← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وأجاب المصنف عنهما: بأنكم إن أردتم بقولكم في الاستثنائية الأولى: «لا يصح دونه» أنه لابد منه في الإتيان بالمأمور به, فنفي التالي مُسلّم والملازمة ممنوعة؛ لأنّا لا نسلم أن ذلك لو لم يكن مأمورًا به لصح الفعل دونه. وإن أردتم بقولكم: «لا يصح دونه» , أنه مأمور به فهو ممنوع, إذ لا دليل عليه, والترديد في المقدم أو لا؛ لأن إرادة ما لابد منه والمأمور به من لا يصح بعيد, مع أن الاستفسار إنما يكون فيه إجمال, ولا إجمال في «لا يصح دونه» , والأولى أن يقال: إن أريد «بلا يصح دونه» أنه لا يسقط القضاء دونه, فالملازمة ممنوعة, ونفي التالي مُسلّم. وإن أريد به أنه لا يوافق الأمر, لكون هذه الأشياء أيضًا مأمورًا بها, فالملازمة مسلمة ونفي التالي ممنوع. وتقرير جواب الثاني: أن يقول: إن أردتم بقولكم في الاستثنائية التوصل واجب, كان لابد منه في التوصل إلى الواجب. سلمنا بطلان التالي, ومنعنا الملازمة. وإن أردتم أن التوصل بهذه الأشياء مأمور به فهو ممنوع, وأين دليلكم عليه؟ . فإن قيل: الإجماع على وجوب التوصل بهذه الأشياء, يدل على كونها مأمورًا بها. قلنا: لا نسلّم صحة الإجماع, ولن سلّم ففي الأسباب وحدها, بدليل خارجي لا لنفس وجوب الفعل, والدليل الخارجي إما الإجماع, أو أن الأمر

стр. 387

بالشيء أمر بأسبابه. قال: (مسألة: يجوز أن يحَّرم واحدًا لا بعينه, خلافا للمعتزلة, وهي كالمخير). أقول: لما فرغ من أحكام الوجوب, شرع في أحكام الحرام, وذكر فيه مسألتين: الأولى: هل يجوز أن يحرم واحد لا بعينه من أشياء؟ . قال الأشاعرة بأنه جائز, ومنع المعتزلة. احتج الأشاعرة: بأنه لا يمتنع عقلًا أن يقول السيد لعبده: لا تُكلم زيدًا أو عمرًا, فقد حرّمت عليك كلام أحدهما لا بعينه. والحاصل أن له ترك كلام أيهما شاء جميعا وبدلا, وليس له أن يجمع بينهما, فلم يحرم عليه كلام كل واحد, ولا كلام واحد بعينه. وطريقهم في الاعتراض وطريق الأصحاب في الجواب كما سبق في الواجب المخير. قلت: والأقرب ما ذهبوا إليه هنا؛ لأنه لو حرم واحد لا بعينه, وهو القدر المشترك الموجود في كل واحد من المعينات, حرم كل واحد ولا كذلك في الواجب المخير.

стр. 388

قال: (مسألة: يستحيل كون الشيء الواحد واجبًا حرامًا منه جهة واحدة, إلا عند بعض من يجوز تكليف المحال. وأما الشيء الواحد له جهتان, كالصلاة في الدار المغصوبة. فالجمهور: تصح. والقاضي: لا تصح, ويسقط الطلب عندها. وأحمد وأكثر المتكلمين: لا تصح ولا يسقط. لنا: القطع بطاعة العبد وعصيانه, فأمره بالخياطة ونهيه عن مكان مخصوص للجهتين. وأيضًا: لأو كان لكان لاتحاد المتعلقين؛ إذ لا مانع سواه اتفاقا, ولا اتحاد كان, الأمر للصلاة والنهي للغصب, واختيار المكلف جمعهما لا يخرجهما عن حقيقتهما). أقول: المسألة الثانية: هل يجوز أن يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا معا؟ . واعلم أنه إن كان واحدًا بالشخص, فإن اتحدت فيه الجهة, لم تكن من الجهة الواحدة واجبًا حرامًا معًا؛ لأنه محال قطعًا لتقابل حديهما, إلا على رأي بعض من جوز التكليف بالمحال, وهم الذين يجوزونه عقلًا وشرعًا.

стр. 389

وأم الذين يمنعونه شرعًا تمسكًا بقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ , فلا. أما الواحد بالجنس فجائز فيه ذلك, بأن يجب فرد ويحرم فرد, كالسجود لله واللصنم, ومنعه بعض المعتزلة, وقالوا: المنهي عنه قصد تعظيم الصنم, لا السجود من حيث هو سجود؛ لأنه مأمور به. أما الواحد بالشخص له جهتان, يجب بأحدهما ويحرم بالآخر, وذلك كالصلاة في الدار المغصوبة, تجب لكونها صلاة, وتحرم لكونها غصبًا, وكل من الجهتين معقولة بدون الأخرى. فمذهب أكثر الفقهاء وأكثر الأشاعرة: جواز كونها واجبة حراما للجهتين, وتصح الصلاة إذا أتى المكلف بها فيها وهو مختار المصنف. وذهب القاضي إلى أنه لا يجوز ذلك, لكن قال: يسقط الطلب حذارًا

стр. 390

من مخالفة الجميع في سقوط القضاء, وقال: «عندها» لا بها؛ لجواز سقوط الفرض عندما ليس بفرض وإن كان حرامًا, كن شرب شيئًا يحدث الجنون فجُنَّ, فإنه تسقط عنه العبادة عند هذه المعصية لا بها؛ إذ الإتيان بما يكون نفسه سببًا لإسقاط الواجب يكون إتيانًا بالمأمور به, فما لا يكون مأمورًا به كالمعصية لا يسقط بنفسه الفرض, وقد يقال: يسقط الفرض بغير المأمور به كما قيل في الموسع. والحق إنه قول ضعيف. قال الإمام في البرهان: «الأعذار التي ينقطع الخطاب بها محصورة, والمصير إلى سقوط الأمر عن متمكن من الامتثال ابتداء ودوامًا بسبب معصية لابسها, لا أصل له في الشريعة». ذهب أحمد, وحكاه ابن العربي في رواية عن مالك, والجبائي

стр. 391

وابنه, وأهل الظاهر, والزيدية إلى / أنه لا يجوز ذلك, ولا تصح الصلاة المأتي بها في دار الغصب, ولا يسقط الطلب بها ولا عندها. احتج المصنف لمختاره بوجهين: الأول: أنّا نقطع بجواز ذلك عقلا, فإنّ السيد إذا أمر عبده بخياطة ثوب ونهاه عن الجلوس في مكان مخصوص, فخاط العبد ذلك الثوب في نفس المكان المنهي عنه, قطعنا بأنه مطيع بالخياطة عاص بالجلوس في المكان, فكذا الصلاة المأتي بها في الدار المغصوبة, يكون ممتثلًا بها من حيث كونها صلاة, منهيًا عنها من حيث هي في دار مغصوبة, فيحسن ثوابه لأجل الصلاة, وعقابه لأجل الغصب. ولما استبعد بعض الشافعية هذا, قال: يسقط الفرض ولا يترتب عليها ثواب. الوجه الثاني: لو لم تصح لكان عدم صحتها لاتحاد متعلقي الأمر والنهي, واللازم باطل, أما الملازمة: فلأنه لا مانع سواه اتفاقا, وأما بيان بطلان التالي: فلأنه لا اتحاد, فإن متعلق الأمر الصلاة, ومتعلق النهي الغصب, وكل منهما يتعقل انفكاكه عن الآخر, وقد اختار المكلف جمعهما مع إمكان عدمه, وذلك لا يخرجهما عن حقيقتهما اللتين هما متعلقا الأمر والنهي, حتى لا يبقيا حقيقتين مختلفتين فيتحد المتعلق.

стр. 392

قيل: إن أردتم بالاتحاد كون الشيء الواحد متعلق الأمر والنهي من جهة واحدة, فالملازمة ممنوعة. قولكم: إذ لا مانع سواه نمنعه؛ لأن من الموانع عندنا كون النهي الواحد متعلقهما باعتبار جهتين: إحداهما مأمور بها لذاتها, والأخرى منهيا عنها لذاتها, وإن أردتم ما يشمل الأمرين, منعنا بطلان التالي. قيل أيضًا: الجهتان وإن كانتا متغايرتين لكنهما في مسألة النزاع متلازمتان؛ لأن شغل الحيز جزء الحركات والسكنات المخصوصتين, وهي أجزاء ماهية الصلاة, فيكون فعل الصلاة متوقفًا عليها, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, فيكون المحرم واجبًا ويلزم التكليف بالمحال, وأنتم لا تقولون به. وردَّ: بأن ذلك وارد في أمر السيد لعبده بالخياطة ونهيه عن مكان مخصوص, فما كان جوابكم هنالك هو جوابنا هنا, ثم إنه لا يتوجه على من قال بوجوب ما لا يتم الواجب إلا به إذا كان شرطًا شرعيًا دون غيره؛ لأن الموقوف عليه غير شرعي. سلمنا: ولا نسلم أن كل من قال بصحة هذه الصلاة لا يقول بالتكليف بالمحال, وأيضًا: شغل الحيز على وجه العدوان ليس جزءًا من الحركات والسكنات التي هي أجزاء الصلاة, وجزء الصلاة ما هو أعم من ذاك, وما ذكرتموه [هو جزء الغصب المحرم, فما هو جزء الواجب لا يكون محرمًا,

стр. 393

وما هو محرم لا جزءًا من الواجب, وأيضًا: الصلاة] من مقولة الوضع, والغصب من مقولة الأين, فلا اتحاد ولا تلازم. قيل أيضًا: لا نسلم أن الصلاة المذكورة مأمور بها؛ لأنها بعد الجمع بينها وبين كونها في الدار المغصوبة, صارت هذه الصلاة منهيًا عنها, ولا يمكن حصول الصلاة بدون تلك الهيئة, فتكون الصلاة منهيًا عنها, فلم يأت بالمأمور به, وأيضًا: الخياطة إن أمر بها سواء كان في الحيز الممنوع منه أو لا, فلا يكون شغل الحيز ممنوعًا منه فافترقا, وإن أمر بها في الجملة ومنع عن شغل المكان المخصوص وشغله بالخياطة, فهذه الخياطة ممنوع منها, ولكن يعد ممتثلا؛ لأنها فعل حقيقي لا يبطل بالمنع منه بخلاف الصلاة. وردَّ: بأن الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة مأمور بها من حيث هي صلاة, لا مع قيد كونها في الدار المغصوبة, ومنهي عنها / مع ذلك القيد, فتكون الهيئة الحاصلة بعد الجمع مأمورًا بها من حيث هي هيئة الصلاة المطلقة, منهيًا عنها من حيث هي هيئة لهذه الصلاة, فالنهي عن الصلاة لأجل خصوصية لها, لا يوجب النهي عنها نفسها من حيث هي؛ لأن تلك الخصوصية ليست جزءًا للصلاة من حيث هي [لازمة لها لجواز تحقق الصلاة من حيث هي دون تلك الخصوصية, وإذا كانت الصلاة من حيث] هي مأمور بها غير منهي عنها وقد أتى المكلف بها, كان آتيًا بالمأمور به,

стр. 394

ضرورة أنه أتى بالمقيد, ومن أتى بالمقيد فقد أتى بالمطلق. وعن الثاني: بأنه لا فرق بين الخياطة في المكان المخصوص والصلاة في دار الغصب, وما ذكر من الفرق فضعيف؛ لأن المنع ليس عن الصلاة حتى يلزم أن لا يكون الآتي بها ممتثلًا, بل المنع عن الكون في الدار المغصوبة وهو أعم, وورود المنع من هذه الجملة لا يخلوا من أن يكون موجبًا لعدم وقوع الفعل على وجه الامتثال أو لا, وأيًّا ما كان لا فرق. قال: (واستدل: لو لم تصح, لما ثبتت صلاة مكروهة, ولا صيام مكروه, لتضاد الأحكام. وأجيب: بأنه إن اتحد الكون منع, وإلا لم يفد, لرجوع النهي إلى وصف منفك. واستدل: لو لم تصح لما سقط التكليف. قال القاضي: وقد سقط بالإجماع؛ لأنهم لم يأمروهم بقضاء الصلوات. وردَّ: بمنع الإجماع مع مخالفة أحمد, وهو أقعد بمعرفة الإجماع). أقول: هذان دليلان على صحة المذهب المختار, لأنهما مزيفان عند المصنف. تقرير الأول: لو لم تصح الصلاة في الدار المغصوبة, لما ثبت صحة صلاة مكروهة ولا صيام مكروه, واللازم باطل, أما الملازمة: فلأنه كما يضاد الوجوب التحريم, كذلك يضاد الكراهة, بيان بطلان التالي: أن

стр. 395

الصلاة في معاطن الإبل, وفي الحمام, وفي المقبرة مكروهة, وكذا صوم يوم الشك. الجواب: إن متعلق الوجوب والكراهة وإليه أشار بالكون من باب إطلاق اسم اللازم على الملزوم؛ لأن فعل العبد يستلزم الكون, إن اتحدا منعنا صحة صلاة مكروهة وصيام مكروه, فلا يتحقق في التالي, وإن تعددا منعنا الملازمة, وما ذكروه في بيانها غير مفيد للفرق, وهو أن النهي يرجع إلى وصف منفك عن الصلاة وعن الصوم, كالتعرض لنفار الإبل, ولخوف الرشاش في الحمام, ولأجزاء الموتى في المقبرة, ولعدم تمييز النفل عن الفرض في الصوم, فلا يلزم من اجتماع الكراهة والوجوب فيما له جهتان يمكن انفكاك إحداهما عن الأخرى, فيما اجتماع الوجوب والتحريم فيما له جهتان متلازمتان, لأن النهي عن الشيء لذاته يضاد وجوب أصله, والنهي عن الشيء لوصفه المفارق لا يضاد وجوب أصله.

стр. 396

قيل: جهة الوجوب في الصلاة في دار الغصب [هي] الصلاة المطلقة, والكون في الدار المغصوبة الذي هو الوصف المنهي عنه جائز الانفكاك عن الصلاة المطلقة, وإن كانت الصلاة المشخصة غير منفكة عنه, وإذن لا فرق بين الصلاة المكروهة والصلاة في دار الغصب. وردَّ: بأن الوصف المنهي عنه في الصلاة المكروهة وصف منفك عن الصلاة المشخصة؛ لجواز وجود الصلاة في تلك الأمكنة مع عدم ما نهي لأجله, بخلاف الوصف المنهي عنه في الصلاة في الدار المغصوبة, فإن الصلاة المشخصة لا تنفك عنه, وفيه نظر؛ لأن الفرق من هذه الجهة لا يفيد؛ لأن متعلق الوجوب في الدار المغصوبة هو الصلاة المطلقة لا المشخصة, والوصف المنهي عنه منفك عنها. تقرير الثاني: لو لم تصح لما سقط التكليف بها, واللازم باطل, أما الملازمة: فلأنها إذا لم تصح لا يكون الآتي بها آت بالمأمور به, فلا يسقط التكليف بالمأمور به بالإتيان بالمأمور به. وأما بطلان التالي: لإلما حكاه القاضي من الإجماع على سقوط التكليف بها, والذي يحقق الإجماع أن السلف لم / يأمروا بالطلب بقضاء صلواتهم المؤداة في الأماكن المغصوبة. الجواب: منع التالي, وما احتج به على الإجماع بعيد لمخالفة أحمد

стр. 397

وهو أقعد بمعرفة الإجماع, فلو كان هناك إجماع لاطلع عليه ولم يخالفه, لا كما قيل: لا ينعقد دونه؛ إجماع عصر قبله أو بعده, وللقاضي منع الملازمة, والسند ما تقدم. قال: (قال القاضي والمتكلمون: لو صحت لاتحد المتعلقات؛ لأن الكون واحد, وهو غصب. وأجيب: باعتبار الجهتين كما سبق. قالوا: لو صحت لصح يوم النحر بالجهتين. وأجيب: بأن صوم يوم النحر غير منفك عن الصوم بوجه, فلا يتحقق فيه جهتان, وبأن نهي التحريم لا يعتبر فيه تعدد إلا بدليل خاص فيه). أقول: احتج القاضي والمتكلمون: بأنها لو صحت لاتحد متعلقا الأمر والنهي, واللازم باطل, أما الملازمة: فلأن كون جزآ الحركة والسكون وهما جزآ الصلاة, فهذا الكون جزء هذه الصلاة فيكون مأمورًا به, ثم إنه بعينه الكون في الدار المغصوبة فيكون منهيًا عنه, فلو كانت صحيحة لكان مأمورًا بها, لأن الصحة موافقة الأمر, فيكون ذلك الكون مأمورًا به فيتحد الأمر والنهي, وأما بطلان التالي: فلامتناع التكليف بالمحال. الجواب: منع الملازمة؛ لأن متعلق الوجوب الكون باعتبار كونه صلاة ومتعلق الحرمة الكون باعتبار كونه غصبًا, والتغاير بين الشيئين كما يقع بتعدد النوع كالإنسان والفرس, وبتعدد الشخص كزيد وعمرو, يقع بسبب

стр. 398

اختلاف صفات الشخص المحكوم عليه بالمتعاملين, والمحكوم عليه بأحد الحكمين هو الذات مع إحدى صفتيها, والمحكوم عليه بالحكم الآخر الذات مع الصفة الأخرى, كالمحكم بمدح زيد لكرمه وذمه لشحه. احتجوا أيضًا: بأنها لو صحت لصح [صوم] يوم النحر, واللازم باطل, أما الملازمة: فلأنه لا مانع إلا اتحاد المتعلقين, واعتبار الجهتين يدفعه؛ إذ الصوم من حيث هو متعلق الأمر, والصوم المضاف متعلق النهي, وأما بطلان التالي: فبالاتفاق. وأجاب المصنف عنه من وجهين: الأول: منع الملازمة, بأن نقول: صوم يوم النحر لا ينفك عن الصوم لأن المضاف يستلزم المطلق, بخلاف الصلاة والغصب يمكن انفكاك كل منهما عن الآخر, وحاصلة تخصيص الدعوى بما يجوز انفكاك الجهتين فيه كما في الصلاة في دار الغصب, بخلاف ما ذكرتم, وإنما يكون نظيره لو ثبت النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة. الوجه الثاني: أن نمنع الملازمة أيضًا, فإن نهي التحريم لا يعتبر فيه تعدد إلا بدليل خاص فيه؛ لأن نهي التحريم يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه, واعتبار تعدد الجهتين يقتضي جواز الإتيان به وهما متنافيان, فإذن لا يجوز اعتبارهما في نهي التحريم إلا بدليل خاص, وقد قام في الصلاة في الدار المغصوبة على اعتبار الجهتين, حيث لم يأمروهم بقضاء الصلوات بخلاف ما ذكرتم.

стр. 399

قيل: الأمر ورد بالصوم المطلق, والنهي عن الصوم المقيد فاستويا. قلنا: الأمر ورد بالصلاة منفردة, [والنهي عن الغصب منفردًا] بخلاف هنا, فإن الأمر وإن ورد بالمطلق والنهي عن المضاف, لكن لا ينفك المأمور به عن المنهي عنه في هذه الصورة. قال: (وأما من توسط أرضًا مغصوبة, فحظ الأصولي بيان استحالة تعلق الأمر والنهي معًا بالخروج, وخطأ أبي هاشم. وإذا تعين الخروج للأمر, قطع بنفي المعصية به. وقول الإمام باستصحاب حكم المعصية ولا نهي, بعيد. ولا جهتين لتعذر الامتثال). أقول: لما فرغ بما له جهتان يمكن انفكاك إحداهما / عن الأخرى, شرع فيما له جهتان لا يمكن انفكاك إحداهما عن الأخرى, كخروج من توسط أرضًا مغصوبة. واعلم أن حظ الأصولي بيان استحالة تعلق الأمر والنهي معًا بالخروج, فإنه تكليف بالمحال. أما كون الشيء الواحد مأمورًا به عينًا, أو منهيًا عنه عينًا فلا حظ للأصولي فيه, بل هو حظ الفقه, فمن توسط أرضًا مغصوبة, فليس من حظ الأصولي أن يقول: يجب عليك الخروج, أو يحرم عليك, فإن ذلك حظ الفقيه, وحظ الأصولي أن يبين استحالة تعلق الأمر والنهي معًا بالخروج عنهما, لاستلزامه التكيف بالممتنع.

стр. 400

وحظ الأصولي أيضًا بيان خطأ أبي هاشم في قوله بتعلقهما معًا بالخروج, حيث قال: «يكون عاصيًا بالإقامة والخروج معًا» , فإذن يكون الخروج مأمورًا به؛ [لأن الإقامة إذا كانت عصيانًا يكون منهيًا, فيكون الخروج مأمورًا به, لكنه] معصية, فهو منهي عنه, وبيان خطأ هذا المذهب: أولًا: أنه يخالف أصول المعتزلة في وجوب رعاية الأصلح للعباد على الله تعالى, ومن الأصلح ألا يسدّ عليهم باب التوبة, وما ذكره يفضي إلى سدّه, وكل واحد من المكث والخروج وإن كان غصبًا, لكن يتعين التكليف بالخروج لما فيه من تعليل الضرر, كالنزع من الفرج الحرام, وكشرب الخمر لمن غص بلقمة, لأن ارتكاب أدنى الضررين يصير واجبًا نظرًا إلى دفع أعلاهما, ووجوب ضمان ما أفسد عند خروجه لا يدل على حرمة الخروج, وإذا تعين الخروج للأمر يجب القطع بنفي المعصية بسبب الأمر, لكونه ممتثلًا مطيعًا, والمطيع لا إثم عليه فلا عصيان, وأيضًا: هو في الخروج غير مختار لكونه متبعا للأمر, لكن إذا خرج بما هو شرط في الخروج من السرعة, وسلوك أقرب الطرق وأقلها ضررا, وأن يقصد بالخروج مفارقة الغصب؛ لأنه لو قصد بالخروج التصرف في ملك الغير لم تنتف المعصية, كما إذا قصد بالنزع من الفرج الالتذاذ. وقال إمام الحرمين: «هو مأمور بالخروج وليس خارجًا عن العدوان؛

стр. 401

لأنه كائن في المكان المغصوب والمعصية مستمرة, وإن كان في حركاته حالة الخروج ممتثلًا للأمر, كالصلاة في الدار المغصوبة, يمتثل بها من وجه, ويعصي من آخر». واستبعده المصنف؛ لأن المعصية لا تكون إلا بفعل منهي عنه أو ترك مأمور به, وإذا سلم أنه مأمور بالخروج مع انقطاع النهي عنه, فلا يبقى للحكم بالمعصية وجه. وللإمام أن يمنع كون المعصية لا تكون إلا بأحد الوجهين المذكورين؛ لأن عصيانه عنده بارتباكه في المعصية, مع أنه انقطع النهي عنه. فإن قيل: يتعلق الأمر بتخليص ملك الغير والنهي [بالغصب] , كما قال في الصلاة في دار الغصب. قلنا: يلزم التكليف بالمحال هنا, بخلاف ثم, فإنه يمكن الامتثال, وإنما جاء ذلك في اختيار المكلف الجمع, وهنا يتعذر الإمساك بالخروج لو كان منهيًا عنه. قال: (مسألة: المندوب مأمور به, خلافًا للكرخي والرازي. لنا: أنه طاعة, وأنهم قسموا الأمر إلى إيجاب وندب. قالوا: لو كان لكان تركه معصية, ولما صح: «لأمرتهم بالسواك». قلنا: المعني بالأمر الإيجاب فيهما). أقول: لما فرغ من مسألتي الحرام, شرع في أحكام المندوب وذكرها

стр. 402

في مسألتين, والمندوب لغة: المدعو لمهم. وفي الشرع: الفعل الذي تعلق به الندب, كما تقدم. واعلم أن العلماء اختلفوا في المندوب, وهل هو مأمور به أم لا؟ . فذهب القاضي أبو بكر, وجماعة من أصحابنا إلى أنه مأمور به. وحكى المازري عن الأِشعري أنه غير مأمور به. وحكى القاضي عياض القولان عن المالكية. والبحث لفظي؛ لأن الأمر إن كان طلب الفعل, فهو مأمور به, وإن كان مع الجزم فلا, ولا منافاة بين مختاره هنا واختياره مذهب الجمهور,

стр. 403

حيث قال: إن صيغة افعل للوجوب فليتأمل. واحتج المصنف على الكرخي والرازي: بأن المندوب طاعة, وكل طاعة مأمور بها؛ لأن الطاعة تقابل المعصية التي هي مخالفة لها. قال المازري: الطاعة عندنا موافقة الأمر, وقد يكون الشخص مطيعًا [غير متقرب] , كنظر الكافر في الإيمان, فإنه مطيع فيه من حيث كان موافقًا للأمر, غير متقرب؛ لأن شرط المتقرب أن يكون عازمًا بالتقرب إليه, وهو حين نظره لم يحصل له العلم بالله تعالى. الثاني: أن العلماء قسّموا الأمر إلى: إيجاب, وندب, ومورد القسمة مشترك بين القسمين بالضرورة, فيكون المندوب مأمورًا به. لا يقال: اللازم عن الدليل: بعض المأمور به مندوب, وينعكس: بعض المندوب مأمور به, والمدعى: كل مندوب مأمور به. لأنّا نقول: لا قائل بالفرق, وأيضًا: مورد القسمة مشترك بين جميع أفراد أقسامه, فيكون كل مندوب كذلك؛ لاستلزام الأخص الأعم, والنقض بانقسام الإنسان إلى أسود وغيره, مع أنه ليس كل أسود حيوان غير

стр. 404

وارد الصدق على جميع أفراد أقسامه, والجماد الأسود ليس من أفراد أقسامه فلا يضر عدم صدقه عليه. قيل على الأول: إن أردتم بالطاعة ما يتوقع الثواب على فعله, سلمنا الصغرى ونمنع الكبرى؛ لأن الطاعة بهذا المعنى لا تقابل المعصية, لأن تاركها لا يستحق الذم, وإن أريد بالطاعة فعل المأمور به فالكبرى مسلمة, لكن الصغرى مصادرة. وعلى الثاني: إن الأمر حقيقة للوجوب, فإذا أطلق الندب كان مجازًا, ونحن نمنع إطلاق اسم المأمور به على المندوب بطريق الحقيقة. احتج الكرخي والرازي بوجهين: الأول: لو كان المندوب مأمورًا به, لكان تركه معصية؛ إذ لا معنى للمعصية إلا مخالفة الأمر وترك المأمور به, محققًا لقوله تعالى: ﴿أفعصيت أمري﴾ , والتالي باطل إجماعًا. الثاني: لو كان مأمورا به, لما صح قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» , بيان الملازمة: أن الحديث دلّ على

стр. 405

سلب الأمر عن السواك, فلو كان المندوب مأمورًا به, كان السواك لكونه مندوبًا بالاتفاق مأمورًا به, فلا يصح سلب الأمر عنه, ولأن الوجوب هو الذي يتضمن المشقة دون المندوب. والجواب عن الأول: أن المعصية مخالفة أمر الإيجاب. وقوله في الثاني: «لأمرتهم» أي أمر إيجاب, كلاهما وإن كان على سبيل المجاز, لكن يجب المصير إليه جمعًا بين الأدلة, مع أن الدلالة بالحديث إنما تتم لو كان السواك مندوبًا زمان قوله ﵇: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» وهو ممنوع؛ لجواز أن يكون الندب بعد. لا يقال: الحكم بالندبية ثابت / أزلًا, فهو مندوب إليه عند تلفظه ﵇؛ لأنا نقول: المندوب ليس حكمًا شرعيًا, بل متعلق الحكم مع أنه لا منافاة بين كونه مندوبًا في الأمر إذ ذاك وغير مندوب بأمره ﵇. لا يقال: السياق يدل على ندبيته حينئذ, لأنّا نقول: لا يدل على ندبيته قبل التلفظ. قال: (مسألة: المندوب ليس بتكليف خلافًا للأستاذ وهي لفظية). أقول: ذهب الأكثرون إلى أن المندوب ليس بتكليف. وذهب أبو إسحاق الإسفرائيني إلى أنه تكليف. حجة الأكثرين: أن التكليف يشعر بإلزام ما فيه كلفة ومشقة, وذلك

стр. 406

منتف عن المندوب, لأنه مساو للمباح في التخيير بين الفعل والترك من غير حرج, مع زيادة الثواب على الفعل. فإن قال: تكليف باعتبار وجوب اعتقاد كونه مندوبًا فمُسَلّم, لكنه حكم آخر, والمباح تكليف أيضًا بهذا الاعتبار, وهو مراده والله أعلم؛ لأنه قال: الإباحة تتكليف, فلا نزاع إذن, فإن قال: فعله لما كان سببًا للثواب, كان الإتيان به رغبة في ذلك كلفة ومشقة, فأشبه الواجب. قلنا: يلزم أن يكون حكم الشارع على الفعل بكونه سببًا للثواب تكليفًا؛ لأنه إن أتى بالفعل رغبة في الثواب الذي هو مسببه فهو شاق, وإن تركه شق عليه ما فاته من الثواب, وهو خلاف الإجماع؛ لأنه من أحكام الوضع, والنزاع لفظي؛ لأن مراد الأكثرين أنه ليس بلازم الإتيان به, ومراد الأستاذ وجوب اعتقاد ندبيته, فلم يتوارد النفي والإثبات على شيء واحد, لا كما قيل: مراد الأستاذ طلب ما فيه مشقة ما؛ لأنه يقول: الإباحة تكليف, فلا يصح له تفسير التكليف بالطلب. قال: (مسألة: المكروه منهي عنه غير مكلف به كالمندوب, ويطلق أيضًا على الحرام, وعلى ترك الأولى). أقول: المكروه لغة: ضد المحبوب, مأخوذ من الكريهة وهي الشدة في الحرب, وفي الشرع: يطلق بالإشتراك ويراد به الحرام, ويطلق ويراد

стр. 407

به ترك ما مصلحته راجحة وإن لم يكن منهيا عنه, كترك المندوبات, وقد يراد به ما نهي عنه نهي تنزيه لا تحريم, كالصلاة في الأوقات المكروهة, وقد يراد به ما في القلب من حزازة وإن كان غالب الظن الحل كأكل لحم الضبع. فمن نظر إلى الاعتبار الأول, حدّه بحد الحرام. ومن نظر إلى الثاني, حدّه بحدّ ترك الأولى. ومن نظر إلى الثالث, حدّه بالمنهي الذي لا ذمَّ على فاعله. ومن نظر إلى الرابع, حدّه بالذي فيه شبهة. ولما كان نظر المصنف إلى الاعتبار الثالث, حكم بأنه منهي عنه غير مكلف بتركه. ومن أراد الاعتبار الأول, حكم بأنه منهي عنه مكلف بتركه. ومن أراد الاعتبار الثاني, حكم بأنه غير منهي عنه ولا مكلف بتركه

стр. 408

فالنزاع لفظي, والخلاف في أنه بالاعتبار الثاني والثالث من أحكام التكليف على نحو ما سبق في المندوب اختيارًا وتزييفًا. قال: (مسألة: يطلق الجائز على المباح, وعلى ما لا يمتنع من عقلي أو شرعي, وعلى ما استوى الأمران فيه, وعلى المشكوك فيه فيهما بالاعتبارين). أقول: لما فرغ من المكروه, شرع في أحكام المباح, وذكره في أربعة مسائل: الأولى في مفهومه: المباح لغة: المعلن والمأذون فيه. وفي الشرع: متعلق الإباحة / ومن أسمائه الجائز, ويطلق الجائز على ما لا يمتنع شرعًا, فيتناول الواجب, والمندوب, والمكروه, والمباح. ويطلق أيضًا على ما لا يمتنع عقلا, وهو المسمى في عرف المنطقيين بالممكن العام, ويدخل فيه الواجب والممكن الخاص. ويطلق أيضًا على ما استوى الأمران فيه, سواء استويا شرعًا كالمباح

стр. 409

وكفعل الصبي فإنه لا يوصف بالإباحة, أو عقلًا كالممكن الخاص الذي لا يمتنع وجوده ولا عدمه. فعلى هذا, النُسخ التي فيها مما استوى الأمران فيه مع لفظة فيهما موجهة ولا تكرار؛ لأن ما استوى طرفاه شرعًا أعم من المباح, لأن فعل الصبي كذلك وليس بمباح, ومع إسقاطهما ما استوى الآمران فيه أعم من كونه شرعًا أو عقلًا, والأعم لا إشعار له بالأخص, فلا يحمل على أحدهما عينًا, فالنُسخ التي فيها فيهما أوضح, ويتناول ما لا يمتنع وجوده ولا عدمه وهو الممكن الخاص. ويطلق الجائز على ما يشك فيه في الشرع والعقل باعتبار الاستواء وباعتبار الامتناع, فيطلق على ما يشك أنه لا يمتنع شرعًا, وعلى ما يشك استواء الأمرين فيه عقلًا. فالجائز للمباح بالتفسير الأول, وأعم منه بالثاني والثالث, ومباين له بالتفسير الأخير, والثالث أخص من الثاني, وهما مباينان للأخير. قال: (مسألة: الإباحة حكم شرعي , خلافًا لبعض المعتزلة. لنا: أنه خطاب الشارع. قالوا: انتفاء الحرج, وهو قبل الشرع). أقول: الإباحة حكم شرعي خلافًا لبعض المعتزلة, فإنهم يقولون:

стр. 410

المباح ما لا حرج في فعله وتركه, وذلك ثابت قبل الشرع. ونحن ننكر ذلك ونقول: الإباحة خطاب الشارع بالتخيير, فالنزاع لفظي؛ لأنها إن فسرت بإذن الشارع, كانت حكمًا شرعيًا, وإن فسرت بانتفاء الحرج, كانت حكمًا عقليًا. قال: (المباح غير مأمور به خلافًا للكعبي. لنا: أن الأمر طلب يستلزم الترجيح ولا ترجيح. قال: كل مباح ترك حرام, وترك الحرام واجب, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, وتأول الإجماع على ذات الفعل, لا بالنظر إلى ما يستلزمه جمعًا بين الأدلة. وأجيب بجوابين: أحدهما: أنه غير متعين لذلك, فليس بواجب, وفيه تسليم أن الواجب واحد, فما فعله فهو واجب قطعًا. الثاني: إلزامه أن الصلاة حرام إذا ترك بها واجبًا, وهو يلتزمه باعتبار الجهتين, ولا مخلص إلا بأن ما لا يتم الواجب إلا به من عقلي أو عادي فليس بواجب, وقول الأستاذ: تكليف, بعيد). أقول: المباح غير مأمور به عند الجمهور.

стр. 411

وقال الكعبي وأتباعه من المعتزلة: لا مباح في الشرع, بل كل ما يفرض مباحًا, فهو واجب مأمور به. قال أيضًا: المباح مأمور به ولكن دون المندوب, كما أن المندوب دون الواجب. حجة الجمهور: أنه لو كان مأمورًا به, لترجح فعله على تركه, أما الملازمة: فلأن الأمر طلب يستلزم ترجيح الفعل على الترك, وأما بطلان التالي: فلأن المباح لا ترجيح فيه على ما سبق من تعريفه, وللكعبي منع عدم الترجيح تفريعًا على القول بوجوبه. والحق أن النزاع لفظي؛ لأنه إن أريد أنه مأمور به باعتبار ذاته فليس كذلك, ودليله لا ينهض عليه, ودليل الجمهور ينفيه, وإن أريد أنه مأمور به بالتبعية, باعتبار توقف الواجب عليه فهو مأمور به, وإن كان المصنف منعه, لكن فيه ما تقدم. احتج الكعبي: بأن كل مباح هو ترك حرام, إذ ما من شيء يوصف

стр. 412

بالإباحة إلا ويتحقق بمباشرة ترك حرام ما, وكل ما هو ترك حرام واجبًا إجماعًا, فالمباح واجب, وهنا تم دليله. وقوله: «وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» جواب عن سؤال مقدر وهو: أنه ليس ترك الحرام نفس فعل المباح, إايته أنه يحصل بفعل المباح. وأجاب: بأنه لا يضر, فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, وألزم أن الدليل والدعوى في مصادمة الإجماع فلا تسمع؛ لأن الاجماع على أن فعل المكلف ينقسم إلى مباح وواجب, ولا شيء من المباح بواجب, واعتذر عن الإجماع بأن ما ذكرنا من الدليل قطعي, فيجب تأويل الإجماع بذات الفعل, فيخص الإجماع بذلك جمعًا بين الأدلة؛ إذ الإجماع على انقسام الفعل إلى الأحكام الخمسة بالنظر إلى ذاته لا بالنظر إلى ما يستلزمه من ترك الحرام, فيكون بحسب ذاته مباحًا, وبحسب ما يستلزمه واجبًا, والتخيير باعتبار الذات لا ينافي الترجيح باعتبار, فلا خرق للإجماع. وأجيب بجوابين غير مرضيين عند المصنف: الأول: لا نسلم أن فعل المباح لا يتم ترك الحرام إلا به, وسند المنع أنه غير متعين لذلك, لإمكان ترك الحرام بفعل غير المباح من واجب أو مندوب, فلا يكون المباح واجبًا عينًا, وضعّفه بأن فيه تسليم أن الواجب أحدهما لا بعينه, فما فعل فهو واجب قطعًا, غاية ما في الباب أنه واجب مخير لا معين, وهو لم يدع إلا أصل الوجوب. لا يقال: قوله: «فما فعله فهو واجب قطعا» إن أراد أنه واجب بخصوصه فممنوع, وإن أراد أنه واجب لاشتماله على الواجب الذي هو

стр. 413

مسمى الضد فمُسلَّم, ولا يفيد الكعبي, لأن مدعاه وجوب كل معين لا وجوب مسمى الضد. لأنّا نقول: كل واحد من المعينات من أفراد المباح ومن أفراد الواجب والمندوب والمكروه, تصير لترك الحرام كخصال الكفارة, فيكون فردًا من أفراد الواجب, وأيضًا: إذا وجب ذلك الفرد الذي حصل به ترك الحرام لا قائل بالفرق. الجواب الثاني: النقض, وهو أنه لو صح الدليل المذكور, لزم كون الصلاة حرامًا إذا ترك بها واجبًا, كالزكاة الواجبة على الفور, أما الملازمة: فلأن الزكاة التي تجب على الفور لا تتم إلا بترك الصلاة, فيكون ترك الصلاة واجبًا, فتكون الصلاة حرامًا, وهو باطل, وضعّفه بأن للكعبي أن يلتزم كون الصلاة واجبة بالنظر إلى ذاتها, حرامًا باعتبار تركه الزكاة بسببها, كالصلاة في الدار المغصوبة. ثم لم رأى المصنف ضعف ما ردَّ به قول الكعبي, قال: لا مخلص من دليله إلا بمنع أن ما لا يتم الواجب إلا به إن كان عقليًا أو عاديًا واجب. والمصنف إنما خالف الجمهور فيما لا يتم الواجب إلا به لهذا الغرض, ولا حاجة إلى شيء من هذا؛ لأن مراد الكعبي إن كان أن المباح واجب على البدل كالمخير فهو حق, وإن أراد أنه واجب عينًا فباطل. ثم قال: (وقول الأستاذ: الإباحة تكليف, بعيد) , لما كان هذا

стр. 414

القول يشارك قول الكعبي, لاستلزام قول الكعبي أنه تكليف, قال: إنه بعيد؛ لأن التكليف طلب ما فيه كلفة, ولا طلب في المباح. والنزاع لفظي؛ لأن من قال: الإباحة تكليف, لا بالنظر إلى أصل الفعل, بل بالنظر إلى وجوب اعتقاد / كونه مباحًا. والعجب من المصنف, حَكَمَ بالبُعْد هنا وجعله خلافًا, وجعله لفظيًا في قوله: (المندوب ليس بتكليف). قال: (المباح ليس بجنس للواجب, بل هما نوعان للحكم. لنا: لو كان جنسًا له لاستلزام النوع التخيير. قالوا: مأذون فيهما, واختص الواجب. قلنا: تركتم فصل المباح). أقول: المحققون على أن المباح ليس بجنس للواجب, بل هما نوعان للفعل الذي هو متعلق الحكم الشرعي. وقوله: (نوعان للحكم) مجاز, وظن قوم أنه جنس للواجب. واحتج عليهم: بأنه لو كان المباح جنسًا للواجب, لاستلزام النوع التخيير بين الفعل والترك, لاستلزام الخاص مما يستلزمه العام, واللازم باطل؛ لأن ذلك ينافي حقيقة الوجوب.

стр. 415

احتج الآخرون: بأنهما اشتركا في الإذن؛ إذ كل واحد منهما مأذون فيه, واختص الواجب بفصل المنع من الترك, فالمأذون الذي هو حقيقة المباح مشترك بين الواجب وغيره, فيكون جنسًا له. أجاب: بأنكم تركتم فصل المباح, إذ ليس هو المأذون في فعله فقط, بل وفي تركه, وبهذا القيد لا يكون مشتركًا, بل مباينًا. والحق أن البحث لفظي؛ لأن من فسّر المباح بالمأذون في فعله فقط, فلا نزاع في أنه جنس, ومن فسره بأنه المأذون في فعله وفي تركه, فلا شك أنه مباين للواجب. ويصح أن يحمل على بعد: (تركتم فصل المباح) على الفصل في اصطلاح الفقهاء لا المنطقيين, أي قسم المباح, لامتناع وجود الجنس في الخارج دون الفصل, فيجيء قول الكعبي. ومن هنا نشأ الخلاف في الوجوب إذا نسخ, هل يبقى الجواز؟ . فقال الحنفية: لا يبقى, وهو قول الغزالي. وقال غيره من الشافعية: يبقى الجواز.

стр. 416

حجة الحنفية: أنهما متباينان, ولو سلّم فما هو جزاء لواجب منتف بانتفائه, لاستحالة بقاء حصة النوع من الجنس بعد عدم النوع, ولا وجود للأعم إلا مشخصا, فالجواز الباقي ليس جزء الوجوب قطعًا, بل هو حكم آخر يثبت منفصل. قال الآخرون: الدال على الوجوب دال على الجواز تضمنًا, فالوجوب مركب, وارتفاعه يكفي فيه ارتفاع جزءه, فالدليل الدال على الجواز سالم عن المعارض, فيثبته عملًا به, والأول أصح. قال: (خطاب الوضع , كالحكم على الوصف بالسببية الوقتية كالزوال, والمعنوية كالإسكار, والملك, والضمان, والعقوبات. وبالمانع للحكم لحكمة تقتضي نقيض الحكم, كالأبوة في القصاص. وبالمانع للسبب لحكمة تخل بحكمة السبب كالدين في الزكاة, فإن كان المستلزم عدمه فهو الشرط فيهما كالقدرة على التسليم والطهارة). أقول: لما فرغ من بيان الأحكام الثابتة بخطاب الاقتضاء والتخيير, شرع في الأحكام الثابتة بخطاب الوضع, وهي أصناف:

стр. 417

الأول: الحكم [على] الوصف المعين بكونه سببًا. والسبب: عبارة عما يتوصل به إلى مقصود ما, ومنه سمي الحبل سببًا. وأطلق شرعا على بعض مسمياته لغة: وهو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لإثبات حكم شرعي, فلله تعالى في الزاني حكمان: وجوب / الحدّ, وسببية الزنا, وينقسم بحكم الاستقراء إلى: وقتي, ومعنوي. فالوقتي: ما لا يستلزم في تعريفه للحكم حكمة باعثة عليه, كجعل زوال الشمس أمارة معرفة لوجوب الصلاة في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾. والمعنوي: ما يستلزم حكمة باعثة للشرع على شرع الحكم المسبب, كالشدة المطرية المعرفة لتحريم شرب النبيذ, لا لتحريم شرب الخمر, فإن ذلك معروف بالنص والإجماع لا بالشدة, فإذن الحكم الشرعي ليس نفس الوصف, بل حكم الشرع عليه بالسببية, وكأسباب الملك من الإرث والبيع

стр. 418

والهبة وغير ذلك, وأسباب الضمان كالإتلاف والغصب, وأسباب العقوبات وهي الجناية, فإنها سبب في القصاص أو الدية, بهذا صرح في المنتهى, فليس الملك والضمان والعقوبة أسبابًا, وإن صح في الأولين فهو ممتنع في الثالث؛ لأن العقوبات ليست سببًا للقصاص, بل الجناية هي السبب. لا يقال: لو كانت السببية حكمًا شرعيًا لاستدعت سببًا آخر يعرفها ويلزم الدور أو التسلسل, وأيضًا: الوصف المعرف للحكم, إن عرّفه بنفسه, لزم كونه معرفًا قبل ورود الشرع, وإن عرّفه بصفة زائدة, فالكلام فيها كما في الأول, ويعود الكلام فيدور أو يتسلسل. وأيضًا: الطريق إلى معرفة كون الوصف سببًا للحكم, ما يستلزمه من الحكمة المستدعية للحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة وذلك ممتنع؛ لأنه لو كانت الحكمة معرفة للسببية لأمكن تعريف الحكم بها من غير حاجة إلى توسيط الوصف, وليس كذلك إجماعًا, ولكانت معرفة لها قبل ورود الشرع إن كانت الحكمة قديمة, وتحتاج إلى معرف آخر إن كانت حادثة لخفائها, ويعود الكلام ويتسلسل؛ لأنا نقول: معرفة السببية مستندة إلى الخطاب, أو إلى الحكمة الملازمة للوصف, مع اقتران الحكم بها في صورة, فلا يستدعي سببًا آخر يعرفها, ومنه يعلم جواب الثاني. وجواب الثالث: أن الحكمة المعرفة للسببية ليست مطلق الحكمة, بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم, فلا تكون بمجردها معرفة للحكم؛ لأنها إذا كانت خفية غير منضبطة بنفسها ولا بلزومها الذي هو

стр. 419

الوصف, لم تعرف الحكم لخفائها وعدم انضباطها؛ لاختلافها بحسب الأشخاص والأزمان والأحوال, ودأب الشرع فيما هذا شأنه, ردّ الناس إلى الأوصاف الظاهرة المنضبطة دفعًا للحرج عنهم. وجواب الرابع: أن الحكمة إذا كانت منوطة بالوصف, فهي معروفة بنفسها غير مفتقرة إلى معرف, ولا يلزم من تقديمها على الشرع أن تكون معرفة, لتوقف ذلك على اعتبارها في الشرع. الصنف الثاني: الحكم على الوصف بكونه مانعًا. إما للحكم وهو: وصف وجودي ظاهر منضبط, مستلزم لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب, كالأبوة في القصاص, فإنها وصف وجودي ظاهر منضبط مانع لحكم القصاص؛ لاشتمال الأبوة على ما تقتضي عدم القصاص الذي هو حكم القتل المذكور, والذي اشتملت عليه كون الأب سببًا في وجود الابن, فلا يصلح الابن سببًا لإعدامه مع بقاء حكمة السبب, وهي حفظ النفس, ووجود السبب وهو / القتل العمد العدوان. وإما مانعا لسبب الحكم: وهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب, كالدين على من ملك نصابًا, فإنه وصف وجودي مقتض لإخلال حكمة سبب وجوب الزكاة, فإن حكمة السبب الذي هو ملك النصاب مواساة الفقراء من فضل ماله, ولم يدع الدَّين في المال فضلا, فحكمة المانع تخل

стр. 420

بحكمة السبب؛ لأن ملك النصاب إنما جعل سببًا إرفادا للفقراء, وهو إذا أدى يبقى فقيرًا محتاجًا إلى ما دفع ليخلص ذمته من الدين, فاستلزم الدين الإخلال بحكمة السبب. الصف الثالث: الحكم على الوصف بكونه شرطًا للحكم, وحقيقته أن عدمه مستلزم لعدم الحكم, كما أن المانع وجوده مستلزم لعدم الحكم, فهذا عدمه مستلزم لعدم الحكم, وذلك لحكمة في عدمه تقتضي نقيض الحكم أو تخل بحكمة السبب, فلهذا انقسم إلى شرط السبب, وإلى شرط الحكم, ويصح في المستلزم الرفع والنصب على الخبر المقدم, وأشار بقوله: (فيهما) إلى شرط الحكم, وشرط السبب. مثال شرط السبب: القدرة على التسليم في باب البيع, فإنه شرط صحة البيع الذي هو سبب الحكم بانتقال الملك, وحكمة صحة البيع هي إباحة الانتفاع بالمبيع, المتوقف على القدرة على الانتفاع, المتوقف على القدرة على التسليم, فعدمها يخل بحكمة السبب. مثال شرط الحكم: الطهارة للصلاة, لاشتمال عدم الطهارة مع الإتيان بمسمى الصلاة على ما يقتضي نقيض الحكم, فإن عدمها يستلزم الحدث المنافي للتعظيم, وذلك يقضي نقيض الحكم الذي هو الثواب, مع وجود سبب الحكم وهو الصلاة, وبقاء حكمة السبب وهو التوجه إلى جناب الحق, فعلى هذا يكون أعطى الأول للثاني, والثاني للأول, وكذا هو في الأحكام.

стр. 421

وجعل بعض الشراح القدرة على التسليم شرط حكمة الحكم, فإن عدمه ينافي حكمة صحة البيع التي هي إباحة الانتفاع, وجعل شرط السبب الطهارة للصلاة, فإن عدمها ينافي تعظيم الباري وهو السبب لوجوب الصلاة, فأعطى الأول للأول, ويكون على هذا ضمير فيهما راجع إلى حكمة الحكم وحكمة السبب, والأول لولا ما فيه من جعل الثواب حكمًا أولى؛ لأن الصحة ليست حكمًا شرعيًا على ما سيذكر. قال: [(وأما الصحة والبطلان , أو الحكم بهما بأمر عقلي؛ لأنهما إما كون الفعل مسقطًا للقضاء, أو موافقة أمر الشارع. والبطلان والفساد نقيضها. الحنفية: الفاسد المشروع بأصله, الممنوع بوصفه. وأما الرخصة: فالمشروع لعذر مع قيام المحرم لولا العذر, كأكل الميتة للمضطر, والقصر والفطر في السفر, واجبًا, ومندوبًا, ومباحًا). أقول: أما الصحة والبطلان, فقال صاحب الإحكام: (إنهما من أحكام الوضع والإخبار»؛ لأن الحكم بصحة العبادة وبطلانها لا يفهم منه اقتضاء ولا تخيير. وقال قوم: الصحة معناها الإباحة, والبطلان معناه الحرمة.

стр. 422

وذهب المصنف إلى أن الصحة والبطلان, أو الحكم بالصحة والبطلان] أمر عقلي لا يحتاج إلى توقيف من الشرع؛ لأن الصحة في العبادات موافقة الأمر عند المتكلمين, وإن وجب القضاء كالصلاة بظن الطهارة, وعند الفقهاء كون الفعل مسقطًا للقضاء. لا يقال: القضاء لم يجب, فكيف يسقط؟ . لأنّا نقول: المعنى رفع وجوبه, وهو مناقشة لفظية. وأما في المعاملات: فترتب الأثر المطلوب منها عليها شرعا. ولو قيل: العبادة صحيحة بهذا التفسير, لكان حسنًا. لا يقال: فإذن يلزم ترتب الثواب على الصلاة الصحيحة, وهو غير لازم؛ لجواز إحباط العمل. لأنّا نقول: المراد جواز ترتب الثمرة لا وجوبه. واستبعد المصنف كون الصحة أو الحكم بها أمر شرعي, صرح به في المنتهى؛ لأن العبادة إذا اشتملت على أركانها وشرائطها, حكم العقل بصحتها بكل واحد من التفسيرين, سواء حكم الشارع بالصحة أم لا. قيل: إن أراد بكونه أمرًا عقليًا, أنه لا مدخل للشرع فيه فممنوع؛

стр. 423

لتوقف الحكم على الشيء بكونه موافقًا لأمر الشارع على تصور أمره, وإن لم يرد ذلك, بل أراد وهو الأقرب أن الفعل له مدخل في الحكم لا أنه يستقل بكونه صحيحا, فلا نسلم بعده, والحق ما ذهب إليه المصنف؛ لأنهما صفتان للفعل الحادث, وحدوث الصفة توجب حدوث الموصوف, فلا يكونان حكمين شرعيين وإن توقفا على الشرع. وأما الصحة في المعاملات, فقيل: لم يتعرض لها المصنف, والأظهر أيضًا: أنها أمر عقلي؛ لأنه إذا كان الشيء مشتملا على الأسباب والشرائط وارتفاع الموانع, حكم العقل بترتب أثره عليه شرعًا, سواء حكم الشرع بالصحة أم لا. قلت: صرح بأنها في المعاملات حكم شرعي, حيث قال في الإيماء: فإن ذكر الوصف صريحًا والحكم مستنبط, مثل: ﴿وأحل الله البيع﴾ , ثم قال: والحل يستلزم الصحة, والبطلان والفساد نقيضا الصحة بكل من الاعتبارين, فهما مترادفان. وقال الحنفية: الباطل الذي لم يشرع بأصله, كبيع الملاقيح.

стр. 424

والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه, كبيع الدرهم بالدرهمين, فإنه مشروع من حيث إنه بيع, فإذا طرح الزيادة عندهم صح, ولم يحتج إلى تجديد عقد, فإن ثبت لهم ذلك فلا مشاحة في التسمية, وهو أيضًا أمر يدركه العقل؛ لأنه متى لم تكن موافقة لأمر الشارع, أو غير مسقطة للقضاء, أو لم يترتب الأمر عليها, حكم العقل بالبطلان والفساد. وأما الرخصة: فالمشروع [لعذر] مع قيام المحرم لولا العذر. وقال: (المشروع) ولم يقل: ما جاز فعله؛ ليتناول الفعل والترك؛ لأن الترك وإن كان فعلا لكن على قول؛ لأن الترخص قد يكون بالترك, كإسقاط لركعتين من الرباعية في السفر. وقال: (لعذر) ليخرج ما شرع لا لعذر, كوجوب الصلاة. وقوله: (مع قيام المحرم) احترازًا من المشروع لعذر لا مع قيام المحرم, كالإطعام في الظهار؛ لأن عند فقدان الرقية لا يكون الإعتاق واجبًا, وإلا لزم التكليف بالمحال. وقال: (لولا العذر) لأنه عند وجوده لا يكون المحرم قائمًا, وإلا لزم اجتماع الجواز والتحريم. وحاصله: أن دليل الحرمة إذا بقي معمولا به, وكان التخلف به لمانع

стр. 425

كان في حق المكلف لولاه ثبتت الحرمة في حقه, فهو الرخصة, وإلا فهو العزيمة , ويلزم عليه أن يكون الإطعام في الظهار رخصة, ثم الرخصة قد تكون واجبة كأكل الميتة للمضطر, وقد تكون مندوبًا كقصر المسافر الصلاة, وقد تكون مباحة كفطر المسافر في رمضان, واستعمل المصنف اللف والنشر. والعزيمة: ما لزم العباد بإلزام الله تعالى, صرح به في المنتهى, فيختص حسب الاقتضاء بالواجب, ولا يتوهم من تركها هنا أنها تقابل الرخصة. وعُلم مما ذكر أنهما من خطاب الاقتضاء والتخيير لا من خطاب الوضع. قال: (المحكوم فيه: الأفعال . مسألة: شرط المطلوب الإمكان, ونسب خلافه إلى الأشعري, والإجماع على صحة التكليف مما علم الله تعالى أنه لا يقع. لنا: لو صح التكليف بالمستحيل, لكان مستدعى حصوله, ولا يصح أنه لا يتصور وقوعه, واستدعاء حصوله فرعه؛ لأنه لو تصور مثبتًا, لزم تصور الأمر على خلاف ماهيته, وهو محال. فإن قيل: لو لم يتصور, لم تعلم إحالة الجمع بين الضدين؛ لأن العلم بصفة الشيء فرع تصوره.
следующие страницы →