← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثم الكلي إما أن تتساوى أفراده في مقوليته عليها, سواء كانت ذهنية أو خارجية أو مختلطة, أو تتفاوت. والثاني المشكك, سمي بذلك لأن الناظر في مفهومه يشك أنه من قبيل المتواطئ لتساوي الأفراد في حصول المعنى, أو هو مشترك لتفاوت الأفراد في ذلك المعنى, ومن هنا جاءت الأقوال الثلاثة فيه. ثم التفاوت يكون بالشدة والضعف, وبالأولوية وعدمها, وبالأقدمية وعدمها, والأول كبياض الثلج والعاج, والثاني والثالث كالوجود للخالق والمخلوق, فإنه في الواجب أولى وأقدم. وجعل جماعة من الشراح التفاوت في الوجود بالمعاني الثلاثة. قلت: فيه نظر؛ لأن معنى الشدة أن يكون الحال الغير القادر في المحل الثابت تتبدل نوعيته فيه, كاسوداد الجسم شيئًا فشيئًا, ويتجدد جميعها على ذلك المحل المتقدم دونها من حيث هو متوجه بتلك التجديدات إلى غايةٍ

стр. 177

ما, ومعنى الضعف كذلك, إلا أنه من حيث هو منصرف بها عن تلك الغاية كانسلاخ السواد شيئًا فشيئًا, فالأخذ في الشدة والضعف هو المحل لا الحال المتجدد, ومثل هذا الحال لا يكون إلا عرضًا؛ لأن المحل متقدم دونه, والوجود لما لم يكن محله متقدمًا دونه, لم يتصور الاشتداد فيه. وإن لم تتفاوت فمتواطئ, لتواطؤ الأفراد وتساويها في المعنى, كالإنسان بالنسبة إلى أفراده, وذكر السهروردي أن بعض الأصوليين اصطلح على تسمية ما لا يمنع تصوره من الشركة فيه بالعام. والأكثر على تسميته بالمطلق. وإن لم يشترك في مفهومه كثيرون, فهو الجزئي الحقيقي, كزيد. وإطلاق الكلي والجزئي على اللفظ إنما هو باعتبار معناه, فتسمية اللفظ به مجاز, ويقال للنوع أيضًا جزئي إضافي باعتبار أنه مندرج تحت جنسه. قالوا: والإضافي أعم؛ لاندراج كل شخص تحت ماهيته المعراة عن المشخصات, وليس كل جزئي إضافي حقيقيًا, لجواز كونه كليًا, كالإنسان وليس جنسًا له؛ لأنا نتصور كون الشيء مانعًا من الشركة مع الذهول عن كونه مندرجًا تحت كلي. قلت: وفي كونه أعم نظر؛ لأنه منقوض بالباري تعالى, والحقيقي

стр. 178

والكلي متباينان. لا يقال: الكلي محمول عليه فلا مباينة. لأنا نقول: المحمول الكلي الطبيعي لا المنطقي. ثم الكلي إن لم خارجًا عن حقيقة ما تحته فهو الذاتي كالحيوان بالنسبة / إلى الإنسان, وإلا فعرضي كالضاحك بالنسبة إلى الإنسان, وقد تقدم الكلام عليهما. القسم الثاني من الأربعة: وهو مقابل الأول, وخصه بذلك لأن بينهما غاية التقابل, وتسمى متباينة؛ لأن كلًا منهما باين الآخر في معناه ولفظه. وهذه النسخة أولى من التي فيها متقابلة, إذ ذاك اصطلاح غير معروف, وما قيل [من] أنه ترجيح من غير مرجح - إذ الرابع يقابل الثالث ولم يقل ذلك - فساقط؛ لأن ذكره هنا ليتعين به, وفي الرابع تعين بحيث لم يبق غيره. [قلت: والمناسب ما فعله المؤلف؛ لأنه نبه بقوله: (مقابله) على العلة التي لأجلها اتبعه الأول, وهي حضوره في الذهن عند ذكر مقابله, واكتفى بهذا عن ذكره في الرابع, وإن كان مقابلًا للثالث]. ثم المتباينة قد تكون متفاضلة كالإنسان والفرس, وقد تكون متواصلة كالسيف والصارم.

стр. 179

القسم الثالث: أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى كثيرًا, فإن كان اللفظ حقيقة في كل واحد من تلك المعاني المختلفة, بأن يكون وضع لكل واحد منها وضعًا أوليًا, فهو المشترك, كالعين بالنسبة إلى مفهوماته. وإن لم يكن حقيقة, بأن لا يكون موضوعًا لكل واحد وضعًا أوليًا, فهو حقيقة بالنسبة إلى المعنى الذي وضع له, ومجاز بالنسبة للمعنى الثاني الذي استعمل فيه لعلاقة بينهما, كالأسد للحيوان المفترس والرجل الشجاع, وهذا بناء على أن المجاز يستلزم الحقيقة, وإلا فقد يكون لهما مجازًا. القسم الرابع: أن يتحد المعنى ويتعدد اللفظ, وتسمى هذه الألفاظ مترادفة لترادفها على المعنى, مأخوذ من رديفي الدابة, كالليث والأسد. والأقسام الأربعة تكون مشتقة إن شارك اللفظ غيره بحروفه الأصول ومعناه, وغير مشتقة إن لم يكن كذلك, وكلها صفة إن دل على معنى قائم بذات العلم, وإلا فغير صفة كالإنسان, وإليك طلب الأمثلة في سائر الأقسام. قال: (مسألة: المشترك واقع على الأصح. لنا: أن القرء مشهور للطهر والحيض معًا على البدل, من غير ترجيح). أقول: المشترك هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعًا

стр. 180

أوليًا. فبالقيد الأول خرج المتباين. وبالثاني خرج المتواطئ والمشكك. وبالثالث خرج المجاز إن قلنا إنه موضوع, فإنه ليس وضعًا أوليًا. و المشترك إما ممتنع الوقوع, أو واجب, أو ممكن. والممكن إما واقع أو لا, فهذه أربع احتمالات, وقال بكل واحد منها قائل, إلا أنه لا فرق عند التحقيق بين الواجب والممكن الواقع, إذ لا وجوب ذاتي هنا, والممكن ما لم يجب صدوره عن الغير لم يقع, ومنه يعلم أنه لا فرق بين الممتنع والممكن الغير واقع, إذ لا امتناع ذاتي, ولذلك لم يتعرض المصنف إلا للوقوع وعدمه. وقد علم أن اصطلاحه, أن (لنا) للدليل الصحيح على مذهبه. وأن (واستدل) للدليل المزيف على مذهبه, وإن كان قد وقع له في ثلاث مواضع وما أجاب عنه, ولكن لا يلزم أن يكون مرضيًا عنده. وأن (قالوا) لدليل الخصوم.

стр. 181

والأصح عند المصنف أن المشترك واقع, وذلك يستلزم الجواز, إذ لا يمتنع أن يضع واضع لفظًا واحدًا لمعنيين على طريق البدل وضعًا [أولًا] ويوافقه عليه غيره, أو يتفق وضع إحدى القبيلتين الاسم على معنى, وتضعه قبيلة أخرى بإزاء معنى آخر, من غير شهود كل واحدة بوضع الأخرى, ثم يشتهر الوضعان, مع أن وضع اللفظ للمعنى تابع لإرادة الواضع, وكما يريد تعريف الشيء لغيره مفصلًا, فقد يريد تعريفه له مجملًا, إما لمحذور يتعلق بالتفصيل, أو لفائدة تتعلق بالإجمال. وأما الوقوع؛ فلأن القرء للطهر والحيض معًا على البدل من غير ترجيح وكلما كان كذلك, فهو مشترك بالاشتراك اللفظي. أما الصغرى؛ فلإطباق أهل اللغة عليه كما في المنتهى. وأما الكبرى؛ فلأنه إذا كان لهما معًا, لا يكون بالاشتراك المعنوي / إذ ذاك لمعنى واحد, وإذا كان على البدل لا يكون للمجموع من حيث هو, وإذا كان من غير ترجيح, لا يكون حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر. ولا يقال: يجوز أن يكون موضوعًا لأحدهما ونقل إلى الثاني وخفي ذلك لأن الخفاء على وجه لا يعلمه علماء اللغة بعيد, ويكفي غلبة الظن في مباحث الألفاظ. قيل: إن أراد بقوله: (القرء للطهر والحيض) أنه موضوع لهما, منعنا

стр. 182

الصغرى؛ لأن بعض أهل اللغة نفى الاشتراك, وبعض الحنفية قال: القرء حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. وإن أراد أنه يستعمل لهما, فالكبرى ممنوعة, لجواز أن يكون الاستعمال على طريق المتواطئ أو الحقيقة والمجاز, وهو أولى دفعًا للاشتراك. وجوابه: أن اللفظ واحد والمعنى متعدد قطعًا, فلا يكون متواطئًا, ولا يكون مجازًا في أحدهما, لاستلزامه ترجيح الحقيقة ولا ترجيح هنا. وأيضًا تردد الذهن حالة سماع اللفظ بلا قرينة آية الاشتراك. قال: (واستدل: لو لم يكن لخلت أكثر المسميات؛ لأنها غير متناهية والألفاظ متناهية؛ لأنها ركبت من الحروف المتناهية, والمركب من المتناهي متناهي. وأجيب: بمنع ذلك في المختلفة والمتضادة, ولا يعتبر في غيرها. ولو سلم فالمتعقل متناه, وإن سلم فلا نسلم أن المركب من المتناهي متناه, وأسند بأسماء العدد, وإن سلم منعت الثانية, ويكون كأنواع الروائح). أقول: استدل على وقوع المشترك بأنه لو لم يقع لخلت أكثر المسميات عن الأسماء, واللازم باطل, فالملزوم مثله. بيان اللزوم؛ أن المعاني غير متناهية لأن من جملتها معلومات الله تعالى,

стр. 183

والأعداد, وأنواع الروائح, وهي غير متناهية, والألفاظ متناهية لتركبها من الحروف المتناهية, وما تركب من المتناهي فمتناهي, وإذا وزعت على المعاني [بحيث] يخص كل معنى بلفظ, خلت أكثر المسميات عن الأسماء لعدم استغراق المتناهي لغير المتناهي. وأما بيان بطلان اللازم؛ فلأن الحاجة ماسة إلى التعبير عن المعاني, فلابد من الوضع لها. أجاب أولًا: بمنع الملازمة, وتقريره: أن قولكم في بيانها: المعاني غير متناهية, تريدون المعاني المتضادة, وهي الأمور الوجودية التي يمتنع اجتماعها في محل واحد في وقت واحد كالسواد والبياض, والمختلفة وهي التي حقائقها مختلفة ولا يمتنع اجتماعها في محل كالحركة والبياض, أو المتماثلة وهي الأمور المتفقة الحقائق كأفراد الأنواع. إن أردتم الأول, فلا نسلم أنها غير متناهية, وإن أردتم الثاني فلا يفيد عدم تناهيها في بيان اللزوم, إذ يكفي الوضع للمشترك فلا يلزم الخلو. سلمنا أن المختلفة والمتضادة غير متناهية, لكن المتعقل منها متناه, لامتناع إحاطة الذهن بما لا يتناهى, والوضع إنما يحتاج للمتعقل. سلمنا أن المتعقل غير متناه, ولا نسلم أن الألفاظ متناهية, وكونها ركبت من متناه لا يستلزم تناهيها, والمستند أسماء العدد, فإنها اثنا عشر

стр. 184

والمركب منها غير متناه, ولم يرفض الشيخ في الشفاء من هذه الأنواع الثلاثة إلا الثاني. قلت: وهو الحق؛ لأن أنواع الأعداد متضادة مع عدم تناهيها, وأما الاعتراض على هذا المنع بأن الوضع للقدر المشترك يوجب المجاز في الأفراد, بأنه سلم أن عدم تناهي المتماثلة يفيد الاشتراك, [ثم منعه في قوله: لا نسلم أن المتعقل غير متناه حتى يلزم الاشتراك] , فيكون منعًا غير موجه فساقط /؛ لأن استعمال المتواطئ في كل فرد باعتبار المعنى الموجود فيه حقيقة وإنما يكون مجازًا باعتبار خصوصيته, ثم هو أولى من الاشتراك, ولأنه إنما سلم من المتضادة, والمختلفة غير متناهية فقط. وأما المنع الثالث؛ فلأن المراد من التركيب التركيب الخاص كما هو الموجود من أن الكلمة ثلاثية ورباعية وخماسية, وأسماء الأعداد إنما لم تتناه للتكرار؛ لأنك تقول: مائة ألف ألف ألف إلى ما لا نهاية له, ولا يستقيم ذلك هنا, ثم سلم المصنف الملازمة ومنع بطلان اللازم, وإليه أشار بقوله: (منعت الثانية) فإنه يجوز خلو أكثر المسميات, إذ من المعاني المختلفة أنواع

стр. 185

الروائح ولم يوضع لها, ولم يختل المقصود من الوضع, إذا يمكن التعبير عنها بالإضافة إلى المحل. قال: (واستدل: لو لم يكن لكان الموجود في القديم والحادث متواطئًا لأنه حقيقة فيهما, وأما الثانية؛ فلأن الموجود إن كان الذات فلا اشتراك, وإن كان صفة فهي واجبة في القديم, فلا اشتراك. وأجيب: بأن الوجوب والإمكان لا يمنع التواطؤ كالعالم والمتكلم). أقول: استدل أيضًا على وقوع المشترك بدليل آخر مزيف, تقريره: لو لم يكن المشترك, لكان صدق الموجود على القديم والحادث متواطئًا, واللازم باطل, فالملزوم مثله. أما الملازمة, فلأنه يطلق على عليهما بطريق الحقيقة اتفاقًا, كما قال في المنتهى, وكما في الإحكام, وهو المراد من قوله: (لأنه حقيقة فيهما) إذ لا يريد أنه وضع لكل واحد منهما, وإلا لكان مصادرة, وهذا البيان أولى من قولهم: إذ لو كان مجازًا لصح نفيه؛ لأنها علاقة فاسدة عند المصنف وإذا كان حقيقة فيهما, فلو انتفى الاشتراك اللفظي لثبت المعنوي الذي هو أعم من المتواطئ والمشكك, وهو مراده على توسع.

стр. 186

وأما بطلان التالي وإليه أشار بقوله: (وأما الثانية)؛ فلأن المسمى بالموجود إما أن يكون عين ذات القديم وعين ذات الحادث, أو صفة زائدة عليهما, وأيًا ما كان لا اشتراك معنوي. أما الأول؛ فلمخالفة ذاته تعالى لسائر الذوات بتمام حقيقتها, إذ لو لم تخالفها في شيء لزم وجوب الكل, وإن خالفتها في البعض لزم تركيب ذاته وهو محال. وإن كان صفة, فهي واجبة في القديم وممكنة في الحادث, فلا تكون شيئًا واحدًا مشتركًا, وإلا لكان الواحد بالحقيقة واجبًا لذاته ممكنًا لذاته. أو نقول: الوجوب والإمكان متنافيان, وتنافي اللوازم ملزوم لتنافي الملزومات. وتقرير الجواب: أن نمنع بطلان الثاني, ونختار أنه صفة, والوجوب والإمكان لا ينفيان الاشتراك المعنوي إلا إذا كانت الصفة واجبة لذاتها في القديم وليس كذلك؛ لأن وجوبها لذات الموصوف, ولا ينافي الإمكان الذاتي, والمراد بوجوبها أنها ممتنعة الزوال, نظرًا إلى ذات الموصوف لا إلى ذات الوجود. ومعنى وجوبها, أن ذات القديم من حيث هي تقتضي تلك الصفة. ومعنى إمكانها: أن ذات الممكن من حيث هي لا تقتضيها. ويجوز أن تكون صفة واحدة مشتركة بين مختلفين بالحقيقة, وأحدهما يقتضي تلك الصفة لذاته فتكون واجبة, والآخر لا يقتضيها فتكون ممكنة,

стр. 187

مع أن تلك الصفة مشتركة من حيث المعنى [بينهما] , كالعالم والمتكلم اشترك فيهما القديم والحادث من حيث المعنى, مع كونه واجبًا / في القديم ممكنًا في الحادث بعين ما ذكرنا, وتنافي اللوازم لا يستلزم ألا يكون من الملزومات قدر مشترك, لجواز أن يكون مشككًا كما هنا. قال: (قالوا: لو وضعت لاختل المقصود من الوضع. قلنا: يعرف بالقرائن, وإن سلم فالتعريف الإجمالي مقسوم كالأجناس). أقول: احتج المانعون: بأنه لو وضع لاختل المقصود من الوضع, واللازم باطل. بيان اللزوم؛ أن المقصود من الوضع إفهام المخاطب مراد المتكلم, وفهم المراد من اللفظ المشترك ممتنع, لتساوي دلالته بالنسبة إلى معانيه. وأما بطلان التالي؛ فلأنه مهما انتفى الموجب للوضع ينتفي وضع المشترك وإلا لزم وقوع الممكن بدون سببه, فثبت أنه يلزم عدم وقوعه على تقدير وقوعه, وأنه محال. والجواب: منع الملازمة, لجواز أن يعرف مراد المتكلم بالقرائن. سلمنا الاحتلال التفصيلي إما لخفاء القرائن أو لعدمها, لكن لا نسلم أن الإفهام التفصيلي مقصود من الوضع دائمًا, إذ قد يكون المقصود الإفهام الإجمالي, كأسماء الأجناس فإنها لا تفيد تفاصيل ما تحتها, فتفيد القدر

стр. 188

المشترك من غير تعيين جزئياته, فكذلك يكون المراد هنا أحد المعنيين لا بعينه وهو ما يقصد, والمخل بالمقصود من الوضع إنما هو عدم الفهم مطلقًا, مع أن من المقاصد الحمل على جميع معانيه, كما هو مذهب جماعة. وأيضًا: قد يكون من واضعين, كل منهما لا يعلم أن غيره وضعه لذلك المعنى, ثم يحصل الاشتراك باشتهار الوضعين والاستعمال, فلم يختل مقصود الواضع. قال: (مسألة: ووقع في القرآن على الأصح, لقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ , و ﴿عسعس﴾ , لأقبل وأدبر. قالوا: إن وقع مبينًا طال بغير فائدة, وغير مبين غير مقيد. وأجيب: بأن فائدته مثلها في الأجناس, وفي الأحكام الاستعداد للامتثال إذا بين). أقول: القائلون بوقوع المشترك في اللغة اختلفوا في وقوعه في القرآن, والأصح عند المصنف وقوعه فيه. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ , والقراء مشترك بين الطهر والحيض بما تقدم.

стр. 189

وأيضًا: ﴿والليل إذا عسعس﴾ , وعسعس مشترك بين إقبال الليل وإدباره، قاله الجوهري. واحتج النافي بأنه لو وقع, فإما مبينًا بأن تذكر معه قرينة, كما يقال: ثلاثة قروء وهي الأطهار, أو غير مبين. والأول تطويل بغير فائدة؛ إذ يمكن أن يعبر بلفظ مفرد وضع له. والثاني يستلزم عدم الفائدة؛ لأن الغرض من الوضع إفادة المراد, وكلاهما نقص, فينزه كلام الله تعالى عنه. وجوابه: بمنع بطلان التالي, ولا نسلم أن وقوعه غير مبين غير مفيد؛ لأن له فائدة إجمالية كما في الأجناس. وله في الأحكام فائدة أخرى وهي الاستعداد للامتثال إذا بين, وأنه يطيع بالعزم على الامتثال والاستعداد, كما بعصي بخلافه. ومن فوائده: نيل الثواب بالاجتهاد في حمله على بعض معانيه. وترجيحه على الآخرين للعمل به عند من يقول: إن المشترك ليس من قبيل المجمل ويمكن التصرف فيه بالترجيح, وإلا تعينت فائدة الاستعداد, ويمكن منع القسم الأول, وإنما يلزم ذلك إذا كان له لفظ منفرد. وأيضًا: إنما ذلك لو كان البيان وحده يدل على المراد من غير ذكر المبين. وأيضًا: قد يشتمل على فصاحة لا تكون لغيره.

стр. 190

قال: (المترادف واقع على الأصح, كأسد وسبع, وجلوس وقعود. قالوا: لو وقع لعري عن الفائدة /. قلنا: فائدته التوسعة, وتيسير النظم والنثر للروي أو الزنة, وتيسير التنجنيس والمطابقة. قالوا: تعريف المعرف. قلنا: علامة ثانية). أقول: اختلف في وقوع المترادف في اللغة. [و الترادف]: توارد الألفاظ الدالة على شيء واحد [باعتبار واحد] , وهو من خواص المفرد. وشذ قوم فقالوا: إنه غير واقع. والدليل عليه: أن الأسد والسبع اسمان للحيوان المفترس, والجلوس والقعود اسمان للهيئة المخصوصة, وذلك معنى الترادف. ولا معنى لما تكلف أهل الاشتقاق من بيان أن ما ظن أنه مترادف, فهو

стр. 191

من قبيل الأسماء المشتقة. احتج الثاني: بأنه لو وقع لعري عن الفائدة, واللازم باطل, فالملزوم مثله. بيان اللزوم؛ أن الغرض من الوضع حصول الإفهام, واللفظ الواحد كاف فيه, فالثاني عبث, وهو ممتنع على الحكيم. أجاب: بمنع الملازمة, ولا تنحصر فائدته فيما ذكرتم. ومن فوائده: التوسيع في التعبير, فتكثر الذرائع إلى المقصود, فيكون إفضاء له. ومنها: تيسير النظم للروي, وهو أن يكون أحد اللفظين يوافق الروي - وهو حرف القافية الذي تبنى عليه القصيدة - والآخر لا يوافق, كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل لو قال: «ذاهب» لحصل الوزن دون الروي. ولو قال: «مضمحل» لحصل الروي دون الوزن.

стр. 192

وفي النثر الأسجاع بمنزلة القوافي, فقد تقع موازنة بلفظ دون مرادفه, فقد يكون أحدهما موافقًا للسجع دون الآخر. وتيسير التجنيس, وهو تشابه اللفظين, كقوله تعالى: ﴿ويوم تقم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعةٍ﴾ , لو قال: «تقوم القيامة» فات التجنيس. وتتيسر به المطابقة, وهو الجمع بين معنيين متضادين بلفظين, كقوله تعالى: ﴿تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء﴾ , ولا مدخل للترادف في تيسيرها عند الأكثر. وشرط قوم أن يكون أحد الضدين موازنًا للآخر, أو موافقًا له في الحرف الأخير, فحينئذ يكون للترادف مدخل في تيسيرها. احتجوا ثانيًا: بأنه لو وقع لكان تعريفًا للمعروف وهو باطل؛ لأنه تحصيل الحاصل؛ لأن التعريف يحصل بالواحد, وهذا غير عين الأول بتغير عبارة. والجواب: منع الملازمة, فإن اللفظ علامة على المعنى, ويجوز أن ينصب لشيء واحد علامات ليحصل التعريف بها على البدل لا معًا. وأيضًا: قد يكون من واضعين لا يدري كل منهما بوضع الآخر, ثم اشتهر الوضعان.

стр. 193

قال: (مسألة: الحد والمحدود ونحو عطشان نطشان غير مترادفين على الأصح؛ لأن الحد يدل على المفردات, ونطشان لا يفرد). أقول: زعم قوم أن لفظ الحد مرادف للفظ المحدود, وأن الأسماء التي لا تسمع إلا تابعة مرادفة للمتبوع. وليس كذلك؛ لأن الترادف من خواص اللفظ المفرد, ولفظ الحد مركب. وأيضًا: مدلولهما ليس واحدًا؛ لأن لفظ الحد يدل تفصيلًا ولفظ المحدود يدل إجمالًا, فمفهومه الماهية من حيث هي, ومفهوم الحد أجزاؤها, وإن كان كل واحد منهما يدل مطابقة على المحدود, لفظ المحدود وضع له, ولفظ الحد وضع أجزاؤه لأجزائه, لكن لفظ الحد دل على الأجزاء مطابقة, ولفظ المحدود دل عليها تضمنًا. وأما التابع والمتبوع؛ فلأن التابع لا يفرد بالذكر, وكل من المترادفين يفرد بالذكر. قال /: (مسألة: يقع كل من المترادفين مكان الآخر لأنه بمعناه, ولا حجر في التركيب. قالوا: لو جاز, لجاز خداي أكبر. وأجيب: بالتزامه. وبالفرق باختلاط اللغتين).

стр. 194

أقول: اختلف في جواز إيقاع كل من المترادفين مكان الآخر. فمنع مطلقًا, وأجيز مطلقًا. وقيل: إن كانا من لغة واحدة جاز, وإلا فلا. احتج: بأنه يجوز ذلك حالة الإفراد اتفاقًا. قال المنتهى: المترادفان يصح إطلاق كل منهما مكان الآخر؛ لأنه لازم معنى المترادفين. ثم لا حجر في التركيب أو صحة التركيب من عوارض المعنى دون اللفظ وإذا اتحد المعنى لا محذور. احتج المانع: بأنه لو جاز, لجاز خداي أكبر, وخداي معناه الله, واللازم باطل, فالملزوم مثله. أجاب على مذهب المجوز: بالتزامه. وعلى مذهب من فصل: بالفرق باختلاف اللغتين, المؤدي إلى استعمال المهمل مع المستعمل. وإنما قدم المنع الأول وإن كان الترتيب الطبيعي منع الملازمة أولًا ثم منع

стр. 195

بطلان التالي ثانيًا؛ لأن المنع موافق لمذهبه, والثاني غير موافق لمذهبه. وإنما قصد به دفع الخصم فقط.

стр. 196

قال: (مسألة: الحقيقة: اللفظ المستعمل في وضع أول, وهي: لغوية, وعرفية, وشرعية, كالأسد, والدابة, والصلاة. والمجاز: المستعمل في غير وضع أول على وجه يصح). أقول: الحقيقة: فعيلة من الحق, وجاء فعله لازمًا بمعنى ثبت, ومنه حقت العذاب, وجاء متعديًا, حققت الشيء أي أثبته, وفعيل أي بمعنى فاعل كعليم, وبمعنى مفعول كجريح, فمن الفعل الأول بمعنى ثابت, ومن الثاني بمعنى مثبتة, فالتاء على الأول لا إشكال في أنها للتأنيث؛ لأن فعيل يفرق فيه بين المذكر والمؤنث بتاء التأنيث, وعلى الثاني فالتاء أيضًا للتأنيث؛ لأن فعيلًا بمعنى مفعول إنما يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا كان الموصوف مذكورًا, وإلا وجب تأنيثه رفعًا للبس, والموصوف الكلمة, هذا اختيار صاحب المفتاح. وقيل: إن التاء على الوجه الأخير لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية فصار شبه التأنيث من حيث إنه ثان, كما أن المؤنث ثانٍ. قيل: إنها بمعنى الثابتة أو المثبتة ثم نقلت إلى الاعتقاد المطابق للواقع لكونه ثابتًا في نفسر الأمر, أو المثبتة ثم نقلت إلى القول المطابق لكون مدلوله ثابتًا, أو مثبتًا ثم نقلت إلى ما ذكر المصنف, وهو اللفظ المستعمل؛ لأنه ثابت في

стр. 197

موضعه أو مثبت فيه, فيكون منقولًا في المرتبة الثالثة. وفيه نظر؛ لأن المناسبة متحققة بين الأول والأخير, فيجوز أن ينقل من المعنى اللغوي إلى المفهوم المصطلح ابتداء من غير واسطة, وتكون كلها مجازات عن اللغوي. وأيضًا: ما ذكر إنما يقال فيه حق لا حقيقة, فلفظ الحقيقة في المعنى المحدود مجاز لغوي, وحقيقة عرفية. ورسمها المصنف: (باللفظ المستعمل في وضع أول) , فاللفظ كالجنس, والمستعمل يخرج المهمل واللفظ قبل الاستعمال. وقوله: (في وضع) أي فيما وضع له, وفيه تساهل, فتخرج الأعلام لأنها مستعملة في غير ما وضعت له. وقوله: (أول) يخرج المجاز؛ لأنه في وضع ثانٍ, إن قلنا إن المجاز موضوع, وإن قلنا ليس بموضوع وهو الحق, على أن المصنف ما جزم بواحد منهما ها هنا. وقيل: إن كلامه قبل يعطي أنه موضوع؛ لأنه أحد أقسام / المفرد الموضوع, وليس كذلك, وإنما جعله من أقسام الموضوع باعتبار كونه موضوعًا للمعنى الحقيقي فقط, فـ «أول» يكون زائدًا.

стр. 198

وقيل: المراد بـ «أول» أي في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب, ففائدته دخول الشرعية والعرفية وإلا خرجت؛ لأنها لم تستعمل فيما وضعت له أولًا, والحق أن اللفظ لا يدل عليه على هذا الوجه. وقيل: أن قيدًا في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب, يغني عنه ما ذكر المصنف, ولذلك ذكر فقال: (في وضع أول) , فتدخل الحقائق الثلاث, وتخرج المجازات الثلاث: اللغوي كالصلاة للركعات, والعرفي كالدابة لكل ما يدب, والشرعي كالصلاة للدعاء, ضرورة أنها من حيث كونها مجازات مسبوقة بالوضع الأول. قلت: وفي خروجها نظر؛ لأنها وإن كانت مسبوقة بوضع أول, لكن صدق أنها استعملت في وضع أول أيضًا. قال بعض الشراح: لفظ «في» ليس صلة للمستعمل, وإلا لكان المراد بوضع ما وضع له, وهو خلاف ظاهر اللفظ, وترد المجازات الثلاث, حتى يزاد في العرف الذي به التخاطب, أما إذا كان معناه المستعمل بحسب وضع أول, دخلت الحقائق الثلاث, [وخرجت المجازات الثلاث] , إذ ليست بحسب وضع أول بل بالمناسبة, أو بوضع غير أول لوحظ فيه وضع سابق, وهذا كقولهم: مستعمل في العرف ومستعمل في الشرع, وهو حسن. وحينئذ تظهر فائدة أول, وهو خروج المجازات المذكورة, ولم يستلزم

стр. 199

أن المجاز موضوع. قيل: «أول» من الأمور الإضافية التي لا تعقل إلا بالنسبة إلى ثان, فيكون حد الحقيقة مستلزمًا لحد المجاز, فيتوقف عليه ويدور. وجوابه بعد تسليم أن إضافي: أن يستلزم مفهوم الثاني, أو الوضع الثاني, وليس ذلك نفس المجاز ولا ملزومًا له. ولو سلم, فغايته أن تصور الحقيقة والمجاز معًا ليس بمحال, وهذا التعريف يعم الحقائق الثلاث؛ لأن الوضع المعتبر فيه إما اللغة كالأسد للمفترس أو لا, وهو إما الشرع كالصلاة للركعات وقد كانت للدعاء أو لا وهي العرفية, وهذه إما من قوم مخصوصين وتسمى عرفية خاصة أو لا, وهي العامة, وغلب اسم العرفية فيها, اسم الاصطلاحية على الخاصة. والمجاز: مفعل من الجواز بمعنى العبور, والمفعل للمصدر أو للمكان, ثم نقل إلى ما ذكره المصنف, فهو مجاز في الدرجة الأولى من جهتين: الأولى: أنه انتقال الجسم من حيز إلى حيز, فإذا اعتبر في اللفظ كان شبيهًا. الثاني: أنه اسم للمصدر أو للمكان, وقد أطلق بمعنى الفاعل؛ لأن اللفظ منتقل فكان مجازًا أيضًا, وهو مجاز لغوي, حقيقة عرفية.

стр. 200

واللفظ المستعمل كما مر وفي غير وضع أول يخرج الحقائق, ويشمل المجاز على مذهب من يرى أنه موضوع, وعلى مذهب من يرى الاكتفاء بالعلاقة في الاستعمال, ومن يرى أن بعضه موضوع دون بعض. وقوله: (على وجه يصح) أي على وجه يكون بين الموضوع له أولًا والمعنى الثاني مناسبة يصح استعمال اللفظ فيه لأجلها, فيخرج استعمال لفظ الأرض في السماء / إذ لا علاقة, وتخرج الأعلام أيضًا, وفي المحصول: «أن الأعلام ليست بحقائق ولا مجازات». قال: (ولابد من العلاقة, وقد تكون بالشكل كالإنسان للصورة, أو في صفة ظاهرة كالأسد على الشجاع, لا على الأبخر لخفائها, أو لأنه كان عليها كالعبد, أو آيل كالخمر, أو للمجاورة مثل جرى الميزاب). أقول: هذا بيان لقوله: (على وجه يصح) أي يشترط أن يكون بين المفهوم الحقيقي والمجازي مناسبة اعتبرت بحسب النوع في اصطلاح التخاطب لا كل مناسبة, ولو لم تشترط لجاز استعمال كل لفظ لكل معنى بالمجاز, وهو باطل.

стр. 201

وأيضًا: لو لم تكن العلاقة, لكان الوضع بالنسبة إلى الثاني أولًا, فكان حقيقة فيهما. وشرط قوم اللزوم الذهني بين المعنيين وهو باطل, فإن أكثر المجازات المعتبرة عارية عن اللزوم الذهني, ولو كان شرطًا ما تحقق بدونه. والعلاقة المعتبرة: قيل تنحصر بالاستقراء في خمسة وعشرين نوعًا. والحق أن فيها تداخلًا. وقيل: اثنا ع شر, وذكر الآمدي أن جميعها ترجح إلى ما ذكر المصنف, وفيه نظر. فمنها: إطلاق اسم السبب على المسبب وعكسه. وإطلاق اسم الكل على الجزء وعكسه.

стр. 202

وإطلاق اسم الملزوم على اللازم وعكسه. وإطلاق اسم المطلق على المقيد وعكسه. وإطلاق اسم العام على الخاص وعكسه. وإطلاق اسم المحل على الحال وعكسه. ومجاز الزيادة وعكسه. وإطلاق اسم أحد الضدين على الآخر. وإطلاق المعرف وإرادة المنكر كقوله: ﴿ادخلوا الباب سجدًا﴾.

стр. 203

وإطلاق النكرة لإرادة العموم, كقوله تعالى: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾. ومنها الأربعة التي في الكتاب: الأول: إطلاق اسم المشابه كالإنسان على الصورة المنقوشة لتشابههما شكلًا, وإطلاق الأسد على الشجاع لتشابههما في الشجاعة التي هي من الصفات الظاهرة للأسد, لا على الأبخر؛ لأنهما وإن تشابها فيه لكنها من الصفات الخفية للأسد, ويسمى هذا القسم استعارة. الثاني: تسمية الشيء باسم ما كان عليه من صفة ظاهرة, كتسمية المعتق عبدًا. الثالث: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه, كتسمية العنب خمرًا. الرابع: تسمية الشيء باسم مجاوره, مثل: جرى الميزاب. وهذا قد يتناول ما يكون أحدهما جزء الآخر, ككون الجزء في الكل, أو الحال في محله, أو الظرف في ظرفه, وما لا يكون كذلك بل هما في محل واحد أو محلين متقاربين, بل والمتلازمين في الوجود كالسبب والمسبب, وفي الخيال كالضدين, وكل قسم مما ذكر فأقوى مما قبله. وقد يتكلف لانحصار أنواع العلاقة بالأربعة المذكورة أن المعنيين إما أن

стр. 204

يكون بين ذاتيهما اتصال أو لا. والأول المجاورة, والثاني إما أن يحصلا لذات أو لا. والأول وصفان بينهما تقدم وتأخر, فإن استعمل المتأخر للمتقدم أو بالعكس, فهو ما كان عليه, وما يؤول إليه. والثاني: أمران لا اتصال بينهما بالذات, ولا هما في محل. فإن لم يكن لهما حال يشتركان فيها, فلا علاقة قطعًا, وتلك الحال إما صورة محسوسة وهو الشكل, أو غيرها وهو الصفة الظاهرة. قال: (ولا يشترط النقل في الآحاد على الأصح. لنا: لو كان نقليًا لتوقف / أهل العربية, ولا يتوقفون. واستدل: لو كان نقليًا لما افتقر إلى النظر في العلاقة. وأجيب: بأن النظر للواضع. ولو سلم, فللاطلاع على الحكمة. قالوا: لو لم يكن, لجاز: نخلة للطويل غير إنسان, وشبكة للصيد, وابن للأب, وبالعكس. وأجيب: بالمانع. قالوا: لو جاز, لكان قياسًا أو اختراعًا. وأجيب: باستقراء أن العلاقة مصححة, كرفع الفاعل). أقول: بعد الاتفاق على وجوب العلاقة في المجاز, وعلى اشتراط النقل في نوعها, مثلًا: إذا لم ينقل عن أهل اللغة اعتبار اسم الكل في الجزء, لم يجز لنا أن نطلقه عليه مجازًا.

стр. 205

اختلف, هل يشترط في آحاد النوع أن ينقل إلينا عن أهل اللغة أم لا, ويكتفى بالعلاقة في جواز التجوز وهو المختار. لنا: لو كان نقليًا لتوقف أهل العربية أعني الأدباء في التجوز على النقل ومن استقرأ علم أنها لا يتوقفون ولا يخطئون المتجوز, ولذلك لم يدونوا المجازات تدوينهم الحقائق. أما الملازمة؛ فلاستحالة وجود المشروط بدون الشرط. قيل في بيان عدم التوقف: إن الخليل, وسيبويه أطلقوا رفع الفاعل, ونصب المفعول, وكذا أهل كل اصطلاح, ولم ينقل عن العرب. قلت: فيه نظر؛ لا لما قيل: إنها بالنسبة إليهم حقائق عرفية؛ لأنها بعد صارت حقائق, بل قد يقال: إنها موضوعات مبتدأة, وإلا فأين نقل أصل أنواع هذه المجازات عن العرب؟ ومتى استعمل الدوران في معناه الآن؟ . واستدل: لو كان النقل في الآحاد شرطًا في الاستعمال, لما افتقر

стр. 206

المستعمل إلى النظر في العلاقة عند الإطلاق, واللازم باطل, فالملزوم مثله. أما الملازمة؛ فلأن المقصود من النظر فيها جواز الإطلاق, فإذا كان النقل عنهم شرطًا في الإطلاق, فلا حاجة إلى النظر فيها لحصول النقل عنهم المستلزم لحصولها. وأما بطلان التالي؛ فلاتفاقهم على الافتقار إلى النظر فيها. أجاب أولًا: بمنع انتفاء التالي, وأن المستعمل لا يفتقر إلى نظر فيها, وأن المفتقر إلى النظر هو الواضع. سلمنا أن المستعمل مفتقر أيضًا, ونمنع الملازمة, والاستغناء عن النظر فيها في جواز الاستعمال لا يوجب الاستغناء مطلقًا, إذ قد يفتقر إليه في الاطلاع على الحكمة لا في الإطلاق, إذ الاطلاع لا يصلح شرطًا للإطلاق, لتقدير كونه نقليًا, وبالجملة النقل شرط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط. وقيل: المنع الأول راجع إلى الملازمة, والثاني منع لبطلان التالي, كأنه فهم لما افتقر بوجه, فمنع الملازمة للاتفاق على نظر الواضع فيها, لا أن المستعمل يفتقر. سلمنا أن المستعمل أيضًا يفتقر, لكن للاطلاع لا للإطلاق. واحتجوا بوجهين: الأول: لو لم يكن النقل في الآحاد شرطًا, لجاز إطلاق اسم النخلة لكل

стр. 207

طويل غير إنسان للمشابهة الصورية, وجاز إطلاق الشبكة على الصيد للمجاورة, واسم الأب على الابن للسببية, وبالعكس للمسببية, واللازم باطل. أما الملازمة؛ فلظهور العلاقة المعتبر نوعها في الصور المذكورة, والسببية والمسببية من المجاورة على ما تقدم, وما قيل من أنه من قبيل ما كان عليه, فيه نظر؛ لأن البنوة أمر ثابت لا يفارق إلا أن يريد بالابن الصغر, فيحسن ويترجح بعدم الإطلاق, إذ بالمعنى الأول لا يختلف في جواز الإطلاق /. وأما بطلان؛ فبالاتفاق. أجاب: بمنع الملازمة, وأن عدم جواز الاستعمال لثبوت المانع لا لعدم المقتضي, وخصوصية هذه المحال مانع من جواز استعمال اللفظ فيها, وأن أهل اللغة منعوا من الاستعمال في الصور المذكورة. وفي هذا الجواب نظر؛ لأن المنع لم يثبت عنهم, وتجويز المانع مع ثبوت المقتضي لا يرفع جواز الاستعمال, فلم يبق المانع إلا عدم النقل وهو المدعى. والأولى في الجواب: أنه لم يثبت المشابهة في الصور المذكورة في أخص الصفات وأشهرها, فلم يكن علاقة معتبرة, فيكون التخلف لعدم المقتضي. الوجه الثاني: لو جاز الإطلاق في الآحاد بمجرد وجود العلاقة من غير سماع, لكان إما بالقياس أو الاختراع, فاللازم باطل, فالملزوم مثله. أما الملازمة؛ فلأن إطلاق لفظ الحقيقة على تلك الصورة المعينة إما على جامع بينها وبين المجازات المسموعة أو لا, والأول قياس في اللغة, والثاني اختراع لغة, وكلاهما باطل.

стр. 208

والجواب: منع الملازمة, إذ لا حصر, فإن الاستقراء دل على أن العلاقة المعتبر نوعها كافية في جواز الاستعمال, كما نرفع فاعلًا لم نسمع رفعه من العرب باستقراء كلامهم, أن كلما أسند الفعل إليه فهو مرفوع, فلا يكون قياسًا؛ لأنه ليس لأجل اعتبار ذلك المعنى في الصورة الجزئية لخصوصها, بل فهم من العرب جواز الإطلاق بالاستقراء, فكان كالتنصيص على جواز إطلاق اسم الحقيقة على كل ما بينها وبينه علاقة مخصوصة. قيل: تصحيح العلاقة لجواز الاستعمال إن لم يسند إلى النقل منع, وإلا لزم المدعى. وجوابه: أنه يسند إلى النقل بطريق الإجمال, لا بطريق التنصيص على كل فرد. قال: (قالوا: يعرف المجاز بوجوه: بصحة النفي, كقولك للبليد: ليس بحمار, عكس الحقيقة, لامتناع ليس بإنسان, وهو دور. وبأن يتبادر غيره لولا القرينة, عكس الحقيقة. وأورد: المشترك. فإن أجيب: بأنه يتبادر غير معين, لزم أن يكون للمعين مجاز. أو بعدم اطراده, ولا عكس. وأورد: السخي والفاضل لغير الله تعالى, والقارورة للزجاجة. فإن أجيب بالمانع, فدور.

стр. 209

وبجمعه على خلاف جمع الحقيقة, كأمور جمع أمر للفعل, وامتناع أوامر, ولا عكس. وبالتزام تقييده, مثل جناح الذل, ونار الحرب. وبتوقفه على المسمى الآخر, مثل: ﴿ومكروا ومكر الله﴾). أقول: قال الأصوليون: إذا ورد لفظ مستعمل في شيء ولم نعلم أهو حقيقة في ذلك المعنى أو هو مجاز فيه, عُرف [ضرورة] كونه حقيقة أو مجازًا بالنقل عن أئمة اللغة, وإن لم يوجد نقل عنهم, عُرف كونه مجازًا بالنظر بوجوه أي بعلامات؛ لأن بعض المذكور لم يثبت إلا لبعض المجاز, وإن كان لفظه هنا يشعر بالمعرف, وإيراده على عكسها أيضًا [يدل] في قوله: (وأورد المشترك) يدل عليه, إذ العلاقة لا يلزم فيها الاطراد. ولفظ الإحكام: قد يعرف بوجوه, وهو خير وأتى «بقالوا» للاستبعاد إما لأن هذه الأحكام مردودة, أو لأن اللغة عنده لا تثبت إلا بالنقل. الأول: صحة النفي في نفس الأمر, كقولنا: البليد ليس بحمار, وزاد في الإحكام: «في نفس الأمر» لأنه يقال للبليد: ليس بإنسان, فقد نفيت

стр. 210

الحقيقة, لكن ليس في نفس الأمر /؛ لأنه إنسان في نفس الأمر, وإنما نفى بطريق المجاز, وهي زيادة حسنة, وهذا بعكس الحقيقة, فإن من علامتها صحة النفي, إذ لا يقال: البليد ليس بإنسان في [نفس الأمر]. قال: وهو دور؛ لأن المراد بصحة السلب عن المجاز سلب المعنى الحقيقي عنه؛ لأن معناه المجازي لا يسلب عنه, ولا نعرف صحة سلبه حتى نعلم أن استعماله فيه في الإثبات ليس بطريق الحقيقة, وذلك لا يعلم حتى يعلم كونه فيه بطريق المجاز, فإثبات المجاز به دور. قلت: وفيه نظر؛ لأن العلم بكونه ليس بحقيقة في الإثبات لا يستلزم كونه مجازًا, لجواز أن يكون من الأعلام. قيل: صحة السلب تتوقف على معرفة كونه مجازًا؛ لامتناع سلب شيء عن شيء بدون تصوره, فلو عرف به لزم الدور. قلنا: يكفي تصوره بوجه ما, لا من حيث كونه مجازًا. قيل في دفع الدور: المراد بصحة النفي أن يكون سمع نفي ذلك المعنى عنه من العرب. قلنا: لو كان ذلك لقال بالنفي, ولم يقل بصحة النفي. وأيضًا: يفسد في الحقيقة, إذ العلم بعدم النفي لا سبيل إليه إلا بعدم وجدان النفي عنهم, ولا يلزم عدم وجوده, أما في المجاز فيمكن وجود

стр. 211

السلب في موارد استعمالاتهم. الثاني: أن المجاز ما يتبادر غيره إلى الذهن عند عدم القرينة؛ لأنه عند القرينة يتبادر هو عكس الحقيقة, فإنها ما لا يتبادر غيرها عند عدم القرينة. واعترض على عكسه بالمشترك إذا استعمل في معناه المجازي, إذ لا يتبادر غيره للتردد بين معانيه, وعدم تبادر شيء منها. فإن أأجيب: بأنه يتبادر أحدهما لا بعينه, وهو غيره. قلنا: إذا تبادر غير المعين, والمجاز ما تبادر غيره, لزم أن يكون اللفظ للمعين الغير متبادر مجازًا, فلا يكون مشتركًا بل متواطئًا؛ لأن حقيقته حينئذ أحدهما لا بعينه ومجازه المعين, فلا يكون مشتركًا لفظيًا؛ لأن المشترك اللفظي الموضوع لمعنيين فأكثر وضعًا أوليًا, وهذا موضوع لأحدهما لا بعينه, وهو معنى واحد, ومن هنا تعرف أن التزام صاحب الإحكام كونه مجازًا في المعين فيه ما فيه, على أنه قال: وفيه دقة. قلت: وقد يوجه بأنه موضوع لكل واحد منهما من حيث هو واحد منهما, وذلك حقيقة, ومن حيث هو كذا معينًا يكون مجازًا, ولا كذلك المتواطئ؛ لأنه لم يوضع لأحدهما من حيث هو, بل للقدر المشترك. واعلم أن هذا ليس بمعرف وإلا لدار؛ لأنه أخذ المجاز في تعريف الحقيقة وبالعكس فهو علامة, والعلامة لا يلزم فيها الانعكاس, كالألف واللام للاسم, ليس كلما انتفى عنه الألف واللام لا يكون اسمًا.

стр. 212

وهذا التقرير خير من إيراده على علامة الحقيقة؛ لأنه قال: عكس الحقيقة, فالحقيقة ما لا يتبادر غيره, أعم من أن تتبادر هي أو لا. الثالث: عدم اطراده في مدلولاته, بمعنى أنه يستعمل في محل لوجود معنى, ولا يستعمل في كل محل وجد ذلك المعنى [فيه] , كالنخلة للإنسان الطويل, ولا يقال لكل طويل: نخلة, ولا عكس أي لا يكون الاطراد علامة على الحقيقة, [فإن من المجاز ما يكون] مطردًا, كإطلاق اسم الكل على الجزء. وقرر بوجه آخر: أن ما ليس بمطرد مجاز ولا عكس, أي ليس كل مجاز غير مطرد, فتكون العلاقة غير منعكسة, واحتاج إلى ذلك؛ لأن / العلاقة قد تكون منعكسة, فبين أن هذه غير منعكسة. والأول أولى؛ لأنه لما ذكر العلامتين السابقتين قال: (عكس الحقيقة) بين هنا أنه لا يكون عكس الحقيقة. وأورد على طرد هذه العلاقة: السخي والفاضل لغير الله تعالى, والقارورة للزجاجة؛ لأن السخي الكريم, والفاضل العالم, والقارورة لما يستقر فيه المائع, والله تعالى كريم عالم, ولا يقال له: سخي ولا فاضل. والكوز لا يقال له: قارورة, مع وجود المعنى: فلم تطرد هذه الحقائق فلا يكون عدم الاطراد علامة المجاز.

стр. 213

فإن أجيب: بأن عدم الاطراد لا يكون علامة, بل العلامة عدم الاطراد لا لمانع من لغة أو شرع, وفي المذكور عدم الاطراد لمانع شرعي في الأولين, لأن أسماء الله تعالى توقيفية, وفي الأخير المنع من أهل اللغة, فدور. وقرر من وجهين: الأول: أن عدم الاطراد إنما يكون علامة للمجاز إذا علم كون عدم الاطراد لا لمانع, وعدم الاطراد لا لمانع لا يعلم إلا بعد العلم بالمجاز. قلت: وله أن يمنع أن عدم الاطراد لا لمانع لا يعلم إلا بعد العلم بالمجاز؛ إذ المراد من عدم الاطراد [لا لمانع] , ألا نجده في مجاري كلامهم مستعملًا في موارد المعنى, ولم ينصوا على منعه. الثاني: أن العلاقة موجودة, فعدم الاطراد لا يكون لعدم المقتضي لوجودها فهو للمانع, وهو إما الشرع أو اللغة, والمقرر خلافه, ولا العقل قطعًا, فيكون عدم الاطراد لكونه مجازًا, فلو عرف المجاز بعد الاطراد لمانع هو المجاز, لزم الدور. قلت: فيه نظر؛ لا لما قيل: إن عدم اطراد المجاز قد يكون لمانع من اللغة كما تقدم في عدم اطراد المجاز في الصور الأربعة السابقة, أعني النخلة للطويل إلى آخرها. لأنا نقول: الاطراد لا لمانع علامة, لا أن كل مجاز فهو غير مطرد لا لمانع, بل منه ما يطرد, ومنه ما لا يطرد لمانع لغوي, [ومنه ما لا يطرد لا

стр. 214

لمانع لغوي] , فحينئذ عدم الاطراد الذي لا لمانع من شرع أو لغة لا يكون لعدم المقتضي, فيكون لكونه مجازًا ويعود الدور. ولا لما قيل: إنما يلزم ذلك لو كان عدم الاطراد معللًا بالمجاز, وليس كذلك؛ لأنه تعريف له, والتعريف لا يعلل. وأيضًا: [إنما] هو عدمي, والعدمي لا يحتاج إلى علة. لأنا نقول أولًا: ليس بتعريف بل علامة, والعلامة تعلل. سلمنا, لكن المعرف خاصة فتعلل. وقوله: العدمي لا يعلل. قلنا: كل ممكن له علة ضرورة, بل النظر أن عدم الاطراد إما أن يكون لعدم المقتضي أو لوجود المانع, وقد فرض ألا مانع من لغة أو شرع, ولا من عقل قطعًا, ولا من عرف, وكونه مجازًا أيضًا لا يمنع الاطراد, وإلا لم يطرد مجاز, فهو لعدم المقتضي. وقولهم: العلاقة المعتبر نوعها موجودة نمنعه, وسند المنع أنها لو وجدت والنقل لا يشترط في الآحاد والمنع لم يرد عنهم, لطرد أهل العربية التجوز, ومثل ذلك نقول على أصل الإيراد, وأن السخي لكريم يتصور منه البخل, والفاضل للعالم بالتعلم, وكذا في القارورة, فيسقط السؤال من أصله,

стр. 215

ويلزم مما ذكرنا أن لا عدم الاطراد علامة, لكن لا من الوجه الذي ذكره المصنف, ولأن القول به لا يجتمع مع القول / بعدم اشتراطه النقل في الآحاد. الرابع: أن يكون مجموعًا على خلاف جمع الحقيقة, يعني إذا استعمل لفظ في معنى واتفق على كونه حقيقة فيه, كالأمر في القول المخصوص, واستعمل في غيره, ولم ندر أهو حقيقة فيه أيضًا أم هو مجاز. فإن سمع منهم جمعه على خلاف جمع المتفق على كونه حقيقة, كأمر بمعنى الفعل, مثل: ﴿وما أمر فرعون﴾ , فإنهم جمعوه على أمور, ومنعوا جمعه على أوامر, واختلاف الجمعين علامة المجاز. قال: (ولا عكس) أي ولا يلزم أن تكون الحقيقة ما كان جمعه غير مختلف, ويحتمل ولا عكس لهذه العلامة, أي ليس كل مجاز يجمع على خلاف جمع الحقيقة. قيل: هذه العلامة غير مطردة, لجمعهم عودي اللهو والخشب على عيدان في الأول, وأعواد في الثاني. رد: بأن اختلاف الجمعين لاختلاف المسمى. وقولهم: الجمع للاسم لا للمسمى, فاختلافه لا يؤثر في اختلاف الجمع, نمنعه. الخامس: التزام تقييده عند استعماله في ذلك المعنى؛ لأنهم لما استعملوه
следующие страницы →