوله في الفرع بوصف المعرفية يتوقف على المقارنة المتوقفة على المعرفية ويلزم الدور.
والحق: أن حصوله في الفرع بوصف المعرفية يتوقف على المقارنة في الأصل، والمقارنة [المتوقفة على المعرفية المقارنة] في الفرع.
قيل في رده أيضا: الوصف إن لم يعرف حكم الأصل [لم يعرف حكم الفرع، وإلا لم يكن للأصل مدخل في الفرع؛ لأن ثبوت الوصف في الفرع لا يتوقف على حكم الأصل]، وكذا معرفته لحكم الفرع، ضرورة كونه غير معرف لحكم الأصل، فثبت أنه يكون معرفا لحكم الأصل، فيكون حكم الأصل مفرعا عليه، والوصف مستنبط من حكم الأصل فيكون فرعا لحكم الأصل، فيلزم الدور.
والحق: أن معرفته لحكم الفرع يتوقف على حكم الأصل، لتوقف المعرفية المذكورة على مقارنة الوصف لحكم الأصل، المتوقفة على ثبوت حكم الأصل، فيكون لحكم الأصل مدخل.
الشرط الثاني: أن يكون وصفا ظاهرا منضبطا في نفسه، حتى يكون ضابطا للحكمة –لا مجرد حكمة- وذلك لخفائها، كالرضى فيضبط بصيغ العقود، لكونها ظاهرة منضبطة، أو لعدم انضباطها، كالمشقة فإنها تختلف كثيرا بحسب الأشخاص والأحوال والأزمان، وليس لكل مرتبة ضابط، ولا يمكن تعيين مرتبة منها، إذ لا طريق إلى تمييزها بذاتها وضبطها في نفسها،
стр. 1236
فنيطت بالسفر، فلو وجدت حكمة مجردة وكانت ظاهرة منضبطة بحيث يمكن اعتبارها ومعرفتها، جاز اعتبارها وربط الأحكام بها على الأصح؛ لأنا نعلم قطعا أنها هي لمقصودة للشارع واعتباره المظنة لمانع خفائها واضطرابها، فإذا زال المانع من اعتبارها، جاز اعتبارها قطعا.
وقيل: لا يجوز وإلا لوقع، ولم تعتبر المظآن بدونها، وقد اعتبر كما في الملك المترف في السفر، وصاحب الصنعة الشاقة في الحضر.
الجواب: أن ذلك لانتقاء حكمة كذلك مما يقصده الشارع في أحكامه والمظنة لا يجب اطرادها وانعكاسها.
قال: (ومنها: ألا تكون عدما في الحكم الثبوتي.
لنا: لو كان عدما لكان مناسبا، أو مظنة مناسب.
وتقرير الثانية: أن العدم المطلق باطل، والمخصص بأمر إن كان وجوده منشأ مصلحة فباطل، وإن كان منشأ مفسدة فمانع، وعدم المانع ليس علة، وإن وجوده ينافي المناسب لم يصلح عدمه مظنة لنقيضه؛ لأنه إن كان ظاهرا تعين بنفسه، وإن كان خفيا فنقيضه خفي، ولا يصلح الخفي مظنة للخفي، وإن لم يكن فوجوده كعدمه.
وأيضا: لم يسمع أحد يقول: العلة كذا أو عدم كذا.
واستدل: بأن لا علة عدم، فنقيضه وجود.
стр. 1237
وفيه مصادرة، وقد تقدم مثله، فالواضح تعليل الضرب بانتقاء الامتثال.
قلنا: بالكف).
أقول: الشرط الثالث: أن لا تكون علة الحكم الثبوتي عدما، ولا نزاع في تعليل الثبوتي بالثبوتي، كالإسكار للتحريم، والعدمي بالعدمي، كعدم نفاذ التصرف لعدم العقل، والعدمي بالوجودي، كعدم نفاذ التصرف للمسرف.
وأما عكسه: فاختلفوا فيه، والمختار منعه.
لنا: لو كان العدمي علة للثبوتي لكان مناسبا أو مظنة مناسب، واللازم باطل، أما الملازمة؛ فلما تقدم من أنها لابد أن تكون بمعنى الباعث وحينئذ إما أن يكون نفس الباعث هو المناسب، أو أمر يشتمل عليه وهو المظنة.
أما بطلان اللازم؛ فلأن العدم المعلل به إما عدم مطلق وواضح، إذ لا يعلل به لعدم تخصصه بمحل وحكم واستواء نسبته إلى الكل، وإما عدم مخصص بما يضاف إليه، فذلك الأمر الذي أضيف إليه العدم إما أن يكون منشأ مصلحة أو منشأ مفسدة أو لا.
стр. 1238
فإن كان منشأ لمصلحة، فلا يكون عدمه علة، لأنه تفويت لتلك المصلحة، ولا يصلح مقصودا للشارع فلا يكون مناسبا ولا مظنة مناسب.
وإن كان منشأ مفسدة فهو مانع، فعدمه عدم مانع، وعدم المانع لا يكون علة، وإن لم يكن كذلك، فإما أن يكون وجوده ينافي وجود المناسب أو لا، فإن كان بحيث يستلزم وجوده عدم المناسب، فلابد أن يستلزم عدمه وجود المناسب لتحصل الحكمة به، وحينئذ يكون هو نقيض المناسب، وهذا لا يصلح أن يعلل به؛ لأن نقيض ذلك الأمر إن كان ظاهرا أغنى عن المظنة بنفسه وكان هو العلة بالحقيقة، وإن كان خفيا فنقيضه وهو ذلك الأمر خفي فعدم ذلك الأمر خفي، لأن النقيضين سيان في الجلاء والخفاء، لأنا كما نعلم وجود المحسوسات ضرورة، نعلم عدمها كذلك، فيكون عدم نقيضه خفيا، والخفي لا يصلح مظنة للخفي، وإن لم يكن منافيا للمناسب فالمناسب يحصل عند وجوده كما يحصل عند عدمه، فيكون وجوده وعدمه سواء في تحصيل المصلحة لا خصوصية لأحدهما به، فلا يكون عدمه خاصة مظنة، فلا يصلح علة وقد فرضناه علة، هذا خلف.
مثاله: ما لو قيل: "ساب النبي ﵇ يقتل لعدم إسلامه" فيقال: إن كان في قتله مع الإسلام مصلحة فيلزم من اعتبار عدمها تفويتها، وإن كان فيه مفسدة فغايته أن الإسلام مانع فما المقتضى لقتله؟ وإلا فإما أن ينافي مناسبا للقتل هو الكفر مثلا، فإن كان الكفر ظاهرا فليقل: يقتل لأنه كافر، وإن كان خفيا فالإسلام كذلك فعدمه كذلك، فلا فرق بين معرفة الكفر ومعرفة عدم الإسلام في الخفاء وإن كان لا ينافي مناسبا، إذ ليس الكفر هو
стр. 1239
المناسب ولذلك تقول: يقتل/ وإن تاب، فالمناسب أمر آخر يجتمع مع الإسلام، فالإسلام وعدمه سواء في تحصيل المصلحة فلا يكون عدمه مظنة.
وفيه نظر من وجوه: الأول: منع الملازمة بما مر في الشرط الأول.
الثاني: لا حاجة إلى هذا التقسيم، بل كان يقول: إن كان منشأ مصلحة فباطل، وإن كان منشأ مفسدة فمانع، وإلا فلا اعتبار لوجوده وعدمه في الحكم، وإلا لكان وجوده أو عدمه منشأ لأحدهما، إذ العلة الباعثة شأنها ذلك، مع أن الثالث قسم الثاني، فلا يكون قسيما له.
الثالث: منع كون أحد المتقابلين في حكم الآخر في الجلاء والخفاء، إذ قد يكون أحد الضدين أجلى من الآخر.
الرابع: أنا نختار الثالث، ولم لا يجوز أن يكون المناسب هو العدم بعينه كالقتل لعدم الإسلام في مسألتنا، إذ فيه المصلحة المقصودة، وهو التزام الإسلام خوفا من القتل.
الخامس: نختار الرابع، قوله: "وجوده كعدمه" نمنعه، إذ عدمه يستلزم المقصود، ووجوده –وإن لم يناف- فلا يستلزم.
السادس: أن الدليل المذكور يجري في تعليل العدمي بالعدمي.
السابع: يقتضي أن لا يعلل بأمر وجودي أيضا لأن الوجود المطلق لا يكون علة، والوجود المضاف تردد فيما أضيف إليه إلى آخره، [وفي هذا الأخير نظر].
стр. 1240
ولنا أيضا: أن لم يسمع أحد يقول: العلة كذا أو عدم كذا، مع كثرة السبر والتقسيم، ولو كان صالحا لسمع ولو قليلا. وفيه نظر من وجهين: الأول: أنه قد سمع، إذ لا فرق بين قولنا: علة الإجبار عدم الإصابة أو البكارة، وعلة الحجر الجنون أو عدم العقل، فالتعليل بالعبارات الوجودية عن العلل العدمية واقع.
سلمنا، ولا يلزم من عدم السماع دليل الامتناع، وإلا لامتنع التمسك بدليل أو تأويل لم يسمع، وقد مر بطلانه.
[وقد استدل أيضا: بأن العلة وجودية فلا يتصف بها العدم، بيان أنها وجودية: أن نقيضها لا علة وهو عدم لصدقه على المعدوم فهي وجود، وإلا كان النقيض عدميين، وقد مر تقريره في مسألة الحسن والقبح مع جوابه.
وكون إثبات الوجود بصورة السلب مصادرة لكونه يجوز أن يكون ثبوتيا أو منقسما، ثم إنه يقتضي أن لا يكون العدم علة العدم.
قالوا: صح تعليل الضرب بانتقاء الامتثال، مع أن الضرب ثبوتي وانتفاء الامتثال عدمي. قلنا: بل التعليل بالكف عن الامتثال، وهو ثبوتي].
قال: (وألا يكون العدم جزءا منها.
قالوا: انتقاء معارضة المعجزة جزء من المعرف لها، وكذلك الدوران وجزؤه عدم.
قلنا: شرط الإجزاء).
أقول: الشرط الرابع: أن لا يكون العدم جزءا من علة الحكم
стр. 1241
الثبوتي، واستغنى عن الاحتجاج عليه بما تقدم، لأن المركب من الوجود والعدم عدم.
واحتج الآخرون: بأن معرفة أن المعجزة معجزة أمر وجودي، وهو معلل بالتحدي بالمعجزة مع انتفاء المعارضة [وانتفاء المعارضة] بمثلها فهذه علة جزؤها عدم، وما جزؤه عدم فهو عدم وقد علل به الوجودي، وكذلك الدوران علة لمعرفة كون المدار علة وهي وجودية، والدوران عدمي لأنه عبارة عن الوجود عند الوجود والعدم عند العدم فأحد جزأيه عدم فهو عدم.
الجواب: أن العدم في الصورتين شرط للأمر الوجودي.
واعلم أن من لم يشترط كون العلة /باعثة، يجوز أن تكون العلة عدما في الحكم الثبوتي، إذ لا امتناع في ذلك، بأن ينصب الشارع عدما مضافا على حكم، أما من شرط كونها باعثة، فلابد من أن تكون عنده وجودية إذ الباعث أو الداعي لابد أن يكون موجودا.
قال: (وألا تكون المتعدية المحل ولا جزءا منه، لامتناع الإلحاق بخلاف القاصرة، والقاصرة بنص أو إجماع صحيحة باتفاق.
والأكثر على صحتها بغيرها، كتعليل الربا في النقدين بجوهريتهما.
خلافا لأبي حنيفة.
لنا: لأن الظن حاصل بأن الحكم لأجلها، وهو المعنى بالصحة، بدليل صحة المنصوص عليها.
стр. 1242
واستدل: موقوفة على تعديتها، لم تنعكس على الدور.
والثانية: اتفاق.
وأجيب: بأنه دور معية.
قالوا: لو كانت صحيحة لكانت مفيدة، والحكم في الأصل بغيرها، ولا فرع.
رد: بجريانه في القاصرة بنص، وبأن النص دليل الدليل، وبأن الفائدة معرفة الباعث والمناسب فيكون ادعى إلى القبول، وإذا قدر وصف آخر متعد، لم يتعد إلا بدليل على استقلاله).
أقول: الشرط الخامس: أن لا تكون العلة المتعدية نفس المحل ولا جزءا منه، يعني جزءا خاصا به، إذ لا يتصور تعديتها، وأما الجزء المحمول الأعم فيجوز، ولا يسميه المتكلم جزءا بل وصفا، وهذه العبارة فيها قلق، إذ لا تكون متعدية ومحلا حتى يشترط ألا تكون محلا، وعبارة الآمدي أسد حيث قال: اتفق الكل على أن تعديه العلة شرط صحة القياس، وعلى صحة العلة القاصرة إن كانت منصوصة أو مجمعا عليها.
стр. 1243
أما لو كانت القاصرة بمناسبة أو سبر، فالأكثر على صحتها، كتعليل الربا في الذهب والفضة بجوهرية الصمنية، أي بكوهما جوهريا الثمن، وهو وصف قاصر، هكذا قال الآمدي، وهو الذي ذكره المصنف في كتابه في الفقه، حيث قال: "العلة غلبة الثمنية، وقيل الثمنية".
ومنع أبو حنيفة، والبصري التعليل بالقاصرة المستنبطة.
لنا: أن الظن حاصل بأن الحكم لأجلها لأن المفروض –وهو معنى صحة العليل بها- بدليل صحة المنصوص عليها اتفاقا، وإن لم يفد النص إلا الظن إذا كان آحادا أو ظني الدلالة، فلو كان معنى التعليل القطع بأن الحكم لأجلها، ما جاز ذلك.
ومن هنا تعلم أن الصواب جوهرية الثمنية [لأنه مناسب]، لا نفس الجوهرية إذا ليس بمناسب.
واستدل: لو كانت صحة علية المستنبطة موقوفة على تعديتها، ولم تكن تعديتها موقوفة على صحتها لامتناع الدور، لكن تعديتها تتوقف على صحتها اتفاقا.
/الجواب: منع الملازمة، إذ اللازم دور المعية ولا محدور فيه؛ لأنه دور التقدم، إذ الصحة والتعدية معلولا العلة فحصولهما معا، فالعلة إذا وجدت في الفرع حصلت الصحة والتعدية معا، إذ التقدير أن صحة العلة مشروط
стр. 1244
بوجودها في الفرع، ومع وجودها في الفرع حصلت التعدية، ومتى لم تحصل العلة في الفرع، لم تحصل الصحة.
أو نقول: التعدية شرط العلة، بمعنى وجود الوصف في غيره، ومشروط بها، بمعنى وجود الحكم [به] في غيره، فهو غلط نشأ من الاشتراك.
قالوا: لو كانت القاصرة المستنبطة صحيحة، لكانت مفيدة، لأن ما لا فائدة فيه لا يحكم بصحته شرعا لكنها غير مفيدة؛ لأن فائدتها منحصرة في إثبات الحكم بها وهو منتف، أما في الأصل فلأنه بالنص أو الإجماع، والفرع الفرض ألا فرع.
الجواب: النقض بالقاصرة بنص، لجريان هذا الدليل فيها، وأنه جائز اتفاقا.
الثاني: لا نسلم أن الحكم في الأصل بغير العلة، بل بالعلة، والنص دل على كونه دليلا، فإذا قال: "جوهر الثمن ربوي"، فقد عرف كون النقدين ربويين بكون الربوية معللة بجوهرية الثمنية، والنص دل على ما يثبت به الحكم.
الثالث: لا نسلم حصر الفائدة في معرفة الحكم، بل من الفوائد معرفة الباعث والمناسب بإنه الحكم، إذا عرف أنه كذلك كان أدعى إلى الإذعان
стр. 1245
والقبول من التعبد المحض.
ومن فوائده: أنه إذا كانت علة وقدر في محلها وصف آخر متعد، جاز أن يكون جزء علة فلا تعدية، وأن يكون كلا مستقلا فتحصل التعدية، وإذا جاز الأمران فلا تعدي إلا بدليل يدل على استقلاله.
فإن قيل على الجواب الأول: خرجت المنصوصة بالإجماع.
وعلى الثاني: لو عرفت حكم الأصل وهي مستنبطة منه لزم الدور.
وعلى الثالث: أن الفائدة الأولى مبنية على تعليل أحكامه بالبواعث.
وفيه ما سبق، والثانية مدفوعة بالترجيح بالتعدية، وقد قال بعد هذا: فإن ادعى أن المستنبطة كذلك، ترجح سبر المستدل بموافقة التعدية.
وقال أيضا: والأكثر تعديا على غيره.
قلت: المراد من الأول نقض الدليل فلا يفيد العلم، والثاني لا دور؛ لأن المتأخر على حكم الأصل العلم بكونها علة، وهي معرفة أن حكم الأصل لأجلها، لا أنها معرفة نفس حكم الأصل.
وقد صرح بهذا بعد، ؟ فقال: "قالت الشافعية: حكم الأصل ثابت بالعلة والمعنى أنها الباعثة على حكم الأصل".
والثالث: أن الفائدة الأولى بناء على مختاره من أن العلل الشرعية المستنبطة بمعنى الباعث، وأما الفائدة الثانية فلا تندفع بما قال؛ لأن التعدية
стр. 1246
يترجح بها الدليل عند المعارضة؛ لأنها كافية في الدلالة على العلية.
وقوله: "وترجيح سبر المستدل"؛ لأن السبر دليل، فلما عارضه السبر الآخر، ترجح سبر المستدل بموافقته التعدية، ولئلا يلزم التعبد بالحكم، ولهذا قال بعد هذا: "فإن ترجح بالتوسعة منع الدلالة"، أي منع إفادة التعدية الاستقلال، ويدل عليه أيضا قوله: "ولا يكفي رجحان المعنى ولا كونه متعديا، لاحتمال الجزئية".
قال: (وفي النقض، وهو وجود المدعى علة في الأصل مع تخلف الحكم.
ثالثها: يجوز في المنصوصة لا المستنبطة.
ورابعها: عكسه.
وخامسها: يجوز في المستنبطة وإن لم يكن مانع ولا عدم شرط.
والمختار: إن كانت مستنبطة لم يجز إلا لمانع أو عدم شرط، لأنها لا تثبت علتها إلا ببيان أحدهما؛ لأن انتفاء الحكم إذا لم يكن لذلك، فلعدم المقتضي، فإن كانت منصوصة فبظاهر عام فيجب وتقدير المانع.
لنا: لو بطلت لبطل المخصص.
وأيضا: جمعا بين الدليلين، ولبطلت القاطعة، كعلل القصاص والجلد وغيرهما).
أقول: الشرط السادس: أن تكون مطردة، أي كلما وجدت وجد الحكم، وعدمه نسمى نقضا، ويسميه القدماء تخصيص العلة، وهو أن
стр. 1247
يوجد الوصف الذي يدعي أنه علة في محل، مع عدم الحكم فيه.
وقد اختلف في جواز النقض، أي كونه قادح في العلة حتى يبقى معه ظن العلية على ستة مذاهب:
الأول: يجوز مطلقا.
الثاني: لا يجوز مطلقا.
الثالث: يجوز في المنصوصة لا المستنبطة.
الرابع: يجوز في المستنبطة إذا كان لمانع أو عدم شرط، ولا يجوز في المنصوصة مطلقا.
الخامس: يجوز في المستنبطة وإن لم يكن مانع ولا عدم شرط، ولا يجوز في المنصوصة مطلقا، هذا في الحقيقة عكس الثالث.
ومختار المصنف: التفصيل فيهما، وهو أنها إن كانت مستنبطة لم يجز إلا لمانع [أو عدم شرط؛ لأن علية المستنبطة المتعدية لا تثبت عند التخلف إلا
стр. 1248
ببيان أحدهما؛ لأن انتفاء الحكم إذا لم يكن] لمانع ولا عدم شرط فهو لعدم المقتضى قطعا، فلو كان الوصف مقتضيا لثبت الحكم في صورة النقض لكن لم يثبت فليس مقتضيا، والمراد من البيان في قوله: (إلا ببيان أحدهما) مدلوله اللغوي، وهو الظهور. واعلم أن دعواه مركبة من الصحة عند وجود المانع وفقدان الشرط، ومن عدم الصحة عند عدم المانع ووجود الشرط.
واستدل على الثاني مطلقا فقط وترك الأول لظهوره؛ لان الاستنباط دل على العلية بالمناسبة أو بالسبر مع الاعتبار، وأمكن صرف نفي الحكم إلى المانع لئلا يلغى، فيجب الحمل عليه جمعا بين الدليل الدال على العلية والدال على مانعية المانع.
أما إن كانت منصوصة، فإن كان النص قطعيا امتنع التخلف، وحينئذ يجب أن تكون بظاهر عام؛ لأن الخاص بمحل الحكم لا يتناول صورة النقض، وإذا كان كذلك فيجب تخصيصه بغير صورة النقض لأن ذلك النص عام يدل على العلية في محل النقض وغيره، وعدم الحكم الخاص يدل على عدم العلية في محل النقض، وإذا تعارض عام وخاص فقد علمت أن الواجب تخصيص العام جمعا بينهما، ويجب تقدير مانع يمنع من العلية في صورة النقض وإن كنا لا نعلمه بعينه، لئلا يلزم الحكم بدون العلة، فإن فيه إبطال العلة لما ذكرنا أن عدم الحكم بدونهما لعدم المقتضي فيبطل الانتفاء.
وحاصل هذا المذهب: أنه لابد من مانع أو عدم شرط، لكن في المستنبطة يجب العلم بعينه، وإلا لم نظن العلية، وفي المنصوصة لا يجب،
стр. 1249
ويكفي في ظن العلية تقديره، وفي الصورتين لا تبطل العلية بالتخلف.
لنا: لو بطلت العلية بالتخلف لبطل المخصص، بيان اللزوم: أنه ليس إلا تخصيص عموم دليل كونها علة، وخصوصية هذا المدلول ملغاة قطعا فانتفى الفرق.
ولنا أيضا: أنه جمع بين الدليلين، دليل الاعتبار إذ يعمل به في غير صورة النقض، ودليل الإهدار إذ يعمل به في صورة النقض.
وأيضا: لو بطلت لبطلت العلل المتفق عليها، كعلة القصاص –وهو القتل العمد العدوان- بالتخلف في الوالد، وكذا شرب الخمر علة للجلد، مع التخلف في الغصة، وإنما حملنا القاطعة على المتفق عليها لاستحالة التخلف عن القطعية؛ لأن التخلف إن لم يكن لدليل فظاهر، وإن كان لدليل ظني فلا يعارض القاطع ولا يكون بقاطع، وإلا لتعارض قطعيان.
قيل: لا يلزم من بطلان الضعيف بالنقض بطلان القوي.
ورد: بأن الأقوى أشد مناسبة لعدم التخلف.
قال: (أبو الحسين: النقض يلزم منه مانع أو انتفاء شرطه، فتبين أن نقيضه من الأولى.
قلنا: ليس ذلك من الباعث، ويرجع النزاع لفظيا.
قالوا: لو صحت للزم الحكم.
وأجيب: بأن صحتها كونها باعثة، لا لزوم الحكم فإنه مشروط.
قالوا: تعارض دليل الاعتبار ودليل الإهدار.
قلنا: الانتفاء للمعارض لا ينافي الشهادة.
стр. 1250
قالوا: يفسد كالعقلية.
أجيب: بأن العقلية بالذات، وهذه بالوضع).
أقول: احتج القائلون بأن النقض يفسد مطلقا: بما قال أبو الحسين منهم: النقض إنما يصح مع وجود مانع أو انتفاء شرط، وإلا فهو كاشف عن عدم المقتضي، فقد بين النقض، أن عدم المانع ووجود الشرط جزء من العلة؛ لأن المستلزم هو العلة مع ذلك، فلا تكون الأولى تمام العلة، فيقدم النقض في علتها.
الجواب: أن المراد من العلة وليس نقيض كل /من وجود المانع وانتفاء الشرط من العلة الباعثة وإن كان جزءا من العلة المستلزمة، وعلى هذا يرجع النزاع لفظيا، فإن فسرت بالباعث على الحكم جاز النقيض، وإن فسرت بالمستلزم لم يجز النقض.
وهذا الجواب إنما يتم لو انحصرت العلة في الباعثة، وليس كذلك؛ لأن المنصوصة –وإن كانت مجرد أمارة- فيصح التعليل بها اتفاقا، ومنه يعلم ضعف الشبهة الثانية في قوله: (أجيب: بأن صحتها كونها باعثة).
قالوا: لو صحت مع النقض لزم الحكم في صورة النقض؛ لأن من ضرورة صحة العلية لزوم المعلول لعلته.
الجواب: منع كونه من لوازم الباعث، ووجود الحكم مشروط بعدم المانع ووجود الشرط.
стр. 1251
قالوا: تعارض دليل العلية وهو وجود الحكم معه، ودليل الإهدار وهو التخلف عنه، فيتساقطان فلا يعمل بدليل العلية.
الجواب: لا نسلم أن التخلف دليل الإهدار، فإن انتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض لا يبطل شهادة النص أو الاستنباط.
قالوا: التخلف يفسد العلة كما يفسد العلية العقلية.
الجواب: بالفرق، بأن العلة العقلية مقتضية لمعلولها بالذات، على أنه جائز فيها عند فوات القائل، أما العلل الشرعية فاقتضاؤها لمعلولاتها بواسطة وضع الشارع، سواء كانت دواعي أم مقدمات.
قال: (المجوز في المنصوصة: لو صحت المستنبطة مع النقض لكان لتحقيق المانع، ولا يتحقق غلا بعد صحتها، فكان دورا.
وأجيب: بأنه دور معية.
والصواب: أن استمرار الظن بصحتها عند التخلف يتوقف على المانع وتحقق المانع ويتوقف على ظهور الصحة فلا دور.
كإعطاء الفقير يظن أنه لفقره، فإن لم يعط آخر توقف الظن، فإن تبين مانع عاد، وإلا زال.
قالوا: دليلها اقتران، فقد تساقطا، وقد تقدم).
أقول: القائلون بجوازه في المنصوصة دون المستنبطة، قالوا: لو
стр. 1252
صحت المستنبطة مع النقض لكان لتحقق المانع.
أما الملازمة؛ فلأن التخلف مع عدم المانع يكون لعدم المقتضي.
وأما بطلان اللازم؛ فلأن المانع إنما يتحقق بعد صحة العلية، إذ لو لم تصح كان عدم الحكم لعدمها، ولا أثر لما يتصور مانعا فيتوقف الصحة على المانع، والمانع على الصحة، ويلزم الدور.
والجواب: أن المستحيل دور التقدم لا دور المعية، وهذا دور معية، إذ غايته امتناع انفكاك كل عن الآخر، وأما أن الصحة متقدمة على المانع أو العكس فلا.
وليس بصواب؛ إذ لا تعلم المانعية إلا بعد العلم بالاقتضاء، ولا يعلم الاقتضاء مع التخلف إلا بعد العلم بالمانعية.
والصواب: أن ظن العلية مستفاد من المناسبة أو السبر، فيظن ذلك حتى بتحقق التخلف، وعند التخلف إن وجد أمر ينتسب إله ذلك –لصلاحيته لذلك-/ حكمنا على ذلك الأمر بأنه مانع، واستمر ظن الصحة، وإلا زال الظن.
فإذا استمر الظن بصحتها [عند] التخلف يتوقف على وجود المانع، وكونه مانعا يتوقف على ظهور الصحة لا على استمرار الظن بالصحة.
مثاله: لو أعطى فقيرا ظننا أن الإعطاء للفقير، فإذا لم يعط فقيرا آخر،
стр. 1253
توقف الظن بكون الفقر هو العلة، فإن تبين مانع –كفسقه مثلا- عاد الظن أنه كان لفقره، وهنا لم يعط معه لأجل الفسق، وإن لم يتبين، زل ظن كونه للفقر، وهذا يشكل إذا كان العلم بالتخلف مقارنا لا متأخرا.
والصواب: أن المانعية [كونه] بحيث إذا جامع علة باعثة منعها مقتضاها، والفسق للإعطاء كذلك، وجد الباعث أم لا، ووجود المانع المتوقف عليه العلة هو هذا القدر، لا كونها مانعا بالفعل الذي هو متوقف على العلية، فلا دور.
قالوا: دليل المستنبطة اقتران الحكم بها، وقد شهد لها بالاعتبار في صورة، وعليها بالإهدار في محل النقض، فيتساقطا.
الجواب: أن الانتفاء للمعارض لا ينافي الشهادة.
قال: (المجوز في المستنبطة: المنصوصة دليلها نص عام فلا يقبل.
أجيب: إن كان قطعيا فمسلم.
وإن كان ظاهرا وجب قبوله.
الخامس: المستنبطة بدليل ظاهر، وتخلف الحكم مشكك، فلا يعارض الظاهر.
وأجيب: تخلف الحكم ظاهر أنه ليس بعلة، والمناسبة والاستنباط مشكك.
والتحقيق: أن الشك في أحد المتقابلين يوجب الشك في الآخر.
قالوا: لو توقف كونها أمارة على ثبوت الحكم في محل آخر،
стр. 1254
لا نعكس فكان دورا أن تحكما.
وأجيب: بأنه دور معية.
والحق: أن استمرار الظن بكونها أمارة يتوقف على المانع أو ثبوت الحكم، وهما على ظهور كونها أمارة).
أقول: القائلون بالجواز في المستنبطة إذا كان لمانع أو عدم شرط دون المنصوصة [قالوا]: المنصوصة دليلها نص عام وإلا لما تصور تخلف الحكم عنها.
وحينئذ يتناول محل النقض صريحا فثبت فيه العلية صريحا، فلا يقبل النقض إذ يلزم إبطال النص، بخلاف المستنبطة فإن دليلها الاقتران مع عدم المانع ولا تخلف عنه.
الجواب: أن النص العام إن كان قطعيا فمسلم أنه لا يقبل التخصيص، وإن كان ظاهرا وجب قبوله وتقدير المانع.
الخامس: القائل بالجواز في المستنبطة وإن لم يكن مانع ولا فوت شرط، قالوا: المستنبطة علة بدليل ظاهر يوجب ظن العلية وهو المناسبة، والتخلف مشكك فلا يوجب ظن عدم العلية، إنما يوجب الشك فيه؛ لأن احتمال تخلف الحكم لعدم كون الوصف علة مساو لاحتمال تخلفه لمعارض، والظن لا يرفع بالشك، فالتخلف لا يبطل/ العلية.
стр. 1255
الجواب: المعارضة، وهو أن التخلف دليل ظاهر على عدم العلية، ودليل المستنبطة مشكك، إذ التخلف يحتمل أن يكون للمعارض أو لعدم المقتضي احتمالا مساويا.
ولما كان هذا الجواب جدليا، قال: (والتحقيق: أن الشك في أحد المتقابلين يوجب الشك في الآخر)، فإذا كان التخلف مشككا في عدم العلية كان مشككا في العلية، إذ حقيقة الشك احتمال المتقابلين على السواء، فإذا قوله: "العلة مظنونة بدليلها وعدم العلة مشكوك فيه بدليله" كلام متناقض.
واعلم أن عند التعارض يحصل الشك في الطرفين، وعند الانفراد يوجب كل الظن، والشك إنما نشأ من التعارض، لا أن مقتضى أحدهما الظن والآخر الشك إذا انفردا حتى يقدم عند الاجتماع ما مقتضاه الظن فيعمل به؛ لأن الظن والشك متضادان، فلا يجتمعان في محل واحد.
قالوا: لو توقف كونها أمارة للحكم في صورة الاقتران على ثبوت الحكم في صورة التخلف لانعكس، فيتوقف ثبوت الحكم في صورة التخلف على كون المستنبطة أمارة للحكم في صورة الاقتران ولزم الدور، وإن لم ينعكس لزم التحكم.
وأجيب: بأنه دور معية لا دور توقف كما سبق، وليس بحق.
والجواب الحق: أن المناسبة دلت على علية الوصف ابتداء، فإذا أمعن
стр. 1256
النظر فيما هو شرط العلية من أحد الأمرين، إما ثبوت الحكم معه في جميع الصور، أو وجود المانع من ثبوته، إذ لو [انتفيا فلا علة]، فإن علم تحققه استمر الظن وإلا زال، فاستمر كونها أمارة يتوقف على أحدهما، وهما على ظن كونها أمارة، وهو ابتداء ظنه، فلا دور.
قال: (وفي الكسر وهو: وجود الحكمة المقصورة مع تخلف الحكم.
المختار: لا يبطل، كقول الحنفية في العاصي بسفره: مسافر فيترخص كغير العاصي، ثم بين المناسبة بالمشقة.
فيعترض: بصنعة شاقة في الحضر.
لنا: أن العلة السفر، لعسر انضباط المشقة، ولم يرد النقض عليه.
قالوا: الحكمة هي المعتبرة قطعا، فالنقض وارد.
قلنا: قدر الحكمة المساوية في محل النقض مظنون، ولعله لمعارض والعلة موجودة في الأصل قطعا، فلا يعارض الظن القطع حتى لو قدرنا وجود قدر الحكمة أو أكثر قطعا، وإن بعد أبطل، إلا أن يثبت حكم آخر أليق بها، كما لو علل القطع بحكمة الزجر، فيعترض بالقتل العمد العدوان، فإن الحكمة أزيد لو قطع.
فيقول: ثبت حكم أليق بها تحصل به وزيادة، وهو القتل).
أقول: الشرط السابع عند بعضهم أن تكون الحكمة مطردة أي كلما وجدت الحكمة وجد الحكم، فإذا وجدت في محل بدون الحكم سمي
стр. 1257
كسرا.
والمختار: أنه لا يبطل العلية مثاله: ما لو قال الحنفي في المسافر العاصي
بسفره: / "مسافر فيترخص بسفره كغير العاصي" ثم بين مناسبة السفر للترخص بما فيه المشقة المقتضية للترخص، فيعترض: بصنعة شاقة في الحضر.
لنا: أن العلة السفر ولم يرد النقض عليه، فوجب العمل بمقتضى العلة.
بيان أن العلة السفر: أنه وإن كان المقصود المشقة، لكن يعسر ضبطها وليس كل قدر منها يوجب الترخص، وإلا لسقطت العبادات، وتعيين القدر الموجب لذلك متعذر، فضبط بوصف ظاهر منضبط هو السفر، فجعل أمارة لها، ولا معنى للعلة إلا ذلك.
قالوا: الحكمة هي المعتبرة بالذات، واعتبار الوصف إنما هو بالتبعية فالنقض وارد على العلة؛ لأنه إذا وجدت الحكمة المعينة ولم يوجد الحكم، على أن تلك الحكمة غير معتبرة، فكذا الوصف المعتبر بتعينها، فإن المقصود إذا لم يعتبر فالوسيلة أجدر.
الجواب: أن قدر الحكمة –كالمشقة في مثالنا- يختلف، ولابد في ورود النقض من وجود حكمة في محل النقض مساوية لحكمة الأصل فإن عدم اعتبار الأضعف لا يوجب عدم اعتبار الأقوى وذلك غير متيقن، ولعله أقل حكة، ولعله معارض، ومع المعارض ينقض قدر الحكمة أو يبطل فلذلك لم يعتبره
стр. 1258
الشارع، والعلة موجودة في الأصل قطعا، ولا يصلح التخلف الظني معارضا للقطعي، نعم لو علم وجود قدر الحكمة أو أكثر، وإن بعد تحققه –لعسر الاطلاع على قدر الحكمة- أبطل العلية لأن القاطع إذا عارض قاطعا تساقطا.
ومن هنا تعلم أن قوله: (وهو وجود الحكمة) أي جنسها لا قدرها، أو وجود قدرها ظنا، وقوله: (وإن بعد) موافقا لقوله: (ولو أمكن اعتبارها جاز).
وقوله: (أبطل) معناه: إذا لم يكن مانع أو عدم شرط [يدل عليه.
قوله: (ولعله لمعارض)، وإلا فهو نقض، والنقض عنده إنما يبطل إذا لم يكن المانع ولا عدم شرط]، لكن إنما يبطل إذا لم يثبت حكم آخر في محل النقض أليق بالحكمة من الحكم المتخلف، كما لو علل قطع اليد قصاصا بحكمة الزجر، فيعترض الخصم بالقتل العمد العد=وان، فإن الحكمة فيه أزيد لو قطع، ومع ذلك لا يقطع، فيقول المعلل: ثبت حكم أليق بحكمة الزجر تحصل حكمة الزجر بذلك وزيادة، فإن القتل يحصل به إبطال اليد وغيرها.
قال: (وفي النقض المكسور: وهو نقض بعض الأوصاف.
المختار: لا يبطل، كقول الشافعي في بيع الغائب: بيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد فلا يصح، مثل: بعتك عبدا.
ويعترض: بما لو تزوج امرأة لم يرها.
стр. 1259
لنا: أن العلة المجموع فلا نقض، فإن بين عدم تأثير كونه مبيعا، كان كالعدم/ فيصبح النقض، ولا يفيد مجرد ذكره دفع النقض).
أقول: الشرط الثامن عند بعضهم: أن لا يتخلف الحكم عن بعض أوصاف العلة، فإن تخلف عنه سمي نقضا مكسورا، ولا يتحقق إلا في العلة المركبة، ووجه تركبه من النقض والكسر، كأنه قال: الحكمة المعتبرة تحصل باعتبار هذا البعض، وقد وجد في المحل ولم يوجد الحكم.
والمختار: لا يبطل العلية، مثاله: ما لو قال الشافعي في منع بيع الغائب: "بيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد فلا يصح، كما لو قال: بعتك عبدا من غير تعيين"، فيقول المعترض: "منقوض بما لو تزوج امرأة لم يرها"، ‘ذ الجهل بالصفة عند العاقد حال العقد موجود، مع أن العقد صحيح، فقد حذف قيد كونه مبيعا، ونقض ما بقي.
لنا: أن العلة المجموع فلا نقض عليه إذ لا يلزم من عدم علية البعض عدم عليه الجميع، هذا إذا اقتصر على نقض البيع، أما لو أضاف إليه إلغاء المتروك فإن بين مثلا عدم تأثير كونه مبيعا وأن الباقي مستقل بالمناسبة، كان وصف كونه مبيعا كالعدم فيرد النقض، فإن قال: له فائدة وهي دفع النقض.
قيل: مجرد ذكره لا يصيره جزءا من العلة، والاحتراز بذكره يتوقف على أن له مدخلا في التأثير، وقد مر بطلانه، وأيضا فائدة الاحتراز عن النقض وإمكانه متوقفة على كونه جزء العلة، حتى لو لم يكن جزءا كانت العلة ما وراءه والنقض وارد عليها، وكونه جزء العلة يتوقف على إمكان
стр. 1260
الاحتراز به عن النقض فيدور.
قال: (وأما العكس -وهو انقاء الحكم لانتقاء العلة-: فاشتراطه مبني على منع تعليل الحكم بعلتين لانتفاء الحكم عند انتفاء دليله، ونعني انتفاء العلم أو الظن، إذ لا يلزم من انتفاء الدليل على الصانع انتفاؤه).
أقول: الشرط التاسع: أن تكون العلة منعكسة، أي كلما عدم الوصف عدم الحكم.
والحق: أن اشتراطه مبني على تعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين؛ لأنه إذا جاز ذلك صح أن ينتفي الوصف، ولا ينتفي الحكم لوجود الوصف الآخر، وإذا لم يجز فثبوت الحكم دون الوصف يدل على أنه ليس علة له، وإلا لانتفى بانتفائه، لوجوب انتقاء الحكم عند انتقاء دليله، ونعني انتفاء العلم أو الظن لانتفاء الحكم، إذ لا يلزم من انتفاء دليل الشيء انتفاؤه، وإلا لزم من انتفاء الدليل على الصانع انتفاؤه، وأنه باطل، نعم يلزم انتفاء العلم أو الظن بالصانع.
وفيه نظر؛ إذ المراد من الحكم: الحكم الثابت علينا لا الصفة القديمة، فمناط الحكم عند المصوبة: العلم أو الظن، فإذا انتفيا انتفى /الحكم، وعند المخطئة: ينتفي الحكم أيضا، لئلا يلزم التكليف بالمحال.
стр. 1261
قال: (وفي تعليل الحكم الواحد بعلتين أو علل: كل مستقل.
ثالثها للقاضي: يجوز في المنصوصة لا المستنبطة.
ورابعها: عكسه.
ومختار الإمام: يجوز ولكن لم يقع.
لنا: لو لم يجز لم يقع، وقد وقع، فإن اللمس والبول والمذي والغائط والريح، يثبت بكل واحد منها الحدث، والقصاص والردة يثبت بكل منها القتل.
قولهم: الأحكام متعددة، ولذلك ينتفي في قتل القصاص، ويبقى في الآخر.
قلنا: إضافة الشيء إلى أحد دليله لا يوجب تعددا، وإلا لزم مغايرة حدث البول لحدث الغائط.
وأيضا: لو امتنع لامتنع تعدد الأدلة لأنها أدلة).
أقول: لما كان اشتراط الانعكاس فرع تعدد العلة، شرع في بيانه.
واعلم أنهم اختلفوا في تعليل الحكم الواحد بعلتين أو علل، كل واحدة
стр. 1262
مستقلة، فقيل: جائز، كانت العلل منصوصة أو مستنبطة.
وقيل: بالمنع مطلقا.
وثالثها للقاضي: يجوز في المنصوصة لا المستنبطة، ومال إليه الغزالي.
ورابعها: يجوز في المستنبطة دون المنصوصة.
ثم القالون بجوازه عقلا، اختلفوا في جوازه شرعا، فأكثرهم على جوازه، وقال إمام الحرمين: إنه ممتنع شرعا.
[والذي ذكره المصنف أعم].
واعلم أن محل الاخلاف عند الآمدي: الواحد بالشخص، قال: وأما الواحد بالنوع فلا خلاف في تعليله بعلتين، وعند الإمام فخر الدين
стр. 1263
والبيضاوي: الخلاف في الواحد بالنوع، ومختارهما: الجواز في المنصوصة دون المستنبطة.
وكلام المصنف محمول على الواحد بالنوع لوجهين:
الأول: أن أدلته إنما تدل على تعليل الواحد بالنوع بعلتين، لا الواحد بالشخص.
الثاني: أنه يذكر بعد هذا تعليل الواحد بالشخص بعلتين، وهو قوله: "القائلون بالوقوع إذا اجتمعت، فالمختار كل واحدة علة".
احتج المصنف على جوازه مطلقا بوجهين:
الأول: لو لم يجز لم يقع، أما الملازمة؛ فلأن ما لا يجوز لا يقع، وأما بطلان التالي؛ فلأنه واقع، إذ الحدث حكم واحد معلل باللمس والبول والمذي والغائط، وهي علل مستقلة، لثبوت الحدث بكل واحدة منها، وهو معنى الاستقلال، وكذا القتل حكم واحد وهو معلل بالقصاص والردة.
قالوا: الأحكام فيما ذكرتم متعددة، والعلل متعددة، أما الحدث فلأنه لو كان حدث البول واللمس واحد، لارتفع أحدهما بارتفاع الآخر، وليس كذلك، إذ لو نوى أحدهما لم يرتفع الآخر. وكذا القتل بالقصاص غير القتل بالردة، [ولذلك ينتفي أحدهما ويبقى الآخر، فينتفي قتال القصاص بالعفو ويبقى قتل الردة]، وينتفي قتل الردة بالإسلام ويبقى الآخر، ويحقق تعددهما/ واختلافهما: أن الأول حق الآدمي، والثاني حق الله.
стр. 1264
قلنا: لو تعددت الأحكام بإضافتها إلى العلل، لتعددت بإضافتها إلى الأدلة لأنها أدلة، واللازم باطل؛ لأن إضافة الحكم إلى أحد الدليلين مرة وإلى الآخر أخرى لا يوجب تعددا في الحكم، وإلا لزم مغايرة حدث البول لحدث الغائط، فكان يتصور أن ينتفي أحدهما ويبقى الآخر، ولو نوى بعض أحداثه غير متعرض لغيره لارتفع الكل، ولا تعدد في القتل، بل في استناده، والزائل بالعفو استناده إلى القتل العمد العدوان، والزائل بالإسلام استناده إلى الردة، لا نفس القتل فإنه باق، وليس إلا إبطال حياة واحد، وهو واحد بالنوع وإن اختلفت الإضافة، وذلك راجع إلى التعدد بالشخص.
قال الغزالي: الحائض المحرمة المعتدة يحرم وطؤها، ولا يمكن أن يحال تحريم الوطء على أحد هذه الأسباب دون باقيها، لمساواة كل منها الآخر في الاعتبار في التحريم، ولا يقال بتعدد التحريمات، فإنها لا تختلف بالنوع والحقيقة، وما اتحدت حقيقته لا تعداد فيه، فتبين من قول الغزالي أن المنفي التعدد بالنوع وكذا قول المصنف، وإلا لزم مغايرة حدث البول لحدث الغائط –يعني بالنوع- وإلا فهما مختلفان بالشخص.
وكذا قوله: (إضافة الشيء إلى أحد دليله لا يوجب تعددا)، يعني نوعها، وإلا فمدلول الأدلة كلي.
فتبين أن الدليل إنما دل على تعليل الواحد بالنوع بعلتين، على أنه لا ينهض على المانع في المستنبطة؛ لأن العلل المذكورة منصوصة.
الثاني: ولو امتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، لامتنع تعدد الأدلة
стр. 1265
الشرعية؛ لأن العلل الشرعية أدلة لا مؤثرات، وهذا أيضا إنما ينهض على تعليل الحكم الواحد بالنوع إذ مدلول الأدلة كلي، على أنه قد يقال: الباعثة أخص من مطلق الدليل، ولا يلزم من امتناعه امتناع الأعم.
قال: (المانع: لو جاز، لكانت كل واحدة مستقلة غير مستقلة؛ لأن معنى استقلالها: ثبوت الحكم بها.
أجيب: بأن معنى استقلالها: أنها إذا انفردت استقلت، فلا تناقض في التعدد.
قالوا: لو جاز لاجتمع المثلان، فيستلزم النقيضين؛ لأن المحل يكون مستغنيا غير مستغن، وفي الترتيب تحصيل الحاصل.
قلنا: في العلل العقلية، فأما مدلول الدليلين فلا.
قالوا: لو جاز لما تعلق الأئمة في علة الربا بالترجيح؛ لأن من ضرورته صحة الاستقلال. وأجيب: بأنهم تعرضوا للإبطال لا للترجيح.
ولو سلم، فالإجماع على اتحاد العلة هنا، وإلا لزم جعلها أجزاء).
أقول: احتج المانع مطلقا بوجوه ثلاثة:
الأول: لو جاز تعليل الحكم الواحد بعلتين/ أو علل كل مستقل، لكانت كل واحدة من تلك العلل مستقلة بالتعليل غير مستقلة به، والتالي باطل للتناقض، وأما الملازمة؛ فلأن معنى استقلالها: ثبوت الحكم بها دون
следующие страницы →