← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

لو قاس قطع أيدي الجماعة بالواحد على قتل الجماعة بالواحد، بجامع وجوب الدية عليهم في الصورتين على تقدير إيجابها، وذلك لأن الدية والقصاص موجبان للجناية لحكمة الزجر في الأصل وقد وجد في [القطع] أحدهما وهو الدية، فيوجد الآخر وهو القصاص عليهم؛ لأنهما متلازمان نظرا إلى اتحاد علتهما وحكمتهما. وحاصله: إثبات حكم في الفرع هو وحكم آخر توجبهما علة واحدة في الأصل، فيقال: يثبت هذا الحكم في الفرع لثبوت الآخر فيه وهو ملازم له، فيكون قد جمع بأحد موجبي العلة في الأصل، لوجوده في الفرع بين الأصل والفرع في الموجب الآخر، لملازمة الآخر له. ويرجع إلى الاستدلال بأحد الموجبين على العلة، وبالعلة على الموجب الآخر، لكن يكتفى بذكر موجب العلة عن التصريح بها. والقياس في معنى الأصل: أن يجمع بنفي الفارق، ويسمى تنقيح المناط كقصة الأعرابي، ينفي كونه أعرابيا، فيلحق به الحضري، وينفي كون الإفساد بالوقاع، فيلحق به الأكل عمدا. قال: (يجوز التعبد بالقياس، خلافا للشيعة والنظام وبعض المعتزلة. وقال القفال وأبو الحسين: يجب عقلا. لنا: القطع بالجواز. وأيضا: لو لم يجز لم يقع، وسيأتي. قالوا: العقل يمنع مما لا يؤمن فيه الخطأ.

стр. 1332

رد: بأن منعه هنا ليس إحالة، ولو سلم، فإذا ظن الصواب لا يمنع. قالوا: قد علم الأمر بمخالفة الظن، كالشاهد الواحد، والعبيد، ورضيعة في عشر أجنبيات. قلنا: بل علم خلافه بخبر الواحد، فظاهر الكتاب، والشهادات وغيرها، وإنما يمنع لمانع خاص). أقول: الباب الرابع: في حجية القياس وإثباته على منكريه. وفيه مسائل: الأولى: /في جواز التعبد بالقياس. والتعبد بالقياس هو: أن يوجب الشرع العمل بموجبه، وهو إما أن يكون ممتنعا عقلا، أو جائزا، أو واجبا، وقد قال بكل منها قائل. فعندنا: يجوز. وعند الشيعة، والنظام، وبعض المعتزلة: يمتنع. وعن القفال، وأبي الحسين: يجب. لنا: القطع بالجواز، إذ ليس من الممتنع أن يقول الشارع: إذا ظننتم أن

стр. 1333

حكما معللا بعلة فألحقوا به ما شاركه في تلك العلة، وكيف يمتنع عقلا ما يحسن وروده من الشارع، إذ يحسن منه أن يقول: "لا يقضي القاضي هو غضبان"، لأن الغضب مما يوجب اختلال فهمه ورأيه، فقيسوا على الغضب ما كان في معناه مما يشوش الذهن، كالجوع والعطش. وأيضا: لو لم يجز لم يقع، وقد وقع، وسيأتي. قالوا أولا: القياس طريق لا يؤمن فيه الخطأ، وكل طريق لا يؤمن في الخطأ فالعقل مانع من سلوكه، ولا نعني بعدم جوازه عقلا إلا ذلك. الجواب: منع الكبرى، ولا نسلم أن العقل يحكم باستحالته، إذ العقل إنما يمنعه منع أولوية لا منع استحالة، ومثله لا يمتنع التعبد به شرعا، فهو نصب للدليل في غير محل النزاع. سلمنا أن منعه إحالة، لكن لا نسلم أن منعه ثابت في جميع الصور، بل يختص بما لا يغلب فيه جانب الصواب، أما إذا ظن الصواب فلا يمنع، فإن المظان الأكثرية لا تترك للاحتمالات الأقلية، وإلا تعطلت أكثر الأسباب الدنيوية والأخروية، فيرجع إلى منع كلية الكبرى، ولو قدم الجواب الثاني على الأول كان أولى. قيل: متعلق الظن بالصواب، [وهو لا يحتمل الخطأ]، لا نفس الظن

стр. 1334

وإلا لم يكن الظن ظنا. رد: بأن الصواب يحتمل الخطأ عند العقل، وإن لم يحتمله في نفس الأمر فيمنعه العقل عند العقلاء؛ لأنه مما لا يؤمن فيه الخطأ. والجواب: أن منعه ليس إحالة. قالوا ثانيا: الشارع قد أمر بمخالفة الظن؛ لأنه منع الحكم بشهادة واحد –وإن كان صالحا- وشهادة العبيد- وإن أفادت ظنا قويا-، ومنع من نكاح الأجنبيات إذا اشتبهن برضيعة، فإن كل واحدة على التعيين يظن كونها غير الرضيعة، لتحققه على تسع تقادير، ولا يتحقق خلافه إلا على تقدير واحد، ومع ذلك أمرنا بمخالفة الظن، وحرم التزوج بها. الجواب: لا نسلم ورود الشرع بمخالفته، بل المعلوم خلافه، كما في خبر الواحد، وظاهر الكتاب، وفي الشهادة المختلفة المراتب، كالشاهد واليمين، والشاهدين، والأربع. وما ذكرتموه إنما فيه منع من اتباع الظن لمانع/ خاص؛ إذ مراتب الظن وحصولها بأسبابها بحسب الوقائع، وذلك مما يختلف، فنيطت بمظان ظاهرة منضبطة، فكان ما ذكرتموه نقضا لمجرد الحكمة الذي سميناه كسرا، وقد تقدم أنه لا يضر. ولو سلم، فالنزاع في المنع العقلي لا الشرعي.

стр. 1335

قال: (النظام: إذا ثبت ورود الشرع بالفرق بين المتماثلات كإيجاب الغسل وغيره بالمني دون البول، وغسل بول الصبية ونضح بول الصبي وقطع سارق القليل دون غصب الكثير، والجلد بنسبة الزنا دون نسبة الكفر، والقتل بشاهدين دون الزنا، وكعدتي الموت والطلاق. والجمع بين المختلفات كقتل الصيد عمدا وخطأ، والردة، والزنا، والقاتل، واللائط في الصوم، والمظاهر في الكفارة، استحال التعبد بالقياس. رد: بأن ذلك لا يمنع الجواز، لجواز انتفاء صلاحية ما توهم جامعا، أو وجود معارض في الأصل أو الفرع، أو لاشتراك المختلفات في معنى جامع، أو لاختصاص كل بعلة لحكم خلافه. قالوا: يفضي إلى الاختلاف، فيرد لقوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله﴾. رد: بالعمل بالظواهر، وبأن المراد التناقض، أو ما يخل بالبلاغة، فأما الأحكام فمقطوع بالاختلاف فيها. قالوا: إن كان كل مجتهد مصيبا، فكون الشيء ونقيضه حقا محال، وإن كان المصيب واحدا، فتصويب أحد الظنين –مع الاستواء- محال. رد: بالظواهر، وبأن النقيضين شرطهما الاتحاد، وبأن تصويب أحد الظنين لا بعينه جائز. قالوا: إن كان القياس كالنفي الأصلي فمستغنى عنه، وإن كان مخالفا فالظن لا يعارض اليقين.

стр. 1336

رد: بالظواهر، وبجواز مخالفة النفي الأصلي بالظن. قالوا: حكم الله يستلزم خبره عنه، ويستحيل بغير التوقيف. قلنا: القياس نوع من التوقيف. قالوا: يتناقض عند تعارض علتين. رد: بالظواهر، وبأنه إن كان واحدا رجح، فإن تعذر وقف على قول، وتخير عند الشافعي وأحمد ﵄، وإن تعذر فواضح. الموجب: النص لا يفي بالأحكام، فقضى العقل بالوجوب. رد: بأن العمومات يجوز أن تفي، مثل: كل مسكر حرام). أقول: قالوا ثالثا: - وهو مما اختص به النظام –قال: قد ثبت من الشرع الفرق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات، ومتى كان كذلك استحال التعبد بالقياس. أما الفرق بين المتماثلات، فمنه: إيجاب الغسل ومنعه من قراءة القرآن ومس المصحف والمكث في المسجد بخروج المني دون البول، مع كون كل منهما فضلة مستقذرة. ومنه: إيجاب الغسل من بول الصبية دون بول الصبي، إذ يكتفى فيه بالنضح. ومنه: / قطع سارق القليل دون غاصب الكثير. ومنه: إيجاب الجلد بنسبة الزنا إلى الشخص دون نسبة القتل والكفر إليه. ومنه: ثبوت القتل بشاهدين دون الزنا.

стр. 1337

ومنه: الفرق بين عدتي الموت والطلاق، ففي الأولى أربعة أشهر وعشرا وفي الثانية ثلاثة قروء. وأما الجمع بين المختلفات: فمنه التسوية بين قتل الصيد عمدا وخطأ في الإحرام. ومنه: التسوية بين الزنا والردة في القتل. ومنه: التسوية بين القاتل خطأ، والواطئ في الصوم، والمظاهر عن امرأته، في إيجاب الكفارة عليهم. وأما إنه إذا ثبت ذلك استحال التعبد بالقياس؛ فلأن معنى القياس وحقيقته ضد ذلك، لأن القياس إنما يعتبر باعتبار الجامع، فإذا لم يعتبر الشارع المثلية بين المتماثلات، واعتبر الجمع بين المختلفات، لزم عدم اعتبار الجامع، وإلا لاعتبر المثلية بين المتماثلات للجامع، وفرق بين المختلفات لعدم الجامع، فإذا لم يعتبر الجامع امتنع القياس، فامتنع التعبد به. الجواب: منع الثانية، وأن ذلك لا يمنع جواز التعبد بالقياس. أما الفرق بين المتماثلات؛ فلأن الاشتراك في الحكم بينهما إنما يثبت إذا كان ما به الاشتراك يصلح علة للحكم ليصلح جامعا، ولا يكون له معارض في الأصل هو المقتضي للحكم دون هذا، ولا معارض في الفرع أقوى يقتضي خلاف ذلك الحكم، وشيء من ذلك غير معلوم فيما ذكرتم، لجواز عدم صلاحية ما توهمتم جامعا، أو وجود المعارض له إما في الأصل أو الفرع. وأما الجمع بين المختلفات، فلجواز اشتراكهما في معنى جامع هو العلة للحكم في الكل؛ إذ لا يمتنع اشتراك المختلفات في صفات ثبوتية، أو

стр. 1338

لاختصاص كل من المختلفات بعلة تقتضي حكم المخالف الآخر، فإن العلل المختلفة لا يمتنع أن توجب في المحال المختلفة حكما واحدا. قالوا رابعا: القياس يفضي إلى الاختلاف، وكل ما يفضي إلى الاختلاف مردود. أما الأولى: فالاختلاف الأنظار والقرائح، فيلحق أحدهما الفرع بأصل، ويلحقه الآخر بأصل آخر. وأما الثانية: فلقوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾، سيقت للمدح بعدم الاختلاف الموجب للرد، دل على أن ما هو من عند الله لا يوجد فيه اختلاف كثير، فما يوجد فيه اختلاف كثير لا يكون من عند الله، وحكم القياس فيه اختلاف كثير فلا يكون من عند الله، وكل حكم لا يكون من عند الله مردود إجماعا. الجواب: أنه منقوض بالعمل بالظواهر، فإنه يفضي إلى الاختلاف، وبأن الاختلاف/ المنفي في الآية إنما هو التناقض والاضطراب في النظم المخل بالبلاغة التي وقع بها التحدي، وأما الأحكام فمقطوع بالاختلاف فيها. قالوا خامسا: لو جاز الاجتهاد بالقياس، فإما أن يكون كل مجتهد مصيبا، وإما أن يكون المصيب واحدا. فإن كان الأول، لزم أن يكون الشيء ونقيضه حقا، ضرورة وقوع التناقض في الآراء، كالقول بالحل والقول بالحرمة، واللازم باطل. وإن كان الثاني، فتصويب أحد الظنين مع استوائهما تحكم محض.

стр. 1339

الجواب أولا: النقض بالظواهر، إذ الاجتهاد لا يختص بالقياس. وثانيا: نختار القسم الأول، قوله: فيكون الشيء ونقيضه حقا، قلنا: ممنوع؛ لأن النقيضين شرطهما الاتحاد فيما عدا السلب والإيجاب، ولم يوجد هنا الاتحاد في الموضوع وفي الإضافة، إذ حكم كل مجتهد ثابت بالإضافة إليه ومقلده دون غيره. وثانيا: أن نختار القسم الثاني: وإنما يلزم التحكم لو صوبنا معينا، أما إذا صوبنا أحدهما لا يعينه فلا تحكم، على أنه مدفوع، إذ ترجيح أحدهما يكون بالترجيحات المعتبرة. قالوا سادسا: إن كان حكم القياس موافقا للبراءة الأصلية، يكون مستغنى عنه لثبوت مقتضاه بالأصل، وإن خالفها فهو باطل؛ لأنه مطنون والبراءة الأصلية متيقنة، والظن لا يعارض اليقين. الجواب أولا: النقض بالظواهر، وبأنه يجوز ترك النفي الأصلي بالظن، وليس من تقديم المظنون على المقطوع، بل تقديم مظنون على مظنون، كما قدم الإقرار والشهادة على البراءة الأصلية. قالوا سابعا: حكم الله تعالى يستلزم أن يخبر عنه؛ لأن حكمه مفسر بخطابه، ويستحيل خبره عنه بغير التوقيف لأنه تكليف للغافل، والحكم الثابت بالقياس لا يكون توقيفا لأنه فعلنا، فلا يكون حكم الله. الجواب: إنما يلزم ذلك لو لم يكن القياس نوعا من التوقيف، لكنه منه لاستناده على الأصل الثابت بالنص، وإلى التعبد بالقياس.

стр. 1340

قالوا ثامنا: القياس يفضي إلى التناقض فيكون باطلا، وذلك عند تعارض علتين تقتضي كل منهما نقيض الأخرى، وحينئذ يجب اعتبارهما وإثبات حكمهما لأنه المفروض، فيلزم التناقض. الجواب: النقض بالظواهر لأنها قد تتعارض، وبأن هذا الفرض إن كان في قائس واحد رجح بطرق الترجيح، وإن لم يقدر على الترجيح، فإما أن يقف كما قال كثير من الفقهاء، وإما أن يتخير أيهما شاء فيعمل به كما قال الشافعي وأحمد، وإن تعدد القائس فواضح ألا تناقض، إذ يعمل كل بقياسه فيما يتحد متعلقاهما. احتج القائل بأنه يحب عقلا التعبد بالقياس: أن الأحكام لا نهاية لها، والنصوص متناهية، فلا تفي بها، فيقتضي العقل بوجوب التعبد بالقياس لئلا تخلو الوقائع عن الأحكام، وهو خلاف المقصود من بعث الرسل. الجواب –بعد تسليم أن لكل واقعة حكما-: أن الذي لا يتناهي الجزئيات لا الأجناس، ويجوز التنصيص على الأجناس بعمومات تتناول جزئياتها حتى تفي بالأحكام كلها، مثل: "كل مسكر حرام"، و "كل ذي ناب حرام"، ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ إلى غير ذلك، مع أن ما ذكروه مبني على رعاية الأصلح، هو غير مسلم.

стр. 1341

قال: (مسألة القائلون بالجواز قائلون بالوقوع ، إلا داود، وابنه، والقاساني، النهرواني. والأكثر: بدليل السمع. والأكثر: قطعي، خلافا لأبي الحسين. لنا: ثبت بالتواتر عن جمع كثير من الصحابة العمل به عند عدم النص وإن كانت التفاصيل آحادا، والعادة تقتضي بأن مثل ذلك لا يكون إلا بقاطع. وأيضا: تكرر وشاع ولم ينكر، والعادة تقضي بأن السكوت في مثله وفاق. فمن ذلك: رجوعهم إلى أبي بكر في قتال بني حنيفة على الزكاة، وقول بعض الأنصار في أم الأب: تركت التي لو كانت هي الميتة ورث الجميع، فشرك بينهما، وتوريث عمر المبتوتة بالرأي، وقول علي لعمر لما شك في قتل الجماعة بالواحد: أرأيت لو اشترك نفر في سرقة؟ . ومن ذلك: إلحاق بعضهم الجد بالأخ وبعضهم بالأب، وذلك كثير. فإن قيل: أخبار آحاد في قطعي. سلمنا، لكن لا يجوز أن يكون عملهم بغيرهما. سلمنا: لكنهم بعض الصحابة. سلمنا أن ذلك دليل من غير نكير، ولا نسلم نفي الإنكار. سلمنا، لكنه لا يدل على الموافقة. سلمنا، لكنها أقيسة مخصوصة.

стр. 1342

والجواب عن الأول: أنها متواترة في المعنى، كشجاعة علي. وعن الثاني: القطع من سياقها بأن العمل بها. وعن الثالث: شياعه وتكرره قاطع –عادة- بالموافقة. وعن الرابع: أن العادة تقضي بنقل مثله. وعن الخامس: ما سبق في الثالث. وعن السادس: القطع بأن العمل لظهورها لا لخصوصها كالظواهر). أقول: القائلون بجواز التعبد بالقياس، اختلفوا في ورود التعبد الشرعي به. فقال داود وابنه، والقاساني، والنهرواني: لم يرد التعبد به شرعا، بل ورد بحظره، ولم يقضوا لوقوعه إلا فيما كانت العلة فيه منصوصة أو مومأ إليها. وذهب الباقون إلى أن التعبد الشرعي به واقع بدليل السمع. واختلفوا في وقوعه بدليل العقل كما تقدم، ثم الدليل السمعي قطعي عند جميعهم، خلافا لأبي الحسين البصري، فخرج من هذا أن أبا لحسين/

стр. 1343

يقول: دليله العقل والنقل، ولكن النقل ظني. احتج المصنف على أن الدليل السمعي القطعي دل على وقوع لتعبد به: أنه ثبت بالتواتر عن جمع كثير من الصحابة العمل بالقياس عند النص، والعادة تقتضي أن إجماع مثلهم في مثله لا يكون إلا عن قاطع، فيوجد القاطع على حجته، وما كان كذلك فهو حجة قطعا، فالقياس حجة قطعا وتفاصيل ما نقل إلينا من العمل بالقياس عنهم –وإن كانت آحادا- فالقدر المشترك وهو أن الصحابة كانوا يعملون بالقياس قد تواتر. قلت: ولقائل أن يقول: إنما عملوا به فيما كانت العلة فيه منصوصة أو مومأ إليها. سلمنا، لكن قوله: "إجماع مثلهم في مثله لا يكون إلا عن قاطع" نمنعه، ولم لا يكون عن ظني جلي؟ . واحتج أيضا: بأن عملهم بالقياس تكرر وشاع ولم ينكر، والعادة تقضي بأن السكوت في مثله –من الأصول العامة- وفاق، فيكون الإجماع القطعي حاصلا على أن القياس متعبد به، وليس هذا من الإجماع السكوتي الذي لا يفيد الظن، لأن ذلك في جزئية، وهنا تكرر في وقائع لا تحصر فأفاد القطع. فمن الوقائع التي عملوا بالقياس فيها: رجوعهم إلى أبي بكر في قتال بني حنفية على منع الزكاة، قياسا لخليفة رسول الله، أو قياسا للزكاة على الصلاة؛ لأن أبا بكر أشار إلى الأمرين

стр. 1344

بقوله: "لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه"، ثم قال: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة". ومن ذلك: قول بعض الأنصار لأبي بكر لما ورث أم الأم وحرم أم الأب: لقد ورثت امرأة لو كانت هي الميتة لو يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع مالها، فرجع أبو بكر فشرك بينهما في السدس، إما قياسا لأحد أصلي الموروث على الأخر، أو قياسا لإرثها على إرثه منها. ومن ذلك: أن عمر ورث المبتوتة في المرض، بالقياس على منع القاتل الميراث، بجامع المعارض بنقيض المقصود. والذي ذكر غير واحد أن الذي ورث المبتوتة هو عثمان، في امرأة عبد الرحمن بن عوف.

стр. 1345

ومن ذلك: قول علي لعمر لما شك في قتل الجماعة في الواحد: "أرأيت لو اشترك نفر في سرقة، أكنت تقطعهم؟ قال: نعم، فقال: فكذا هنا"، فرجع عمر إلى قول علي. ومن ذلك: إلحاق بعض الصحابة الجد بالأخ فشركه معه، وبعضهم ألحقه بالأب فأسقط به الأخ، إلى غير ذلك مما لا يحصر. فإن قيل: الدليل فاسد الوضع، إذ المسألة قطعية، فلابد من قاطع، وما ذكرتموه أخبار آحاد غايتها –بعد صحتها- الظن.

стр. 1346

سلمنا صحة الوضع وأنها متواترة، ولا نسلم دلالتها على أن العمل بالقياسات المذكورة، ولعل العمل فيما ذكرتم بغيرها، وكان الاجتهاد/ في دلالات النصوص لخفائها. سلمنا دلالتها على [أن] علمهم بها، لكن لا نسلم دلالة عملهم على وجوب العمل دليل؛ لأن العاملين بعض الصحابة. سلمنا أن فعلهم به، ولكن ذلك إذا لم ينكر، ولا نسلم نفي الإنكار، غايته عدم الوجدان، ولا يدل على عدم الوجود. سلمنا عدم الإنكار ظاهرا، لكنه لا يدل على الموافقة، إذ لعلهم أنكروا باطنا كما تقدم في الإجماع السكوتي، للأسباب الحاملة على السكوت. سلمنا دلالة عملهم بها على كونها حجة، لكنها أقيسة مخصوصة، فمن أين يلزم وجوب العمل بكل قياس؟ ولا سبيل إلى التعميم إلا بالقياس، وفي مصادرة. والجواب عن الأول: أنها وإن كانت آحادا، فبينها قدر مشترك وهو العمل بالقياس، وذلك متواتر وذلك كاف، ولا يضر عدم تواتر كل واحد منها، كما في شجاعة علي. وإنما خصه بالذكر ولم يقل: جود حاتم، كما قال في الأخبار، إلزاما للشيعة. وعن الثاني: أنا نعلم من سياقها قطعا أن العمل بها، كما في سائر التجريبات.

стр. 1347

وعن الثالث: أن ذلك لا يقدح في الاتفاق، ولأنه إذا تكرر وشاع ولم ينكره أحد، فالعادة تقضي بالموافقة، وليس استدلالهم بعملهم وسكوت الآخرين في جزئية، بل هو استدلال بعملهم وسكوت الآخرين مع التكرر والشيوع الدال بطريق العادة على الاتفاق. وعن الرابع: أنه لو أنكر لنقل عادة؛ لأنه مما توفر الدواعي على نقله لكونه أصلا تعم به البلوى. فإن قيل: نقل إنكاره عن الخلفاء الأربعة، وابن عمر، وابن مسعود. قلنا: ذلك حيث يكون في مقابلة النص، أو الذي عدم فيه شرط، أو ممن لم يبلغ درجة الاجتهاد، فإن عدم الذم في الصور الغير المحصورة مقطوع به، وهؤلاء ممن نقل عنهم العمل به. وعن الخامس: ما سبق جوابا عن الثالث، وهو أن استدلالنا بعدم الإنكار مع الشيوع والتكرار، وأنه يدل. وعن السادس: القطع أن العمل بها لظهورها لا لخصوصها، كسائر الظواهر التي عملوا بها من الكتاب والسنة، فإنا نقطع أن العمل بها لظهورها لأنهم كانوا يوجبون العمل بكل ظاهر وما كانوا يجتهدون إلا لتحصيل الظن. قال: (واستدل: بما تواتر معناه من ذكر العلل ليني عليها، مثل: "أرأيت لو كان على أبيك دين؟ "، "أينقص الرطب إذا جف؟ ". وليس بالبين. واستدل: بإلحاق كل زان بماعز. رد: بأن ذلك لقوله ﵇: "حكمي على الواحد" أو للإجماع.

стр. 1348

واستدل بمثل: ﴿فاعتبروا﴾، وهو ظاهر في الاتعاظ، أو في الأمور العقلية، مع أن صيغة افعل محتملة. واستدل: بحديث معاذ، وغايته الظن). أقول: لما فرغ من الأدلة المرضية عنده، شرع في المزيفة. وقد استدل على وقوع التعبد بالقياس بما تواتر معناه، وإن كانت التفاصيل آحادا، من ذكره ﵇ العلل ليبني عليها في غير تلك المحال، وذلك معنى القياس، إذ لولا التعبد به ما فعل ذلك. /فمنه: "أرأيت لو كان على أبيك دين؟ "، "أينقص الرطب إذا جف؟ "، "إنها من الطوافين"، "فإنه لا يدري أين باتت يده"، "فإنهم يحشرون".

стр. 1349

"لا تأكل منه فلعل الماء أعان على قتله" إلى غير ذلك مما لا ينحصر. الجواب: أنه هذا الاستدلال ليس ببين في الدلالة على المقصود، فإنه يمنع أن المقصود من ذكرها أن يقاس عليها، ولعله لتعريف الباعث، ولذلك جاز النص بالعلل القاصرة، وكأن النص على العلة لا يكفي في التعدي على ما سيأتي، ولو سلم دلالتها على المقصود، لكن لا بطريق القطع الذي هو المدعى. واستدل أيضا: بأن رجم كل زان محصن ليس إلا إلحاقا بماعز بطريق القياس، إذ رجمه إنما ثبت بفعله ﵇ وهو ليس بعام، ولم ينص ﵇ على رجم كل زان محصن، وإلا لنقل. الجواب: أن رجم كل زان إما بـ "حكمي على الواحد"، أو بالإجماع. وسنده: نص لم ينقل إلينا استغناء عنه بالإجماع، أو بقوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما. الاستدلال الثالث: بقوله: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾، والاعتبار قياس الأمر بالأمر، وإثبات حكم محل في محل آخر. والحق: أنه ظاهر في الاتعاظ، لوضعه له لو لغلبته فيه. سلمنا، لكنه ظاهر في القياس في الأمور العقلية، كما يقال في إثبات

стр. 1350

الصانع: اعتبر بالدار هل يمكن حدوثها من غير بناء، فما ظنك بالعالم؟ . وأما القياس الشرعي فلا يطلق عليه اعتبار. سلمنا، لكنه مطلق في الاعتبار، وقد عمل به فيما العلة فيه منصوصة. سلمنا، لكن صيغة "افعل" محتملة للوجوب ولغيره، وللمرة والتكرار، وللخطاب مع الحاضرين فقط، أو معهم ومع غيرهم، وقد كثر الخلاف في كل منها مع جواز التجوز، وإن خالف الأصل فظن وجوب العمل للكل بكل قياس وفي كل زمان لو حصل به، ففي غاية الضعف، فلا يثبت مثل هذا الأصل به. واستدل أيضا: بحديث معاذ، في آخره: "أجتهد رأيي" –وليس بعد الكتاب والسنة إلا القياس- فقال ﵇: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله". قال المصنف: (وغايته الظن)؛ لأنه خبر آحاد، والمدعى قطعي. وإنما قال: (وغايته الظن) إذ لا يلزم من القياس لمعاذ القياس لغيره،

стр. 1351

فإن قيس عليه غيره لزم الدور. قال: (مسألة: النص على العلة لا يكفي في التعدي دون التعبد بالقياس . وقال أحمد، والقاساني، وأبو بكر الرازي، والكرخي: يكفي. وقيل: يكفي في علة التحريم دون غيرها. لنا: القطع بأن من قال: "أعتقت غانما لحسن خلقه"، لا يقتضي عتق غيره من حسني الخلق. قالوا/: حرمت الخمر لإسكاره، مثل: حرمت كل مسكر. رد: بأنه لو كان مثله عتق من تقدم. قالوا: لم يعتق غير صريح، والحق للآمدي. قلنا: يعتق بالصريح وبالظاهر. قالوا: لو قال الأب لابنه: "لا تأكل هذا لأنه مسموم"، فهم عرفا المنع من كل مسموم. قلنا: القرينة شفقة الأب، بخلاف الأحكام، فإنه قد يخص لأمر لا ليدرك. قالوا: لو لم يكن للتعميم، لعري عن الفائدة. أجيب: بتعقل المعنى فيه، ولا يكون التعميم إلا بدليل. قالوا: لو قال: "الإسكار علة التحريم" لعم، فكذلك هنا. قلنا: حكم بالعلة على كل إسكار، فالخمر والنبيذ سواء. البصري: من ترك أكل شيء لأذاه، دل على تركه كل مؤذ.

стр. 1352

بخلاف من تصدق على فقير. قلنا: إن سلم فلقرينة التأذي، بخلاف الأحكام). أقول: إذا نص الشارع على علة الحكم، فهل يكفي ذلك في تعدية الحكم إلى محل آخر وإن لم يرد شرع بالتعبد بالقياس؟ والمختار: لا يكفي. وقال أحمد والقاساني والنهرواني والرازي والكرخي: يكفي. وقال أبو عبد الله البصري: يكفي في علة التحريم دون غيرها من الوجوب والندب والإباحة. واعلم أن هذه المسألة تقرب جدا من المسألة المتقدمة في العموم، وهو قوله: (إذا علق حكم على علة، عم بالقياس شرعا لا بالصيغة). ووجه المغايرة بينهما، أن الكلام هناك بعد ورود التعبد بالقياس، والكلام هنا في أن النص على علة الحكم هل يكون أمرا بالقياس وإن لم يرد التعبد به أم لا؟ . واحتج المصنف على المختار: بأنا نعلم قطعا أن من قال: "أعتقت غانما

стр. 1353

لحسن خلقه"، لا يقتضي عتق غيره من حسني الخلق، فلو كان النص على العلة كافيا في التعدي –وإن يرد التعبد بالقياس- لعتق عليه كل عبد له حسن الخلق، كما لو قال: "أعتقت كل عبد لي حسن الخلق". قلت: وفيه نظر؛ لأنه إنما لم يعتق لعدم ظهور استقلال العلة، ولذلك لم يعتق من ذكر بعد ورود التعبد بالقياس. وقد قالوا: يكفي النص في التعدي بعد ورود التعبد بالقياس، لكنه لا يعتق غيره اتفاقا. قالوا: لا فرق في قضية العقل وبين أن يقول: "حرمت الخمر لإسكاره" وبين أن يقول: "حرمت كل مسكر"، [والثاني يفيد عموم الحرمة لكل مسكر] فكذا الأول، وهو المطلوب. الجواب: لا نسلم عدم الفرق لاحتمال الجزئية، وإلا لزم عتق من تقدم وهو كل حسن الخلق، إذا قال: "أعتقت غانما لحسن خلقه". قيل على الجواب: إنما لم يعتق لأنه حق آدمي ولا يثبت إلا بتصريح، وهذا غير صريح، بخلاف حق الله فإنه يثبت بالصريح وبالإيماء لاطلاعه على السرائر. ورد/: بأن ذلك في غير العتق، أما العتق فيحصل بالصريح وبالظاهر إما لتشوف الشارع إليه، وإما لأن فيه حقا لله تعالى لأنه عبادة، وإذا كان: "حرمت الخمر لإسكارها" مثل: "حرمت كل مسكر"، يكون: "أعتقت غانما لحسن خلقه" ظاهر في عتق كل عبد له حسن الخلق، كظهور: "أعتقت

стр. 1354

كل عبد لي حسن الخلق"، ولا شك في عتق الجميع في الثاني، فلو كان الأول مثله، لزم عتق الجميع. قالوا: لو قال الأب لابنه: "لا تأكل هذا فإنه مسموم"، فهم منه عرفا المنع من كل مسموم. الجواب: أن فهم التعميم لقرينة شفقة الأب المقتضية عادة النهي عن كل مضر، بخلاف أحكام الله فإنها قد تختص ببعض المحال لأمر لا يدرك. والحق: أن الاحتمال لا يدفع العموم، كما لو عم بالنص، والتخصيص محتمل، مع أنه يتم ما ذكر إذا لم تعلم المصلحة، أما إذا علمت فيثبت الحكم سالما عما ذكر. لا يقال: قد ثبت ورود الشرع بالفرق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات، وذلك لما علم الله من اختصاص أحد المثلين بمصلحة مقارنة لزمانه لا وجود لها في مثله إذ ليست المصالح لذوات الأوصاف حتى تكون لازمة لها. لأنا نقول: فلا يكفي النص عليها بعد التعبد بالقياس في التعدي، وهم لا يقولون به. قالوا: لو لم يكن ذكر العلة لإفادة الحكم في محال ثبوتها، لعري عن الفائدة، إذ لا فائدة لذكر العلة إلا اتباعها بإثبات الحكم حيث وجدت؛ لأن الحكم في تلك الصورة عرف بالنص. الجواب: لا نسلم حصر الفائدة فيما ذكرتم، ولم لا يجوز أن تكون الفائدة تعقل المعنى المقصود من شرع الحكم في ذلك المحل، وذلك أدعى إلى

стр. 1355

انقياد المكلف، ولا يكون التعميم إلا بدليل يدل عليه. قالوا: لو قال الشارع: "الإسكار علة التحريم"، لعم في كل مسكر، فكذا: "حرمت الخمر لإسكارها"؛ لأنه بمعناه، إذ الألف واللام للعموم. الجواب: لا نسلم أن معناها واحد؛ لأن الأول ذكر فيه الإسكار معرفا بالألف واللام وهي تفيد العموم على ما مر، فمعناه: كل إسكار علة فالخمر والنبيذ سواء، بخلاف: "حرمت الخمر لإسكارها" فإنه علل حرمة الخمر بالإسكار المنسوب إليها. واحتج البصري على تغميم علة النهي دون غيره: بأن من ترك أكل شيء لأذاه، دل على ترك كل مؤذ، بخلاف من تصدق على فقير لفقره، فإنه لا يلزم أن يتصدق على كل فقير. الجواب: لا نسلم أنه يدل على ترك كل مؤذ، لجواز أن يكون ذلك للتأذي الخاص به، ولو سلم فلقرينة التأذي، إذ ترك المؤذي مطلقا مركوز في الطباع، وخصوصية ذلك المؤذي ملغاة عقلا، بخلاف الأحكام فإنها قد تختص بمحالها لأمور لا تدرك. قال: (مسألة: القياس يجري في الحدود والكفارات خلافا للحنفية. لنا: الدليل غير /مختص. وأيضا: حد في الخمر بالقياس. وأيضا: الحكم للظن، وهو حاصل كغيره. قالوا: فيه تقدير ى يعقل معناه، كأعداد الركعات.

стр. 1356

قلنا: إذا فهمت العلة وجب، كالقتل بالمتقل، وقطع النباش. قالوا: ادرءوا الحدود بالشبهات. رد: فخبر الواحد والشهادة). أقول: يجوز إثبات الحد والكفارة بالقياس، خلافا للحنفية. ولا يعترض عليهم بقياس إفساد رمضان بالأكل والشرب في الكفارة على الإفساد بالوقاع؛ لأنه استدلال لا قياس، ولا يناقض ما سبق من قوله: (ومقادير الحدود والكفارات)؛ لأن الكلام في إثبات الحد لا في المقدار وإن لزم عنه. لنا: أن الدليل الدال على العمل بالقياس غير مختص بشيء دون شيء، فوجب العمل فيهما حتى يدل دليل على المنع، والأصل عدمه. ولنا أيضا: إجماع الصحابة حين تشاوروا في حد شارب الخمر، فقال علي: "إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي وافترى، فحدوه حد المفتري"، فأقام مظنة الشيء مقامه، ولم ينكروا عليه فكان إجماعا. ولنا أيضا: أن الحكم إنما ثبت في سائر الاجتهاديات لأجل الظن، وهو

стр. 1357

حاصل هنا، فوجب العمل به. لا يقال: هذا قياس في الحدود والكفارات فيلزم الدور. لأنا نقول: المتنازع فيه إثبات الحدود والكفارات قياسا لبعضها على بعض، وهذا إثبات للعمل بالقياس فيها كالقياس في غيرها. ولو سلم، فنحن لم نثبته بالقياس، بل إنما أثبتناه باستقراء، أو إجماع مفيد للقطع، فإن الظن يجب العمل به وقد حصل هنا. احتج الحنفية: بأن في شرع الحدود والكفارات تقديرا لا يعقل معناه، كأعداد الركعات، وأعداد الجلدات، وتعين ستين مسكينا، مما لا سبيل إلى إدراك معناه. الجواب: أولا: ما أجاب به الآمدي: أن الحكم المعدى من الأصل إلى الفرع إنما هو وجوب الحد والكفارة من حيث هو وجوب لا في التقدير، وذلك معقول. وثانيا: بما أجاب به المصنف وهو: أنا لا نقول بالقياس في الحدود والكفارات مطلقا، بل نقول به إذا فهمت العلة الموجبة للحكم، كما قيس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد، فإن المعنى للقصاص في القتل بالمحدد حفظ النفس، هو حاصل في إيجاب القصاص في القتل بالمثقل، وكإيجاب قطع النباش بالقياس على قطع السارق، فإن المعنى الموجب لقطع السارق هو

стр. 1358

حفظ المال بشرع قطع اليد، وهو حاصل في قطع النباس. قالوا: قال ﵇: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، واحتمال الخطأ في القياس شبهة، فيجب أن يدرأ به الحد، فلا يثبت بالقياس. الجواب: النقض بخبر الواحد/ والشهادة، فإن الاحتمال فيهما قائم لأنهما لا يفيدان القطع، فكان يجب أن درأ بهما، وهو خلاف الإجماع. قال: (مسألة: لا يصح القياس في الأسباب . لنا: أنه مرسل؛ لأن الفرض تغاير الوصفين فلا أصل لوصف الفرع. وأيضا: علة الأصل منتفية عن الفرع. وأيضا: إن كان الجامع بين الوصفين حكمة –على القول بصحتها- أو ضابطها لها، اتحد السبب والحكم، وإن لم يكن جامع ففاسد. قالوا: ثبت المثقل على المحدد، واللواط على الزنا. قلنا: ليس محل النزاع؛ لأنه سبب واحد ثبت لهما بعلة واحدة، وهو القتل العمد العدوان، وإيلاج فرج في فرج). أقول: لا يصح القياس في الأسباب عند الحنفية، واختاره الإمام فخر الدين، والآمدي، والمصنف.

стр. 1359

وأكثر الشافعية على خلافه. وصورته: إثبات سببية للواط للحد، بأن يجعل سببا للحكم لتحصل الحكمة المقصودة في الفرع، قياسا على سببية الزنا للحد. لنا: لو ثبت في الأسباب، لثبت القياس بالمناسب المرسل، إذ وصف الفرع مرسل؛ لأنه لا أصل له –لأن الفرض تغاير الوصفين- والشرع إنما شهد باعتبار وصف الأصل، ولم يثبت محلا تحقق فيه سببية هذا الوصف معللا باشتماله على الحكمة؛ لأنا إنما نثبته باعتبار اعتبار الشارع وصفا آخر مغايرا له لتحصل الحكمة، وذلك معنى المرسل، وأما بطلان التالي فلما مر. قيل: المعنى الموجب للسببية في الزنا موجود في اللواط، والمعنى شهد له أصل بالاعتبار حيث جعل الزنا سببا. رد: بأن موجب سببية الأصل لو كان موجودا في الفرع لما احتيج إلى إثبات سببيته بالقياس. ولنا أيضا: أن علية سببية المقيس عليه هو قدر من الحكمة تضمنها الوصف الأول، لم يثبت في الوصف الآخر، ولا علم ثبوت حكمه تساويها لعدم انضباط الحكمة، وتغاير الوصفين، فيجوز اختلاف قدر الحكمة. الحاصلة بهما، فيمتنع الجمع في الحكم –وهو السببية- لأن معنى القياس الاشتراك في العلة، وبه يمكن الاشتراك في الحكم.

стр. 1360

وقد يقال: لا نسلم أن علة الأصل منتفية عن الفرع، إذ علة الأصل حفظ النسل لا حفظ النسب. ولنا أيضا: أن الحكمة المشتركة إن كانت ظاهرة منضبطة وقلنا بصحة التعليل بها، فلا حاجة إلى اعتبار وصفين، بل يتحد الحكم والسبب، إذ هما معلولا الحكمة؛ لأن الحكمة التي لأجلها يكون الوصف سببا هي الحكمة التي لأجلها يكون الحكم المرتب على الوصف ثابتا، فتستقل الحكمة بإثبات الحكم المرتب على الوصف، فلا حاجة إلى الوصف المحكوم بكونه سببا/ للاستغناء عن الواسطة. وإن لم تكن ظاهرة منضبطة، أو قلنا لا يعلل بالحكمة مطلقا، فإنه إن كان لها مظنة -أي وصف ظاهر منضبط- صار القياس في حكم المرتب على ذلك الوصف، واتحد الحكم والسبب أيضا، وإلا فلا جامع إذ لا حكمة ولا مظنة، فيكون قياسا لا جامع، وأنه باطل. وقد يقال: مراد المستدل إثبات السببية للوصف من غير تعرض للحكم. قيل: الأولى أن يحمل كلامه على أن المراد هو أن الجامع بين الوصفين كالقتل العمد العدوان -بين المثقل والمحدد- إن صلح للعلية لاشتماله على حكمة، كحفظ النفس فيما يجئ، اتحد السبب والحكم، فلا يكون محل النزاع على ما سيذكر في جواب شبههم. قالت الشافعية: ثبت القياس في الأسباب، كقياس المثقل على المحدد في كونه سببا للقصاص، وقاسوا اللواط على الزنا في كونه سببا للحد.

стр. 1361

قلت: إنما يرد على المصنف، وأما الحنفية فلا يسلمون ذلك. والجواب: أن محل النزاع عند تغاير السبب في الأصل والفرع، وهنا السبب واحد ثبت لمحلي الحكم –وهما الأصل والفرع- بعلة واحدة، وهي في المثال الأول: الزجر لحفظ النفس، والحكم: القصاص، والسبب: القتل العمد العدوان. وفي المثال الثاني العلة: الزجر لحفظ النسب، والحكم: وجوب الحد والسبب: إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا. قال: (مسألة: لا يجري القياس في جميع الأحكام . لنا: ثبت ما لا يعقل معناه كالدية، والقياس فرع المعنى. وأيضا: قد تبين امتناعه في الأسباب والشروط. قالوا: متماثلة، فيجب تساويها في الجائز. قلنا: قد يمتنع في بعض النوع أو يجوز لأمر بخلاف المشترك بينهما). أقول: لا يجري القياس في جميع الأحكام، [خلافا لشذوذ. لنا: ثبت في الأحكام] ما لا يعقل معناه كضرب الدية على العاقلة، فإجراء القياس في مثله متعذر إذ القياس فرع تعقل المعنى المعلل به الأصل.

стр. 1362

وأيضا: الأسباب والشروط من الأحكام –على مختاره- وقد تبين امتناع القياس فيها- وإن كان إنما سبق في الأسباب فقط، لكن لا قائل بالفرق. قيل على الأول: إنما يمتنع بالنسبة إلى من لم يتعقل الحكمة فيما ذكر، أما بالنسبة إلى من تعقلها فلا، وعدم تعقل الجميع لها غير معلوم. وقد قال المصنف قبل هذا، لما قال الحنفية في الحد تقدير لا يعقل معناه، أجاب: إذا فهمت العلة وجب. احتج الآخرون: بأن الأحكام الشرعية متماثلة، إذ يشملها حد واحد وهو حد الحكم الشرعي، والمتماثلات يجب اشتراكها فيما يجوز عليها؛ لأن حكم الشيء حكم مثله، وقد جاز جريان القياس في بعضها، فليجر في الكل. الجواب: أن هذا القدر –وهو الاشتراك في الجنس-/ لا يوجب التماثل فإن الأجناس المتخالفة قد تندرج تحت نوع واحد، فيعمها حد واحد وهو ذلك النوع، ولا يلزم من ذلك ثماثلها لامتياز كل جنس بما يميزه، نعم ما لحق جنسا باعتبار الأمر المشترك من الجواز والامتناع يكون عاما، وأما ما لحق باعتبار الأمر المختص به فلا. واعلم أن اصطلاح الأصوليين في الجنس والنوع يخالف اصطلاح المنطقيين فالمندرج جنس، والآخر نوع.

стр. 1363

وعند المناطقة بالعكس، وهذا التقرير على الاصطلاح الأصولي، وهو طبق في المعنى لما قال في المنتهى، حيث قال: "يجوز لبعض الأنواع ما يمتنع على بعضها" وإن جرى الاصطلاح المنطقي فيه، ولو جريت هنا على الاصطلاح المنطقي كان معناه: أنه قد تختلف الأمثال بخصوصيات صنفية أو شخصية يجوز على بعضها ما يمتنع على الآخر، كما في إفراد القتل العمد العدوان، فإن بعض القائلين لا يقتص منه لشرفه لكونه حرا. وعلى هذا تكون الأحكام الخمسة أصنافا للحكم الشرعي، وعلى الأول أنواعا له. قيل: لا يدخل في الجواب، لقوله: (بخلاف المشترك)، إذ الماهية المشتركة بين أفراد الأحكام –وإن اقتضت صحة أمر- جاز أن يكون جزءا من جزئياتها يمنع منه كالقوت مثلا فإنه يقتضي الربوية، وفرد منها كالعرايا يمنع منه، وإن اقتضت المنع جاز أن يقتضي جزئي منها الجواز لانضمام الخصوصية إليه. قال: (الاعتراضات راجعة إلى منع أو معارضة، وإلا لم يسمع، وهي خمسة وعشرون: الاستفسار وهو: طلب معنى اللفظ لإجمال أو غرابة. وبيانه على المعترض: بصحته على متعدد، ولا يكلف بيان التمادي لعسره. ولو قال: التفاوت يستدعي ترجيحا بأمر والأصل عدمه كان جيدا.

стр. 1364

وجوابه: بظهوره في مقصوده بالنقل، أو بالعرف، أو بقرائن معه، أو بتفسيره، ولذا قال: يلزم ظهوره في أحدهما دفعا للإجمال، أو قال: يلزم ظهوره فيما قصدت؛ لأنه غير ظاهر في الأخرى اتفاقا، فقد صوبه بعضهم، وأما تفسيره بما لا يحتمل لغة فمن جنس اللعب). أقول: الباب الخامس: في الاعتراضات الواردة على قياس العلة، وهي راجعة إلى منع أو معارضة، وإلا لم تسمع، وذلك لأن غرض المستدل الإلزام بإثبات مدعاه بدليله، وغرض المعترض عدم ذلك بمنعه عن إثباته به. والإثبات به يكون بصحة مقدماته، لتصلح للشهادة، وبسلامته عن المعارض لتنفيذ شهادته، فيترتب عليه الحكم. والدفع يكون بهدم أحدهما، فهدم/ شهادة الدليل بالقدح في صحته بمنع مقدمة من مقدماته، وهدم نفاذ شهادته بالمعارضة بما يقاومها، فما لا يكون من القبيلين فلا تعلق له بمقصود الاعتراض، فلا يسمع. واعلم أن المقدمة قد تمنع تفصيلا وذلك واضح، وتمنع إجمالا كما لو قال: "لو صحت مقدمات دليلك –وهي جارية في صورة كذا- لثبت فيها الحكم"، وهذا نوع من النقض. وأيضا: المقدمة إذا امتنعت وانتهض المستدل لإقامة الدليل، فللمعترض

стр. 1365

منع مقدمات دليله، ومعارضة دليله. فمراد المصنف بالمنع والمعارضة: ما يعم ذلك كله. واعلم أن الحصر العقلي عسر لا سيما وهو أمر للاصطلاح فيه مدخل. ووجه التقريب: أن المستدل يلزمه تفهيم ما يقوله، وأن يكون متمكنا من القياس، ثم يثبت مقدماته، وهي حكم الأصل وعلته وثبوتها في الفرع، وأن يكون ذلك على وجه يستلزم ثبوت حكم الفرع، وأن يكون ذلك الحكم هو مطلوبه الذي ساق الدليل إليه، فهذه سبع مقدمات يتوجه على كل مقام نوع من الاعتراض. النوع الأول: ما يتعلق بالتفهيم، وقدمه لأن فهم المدعى قبل كل شيء وهو واحد فقط، إذ لا يتصور ثم إلا طلب الفهم ويسمى الاستفسار. ويرد على تقدير المدعي، وعلى جميع المقدمات فلا سؤال أعم منه، وهو راجع إلى المنع؛ لأنه منع دلالته على المقصود، فلا يفهم منه لإجماله أو غرابته، لكنه منع خاص؛ لأنه اشتمل على منع ودعوى، فلذلك يطالب المعترض بصحته على متعدد، وما ذلك إلا لكون الأصل عدم ما ادعى المعترض، فالبينة عليه. ولا يقال: ظهور الدليل شرط في صحته، وإنما يتم ظهوره لو لم يكن مجملا، فنفي الإجمال شرط، وبيان شرط الدليل على المستدل. لأنا نقول: ظهور الدليل وإن توقف على نفي الإجمال –غير أن الأصل عدم الإجمال- فسؤال الاستفسار يستدعي الإجمال المخالف للأصل، فكان بيانه على المعترض، فالضمير في قوله: (وبيانه على المعترض)، أي بيان

стр. 1366

كونه مجملا. فالاستفسار: طلب معنى اللفظ، وإنما يسمع إذا كان اللفظ مجملا أو غريبا، وإلا فهو تعنت. وبيان كونه مجملا على المعترض إذ الأصل عدمه، فإن وضع الألفاظ للبيان، والإجمال قليل جدا فيها، ويكفي المستدل أنه خلاف الأصل. فعلى المعترض بيان صحة إطلاق اللفظ على معنيين أو أكثر، ولا يكلف بيان التساوي، وإن كان الإجمال لا يحصل إلا به، وهو قد ادعى/ الإجمال فكان يجب أن يلزمه الوفاء به، لكن لم يكلف به لعسره، لكن لو التزمه تبرعا بأن قال: هما متساويان لأن التفاوت يستدعي ترجيحا بأمر، والأصل عدم المرجح، لكان جيدا، وفاء بما التزمه أولا. وفيه نظر؛ لأنه لما سلم المعترض الاستعمال –والأصل عدم الإجمال- فقد سلم حصول المرجح، ولا يتمكن من أن يقول: الأصل عدم المرجح. وجواب الاستفسار: بيان ظهوره في مقصود المستدل، فلا إجمال ولا غرابة، وذلك إما بنقل عن أئمة اللغة، وإما بالعرف العام أو الخاص، أو بالقرائن المنضمة إليه، وإن عجز عن ذلك فبالتفسير، فلو سلك في دفع الإجمال طريقا إجماليا، بأن يقول: يلزم ظهوره في أحدهما وإلا كان مجملا، والإجمال خلاف الأصل، أو يقول: يلزم ظهوره فيما قصدت؛ لأنه غير ظاهر في الآخر اتفاقا، فلو لم يكن ظاهرا فيما قصدت لزم الإجمال، وهو خلاف الأصل، فإذا قال ذلك، فقد صوبه بعض الجدليين، إذ الغرض بيان

стр. 1367

الظهور. ورد [بعضهم: لأنه رجوع إلى الأصل (عدم الإجمال)، بعدما استدل المعترض على أنه مجمل بما أمكنه]، ولأنه يدعي عدم فهمه، وكان لا يبقى لسؤال الاستفسار فائدة، وإذا فسره وجب أن يفسره بما يصلح له لغة، وإلا كان من جنس اللعب، فيخرج عما وضعت له المناظرة من إظهار الحق. ولم يذكر المصنف بيان القرابة من جهة واحد منهما. وجوابه: بأن يبين المستدل كثرة استعمال اللفظ واشتهاره بين النظار. قال: (فساد الاعتبار وهو: مخالفة القياس النص. وجوابه: الطعن، أو منع الظهور، أو التأويل، أو القول بالموجب، أو المعارضة بمثله، فيسلم القياس أو يبين على النص بما تقدم، مثل: ذبح بأهله في محله، كذبح ناسي التسمية فيورد ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾. فيقول المعترض: مؤول بذبح عبدة الأصنام، بدليل: "ذكر الله على قلب المؤمن، سمى أو لم يسم"، أو ترجيحه بكونه مقيسا على الناسي المخصص باتفاق، فإن أبدى فارقا فهو من المعارضة). أقول: النوع الثاني من الاعتراضات: وهو باعتبار تمكنه من الاستدلال بالقياس في تلك المسألة، فإن منع تمكنه من القياس مطلقا فهو

стр. 1368

فساد الاعتبار، كأنه يدعي أن القياس في تلك المسألة. وإن منعه من القياس المخصوص فهو فساد الوضع، كأنه يدعي أنه وضع في المسألة قياسا لا يصح وضعه فيها، على أن هذا يرجع إلى النوع الرابع. الأول: وهو فساد الاعتبار: هو ألا يصلح الاحتجاج بالقياس فيما يدعيه؛ لأن النص على خلافه، واعتبار القياس في مقابلة النص باطل، إذ النص أصله، والمراد من النص الكتاب أو السنة، لا النص الذي في مقابلة الظاهر. /وجواب هذا الاعتراض: إما بالطعن في سنده –إن لم يكن كتابا ولا سنة متواترة- بأنه مرسل، أو موقوف، أو منقطع، أو رواية ليس بعدل، أو كذبه فيه شيخه. وإما بمنع ظهوره فيما يدعيه، كمنع عموم أو مفهوم أو دعوى إجمال، وإما بأنه مؤول –أريد غير ظاهره- لتخصيص أو مجاز أو إضمار، بدليل يرجحه على الظاهر، وإما بالمعارضة بنص مثله حتى يتساقطا فيسلم القياس. فلو عارض المعترض بنص آخر حتى يسلم أحد نصيه فيعارض القياس،

стр. 1369

لم يسمع؛ لأن النصين يعارضهما الواحد، كما تعارض شهادة اثنين شهادة أربعة. لا يقال: فيعارض نص المعترض قياس المستدل ونصه. لأنا نقول: كان الصحابة إذا تعارضت عندهم النصوص تركوها ورجعوا إلى القياس، وليس للمستدل [أيضا أن يقول: قد عارض نصك قياسي وسلم نصي لأنه انتقال، وليس على المستدل] أن يبين أن نصه مساو في القوة لنص المعترض لعسر ذلك عليه، إذ لا يمكنه نفي جميع وجوه الترجيحات. ومن الأجوبة: أن يبين أن قياسه أرجح من النص بما تقدم في خبر الواحد وذلك إذا كانت العلة فيه بنص راجح على الخبر، ووجودها في الفرع قطعي وهذا حيث يكون النص خبرا، واعلم أنه لا يتأتى هذا في كل نص، بل قد يمكن بعض الأجوبة فيجيب بما يتأتى من ذلك، وقد لا يمكن شيء منها فينقطع المستدل، مثاله: ما لو قال في متعمد ترك التسمية: ذبح صدر من أهله في محله، فتؤكل قياسا على ناسي التسمية. فيقول المعترض: هذا القياس فاسد الاعتبار، لمخالفته لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾. فيقول المستدل: الآية مؤولة بذبح عبدة الأصنام، بدليل ما خرج

стр. 1370

الدارقطني، أن رجلا قال: يا رسول الله! الرجل يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال: "اسم الله على فم كل مسلم"، على أن الحديث ضعيف. أو يقول: المقيس راجح على المقيس عليه وهو الناسي المخصص باتفاق لأن المتذكر أقرب إلى الذكر من الناسي، فيكون بطريق الأولى فيكون معطوفا على قوله (بدليل) أي مؤول بذبح عبدة الأصنام بدليل الحديث، أو بدلالة قياس الأولوية، ويصح أن يكون المراد [أو] بترجيح القياس على النص بكونه مقيسا على الناسي المخصص، وأصل القياس إذا كان مخصصا من العام، فإن القياس يخصص العام فيقدم عليه على ما سبق، والأول أظهر. وإذا قال المستدل ذلك، فليس للمعترض/ أي يبدي بين التارك والناسي فارقا، بأن يقول: الناسي معذور بخلاف الآخر، فيندفع كون القياس مقدما لأنه إذا فعل ذلك فهو من المعارضة في الأصل أو في الفرع، فيلزم المعترض فسادان: الانتقال، والاعتراف بصحة اعتبار القياس؛ لأن سؤال المعارضة بعد فساد الاعتبار، وفساد الاعتبار يرجع إلى المنع؛ لأن الخصم يقول: لا ينتج المطلوب لأنه فاسد الاعتبار، وإن كان على هيئة صحيحة كاستلزامه خلاف النص، وقد على فساد الوضع؛ لأن كل فاسد الوضع فاسد الاعتبار من غير عكس، والنظر في الأعم مقدم.
следующие страницы →