← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قال: (وفي تعليل الحكم الواحد بعلتين أو علل: كل مستقل. ثالثها للقاضي: يجوز في المنصوصة لا المستنبطة. ورابعها: عكسه. ومختار الإمام: يجوز ولكن لم يقع. لنا: لو لم يجز لم يقع، وقد وقع، فإن اللمس والبول والمذي والغائط والريح، يثبت بكل واحد منها الحدث، والقصاص والردة يثبت بكل منها القتل. قولهم: الأحكام متعددة، ولذلك ينتفي في قتل القصاص، ويبقى في الآخر. قلنا: إضافة الشيء إلى أحد دليله لا يوجب تعددا، وإلا لزم مغايرة حدث البول لحدث الغائط. وأيضا: لو امتنع لامتنع تعدد الأدلة لأنها أدلة). أقول: لما كان اشتراط الانعكاس فرع تعدد العلة، شرع في بيانه. واعلم أنهم اختلفوا في تعليل الحكم الواحد بعلتين أو علل، كل واحدة

стр. 1262

مستقلة، فقيل: جائز، كانت العلل منصوصة أو مستنبطة. وقيل: بالمنع مطلقا. وثالثها للقاضي: يجوز في المنصوصة لا المستنبطة، ومال إليه الغزالي. ورابعها: يجوز في المستنبطة دون المنصوصة. ثم القالون بجوازه عقلا، اختلفوا في جوازه شرعا، فأكثرهم على جوازه، وقال إمام الحرمين: إنه ممتنع شرعا. [والذي ذكره المصنف أعم]. واعلم أن محل الاخلاف عند الآمدي: الواحد بالشخص، قال: وأما الواحد بالنوع فلا خلاف في تعليله بعلتين، وعند الإمام فخر الدين

стр. 1263

والبيضاوي: الخلاف في الواحد بالنوع، ومختارهما: الجواز في المنصوصة دون المستنبطة. وكلام المصنف محمول على الواحد بالنوع لوجهين: الأول: أن أدلته إنما تدل على تعليل الواحد بالنوع بعلتين، لا الواحد بالشخص. الثاني: أنه يذكر بعد هذا تعليل الواحد بالشخص بعلتين، وهو قوله: "القائلون بالوقوع إذا اجتمعت، فالمختار كل واحدة علة". احتج المصنف على جوازه مطلقا بوجهين: الأول: لو لم يجز لم يقع، أما الملازمة؛ فلأن ما لا يجوز لا يقع، وأما بطلان التالي؛ فلأنه واقع، إذ الحدث حكم واحد معلل باللمس والبول والمذي والغائط، وهي علل مستقلة، لثبوت الحدث بكل واحدة منها، وهو معنى الاستقلال، وكذا القتل حكم واحد وهو معلل بالقصاص والردة. قالوا: الأحكام فيما ذكرتم متعددة، والعلل متعددة، أما الحدث فلأنه لو كان حدث البول واللمس واحد، لارتفع أحدهما بارتفاع الآخر، وليس كذلك، إذ لو نوى أحدهما لم يرتفع الآخر. وكذا القتل بالقصاص غير القتل بالردة، [ولذلك ينتفي أحدهما ويبقى الآخر، فينتفي قتال القصاص بالعفو ويبقى قتل الردة]، وينتفي قتل الردة بالإسلام ويبقى الآخر، ويحقق تعددهما/ واختلافهما: أن الأول حق الآدمي، والثاني حق الله.

стр. 1264

قلنا: لو تعددت الأحكام بإضافتها إلى العلل، لتعددت بإضافتها إلى الأدلة لأنها أدلة، واللازم باطل؛ لأن إضافة الحكم إلى أحد الدليلين مرة وإلى الآخر أخرى لا يوجب تعددا في الحكم، وإلا لزم مغايرة حدث البول لحدث الغائط، فكان يتصور أن ينتفي أحدهما ويبقى الآخر، ولو نوى بعض أحداثه غير متعرض لغيره لارتفع الكل، ولا تعدد في القتل، بل في استناده، والزائل بالعفو استناده إلى القتل العمد العدوان، والزائل بالإسلام استناده إلى الردة، لا نفس القتل فإنه باق، وليس إلا إبطال حياة واحد، وهو واحد بالنوع وإن اختلفت الإضافة، وذلك راجع إلى التعدد بالشخص. قال الغزالي: الحائض المحرمة المعتدة يحرم وطؤها، ولا يمكن أن يحال تحريم الوطء على أحد هذه الأسباب دون باقيها، لمساواة كل منها الآخر في الاعتبار في التحريم، ولا يقال بتعدد التحريمات، فإنها لا تختلف بالنوع والحقيقة، وما اتحدت حقيقته لا تعداد فيه، فتبين من قول الغزالي أن المنفي التعدد بالنوع وكذا قول المصنف، وإلا لزم مغايرة حدث البول لحدث الغائط –يعني بالنوع- وإلا فهما مختلفان بالشخص. وكذا قوله: (إضافة الشيء إلى أحد دليله لا يوجب تعددا)، يعني نوعها، وإلا فمدلول الأدلة كلي. فتبين أن الدليل إنما دل على تعليل الواحد بالنوع بعلتين، على أنه لا ينهض على المانع في المستنبطة؛ لأن العلل المذكورة منصوصة. الثاني: ولو امتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، لامتنع تعدد الأدلة

стр. 1265

الشرعية؛ لأن العلل الشرعية أدلة لا مؤثرات، وهذا أيضا إنما ينهض على تعليل الحكم الواحد بالنوع إذ مدلول الأدلة كلي، على أنه قد يقال: الباعثة أخص من مطلق الدليل، ولا يلزم من امتناعه امتناع الأعم. قال: (المانع: لو جاز، لكانت كل واحدة مستقلة غير مستقلة؛ لأن معنى استقلالها: ثبوت الحكم بها. أجيب: بأن معنى استقلالها: أنها إذا انفردت استقلت، فلا تناقض في التعدد. قالوا: لو جاز لاجتمع المثلان، فيستلزم النقيضين؛ لأن المحل يكون مستغنيا غير مستغن، وفي الترتيب تحصيل الحاصل. قلنا: في العلل العقلية، فأما مدلول الدليلين فلا. قالوا: لو جاز لما تعلق الأئمة في علة الربا بالترجيح؛ لأن من ضرورته صحة الاستقلال. وأجيب: بأنهم تعرضوا للإبطال لا للترجيح. ولو سلم، فالإجماع على اتحاد العلة هنا، وإلا لزم جعلها أجزاء). أقول: احتج المانع مطلقا بوجوه ثلاثة: الأول: لو جاز تعليل الحكم الواحد بعلتين/ أو علل كل مستقل، لكانت كل واحدة من تلك العلل مستقلة بالتعليل غير مستقلة به، والتالي باطل للتناقض، وأما الملازمة؛ فلأن معنى استقلالها: ثبوت الحكم بها دون

стр. 1266

غيرها، كما قال في المنتهى، وكذا في الأخرى، فيستلزم عليه كل واحدة عدم علية الأخرى ويتناقض. أجيب: لا نسلم أن معنى استقلالها ثبوت الحكم بها دون غيرها مطلقا، بل ذلك معنى استقلالها إذا انفردت لا مطلقا، على معنى: أنها انفردت ثبت الحكم بها دون غيرها، ولا تناقض في تعدد العلل بهذا المعنى، وإنما يلزم التناقض لو كان معنى استقلالها ثبوت الحكم بها دون غيرها عند التعدد. أيضا: وبما ذكرنا يندفع ما قيل: إنه بعد هذا نختار أن كل واحدة مستقلة عند الاجتماع، وهذا الجواب يشعر بخلافه. الثاني: لو جاز تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين مستقلتين أو علل، لزم اجتماع المثلثين، أما الملازمة؛ فلجواز اجتماعها في محل واحد، وكل منها توجب مثل ما توجب الأخرى فموجباهما مثلان، وقد اجتمعا في المحل. وأما بطلان اللازم؛ فلأن اجتماع المثلين في محل يوجب اجتماع النقيضين؛ لأن المحل يكون مستغنيا في ثبوت الحكم له بكل واحدة عن كل واحدة، فيكون مستغنيا غير مستغن عنها، وقرر امتناع اجتماع المثلين في الحكمة بأنهما لو اجتمعا في محل لاتحدا بحسب العوارض، كما اتحدا بحسب الماهية؛ لأن نسبة جميع العوارض إليهما على السوية ضرورة أن محلهما واحد فكل ما يعرض عارضا لأحدهما يكون عارضا للآخر، إذ عروضه لأحدهما دون الآخر ليس أولى من العكس، فيكون أحدهما غير الآخر، فلا يكون المثلان مثلين، ويستلزم اجتماعهما في محل واحد مترتبة، وتحصيل الحاصل أيضا مع ذلك. والحق: أنه لا يحتاج في لزوم الاستغناء وعدمه إلى توسط

стр. 1267

اجتماع المثيلن. الجواب: إنما يلزم ما ذكرتم في العلل العقلية الموجبة لمعلولاتها، أما في مدلول دليلين كالحكم الشرعي –الذي هو مدلوله العلتين- فلا نسلم ذلك، وإلا لامتنع تعدد الأدلة بعين ما ذكرتم. لا يقال: المعرف يوجب التعريف، فيعود المحذور. لأنا نقول: التعريف معلول نوعي، وهو ما يحصل بعض جزئئياته بعلة، وبعضها بأخرى. قلت: وهذا الدليل يصعب الانفصال عنه على مختار المصنف؛ لأن الخصم إنما التزم المحال عند اجتماعهما، فيكون المعلول واحدا بالشخص، ومدلول الدليلين كلي، مع أن العلة عنده الباعثة، وهي العلية الفاعلية فيحصل شرع الحكم بها، فما يحصل بالأخرى إما مثله أو عينه. نعم لو قلنا: العلة عند الاجتماع المجموع، اندفع السؤال ولم يلزم اجتماع المثلين، كما في العلل العقلية لو اجتمع النار والشعاع، وفي الترتيب. أيضا: العلة هي الأولى، والثانية امتنع تأثيرها لعدم المحل. الثالث: لو جاز تعليل الحكم بالنوع بعلتين، لما تعلق الأئمة في علل الربا بترجيح بعض علله –من القوت أو الطعم أو الكيل- على بعض. أما الملازمة؛ فلأن من ضرورة تعليل الحكم الواحد بعلتين، صحة استقلال كل واحدة بالعلية المنافي للترجيح، المستلزم عدم اعتبار المرجح [المستلزم عدم استقلاله، وقررت بوجه آخر، أي من ضرورة الترجيح صحة استقلال كل واحدة بالعلية] إذ الترجيح بعد التعارض، ولا تعارض إلا

стр. 1268

بين أمرين كل منهما في قوة الآخر أو قريب منه، فكان يجب –لو جاز التعدد- أن يقولوا به، ولا يتعلقوا بالترجيح لتعيين واحد ونفي ما سواه، والتقرير الثاني ظاهر المنتهى، وهو الذي يساعده []. الجواب الثاني: لا نسلم أنهم تعلقوا بالترجيح، بل تعرضوا لتعيين ما يصلح علة مستقلة ونفي ذلك عن غيره بالإبطال. سلمنا أنهم تعرضوا للترجيح، ولا نسلم أنهم إنما تعرضوا له لامتناع التعليل بعلتين، بل لانتفاء الإجماع على اتحاد العلة في الربا في الطعام، ولا يمكن اتحاد العلة يكون المجموع على، وإلا لزم جعل العلل المذكورة أجزاء وهو خلاف الإجماع، وهو رجوع إلى منع اللازمة. قال: (القاضي: لا بعد في المنصوصة، وأما المستنبطة فتستلزم الجزئية لرفع التحكم، فإن عنيت بالنص، رجعت منصوصة. وأجيب: بأنه ثبت الحكم في محال أفرادها، فتستنبط. العاكس: المنصوصة قطعية والمستنبطة وهمية فقد تساوى الإمكان، وجوابه واضح. الإمام وقال إنه النهاية القصوى وفلق الصبح: لو لم يكن ممتنعا شرعا لوقع عادة ولو نادرا، لأن إمكانه واضح، ولو وقع لعلم، ثم ادعى تعدد الأحكام فيما تقدم).

стр. 1269

أقول: احتج القاضي –وهو المجوز في المنصوصة دون المستنبطة-: بأنه لا بعد في أن ينص الشارع على أن كل واحد منها علة مستقلة لأنها أمارات ولا يمتنع نصب أمارتين على حكم واحد، بل قد وقع كما سبق. وأما المستنبطة فلا/؛ لأن المستنبط من الحكم أوصافا يصح أن يكون كل منها علة للحكم، فإن عين بالنص علية كل منها رجعت العلة منصوصة والتقدير بخلافه، ولا يثبت الحكم بكل واحدة وإلا لكان مستغنيا بكل واحدة عن كل واحدة، ولا بواحدة معينة للزوم التحكم، فتعين أن يكون المجموع علة. الجواب: إنما يلزم أن تكون كل واحدة جزء علة، لو لم يثبت الحكم بكل واحدة على انفرادها، أما إذا ثبت فلا؛ لأنه مستنبط أن كل واحدة علة، وإلا لما ثبت الحكم بها عند الانفراد، فيثبت ذلك عند الاجتماع، ولا تناقض لأنها علامات. قلت: وهذا الدليل في سند المستنبطة صحيح، ولكن لا يلزم من الامتناع تعليل الحكم الواحد بالشخص بعلتين. والحق: امتناعه وإن كان المصنف يختار خلافه، على أنه اضطرب قوله لأنه قال بعد هذا: (وألا تكون المستنبطة بمعارض في الأصل)، إلا أن يحمل قوله: "القائلون بالوقوع إذا اجتمعت" على المنصوصة. احتج المانع في المنصوصة دون المستنبطة: بأن المنصوصة قطعية بتعيين

стр. 1270

الشارع، فيمتنع اجتماعها كالعلل العقلية، وأما المستنبطة فعليتها وهمية أي ظنية لأن عليتها مرجوحة، فتكون كل منهما مساوية للأخرى في استناد الحكم إليها، لإمكان كون كل واحد علة دون الأخرى. وجوابه واضح وهو: منع كون المنصوصة قطعية، ومنع كون المستنبطة وهمية. واحتج الإمام: بأنه لو لم يكن ممتنعا شرعا لوقع ولو على سبيل الندور أما الملازمة؛ فلأن إمكانه عقلا واضح، ولو وقع لعلم عادة، ثم ادعى لتصحيح مذهبه تعدد الأحكام فيما تقدم. قال: (القائلون بالوقوع إذا اجتمعت، فالمختار: كل واحدة علة. وقيل: جزء. وقيل: واحدة لا بعينها. لنا: لو لم تكن لكانت جزءا، أو كانت العلة واحدة. والأول باطل لثبوت الاستقلال، والثاني للتحكم. وأيضا: لو امتنع لامتنع تعدد الأدلة، لأنها أدلة. القائل بالجزء: لو كانت مستقلة لاجتمع المثلان، وقد تقدم. وأيضا: لزم الحكم؛ لأنه إن ثبت بالجميع فهو المدعى، وإلا لزم التحكم. وأجيب: بأنه يثبت بالجميع كالأدلة العقلية والسمعية. القائل لا بعينها: لو لم تكن كذلك لزم التحكم أو الجزئية فيتعين).

стр. 1271

أقول: القائلون بوقوع تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين مختلفتين اختلفوا إذا اجتمعت في محل حتى يكون واحدا بالشخص، فقيل: كل واحدة علة، وقيل: المجموع علة، وقيل: العلة واحدة لا بعينها، ونعني إذا حصلت في /المحل دفعة، وإلا فالعلة هي الأولى. واحتج المصنف على ذلك: بأنه لو لم تكن كل واحدة، لكان المجموع علة، أو كانت العلة واحدة لا بعينها، أما الملازمة فواضحة، وأما بطلان التالي، فلأنها لو كانت جزءا لم تكن مستقلة، وقد ثبت الاستقلال، [وأما الثاني؛ فلأنه –مع تساويها- تحكم محض. وفيه نظر؛ إذ ثبوت الاستقلال] حالة الانفراد لا حالة الاجتماع، والتحكم إنما يلزم لو قلنا واحدة معينة. الثاني. لو لم تكن كل واحدة علة عند الاجتماع، لامتنع اجتماع الأدلة على مدلول واحد؛ لأن العلل الشرعية أدلة، وقد علمت ما فيه. احتج القائل بأن كل واحدة علة جزءا: بأنه لو كانت كل واحدة علة لزم اجتماع المثلين، ولو كانت واحدة لزم التحكم، وقد مر تقريره وجوابه وقد عرفت ما فيه. وأيضا: لو لم يكن الجميع علة لزم التحكم؛ لأن الحكم إن ثبت بالمجموع فهو المدعى، وإن ثبت بواحدة لزم التحكم. الجواب: أنه يثبت بواحدة لا بعينها، ولا تحكم.

стр. 1272

وأيضا: جواب المصنف وهو: أنه يثبت بالجميع، أي بكل واحدة كما يثبت المدلول بالأدلة السمعية والعقلية، وفيه ما سبق. احتج القائل بأن العلة واحدة لا يعينها: بأنه لو لم تكن كذلك لزم الجزئية، وإلا كان المجموع علة، وهو باطل لثبوت الاستقلال، أو التحكم إن كانت العلة واحدة معينة. الجواب: منع الملازمة، لجواز ثبوته بالجميع، وأنت تعلم مما سبق القوي من هذه الشبه والضعيف. قال: (والمختار: جواز تعليل حكمين بعلة بمعنى الباعث، وأما الأمارة فاتفاق. لنا: لا بعد في مناسبة وصف واحد لحكمين مختلفين. قالوا: يلزم تحصيل الحاصل؛ لأن أحدهما حصلها. وأجيب: بأنه إما أن تحصل الأخرى، أو لا تحصل إلا بهما). أقول: لما فرغ من تعليل الحكم الواحد بعلتين، شرع في تعليل حكمين بعلة واحدة. واعلم أن العلة إن كانت منصوصة لم يختلفوا في جواز تعليل حكمين بها إذ لا امتناع في نصب علامة واحدة على حكمين مختلفين، كجعل طلوع الفجر علامة على وجوب الصوم والصلاة وهو المعنى بقوله: (وأما الأمارة فاتفاق). /أما العلة بمعنى الباعث، فالمختار جوازه، إذ لا بعد في مناسبة وصف

стр. 1273

واحد لحكمين مختلفين غير متضادين، كالسرقة للقطع زجرا لغيره، وله من العود والتغريم جبرا لصاحب المال، وكالزنا المثبت للجلد وللتغريب المحصل للزجر التام. وشرط قوم اتحاد حكمهما، وهو الشرط العاشر. واحتجوا عليه: بأنه لو جاز لزم تحصيل الحاصل؛ لأن معنى مناسبته للحكم: حصول مصلحة عند الحكم، والحكم الواحد قد حصل المصلحة المقصود منه، فلو أثبت حكما آخر لحصل المصلحة المقصودة. أيضا: وأنه تحصيل الحاصل. الجواب: المنع، لجواز أن يحصل الحكم الآخر مصلحة أخرى كالسرقة أو أن المصلحة المقصودة لا تحصل إلا بهما كما في الزنا. قال: (ومنها: أن لا تتأخر عن حكم الأصل. لنا: لو تأخر لثبت الحكم بغير باعث، وإن قدرت أمارة فتعريف المعرف. ومنها: أن لا تعود على الأصل بالإبطال، وألا تكون المستنبطة بمعارض في الأصل. وقيل: ولا في الفرع. وقيل: مع ترجيح المعارض، وألا تخالف نصا أو إجماعا، وألا تتضمن المستنبطة زيادة على النص. وقيل: إن نافت مقتضاه، وأن يكون دليلها شرعيا، وألا يكون دليلها متناولا حكم الفرع بعمومه أو بخصوصه، مثل: "لا تبيعوا الطعام

стр. 1274

بالطعام"، أو: "من قاء أو رعف". لنا: تطويل بغير فائدة، ورجوع. قالوا: مناقشة جدلية). أقول: الحادي عشر: ألا يكون ثبوتها متأخرا عن ثبوت حكم الأصل، كعليل إثبات الولاية للأب على الصغير بالجنون، فإن الولاية ثابتة قبل الجنون، ولا يعارض هذا بكون المستنبطة فرع حكم الأصل، إذ لا تأخر بالزمان. لنا: لو تأخرت العلة –بمعنى الباعث- عن الحكم، لثبت الحكم بغير باعث وكذا في الأمارة، إذ لا فائدة فيها إلا تعريف الحكم، وقد عرف، فيكون تعريفا للمعرف؛ لأن حكم الأصل عرف بالنص. وقد يقال: تعريف حكم الفرع مع أن تعاقب الأمارات لا يمتنع، وتعريف المتأخر المتقدم كذلك، كالعالم للصانع. الثاني عشر: ألا تعود على الأصل بالإبطال؛ لأن كل علة استنبطت من حكم فأبطلته فهي باطلة لأنها فرعه، وبطلان الأصل يستلزم بطلان الفرع، كما مر في تأويلات الحنفية. الثالث عشر: ألا تكون المستنبطة لها معارض في الأصل، لا وجود له في الفرع، قال الآمدي في منتهى السول: إلا على مذهب من جوز تعليل

стр. 1275

الحكم الواحد بعلتين، وهذا مناسب لم يأتي له في المعارضة، ومخالف لظاهر قوله: (فالمختار: كل واحدة علة)؛ لأن احتمال الجزئية على مختاره مدفوع لأنه يستنبط/ استقلالها من محل انفرادها، إلا أن يتأول ذاك على المنصوصة، وذا على المستنبطة. وقيل: ولا بمعارض في الفرع، فإن ثبت فيه علة أخرى توجب خلاف ذلك الحكم –بالقياس على أصل آخر- فإن الوصف المعارض أبطل اعتبارها، ويأتي له في المعارضة في الفرع ما يقتضي صحة هذا الشرط. وقيل: بل الشرط ألا يكون معارض في الأصل راجحا، أو معارض في الفرع، راجحا، أما لو لم يكن راجحا لم يبطل، وإنما يحوج إلى الترجيح وهو دليل الصحة. وفيه نظر؛ لأن المعارض المساوي يمنع العلة. وبعضهم جعل قوله: (وقيل: مع ترجيح المعارض) راجعا إلى الآخر. وبعضهم جعل قوله (ولا في الفرع) بعض الشرط، أي لا يكون المعارض في الأصل ولا في الفرع. الرابع عشر: ألا تخالف نصا ولا إجماعا، كما لو قيل: "الملك يصوم في الكفارة زجرا له، ولا يعتق لسهولته عليه"، وعليك ملاحظة ما سبق في معارضة القياس الخبر، وفي تخصيص العموم بالقياس. الخامس عشر: ألا تتضمن المستنبطة زيادة على النص –أي حكما في

стр. 1276

الأصل –غير ما أثبته النص؛ لأنها إنما تعلم بما أثبته النص، كما لو قال: "لا تبيعوا الطعام بالطعام، إلا سواء بسواء"، فيعلل الحرمة بالوزن حتى يحرم في النقدين، مع أن النص لم يدل عليه. وقيل: إن كانت الزيادة منافية لحكم الأصل؛ بحيث تكر على الأصل بالبطلان، وإلا جاز. قيل: المراد أن النص إنما دل على علية وصف، والاستنباط زاد قيدا على ذلك الوصف لم يجز التعليل به. السادس عشر: أن يكون دليل العلة شرعا، إذ لو كان عقليا أو لغويا لم يكن حكم الأصل شرعا. السابع عشر: ألا يكون الدليل الدال عليها متناولا لحكم الفرع، لا بعمومه ولا بخصوصه. والأول: كما لو قاس الذرة على البر في الربوية وعلل بالطعم، فمنع. فاحتج بقوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا ساء بسواء" وترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته، فالنص يتناول الذرة بعمومه.

стр. 1277

والثاني: كما لو قال في القيء: "خارج نجس، فينتقض الوضوء قياسا على البول"، فمنع أنه خارج نجس. فاحتج بقوله ﵇: "من قاء فليتوضأ" فإن النص خاص بالقيء. لنا: أنه طويل بغير فائدة، ورجوع عن القياس إلى النص؛ لأن إثبات حكم الفرع بالقياس يتوقف على إثبات العلة بالدليل العام أم الخاص، والدليل بعينه يدل على حكم الفرع من غير توسط، والقياس يدل على حكم الفرع بتوسط، فإثباته تطويل بلا فائدة. وأيضا: الحكم/ إنما ثبت بذلك الدليل لا بالعلة، فيكون رجوعا عن القياس إلى النص. قالوا: مناقشة جدلية، إذ المقصود الظن بأي طريق حصل، فلا معنى لتعيين الطريق. قلنا: رجوع عن القياس. واعلم أنه ربما كان النص مخصصا، والمستدل أو المعترض لا يراه حجة إلا في أقل الجمع، فإذا كان العام الدال على حكم الفرع مخصصا، لم يمكنه التمسك بالعام في إثبات الحكم، ويمكنه التمسك به في إثبات العلة، ثم يعمم الحكم في جميع مواردها، فلا يكون عريا عن الفائدة.

стр. 1278

قال: (والمختار: جواز كونه حكما شرعيا، إن كان باعثا على حكم الأصل، لتحصيل مصلحة، لا لدفع مفسدة، كالنجاسة في علة بطلان البيع). أقول: اختلفوا في تعليل الحكم الشرعي، فقيل: جائز مطلقا؛ إذ أحد الحكمين قد يكون دائرا مع الآخر، كجواز البيع لصحة الرهن، وسيأتي أن الدوران لا يفيد العلية. وقيل: بالمنع مطلقا –وهو الثامن عشر- محتجا بأن الحكم المجعول علة إن تقدم لزم النقض، وإن تأخر لم يجز لما مر، وإن قارن فتحكم، إذ ليس جعل هذا علة بأولى من العكس. الجواب: منع التحكم لجواز أن يكون أحدهما مناسبا للحكم الآخر من غير عكس. والمختار: إن كانت العلة باعثة على حكم الأصل لتحصيل مصلحة يقتضيها حكم الأصل جاز، كما يقال في بطلان بيع الخمر: "علته النجاسة –والنجاسة حكم شرعي- ليحصل التنزه عن القاذورات"، أما إن كان لدفع مفسدة يقتضيها حكم الأصل فلا يجوز؛ لأن الحكم الشرعي لا يكون منشأ مفسدة مطلوبة الدفع –وإلا لم يشرع ابتداء، وهذا إنما يصح لو لم يشتمل

стр. 1279

على مصلحة راجحة وعلى مفسدة تدفع الحكم الآخر لتبقى المصلحة خالصة. مثاله: شرع حد الزنا لحفظ النسب، والرجم أو الجلد مع التغريب فيه شدة لو لم يبالغ في الشهادة عليه؛ لأدى إلى كثرة وقوع الحد، وفيه من المفسدة ما لا يخفى، فشرع المبالغة فيه دفعا لتلك المفسدة، وتمام الكلام عليها في الإحكام. قال: (والمختار: جواز تعدد الوصف ووقوعه، كالقتل العمد العدوان. لنا: أن الوجه الذي ثبت به الواحد يثبت به المتعدد من نص، أو مناسبة، أو شبه، أو سبر، أو استنباط. قالوا: لو صح تركبها لكانت العلة صفة زائدة؛ لأنا نعقل المجموع ونجهل كونه علة، والمجهول غير المعلوم، وتقرير الثانية: أنها إن قامت بكل جزء فكل جزء علة، وإن قامت بجزء فهو لعلة. وأجيب: بجريانه في المتعدد، بأنه خير واستخبار. والتحقيق: أن معنى العلية، ما قضى الشارع بالحكم عنده للحكمة لا أنها صفة زائدة/. ولو سلم: فليست وجودية، لاستحالة قيام المعنى بالمعنى. قالوا: ويلزم أن يكون عدم كل جزء علة، لعدم صفة العلية لانتفائها بعدمه، ويلزم نقضها لعدم ثان بعدم أول، لاستحالة تجدد عدم العدم. وأجيب: بأن عدم الجزء الأول عدم شرط العلية.

стр. 1280

ولو سلم: فهو كالبول بعد اللمس، وعكسه ووجهه أنها علامات فلا بعد في اجتماعها ضربة ومترتبة، فيجب ذلك). أقول: التاسع عشر: اتحاد الوصف، كالإسكار في تحريم الخمر. والمختار: جواز تعدد الوصف ووقوعه، كالقتل العمد لعدوان في القصاص. لنا: أنه لا يمتنع أن تكون الهيئة الاجتماعية من أوصاف متعددة مما يقوم الدليل على التعليل بها، لكون المناسب هو المجموع، كما يظن في الواحد إذا ما ثبت به علة الواحد تثبت به علة المتعدد والفرق تحكم، ولا معنى لقوله: (أو استنباط). قالوا: لو صح تركب العلة لكانت العلية صفة زائدة، أما الملازمة؛ فلأنا نعقل المجموع ونجهل كونه علة حتى تنظر، والمجهول غير المعلوم. وأما بطلان التالي؛ فلأن صفة العلية إن لم تقم بشيء من الأجزاء فليست صفة له، وإن قامت فإما بكل جزء، فكل جزء علة والمفروض خلافه، وإما الجزء فهو العلة ولا مدخل لسائر الأجزاء. فإن قيل: يقوم بالمجموع من حيث هو مجموع. قيل: الهيئة الاجتماعية –أيضا- صفة لمجموع الأجزاء فتقوم بمحل، وينقل الكلام إليه ويسلسل.

стр. 1281

والحق: أنه تسلسل في الاعتبارات، وليس بمحال. أجاب المصنف: بأن ما ذكرتم منقوص بالحكم على المتعدد من ألفاظ بأنه خبر أو استخبار، ولما كان هذا نقضا إجماليا، أشار إلى التحقيق، وهو يرجع إلى منع الملازمة، وأن معنى كون مجموع الأوصاف علة: هو أن الشارع قضى بثبوت الحكم عندها، رعاية لما اشتملت عليه الأوصاف من الحكمة، وليس ذلك صفة لها فضلا عن كونها صفة زائدة، بل جعله الشارع متعلقا به. ولو سلم كونها صفة زائدة، فإنما يلزم ذلك لو لم تكن العلية اعتبارية إضافية، إذ ليست وجودية وإلا لكانت معنى، والوصف المعلل به معنى، فيلزم قيام المعنى بالمعنى، فلو لم يصح بالمتعدد للزم ذلك المحال، ولم يصح بالواحد للزوم محال آخر ملازم له. قالوا: لو كانت العلة أوصافا متعددة لكان عدم كل جزء علة، لانتفاء صفة العلية، أما الملازمة؛ فلأن تحققها موقوف على تحقق جميع الأوصاف فيلزم انتفاؤها لانتفاء كل جزء، وأما بطلان التالي؛ فلأنه إذا ثبت عدمها لعدم وصف، ثم عدم وصف /آخر لزم تخلف معلوله، وهو انتفاء العلية عند انتفائه، لأن تجدد عدم على ما قد عدم لا يتصور. الجواب: لا يلزم من انتقائها لعدم وصف أن يكون الوصف علة لانتفاء مقتضية له بالاستقلال، إذ وجود كل جزء شرط للعلية، فعدم جزء يكون عدم شرط العلية، وعدم شرط العلية هو شرط عدم العلية لا علة لعدمها، ليلزم النقض في العلل العقلية.

стр. 1282

والظاهر أن عدمه علة، فالأولى أن يقال: إن أردت بقولك عدم كل جزء علة لعدمها على سبيل البدل فمسلم، ونمنع بطلان التالي، وإن أردت أن عدم كل جزء علة على الاجتماع فممنوع. ثم قال: ولو سلم أن عدم كل جزء علة لعدمها، فهو كالبول بعدم اللمس، فكما لا يلزم هناك تخلف فكذلك هنا، إذ الانتفارات ليست عللا عقلية ليلزم ما ذكرتم، وإنما هي أمارات وضعية، ولا بعد في اجتماع عدة من الأمارات، مرتبة تارة وغير مرتبة أخرى، حتى يجب بذلك النقض. قال: (ولا يشترط القمع بالأصل، ولا انتفاء مخالفة مذهب الصحابي، ولا القطع بها في الفرع على المختار في الثلاثة، ولا نفي المعارض في الأصل والفرع، وإذا كانت وجود مانع أو انتفاء شرط، لم يلزم وجود المقتضي. لنا: أنه إذا انتفى الحكم مع المقتضي كان مع عدمه أجدر. قالوا: إن لم يكن بانتفاء الحكم لانتفى به. قلنا: أدلة متعددة). أقول: هذه شروط اختلف فيها، فمنها: القطع بالعلة في الأصل. والمختار: الاكتفاء بالظن، هكذا قال بعض الشارحين، وقال الآمدي: اشترط قوم أن تكون متفرغة من أصل مقطوع بحكمه، وليس كذلك لجواز القياس على أصل مظنون.

стр. 1283

قلت: وهذا مراد المصنف. ومنها: انتفاء مخالفتها لمذهب صحابي. والحق: جوازه، إذ قد يكون مذهبه لعلة مستنبطة من أصل آخر. ومنها: القطع بوجود العلة في الفرع. والمختار: يكفي الطن، وإنما اشترطت هذه الأمور نظرا إلى أن الظن يضعف بكثرة المقدمات. وقوله: (ولا نفي المعارض في الأصل والفرع) يصح أن يكون مجرورا عطفا على قوله: (بالأصل)، أي لا يشترط القطع بالأصل ولا بنفي المعارض في الأصل ولا في الفرع، بل يكفي ظن نفي المعارض في الأصل وفي الفرع، ويصح أن يكون مرفوعا، أي لا يشترط نفي المعارض في الأصل والفرع معا، ولا يخالف ما تقدم؛ لأنه نفي لاشتراط المجموع، بخلاف ما سبق، مع أن ذلك في المستنبطة/ وهذا عام فيهما. أما لو علل حكم عدمي بوجود مانع أو انتفاء شرط، كما لو قيل: "عدم شرط صحة البيع هو الرؤية"، أو وجد المانع وهو الجهل بالمبيع فلا يصح، فهل يشترط مع ذلك وجود المقتضي مثل بيع في أهله في محله مثلا؟ المختار: لا يشترط. لنا: لو انتفى الحكم مع وجود ما يقتضيه لوجود مانع أو انتفاء شرط، كان انتفاؤه لعدم المقتضي أجدر.

стр. 1284

قالوا: إذا لم يكن المقتضي، فانتفاء الحكم إنما هو لعدم المقتضي لا لوجود المانع؛ لأن الأحكام شرعت للمصالح، فما لا فائدة فيه لا يشرع، فانتفاؤه يكون لانتفاء فائدته. الجواب: لا يلزم من استناده إلى عدم المقتضي ألا يستند إلى وجود المانع أو عدم الشرط؛ لأنها أدلة متعددة. قال: (مسألة: قالت الشافعية: حكم الأصل ثابت بالعلة، والمعنى أنها الباعثة على حكم الأصل. والحنفية: بالنص، والمعنى أن النص عرف الحكم، فلا خلاف في المعنى). أقول: اختلفوا في حكم الأصل المنصوص عليه. فقالت الحنفية: إنه ثابت بالنص. وقالت الشافعية: إنه ثابت بالعلة. والخلاف لفظي؛ لأن مراد الشافعية أنها الباعثة على حكم الأصل، وأنها التي لأجلها شرع، والحنفية لا ينكرونه. ومراد الحنفية أن النص هو المعرف للحكم، والشافعية لا ينكرونه. قال: (من شروط الفرع: أن يساوي في العلة علة الأصل فيما يقصد من عين أو جنس، كالشدة في النبيذ، وكالجناية في قصاص الأطراف على

стр. 1285

النفس. وأن يساوي حكمه حكم الأصل فيما يقصد عين أو جنس، كالقصاص في النفس في المثقل على المحدد، كالولاية في النكاح في الصغيرة على المولى عليها في المال، وأن لا يكون منصوصا عله، ولا متقدما على حكم الأصل، كقياس الوضوء على التيمم في النية، لما يلزم من حكم الفرع قبل ثبوت العلة لتأخر الأصل، نعم يكن إلزاما. وقيل: وأن يكون الفرع ثابتا بالنص في الجملة لا التفصيل. ورد: بأنهم قاسوا "أنت على حرام" على الطلاق، واليمين، والظهار). أقول: لما فرغ من شروط العلة، شرح في شروط الفرع، وهي خمسة: الأول: أن يكون الفرع مساويا في العلة لعلة الأصل فيما تقصد المساواة فيه من عين أو جنس العلة، الأول: كقياس النبيذ على الخمر بجامع الشدة المطربة، وهي بعينها موجودة في النبيذ، ونعنى نوعها لا شخصها. وأما الثاني: فقياس الأطراف على القتل في القصاص، بجامع الجناية المشتركة، فإن الجناية جنس لإتلاف النفس والأطراف، وهو الذي قصد الاتحاد فيه، فيكفي تحقق ذلك ولا يجب كون الجناية في القتل هي الجناية في الطراف، إذ المقصود تعدية حكم الأصل إلى الفرع للاشتراك في العلة،

стр. 1286

وأحد الأمرين يحققه. وأما إذا لم تكن علة الأصل في الفرع مشاركة لها في صفة خصوصا ولا في صفة عمومها، لم يتعد حكم الأصل إلى الفرع. الشرط الثاني: أن يساوى حكمه حكم الأصل فيما تقصد المساواة فيه من عين الحكم أو جنسه، الأول: كقياس القصاص في النفس في القتل بالمثقل على القصاص في القتل بالمحدد، فالحكم في الأصل هو الحكم في الفرع بعينه، وهو القتل. الثاني: إثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها على إثبات الولاية عليها في مالها، فإن ولاية النكاح من جنس ولاية المال وليست عينها، وإنما اشترط ذل ليصح القياس، وإلا لم يصح لأن شرع الأحكام لم يكن مطلوبا لذاته، بل لما يقضي إليه من المقاصد، فإذا استويا فيما يقصد ثبت الحكم. الشرط الثالث: ألا يكون الفرع منصوصا عليه، لا إثباتا وإلا لضاع القياس، ولا نفيا وإلا لم يجز القياس. الرابع: ألا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل، مثال: الوضوء شرط لصلاة فتجب في النية قياسا على التيمم، وشرعية التيمم متأخرة عن شرعية الوضوء، وذلك لأنه يلزم أن يثبت حكم الفرع قبل ثبوت العلة، لتأخر الأصل مع كون العلة فرعه. نعم، لو ذكر ذلك إلزاما للخصم لصح، وأما أن تكون معرفة ثبوت الحكم مأخوذة منه فلا.

стр. 1287

الخامس: أثبته أبو هاشم، وهو أن يكون الفرع ثابتا بالنص في الجملة دون التفصيل، فيجري القياس في تفاصيل الجملة، مثاله: ثبوت الحد في الخمر بلا تعيين عدد الجلدات، فتعين بالقياس على القذف، وهو مردود بأن العلماء قاسوا "أنت حرام" تارة على الطلاق فتحرم وتارة على الظهار فتجب الكفارة وتارة على اليمين بالله، ولا نص جملة بل هي واقعة متجددة. قال: (مسالك العلة، الأول: الإجماع). أقول: لما فرغ من الباب الأول شرع في الباب الثاني في طرق العلة، إذ كون الوصف الجامع علة حكم خبري غير ضروري فلابد في إثباته من دليل. المسلك الأول: الإجماع على كون الوصف علة، ويتصور الخلاف في مثله بأنه يكون الإجماع ظنيا كالثابت بالآحاد والسكوتي، أو يكون ثبوت الوصف في الأصل والفرع ظنيا، أو يدعي/ الخصم معارضا في الفرع. مثاله: الصغر في ولاية المال علة بالإجماع، ثم يقاس عليه النكاح. قال: (الثاني: النص، وهو مراتب: الأول: صريح مثل: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لأجل، أو من أجل، أو كي، أو إذا، ومثل: لكذا وبكذا، وإن كان كذا، ومثل: "فإنهم يحشرون"، ﴿فاقطعوا أيديهما﴾، ومثل قول الراوي: "سها فسجد"، "وزنا ماعز فرجم" سواء الفقيه وغيره لأنه لو لم يفهمه لم يقله).

стр. 1288

أقول: المسلك الثاني: النص وهو صريح، وغير صريح. فالصريح: ما دل بوضعه على العلية من غير احتياج إلى نظر واستدلال، وهو إما لا يحتمل غير العلة، أو يحتمل احتمالا مرجوحا. الأول: ما هو نص في العلية: "لعلة كذا"، أو "لسبب كذا"، أو "لأجل"، كقوله ﵇: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة"، أو "من أجل" كقوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾، وكذا ما ذكر فيه حرف من حروف التعليل التي لا تستعمل في غيره نحو ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء﴾، و "إذا" نحو: ﴿إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾. الثاني: ما ورد فيه حرف من حروف التعليل إلا أنه قد يقصد به غيره ك "اللام"، و"الباء"، و"أن المخففة" نحو: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، ونحو: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾، ونحو: ﴿أن

стр. 1289

كان ذا مال وبنين﴾، وهذه الثلاثة دون الخمسة الأولى لأنها قد تجئ لغير العلية، فتجئ اللام للعاقبة، والباء للمصاحبة، وأن للتفسير، ولهذا فصلها المؤلف عما قبلها فقال: (ومثل)، لكنها ظاهرة في التعليل حتى يدل الدليل على خلافه. ومن هذه القسم وهو اضعف مما قبله، ما دخل فيه الباء في لفظ الشارع إما في الوصف مثل: "زملوهم بكلومهم فإنهم يحشرون"، وإما في الحكم نحو: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾، والحكمة فيه أن الفاء للترتيب، والباعث مقدم في العقل متأخر في الخارج، فيجوز ملاحظة الأمرين، دخول الفاء على كل منهما، وهذا عند الآمدي من قبيل الإيماء، لأن دلالة الفاء على الترتيب والعلية استدلالية. ومنها: ما دخل فيه الفاء لكن لا في لفظ الشارع، بل في لفظ الراوي، مثل: "زنى ماعز فرجم"، و"سهى فسجد",

стр. 1290

وهذا سواء الفقيه فيه وغيره؛ لأنه لو لم يفهم كون الوصف المرتب عليه علة لم يقله، لما فيه من التلبيس، وهذا دون ما قبله لاحتمال الغلط، إلا أنه لا ينفي الظهور. قال: (وتنبيه وإيماء، وهو الاقتران بحكم لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل كان بعيدا، مثل: "واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: أعتق رقبة"، كأنه قال: إذا واقعت فكفر، فإن حذف بعض الأوصاف فتنقيح. ومثل: "أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذا"). /أقول: القسم الثاني من النص ما دل على العلية لا بالوضع بل بالإيماء، وهو اقتران الوصف بحكم، لو لم يكن الوصف أو نظيره لتعليل الحكم كان بعيدا من الشارع الإتيان بمثله لخلوه عن الفائدة، فيحمل على التعليل دفعا للاستبعاد. مثال كون العين للتعليل، ما في الصحيح أن أعرابيا جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت وأهلكت واقعت أهلي في رمضان فقال ﵇: "أعتق رقبة"، ثبت بهذا اللفظ عند ابن ماجة. ولفظه في الصحيح: "هل تجد ما تعتق؟ "، فإنه يدل على أن الوقاع

стр. 1291

علة للإعتاق، إذا غرض الأعرابي بقوله "واقعت" علم حكمها، وذكر الحكم جوابا ليحصل غرضه لئلا يلزم إخلاء السؤال عن الجواب وتأخر البيان عن وقت الحاجة، فيكون السؤال مقدارا في الجواب، كأنه قال: واقعت فكفر. وقد عرفت أن ذلك للتعليل بكذا، هذا ولكنه دونه في الظهور؛ لأن الفاء مقدرة، وثم محققة، ويحتمل –أيضا- عدم قصد الجواب، فإن حذف بعض الأوصاف المقترنة بالحكم –ككونه أعرابيا مثلا- سمي الإيماء تنقيح المناط، أي تنقيح ما ناط الشارع به الحكم، والمناط هو العلة. مثال آخر لكون العين للتعليل ما أخرجه أو داود أنه ﵇ سئل عن بيع الرطب بالتمر؟ فقال: "أينقص الرطب إذا جف؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا إذا" [ينيط] أن النقصان علة في منع البيع، وإن فهم منه

стр. 1292

أن النقصان علة في منع البيع لترتيب الحكم على الوصف بالفاء واقترانه بإذا، وهما للتعليل بالوضع، لكن لو قدر انتفاؤهما بأن يقال مثلا في الجواب: لا، لنفي فهم التعليل بحاله، وإلا لم يكن لذكره والاستفسار عنه فائدة، ولعل هذا المثال لهذا الغرض. قال: (ومثل النظير: لما سألته الخثعمية إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج، أفينفعه إن حججت عنه؟ فقال: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه؟ فقال: نعم" فنظيره في السؤال كذلك، وفيه تنبيه على الفرع والأصل والعلة. وقيل: إن قوله لما سأله عمر عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت أكان ذلك مفسدا؟ فقال: لا" من ذلك. وقيل: إن ذلك نقض لما توهمه عمر من إفساد مقدمة الإفساد، لا تعليل لمنع الإفساد، إذ ليس فيه ما يتخيل مانعا، بل غايته ألا يفسد). أقول: مثال ما يكون ذكر النظير للتعليل، ما خرجه ابن ماجه: أن امرأة من حثعم أتت النبي ﵇ فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا/ كبيرا لا يستطيع أن يركب أفأحج عنه؟ قال: "نعم، فإنه لو كان على أبيك دين فقضيته"، ولا يوجد هذا اللفظ الذي ذكر المصنف.

стр. 1293

فالخثعمية سألته عن الحج، فذكر دين الآدمي، وهو نظير المسئول عنه من حيث إن الحج دين، فذكره ﵇ لنظير المسئول عنه مع ترتيب الحكم عليه يدل على التعليل وإلا كان ذكره عبثا، ولزم من كون النظير علة للحكم المرتب عليه، أن يكون المسئول عنه أيضا علة لمثل ذلك الحكم ضرورة المماثلة وهذا النوع من الإيماء يسمى تنبيها على أصل القياس. وفيه –كما ترى- التنبيه على أصل القياس، وعلى علة الحكم فيه، وعلى صحة إلحاق الفرع بهما، فالأصل: دين الآدمي، والفرع: الحج، والعلة: القضاء عن الميت، والحكم: كون أداء الغير يجزئ، وذكر الإمام فخر الدين وجماعة من الأصوليين أن حديث عمر من هذا القسم. وروي الثاني: أن عمر قال: يا رسول الله! قبلت وأنا صائم، فقال ﵇: "أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به، قال: فمه"، نبه عدم ترتب الفساد على المقدمة علة لعدم إعطائها حكم ما هي مقدمة له، ليثبت مثله في المسئول عنه، وهو القبلة.

стр. 1294

ورده الآمدي: بأنه إنما يكون من قبيل النظير لو أدى حمله علة غير التعليل إلى مستبعد، وليس كذلك، إذ الأقرب حمله على أنه نقض لما توهمه عمر من أمن مقدمة المفسد مفسدة، فنقبض عليه النبي ﵇ بالمضمضة ولا يكون تعليلا لمنع الإفساد، إذ ليس في المضمضة ما يصلح علة لعدم الفساد، وإنما يصلح لذلك ما يكون مناسبا لعدم الفساد، وكونه مقدمة للإفساد لم تفض إليه لا يصلح لذلك، غايته عدم ما يوجب الفساد، ولا يلزم وجود ما يوجب الفساد، فوجوده كعدمه. قال: (ومثل: أن يفرق بين حكمين بصفة من ذكرهما، مثل: "للراجل سهم، وللفارس سهمان". أو مع ذكر أحدهما، مثل: "القاتل لا يرث"، أو لغاية، أو استثناء مثل: ﴿حتى يطهرن﴾، و ﴿إلا أن يعفون﴾، ومثل ذكر وصف مناسب، مثل: "لا يقضي القاضي وهو غضبان". أقول: ومن مراتب الإيماء أن يفرق بين حكمين بوصفين، مثاله: ما روى أبو داود "أنه ﵇ أعطى الفارس سهمين، والراجل سهما".

стр. 1295

أو مع ذكر أحدهما، مثل: "القاتل لا يرث"، فإنه لم يتعرض لغير القاتل وإرثه؛ لأن التفرقة بين حكمين بصفة، تدل على كون تلك الصفة علة للتفرقة، وإلا لم يكن لذكرها فائدة. وكذا التفريق بالغاية مثل: ﴿حتى يطهرن﴾، وبالاستثناء مثل: ﴿إلا أن يعفون﴾، يدل على أن الحيض/ علة حرمة المباشرة والطهر علة إباحتها، وعدم العفو مثبت للتشطير والعفو لا يثبته. ومن مراتب الإيماء: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا للحكم، مثاله: ما في الصحيح: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان"، فإن فيه التنبيه على أن الغضب علة عدم جواز الحكم لأنه مظنة التشويش، وذلك لما ألفنا من اعتبار الشارع للمناسبات، فيغلب على الظن من المقارنة مع المناسبة قصد الاعتبار، مع أنه لو لم يكن للتعليل كان التقييد به بعيدا. قال: (فإن ذكر الوصف صريحا، والحكم مستنبطة، مثل: ﴿وأحل الله البيع﴾، فثالثها: الأول إيماء لا الثاني. فالأول: على أن الإيماء اقتران الوصف بالحكم وإن قدر أحدها.

стр. 1296

والثاني: على أنه لابد من ذكرهما. والثالث: على أن ذكر المستلزم له كذكره، والحل يستلزم الصحة. وفي اشتراط المناسبة في صحة علل الإيماء. ثالثها المختار: إن كان التعليل فهم من المناسبة اشترطت). أقول: إذا ذكر كل من الحكم والوصف فهم إيماء اتفاقا، أما لو ذكر أحدهما فقط، مثل أن يذكر الوصف والحكم مستنبط نحو: ﴿وأحل الله البيع﴾ فإن البيع وصف له قد ذكر فعلم منه حكمه وهو الصحة. أم يذكر الحكم والوصف مستنبط –كسائر العلل المستنبطة- نحو: "حرمت الخمر"، فقد اختلفوا في أنه إيماء – فيقدم عند التعارض على المستنبطة بلا إيماء –على ثلاثة مذاهب. الأول: كلاهما إيماء. الثاني: مقابلة. الثالث وهو أصحها: أن ذكر الوصف إيماء دون العكس. والنزاع لفظي مبني على تفسير الإيماء. فالأول: على أن الإيماء اقتران بالحكم، سواء كانا مذكورين أو أحدهما مذكورا والآخر مقدرا. والثاني: على أنه لابد من ذكرها، إذ به يتحقق الاقتران. والثالث: مبني على أن إثبات المستلزم للشيء يقتضي إثبات ذلك

стр. 1297

الشيء، والعلة كالمحل تستلزم المعلول كالصحة، فيكون بمثابة المذكور فيتحقق الاقتران واللازم لا يكون إثباته إثباتا لملزومه، فهو بخلاف ذلك. ثم اعلم أن الأصوليين اختلفوا في اشتراط مناسبة الوصف المومأ إليه في صحة التعليل. فنفاه الغزالي، إذ المناسبة طريق مستقل والإيماء كذلك، فلا يتوقف أحدهما على الآخر. وأثبته قوم، إذ الغالب من تصرفات الشرع أن تكون على وفق الحكمة، فما لا مناسبة فيه ولا يوهم المناسبة يمتنع التعليل به. والمختار التفصيل: وهو أن التعليل إن كان فهم من المناسبة كم في: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، اشترط في الوصف المومأ إليه مناسبته؛ لأن التعليل إنما فهو/ من المناسبة، فعدم المناسبة فيما فهمت فيه المناسبة تناقض، هكذا قال الآمدي. وفيه نظر، وما سواه يفهم التعليل من غيرها وهو الاقتران. قيل: وهذا إنما يصح إذا أريد بالمناسبة ظهورها، وأما نفس المناسبة فلابد منها في العلة الباعثة.

стр. 1298

وقد يجاب عنه: بأن علل الإيماء منصوصة، والشرط كونها بمعنى الباعثة عند المصنف هي المستنبطة. قال: (السبر والتقسيم وهو: حصر الأوصاف في الأصل، وإبطال بعضها بدليله فيتعين، ويكفي: بحثت فلم أجد. والأصل عدم [باستوائها]. فإن بين المعترض وصفا آخر لزم إبطاله لا انقطاعه، والمجتهد يرجع إلى ظنه، ومتى كان الحصر والإبطال قطعا فقطعي، وإلا فظني). أقول: المسلك الثالث من مسالك العلة: السبر والتقسيم، وهو حصر الأوصاف الموجودة في الأصل وإبطال بعضها، وهو ما سوى الذي يدعى أنه علة، واحدا كان أو أكثر، فيتعين الباقي للعلية، وهذا المسلك يسمى بكل من الجزأين، ويسمى بهما معا. وظن بعضهم أن السبر هو إبطال بعض الأوصاف، والتقسيم حصر الأوصاف في الأصل، وليس كذلك. ثم علم أن المثبت لعلية الوصف بالسبر إن كان مناظرا، كفاه في بيان حصر الأوصاف في الأصل أن يقول: الحكم الثابت فيه لابد له من علة وليس إلا ما ذكرت، لأني بحثت البحث التام فلم أجد إلا ما ذكرته، ويصدق

стр. 1299

لعدالته ومعرفته؛ لأن الأوصاف الشرعية والعقلية لو كانت لم تخف عنه. أو يقول: الأصل عدم ما سواها من الأوصاف إلا أن يدل عليه دليل، والأصل عدمه. وعلى التقديرين: يغلب على الظن انحصار أوصاف الأصل فيما ذكر، فلو بين المعترض بعد الحصر –على التقديرين- وصفا آخر، لزم المستدل إبطاله حتى يتم الاستدلال؛ إذ لا يتم الحصر بدونه، ولا يلزم انقطاعه، إذ غايته منع مقدمة من مقدمات دليله، فيلزمه الدلالة عليها فقط. وقيل: ينقطع؛ لأنه ادعى حصرا ظهر بطلانه. والحق: أنه إن أبطله سلم حصره، مع أنه قد يقول: علمت أنه لا يصلح فلذلك لم أدخله في الحصر. وأيضا: لم يدع الحصر قطعا، وفي بعض النسخ: لزم إبطاله لانقطاعه، أي لانقطاع المعترض، أو لانقطاع المستدل إن لم يبطله. أما النسخ التي فيها انقطاعه فلا إشكال. أما لو كان المثبت لعلية الوصف مجتهدا، فإنه يرجع إلى ظنه إذ لا يكابر نفسه، فمهما غلب على ظنه شيء من ذلك عمل عليه. وعلى التقديرين، متى كان الحصر والإبطال قطعيين، فالسبر قطعي ومتى كانا ظنيين أو أحدهما، فالسبر ظني. قال: (وطرق الحذف منها: /الإلغاء، وهو بيان إثبات الحكم بالمستبقى فقط، وبتبيين نفي العكس الذي لا يقيد، وليس به لأنه لم يقصد

стр. 1300

لو كان المحذوف علة لانتفى عند انتفائه، وإنما قصد لو كان المستبقى جزء علة لم انتقل، ولكن يقال: لابد لذلك من الأصل فيستغنى عن الأول). أقول: لما فرغ من أحد شقي السبر –وهو الحصر- شرع في بيان الإبطال، ولابد من طريق وهو كل ما يفيد ظن عدم العلية، وله طرق: الأول الإلغاء: وهو بيان أن الحكم في الصورة الفلانية ثابت بالمستبقى فقط ويزيد أنه لا يثبت بدونه، فيعلم أن المحذوف لا أثر له، وإلا فقد يقال: لا يلزم من ثبوت الحكم بدونه في صورة عدم عليته في صورة المقارنة، إذ قد تكون العلة متعددة فلا يلزم من نفيها نفي المعلول. ولهذا يقول في جواب المعارضة: ولا يكفي إثبات الحكم في صورة دونه لجواز علة أخرى. والإلغاء من حيث به عدم علية الوصف بثبوت الحكم بدونه في صورة يشبه نفي العكس –الذي مر أنه لا يفيد عدم العلية- وليس إياه، وإنما يكون إياه لو أريد به أنه لو كان المحذوف علة لانتفاء الحكم عند انتفائه، بل المراد: لو كان المحذوف جزء علة فالمستبقى جزء علة، ولو كان كذلك لما كان المستبقى مستقلا بالحكم في تلك الصورة. ثم أشار المصنف بقوله: (ولكن يقال: لابد لذلك من أصل) إلى أن غايته أن يفيد أن المحذوف ليس علة، على تقدير ثبوت الحكم دونه، ولا يلزم من ذلك كون المستبقى علة مستقلة، بل لابد لبيان كون المستبقى علة مستقلة من أصل يفيد استقلال المستبقى بالعلية، وحينئذ يستغنى عن الإلغاء. قيل بعد ما ذكر: إن الحكم لابد له من علة وحصر الأوصاف،
следующие страницы →