Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
المطالبة المذكورة، هكذا قال جل الشراح.
وفي الإحكام والمتهى: إن كان المستدل أثبت علية الوصف بالمناسبة أو بالشبه لا بالسبر، يعني أنه إذا أثبته بالسبر، فقد أبطل ما عداه.
فإن أبدى المعترض وصفا آخر لزم المستدل إبطاله، لا [أنه] يطالب بتأثيره؛ لأن ذلك تسليم لمناسبته وذلك يبطل سبره.
هذا ما ظهر لي، والجزم بأن ما في الكتابين غلط من النساخ غير صحيح.
ومنها بيان خفائه، ومنها عدم انضباطه، ومنها منع ظهوره، ومنها منع انضباطه، إذ الظهور والانضباط شرط في الوصف المعلل به، فلابد في دعوى صلاحية الوصف ببيانهما.
وللصاد أن يبين عدمهما، وأن يطالب ببيان وجودهما.
ومنها: أن يبين أن الوصف عدم معارض في الفرع، كما لو قاس المكره على القتل على المختار له في وجوب القصاص بجامع القتل، فيقول المعترض: معارض بالطواعية، فإن العلة هي القتل مع الطواعية، فيجيب المستدل: بأن الطواعية عدم الإكراه المناسب لنقيض الحكم، وهو عدم القصاص.
فحاصله عدم المعارض، وهو طرد من الباعث في شيء.
لا يقال: لا يتم هذا الجواب؛ لأنه يستلزم ثبوت الفرق بين الأصل
стр. 1402
والفرع، فيبطل الإلحاق.
لأنا نقول: المناسب لعدم الحكم هو الإكراه السالب للاختيار بالكلية، وهو معدوم في الفرع.
ومنها: أن يبين كون الوصف ملغى، بأن يبين استقلال الباقي بالعلية في صورة إما بظاهر أو إجماع؛ فلا يكون وصف المعارض علة ولا جزء علة.
وإنما حملنا قوله على هذا، وإن كان ظاهر العطف يقتضي المغايرة؛ لأنه قد فسر الإلغاء قبل هذا بأنه بيان إثبات الحكم بالمتبقي فقط، إلا أن يحمل قوله: (يبين كونه ملغى) أي يبين كونه طرديا، فيكون [غيره].
مثال الأول: ما لو قاس التفاح على البر في حرمة الربا بجامع الطعم، فيعارض: بأن العلة في الأصل الكيل، فيجيب: بأن الطعم/ مستقل بالعلية فيه، بظاهر قوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء"، لما علمت أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته.
وفي المنتهى: في معارضة الطعم بالكيل وهو الصواب.
مثال آخر: في يهودي تنصر، بدل دينه فيقتل كالمرتد، فيعارض: بأن العلة الكفر بعد الإيمان، فيجيب، بأن التبديل معتبر في صورة ما، لقوله عليه
стр. 1403
السلام: "من بدل دينه فاقتلوه"، هذا إذا لم يتعرض للتعميم، فلو عمم فقال: فتثبت ربوية كل مطعوم، أو اعتبار كل تبديل للحديث، لم يسمع لأنه إثبات للحكم بالظاهر، لا أنه تتميم لاستقلال وصف المستدل، فيكون القياس ضائعا، ولا يضره كونه عاما إذا لم يتعرض للتعميم ولم يستدل به.
ومنه يعلم فساد حمل من حمله على أن المراد: ليس على المستدل أن يتعرض لثبوت الحكم في جميع صور وجود الوصف؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف –ولو في صورة- يكفي في الدلالة على العلية.
والحديث الأول لا يوجد بهذا اللفظ، وفي مسلم: "الطعام بالطعام مثلا بمثل"، والثاني خرجه البخاري بهذا اللفظ.
قال: (ولا يكفي إثبات الحكم في صورة دونه، لجواز علة أخرى ولذلك لو أبدى أمرا آخر يخلف ما ألغى، فسد الإلغاء، ويسمى تعدد الوضع لتعدد أصلها، مثل: أمان صدر من مسلم عاقل، فيصح كالحر لأنهما مظنتان لإظهار مصالح للإيمان.
فيعترض: بالحرية، لأنها مظنة الفراغ للنظر فيكون أكمل، فيلغيها بالمأذون له في القتل.
فيقول: خلف الإذن الحرية، فإنها مظنة لبذل الوسع، أو لعلم السيد لصلاحيته.
وجوابه: الإلغاء إلى أن يقف أحدهما، ولا يفيد الإلغاء بضعف المعنى مع تسليم المظنة.
стр. 1404
كما لو اعترض في الردة بالرجولية، فإنها مظنة الإقدام على القتال، فيلغيها بالمقطوع اليدين، ولا يكفي رجحان المعين، ولا كونه متعديا، فيجئ التحكم.
والصحيح: جواز تعدد الأصول، لقوة الظن به.
وفي جواز اقتصار المعارضة على أصل واحد قولان، وعلى الجميع ففي جواز اقتصار المستدل على أصل واحد قولان).
أقول: هل يكفي أن يبين استقلال الحكم في صورة دون وصف المعارضة، فيمتنع أن يكون وصف المعارضة علة مستقلة في محل التعليل، لما فيه من إلغاء المستقل واعتبار غير المستقل، أو ادخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما علل به المستدل في الفرع مع استقلاله.
قال الآمدي: يكفي.
وقال المصنف: لا يكفي، لجواز علة أخرى في تلك الصورة، لما تقدم من جواز تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين، ولذلك لو أبدى في صورة عدم وصف المعارضة وصفا/ آخر يخلفه لئلا يكون الباقي مستقلا، فسد الإلغاء لابتنائه على استقلال الباقي في تلك الصورة وقد بطل، وحينئذ لا يلزم من إثبات الحكم في صورة بعلة –مع عدم الصورة الأخرى فيها- إلغاء ما وجد في تلك الصورة، ويسمى هذا النوع من الإلغاء بتعدد الوضع، أي تعدد العلة المعتبرة، إذ صح القياس كونه على هيئة صالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه، وفساد وضعه ألا يكون كذلك وقد تقدم، فتعدد الوضع بتعدد
стр. 1405
أصليهما –أي أصلي وصفي المعارض- إذ كل وصف استنبط من أصل، هذا ما ظهر لي.
مثاله في أمان العبد للحربي: أمان من مسلم عاقل فيقبل كالحر، إذ الإسلام والعقل مظنتان لإظهار مصالح الإيمان من بذل الأمان وغيره، فيصح تعليل الأمان بهما.
فيقول المعترض: فهو معارض بكونه حرا، إذ العلة مسلما عاقلا حرا؛ إذ الحرية مظنة فراغ قلبه للنظر لعدم اشتغاله بخدمة أحد، فيكون إظهار مصالح الإيمان معه أكمل.
فيقول المستدل: الحرية ملغاة لاستقلال الإسلام والعقل به في صورة العبد المأذون له من قبل سيده في القتال.
فيقول المعترض: إذن السيد له خلف عن الحرية، فإنه مظنة لبذل الوسع فيما تصدى له من مصالح القتال، أو لعلم السيد بصلاحيته لإظهار مصالح الإيمان.
وجواب تعدد الوضع: أن يلغي المستدل ذلك الخلف بإبداء صورة لا يوجد فيها الخلف، فإن أبدى المعترض خلفا آخر، فجوابه إلغاؤه إلى أن يقف أحدهما فيكون هو المنقطع، ولا يفيد المستدل الإلغاء بضعف المعنى –إذا سلم وجود المظنة المتضمنة لذلك المعنى- كما لو قال: الردة علة القتل.
فيعترض: بأن العلة الردة مع الرجولية؛ لأنه مظنة الإقدام على قتال المسلمين، لأن ذلك معتاد من الرجال دون النساء.
فيجيب: بأن كونه مظنة، الإقدام غير معتبر، وإلا لم يقتل مقطوع
стр. 1406
اليدين؛ لأن احتمال الإقدام فيه ضعيف، بل أضعف من النساء، وهذا لا يقبل منه لما سلم أن الرجولية مظنة اعتبرها الشارع، كترفه الملك لا يمنع ترخص السفر، إذ المعتبر المظنة لا مقدار الحكمة، لعدم انضباطها.
واعلم أن لا يكفي –أيضا- في جواب المعارضة أن يقول المستدل: ما عينته من الوصف راجح على ما عارضت به، ويبين وجها من الترجيح، إذ احتمال الجزئية باق، ولا بعد في ترجيح بعض الأجزاء على بعض، كالقتل العمد العدوان، فإن الأول أقوى فيجئ التحكم.
أيضا: كون ما عينه المستدل متعديا والآخر قاصرا، إذ مرجعه الترجيح بذلك، ولا يفيد الاستقلال فيجئ التحكم.
هذا مع أنه إن رجحت المتعدية، بأن اعتبارها/ يوجب امتناع الأحكام وبأنها متفق عليها بخلاف القاصرة، رجحت الأخرى بأنها موافقة للأصل، إذ الأصل عدم الأحكام، وبأن اعتبارها إعمال لهما بخلاف إلغائها.
ولو سلم ترجيحها، فإنما يفيد عدم استقلال القاصرة لا إبطالها بالكلية، لاحتمال الجزئية.
واعلم أنهم قد اختلفوا في جواز تعدد الأصول.
فقيل: لا يجوز، ويكتفي المستدل بأصل واحد، إذ غرضه الظن وهو يحصل به.
والصحيح: جوازه، لأنه يقوى به الظن.
ثم إذ جوزنا التعدد، فهل يقتصر المعترض على معارضة أصل واحد، أو
стр. 1407
يعارض في كل أصل؟ .
قولان، بناء على أن إبطال بعض كلامه إبطال لكلامه، أو أنه لو سلم له أصل واحد لكفاه في مقصوده، فلابد من إبطال الجميع.
وعلى القول بأنه لابد أن يعارض جميع الأصول، فهل يكتفي المستدل بدفع المعارضة عن أصل واحد؟ أو لابد أن يدفع عن كل واحد؟ .
قولان، بناء على أنه التزم الجميع، فيلزمه الدفع عن الجميع، أو أنه يحصل بالدفع عن واحد مطلوبه.
قال: (التركيب: تقدم التعدية، وتمثيلها في إجبار البكر البالغ: بكر فجاز إجبارها كالبكر الصغيرة.
فيعارض بالصغر، ويعديه إلى الثيب الصغيرة، ويرجع به إلى المعارضة في الأصل).
أقول: التركيب قد تقدم في شروط العلة، ومرجع مركب الوصف: منع حكم الأصل، أو منع العلية.
ومرجع مركب الأصل: منع الحكم، أو منع وجود العلة في الفرع.
وقد تقدم المثال، وليس بالحقيقة سؤالا برأسه.
وأما التعدية: فكما لو قال المستدل في البكر البالغ: بكر فتجبر كالصغيرة، فيقول المعترض: معارض بالصغر، وما ذكرت –وإن تعدى به الحكم إلى البكر البالغ- فما ذكرته يتعدى إلى الثيب الصغيرة.
وهذا التمثيل يجعل السؤال راجعا إلى المعارضة في الأصل بوصف آخر، مع زيادة تعرض للتساوي في التعدية، دفعا لترجيح المعين بالتعدية،
стр. 1408
فلا يكون سؤال آخر، وجوبه جوابها، ولا أثر لزيادة التسوية في التعدية.
قال: (منع وجوده في الفرع، مثل: أمان صدر من أهله في محله كالمأذون، فيمنع الأهلية.
وجوابه: ببيان وجود ما عناه بالأهلية، كجواب منعه في الأصل.
والصحيح: منع السائل من تقريره؛ لأن المستدل مدع فعليه إثباته لئلا ينتشر).
أقول: النوع الخامس: ما يرد باعتبار المقدمة الثالثة، وهي دعوى وجود العلة في الفرع، ويدفع وجودها بالمنع أو بالمعارضة، أو بدفع المساواة باعتبار ضميمة شرط في الأصل، أو مانع في الفرع، ويسمى الفرق، أو باعتبار نفس العلة لاختلاف في الضابط أو في المصلحة.
الأول: منع وجود الوصف المعلل به في الفرع، كما لو قال في أمان العبد/: أمان صدر من أهله كالمأذون له في القتال.
فيقول: لا نسلم أن العبد أهل للأمان.
والجواب: ببيان وجود ما يعنيه بالأهلية بحس أو عقل أو شرع، كما لو قال: أريد بالأهلية كونه مظنة لرعاية مصلحة الأمان، وهو بإسلامه وبلوغه كذلك عقلا.
فلو تعرض المعترض لتقرير معنى الأهلية بيانا لعدمها، فالصحيح لا يمكن منه؛ لأن تفسيرها وظيفة من تلفظ بها؛ لأنه العالم بمراده وهو المدعي فعليه الإثبات، ولئلا ينتشر الجدال فيعود المانع مستدلا.
стр. 1409
وقيل: يمكن لأنه تتميم لمراده، مع أن قصده الهدم، كما هو مختار المصنف في المعارضة في الفرع.
قال: (المعارضة في الفرع، لما يقتضي نقيض الحكم، على نحو طرق إثبات العلة، والمختار: قبولها لئلا تختل فائدة المناظرة.
قالوا: فيه قلب التناظر.
رد: بأن القصد الهدم.
وجوابه: بما يعترض به على المستدل.
والمختار: قبول الترجيح.
أيضا: فيتعين العمل وهو المقصود.
والمختار: لا يجب الإيماء إلى الترجيح في الدليل؛ لأنه خارج عنه وتوقف العمل عليه من توابع ورود المعارضة لدفعها، لا أنه منه).
أقول: الثاني: المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحكم فيه، بأن يقول: ما ذكرت من الوصف –وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع- فعندي وصف آخر يقتضي نقيضه، ولابد للمعترض من بيانه على أصل بجامع يثبت عليته، وله الاستدلال في إثبات عليته بأي مسلك شاء من مسالكها، على نحو طرق إثبات المستدل للعلة، فيصير هو مستدلا والمستدل معترضا، فتنقلب الوظيفتان.
قال الآمدي وبعض الشراح بما يقتضي نقيض الحكم من نص أو إجماع أو
стр. 1410
وجود مانع، أو فوات شرط، فإن أراد أن النص أو الإجماع مثبت للوصف صح، وإن أراد إظهاره من أنه مثبت للحكم لم يصح؛ لأنه حينئذ يكون فساد اعتبار، لا أنه معارضة في الفرع.
واعلم أنهم قد اختلفوا في قبول هذا السؤال.
والمختار: قبوله لئلا تختل فائدة المناظرة وهو ثبوت الحكم، إذ لا يتحقق بمجرد الدليل ما لم يعلم عدم المعارض.
قالوا: فيه قلب المناظرة؛ لأنه استدلال من معترض، فصار الاستدلال إلى المعترض والاعتراض إلى المستدل، وهو خروج عما قصداه من معرفة نظر المستدل في دليله إلى أمر آخر، وهو معرفة صحة نظر المعترض في دليله، والمستدل لا تعلق له بذلك، ثم نظره أو لا.
ورد: بأنه إنما يكون قلبا للمناظرة لو قصد به إثبات مقتضى دليله.
أما إذا قصد هدم دليل المستدل فلا، فكأنه يقول: دليلك لا يفيد/ لقيام المعارض، فأبطله ليسلم دليلك حتى يفيد، ولا يمكن أن يقصد به إثبات مدعاه؛ لأنه معارض بدليل المستدل، إذ المعارضة من الجانبين وكل يبطل الآخر، وجواب المعارضة في الفرع جميع ما مر من الاعتراضات من قبل المعترض على المستدل ابتداء.
الجواب: الجواب لا فرق.
[وقد يجاب بالترجيح بوجوه من وجوهه التي ستذكر في باب الترجيح عند العجز عما عداه].
стр. 1411
وقد اختلف في قبول الترجيح، والمختار قبوله؛ لأنه إذا ترجح وجب العمل به للإجماع على وجوب العمل بالراجح وهو المقصود، بخلاف الترجيح في المعارضة في الأصل، لما يلزم من التحكم.
وقيل: لا يقبل؛ لأن تساوي الظن الحاصل بهما غير معلوم، ولا يشترط ذلك، وإلا لم تحصل المعارضة لامتناع العلم بذلك، نعم المعتبر حصول الظن –وهو غير مندفع- بالترجيح.
وعلى المختار، فهل يجب الإيماء إلى الترجيح في متن الدليل، بأن يقال مثلا: أمان من مسلم عاقل موافقا للبراءة الأصلية.
قيل: يجب؛ لأنه شرط في العمل به ولا يثبت الحكم بدونه، فكان كجزء العلة.
والمختار: لا يجب؛ لأن الترجيح خارج عن الدليل، وتوقف العمل عليه ليس جزءا من الدليل، بل شرط له لا مطلقا، بل إذا حصل المعارض واحتيج إلى دفعه، فهو من توابع ظهور المعارض لدفعه، لا أنه جزء من الدليل حتى يجب ذكره في الدليل.
قال: (الفرق: هو راجع إلى أحد المعارضتين، أو إليهما معا على قول).
أقول: الثالث الفرق: وهو إبداء خصوصية في الأصل هي شرط، وله ألا يتعرض لعدمها في الفرع، فيكون معارضة في الأصل أو إبداء خصوصية في الفرع هي مانع، وله ألا يتعرض لعدمها في الأصل، فتكون
стр. 1412
معارضة في الفرع، وعلى قول لابد من التعرض لعدم الشرط في الفرع وعدم المانع في الأصل، فيكون مجموع المعارضتين، وعلى هذا اختلف في قبوله لكونه سؤالا واحدا أو سؤالين.
قال: (اختلاف الضابط في الأصل والفرع، مثل: تسببوا بالشهادة فوجب القصاص كالمكره.
فيقول: الضابط في الفرع الشهادة، وفي الأصل الإكراه، فلا يتحقق التساوي.
وجوابه: أن الجامع ما اشتركا فيه من السبب المضبوط عرفا، أو بأن إفضاءه في الفرع مثله أو أرجح، كما لو كان أصله المغري للحيوان، فإن انبعاث الأولياء على القتل طلبا للتشفي أغلب من انبعاث الحيوان بالإغراء سبب نفرته وعدم علمه، فلا يضر اختلاف أصلي التسبب، فإنه اختلاف أصل وفرع، كما يقاس الإرث في طلاق المريض على القاتل في منع الإرث، ولا يفيد أن التفاوت ملغى فيهما لحفظ النفس، كما ألغى التفاوت بين قطع الأنملة وقطع الرقبة، فإنه لا يلزم/ من إلغاء العالم إلغاء الحر).
أقول: الرابع: اختلاف الضابط في الأصل والفرع، كما لو قال في شهود الزور إذا قتل شخص بشهادتهم: تسببوا في القتل فيجب القصاص
стр. 1413
قياسا على المكره، والخلاف عندنا في الأصل والفرع.
فيقول المعترض: الضابط مختلف، فإنه في الأصل الإكراه، وفي الفرع الشهادة، فقد يعتبر الشارع أحدهما دون الآخر.
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن الضابط التسبب، وهو أم منضبط غرفا، فيصلح مظنة.
الثاني: بيان إفضاءه في الفرع مثل إفضائه في الأصل أو أرجح، فيثبت التعدية كما لو حصل في مسألة القصاص من الشهود، الأصل هو مغري الحيوان على القتل.
فيقول المعترض: الضابط في الأصل إغراء الحيوان، وفي الفرع الشهادة.
فيجيب المستدل: بأن إفضاء التسبب بالشهادة إلى القتل أقوى من إفضاء التسبب بالإغراء، فإن انبعاث أولياء المقتول على قتل من شهدوا عليه بالقتل طلبا للتشفي أغلب من انبعاث الحيوان على قتل من أغري عليه، بسبب نفرة الحيوان عن الآدمي وعدم علمه بالإغراء، وحينئذ لا يضر اختلاف أصلي التسبب، وهو كونه شهادة وإغراء، فإن حاصله قياس التسبب بالشهادة على قياس التسبب بالإغراء، والأصل لابد من مخالفته للفرع، كما يقاس إرث المطلقة في المرض على القاتل في المعاملة بنقيض المقصود.
ولا يقال: أحدهما إرث والآخر عدم إرث، إذ الاختلاف راجع إلى محل الحكم لا إلى الحكم.
قيل: التمثيل به ليس كما ينبغي؛ لأنه الغريب الذي اتفق على رده.
стр. 1414
قلت: بل الغريب الذي اتفق على رده الغريب المرسل، وهذا هو الغريب الذي اعتبر بترتيب الحكم على وقفه فقط.
بل لو قيل على الأول: يرجع إلى القياس في الأسباب، إذ لا يتعذر مثل ما ذكر من الجامع فيها، كان متجها.
ولا يفيد في الجواب عن اختلاف الضابط أن يقال: التفاوت يلغي في القصاص بهما، وإن كان إفضاء أحدهما إلى الموت أشد، إذ لا يلزم من إلغاء فارق معين إلغاء كل فارق، بدليل أنه ألغى العلم فيقتل العالم بالجاهل، ول يلغ الإسلام ولا الحرية، فلا يقتل الحر بالعبد، ولا المسلم بالكافر.
قال: (اختلاف جنس المصلحة، كقول الشافعي: "أولج فرجا في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا، فيحد كالزاني".
فيقال: حكمة الفرع الصيانة عن رذيلة اللواط، وفي الأصل: دفع محذور اختلاط الأنساب/، فقد يتفاوتان في نظر الشرع.
وحاصله: معارضة.
وجوابه: كجوابه بحذف خصوص الأصل).
أقول: الخامس: اختلاف جنس المصلحة في الأصل والفرع، كما لو قال الشافعي: "يحد في اللواط كما يحد في الزنا؛ لأنه أولج فرجا في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا".
стр. 1415
فيقول المعترض: اختلفت المصلحة؛ لأنهما في الزنا منع اختلاط النسب المفضي إلى عدم تعهد الأولاد، وفي اللواط دفع رذيلة اللواط، فقد يتفاوتان في نظر الشرع.
وحاصله معارضة في الأصل، إذ كأنه قال: العلة ما ذكرتم مع كونه موجبا لاختلاط النسب.
والجواب: كجواب المعارضة، بإلغاء ما أبداه من الوصف المختص بالأصل بطريقة كما مر.
قال: (مخالفة حكم الأصل لحكم الفرع، كالبيع على الناكح وعكسه.
وجوابه: أن الاختلاف راجح إلى المحل الذي اختلافه شرط، لا في حكم وبيان).
أقول: النوع السادس: ما يرد على المقدمة الرابعة، وهي قوله: [فيوجد] الحكم في الفرع، ولما قام الدليل عليه فلا سبيل إلى منعه، بل يدعي المخالفة ويبينه إما مقتصرا عليه، أو مدعيا أن دليلك يقتضي نقيضه وهذا يسمى قلبا.
الأول: مخالفة حكم الأصل لحكم الفرع، بعد تسليم علة الأصل في الفرع.
يقول المعترض: الحكم في الفرع مخالف لحكم الأصل، كما لو قاس البيع على النكاح وبالعكس. في عدم الصحة بجامع في صورة.
стр. 1416
فيقول المعترض: الحكم مختلف بأن عدم الصحة في البيع عدم الانتفاع بالمبيع، وفي النكاح حرمة المباشرة.
والجواب: أن البطلان شيء واحد، وهو عدم ترتب المقصود من العقد عليه، وإنما اختلف المحل بكونه بيعا ونكاحا، واختلاف المحل لا يوجب اختلاف ما حل فيه، بل اختلاف المحل شرط في القياس ضرورة، فكيف يجعل شرطه مانعا، فيلزم امتناعه أبدا.
نعم، لو كان الاختلاف في الحكم أو في البيان وهو الجامع، لم يتعد إلى الفرع.
قال: (القلب: قلب لتصحيح مذهبه، وقلب لإبطال مذهب المستدل صريحا، وقلب بالالتزام.
الأول: لبث، فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة.
[فيقول الشافعي: فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة.
الثاني: عضو وضوء فلا يكتفي فيه بأقل ما ينطلق كغيره.
فيقول الشافعي: فلا يقدر بالربع].
الثالث: عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالعوض، كالنكاح.
فيقول الشافعي: فلا يشترط فيه خيار الرؤية؛ لأن من قال بالصحة قال بخيار الرؤية، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.
والحق: أنه نوع معارضة، اشترك فيه الأصل والجامع، فكان أولى بالقبول).
стр. 1417
أقول: القلب: هو تعليق منافي الحكم المدعى –أو منافي لازمه- على الوصف/ الذي جعله المستدل علة للحكم إلحاقا بأصل المستدل، وذلك إما بتصحيح مذهب المعترض، فيلزم بطلان مذهب المستدل لتنافيها، وإما بإبطاله مذهب المستدل ابتداء، إما صريحا وإما بالالتزام.
مثال ما هو قلب لتصحيح مذهب المعترض: ما لو قال المالكي والحنفي في الاعتكاف إذا لم يكن منذورا: لبث فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة.
فيقول الشافعي: فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة.
الثاني: القلب لإبطال مذهب المستدل صريحا، كما لو قال الحنفي في مسح الرأس: عضو فلا يكفي فيه بأقل ما ينطلق عليه، كغيره من أعضاء الوضوء.
فيقول الشافعي: فلا يتقدر بالربع كسائر الأعضاء.
الثالث: القلب لإبطال مذهب المستدل بالالتزام، كما لو قال الحنفي في بيع الغائب: عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالمعوض كالنكاح.
فيقول الشافعي: فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح، إذ كل من قال
стр. 1418
بالصحة قال بخيار الرؤية، فكان خيار الرؤية لازم الصحة عندهم، وإذا انتفى اللازم –وهو خيار الرؤية- انتفى الملزوم وهو الصحة.
والحق: أن القلب بأقسامه راجع إلى المعارضة؛ لأنها يثبت بها خلاف حكم المستدل، والقلب كذلك إلا أنه نوع خاص، إذ الأصل والجامع اشترك قياساهما فيهما، فكان أولى بالقبول من المعارضة المحضة، إذا قصد هدم دليل المستدل لأدى به إلى التناقض ظاهر فيه، ولأنه مانع للمستدل من الترجيح.
وجواب القلب: بيان عدم تأثير الوصف في حكم الغالب.
قال: (القول بالموجب، وحقيقته: تسليم الدليل مع بقاء النزاع، وهو ثلاثة:
الأول: أن يستنتج ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملازمه، مثل: قتل بما يقتل غالبا، فلا ينافي وجوب القصاص كحرقه.
فيرد: بأن عدم المنافاة ليس محل النزاع، ولا يقتضيه.
الثاني: أن يستنتج إبطال ما يتوهم أنه مأخذ الخصم، مثل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص كالمتوسل إليه.
فيرد: إذ لا يلزم من إبطال مانع انتفاء الموانع ووجود الشرائط والمقتضي.
стр. 1419
والصحيح: أنه مصدق في مذهبه.
وأكثر القول بالموجب لخفاء المأخذ، بخلاف محال الخلاف.
الثالث: أن يسكت عن الصغرى غير مشهورة، مثل: ما يثبت قربة فشرطه النية كالصلاة، ويسكت عن الوضوء قربة.
فيرد: ولو ذكرها لم يرد إلا المنع.
وقولهم: فيه انقطاع أحدهما، بعيد في الثالث لاختلاف الرادين.
/وجوب الأول: أنه محل النزاع أو مستلزم، كما لو قال: لا يجوز قتل المسلم بالذمي.
فيقال: بالموجب؛ لأنه يجب.
فيقول: المعنى بـ "لا يجوز" تحريمه، فيلزم نفي الذين الوجوب.
وعن الثاني: أنه المأخذ.
وعن الثالث: أن الحذف سائغ).
أقول: النوع السابع: ما يرد على قولهم بعد إثبات الحكم في الفرع وذلك هو المطلوب فيمنع، ويقال: بل النزاع بعد باق، ويسمى القول بالموجب.
وحقيقته: تسليم ما اعتمده المستدل حكما لدليله على وجه لا يلزم منه تسليم الحكم المتنازع فيه.
стр. 1420
وهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يستنتج المستدل من الدليل ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملزومه كما لو قال المالكي في القاتل بالمثقل: قتل بما يقتل غالبا، فلا ينافي وجوب القصاص كحرقه.
فيرد القائل بالموجب بأن يقول: القتل بالمثقل لا ينافي وجوب القصاص عندي، وإنما النزاع في وجوب القصاص، وعدم المنافاة ليس محل النزاع ولا ملزوما له، وهو المراد من قوله: (ولا يقتضيه) إذ لا يلزم من عدم المنافاة بين شيئين كون أحدهما مقتضيا للآخر.
الثاني: أن يستنتج المستدل من الدليل إبطال ما يتوهم أنه مأخذ الخصم كما لو قال المالكي في المسألة المذكورة: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص كالمتوسل إليه، وهي أنواع الجراحات القاتلة.
فيرد القائل بالموجب بأن يقول الحنفي: الحكم لا يثبت إلا بارتفاع جميع الموانع ووجود الشرائط ووجود المقتضي، وغاية ما ذكرت عدم مانع خاص، ولا يلزم منه انتفاء جميع الموانع ولا وجود الشرط ولا وجود المقتضي، فلا يلزم ثبوت الحكم.
وقد اختلف في المعترض إذا قال: ليس هذا مأخذي، هل يصدق أو لا؟ .
فقيل: لا يصدق إلا ببيان مأخذ آخر، إذ ربما كان ذلك مأخوذ وعاند.
والصحيح: أنه مصدق؛ لأنه أعرف بمذهبه ومذهب إمامه.
стр. 1421
واعلم أن أكثر القول بالموجب من هذا القبيل، وهو ما يقع لاشتباه المأخذ لخفاء مأخذ الأحكام، وقلما يقع الأول وهو اشتباه محل الخلاف؛ لشهرته ولتقدم التحرير غالبا.
الثالث: أن يسكت عن صغرى غير مشهورة ويستعمل قياس الضمير كما لو قال في الوضوء: ما ثبت قربة فشرطه النية كالصلاة، ويسكت عن الصغرى وهي الوضوء ثبت قربه.
فيرد بالموجب، إذ لا يلزم أن يكون الوضوء شرطه النية، أما لو صرح بها لم يرد إلا المنع، بأن يقول: لا نسلم أن الوضوء ثبت قربة.
قال الجدليون: القول بالموجب في انقطاع/ أحد المتناظرين، إذ لو بين أن المثبت مدعاه أو ملزومه، أو المبطل مأخذ الخصم، أو الصغرى حق انقطع المعترض، إذ لم يبق له إلا تسليم المطلوب، وإلا انقطع المستدل، إذ قد ظهر عدم إفضاء دليله إلى المطلوب.
قال المصنف: قولهم ذلك صحيح في الأوليين، بعيد في الثالث لاختلاف مراديهما، إذ مراد المستدل أن المتروك في حكم المذكور لظهوره، ومراد المعترض أن المذكور وحده لا يفيد، فإذا بين مراده فله أن يمنع فيستمر البحث، وإن سلم انقطع.
وجواب القسم الأول: أن يبين أن الناتج محل النواع، إذ الخلاف مشهور فيما فرض أو هو ملزومه، كما لو قال: لا يجوز قتل المسلم بالذمي قياسا على عدم قتله بالحربي.
стр. 1422
فيقال بالموجب، بأن يقول: هو عندي لا يجوز لكنه يجب قتله به، فإن "لا يجوز" نفي الإباحة، وهو ليس نفي الوجوب ولا يستلزمه لأنه أعم.
فيجيب: بأن المعنى بـ "لا يجوز" الحرمة، وذلك يستلزم عدم الوجوب.
وجواب الثاني: أنه المأخذ لاشتهاره بين النظار، وبالنقل عن أئمة مذهبهم.
وعن الثالث: أن الحذف سائغ والمحذوف مراد، فلا يضر حذفه، والدليل المجموع لا المذكور.
وفيه نظر؛ لأن الحذف إنما يسوغ إذا كانت مشهورة.
قال: (الاعتراضات من جنس واحد تتعدد اتفاقا، ومن أجناس كالمنع والمطالبة والنقض والمعارضة.
منع أهل سمرقند التعدد للخبط.
والمترتبة: منع الأكثر، لما فيه من التسليم للمقدم، فيتعين الأخير.
والمختار: جوازه؛ لأن التسليم تقديري فليرتب، وإلا كان منعا بعد تسليم، فيقدم ما يتعلق بالأصل ثم العلة لاستنباطها منه، ثم الفرع لبنائه عليها.
وقدم النقض على المعارضة في الأصل؛ لأنه يورد لإبطال العلة، والمعارضة لإبطال استقلالها).
أقول: الاعتراضات إن كانت من جنس واحد كالنقض، أو المعارضة في الأصل أو في الفرع، فقد اتفق الجدليون على جواز إيرادها دفعة، إذ لا
стр. 1423
يلزم من ذلك تناقض ولا انتقال.
وإن كانت من أجناس، كالمنع، والمطالبة، والنقض، والمعارضة، فقد منع منها أهل سمرقند، وأوجبوا الاقتصار على سؤال واحد حذرا من الخبط.
وإذا جوزنا الجميع -وكانت مترتبة طبعا- مثل منع حكم الأصل ومنع العلية، إذ تعليل الحكم بعد ثبوته قطعا، فأكثرهم لا يسمعه؛ لأن الأخير في تسليم للأول، فيتعين الأخير سؤالا، فيجاب عنه دون الأول فيضيع الأول لأنه إذا قال: لا نسلم حكم الأصل ولا نسلم أنه معلل بكذا، فالبحث عن تعليله بماذا هو يتضمن الاعتراف بثبوته/ فإن ما لم يثبت لا تطلب علة ثبوته.
والمختار: جوازه؛ لأن التسليم تقديري، إذ معناه: ولو سلم الأول فالثاني وارد، وذلك لا يستلزم التسليم في نفس الأمر.
وإذا جوزنا الجمع في المترتبة طبعا، فالواجب رعاية الترتيب في الإيراد وإلا كان منعا بعد التسليم.
فإنه إذا قال: لا نسلم أن الحكم معلل بكذا، فقد سلم ثبوت الحكم، فإذا قال: ولو سلم فلا نسلم ثبوت الحكم، كان مانعا لما سلم فلا يسمع، فحينئذ يقدم ما يتعلق بالأصل ثم بالعلة لاستنباطها منه، ثم بالفرع لابتنائه عليها، ويقدم النقض على المعارضة في الأصل؛ لأن النقض يذكر لإبطال العلة، والمعارضة لإبطال استقلال وصف المستدل.
فالواجب أن يقول: ليس بعلة، ولو سلم فليس بمستقل.
قال: (الاستدلال: يطلق على ذكر الدليل، وعلى نوع خاص وهو المقصود.
стр. 1424
فقيل: ما ليس بنص، ولا إجماع، ولا قياس.
وقيل: ولا قياس علة، فيدخل نفي الفارق والتلازم، وأما نحو: وجد السبب أو المانع، أو فقد الشرط.
فقال: دعوى دليل.
وقيل: دليل.
وعلى أن دليل، قيل: استدلال.
وقيل: إن ثبت بغير الثلاثة.
والمختار: أنه ثلاثة: تلازم بين حكمين من غير تعيين علة، واستصحاب، وشرع من قبلنا).
أقول: الاستدلال في اللغة: طلب الدليل.
وفي الاصطلاح: يطلق على إقامة الدليل مطلقا من نص، أو إجماع، أو غيرهما، وعلى نوع خاص من الأدلة وهو المقصود هنا.
فقيل: ما ليس بنص، أي دليل ليس بنص، ولا إجماع، ولا قياس.
قيل: هو تعريف بالمساوي؛ لأنه تعريف لبعض الأنواع ببعض.
ورد: بأن بعض الأنواع إذا كان أعرف يكون تعريفا بالأعرف.
وقيل مكان قولنا "ولا قياس": ولا قياس علة، فيدخل القياس في معنى الأصل، ويدخل قياس الدلالة.
стр. 1425
فالأول أخص، ويريد بلا قياس -أي شرعي- حتى [يدخل] المنطقي.
واعلم أن الفقهاء كثيرا ما يقولون: وجد السبب فيوجد الحكم، أو وجد المانع أو فقد الشطر فيعدم الحكم.
فقيل: ليس بدليل، بل هو دعوى دليل؛ إذ الدليل هو وجود السبب الخاص، أو وجود المانع، أو عدم الشرط الخاص.
وقيل: دليل، إذ الدليل ما يلزم من ثبوته ثبوت الحكم قطعا أو ظاهرا، وما ذكرنا كذلك، لاستلزامه وجود الحكم.
وقولنا: وجد كذا، كالمقدمة لإثباته.
وعلى أنه دليل، فقيل: هو استدلال لأنه ليس بنص، ولا إجماع، ولا قياس مطلقا.
وقيل: استدلال إن ثبت وجود السبب أو المانع، أو فقد الشرط بغير النص والإجماع والقياس، وإلا فهو من قبيل ما ثبت به من نص أو إجماع أو قياس، وهو فاسد؛ لأن أحد الثلاثة دل على أحد مقدمتي الاستدلال/ المثبت للحكم، لا أنه نفس الاستدلال.
وقد اختلف في أنواع الاستدلال.
والمختار ﵇ عند المصنف أن ثلاثة: تلازم بين حكمين من غير تعيين علة وإلا كان قياسا، واستصحاب الحال وشرع من قبلنا.
وعند الآمدي: الأولان فقط، وعند الحنفية: الاستحسان.
стр. 1426
وعند بعض المالكية وبعض الشافعية: مذهب الصحابي.
والمصالح المرسلة عند بعض المالكية.
قال: (الأول: تلازم بين ثبوتين أو نفيين، أو ثبوت ونفي، أو نفي وثبوت، والمتلازمان إن كان طردا أو عكسا كالجسم والتأليف، جرى فيهما الأولان طردا وعكسا، وإن كان طردا كالجسم والحدوث جرى فيهما الأول طردا، والثاني عكسا.
والمتنافيان إن كان طردا أو عكسا كالحدوث ووجوب البقاء، جرى فيهما الأخيران طردا وعكسا.
وإن تنافيا إثباتا كالتأليف والقدم، جرى فيهما الثالث طردا وعكسا.
فإن تنافيا كالأساس والخلل، جرى فيهما الرابع طردا وعكسا).
أقول: أما التلازم فأربعة أقسام؛ لأن التلازم إما أن يكون بين ثبوتين، أو بين نفيين، أو بين ثبوت ونفي، أو بين نفي وثبوت، وحاصله راجع إلى المتلازمين في الأولين، وإلى المتنافيين في الآخرين.
والتلازم إما أن يكون طردا أو عكسا –أي من الطرفين-، أو طردا لا عكسا- أي من طرف واحد-.
والتنافي لابد وأن يكون من الطرفين، لكنه إما أن يكون طردا أو عكسا –أي إثباتا ونفيا- وإما طردا فقط- أي إثباتا، وإما عكسا فقط- أي نفيا-.
فهذه خمسة أقسام:
стр. 1427
الأول: المتلازمان طردا وعكسا كالجسم والتأليف، إذ كل جسم مؤلف وكل مؤلف جسم، وهذا يجري فيه الأولان- أي التلازم بين الثبوتين وبين النفيين- كلاهما طردا وعكسا، فيصدق: كلما كان جسما كان مؤلفا، وكلما كان مؤلفا كان جسما، وكلما لم يكن جسما لم يكن مؤلفا، وكلما لم يكن مؤلفا لم يكن جسما.
الثاني: المتلازمان طردا فقط كالجسم والحدوث، إذ كل جسم حادث ولا ينعكس في الجوهر الفرد والعرض، فهذان يجري فيهما الأول – أي التلازم بين ثبوتين طردا- فيصدق: كلما كان جسما كان حادثا، ولا عكسا فلا يصدق: كلما كان حادثا كان جسما، ويجري فيهما الثاني –أي التلازم بين نفيين عكسا- فيصدق: كلما لم يكن حادثا لم يكن جسما، لا طردا فلا يصدق: كلما لم يكن جسما لم يكن حادثا.
الثالث: المتنافيان طردا وعكسا، وهما اللذان بينهما انفصال حقيقي كالحدوث ووجوب البقاء، فإنهما لا يجتمعان في ذات حتى يكون حادثا واجب البقاء، ولا يرفعان عنها حتى يكون قديما واجب البقاء.
وهذان يجري فيهما الأخيران –أعني تلازم الثبوت والنفي، والنفي والثبوت- طردا وعكسا- أي من الطرفين- فيصدق: لو كان حادثا لم يجب بقاؤه، ولو وجب بقاؤه لم يكن حادثا، ولو لم يكن حادثا وجب بقاؤه، ولو لم يكن واجب البقاء لكان حادثا.
الرابع: المتنافيان إثباتا لا نفيا، وهما الأمران اللذان بينهما انفصال مانع من الجمع، كالتأليف والقدم إذ لا يجتمعان، / فلا شيء مؤلف قديم،
стр. 1428
لكنهما يرتفعان كالجزء الذي لا يتجزأ، وهذان يجري فيهما الثالث –أعني تلازم الثبوت والنفي- طردا وعكسا- أي من الجانبين- فيصدق: كلما كان جسما لم يكن قديما، وكلما كان قديما لم يكن جسما، ولا يجري فيهما تلازم النفي والثبوت من شيء من الجانبين، فلا يصدق: كلما لم يكن جسما كان قديما، أو كلما لم يكن قديما كان جسما.
الخامس: المتنافيان نفيا، وهما الأمران اللذان بينهما انفصال مانع من الخلو كالأساس والخلل، فإنهما لا يرتفعان، فلا يوجد ما ليس له أساس ولا يختل، ولا مشاحة في المثال، وقد يجتمعان في: كل ذي أساس يختل بوجه آخر، وهذان يجري فيهما الرابع –أي تلازم النفي والثبوت طردا وعكسا- فيصدق: كلما لم يكن له أساس فهو مختل، وكلما لم يكن مختلا فله أساس، ولا يجري فيهما الثالث فلا يصدق: كلما كان له أساس فليس بمختل، ولا كلما كان مخلا فليس له أساس.
قال: (الأول في الأحكام: من صح طلاقه صح ظهاره، ويثبت بالطرد، ويقوى بالعكس، ويقرر أحد الأثرين فيلزم الآخر للزوم المؤثر، وبثبوت المؤثر، ولا يعين المؤثر فيكون انتقالا إلى قياس العلة.
الثاني: لو صح الوضوء بغير نية لصح التيمم، ويثبت بالطرد كما تقدم، ويقرر بانتقاء أحد الأثرين، فينتفي الآخر للزوم انتفاء المؤثر، وبانتفاء المؤثر.
الثالث: ما كان مباحا لا يكون حراما.
الرابع: ما لا يكون جائزا يكون حراما، ويقرران بثبوت التنافي
стр. 1429
بينهما، أو بين لوازمهما).
أقول: لما بين أقسام التلازم بحسب موادها، ذكر أمثلتها من الأحكام:
الأول: تلازم بين ثبوتين، كما يقال: ن صح طلاقه صح ظهاره، وهذا يثبت بالطرد بالاستقراء، ويقوى بالعكس بالاستقراء، أي كل من لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره، وحاصله التمسك بالدوران لكن على أن العدم ليس جزءا كما تقدم، ومنه تعلم أن المراد بالعكس هنا الانتفاء عند الانتفاء.
ويقرر بوجه آخر، وهو أن يقال: ثبت أحد الأثرين فيلزم ثبوت الآخر للزوم وجود المؤثر، وإلا لم يوجد الأثر الآخر، فيلزم وجود الأثر الآخر.
أو يقال: ثبت المؤثر فيكون الأثر الآخر ثابتا، ولا يعين المؤثر في الطرفين، وإلا كان انتقالا إلى قياس العلة، ولنفرض لزوم التحرير المرتفع بالكفارة بقوله: "أنت علي كظهر أمي"، ولزوم الطلاق الذي لا أثر فيه للكفارة بقوله: "أنت طالق" أثرين للأهلية.
الثاني: استلزام النفي النفي: لو صح الوضوء بغير نية، لصح التيمم؛ لأنه في قوة: لما لم يصح التيمم بغير نية لم يصح الوضوء، فإن "لو" / لانتفاء الشيء لانتفاء غيره، أو في قوة: لو لم يشترط النية في الوضوء لم تشترط في التيمم، وهذا يثبت بالطرد ويقوى بالعكس كما تقدم.
ويقرر بوجه آخر، وهو أن يقال: انتفاء أحد الأثرين فيلزم انتفاء الآخر للزوم انتفاء المؤثر عند انتفاء أحد الأثرين، وإذا انتفى ينتفي الأخر.
ويقرر أيضا: بانتفاء المؤثر فينتفي الأثر، ولنفرض الثواب واشتراط النية أثران للعبادة.
стр. 1430
الثالث: تلازم الثبوت والنفي، ما يكون مباحا لا يكون حراما.
الرابع: تلازم النفي والثبوت، ما لا يكون جائزا يكون حراما.
وهذان يقرران بثبوت التنافي بينهما أو بين تلازمهما؛ لأن تنافي اللوازم دليل تنافي الملزومات.
قال: (ويرد على الجميع منعهما، ومنع إحداهما.
ويرد من الأسئلة ما عدا أسئلة نفس الوصف الجامع، ويختص بسؤال مثل قولهم في قصاص الأيدي باليد: أحد موجبي الأصل وهو النفس، فيجب بدليل الموجب الثاني وهو الدية.
وقرر: بأن الدية أحد الموجبين فيستلزم الآخر؛ لأن العلة إن كانت واحدة فواضح، وإن كانت متعددة فتلازم الحكمين دليل تلازم العلتين.
فيعترض: بجواز أن يكون في الفرع بأخرى، فلا يقتضي الآخر ويرجحه بامتناع المدارك، فلا يلزم الآخر.
وجوابه: بأن الأصل عدم أخرى، ويرجحه بأولوية الاتحاد، لما فيه من العكس.
فإن قال: بأن الأصل عدم علة الأصل في الفرع.
قال: فالمتعدية أولى).
أقول: جميع أقسام التلازم يرد عليه منع المتصلة ومنع الاستثنائية معا، ومنع إحداهما.
стр. 1431
ويرد من الأسئلة الواردة على القياس ما عدا الأسئلة المتعلقة بنفس الوصف الجامع، إذ لم يذكر فيه وصف جامع، ويختص بسؤال لا يرد على القياس، ويوضح بمثال، كما يقال في قصاص الأيدي باليد الواحدة قياسا على النفوس بالنفس الواحدة: القصاص أحد موجبي الأصل وهو النفس، فيجب بدليل الموجب الآخر وهو الدية، ويقرر: بأن الدية أحد موجبي الأصل، وقد ثبت فيثبت الآخر وهو القصاص؛ لأن العلة فيهما إما واحدة وإما متعددة، فإن كانت واحدة فواضح، وإن كانت متعددة فتلازم الحكمين دليل تلازم العلتين، وكلما ثبت علة أحد الحكمين، ثبت على الآخر.
فيقول المعترض: لم لا يجوز أن يثبت أحد الموجبين فيما جعلتم فرعا بعلة أخرى تختص به وتقتضي ذلك الموجب ولا تقتضي الموجب الآخر، فلا يلزم وجود الموجب الآخر فيه، والمعلوم إنما هو تلازمهما في غير محل النزاع؟ .
ويرجح/ المعترض ما ذكر من ثبوته في الفرع بعلة أخرى: باتساع مدارك الأحكام، فيكون أكثر فائدة.
وجوابه: أن الأصل عدم علة أخرى.
ويرجح المستدل ما ذكره: بأن اتحاد العلة في الحكم الواحد أولى من التعدد، لاستلزام ذلك انعكاسها، والمنعكسة، والمنعكسة متفق عليها بخلاف غيرها، والمتفق عليه أرجح.
فإن قال المعترض: إذا قلتم بأن الأصل عدم علة أخرى، فالأصل –أيضا- عدم علة الأصل في الفرع.
стр. 1432
قلنا: تعارضا والترجيح عندنا من وجه آخر، وهو أن العلة المتعدية أولى من القاصرة؛ لأن المتعدية متفق عليها بخلاف القاصرة، والمتفق عليه أرجح ونحن إذا أثبتنا الحكم في الفرع بعلة الأصل فقد عديناها، وإلا فقد قصرناها.
وقد يعارض الآخر: بأنا إذا عللنا الفرع بأخرى فقد أعملناهما، وإذا عللنا الفرع بعلة الأصل فقد أبطلنا واحدة، وإعمالهما أولى من إبطال أحدهما.
قال: (الاستصحاب: الأكثر كالمزني، والصيرفي، والغزالي: على صحته.
وأكثر الحنفية على بطلانه، كان بقاء أصليا أو حكما شرعيا، كقول الشافعية في الخارج: الإجماع على أن قبلة متطهر، والأصل البقاء حتى يثبت معارض، والأصل عدمه.
لنا: أن ما تحقق ولم يظن معارض، مستلزم ظن البقاء.
وأيضا: لو لم يكن الظن حاصلا لكان الشك في الزوجية ابتداء، كالشك في بقائها في التحريم أو الجواز وهو باطل، وقد استصحب الأصل فيهما.
قالوا: الحكم بالطهارة ونحوها حكم شرعي، والدليل نص أو إجماع أو قياس.
وأجيب: بأن الحكم البقاء، ويكفي فيه ذلك.
ولو سلم، فالدليل الاستصحاب.
قالوا: لو كان الأصل البقاء لكانت بينة النفي أولى، وهو باطل
стр. 1433
بالإجماع.
وأجيب: بأن المثبت يبعد غلطه، فيحصل الظن.
قالوا: لا ظن مع جواز الأقيسه.
قلنا: الفرض بعد بحث العالم).
أقول: الاستصحاب: وهو أن الحكم بكذا قد كان ولم يظن عدمه، وكلما هو كذلك فهو مظنون البقاء.
وقد اختلف في كونه دليلا شرعيا، فقال مالك والمزني، والصيرفي، والإمام، والغزالي: إنه دليل.
وأكثر الحنفية على أنه ليس بدليل، سواء كان الاستصحاب بقاء
стр. 1434
أصليا، كما يقال في عشرين دينارا ناقصة وتجوز بجواز الوازنة: لم تكن الزكاة واجبة قبل جوازها بجواز الوازنة والأصل عدمه.
أو حكما شرعيا، كما يقال في الخارج من غير السبيلين: الإجماع على أن قبله متطهر، والأصل البقاء حتى يثبت معارض، والأصل عدمه.
لنا: أن ما تحقق وجوده أو عدمه في حال ولم يظن طرو معارض يزيله، فإنه يستلزم ظن بقائه ضرورة ولولا ذلك لما ساغ للإنسان مراسلة من فارقه.
ولنا أيضا: لو شك هل تزوج هذه أو لا، حرم الاستمتاع بها إجماعا، ولو شك/هل طلق أو لا، لم تحرم، ولا فارق بينهما إلا استصحاب عدم الزوجية في الأولى، واستصحاب الزوجية في الثانية.
قالوا: الطهارة والحل والحرمة أحكام شرعية، والأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل شرعي، والأدلة الشرعية منحصرة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والاستصحاب ليس منها فلا يكون دليلا في الشرعيات.
الجواب: أن ما ذكرتم من أن الحكم الشرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي إنما ذلك في ابتداء الحكم، وأما الحكم ببقائه فيكفي فيه الاستصحاب، ونحن إنما أثبتنا به بقاء الحكم لا نفسه، وبقاؤه ليس حكما شرعيا.
ولو سلم، فلا نسلم أن الدليل منحصر فيما ذكرتم، بل هناك دليل آخر وهو الاستصحاب.
قالوا: لو كان الأصل البقاء، لكانت بينة النفي أولى عند تعارض البينتين واللازم باطل، إذ لا تسمع بينة المدعى عليه.
الجواب: منع الملازمة، وإنما يصح ذلك لو حصل الظن بهما، وتأيدت
стр. 1435
إحداهما بالاستصحاب، وليس كذلك؛ لأن الظن لا يحصل إلا ببينة المثبت لبعد غلطه بأن يظن المعدوم موجودا، بخلاف النافي إذ لا يبعد غلطه في ظن الموجود معدوما، بناء على عدم علمه به، والمثبت يدعي العلم بالموجود وله طرق قطعية، والنافي طريقه عدم العلم.
قال في المنتهى: وأجيب بأن تعديهما لإمكان صدقهما، بأن يكون المثبت اطلع على السبب دون النافي.
قالوا: القياس جائز فينتفي ظن بقاء الأصل، إذ قد يكون ثم قياس ينفيه فلا يحصل الظن بالاستصحاب.
الجواب: أن الفرض فيما بحث فيه العالم ولم يجد أصلا يشهد برفعه، وانتفاء القياس الرافع هو المظنون حينئذ، والاحتمال لا يضر.
قال: (شرع من قبلنا .
المختار: أن ﵇ قبل البعثة متعبد بشرع.
قيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى.
وقيل: ما ثبت أنه شرع.
ومنهم من منع.
وتوقف الغزالي.
لنا: الأحاديث متضافرة: "كان يتعبد"، "كان يتحنث"، "كان يصلي"، "كان يطوف".
واستدل: بأن من قبله لجميع المكلفين.
стр. 1436
وأجيب: بالمنع.
قالوا: لو كان لقضت العادة بالمخالطة، أو لزمته.
قلنا: المتواتر لا يحتاج وغيره لا فيد، وقد تمتنع المخالطة لموانع، فيحمل عليها جمعا بين الأدلة).
أقول: اختلفوا هل كان ﵇ قبل البعثة متعبدا بفروع شريعة متقدمة أم لا؟ .
مذهب مالك: أنه ﵇ قبل البعثة غير متعبد بشرع.
وقيل: كان متعبدا بشرع، واختاره المصنف.
وضبطه بعض المتأخرين بكسر الباء.
فإن كان/ كذلك، فالأصح ما اختاره المصنف، إذ تلك العبادات التي صدرت منه قبل البعثة مما ثبت في الشرائع السابقة.
وظاهر كلامهم أن الخلاف في أنه قبل البعثة مكلف أو لا؟ .
وعلى هذا: فالأصح ما روي عن مالك.
ثم القائلون بمختار المصنف اختلفوا:
فقيل: إنه كان على شرع نوح.
стр. 1437
قيل: على شريعة إبراهيم.
وقيل: على شرع موسى.
وقيل: على شريعة عيسى.
وقيل: على ما ثبت أنه شرع.
وتوقف الغزالي.
لنا: ما ورد في الأحاديث أنه "كان يتعبد"، "كان يتحنث" يعتزل للعبادة، "كان يصلي"، "كان يطوف"، وكل واحد -وإن كان آحادا فالقدر المشترك متواتر، وتلك أعمال شرعية يعلم بالضرورة ممن يمارسها قصد.
الطاعة وهي موافقة أمر الشارع، ولا يتصور من غير تعبد، فإن العقل لا يحسنه. وقد يقال: المعلوم قصد الثواب لا قصد الطاعة.
واستدل: بأن شرع من قبله عام لجميع المكلفين، وإلا لخلا المكلف عن التكليف، وأنه قبيح.
الجواب: منع عموم شرع من قبله، فإن عموم الرسالة من خصائصه، وما ذكر من قبيح الخلو ممنوع، ولو سلم ففرع تقبيح العقل.
قالوا: لو كان متعبدا به لقضت العادة بوقوع مخالطته لأهل ذلك الشرع
стр. 1438
أو لزمته مخالطتهم لأخذ الشرع منهم فوقع، ولو وقع لنقل ولافتخرت به تلك الطائفة، واللازم باطل.
الجواب: منع قضاء العادة بالمخالطة، ومنع لزومها له، والسند: أنه متعبد بما علم أنه شرع، وذلك يحصل بالمتواتر دون الآحاد، والمتواتر لا يحتاج إلى المخالطة، والآحاد لا تفيد العلم.
ولم سلم أن العادة قاضية بالمخالطة، لك ما لم يمنع مانع، فقد تمتنع المخالطة لموانع فيحمل عدم المخالطة على وجود المانع، جمعا بين ما ذكرنا وما ذكرتم من قضاء العادة، والجمع مهما أمكن أولى، وهذا التقرير أوفق لما في المنتهى.
وقرر على وجه آخر يرجع إلى الثانية: بأن يقال: قولكم لو كان كذلك لنقل، تعنون نقلا متواترا أو آحادا، أما تواترا [فلا يحتاج إلى نقله كذلك] إذ لم يتعبدنا الله بذلك، والآحاد لا تفيد، والأول أظهر.
وقال الغزالي: المذكور من المذاهب ممكن، والواقع منها غير معلوم بقاطع، والظن فيما لا يتعلق بالعمل لا معنى له.
قال: (المختار: أنه بعد البعثة متعبد بما لم ينسخ.
لنا: ما تقدم، والأصل البقاء.
وأيضا: الاتفاق على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾.
وأيضا: ثبت أنه قال ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها
стр. 1439
فليصليها إذا ذكرها، وتلا: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ "، وهي لموسى ﵇، وسياقه يدل /على الاستدلال به.
قالوا: لم يذكر في حديث معاذ، وصوبه.
وأجيب: بأنه تركه إما لأن الكتاب يشتمل أو لقتله جمعا بين الأدلة.
قالوا: لو كان لوجب نقلها والبحث عنها.
قلنا: المعتبر المتواتر فلا يحتاج.
قالوا: الإجماع على أن شريعته ناسخ.
قلنا: لما خالفها، وإلا وجب نسخ الإيمان، وتحريم الكفر).
أقول: اختلفوا هل كان ﵇ بعد البعثة متعبدا بشرع من قبله وكذا أمته إلا ما خصه الدليل أو لا؟ .
مذهب مالك وجمهور أصحابه، وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة: أنه متعبد بما لم ينسخ.
وقال القاضي، وأحمد في أحد قوليه: إنه غير متعبد به.
والخلاف فيما أوحي إليه أنه شرع من قبله، وفيما تواتر من شرع من قبله، لا أنه متعبد بما وجد في كتبهم المبدلة، ولا بما نقله الكفار آحادا.
стр. 1440
كما لم يختلفوا فيما هو من شرعهم وأمر به بدليل خاص؛ لأن ذلك من شرعه.
لنا: ما تقدم أنه كان متعبدا به قبل البعثة، والأصل لبقاء ما كان على ما كان.
وفيه من النظر ما تقدم، مع أنه دليل مبني على أصلين مختلف فيهما: الاستصحاب، وشرع ما قبلنا، مع أنه لا يصح في الفروع التي اختلفت الشرائع فيها.
ولنا أيضا: اتفاق العلماء على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ على وجوب القصاص في ديننا، ولولا أنه متعبد بشرع من قبله، لما صح الاستدلال بكون القصاص واجبا في بني إسرائيل على وجوبه في ديننا.
ولنا أيضا: ما في الصحيح أنه ﵇ قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، وتلا: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ "، وهي مقولة لموسى، وسياقه يدل على الاستدلال بالآية دلالة إيماء، ولم لم يكن هو وأمته متعبدين بما كان موسى متعبد به، لما صح الاستدلال.
وقد يقال: أمرنا بذلك للحديث، وذكر الآية ليبين أن أمته في ذلك مساوية لمن قبلها، فكون أدعى إلى انقياد الأمة.
следующие страницы →