← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

والثاني: على أنه لابد من ذكرهما. والثالث: على أن ذكر المستلزم له كذكره، والحل يستلزم الصحة. وفي اشتراط المناسبة في صحة علل الإيماء. ثالثها المختار: إن كان التعليل فهم من المناسبة اشترطت). أقول: إذا ذكر كل من الحكم والوصف فهم إيماء اتفاقا، أما لو ذكر أحدهما فقط، مثل أن يذكر الوصف والحكم مستنبط نحو: ﴿وأحل الله البيع﴾ فإن البيع وصف له قد ذكر فعلم منه حكمه وهو الصحة. أم يذكر الحكم والوصف مستنبط –كسائر العلل المستنبطة- نحو: "حرمت الخمر"، فقد اختلفوا في أنه إيماء – فيقدم عند التعارض على المستنبطة بلا إيماء –على ثلاثة مذاهب. الأول: كلاهما إيماء. الثاني: مقابلة. الثالث وهو أصحها: أن ذكر الوصف إيماء دون العكس. والنزاع لفظي مبني على تفسير الإيماء. فالأول: على أن الإيماء اقتران بالحكم، سواء كانا مذكورين أو أحدهما مذكورا والآخر مقدرا. والثاني: على أنه لابد من ذكرها، إذ به يتحقق الاقتران. والثالث: مبني على أن إثبات المستلزم للشيء يقتضي إثبات ذلك

стр. 1297

الشيء، والعلة كالمحل تستلزم المعلول كالصحة، فيكون بمثابة المذكور فيتحقق الاقتران واللازم لا يكون إثباته إثباتا لملزومه، فهو بخلاف ذلك. ثم اعلم أن الأصوليين اختلفوا في اشتراط مناسبة الوصف المومأ إليه في صحة التعليل. فنفاه الغزالي، إذ المناسبة طريق مستقل والإيماء كذلك، فلا يتوقف أحدهما على الآخر. وأثبته قوم، إذ الغالب من تصرفات الشرع أن تكون على وفق الحكمة، فما لا مناسبة فيه ولا يوهم المناسبة يمتنع التعليل به. والمختار التفصيل: وهو أن التعليل إن كان فهم من المناسبة كم في: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، اشترط في الوصف المومأ إليه مناسبته؛ لأن التعليل إنما فهو/ من المناسبة، فعدم المناسبة فيما فهمت فيه المناسبة تناقض، هكذا قال الآمدي. وفيه نظر، وما سواه يفهم التعليل من غيرها وهو الاقتران. قيل: وهذا إنما يصح إذا أريد بالمناسبة ظهورها، وأما نفس المناسبة فلابد منها في العلة الباعثة.

стр. 1298

وقد يجاب عنه: بأن علل الإيماء منصوصة، والشرط كونها بمعنى الباعثة عند المصنف هي المستنبطة. قال: (السبر والتقسيم وهو: حصر الأوصاف في الأصل، وإبطال بعضها بدليله فيتعين، ويكفي: بحثت فلم أجد. والأصل عدم [باستوائها]. فإن بين المعترض وصفا آخر لزم إبطاله لا انقطاعه، والمجتهد يرجع إلى ظنه، ومتى كان الحصر والإبطال قطعا فقطعي، وإلا فظني). أقول: المسلك الثالث من مسالك العلة: السبر والتقسيم، وهو حصر الأوصاف الموجودة في الأصل وإبطال بعضها، وهو ما سوى الذي يدعى أنه علة، واحدا كان أو أكثر، فيتعين الباقي للعلية، وهذا المسلك يسمى بكل من الجزأين، ويسمى بهما معا. وظن بعضهم أن السبر هو إبطال بعض الأوصاف، والتقسيم حصر الأوصاف في الأصل، وليس كذلك. ثم علم أن المثبت لعلية الوصف بالسبر إن كان مناظرا، كفاه في بيان حصر الأوصاف في الأصل أن يقول: الحكم الثابت فيه لابد له من علة وليس إلا ما ذكرت، لأني بحثت البحث التام فلم أجد إلا ما ذكرته، ويصدق

стр. 1299

لعدالته ومعرفته؛ لأن الأوصاف الشرعية والعقلية لو كانت لم تخف عنه. أو يقول: الأصل عدم ما سواها من الأوصاف إلا أن يدل عليه دليل، والأصل عدمه. وعلى التقديرين: يغلب على الظن انحصار أوصاف الأصل فيما ذكر، فلو بين المعترض بعد الحصر –على التقديرين- وصفا آخر، لزم المستدل إبطاله حتى يتم الاستدلال؛ إذ لا يتم الحصر بدونه، ولا يلزم انقطاعه، إذ غايته منع مقدمة من مقدمات دليله، فيلزمه الدلالة عليها فقط. وقيل: ينقطع؛ لأنه ادعى حصرا ظهر بطلانه. والحق: أنه إن أبطله سلم حصره، مع أنه قد يقول: علمت أنه لا يصلح فلذلك لم أدخله في الحصر. وأيضا: لم يدع الحصر قطعا، وفي بعض النسخ: لزم إبطاله لانقطاعه، أي لانقطاع المعترض، أو لانقطاع المستدل إن لم يبطله. أما النسخ التي فيها انقطاعه فلا إشكال. أما لو كان المثبت لعلية الوصف مجتهدا، فإنه يرجع إلى ظنه إذ لا يكابر نفسه، فمهما غلب على ظنه شيء من ذلك عمل عليه. وعلى التقديرين، متى كان الحصر والإبطال قطعيين، فالسبر قطعي ومتى كانا ظنيين أو أحدهما، فالسبر ظني. قال: (وطرق الحذف منها: /الإلغاء، وهو بيان إثبات الحكم بالمستبقى فقط، وبتبيين نفي العكس الذي لا يقيد، وليس به لأنه لم يقصد

стр. 1300

لو كان المحذوف علة لانتفى عند انتفائه، وإنما قصد لو كان المستبقى جزء علة لم انتقل، ولكن يقال: لابد لذلك من الأصل فيستغنى عن الأول). أقول: لما فرغ من أحد شقي السبر –وهو الحصر- شرع في بيان الإبطال، ولابد من طريق وهو كل ما يفيد ظن عدم العلية، وله طرق: الأول الإلغاء: وهو بيان أن الحكم في الصورة الفلانية ثابت بالمستبقى فقط ويزيد أنه لا يثبت بدونه، فيعلم أن المحذوف لا أثر له، وإلا فقد يقال: لا يلزم من ثبوت الحكم بدونه في صورة عدم عليته في صورة المقارنة، إذ قد تكون العلة متعددة فلا يلزم من نفيها نفي المعلول. ولهذا يقول في جواب المعارضة: ولا يكفي إثبات الحكم في صورة دونه لجواز علة أخرى. والإلغاء من حيث به عدم علية الوصف بثبوت الحكم بدونه في صورة يشبه نفي العكس –الذي مر أنه لا يفيد عدم العلية- وليس إياه، وإنما يكون إياه لو أريد به أنه لو كان المحذوف علة لانتفاء الحكم عند انتفائه، بل المراد: لو كان المحذوف جزء علة فالمستبقى جزء علة، ولو كان كذلك لما كان المستبقى مستقلا بالحكم في تلك الصورة. ثم أشار المصنف بقوله: (ولكن يقال: لابد لذلك من أصل) إلى أن غايته أن يفيد أن المحذوف ليس علة، على تقدير ثبوت الحكم دونه، ولا يلزم من ذلك كون المستبقى علة مستقلة، بل لابد لبيان كون المستبقى علة مستقلة من أصل يفيد استقلال المستبقى بالعلية، وحينئذ يستغنى عن الإلغاء. قيل بعد ما ذكر: إن الحكم لابد له من علة وحصر الأوصاف،

стр. 1301

[واكتفى] غير واحد بوجود الحكم دونه، وبعدم الحكم عند وجوده تعين أن يكون المستبقى علة، ولا حاجة إلى طريق آخر. واعترض: بأن يجوز أن يكون الوصف المحذوف جزءا من العلة وأعم من المعلول، وحينئذ لا يلزم من وجود الحكم دونه ومن عدم الحكم عنده أن يكون المستبقى علة. والاعتراض فاسد؛ لأنه إذا وجد الحكم دونه وعدم الحكم مع وجوده لا يكون له تأثيرا في العلية، ولو كان جزء علة لانتفت العلة بانتفائه فينتفي المعلول. قال: (ومنها: طرده مطلقا، كالطول والقصر، أو بالنسبة إلى ذلك الحكم كالذكورة في أحكام العتق. ومنها: ألا تظهر مناسبته، ويكفي المناظر بحثت. فإن ادعى أن المستبقى كذلك ترجح سبر المستدل بموافقة التعدية). أقول: الطريق الثاني من طرق الإبطال: أن يكون الوصف طرديا أي من جنس ما علم من الشارع إلغاؤه، وأما في جميع الأحكام كالاختلاف بالطول والقصر فلا يعلل به حكم أصلا. وأما بالنسبة إلى ذلك الحكم –وإن اعتبر في غيره كالذكورة والأنوثة/ في أحكام العتق –فإن الشارع- وإن اعتبره في الشهادة والإرث- فقد

стр. 1302

علم أنه ألغاه في أحكام العتق، فلا يعلل به شيء من أحكامه. الطريق الثالث: ألا تظهر مناسبة الوصف للحكم، ولا يجب ظهور عدم المناسبة بالدليل، ويكفي المناظر أن يقول: بحثت فلم أجد له مناسبة، ويصدق لأنه عدل عارف. فإن قال المعترض: المستبقى أيضا كذلك، فلا يجب على المستدل بيان المناسبة، وإلا كان انتقالا عن السبر إلى المناسبة، ولا سبيل إلى التحكم فلزم التعارض والمصير إلى الترجيح، فيرجح المستدل سبره بموافقته لتعدية الحكم، والتعدية أولى ليعم الحكم وتكثير الفائدة، ولو رجح بأن قال: لو لم يكن مناسبا لزم التعبد بالحكم، كان حسنا أيضا. قال: (ودليل العمل بالسبر وتخريج المناط وغيرهما: أنه لابد من علة لإجماع الفقهاء على ذلك، ولقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. والظاهر: [التعميم]. ولو سلم فهو أغلب؛ لأن التعقل أقرب إلى الانقياد فيحمل عليه، وقد ثبت ظهورها بالمناسبة فيجب اعتبارها في الجميع، للإجماع على وجوب العمل بالظن في علل الأحكام). أقول: لما فرغ من الكلام على السبر، شرع في الدليل على اعتباره شرعا وكونه دليلا على العلية، وذكر معه غيره كالمناسبة وغيرها للمشاركة في الحكم.

стр. 1303

والدليل تقريره أن نقول: لابد للحكم من حكمة لوجهين: أحدهما: إجماع الفقهاء على ذلك، إما تفصيلا كما يقول أصحابنا أو وجوبا كما تقول المعتزلة. الثاني: قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وظاهر الآية مراعاة مصالحهم في جميع ما شرع لهم من الأحكام، إذ لو أرسل بحكم لا مصلحة لهم فيه لكان إرسالا لغير الرحمة –لأنه محض تعب- فلا يكون في التكليف به فائدة، فخالف ظاهر العموم. ولو سلم عدم الإجماع وعدم ظهور التعميم في الآية، فالتعليل هو الغالب على أحكام الشرع، وإنما غلب لأن تعقل المعنى ومعرفة كونه مفضيا إلى مصلحة أقرب إلى انقياد المكلف من التعبد المحض، فيكون أفضى إلى غرض الحكيم، فالحكمة تقتضي حمل ما نحن فيه على كونه معللا بمعنى معقول، إلحاقا للفرد النادر بالأعم الأغلب، إذ اختيار الحكيم الإفضاء إلى مقصوده هو الغالب على الظن. فإذا قد ثبت ظهور تعليل جميع الأحكام عموما بهذا الطريق، وفي

стр. 1304

المناسبة أيضا به، ولو سلم عدم نهوض الدليل المذكور، فقد ثبت ظهور تعليل الحكم في صورة المناسبة بها، فيجب مما ذكرنا اعتبار تعليل الجميع في صورة السبر والشبه، لإفادة جميعها ظن العلية، وانعقاد الإجماع على وجوب العمل بالظن في علل الأحكام. /وله تقرير آخر هو أشبه، إذ الكلام في الدليل على اعتبار السبر شرعا وهو أن تقول: ثبت بما ذكرنا أنه لابد لكل حكم من علة، وقد ثبت ظهور علية الأوصاف بالسبر والمناسبة والشبه، على تقدير ثبوت تلك المقدمة، وهو أنه لابد لكل حكم من علة، وفي المناسبة خاصة ثبت ظهور عليتها على تقدير ثبوت تلك المقدمة وعلى تقدير عدم ثبوتها؛ لأن مناسبة الوصف للحكم يفيد بمجرد ظن كونه علة، ثم يقال في الجميع –أي في المناسبة وغيرها-: وإذ قد حصل ظن عليتها فيجب اعتبارها والعمل بها، للإجماع على وجوب العمل بالظن في علل الأحكام. قال: (الرابع: المناسبة والإخالة، وتسمى: تخريج المناط، وهو تعيين العلة لمجرد إبداء المناسبة من ذاته، لا بنص ولا بغيره، كالإسكار في التحريم، والقتل العمد العدوان في القصاص. والمناسب: وصف ظاهر منضبط، يحصل عقلا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا للشارع من حصول مصلحة أو دفع مفسدة. فإن كان خفيا أو غير منضبط، اعتبر ملازمة وهو المظنة؛ لأن الغيب لا يعرف الغيب، كالسفر للمشقة، والفعل المقضي عليه عرفا بالعمد في

стр. 1305

العمدية. وقال أبو زيد: المناسب: ما لو عرض على العقول السليمة تلقته بالقبول). أقول: المسلك الرابع للعلية المناسبة، ويسمى: الإخالة، من اخالة السحاب إذا كانت ترجى المطر؛ لأن المناسبة ترجى العلية، وتسمى: تخريج المناط أيضا؛ لأنه مناط الحكم. وحاصله تعين العلة في الأصل بمجرد إبداء المناسبة بينها وبين الحكم من ذات الحكم لا بنص ولا بغيره، كالإسكار للتحريم، فإن النظر في المسكر وحكمه ووصف الإسكار يعلم منه كون الإسكار مناسبا لشرع التحريم، وكالقتل العمد العدوان، فإنه بالنظر إلى ذاته مناسب لشرع القصاص. واعلم أن المناسبة المأخوذة في التعريف هي اللغوية فلا دور، وتبين أن الاصطلاحية فعل الناظر، بخلاف اللغوية. والمناسب في الاصطلاح: وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء. والمقصود: إما حصول مصلحة أو دفع مفسدة. والمصلحة: اللذة ووسيلتها، والمفسدة: الألم ووسيلته، وكلاهما نفسي وبدني، دنيوي وأخروي؛ لأن العاقل إذا خير اختار المصلحة ودفع المفسدة وما هو كذلك يصلح مقصودا قطعا.

стр. 1306

وقال: (ما يصلح) ولم يقل: ما يكون مقصودا؛ لتدخل أقسام المناسبة كلها، لكن ما يصلح أن يكون مقصودا تتوقف معرفته على معرفة المناسب فيدور. ولو قال: ما يكون مقصودا/ لم يرد، ثم إن كان الوصف الذي يحصل من ترتيب الحكم عليه المقصود خفيا أو غير منضبط، ولم يعتبر لأنه لا يعلم، فكيف يعلم به الحكم؟ فالطريق أن يعتبر وصف ظاهر منضبط، يلازم ذلك الوصف، يوجد بوجوده ويعدم بعدمه، سواء كانت الملازمة عقلية أو لا؟ فيجعل معرفا للحكم، مثاله: المشقة، فإنها مناسبة لترتيب الترخص عليها، تحصيلا لمقصود التخفيف، ولا يمكن اعتبارها نفسها لأنها غير منضبطة، إذ هي ذات مراتب تختلف بالأشخاص والأزمان، ولا يناط الترخص بالكل، ولا يمتاز البعض بنفسه، فيناط الترخص بما يلازمه وهي السفر. وكالقتل العمد العدوان، فإنه مناسب لشرع القصاص، لكن وصف العمدية خفي؛ لأن القصد وعدمه لا يدرك، فيناط القصاص بما يلازم العمدية من أفعال مخصوصة نقضي العرف في العرف عليها بكونها عمدا، كاستعمال الجارح في المقتل. وقال أبو زيد الدبوسي من الحنفية: المناسب ما لو عرض على العقول

стр. 1307

السليمة تقتله بالقبول. وهذا قريب من الأول، إلا أنه لا يمكن إثباته في المناظرة، إذ يقول الخصم: لا يتلقاه عقلي بالقبول، وتلقي عقلك له بالقبول لا يكون حجة علي، بخلاف الأول فإنه يمكن إثباته. قال: (وقد يحصل المقصود من شرع الحكم يقينا وظنا، كالبيع والقصاص. وقد يكون الحصول ونفيه مساويين، كحد الخمر. وقد يكون نفيه أرجح، كنكاح الأمة لمصلحة التوالد. وقد ينكر الثاني والثالث. لنا: أن البيع مظنة الحاجة إلى التعارض وقد اعتبر، وإن انتفى الظن في بعض الصور. والسفر مظنة المشقة، وان انتفى الظن في الملك المترف. أما لو كان فائتا قطعا، كلحوق نسب المشرقي يتزوج مغربية، وكاستبراء جارية يشتريها بائعها في المجلس، فلا يعتبر خلافا للحنفية). أقول: للمناسب تقسيمات باعتبار إفضائه إلى المقصود، وباعتبار نفس المقصود، وباعتبار اعتبار الشارع له. واعلم أن المقصود من شرع الحكم قد يحصل يقينا، كالبيع لإباحة

стр. 1308

التصرف، وقد يحصل ظنا كالقصاص للانزجار، فإن المنزجرين أكثر من المقدمين، وهذان مما لم ينكر التعليل بهما أحد. وقد يكون حصوله وعدم حصوله متساويين، كحد الخمر للزجر حفظا للعقل، فإن استيلاء ميل الطبع إلى شرب الخمر يقاوم خوف عقاب الحد، ولهذا [قاوم] عدد المقدمين عدد المنزجرين. وقد يكون عدم حصوله راجحا كنكاح [الآيسة]، فإن المقصود الذي هو التوالد قد يمكن حصوله من الآيسة، لكن عدمه أرجح. وقد أنكر بعضهم جواز التعليل بهذين. واحتج المصنف على جواز التعليل بهما: بأن ظن تخلف الحكمة الباعثة عن الحكم المشروع لأجلها لا يقدح في العلية، واحتمال حصول/ المقصود من شرع الحكم كاف في صحة التعليل به، وذلك أن البيع مظنة الحاجة إلى العوض لأنه شرع لمصلحة الاحتياج إلى المعاوضة وقد اعتبر، وإن انتفى الظن في بعض الصور، إذ بيع الشيء مع ظن عدم الحاجة إلى عوضه -كبيع صاع بمثله- لا يوجب بطلان البيع إجماعا. والسفر مظنة المشقة، وقد اعتبر وإن ظن عدم الشقة، كما في الملك المترف. واعترض: بأن جوازه ثم لأجل ترتب المقصود في الغالب، وإن لم يترتب

стр. 1309

في بعض الصور، بخلاف محل النزاع، فإنه كما يحتمل الترتيب يحتمل عدم الترتيب على السواء، وعدم الترتيب أرجح. قلت: بل هو مثله، لترتب المقصود في غالب صور الجنس وهو ما عدا الآيسة وكذا يحصل المقصود من شرع الحد الذي هو جنس لحد الخمر وغيره. قيل: المثال الأول للمناسب، والثاني لمظنة المناسب. وفيه نظر؛ لأن الحاجة إلى التعاوض خفي، فلازمه –الذي هو البيع- يكون مظنة. أما لو كان المقصود فائتا قطعا كالنكاح الذي هو مظنة لحصول نطفة الزوج في الرحم، فيترتب عليه إلحاق الولد به، فإذا تزوج مشرقي مغربية وعلم قطعا عدم تلاقيهما، فهل يلحق به وهو بالمشرق ولد تلده وهي بالمغرب، مع العلم بعدم حصول نطفته في رحمها؟ وكجعل الاستبراء مظنة لبراءة الرحم من الحمل، فيترتب عليه منع الوطء دونه، فلو اشترى واحد جارية ثم باعها من البائع الأول في المجلس، فقد علم عدم وطء من المشتري الأول لها، وهل يجب على المشتري الثاني –وهو البائع الأول- أن يستبريها؟ . قال الجمهور: لا يعتبر فيهما وإن كان ذلك ظاهرا في غالب صور الجنس، فيما عدا هاتين الصورتين. وخالفت الحنفية نظرا إلى ظاهر العلة.

стр. 1310

قال: (والمقاصد ضربان: ضروري في أصله وهو أعلى المراتب، كالخمسة التي روعيت في كل ملة: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. كقتل الكفار، والقصاص، وحد السكر، وحد الزنا، وحد السارق والمحارب. ومكمل للضروري، كحد قليل السكر. وغير ضروري حاجي، كالبيع والإجارة، والقراض، والمساقاة، وبعضها آكد من بعض. وقد يكون ضروريا، كالإجارة على تربية الطفل، وشراء المطعوم والملبوس له ولغيره. ومكمل له، كرعاية الكفاءة ومهر المثل في الصغيرة، فإنه أفضى إلى دوام النكاح. وغير حاجي ولكنه تحسبي، كسلب العبد أهلية الشهادة لنقصه عن المناصب الشريفة، جريا على ما ألف من محاسن العادات). أقول: التقسيم الثاني للمناسب باعتبار المقصود نفسه: والمقاصد التي شرعت الأحكام لأجلها ضربان: ضروري، وغير ضروري. والضروري قسمان: ضروري في أصله/، ومكمل للضروري. والضروري في أصله أعلى المراتب في إفادة ظن الاعتبار، كالخمسة

стр. 1311

روعيت في كل ملة، إذ هي من المهمات، ولا قيام للشرع دونها، فلابد من مشروعيتها لتحفظ بها المصالح المهمة للعباد، وانحصارها في الخمسة نظرا إلى الواقع، والعلم بانتفاء مقصد ضروري خارج عنها بالعادة، وقد يتكلف الحصر بناء على أن القوى ثلاثة: نفسانية، وشهوانية، وغضبية، والغرض من بعثة الرسل إقامة هذه القوى على المنهج القويم. وصلاح الأولى يتوقف على العقل والدين، والثانية على المال والنكاح، والثالثة على القصاص، فصارت خمسا. الأول: حفظ الدين بشرع إيجاب المقاتلة مع الكفار. الثاني: حفظ النفس بشرع إيجاب القصاص لكونه طريقا صالحا لحصول هذا المقصود. الثالث: حفظ العقل بشرع الحد. الرابع: حفظ النسل بشرع حد الزنا. الخامس: حفظ المال الذي به المعاش بشرع حد السارق والمحارب. وأما المكمل للضروري: فكحد قليل المسكر الذي لا يزيل العقل، إذ حفظ العقل حاصل بتحريم المسكر، إنما حرم القليل للتتميم والتكميل؛ لأن قليله يدعو إلى كثيره بما يورث النفس من الطرب المطلوب زيادته بزيادة سببه إلى أن يسكر. الضرب الثاني: غير الضروري، وينقسم إلى: حاجي، وغيره. والأول ينقسم إلى: حاجي في نفسه، وإلى مكمل له. أم الحاجي في نفسه: فكالبيع، والإجارة، والقراض، والمساقاة،

стр. 1312

وكل واحد من هذه العقود ليس بحيث لو لم يشرع لأدى إلى فوات شيء من الضروريات الخمس، ثم هذه ليست في مرتبة، إذ الحاجة تشتد وتضعف وبعضها آكد من بعض، وقد يكون بعضها ضروريا في بعض الصور، كالإجارة على تربية الطفل الذي لا أم له ترضعه، وكشراء المطعوم والملبوس له ولغيره، فإنه من قبيل حفظ النفس، ولذلك لم تخل عنه شريعة، وإنما أطلقنا عليه الحاجي باعتبار الأغلب. أما المكمل للحاجي: فكوجوب رعاية الكفاءة ومهر المثل للصغيرة، فإن أصل المقصود من شرع النكاح –وإن كان حاصلا بدونهما- لكنه أشد إفضاء إلى دوام النكاح، فهو من مكملات مقصود النكاح. وأما غير الحاجي: فما فيه التحسين وسلوك منهج أحسن من منهج، كسلب العبد أهلية الشهادة –وإن كان ذا دين وعدالة يغلبان ظن صدقهما- فإنها منصب شريف لا يليق تفويضه إلى من لا يملك نفسه، جريا على ما هو المألوف محاسن العادات، أن نازل القدر لا يلي المراتب الشريفة. قال: (مسألة: المختار: انخرام المناسبة بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية. لنا: أن العقل قاض أنه لا مصلحة مع مفسدة تساويها أو تزيد. قالوا: الصلاة في الدار المغصوبة تستلزم مصلحة ومفسدة تساويها/ أو تزيد، وقد صحت. قلنا: مفسدة الغصب ليست عن الصلاة وبالعكس، ولو نشآ معا عن الصلاة لم تصح.

стр. 1313

والترجيح يختلف باختلاف المسائل، ويترجح بطريق إجمالي، وهو أنه لو لم يقدر رجحان المصلحة، لزم التعبد بالحكم). أقول: قال الآمدي: اختلفوا في الحكم الثابت لوصف مصلحي على وجه يلزم من شرع ذلك الحكم مفسدة راجحة على المصلحة أو مساوية، هل تنخرم مناسبته –أي فلا تكون علة لذلك الحكم –أو لا؟ . وقال الإمام: المختار إن المناسبة لا تبطل بالمعارضة وهذه العبارة أسد. ولكن قال الآمدي بعد هذا: والكلام في إثبات حكم لمصلحة يلزم من إثباته –تحصيلا لتلك المصلحة- مفسدة راجحة أو مساوية. لنا: أن العقل قاض بأنه لا مصلحة مع مفسدة تساويها أو تزيد عليها. قالوا: الصلاة في الدار المغصوبة، تقتضي صحتها مصلحة فيها، وحرمتها مفسدة فيها، والمصلحة لا تزيد على المفسدة وإلا لما حرمت، فيجب كون المفسد تساويها أو تزيد عليها، فلو انخرمت المناسبة بذلك لم تصح الصلاة، ولكنها صحيحة. الجواب: أن مفسدة الغصب ليست ناشئة عن الصلاة، ومصلحة الصلاة ليست ناشئة عن الغصب، فإنه لو أشغل المكان من غير صلاة لأثم، والكلام في مفسدة نشأت من شرع الحكم، ولو فرضناهما ناشئين من نفس الصلاة، لوجب ألا تصح، كما في صوم يوم العيد وذلك لتعارض الداعي

стр. 1314

إلى الأمر بها والصارف عنه مع المساواة، والأمر عند ذلك محال، انخرمت المناسبة أم لا. وإذا ثبت أنه لابد من رجحان المصلحة على المفسدة عند تعارضهما، فللترجيح طرق: فمنها تفصيلية تختلف باختلاف المسائل. ومنها: طريق إجمالي شامل لجميع المسائل، وهو أنه لو لم يقدر رجحان المصلحة على المفسدة في محل النزاع، لزم أن يكون الحكم ثبت فيه لا لمصلحة فيلزم التعبد بالحكم، وهو خلاف الأصل. قال الآمدي: اشتراط الترجيح في المناسبة إنما يتحقق على القول بعدم تخصيص العلة. قال: (والمناسب: مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل. لأنه إما معتبر أو لا، والمعتبر بنص أو إجماع هو المؤثر، والمعتبر بترتيب الحكم على وفقه فقط، إن ثبت بنص اعتبار عينه في جنس الحكم أو بالعكس، أو جنسه في جنس الحكم، فهو الملائم، وإلا فهو الغريب. وغير المعتبر هو المرسل، فإن كان غريبا أو ثبت إلغاؤه فمردود اتفاقا. وإن كان ملائما، فقد صرح الغزالي والإمام بقبوله، وذكر عن مالك والشافعي، والمختار رده. وشرط الغزالي فيه أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية). أقول: التقسيم الثالث/ للمناسب بحسب اعتبار الشرع له:

стр. 1315

والمناسب بهذا الاعتبار أربعة أقسام: مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل لأنه إما أن يثبت اعتباره شرعا أو لا. والأول: إما أن يثبت اعتباره بنص أو إجماع، أو بترتيب الحكم على وفقه فقط، بأن يثبت الحكم معه في المحل بنص أو إجماع دال على الحكم، فإن ثبت اعتباره –أي اعتبار عينه في عين الحكم بنص أو إجماع- فهو المؤثر لظهور تأثيره في الحكم بالنص، كقوله ﵇: "من مس ذكره فليتوضأ"، فإنه دل على اعتبار مس المحدث في عين الحدث. وتأثيره في الحكم بالإجماع، كتعليل الولاية في المال بالصغر، فإنه اعتبر عين الصغر في عين الولاية في المال بالإجماع، هكذا ذكر الغزالي في مثاله وتابعوه، والمصنف ذكر هذا المثال للقسم الأول من الملائم، وهو أظهر. وإن ثبت اعتباره لا بهما بل بترتيب الحكم على وفقه، فحينئذ إما أن يعتبر مع ذلك عين الوصف في جنس الحكم –يعني الجنس القريب- أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم بنص أو إجماع –أو لا؟ . والأول بأقسامه الملائم، سمي بذلك لكونه موافقا لما اعتبره الشارع. والثاني هو الغريب.

стр. 1316

والذي لم يثبت اعتباره بشيء من الوجوه السابقة هو المرسل. واعلم أن الجنسية في الحكم والوصف مراتب: أما في الوصف فأعم أجناسه كونه وصفا يناط به الحكم، ثم الوصف المناسب، ثم المناسب الضروري، ثم الضروري في أصله، ثم الضروري في حفظ العقل مثلا. وأما في الحكم فأعم أجناسه كونه حكما شرعيا، ثم الوجوب، وجوب الصلاة، ثم وجوب الظهر مثلا. وكلما كان الحكم والوصف أخص كان كون الوصف معتبرا في ذلك الحكم آكد، فيكون مقدما على ما هو أعم. ثم اعلم أن المرسل ينقسم إلى ما علم إلغاؤه، وإلى ما لم يعلم إلغاؤه. والثاني ينقسم إلى: ملائم، وغريب؛ لأنه إن اعتبر الشارع جنسه البعيد في جنس الحكم فهو المرسل الملائم، وإلا فهو المرسل الغريب. مثال المرسل الملائم: تعليل تحريم قليل النبيذ بأنه يدعو إلى كثيره وهذا مناسب، ولم يعتبر الشارع عين الوصف في عين الحكم بنص أو إجماع، ولم يثبت ترتيب الحكم على وقفه بنص أو إجماع، لكنه اعتبر جنسه البعيد في جنس الحكم، فإن الخلوة لما كانت داعية إلى الزنا حرمها الشارع، فهذا ملائم من هذه الجهة لتصرف الشارع. والمرسل الغريب: والمرسل الذي ثبت إلغاؤه، لا يعلل بهما اتفاقا.

стр. 1317

وأما المرسل الملائم: فقد صرح الإمام الغزالي بقبوله، ونقل عن مالك والشافعي. والمختار عند المصنف رده، إذ لو لزم من كونه من جنس ما اعتبر من المصالح أن يكون معتبرا، لزم من كونه من جنس ما ألغى من المصالح أن يكون ملغي؛ لأنه كما شارك الأوصاف المعتبرة في الجنس البعيد، شارك الأوصاف/ الملغاة فيه، واكتفى المصنف على الاستدلال على رده بما سيجيء له في المصالح المرسلة، وشرط الغزالي في قبوله شروطا ثلاثة: أن يكون الجنس البعيد ضروريا –أي من الضروريات الخمس- لا حاجيا قطعيا. والمراد: ما يكون الجزم حاصلا بحصوله كليا. والمراد: ما لا يكون مخصوصا ببعض المسلمين، كما لو تترس الكفار الصائلون بأسرى المسلمين، إذا قطعنا أنه إن لم يرم الترس استأصلوا المسلمين المترس بهم وغيرهم، فرمي الترس يكون مصلحة ضرورية قطعية كلية، وإنما وجب اعتباره حينئذ؛ لأن عدم اعتباره يوجب إخلال المقصود من الشرع، وهو حفظ الدين والنفس. قال الغزالي: فرمي الترس لا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، تحصيلا لمصلحة تقليل القتل الذي علم كونه مقصودا للشارع، وإن لم يشهد لتحصيل هذا المقصود بهذا الطريق –وهو قتل من لم يذنب- أصل معين، ولم

стр. 1318

يعلم كونه مقصودا بدليل معين، بل بعمومات الكتاب والسنة وقرائن الأحوال، ولهذا سمي مصلحة مرسلة، إذ حفظ بيضة الإسلام أهم في مقصود الشارع من حفظ جماعة، وهذا مقطوع به في مقصود الشارع، ولهذا لم يحتج إلى أصل معين. فالشارع وإن لم يعتبر عين هذا الوصف –وهو استعلاء الإسلام بقتل الترس- في عين حكم- وهو قتل النفس- ولا يترتب الحكم على وفقه مع اعتبار عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنسه، ولا بترتيب الحكم على وفقه فقط، إلا أنه علم اعتبار ما هو من باب الضرورة وهو حفظ بيضة الإسلام. أما لو لم تكن ضرورية، كأهل قلعة تترسوا بمسلمين، فإن فتحها ليس في محل الضرورة، لمعارضة حفظ الدين بحفظ النفس. وكذا لو لم تكن كلية، كرمي بعض المسلمين من السفينة إلى البحر لنجاة بعض؛ لأنه ترجيح لأحد المتساوين على الآخر من غير مرجح، وكذا لو لم نقطع بذلك، ولذلك لم يجز للمضطر قطع قطعة من فخذه لعدم الجزم بالخلاص، فلا تكون المصلحة قطعية، فلا يرتكب أمر محظور بمجرد الظن. قال: (فالأول: كالتعليل بالصغر في حمل النكاح على المال في الولاية فإن غير الصغير معتبر جنس حكم الولاية بالإجماع. والثاني: كالتعليل بعذر الحرج في حمل الحضر بالمطر على السفر في الجمع، فإن جنس الحرج معتبر في عين رخصة الجمع. والثالث: كالتعليل بجناية القتل العمد العدوان في حمل المثقل المحدد في القصاص، فإن جنس الجناية معتبر في جنس القصاص كالأطراف وغيرها.

стр. 1319

والغريب/: كالتعليل بالفعل المحرم لغرض فاسد في حمل البتات في المرض على القاتل في الحكم بالمعارضة بنقيض المقصود، حتى صار توريث المبتوتة كحرمان القاتل، وكالتعليل بالإسكار في حمل النبيذ على الخمر على تقدير عدم النص بالتعليل به. والغريب: الذي ثبت إلغاؤه، كإيجاب شهرين ابتداء في الظهار). أقول: فالأول –يعني من أمثلة الملائم- وهو تأثير عين الوصف في جنس الحكم، كما يقال: "تثبت للأب ولاية النكاح على الصغيرة، كما يثبت له عليها ولاية المال بجامع الصغر"، فالوصف: الصغر، وهو أمر واحد، والحكم: الولاية، وهو جنس يجمع ولاية النكاح وولاية المال، وهما نوعان من التصرف، وعين الصغر معتبر في جنس الولاية بالإجماع. الثاني من الملائم: ما اعتبر جنس الوصف في عين الحكم، كما يقال: "الجمع جائز في الحضر مع المطر قياسا على السفر بجامع الحرج"، والحكم: رخصة الجمع وهو واحد، والوصف: الحرج، وهو جنس تحته ما يحصل بالسفر، وهو خلاف الضلال والانقطاع، وبالمطر وهو التأذي به، وهما نوعان، وقد اعتبر جنس الحرج في عين رخصة الجمع بالإجماع على ما ذكر في المنتهى. الثالث من الملائم: ما اعتبر جنس الوصف في جنس الحكم، كما يقال: "يجب القصاص في القتل بالمثقل، قياسا على القتل بالمحدد بجامع كونهما جناية عمد عدوان"، فالحكم: مطلق القصاص، وهو جنس

стр. 1320

لقصاص النفس والطرف، والوصف: جناية العمد العدوان، وهو جنس للجناية على النفس والطرف والمال، وقد اعتبر جنس الجناية في جنس القصاص، والمراد من جنس الأعم، ذاتيا كان أو عرضيا. مثال الغريب –الذي هو قسيم المرسل-: ما يقال فيمن طلق امرأته ثلاثا في مرض موته: "يحكم بإرثها معارضة بنقيض مقصودة، قياسا على القاتل حيث لم نورثه معارضة بنقيض مقصوده، والجامع كونهما فعلا محرما لغرض فاسد". فهذا له وجه مناسبة، وفي ترتيب الحكم عليه تحصيل مصلحة –وهو نهيهما عن الفعل الحرام- لكن لم يشهد له أصل بالاعتبار بنص أو إجماع، واعتباره بترتيب الحكم على وفقه فقط، ولم يعتبر عينه في جنس الحكم، ولا جنسه في عين الحكم، ولا جنسه في جنسه بنص أو إجماع". قال الغزالي: "وسمي هذا غريبا؛ لأن الشارع لم يحكم على وفقه إلا مرة واحدة". وفي هذا المثال نظر؛ لأنه علم اعتبار عين الفعل المحرم لغرض فاسد في عين المعارضة بنقيض المقصود بالنص، وهو قوله ﵇: "القاتل لا يرث"، فيكون مناسبا مؤثرا، وقد تقدم له هذا في الإيماء.

стр. 1321

وجل الشراح جعلوا هذا المثال للغريب المرسل. ولا خفاء في فساده؛ لأن الغريب المرسل حكى المصنف الاتفاق على عدم التعليل به، وهذا قد ثبت/ اعتباره في الأصل بترتيب الحكم على وقفه، وثبت في الفرع عند مالك وأكثر العلماء، قال الغزالي: "وقد ورثوا امرأة عبد الرحمن بن عوف، ولم ينكر عليهم". مثال آخر للغريب –الذي هو قسيم المرسل وهو تقديري، ولكن المثال إنما يراد للتفهيم لا لنفسه-: ما لو قيل: "يحرم النبيذ قياسا على الخمر بجامع الإسكار"، على تقدير عدم النص بالتعليل به، لأن الإسكار مناسب للتحريم حفظا للعقل، وثبت اعتباره بترتيب الحكم على وفقه، فلو لم يدل النص وهو: "كل مسكر حرام" بالإيماء على اعتبار عينه في عينه لكان غريبا؛ لأنه لم يعتبر عينه في جنس الحكم في أصل آخر متفق عليه، ولا جنسه في عين الحكم، ولا جنسه في جنسه.

стр. 1322

وبعضهم جعل هذا –أيضا- مثالا للغريب المرسل. وهو فاسد؛ لاعتباره بترتيب الحكم على وفقه في الأصل أيضا، على تقدير عدم النص بالتعليل به. واعلم أنهم لم يختلفوا في التعليل بالمؤثر والملائم. واختلفوا في صحة التعليل بالغريب، واختار الغزالي وكثير صحة التعليل به، واختاره الآمدي أيضا، إلا أن القسم الثالث –وهو ما اعتبر جنس الوصف في جنس الحكم- من الغريب عند الآمدي. وأما الذي ثبت إلغاؤه: فكإيجاب شهرين ابتداء في الظهار قبل العجز عن الإعتاق بالنسبة إلى من يسهل عليه العتق دون الصوم، فإنه مناسب تحصيلا لمقصود الزجر، كما أفتى به بعض العلماء بعض الملوك، لكن علم عدم اعتبار الشارع له. قال: (وثبت علية الشبه بجميع المسالك.

стр. 1323

وفي إثباته بتخريج المناط نظر. ومن ثم قيل: هو الذي لا تثبت مناسبته إلا بدليل. ومنهم من قال: ما يوهم المناسبة/ ويتميز عن الطردي بأن وجوده كالعدم، وعن المناسب الذاتي بأن المناسبة عقلية وإن لم يرد شرع، كالإسكار للتحريم. مثاله: طهارة تراد للصلاة، فيتعين الماء كطهارة الحدث، فالمناسبة غير ظاهرة، واعتبارها في مس المصحف والصلاة يوهم. وقول الراد له: إما أن يكون مناسبا أو لا. والأول: مجمع عليه، فليس به. والثاني: طرد فيلغى. أجيب: مناسب، والمجمع عليه المناسب لذاته، أو لا واحد منهما). أقول: الشبه هو: الوصف الذي اعتبره الشارع في بعض الأحكام، فإذا وجد مثله في محل آخر تعينت التعدية، لعلمنا أن الشارع لا يخصص المثل بحكم عنه مثله، وعلية الشبه بجميع المسالك. أما بالنص والإجماع، فبأن يقال: إنهما دالا على اعتبار هذا الوصف في بعض الأحكام، فاعتباره ثم يوهم اعتباره هنا للمناسبة الموهومة. وأما بالسبر، فبأن يقال/: الحكم لابد له من مصلحة، وهي إما في ضمن الشبهي أو الطردي لعدم ما سواهما بعد السبر الكامل، ولا خفاء أن

стр. 1324

اشتمال الشبهي عليها أغلب على الظن من الطردي، وما غلب على الظن اشتماله عليها يجب العمل به، لوجوب العمل بالظن في علل الأحكام. وهل تثبت عليته بتخريج المناط؟ . فيه نظر؛ ومن أجل أنه لا تثبت عليته بالمناسبة، قيل في تعريف الشبه تارة: هو الذي لا تثبت مناسبته إلا بدليل منفصل، وإذا كان كذلك فلا يمكن إثباته بتخريج المناط؛ لأنه إنما يتحقق فيما ثبتت مناسبته من ذاته. وقيل في تعريفه تارة: ما يوهم المناسبة، فلا يثبت بما يوجب المناسبة، إذ بينهما تناف. وإنما جعله المصنف محل نظر ولم يجزم بأنه لا تثبت عليته بالمناسبة، بناء على ما ذكر من مراعاة لتفسير الشبه بما ذكره الآمدي عن القاضي، وإن لم يذكره المصنف، وهو أن الشبه يفسر بقياس الدلالة، وهو الذي يجمع فيه بين الأصل والفرع بما لا يناسب الحكم، لكن يستلزم ما يناسب الحكم، هذا أمثل ما يقال في هذا المكان. وقد اضطرب فيه الشراح، وذكروا فيه نحو أربعة أوجه، وجعل كثير

стр. 1325

منهم –ومن ثم- راجعا إلى قوله: وتثبت عليه الشبه بجميع المسالك، ويلزم عليه عدم بيان وجه النظر، مع أنه لا يظهر تعلقه به على التفسير الثاني. واعلم أنه يشبه المناسب من حيث التفات الشارع إليه، ويشبه الطردي من حيث إنه غير مناسب، ويتميز عنه بأن الطردي وجوده كالعدم، ويتميز عن الناسب الذاتي بأن المناسبة عقلية وإن لم يرد شرع –كالإسكار للتحريم- فإن كونه مزيلا للعقل الضروري للإنسان، وكونه مناسبا للمنع منه مما لا يحتاج في العلم به إلى ورود الشرع. مثال الشبه: ما لو قيل في إزالة النجاسة: "طهارة تراد للصلاة فيتعين الماء، كطهارة الحدث"، فإن المناسبة بين كونها طهارة تراد للصلاة وبين تعين الماء غير ظاهرة، لكن إذا اجتمعت أوصاف منها ما اعتبره الشارع ومنها ما لم يعتبره، كان إلغاء ما لم يعتبره واعتقاد خلوه عن المصلحة أولى، بخلاف ما اعتبره، فإنه يوهم أنه مناسب وأن ثم مصلحة، وقد اعتبرها حيث اعتبرها لذلك، فاعتبار الشرع للطهارة بالماء- وهو الوضوء في مس المصحف وفي الصلاة وفي الطواف- يوهم مناسبته، فيصدق عليه حد الشبه. واحتج الراد للشبه وهو القاضي: بأن الشبه إما أن يكون مناسبا، أو لا؟ . والأول: مجمع على قبوله، والثاني: هو الطردي، وهو مجمع على رده، فشيء/ منهما لا يكون شبها؛ لأن الشبه مختلف فيه. الجواب: نختار أنه مناسب.

стр. 1326

قوله: فيكون مجمعا على قبوله. قلنا: متى إذا كان مناسبا لذاته أو أعم؟ . الأول: مسلم، والثاني: ممنوع، فإن الإجماع ما انعقد إلا على المناسب بالذات، وهو المعنى بالمناسب عند الإطلاق. سلمنا أنه ليس بمناسب، قولك: فيكون طرديا. قلنا: لا نسلم، ولا يكون مناسبا ولا طرديا، بل واسطة بينهما يتميز عن كل واحد منهما بما ذكر. قال: (الطرد والعكس. ثالثها: لا يفيد بمجرده قطعا ولا ظنا. لنا: أن الوصف المتصف بذلك إذا خلا عن السبر أو عن أن الأصل عدم غيره أو غير ذلك، جاز أن يكون ملازما للعلة، كرائحة المسكر، فلا قطع ولا ظن. واستدل الغزالي: بأن الاطراد سلامته من النقص، وسلامته من مفسد واحد لا يوجب انتفاء كل مفسد. فلو سلم فلا صحة إلا بمصحح، والعكس ليس شرطا فيها فلا يؤثر. وأجيب: قد يكون للاجتماع تأثير، كأجزاء العلة. واستدل: بأن الدوران في المتضايفين، ولا علة. أجيب: انتفت بدليل خاص مانع. قالوا: إذا حصل الدوران –ولا مانع من العلة- حصل العلم أو الظن عادة، كما لو دعي إنسان فغضب، ثم ترك فلم يغضب، وتكرر ذلك،

стр. 1327

علم أنه سبب الغضب، حتى إن الأطفال يعلمون ذلك. قلنا: لولا ظهور انتفاء غير ذلك بحيث، أو بأنه الأصل لم يظن، وهو طريق مستقل، ويقوى بذلك). أقول: الطرد والعكس: هو كون الوصف بحيث يوجد الحكم بوجوده ويعدم بعدمه، وهو المسمى بالدوران. وقد اختلف في دلالته على العلية، فقيل: يدل عليها ظنا. وقيل: قطعا. وقيل: لا يدل عليها أصلا، وهو المختار. لنا: أو الوصف المتصف بالطرد والعكس، إنما يكون مجردا إذا خلا عن السبر وهو أخذ غيره معه وإبطاله، وعن أن الأصل عدم غيره من غير التفات إلى أخذ غيره معه، أو غير ذلك من مناسبة أو شبه، ولا شك أنه إذا خلا عن هذه الأشياء، فكما جاز أن يكون علة جاز أن يكون ملازما لها الرائحة المخصوصة الملازمة للمسكر، فإنها تعدم قبل الإسكار وتوجد معه وتزول بزواله، ومع ذلك فليست علة قطعا، مع هذا الاحتمال لا يحصل

стр. 1328

القطع بالعلة ولا الظن، ويكون الحكم بعليتها تحكما اللهم إلا بالالتفات إلى نفي وصف غيره بالأصل أو السبر فيخرج عن البحث. قيل: إن أراد بالجواز تساوي الطرفين، منع، وإن أراد به عدم الامتناع، لم يناف الظن. قلت: لا ينافي الظن ولا يوجبه. واستدل الغزالي: بأن المفيد لعلية الوصف، إما الطرد/ وحده أو بقيد الانعكاس، وكلاهما باطل، أما الأول؛ فلأن الاطراد حاصله أنه لا يوجد في صورة بدون الحكم، ووجوده بدون الحكم هو النقض، فيكون الاطراد السلامة عن النقض، والنقض أحد مفسدات العلة، والسلامة من مفسد واحد لا يوجب انتفاء كل مفسد، ولا ينتفي الفساد إلا بانتفاء كل مفسد. سلمنا، لكن انتفاء كل مفسد لا يكفي في الصحة، فلابد من مقتض للصحة، إذ عدم المانع وحده لا يصلح علة، فلا يكون كافيا، والعكس ليس شرطا في العلة لما مر، ولو سلم أنه شرط فأين المقتضي؟ . الجواب: لم لا يجوز أن يكون للهيئة الاجتماعية أثر كما في أجزاء العلة، فإن كل واحد لا يصلح علة، ويحصل من اجتماعها مجموع هو العلة. قلت: اجتماع عدم المانع وما ليس معتبرا لا شرطا ولا جزءا لا يكون مؤثرا، وليس كالأجزاء لانتفاء الحكم بانتفاء الجزء، بخلاف العكس. واستدل: بأن الدور ثابت في المتضايفين ولا علة، فلو اقتضى العلة لثبتت مع ثبوته.

стр. 1329

الجواب: أن دلالته ظنية، فيجوز التخلف لدليل خاص يمنع منه، وهو كون كل منهما مع الآخر، وذلك لا يقدح في الدلالة الظنية. غايته أن قاطعا عارض ظنيا، فبطل أثره في صورة التعارض، ويعمل به في غيره. قالوا: إذا وجد الدوران ولا مانع من العلية من معية كما في المتضايفين، أو تأخر كما في المعلول، أو غيرهما كما في الشرط المساوي، حصل العلم بالعلية أو الظن، والعلم به عادة. ويحققه: أنه لو دعي إنسان باسم فغضب، ثم ترك فلم يغضب، وتكرر ذلك، علم ضرورة أنه سبب الغضب، حتى أن من لا نظر له كالأطفال يعلمون ذلك، ويدعونه به قصدا لإغضابه، ولولا أنه ضروري لما علموه. الجواب: نمنع حصول العلم بمجرده، ولولا ظهور انتفاء غير ذلك، إما بأنه بحث عنه فلم يوجد، وإما بأن الأصل عدمه لما ظن. والنزاع في إفادته بمجرده –وهو يعني السبر في قوله: بحثت فلم أجد والأصل عدم ما سواها- طريق مستقل في إفادة العلية، والدوران مقول ذلك الظن، ولا يلزم من إفادة الشيء تقوية الظن الحاصل بغيره بإفادته للظن بمجرده. والحق: أن هذا إنكار للضرورة؛ لأن الأطفال يقطعون به من غير استدلال بما ذكر. قال: (والقياس: جلي وخفي. فالجلي: ما قطع بنفي الفارق فيه، كالأمة والعبد في العتق.

стр. 1330

وينقسم إلى: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس في معنى الأصل. فالأول: ما صرح فيه بالعلية. والثاني: ما يجمع فيه بما يلازمها، كما لو جمع بأحد موجبي العلة في الأصل لملازمة الآخر، كقياس قطع الجماعة بالواحد على قتلها بالواحد بواسطة الاشتراك/ في وجوب الدية عليهم. الثالث: الجمع بنفي الفارق). أقول: الباب الثالث في أقسام القياس: وهو ينقسم بحسب القوة والضعف إلى: جلي، وخفي. فالجلي: ما علم فيه نفي الفارق بين الأصل والفرع قطعا، كقياس الأمة على العبد في أحكام العتق، كالتقويم على معتق الشقص، فإنا نعلم قطعا أن الذكورة والأنوثة فيها مما لا يعتبره الشارع. والخفي: ما يكون نفي الفارق فيه مظنونا، كقياس النبيذ على الخمر في الحرمة، إذ يجوز أن تكون خصوصية الخمر معتبرة ولذلك اختلف في قليله. وينقسم –أيضا- باعتبار علته إلى: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس في معنى الأصل. فقياس العلة: ما صرح فيه بالعلية، كما يقال: "النبيذ مسكر فيحرم كالخمر". وقياس الدلالة: ما لم تذكر في علة، بل يذكر الوصف الملازم لها، كما

стр. 1331

لو قاس قطع أيدي الجماعة بالواحد على قتل الجماعة بالواحد، بجامع وجوب الدية عليهم في الصورتين على تقدير إيجابها، وذلك لأن الدية والقصاص موجبان للجناية لحكمة الزجر في الأصل وقد وجد في [القطع] أحدهما وهو الدية، فيوجد الآخر وهو القصاص عليهم؛ لأنهما متلازمان نظرا إلى اتحاد علتهما وحكمتهما. وحاصله: إثبات حكم في الفرع هو وحكم آخر توجبهما علة واحدة في الأصل، فيقال: يثبت هذا الحكم في الفرع لثبوت الآخر فيه وهو ملازم له، فيكون قد جمع بأحد موجبي العلة في الأصل، لوجوده في الفرع بين الأصل والفرع في الموجب الآخر، لملازمة الآخر له. ويرجع إلى الاستدلال بأحد الموجبين على العلة، وبالعلة على الموجب الآخر، لكن يكتفى بذكر موجب العلة عن التصريح بها. والقياس في معنى الأصل: أن يجمع بنفي الفارق، ويسمى تنقيح المناط كقصة الأعرابي، ينفي كونه أعرابيا، فيلحق به الحضري، وينفي كون الإفساد بالوقاع، فيلحق به الأكل عمدا. قال: (يجوز التعبد بالقياس، خلافا للشيعة والنظام وبعض المعتزلة. وقال القفال وأبو الحسين: يجب عقلا. لنا: القطع بالجواز. وأيضا: لو لم يجز لم يقع، وسيأتي. قالوا: العقل يمنع مما لا يؤمن فيه الخطأ.

стр. 1332

رد: بأن منعه هنا ليس إحالة، ولو سلم، فإذا ظن الصواب لا يمنع. قالوا: قد علم الأمر بمخالفة الظن، كالشاهد الواحد، والعبيد، ورضيعة في عشر أجنبيات. قلنا: بل علم خلافه بخبر الواحد، فظاهر الكتاب، والشهادات وغيرها، وإنما يمنع لمانع خاص). أقول: الباب الرابع: في حجية القياس وإثباته على منكريه. وفيه مسائل: الأولى: /في جواز التعبد بالقياس. والتعبد بالقياس هو: أن يوجب الشرع العمل بموجبه، وهو إما أن يكون ممتنعا عقلا، أو جائزا، أو واجبا، وقد قال بكل منها قائل. فعندنا: يجوز. وعند الشيعة، والنظام، وبعض المعتزلة: يمتنع. وعن القفال، وأبي الحسين: يجب. لنا: القطع بالجواز، إذ ليس من الممتنع أن يقول الشارع: إذا ظننتم أن

стр. 1333

حكما معللا بعلة فألحقوا به ما شاركه في تلك العلة، وكيف يمتنع عقلا ما يحسن وروده من الشارع، إذ يحسن منه أن يقول: "لا يقضي القاضي هو غضبان"، لأن الغضب مما يوجب اختلال فهمه ورأيه، فقيسوا على الغضب ما كان في معناه مما يشوش الذهن، كالجوع والعطش. وأيضا: لو لم يجز لم يقع، وقد وقع، وسيأتي. قالوا أولا: القياس طريق لا يؤمن فيه الخطأ، وكل طريق لا يؤمن في الخطأ فالعقل مانع من سلوكه، ولا نعني بعدم جوازه عقلا إلا ذلك. الجواب: منع الكبرى، ولا نسلم أن العقل يحكم باستحالته، إذ العقل إنما يمنعه منع أولوية لا منع استحالة، ومثله لا يمتنع التعبد به شرعا، فهو نصب للدليل في غير محل النزاع. سلمنا أن منعه إحالة، لكن لا نسلم أن منعه ثابت في جميع الصور، بل يختص بما لا يغلب فيه جانب الصواب، أما إذا ظن الصواب فلا يمنع، فإن المظان الأكثرية لا تترك للاحتمالات الأقلية، وإلا تعطلت أكثر الأسباب الدنيوية والأخروية، فيرجع إلى منع كلية الكبرى، ولو قدم الجواب الثاني على الأول كان أولى. قيل: متعلق الظن بالصواب، [وهو لا يحتمل الخطأ]، لا نفس الظن

стр. 1334

وإلا لم يكن الظن ظنا. رد: بأن الصواب يحتمل الخطأ عند العقل، وإن لم يحتمله في نفس الأمر فيمنعه العقل عند العقلاء؛ لأنه مما لا يؤمن فيه الخطأ. والجواب: أن منعه ليس إحالة. قالوا ثانيا: الشارع قد أمر بمخالفة الظن؛ لأنه منع الحكم بشهادة واحد –وإن كان صالحا- وشهادة العبيد- وإن أفادت ظنا قويا-، ومنع من نكاح الأجنبيات إذا اشتبهن برضيعة، فإن كل واحدة على التعيين يظن كونها غير الرضيعة، لتحققه على تسع تقادير، ولا يتحقق خلافه إلا على تقدير واحد، ومع ذلك أمرنا بمخالفة الظن، وحرم التزوج بها. الجواب: لا نسلم ورود الشرع بمخالفته، بل المعلوم خلافه، كما في خبر الواحد، وظاهر الكتاب، وفي الشهادة المختلفة المراتب، كالشاهد واليمين، والشاهدين، والأربع. وما ذكرتموه إنما فيه منع من اتباع الظن لمانع/ خاص؛ إذ مراتب الظن وحصولها بأسبابها بحسب الوقائع، وذلك مما يختلف، فنيطت بمظان ظاهرة منضبطة، فكان ما ذكرتموه نقضا لمجرد الحكمة الذي سميناه كسرا، وقد تقدم أنه لا يضر. ولو سلم، فالنزاع في المنع العقلي لا الشرعي.

стр. 1335

قال: (النظام: إذا ثبت ورود الشرع بالفرق بين المتماثلات كإيجاب الغسل وغيره بالمني دون البول، وغسل بول الصبية ونضح بول الصبي وقطع سارق القليل دون غصب الكثير، والجلد بنسبة الزنا دون نسبة الكفر، والقتل بشاهدين دون الزنا، وكعدتي الموت والطلاق. والجمع بين المختلفات كقتل الصيد عمدا وخطأ، والردة، والزنا، والقاتل، واللائط في الصوم، والمظاهر في الكفارة، استحال التعبد بالقياس. رد: بأن ذلك لا يمنع الجواز، لجواز انتفاء صلاحية ما توهم جامعا، أو وجود معارض في الأصل أو الفرع، أو لاشتراك المختلفات في معنى جامع، أو لاختصاص كل بعلة لحكم خلافه. قالوا: يفضي إلى الاختلاف، فيرد لقوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله﴾. رد: بالعمل بالظواهر، وبأن المراد التناقض، أو ما يخل بالبلاغة، فأما الأحكام فمقطوع بالاختلاف فيها. قالوا: إن كان كل مجتهد مصيبا، فكون الشيء ونقيضه حقا محال، وإن كان المصيب واحدا، فتصويب أحد الظنين –مع الاستواء- محال. رد: بالظواهر، وبأن النقيضين شرطهما الاتحاد، وبأن تصويب أحد الظنين لا بعينه جائز. قالوا: إن كان القياس كالنفي الأصلي فمستغنى عنه، وإن كان مخالفا فالظن لا يعارض اليقين.
следующие страницы →