Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
كونه مجملا.
فالاستفسار: طلب معنى اللفظ، وإنما يسمع إذا كان اللفظ مجملا أو غريبا، وإلا فهو تعنت.
وبيان كونه مجملا على المعترض إذ الأصل عدمه، فإن وضع الألفاظ للبيان، والإجمال قليل جدا فيها، ويكفي المستدل أنه خلاف الأصل.
فعلى المعترض بيان صحة إطلاق اللفظ على معنيين أو أكثر، ولا يكلف بيان التساوي، وإن كان الإجمال لا يحصل إلا به، وهو قد ادعى/ الإجمال فكان يجب أن يلزمه الوفاء به، لكن لم يكلف به لعسره، لكن لو التزمه تبرعا بأن قال: هما متساويان لأن التفاوت يستدعي ترجيحا بأمر، والأصل عدم المرجح، لكان جيدا، وفاء بما التزمه أولا.
وفيه نظر؛ لأنه لما سلم المعترض الاستعمال –والأصل عدم الإجمال- فقد سلم حصول المرجح، ولا يتمكن من أن يقول: الأصل عدم المرجح.
وجواب الاستفسار: بيان ظهوره في مقصود المستدل، فلا إجمال ولا غرابة، وذلك إما بنقل عن أئمة اللغة، وإما بالعرف العام أو الخاص، أو بالقرائن المنضمة إليه، وإن عجز عن ذلك فبالتفسير، فلو سلك في دفع الإجمال طريقا إجماليا، بأن يقول: يلزم ظهوره في أحدهما وإلا كان مجملا، والإجمال خلاف الأصل، أو يقول: يلزم ظهوره فيما قصدت؛ لأنه غير ظاهر في الآخر اتفاقا، فلو لم يكن ظاهرا فيما قصدت لزم الإجمال، وهو خلاف الأصل، فإذا قال ذلك، فقد صوبه بعض الجدليين، إذ الغرض بيان
стр. 1367
الظهور.
ورد [بعضهم: لأنه رجوع إلى الأصل (عدم الإجمال)، بعدما استدل المعترض على أنه مجمل بما أمكنه]، ولأنه يدعي عدم فهمه، وكان لا يبقى لسؤال الاستفسار فائدة، وإذا فسره وجب أن يفسره بما يصلح له لغة، وإلا كان من جنس اللعب، فيخرج عما وضعت له المناظرة من إظهار الحق.
ولم يذكر المصنف بيان القرابة من جهة واحد منهما.
وجوابه: بأن يبين المستدل كثرة استعمال اللفظ واشتهاره بين النظار.
قال: (فساد الاعتبار وهو: مخالفة القياس النص.
وجوابه: الطعن، أو منع الظهور، أو التأويل، أو القول بالموجب، أو المعارضة بمثله، فيسلم القياس أو يبين على النص بما تقدم، مثل: ذبح بأهله في محله، كذبح ناسي التسمية فيورد ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾.
فيقول المعترض: مؤول بذبح عبدة الأصنام، بدليل: "ذكر الله على قلب المؤمن، سمى أو لم يسم"، أو ترجيحه بكونه مقيسا على الناسي المخصص باتفاق، فإن أبدى فارقا فهو من المعارضة).
أقول: النوع الثاني من الاعتراضات: وهو باعتبار تمكنه من الاستدلال بالقياس في تلك المسألة، فإن منع تمكنه من القياس مطلقا فهو
стр. 1368
فساد الاعتبار، كأنه يدعي أن القياس في تلك المسألة.
وإن منعه من القياس المخصوص فهو فساد الوضع، كأنه يدعي أنه وضع في المسألة قياسا لا يصح وضعه فيها، على أن هذا يرجع إلى النوع الرابع.
الأول: وهو فساد الاعتبار: هو ألا يصلح الاحتجاج بالقياس فيما يدعيه؛ لأن النص على خلافه، واعتبار القياس في مقابلة النص باطل، إذ النص أصله، والمراد من النص الكتاب أو السنة، لا النص الذي في مقابلة الظاهر.
/وجواب هذا الاعتراض: إما بالطعن في سنده –إن لم يكن كتابا ولا سنة متواترة- بأنه مرسل، أو موقوف، أو منقطع، أو رواية ليس بعدل، أو كذبه فيه شيخه.
وإما بمنع ظهوره فيما يدعيه، كمنع عموم أو مفهوم أو دعوى إجمال، وإما بأنه مؤول –أريد غير ظاهره- لتخصيص أو مجاز أو إضمار، بدليل يرجحه على الظاهر، وإما بالمعارضة بنص مثله حتى يتساقطا فيسلم القياس.
فلو عارض المعترض بنص آخر حتى يسلم أحد نصيه فيعارض القياس،
стр. 1369
لم يسمع؛ لأن النصين يعارضهما الواحد، كما تعارض شهادة اثنين شهادة أربعة.
لا يقال: فيعارض نص المعترض قياس المستدل ونصه.
لأنا نقول: كان الصحابة إذا تعارضت عندهم النصوص تركوها ورجعوا إلى القياس، وليس للمستدل [أيضا أن يقول: قد عارض نصك قياسي وسلم نصي لأنه انتقال، وليس على المستدل] أن يبين أن نصه مساو في القوة لنص المعترض لعسر ذلك عليه، إذ لا يمكنه نفي جميع وجوه الترجيحات.
ومن الأجوبة: أن يبين أن قياسه أرجح من النص بما تقدم في خبر الواحد وذلك إذا كانت العلة فيه بنص راجح على الخبر، ووجودها في الفرع قطعي وهذا حيث يكون النص خبرا، واعلم أنه لا يتأتى هذا في كل نص، بل قد يمكن بعض الأجوبة فيجيب بما يتأتى من ذلك، وقد لا يمكن شيء منها فينقطع المستدل، مثاله: ما لو قال في متعمد ترك التسمية: ذبح صدر من أهله في محله، فتؤكل قياسا على ناسي التسمية.
فيقول المعترض: هذا القياس فاسد الاعتبار، لمخالفته لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾.
فيقول المستدل: الآية مؤولة بذبح عبدة الأصنام، بدليل ما خرج
стр. 1370
الدارقطني، أن رجلا قال: يا رسول الله! الرجل يذبح وينسى أن يسمي؟
فقال: "اسم الله على فم كل مسلم"، على أن الحديث ضعيف.
أو يقول: المقيس راجح على المقيس عليه وهو الناسي المخصص باتفاق لأن المتذكر أقرب إلى الذكر من الناسي، فيكون بطريق الأولى فيكون معطوفا على قوله (بدليل) أي مؤول بذبح عبدة الأصنام بدليل الحديث، أو بدلالة قياس الأولوية، ويصح أن يكون المراد [أو] بترجيح القياس على النص بكونه مقيسا على الناسي المخصص، وأصل القياس إذا كان مخصصا من العام، فإن القياس يخصص العام فيقدم عليه على ما سبق، والأول أظهر.
وإذا قال المستدل ذلك، فليس للمعترض/ أي يبدي بين التارك والناسي فارقا، بأن يقول: الناسي معذور بخلاف الآخر، فيندفع كون القياس مقدما لأنه إذا فعل ذلك فهو من المعارضة في الأصل أو في الفرع، فيلزم المعترض فسادان: الانتقال، والاعتراف بصحة اعتبار القياس؛ لأن سؤال المعارضة بعد فساد الاعتبار، وفساد الاعتبار يرجع إلى المنع؛ لأن الخصم يقول: لا ينتج المطلوب لأنه فاسد الاعتبار، وإن كان على هيئة صحيحة كاستلزامه خلاف النص، وقد على فساد الوضع؛ لأن كل فاسد الوضع فاسد الاعتبار من غير عكس، والنظر في الأعم مقدم.
стр. 1371
قال: (فساد الوضع وهو: كون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم، مثل: مسح فيسن فيه التكرار كالاستطابة.
فيرد: أن المسح معتبر في كراهية التكرار على الخف.
وجوابه: في بيان المانع لتعرضه للتلف، وهو نقض إلا أنه يثبت النقيض، فإن ذكره بأصله فهو القلب، فإن بين مناسبة النقيض من غير أصل من الوجه المدعى فهو القدح في المناسبة، ومن غيره لا يقدح، إذ قد يكون للوصف جهتان، ككون المحل مشتهى يناسب الإباحة لإراحة الخاطر والتحريم لقطع أطماع النفس).
أقول: فساد الوضع: هو إبطال وضع القياس المخصوص في إثبات الحكم الخاص؛ لأن الجامع الذي به يثبت الحكم قد ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض ذلك الحكم، والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان.
مثاله: ما لو قال الشافعي في مسح الرأس: "مسح فيسن فيه التكرار كالاستطابة"، فيقول المالكي: "المسح لا يناسب التكرار"؛ لأنه ثبت اعتبار المسح في كراهة التكرار على الخف، وكراهة التكرار نقيض استحبابه
стр. 1372
والمراد من النقيض الضد.
وجواب هذا الاعتراض لبيان وجود المانع من أصل المعترض، فيقال: إنما كره في الخف لأنه تعريض لتلفه.
وفساد الوضع يشتبه بأمور ويخالفها بوجوه، يشبه النقض من حيث بين فيه ثبوت نقيض الحكم مع وجود الوصف، إلا أن الوصف في فساد الوضع هو الذي يثبت النقيض؛ لأنه وإن ثبت الحكم بنص أو إجماع، لكن لأجل الوصف ثبت، وفي النقض لا يتعرض لذلك، بل يقنع فيه بثبوت نقيض الحكم مع وجود الوصف، ولو قصد ذلك لكان هو النقض.
ويشبه القلب من حيث إنه أثبت نقيض الحكم بعلة المستدل، إلا أنه يفارقه من وجه، وهو أن في القلب يثبت الحكم بأصل المستدل، وهذا يثبته بأصل آخر، فلو ذكره بأصله لكان هو القلب، كما لو قال: فلا يتعين التكرار/ بالماء كالاستطابة، فيرجع إلى النوع الثالث من القلب.
ويشبه –أيضا- القدح في المناسبة، من حيث إنه ينفي مناسبة الوصف للحكم، لمناسبته لنقيضه، إلا أنه لا يقصد هنا بيان عدم مناسبة الوصف للحكم، وإنما يقصد بيان بناء نقيض الحكم عليه في أصل آخر، فلو بين مناسبته لنقيض الحكم بالأصل، كان قدحا في المناسبة.
وإنما يعتبر القدح في المناسبة إذا كان مناسبته للنقيض وللحكم من وجه واحد، أما إن اختلف الوجهان فلا يضر؛ لأن الوصف قد يكون له جهتان يناسب بإحداهما رجوعه إلى الجهتين: الحكم، وبالأخرى نقيضه، ككون المحل مشتهى يناسب الإباحة لإراحة الخاطر، ويناسب تحريم النكاح [لإراحة
стр. 1373
النفس] بقطع الطمع، وحاصل هذا السؤال يرجع إلى منع علية الجامع.
قال: (منع حكم الأصل.
والصحيح: ليس قطعا للمستدل بمجرده؛ لأنه كمنع مقدمة، كمنع العلة في العلة ووجودها، فيثبتها باتفاق.
وقيل: ينقطع لانتقاله.
واختار الغزالي اتباع عرف المكان.
وقال الشيرازي: لا يسمع، فلا تلزمه دلالة عليه، وهو بعيد إذ لا تقوم الحجة على حكمه مع منع أصله.
والمختار: لا ينقطع المعترض بمجرد الدلالة، بل له أن يعترض، إذ لا يلزم من صورة دليل صحته.
قالوا: خارج عن المقصود الأصلي.
قلنا: ليس بخارج).
أقول: النوع الثالث من الاعتراضات: ما يورد على المقدمة الأولى من القياس، وهو دعوى حكم الأصل، ولا مجال للمعارضة فيه؛ لأنه غصب لمنصب التعليل، فيتعين المنع.
وقد اختلفوا في كون منع حكم الأصل قطعا للمستدل بمجرده.
فمنهم من قال: إنه قطع له ولا يمكن من إثباته بالدليل، لأنه انتقال إلى
стр. 1374
إثبات حكم شرعي آخر.
والصحيح: أنه لا ينقطع بمجرد وروده، وإنما ينقطع إذا ظهر عجزه عن إثباته بالدليل، إذ الانتقال القبيح ما لا تعلق به بما يتم به مطلوبه، وهذا إثبات لمقدمة من المقدمات مطلوبه، كما لو منع علية العلة، أو وجودها في الأصل أو في الفرع، فإنه يصح معه أن يثبتها ولا يعد منعه ذلك قطعا له، إذ لا فرق بين مقدمة ومقدمة، ولا أثر لكونه حكما شرعيا كالأول.
وهذا هو الذي أشار إليه المصنف فيما تقدم بقوله: (وكذلك لو أثبت الأصل بنص، ثم أثبت العلة بطريقها على الأصح)، لأنه لو لم يقبل لم تقبل مقدمة تقبل المنع، [نعم لو اصطلح النظار عليه نظر إلى ذلك لم يبعد].
ولذلك قال الغزالي: "يتبع عرف المكان، فإن عدوه قطعا فقطع، وإلا فلا؛ لأنه أمر وضعي لا مدخل فيه للشرع والعقل".
وقال أبو إسحاق الشيرازي: "لا يسمع هذا المنع، فلا تلزم المستدل الدلالة على حكم الأصل".
واستبعده المصنف؛ لأن غرض/ المستدل إقامة الحجة على خصمه، ولا
стр. 1375
تقوم مع كون أصله ممنوعا، ولم يقم عليه دليلا هو جزء الدليل، ولا يثبت الدليل إلا بثبوت جميع أجزائه.
وإذا قلنا بسماعه، فأقام المستدل الدليل، فهل ينقطع المعترض بمجرد إبداء المستدل الدليل حتى لا يتمكن المعترض من منع مقدمات ذلك الدليل، أو له أن يعترض عليها؟ .
المختار: لا ينقطع، وله أن يعترض، إذ لا يلزم من صورة دليل صحته ولابد في ثبوت المقدمة الممنوعة من صحته، فيطالب ببيان صحته، وذلك بصحة مقدمة مقدمته، وهو معنى المنع.
قالوا: اشتغال بما هو خارج عن المقصود فإن من كان غرضه صحة بيع فاشتغل ببيان صحة النكاح فاته مقصوده، إذ ربما ثم المجلس ولم يتم له ذلك.
قلنا: المقصود لا يحصل إلا به، فليس بخارج عن المقصود، ولا عبرة بطول الزمان.
قال: (التقسيم وهو: كون اللفظ مترددا بين أمرين أحدهما ممنوع.
والمختار: وروده.
مثاله في الصحيح الحاضر: وجد السبب بتعذر الماء فساغ التيمم، فيقول: السبب تعذر الماء أو تعذر الماء في السفر أو المرض، الأول ممنوع وحاصله: منع يأتي، ولكنه بعد تقسيم.
وأما نحو قولهم في الملتجئ إلى الحرم: وجد سبب استيفاء القصاص فيجب، فيقول: متى منع مانع الالتجاء إلى الحرم، أو مع عدمه، فحاصله: طلب نفي المانع، ولا يلزم).
стр. 1376
أقول: التقسيم: هو أن يكون اللفظ مترددا بين أمرين أحدهما ممنوع فيمنعه، إما مع السكوت عن الآخر لأنه لا يضره، أو مع التعرض لتسليمه، وهذا السؤال على مقتضى التعريف [لا] يختص بحكم الأصل، ولا بالعلة وعلى ما مثل المصنف يكون من [أسولة] العلة، وموقعه على هذا بعد منه حكم الأصل –لكونه متعلقا بالوصف الذي هو متفرع عن حكم الأصل- وأن يكون مقدما على منع وجود الوصف، لدلالة منع وجوده على تعينه.
وبعضهم منع قبول هذا السؤال، محتجا بأن إبطال أحد محتملي كلام المستدل لا يكون إبطالا له.
والمختار: قبوله إذ به يتعين مراده، إذ لعله غير مراده.
مثاله في الصحيح الحاضر إذا فقد الماء أن يقول: وجد سبب التيمم وهو تعذر الماء- فساغ التيمم قياسا على المريض والمسافر.
فيقول المعترض: ما تريد بقوله: تعذر الماء سبب؟ تريد أن تعذر الماء سبب مطلقا؟ أو أن تعذر الماء في المرض أو السفر سبب؟ .
الأول ممنوع، والثاني مسلم، إلا أنه غير موجود في الفرع.
قلت: وفي هذا المثال نظر؛ لأن شرط هذا السؤال احتمال اللفظ لأمرين على السؤال في الظاهر، وهنا كلام المستدل ظاهر في أنه سبب مطلقا.
ثم قال المصنف: وحاصل سؤال التقسيم: منع يأتي على مقدمة من
стр. 1377
مقدمات القياس، إلا أنه/ بعد تقسيم، فيأتي فيه ما يأتي في منع كونه علة من الأبحاث، من كونه مقبولا أو لا، وكيفية الجواب عنه.
وأنت تعلم مما تقدم في سؤال الاستفسار من أن بيان احتمال اللفظ لأمرين على المعترض، ولا يكلف بيان التساوي لعسره ويكتفى ببيانه إجمالا.
وجوابه: ببيان كون اللفظ ظاهرا فيما عينه إما بالنقل، أو بالعرف، أو بالقرائن ... إلى آخره. ولو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدل عليهما، كقولهم في وجوب القصاص على القاتل الملتجئ إلى الحرم: ["وجد سبب استيفاء القصاص وهو القتل العمد العدوان فيجب".
فيقول المعترض: متى يجب مع مانع الالتجاء إلى الحرم] أو عدمه؟
فحاصل مثل هذا السؤال وهو أن يذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ عليهما، لعدم تردد لفظ السبب بين ما ذكر من الاحتمالين إذ هو سبب، كان الالتجاء مانعا من الاستيفاء أو لا، بخلاف التقسيم فإنه تردد بين احتمالين يكون أحدهما سببا والآخر غير سبب، هو طلب نفي المانع، ولا يلزم المستدل بيان نفي المانع، ويكفيه أن الأصل عدمه، فلو أضاف المعترض إلى ذلك بيان وجود المانع، فهو انتقال إلى المعارضة.
واعلم أن هذا السؤال لا يرد بعد سؤال الاستفسار؛ لأن المستدل إن دفع سؤال الاستفسار بحيث لا يبقى الإجمال، فالتقسيم لا يرد.
وإن أجاب عنه بتعيين ما قصده، فبعد التعيين لا حاجة إلى التقسيم.
стр. 1378
قال: (منع وجود المدعي علة في الأصل، مثل: الكلب حيوان يغسل الإناء من ولوغه سبعا، فلا يطهر بالدباغ كالخنزير، فيمنع.
وجوابه: بإثباته بدليله من عقل، أو حس، أو شرع).
أقول: من النوع الرابع من الاعتراضات: وهو ما يختص بالمقدمة الثانية من مقدمات القياس، وهو قولهم: والحكم في الأصل معلل بوصف كذا، ما ذكر المصنف، والقدح إما في وجوده وإما في علته، والثاني إما نفي العلة صريحا، أو نفي لازمها.
والأول إما منع مجرد أو مطالبة، وبيان عدم تأثير أو معارضة، وبيان عدم تأثيره، والثاني: إما أن يختص بالمناسبة أو لا، فالمختص بحسب شروط المناسب وهو الإفضاء إلى المصلحة وعدم المعارض لها.
والظهور والانضباط [أربعة]، وهي: نفي كل واحد منها، وغير المختص، إما من حيث إن شرطها الاطراد، وإما من حيث إن شرطها ألا تكون بمعارض في الأصل.
أما نفي الطرد: وهو للحكمة كسر، وللوصف نقض، وأما الآخر فهو المعارضة في الأصل، صارت عشرة.
الأول: منع كون ما يدعي علة لحكم الأصل موجود فيه.
مثاله: ما قال في الكلب: حيوان يغسل من ولوغه/ سبعا، فلا يطهر
стр. 1379
بالدباغ كالخنزير.
فيقول المعترض: لا نسلم أن الخنزير يغسل الإناء من ولوغه سبعا.
وجواب هذا الاعتراض بإثبات وجود هذا الوصف في الأصل بما هو ثبوت طريق مثله؛ لأن الوصف قد يكون حسيا فبالحس، أو عقليا فبالعقل، أو شرعيا فبالشرع.
مثال يجمع الثلاثة: لو قال في القتل بالمثقل: قتل عمد عدوان.
فلو قيل: لا نسلم أنه قتل.
قال: بالحس.
فلو قيل: لا نسلم أنه عمد.
قال: بالعقل بأمارته.
فلو قيل: لا نسلم أنه عدوان.
قال: بالشرع؛ لأنه حرام.
وفي مثال المصنف يثبت بالشرع، أو يقول: أعنى به، إذا لم يغلب على ظنه الطهارة بدونها.
قال: (منع كونه علة، وهو من أعظم الأسولة لعمومه، وتشعب مسالكه.
والمختار: قبوله، وإلا لأدى إلى اللعب في التمسك بكل طردي.
قالوا: القياس رد فرع إلى أصل بجامع، وقد حصل.
стр. 1380
قلنا: بجامع نظن صحته، فلا يسمع المنع.
قلنا: يلزم أن تصح كل صورة دليل مع عجز المعترض.
وجوابه: بإثباته بأحد مسالكه، فيرد على كل منهما ما هو شرط، فعلى ظاهر الكتاب الإجمال أو التأويل، والمعارضة، أو القول بالموجب، أو المعارضة بمثله، فيسلم القياس.
وعلى السنة ذلك، والطعن بأنه مرسل، أو موقوف، وفي رواية بضعفه، أو قول شيخه: لم يروه عني.
وعلى تخريج [المناط ما يأتي، وما تقدم).
أقول: ومن الاعتراضات: منع كون الوصف المدعى عليته علة، وهو من أعظم] الأسولة لعمومه في الأقيسة، إذ العلة قلما تكون قطعية، ولتشعب مسالك العلة، فتتعدد طرق الانفصال عنها، وعلى كل واحد منها أبحاث، وقد قيل: إنه لا يقبل.
والمختار: قبوله، وإلا أدى إلى التمسك بكل وصف طردي فيضيع القياس إذ لا يفيد ظنا، وتكون المناظرة عبثا.
قالوا: القياس إلحاق فرع بأصل بجامع وقد حصل، وإذا حصل مدعاه لا يكلف ما لم يدعه.
الجواب: لا نسلم أن حقيقة القياس ذلك، بل إلحاق فرع بأصل بجامع
стр. 1381
تظن صحته، وهذا القيد معتبر في حد القياس اتفاقا، ولم يوجد.
قالوا: عجز المعترض عن إبطال دليل صحته، إذ طرق عدم العلية من كون الوصف طرديا، أو إبداء وصف آخر وغير ذلك، مما لا يخفى على المجتهد والمناظر، فلو وجد لوجده، ولو وجده لأظهره، فلما لم يظهره على أن لو يوجد، فالفرار إلى مجرد المنع يكفينا دليلا على صحته، فلا يسمع المنع ولا يشتغل بجوابه لأنه شاهد على نفسه بالبطلان.
قلنا: فيلزم أن كل صورة دليل عجز المعترض عن إبطالها فهي صحيحة، حتى لو استدل واحد على وقوع أحد النقيضين، واستدل الآخر على وقوع النقيض الآخر، وتعارضا وعجز كل عن إبطال دليل الآخر، أن يكونا صحيحين.
/وقد يقال: السبر دليل ظاهر عام لا يعجز عنه مستدل، وعليه طريق إثبات العلة أولا، فلا يسمع هذا المنع، ولما ظهر أن هذا المنع مسموع.
فالجواب: إثبات العلة بمسلك من مسالكها المذكورة، فيرد على كل منها ما هو شرط في صحة ذلك المسلك.
فعلى الإجماع منع وجوده، أو منع دلالة السكوت على الموافقة، أو أنه بنقل الواحد، أو المعارضة بإجماع آخر، أو بمتواتر قطعي.
وعلى ظاهر الكتاب إذا ثبت به علية الوصف، كما لو قال في بيع الغائب: قال تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ وهو يدل على صحة كل بيع.
فيعترض: بالاستفسار، وبمنع ظهور دلالته، أو لا نسلم أن اللام
стр. 1382
للعموم، أو التأويل بدليل يصيره راجحا، وهو نهيه ﵇ عن بيع الغرر، أو الإجمال.
وما ذكرناه إن لم يصيره راجحا، فإنه يعارض الظهور فيبقى مجملا.
أو بالمعارضة بآية أخرى، كما لو عارض بقوله: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، وهذا لم يتحقق فيه الرضا، إذ لم ير المبيع أو القول بالموجب وهو تسليم مقتضى ظاهر الكتاب مع بقاء الخلاف، فإنا لا نسلم حل البيع، والخلاف في صحته باق، ولم يثبته.
وعلى ظاهر السنة مثل ذلك، وتختص أخبار الآحاد بالطعن في السند بما ذكر، أو خلل في ضبطه.
وعلى تخريج المناط بما يأتي من القدح في المناسبة، والقدح في الإفضاء، وكونه خفيا، وكونه غير منضبط، وبما تقدم من أنه غريب، أو ثبت إلغاؤه أو مرسل ملائم.
لا ما ذكر الشارحون من أن ما تقدم هو استلزام المفسدة؛ لأن ذلك يأتي وهو القدح في المناسبة.
قال: (عدم التأثير وهو أربعة أقسام:
عدم التأثير في الوصف، مثل: صلاة لا تقصر فلا تقدم كالمغرب؛ لأن عدم القصر في نفي التقديم طردي، فيرجع إلى سؤال المطالبة).
стр. 1383
الثاني: عدم التأثير في الأصل، مثاله في بيع الغائب: بيع غير مرئي فلا يصح كالطير في الهواء، فإن العجز عن التسليم مستقل.
وحاصله: معارضة في الأصل.
الثالث: عدم التأثير في الحكم، مثاله في المرتدين: مشركون أتلفوا مالا في دار الحرب، فلا ضمان كالحربي، ودار الحرب عندهم طردي، وحصله كالأول.
الرابع: عدم التأثير في الفرع، مثاله: زوجت نفسها من غير كفء فلا يصح، وحاصله كالثاني.
وكل فرض جعل وصفا في العلة مع اعترافه بطرده مردود، بخلاف غيره على المختار فيها).
أقول: عدم التأثير: هو إبداء وصف لا أثر له في ثبوت الحكم، وقسمه الجدليون أربعة أقسام.
عدم التأثير في الوصف/ مطلقا، ثم عدم تأثيره في ذلك الأصل، ثم عدم تأثير قيد منه، ثم عدم اطراده، فيعلم من ذلك عدم تأثيره في محل النزاع.
وخصوا كل قسم باسم، تمييزا لبعضها عن بعض.
مثال الأول: ما لو قيل في الصبح: صلاة لا تقصر فلا يقدم أذانها كالمغرب، فيقول: عدم القصر لا تأثير له في عدم قديم الأذان، إذ لا مناسبة فيه ولا شبه فهو طردي، ولذلك استوى المغرب فيه وغيره مما يقصر.
стр. 1384
ومرجعه المطالبة بكون العلة علة، فهو يغني عنه، وجوابه كجوابها فلا يجتمعان.
الثاني: عدم التأثير في ذلك الأصل، مثاله: ما لو قال في بيع الغائب: مبيع غير مرئي فلا يصح بيعه كالطير في الهواء، فيقول المعترض: كونه غير مرئي –وإن ناسب نفيس الصحة –إلا أنه استغني عنه بغيره، فلا أثر له في مسألة الطير، ضرورة استواء المنع في المرئي وغيره، والعجز عن التسليم مستقل في منع الصحة.
ومرجعه المعارضة في الأصل بإبداء علة أخرى هي العجز عن التسليم، وهو غير مقبول عند الأستاذ؛ لأنه إشارة إلى علة أخرى في الأصل، ولا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين.
والذي ينبغي على اختيار المصنف أن يسمع لما سيأتي، أما من منع تعليل الحكم بعلتين فيسمعه.
الثالث: أن يضم إلى الوصف المعلل به وصفا لا تأثير له في الحكم المعلل ويسمى عدم التأثير في الحكم.
مثاله: أن يقول: المرتد مشرك أتلف مالا في دار الحرب، فلا يضمن كالحربي، فيقول المعترض: دار الحرب لا تأثير له عندك، ضرورة استواء الإتلاف في دار الحرب ودار الإسلام في عدم وجوب الضمان عندك.
وحاصله يرجع إلى سؤال المطالبة إن كان الوصف طرديا بالنسبة إلى ذلك الحكم، أما إن كان مؤثرا بالنسبة إليه رجع إلى سؤال الإلغاء.
стр. 1385
الرابع: أن يكون الوصف المذكور لا يطرد في جميع صور النزاع –وإن كان مناسبا- ويسمى عدم التأثير في الفرع، كما لو قال في تزويج المرأة نفسها من غير كفئ: زوجت نفسها من غير كفء فلا يصح، كما لو أنكحها الولي من غير كفء، لاشتراكهما في أنه نكاح لم يراع فيه كفاءة الزوج، وتزويجها نفسها من غير كفء- وإن كان مناسبا للحكم المذكور- غير أنه لا يطرد في جميع صور النزاع، إذ النزاع واقع فيما إذا زوجت نفسها من الكفء وغي الكفء.
وحاصل هذا كالثاني؛ لأن التزويج من غير كفء لا تأثير له في الأصل إذ المؤثر عدم رضاها.
وقال في المنتهى: "وحاصله كالثالث"، أي أن تزويجها نفسها مستقل بعدم الصحة.
قال سيف الدين: /قد يكون أخذ الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مفيدا، بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع الموجود في صورة النقض، لوجود الشرط الفائت فيها لقصد دفع النقض، أو مشيرا إلى قصد الفرض في الدليل في بعض صور النزاع، كما ذكر في مثال الإتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، ولا يكون عديم التأثير، إذ هو غير مستغى عنه في إثبات الحكم، إما لدفع النقض، أو لقصد الفرض.
وقال المصنف: إنه إن اعترف المستدل بطرده فهو مردود على المختار،
стр. 1386
وإلا فهو مقبول على المختار.
قال: (القدح في المناسبة بما يلزم من مفسدة راجحة أو مساوية.
وجوابه: بالترجيح تفصيلا، أو إجمالا كما سبق).
أقول: شرع الآن في الأربعة المخصوصة بالمناسبة:
الأول: القدح في المناسبة: وهو إبداء مفسدة راجحة أو مساوية، لما مر أن المناسبة تنخرم بهما.
وجوابه: بترجيح المصلحة إجمالا، أو تفصيلا كما سبق.
أما التفصيلي: فبخصوص المسألة بأن هذا ضروري وذاك حاجي، أو بأن إفضاء هذا إلى المصلحة قطعي أو أكثري، وذاك ظني أو أقلي، أو بأن هذا اعتبر نوعه في نوع الحكم، وذاك اعتبر جنسه، إلى غير ذلك مما تقدم.
وأما إجمالا: فيلزم التعبد لولا اعتبار المصلحة، كما لو قال في الفسخ في المجلس: وجد سبب الفسخ فيوجد الفسخ، وذلك دفع ضرر المحتاج إليه منهما، فيقول المعترض: معارض لضرر الآخر، فيقول: ذلك يطلب نفعا وهذا يدفع ضرره، ودفع الضرر أهم.
قال: (القدح في إفضاء الحكم إلى المقصود، كما لو علل حرمة المصاهرة على التأبيد بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب المؤدي إلى الفجور.
فإذا تأبد انسد باب الطمع المفضي إلى مقدمات الهم والنظر المفضية إلى ذلك.
стр. 1387
فيقول: بل سد باب النكاح أفضى إلى الفجور، والنفس مائلة إلى الممنوع.
وجوابه: أن التأبيد يمنع عادة بما ذكر، فيصير كالطبيعي، كالأمهات).
أقول: الثاني: القدح في إفضائه إلى المصلحة المقصودة من شرع الحكم، كما لو قال: علة تحريم ذوات المحارم من الأصهار على التأبيد، الحاجة إلى ارتفاع الحجاب، ووجه المناسبة: أنه يفضي إلى رفع الفجور، لأن رفع الحجاب وتلاقي الرجال والنساء يفضي إلى الفجور، لكن يرتفع بتحريم التأبيد، إذ يرتفع الطمع المفضي إلى مقدمات الهم والنظر المفضية إلى الفجور.
فيقول المعترض: لا يفضي إلى ذلك: بل سد باب النكاح أفضى إلى الفجور؛ لأن النفس حريصة على ما منعت منه، وقوة الشهوة مع النظر مظنة الفجور.
والجواب: بيان الإفضاء، بأن يقول في المسألة: التأبيد يمنع –عادة- ما ذكرناه من مقدمات الهم والنظر، وبالدوام يصير /كالأمر الطبيعي، فلا يشتهين كالأمهات.
قال: (كون الوصف خفيا كالرضا والقصد، والخفي لا يعرف الخفي.
وجوابه: ضبطه بما دل عليه من الصيغ والأفعال).
стр. 1388
أقول: الثالث منها: كون الوصف غير ظاهر، كالرضا في العقود والقصد في الأفعال.
والجواب: ضبطه بصيغة ظاهرة، كضبط الرضا بصيغ العقود، وضبط العمد بفعل يدل عليه عادة، كاستعمال الجارح –مثلا- في [المقتل].
قال: (كونه غير منضبط، كالتعليل بالحكم والمقاصد، كالحرج والمشقة والزجر، فإنها تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال.
وجوابه: إما أنه منضبط بنفسه أو بضابط، كضبط الحرج بالسفر ونحوه).
أقول: الرابع منها: كون الوصف غير منضبط كالحكم والمصالح، كالحرج والمشقة والزجر، فإنها ذات مراتب غير محصورة ولا متميزة، وتختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال، فلا يعرف القدر المقصود مها، وما هذا شأنه فعادة الشرع فيه رد الناس إلى الأوصاف المنضبطة دفعا للعسر عنهم.
وجوابه: إما أنه منضبط بنفسه، كما نقول في المشقة والمضرة: إنه منضبط عرفا، وإما بوصف كضبط الحرج بالسفر، والزجر بالحد، والأربعة راجعة إلى منع علية الوصف.
الأول: بإبداء وجود المانع.
стр. 1389
والثاني: بواسطة عدم ترتيب المقصود عليه.
والثالث والرابع: بواسطة انتفاء شرطه.
قال: (النقض كما تقدم، وفي تمكن المعترض من الدلالة على وجود العلة إذا منع.
ثالثها: يمكن ما لم يكن حكما شرعا، لأنه انتقال.
ورابعها: ما لم يكن طريق أولى بالقدح.
قالوا: ولو دل المستدل على وجود العلة بدليل موجود في محل النقض فمنع وجودها.
فقال: المعترض: ينتقض دليلك، لم يسمع لأنه انتقال من نقض العلة إلى نقض دليلها، وفيه نظر.
أما لو قال: يلزمك إما انتقاض علتك أو انتقاض دليلها كان متجها.
ولو منع المستدل تخلف الحكم، ففي تمكين المعترض من الدلالة.
ثالثها: يمكن ما لم يكن طريق أولى.
والمختار: لا يجب الاحتراز من النقض.
وثالثها: إلا في المستثنيات.
لنا: أنه سئل عن الدليل، وانتفاء المعارض ليس منه.
وأيضا: فإنه وارد، وإن احترز اتفاقا.
وجوابه: ببيان معارض اقتضى الحكم أو خلافه كالعرايا وضرب الدية، أو لدفع مفسدة آكد كحل الميتة، فإن كان التعليل بظاهر عام، حكم بتخصيصه، وتقرير المانع كما تقدم).
стр. 1390
أقول: النقض –كما تقدم- هو وجود المدعى علة مع تخلف الحكم في تلك الصورة، ويمكن في جوابه/ منع كل واحد منهما.
الأول: ما لو منع المستدل وجود الوصف في صورة لنقض وهو وارد، لكن اختلفوا هل للمعترض أن يستدل على وجوده؟ .
فقيل: له ذلك، إذ به يتم إبطال دليل المستدل.
وقيل لا؛ لأنه انتقال من الاعتراض إلى الاستدلال.
وقيل: إن كان الوصف حكما شرعيا فلا؛ لأنه انتقال حقيقة وإلا جاز.
وقيل: إن كان له طريق في القدح أولى من النقض، لم يكن له ذلك وإلا جاز.
قال الجدليون: لو ذكر المستدل دليلا على وجود العلة في الأصل، وكان ذلك الدليل موجودا في محل النقض، فنقض المعترض العلة، فقال المستدل: لا نسلم وجودها، فقال المعترض: فينتقض دليلك لوجوده في محل النقض بدون مدلوله وهو وجود العلة، لم يسمع من المعترض؛ لأنه انتقال من نقض العلة إلى نقض دليلها.
قال الصنف: وفيه نظر؛ إذ القدح في دليل العلة قدح فيها وهو المطلوب فلا انتقال، أو أنه لا يلزم من إبطال الدليل إبطال المدلول، لجواز مدرك آخر، لكن ظن العلية إنما هو من دليلها، فالقدح فيه يستلزم القدح فيها بالنسبة إلينا.
стр. 1391
قيل: كأن القائل بعدم السماع نظر إلى خلاف ما أقر به المعترض أولا، فإن نقض العلة بدون وجود الوصف في صورة النقض لا يتصور، ونقض دليل العلة لا يتصور إلا عند عدم الوصف في صورة النقض.
رد: بأن المعترض إنما نقض دليل العلة بعدم وجود الوصف في صورة النقض على زعم المستدل، فلا يلزم خلاف ما أقر به أولا، هذا إذا ادعى انتقاض دليل العلة عينا، أما لو ادعى أحد الأمرين، فقال: يلزمك إما انتقاض العلة أو انتقاض دليلها، وأيا ما كان فلا تثبت العلية، كان مسموعا إذا عدم الانتقال ظاهر.
الثاني: م لو منع المستدل تخلف الحكم في صورة النقض وهو وارد.
واختلفوا: هل للمعترض إقامة الدليل على عدم الحكم؟ .
قيل: له ذلك، إذ به يحصل مطلوبه، وقيل: لا؛ لأنه انتقال.
وقيل: له ذلك إذا لم يكن له طريق أولى بالقدح.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنهم –أيضا- قد اختلفوا في أنه هل يجب على المستدل أن يحترز في متن دليله من النقض، بأن يذكر قيدا يخرج صورة النقض؟ . فقيل: يلزمه لئلا تنتقض العلة.
وقيل: يلزمه إلا في المستثنيات لأنها ترد على علة، فإذا قال في الذرة: "مطعوم؛ فيجب التساوي في بيع بعضه ببعض كالبر"، ولا حاجة إلى أن يقول، ولا حاجة تدعوا إلى عدمه لتخرج العرايا، فإنه وارد على كل تقدير سواء عللنا بالطعم، أو الكيل، أو بالقوت، فلا تعلق له بإبطال مذهب وتصحيح آخر.
стр. 1392
والمختار: لا يجب أصلا لأنه سئل عن دليل العلة وقد وفى به، والنقض دليل عدم العلة/ فهو معارض، ونفي المعارض ليس من الدليل فلا يلزمه.
قيل: المراد من الدليل ما يلزم من العلم به العلم أو الظن بالمدلول، ولا يحصل إلا بعد التعرض لانتفاء المعارض.
قلت: قد قدم أن المراد من العلة الباعث، وانتفاء المعارض ليس منه.
وأيضا: الأصل عدمه.
وأيضا: إن ذكره فإنما يذكره لئلا يرد النقض، وذلك إنما يصح إذا لم يرد النقض معه.
وليس كذلك، فإنه وارد معه اتفاقا بأن يقول: هذا وصف طردي والباقي منتقض، وإذا لم يمكن دفع النقض بمنع وجود العلة في محل النقض، ويمنع تخلف الحكم عنها فيه.
فجواب النقض: بإبداء معارض هو المانع في صورة النقض، اقتضى نقيض الحكم كنفي الوجوب، أو خلافه كالحرمة للوجوب، وذلك إما لتحصيل مصلحة كما في العرايا إذا أوردت على الربويات، لعموم الحاجة إلى الرطب والتمر وقد لا يكون عندهم ثمن آخر، وكضرب الدية على العاقلة إذا نقض بها التعليل بالبراءة الموجبة لعدم المؤاخذة على غير الجاني، لتحصيل مصلحة أولياء المقتول، وإما دفع مفسدة كما إذا علل حرمة الميتة بالنجاسة أو الضرر أو القذارة.
فيورد المضطر فيقول: ذلك لدفع مفسدة هلاك النفس وهي آكد، أما لو كانت العلة بظاهر عام فلا يجب إبداء المانع، بل يحكم بتخصيصه بغير محل
стр. 1393
النقض، وتقدير المانع كحدوث مصلحة أو دفع مفسدة، فيكون تخصيصا للعموم لا للعلة، فإنه أهون.
قال: (الكسر: وهو نقض في المعنى، الكلام فيه كالنقض).
أقول: الكسر هو: نقض المعنى.
وحاصله: وجود الحكمة في صورة مع عدم الحكم، وقد علمت هل يسمع ومتى يسمع.
وحيث سمع فهو كالنقض، غير أن منع وجود العلة هنا أظهر منه في النقض لما مر أن قدر الحكمة يتفاوت، وانتفاء الحكم هنا قد يدفع بأنه لم لا يجوز أن يثبت حكم آخر هو أولى بالحكمة؟ .
قال: (المعارضة في الأصل بمعنى آخر، إما مستقل كمعارضة الكيل بالطعم أو القوت، وإما غير مستقل كمعارضة القتل العمد العدوان بالجارح، والمختار: قبولها.
لنا: لو لم تكن مقبولة لم يمتنع التحكم؛ لأن الوصف المدعى علة ليس بأولى بالحرمة أو بالاستقلال من وصف المعارضة، فإن رجح بالتوسعة منع الدلالة.
ولو سلم، عورض بأن الأصل انتفاء الأحكام، وباعتبارهما معا.
وأيضا: فلما ثبت أن مباحث الصحابة كانت جمعا وفرقا.
قالوا: استقلالهما بالمناسبة يستلزم التعدد.
стр. 1394
قلنا: تحكم باطل، كما لو أعطى قريبا عالما.
أقول: المعارضة في الأصل، هي أن يبدي المعترض معنى آخر يصلح للتعليل مستقلا، فيحتمل أن يكون علة دون وصف المستدل، وأن يكون جزء علة، فهو مع الأول علة/ مستقلة، وعلى التقديرين فلا يحصل الحكم بالأول وحده، كما لو علل حرمة الربا بالطعم، فيعارضه بالكيل أو القوت.
وأما غير المستقل، فيحتمل أن يكون جزء علة فينتفي استقلال الأول، كما لو علل القصاص في المحدد بكونه قتلا عمدا عدوانا، فيعارضه بكونه بالجارح، فإنه لما جاز أن تكون العلة ذكر –مع قيد كونه بالجارح- لم يتعد إلى المثقل.
واختلف في قبول هذه المعارضة.
فمنهم من لم يقبلها، بناء على أنه لا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، ومنهم من قبله وأوجب الجواب عنه بناء على امتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين، والمختار عند المصنف قبولها في الصورتين.
فإن قلت: المصنف يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين، فيلزم ألا يسمع المعارضة في الوجه الأول.
وأيضا: قال بعد هذا: (النقض يورد لإبطال العلة، والمعارضة لإبطال استقلالها)؛ فدل على أنه إنما يسمع القسم الثاني فقط.
стр. 1395
قلت: المصنف إنما يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين بالنوع، وأما بالشخص فإنما جوزه في المنصوصة دون المستنبطة، وإنما حملنا على ذلك وإن كان ظاهر قوله: (القائلون بالوقوع إذا اجتمعت فالمختار كل واحدة علة) أنه جوزه مطلقا لأجل قوله بعد ذلك: (وألا تكون المستنبطة بمعارض في الأصل)، فشرط في صحة التعليل بها ألا تكون بمعارض في الأصل.
وأما قوله: (والمعارضة لإبطال استقلالها)، فلا يدل على ذلك؛ لأنها على الوجهين تورد لإبطال الاستقلال.
لأنه يقول في الوجه الأول: جعل وصفك أو وصفي دون جعل المجموع علة تحكم، وفي الجزء يقول: ليس جعل جزئك علة بأولى من جعل المجموع، فهو يورد لإبطال استقلال وصف المستدل.
ويدل على أن المصنف أراد الصورتين أنه قال في عدم التأثير: (وحاصله معارضة في الأصل) وهو إنما عارض بالمستقل، وظاهره أنه سمعه لقوله: وهي خمسة وعشرون، وإلا لم تسمع، وهو منها.
وأيضا: دليل الخصوم في قوله: استقلالهما بالمناسبة.
وجوابه يدل عليه، وهو يدل –أيضا- على أنه إنما سمعه إذا كانت
стр. 1396
مستنبطة؛ لأن ما ذكر مستنبطة، وأن تعليل الحكم بعلتين منصوصتين في محل جائز، فلا يسمع المعارضة بمنصوصة مستقلة.
احتج المصنف على قبوله: بأنه لو لم يقبل لم يمتنع التحكم، واللازم باطل أما الملازمة، فلأن الوصف المبدى في الصورة الأولى يصلح للاستقلال والجزئية كوصف المستدل، والمبدى في الثانية يصلح للجزئية كوصف المستدل فالحكم بالاستقلال المدعى دون اعتبارهما معا تحكم.
قيل: في لفظه تساهل، لإيهامه أن المستدل ادعى أنه جزء علة، فالأولى أن يقول: ليس أولى/ بالاستقلال من الجزئية.
وأيضا: قوله: (من وصف المعارضة) ضائع لا يحتاج إليه.
قلت: إذا جعل من وصف المعارضة متعلقا بقوله: (أولى) لم يكن تساهلا، ولم يكن ما ذكر ضائعا، إلا أن فيه إطلاق المصدر لإرادة اسم الفاعل.
فإن قيل: لا تحكم مع الرجحان؛ إذ في اعتبار وصف المستدل دون وصف المعارضة توسعة الأحكام؛ لأنه إذا اعتبر، تعدى الحكم إلى الفرع، ولو اعتبر الآخر ولم يوجد في الفرع لم يتعد.
قلنا: لا نسلم دلالة حصول التوسعة –بكونها علة على كونها علة تعم- يصلح ذلك مرجحا لدليل يثبت عليتها لو كان، والكلام فيه.
وقال بعض الشراح: المراد بقوله منع الدلالة، أي يمنع دلالة الاستقلال على وجود الوصف في الفرع حتى تلزم التوسعة.
стр. 1397
وقال بعضهم: لا نسلم دلالة الاستقلال على التوسعة، ثم سلم المنع وعارض، بأن اعتبار وصف المعارضة يوافق النفي الأصلي، إذ الأصل انتفاء الأحكام، فيعارض الترجيح بالتوسعة.
وأيضا: الجزئية توجب اعتبار الوصفين، واعتبارهما أولى من أحدهما.
ولنا –أيضا من جهة النقل- ما يدل على أن المعارضة مقبولة: أن مباحث الصحابة كانت جمعا وفرقا.
والفرق إنما يتحقق بكون ما جعل المستدل على جزء علة، وقد لا يتعين ذلك، إذ الفرق يكون بإبداء معارض في الفرع.
فالأولى أن يقال: مباحث الصحابة كانت جمعا وفرقا، والمعارضة في الأصل جمع وفرق؛ لأن المستدل جمع، والمعترض فرق.
قالوا: المفروض استقلال كل منهما بالمناسبة، وهو يستلزم تعدد العلة فيصار إليه، وحينئذ يكون ما ذكرناه علة مستقلة وعلة غيره لا يضر.
الجواب: لما احتمل استقلالها والتعدد وجزئيتهما والوحدة، كان الحكم بالاستقلال والتعدد تحكما محضا، وأنه باطل، كما لو أعطى قريبا عالما فإنه يمكن أن يكون إعطاؤه لقرابته أو لعلمه أو لهما، فالحكم بأحدهما دون المجموع مهما تحكم.
قيل في تقرير هذا الدليل: لو قبل لزم استقلال كل واحد من وصفي المستدل والمعارض بالعلية، واستقلالهما بالعلية يستلزم تعدد العلة المستقلة وأنه باطل، ولا يخفى ضعفه؛ لأن هذا الدليل من جانب من جوز التعليل بعلتين.
стр. 1398
وقرره بعضهم: لو قبلت لامتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، أما الملازمة؛ فلأن استقلال كل واحد من وصفي المستدل والمعترض بالمناسبة يستلزم التعدد، فلو قبلت لكان ثبوت الحكم في الأصل بإحدى العلتين ينافي ثبوته بالأخرى، فلا يعلل بعلتين، وقد بينا/ جوازه.
قال: (وفي لزوم بيان نفي الوصف عن الفرع.
ثالثها: إن صرح، لزم الوفاء بما صرح.
لنا: أنه إذا لم يصرح فقد أتى بما لا ينهض معه الدليل، فإن صرح لزم الوفاء بما صرح.
والمختار: لا يحتاج إلى أصل؛ لأن حاصله نفي الحكم لعدم العلة، أو صد المستدل عن التعليل بذلك.
وأيضا: فأصل المستدل أصله).
أقول: إذا قلنا بقبول المعارضة، فهل على المعترض بيان نفي وصف المعارضة عن الفرع؟
قيل: لا؛ لأن غرضه عدم استقلال ما ادعى المستدل استقلاله، وهذا القدر يحصل بمجرد إبدائه، أو لأن الوصف إن كان موجودا في الفرع فعلى المستدل بيان وجوده فيه ليصح الإلحاق، وإن لم يبينه فلا جمع.
وقيل: عليه ذلك؛ لأن مقصوده الفرق، وهو لا يتم بدون نفيه عن الفرع.
وقيل: إن تعرض صريحا لعدمه في الفرع، لزمه بيان وإلا فلا، وهو
стр. 1399
المختار.
أما إنه إذا لم يصرح فليس عليه بيانه؛ فلأنه قد أتى بما لا يتم دليل المستدل معه، وهذا هو غرضه، لا بيان عدم الحكم في الفرع، حتى لو ثبت بدليل آخر لم يكن إلزاما له.
وأما إنه إذا صرح به لزمه؛ فلأنه التزم أمرا وإن لم يجب عليه ابتداء، فيلزمه بالتزامه، ويجب عليه الوفاء بما التزمه.
واعلم أنهم اختلفوا أيضا، هل يحتاج المعترض إلى أصل يبين تأثير وصفه الذي أبداه في ذلك الأصل؟
والمختار: لا يحتاج؛ لأن حاصله إما نفي ثبوت الحكم عن الفرع بعلة المستدل، ويكفيه ألا تثبت عليتها بالاستقلال، فلا يحتاج إلى أن يثبت علية ما أبداه استقلالا، فإن كونه جزء علة يحصل مقصوده.
وأما صد المستدل عن التعليل بذلك، فهو لا يدعي عليته حتى يحتاج إلى أصل يشهد له.
وأيضا: أصل المستدل أصل له، بأن يقول: العلة الطعم أو الكيل أو القوت كما في البر، فإذا مطالبته بالأصل مطالبة بما قد تحقق حصوله، فلا فائدة فيه.
قال: (وجواب المعارضة: إما بمنع وجود الوصف، أو المطالبة بتأثيره إن كان مثبتا بالمناسبة، أو بالشبه، لا بالسبر، أو بخفائه، أو عدم انضباطه، أو منع ظهوره أو انضباطه، أو بيان أنه عدم معارض في الفرع مثل: المكره –على المختار- بجامع القتل.
стр. 1400
فيعترض: بالطواعية.
فيجيب: بأنه عدم الإكراه المناسب نقيض الحكم وذلك طرد، أو يبين كونه ملغى، أو يبين استقلال ما عداه في صورة بظاهر أو إجماع، مثل: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" في معارضة المطعوم بالمكيل، ومثل: "من بدل دينه فاقتلوه" في معارضة التبديل بالكفر بعد الإيمان، غير معترض للتعميم).
أقول: جواب المعارضة من وجوه:
الأول: منع وجود الوصف، كما لو عارض القوت بالكيل، فيقول: لا نسلم/ أنه مكيل، إذ العبرة بما اعتيد فيه في زمانه ﵇، وكان إذ ذاك موزونا.
ومنها: المطالبة بكون وصف المعارضة مؤثرا – [ينظر هذا مع قوله: (والمختار لا يحتاج إلى أصل) -] وهذا إنما يسمع من المستدل إذا كان المعترض مثبتا لوصفه بالمناسبة أو بالشبه؛ لأن كل واحد منهما غير كاف، بل يحتاج مع ذلك إلى اقتران الحكم به باعتبار الشارع إياه، أما إذا كان أثبته بالسبر، فلا يحتاج إلى المطالبة بتأثير الوصف، فإن السبر كاف في الدلالة على العلية من غير اعتبار تأثير الوصف، فلا [يتمكن] المستدل من
стр. 1401
المطالبة المذكورة، هكذا قال جل الشراح.
وفي الإحكام والمتهى: إن كان المستدل أثبت علية الوصف بالمناسبة أو بالشبه لا بالسبر، يعني أنه إذا أثبته بالسبر، فقد أبطل ما عداه.
فإن أبدى المعترض وصفا آخر لزم المستدل إبطاله، لا [أنه] يطالب بتأثيره؛ لأن ذلك تسليم لمناسبته وذلك يبطل سبره.
هذا ما ظهر لي، والجزم بأن ما في الكتابين غلط من النساخ غير صحيح.
ومنها بيان خفائه، ومنها عدم انضباطه، ومنها منع ظهوره، ومنها منع انضباطه، إذ الظهور والانضباط شرط في الوصف المعلل به، فلابد في دعوى صلاحية الوصف ببيانهما.
وللصاد أن يبين عدمهما، وأن يطالب ببيان وجودهما.
ومنها: أن يبين أن الوصف عدم معارض في الفرع، كما لو قاس المكره على القتل على المختار له في وجوب القصاص بجامع القتل، فيقول المعترض: معارض بالطواعية، فإن العلة هي القتل مع الطواعية، فيجيب المستدل: بأن الطواعية عدم الإكراه المناسب لنقيض الحكم، وهو عدم القصاص.
فحاصله عدم المعارض، وهو طرد من الباعث في شيء.
لا يقال: لا يتم هذا الجواب؛ لأنه يستلزم ثبوت الفرق بين الأصل
стр. 1402
والفرع، فيبطل الإلحاق.
لأنا نقول: المناسب لعدم الحكم هو الإكراه السالب للاختيار بالكلية، وهو معدوم في الفرع.
ومنها: أن يبين كون الوصف ملغى، بأن يبين استقلال الباقي بالعلية في صورة إما بظاهر أو إجماع؛ فلا يكون وصف المعارض علة ولا جزء علة.
وإنما حملنا قوله على هذا، وإن كان ظاهر العطف يقتضي المغايرة؛ لأنه قد فسر الإلغاء قبل هذا بأنه بيان إثبات الحكم بالمتبقي فقط، إلا أن يحمل قوله: (يبين كونه ملغى) أي يبين كونه طرديا، فيكون [غيره].
مثال الأول: ما لو قاس التفاح على البر في حرمة الربا بجامع الطعم، فيعارض: بأن العلة في الأصل الكيل، فيجيب: بأن الطعم/ مستقل بالعلية فيه، بظاهر قوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء"، لما علمت أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته.
وفي المنتهى: في معارضة الطعم بالكيل وهو الصواب.
مثال آخر: في يهودي تنصر، بدل دينه فيقتل كالمرتد، فيعارض: بأن العلة الكفر بعد الإيمان، فيجيب، بأن التبديل معتبر في صورة ما، لقوله عليه
стр. 1403
السلام: "من بدل دينه فاقتلوه"، هذا إذا لم يتعرض للتعميم، فلو عمم فقال: فتثبت ربوية كل مطعوم، أو اعتبار كل تبديل للحديث، لم يسمع لأنه إثبات للحكم بالظاهر، لا أنه تتميم لاستقلال وصف المستدل، فيكون القياس ضائعا، ولا يضره كونه عاما إذا لم يتعرض للتعميم ولم يستدل به.
ومنه يعلم فساد حمل من حمله على أن المراد: ليس على المستدل أن يتعرض لثبوت الحكم في جميع صور وجود الوصف؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف –ولو في صورة- يكفي في الدلالة على العلية.
والحديث الأول لا يوجد بهذا اللفظ، وفي مسلم: "الطعام بالطعام مثلا بمثل"، والثاني خرجه البخاري بهذا اللفظ.
قال: (ولا يكفي إثبات الحكم في صورة دونه، لجواز علة أخرى ولذلك لو أبدى أمرا آخر يخلف ما ألغى، فسد الإلغاء، ويسمى تعدد الوضع لتعدد أصلها، مثل: أمان صدر من مسلم عاقل، فيصح كالحر لأنهما مظنتان لإظهار مصالح للإيمان.
فيعترض: بالحرية، لأنها مظنة الفراغ للنظر فيكون أكمل، فيلغيها بالمأذون له في القتل.
فيقول: خلف الإذن الحرية، فإنها مظنة لبذل الوسع، أو لعلم السيد لصلاحيته.
وجوابه: الإلغاء إلى أن يقف أحدهما، ولا يفيد الإلغاء بضعف المعنى مع تسليم المظنة.
стр. 1404
كما لو اعترض في الردة بالرجولية، فإنها مظنة الإقدام على القتال، فيلغيها بالمقطوع اليدين، ولا يكفي رجحان المعين، ولا كونه متعديا، فيجئ التحكم.
والصحيح: جواز تعدد الأصول، لقوة الظن به.
وفي جواز اقتصار المعارضة على أصل واحد قولان، وعلى الجميع ففي جواز اقتصار المستدل على أصل واحد قولان).
أقول: هل يكفي أن يبين استقلال الحكم في صورة دون وصف المعارضة، فيمتنع أن يكون وصف المعارضة علة مستقلة في محل التعليل، لما فيه من إلغاء المستقل واعتبار غير المستقل، أو ادخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما علل به المستدل في الفرع مع استقلاله.
قال الآمدي: يكفي.
وقال المصنف: لا يكفي، لجواز علة أخرى في تلك الصورة، لما تقدم من جواز تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين، ولذلك لو أبدى في صورة عدم وصف المعارضة وصفا/ آخر يخلفه لئلا يكون الباقي مستقلا، فسد الإلغاء لابتنائه على استقلال الباقي في تلك الصورة وقد بطل، وحينئذ لا يلزم من إثبات الحكم في صورة بعلة –مع عدم الصورة الأخرى فيها- إلغاء ما وجد في تلك الصورة، ويسمى هذا النوع من الإلغاء بتعدد الوضع، أي تعدد العلة المعتبرة، إذ صح القياس كونه على هيئة صالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه، وفساد وضعه ألا يكون كذلك وقد تقدم، فتعدد الوضع بتعدد
стр. 1405
أصليهما –أي أصلي وصفي المعارض- إذ كل وصف استنبط من أصل، هذا ما ظهر لي.
مثاله في أمان العبد للحربي: أمان من مسلم عاقل فيقبل كالحر، إذ الإسلام والعقل مظنتان لإظهار مصالح الإيمان من بذل الأمان وغيره، فيصح تعليل الأمان بهما.
فيقول المعترض: فهو معارض بكونه حرا، إذ العلة مسلما عاقلا حرا؛ إذ الحرية مظنة فراغ قلبه للنظر لعدم اشتغاله بخدمة أحد، فيكون إظهار مصالح الإيمان معه أكمل.
فيقول المستدل: الحرية ملغاة لاستقلال الإسلام والعقل به في صورة العبد المأذون له من قبل سيده في القتال.
فيقول المعترض: إذن السيد له خلف عن الحرية، فإنه مظنة لبذل الوسع فيما تصدى له من مصالح القتال، أو لعلم السيد بصلاحيته لإظهار مصالح الإيمان.
وجواب تعدد الوضع: أن يلغي المستدل ذلك الخلف بإبداء صورة لا يوجد فيها الخلف، فإن أبدى المعترض خلفا آخر، فجوابه إلغاؤه إلى أن يقف أحدهما فيكون هو المنقطع، ولا يفيد المستدل الإلغاء بضعف المعنى –إذا سلم وجود المظنة المتضمنة لذلك المعنى- كما لو قال: الردة علة القتل.
فيعترض: بأن العلة الردة مع الرجولية؛ لأنه مظنة الإقدام على قتال المسلمين، لأن ذلك معتاد من الرجال دون النساء.
فيجيب: بأن كونه مظنة، الإقدام غير معتبر، وإلا لم يقتل مقطوع
следующие страницы →