Полный текст (1 541 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
قلنا: واجب لقيام الإجماع.
قالوا: لو لم تعتبر مخالفته لم تعتبر مخالفة من مات لأن الباقي كل الأمة.
قلنا: قد التزمه بعض, والفرق أن هذا قول من وجد من الأمة, فلا إجماع).
أقول: احتج المشترطون بوجوه:
تقرير الأول: أن عدم اشتراطه يؤدي إلى إلغاء الخبر الصحيح بتقدير الاطلاع عليه, وذلك يؤدي إلى إبطال النص بالاجتهاد.
أجيب: بأن وجوده بعد البحث من جميعهم وعدم الاطلاع عليه حالة الإجماع بعيد, ولو قدر فلا يعمل به؛ لأن القاطع وهو الإجماع خالفه, كما لو اطلع عليه بعد الانقراض, فما هو جواب لكم جواب لنا.
لا يقال: تالي الشرطية ملازمة, وهي لزوم الإلغاء على تقدير الاطلاع وهو ضروري, فلا تمتنع الملازمة ويتعين منع بطلان التالي.
لأنا نقول: الاطلاع على نص كذلك محال, والمحال جاز أن يستلزم المحال, فكأنه يقول: لا نسلم لزوم الانتفاء لتوقفه على تقدير بعيد أو ممتنع.
قالوا ثانيًا: لو لم يشترط انقراض العصر, لمنع المجتهد عن الرجوع عن اجتهاده؛ لأنه إذ تغير اجتهاده وقد انعقد الإجماع باجتهاده الأول, فلا يُمَكّن من العمل باجتهاده الثاني لأنه مخالفة للإجماع, لكن المجتهد غير ممنوع من الرجوع عن الاجتهاد إجماعًا, فيلزم بطلان المقدم.
أجيب: بمنع بطلان التالي, فإن الرجوع عن الاجتهاد إنما هو عند عدم
стр. 597
الإجماع, أما عند وجود الإجماع فالمنع عن الرجوع عن الاجتهاد واجب؛ إذ يمتنع الرجوع عن القطعي إلى الظني, بخلاف الرجوع عن الاجتهاد الظني إلى اجتهاد ظني.
قالوا ثالثًا: لو لم تعتبر مخالفته إذا رجع بناء على أنهم حين الإجماع كل الأمة, لم يعتبر مخالفة من مات؛ لأن الباقين المجمعين كل الأمة, فيكون إجماعًا, واللازم باطل.
أجاب: بأن عدم اعتبار / مخالفة من مات مختلف فيه, فمن قال به منع بطلان التالي, ومن لم يقل به يمنع الملازمة ويفرق بأن القول لا ينعدم بانعدام قائله, فقول المخالف الميت يتحقق حالة الإجماع, فلا ينعقد إجماع على وجود المخالف بخلاف ما نحن فيه, قد وجد فيه قول كل الأمة حين لم يوجد قول يخالفه, وإذا انعقد فلا عبرة بما يحدث بعده من قول بعضهم أو غيرهم.
قال: (مسألة: لا إجماع إلا عند مستند؛ لأنه يستلزم الخطأ؛ ولأنه يستحيل عادة.
قالوا: لو كان عن دليل لم تكن له فائدة.
قلنا: فائدته سقوط البحث, وحرمة المخالفة.
وأيضًا: فإنه يجب أن يكون عن غير دليل, ولا قائل به).
أقول: الجمهور على أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند, دليلًا كان أو أمارة.
وشذَّ قوم فقالوا: يجوز انعقاده عن توفيق لا توقيف, بأن يوفقهم الله
стр. 598
تعالى لاختيار الصواب من غير مستند.
حجة الجمهور: أن الفتوى في الدين من غير دليل أو أمارة خطأ؛ لكونه قولا بالتشهي, فلو اتفقوا على حكم بغير سند كانوا مجمعين على الخطأ؛ لأن كل واحد مخطئ, والمجتمع من المخطئ مخطئ؛ ولأن اتفاق الكل لا عن مستند مستحيل عادة, كالاجتماع على أكل طعام واحد.
احتجوا: بأنه لو وجب كونه عن مستند, لم يكن لإثبات حجية الإجماع فائدة, هكذا صرح به في المنتهى؛ إذ الغرض من إثبات حجيته إثبات الحكم وهو ثابت بالمستند.
أو نقول: لم يكن لفعله فائدة ... إلى آخره.
أجاب أولًا: بمنع الملازمة, وأن فائدته سقوط البحث عن ذلك الدليل ووجه دلالته على الحكم, وحرمة المخالفة لانعقاد الإجماع, وقد كانت قبله جائزة وفاقًا.
وثانيًا: أنه يقتضي أنه يجب أن يكون لا عن دليل, لعدم الفائدة بعين ما ذكر, ولم يقل أحد أن عدمه شرطه, بل قالوا: وجود ليس بشرط.
قال: (مسألة: يجوز أن يجمع عن قياس.
ومنعت الظاهرية الجواز, وبعضهم الوقوع.
لنا: القطع بالجواز, والظاهر الوقوع, كإمامة أبي بكر, وتحريم شحم الخنزير, وإراقة نحو الشيرج).
стр. 599
أقول: مذهب مالك وجمهور العلماء جواز انعقاد الإجماع عن قياس. ومنعه ابن جرير, والظاهرية.
واختلف القائلون بالجواز في وقوعه, والظاهر الوقوع.
لنا: القطع بجوازه؛ لأنه لو فرض لم يلزم منه محال لذاته كغيره من الأمارات, كخبر الواحد, والمتواتر, والظني الدلالة؛ إذ لا مانع يقدر إلا كونه مظنونًا.
وأما الوقوع, فكإمامة أبي بكر, أجمع عليها قياسًا على تقديم النبي ﵇ له في الصلاة, وكتحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه, وكإراقة نحو الشيرج إذا وقعت فيه فأرة قياسًا على السمن.
وإذا ثبت الجواز والوقوع, كان حجة يحرم مخالفته, خلافًا لمن قال لا يحرم مخالفته.
وإنما قال المصنف: (والظاهر الوقوع) لاحتمال أن تكون الإجماعات المذكورة عن نصوص لم تنقل إلينا.
قال: (مسألة: إذا أجمعوا على قولين, وأحدث قول ثالث, منعه
стр. 600
الأكثر, كوطء البكر.
قيل: يمنع الرد, وقيل: مع الأرش, فالقول مجانًا ثالث.
وكالجد مع الأخ, قيل: المقاسمة, وقيل: المال كله, فالحرمان ثالث. وكالنية في الطهارة, قيل: تعتبر, وقيل: في البعض, فالتعميم بالنفي ثالث.
وكالفسخ بالعيوب الخمسة, قيل: يفسخ بها, وقيل: لا, فالفرق ثالث.
وكأم مع زوج أو زوجة وأب, قيل: ثلث المال, وقيل: ثلث ما بقي, فالفرق ثالث.
والصحيح التفصيل: إن كان الثالث / يرفع ما اتفقا عليه فممنوع, كالبكر وكالجد وكالطهارات, وإلا فجائز كفسخ النكاح ببعض, وكالأم فإنه يوافق في كل صورة مذهبًا.
لنا: أن الأول مخالفة الإجماع بخلاف الثاني, كما لو قيل: لا يقتل مسلم بذمي, ولا يصح بيع الغائب, وقيل: يقتل ويصح, لم يمنع: يقتل ولا يصح وعكسه باتفاق).
أقول: إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين, واستقر رأيهم فيها على القولين فقط, فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث أم لا؟ .
منعه الأكثر.
стр. 601
قال في الإحكام: كما لو قال بعض أهل العصر: إن الجارية البكر إذا وطئها المشتري ثم وجد بها عيبًا, أن ذلك يمنع الرد, وقال البعض: يردها مع الأرش, فالقول بالرد مجانًا ثالث.
وكما لو قيل في الجد مع الأخ: المال كله للجد, وقال البعض بالمقاسمة, فالقول بحرمان الجد ثالث.
وكما إذا قال بعضهم بوجوب النية في الطهارات, وقال بعضهم في التيمم فقط, فالقول بعدم اعتبارها مطلقًا ثالث.
وكذا لو قال بعضهم: يجوز فسخ النكاح بالعيوب الخمسة, وهي: الجنون, والجذام, والبصر, والجب في الرجل, والقرن والرتق في المرأة, وقال البعض: لا يفسخ بشيء منها, فالقول بالفسخ
стр. 602
ببعضها دون البعض ثالث.
وكذا لو قال بعضهم في زوج وأبوين, أو زوجة وأبوين: للأم ثلث الأصل في المسألتين, وقال البعض: ثلث ما بقي فيها, فالقول بأن لها ثلث الأصل في مسألة, وثلث ما بقي في الأخرى, ثالث.
واختار صاحب الإحكام والإمام فخر الدين والمصنف التفصيل, وهو أن القول الثالث إن كان رافعًا لما اتفق عليه القولان فممنوع, كمسألة البكر فإن الردّ مجانًا اتفقا على منعه, وكمسألة الجد مع الأخ, فإنهما اتفقا على عدم حرمان الجد, وكعدم النية في التيمم, فإنهما اتفقا على اعتبارها فيه.
أما لو كان القول الثالث لا يرفع ما اتفقا عليه جاز, كفسخ النكاح ببعض العيوب دون بعض؛ فإنه يوافق قولا في صورة والقول الآخر في أخرى, وكالأم؛ فإنه يوافق أيضًا في كل صورة مذهبًا.
احتج المصنف: بأن التفصيل في القسم الأول يستلزم مخالفة الإجماع على امتناع الرد مجانًا المعلوم من منع الرد مطلقًا, ومن منع الرد بدون الأرش, ومخالفة الإجماع حرام, بخلاف القسم الثاني؛ فإنه لا يخالف مجمعًا عليه ولا مانع سواه.
стр. 603
ويوضحه مثال وهو: أنه إذا قال بعضهم: لا يقتل مسلم بذمي, ولا يصح بيع الغائب, وقال البعض الآخر: يقتل المسلم بالذمي, ويصح بيع الغائب.
فلو قال ثالث حدث بعدهما: يصح بيع الغائب, ولا يقتل مسلم بذمي, أو يقتل المسلم بالذمي, ولا يصح بيع الغائب, لم يمتنع اتفاقًا.
وهذا الاتفاق ذكره الآمدي, وظاهر المحصول خلافه؛ لأنهما مسألتان خالف في إحداهما بعضًا وفي الأخرى بعضًا, وإنما الممنوع مخالفة الكل فيما اتفقوا عليه.
وإذا وضح في مسألتين فكذا في الواحدة, والسر فيه أن العمل بـ «يقتل ولا يصح» لا يستلزم خطأ الأمة في شيء من المسألتين, بخلاف الردّ مجانًا فإنه يستلزم خطأ الأمة فيه ضرورة.
والتفصيل في المسألتين وإن كان يستلزم بطلان كل واحد من المجوعين, لكنه لا يترتب عليه عمل, ولهذا قيل: يجوز إجماع الأمة على الخطأ / بحيث لا يضيع الحق في البين, كما لو قال شطر الأمة: القياس ليس بحجة والقدرية كفار, وقال الباقون: حجة وليسوا كفارًا, فإن الحق لم يضع في الأمة في كل واحد من القولين مع أن الخطأ يشملهم, بخلاف جواز إجماعهم بحيث يضيع الحق من البين لا يجوز, وهذا بخلاف اتفاقهم على الشيء الواحد لو جوزنا مخالفته.
стр. 604
قال: (قالوا: فصل ولم يفصل أحد, فقد خالف الإجماع.
قلنا: عدم القول به ليس قولا ينفيه, وإلا امتنع القول في واقعة تتجدد, ويتحقق بمسألة الذمي والغائب.
قالوا: يستلزم تخطئة كل فريق وهم كل الأمة.
قلنا: الممتنع تخطئة كل الأمة فيما اتفقوا عليه).
أقول: احتج المانعون مطلقًا: بأن التفصيل في القسم الثاني خرق للإجماع فلا يجوز كما في القسم الأول؛ لأنه فصل بين العيوب الخمسة ولم يفصل أحد من الفريقين, وكذلك في مسألتي الأم.
أجاب: لا نسلم اتفاقهم على عدم التفصيل؛ لأن عدم القول بالتفصيل ليس قولًا بعد التفصيل, وإنما يمتنع القول بما قالوا بنفيه لا بما لم يقولوا بثبوته؛ إذ لو كان عدم القول بالشيء قولا بنفيه, لامتنع القول في كل واقعة تتجدد إذا لم يقولوا فيها بحكم, وهو باطل اتفاقًا.
ويتحقق ما ذكرنا من أن عدم القول بالفصل ليس قولًا بعد الفصل بمسألتي الذمي والغائب, حيث جوزوا الفصل وإن لم يقل أحد من الفريقين به.
قالوا ثانيًا: القول بالتفصيل يستلزم تخطئة كل فريق في مسألة وهم كل الأمة, والأدلة السمعية تأباه.
الجواب: أن المنفي تخطئة كل الأمة فيما اتفقوا عليه, وأما فيما لم يتفقوا
стр. 605
عليه, بأن يخطئ فقط في مسألة والبعض الآخر في غيرهما مما لم يخطئ فيه الأول فلا يمتنع, وإلا لامتنع أيضًا في مسألتي الذمي والغائب بعين ما ذكر, وهو باطل اتفاقًا, فتكون الأدلة على أن الأمة لا تجتمع على الخطأ مخصوصة بما ذكر.
قال: (الآخر: اختلافهم دليل على أنها اجتهادية.
قلنا: ما منعناه لم يختلفوا فيه, ولو سلم فهو دليل قبل تقرر إجماع مانع منه.
قالوا: لو كان لأنكر لما وقع, وقد قال ابن سيرين في مسألة الأم مع زوج وأب بقول ابن عباس, وعكس آخر.
قلنا: لأنها كالعيوب الخمسة, فلا مخالفة لإجماع).
أقول: احتج الآخر أي المخالف وهو القائل بجواز التفصيل مطلقًا: بأن اختلافهم في المسألة دليل على أنها اجتهادية يسوغ فيها العمل بكل ما أدى إليه الاجتهاد, فكيف يجعل الخلاف مانعًا منه؟ , والقول الثالث نشأ عن الاجتهاد فيجوز.
الجواب: متى يكون الاختلاف دليلًا على جواز الاجتهاد, إذ أدى الاجتهاد إلى أحد القولين, أو أدى إلى غيرهما؟ .
الثاني ممنوع والأول مسلّم, وما منعناه من الرد مجانًا لم يختلفوا في منعه, ولو سلّم أن الاختلاف دليل على جواز الاجتهاد مطلقًا, فهو دليل على جواز الاجتهاد ما لم يتقرر إجماع مانع منه, كما لو اختلفوا هم ثم أجمعوا
стр. 606
وهكذا هنا؛ لأن تقرر القولين منهم فيها إجماع منهم على أنه لا يجوز فيها الاجتهاد لغيرهم.
وقد يقال: كون هذا الإجماع مانعًا عين المتنازع فيه.
والأظهر أنه أجاب على كل من المذهبين, وأن هذا من جانب الأكثر لاقتضائه عدم التفصيل في القسم الثاني وأن فيه مخالفة الإجماع - وقد تقدم جوازه, وأنه لا مخالفة فيه للإجماع.
احتجوا ثانيًا: بأنه لو لم يجز لأنكر لما وقع, وقد وقع ولم ينكر.
أما الملازمة؛ فلما عرف من عادة السلف من عدم ترك السكوت عن الباطل, وأما بطلان التالي, فلأن الصحابة اختلفوا في مسألة زوج وأبوين, وفي مسألة زوجة وأبوين, وقال ابن عباس: «للأم ثلث الأصل في المسألتين» , وقال غيره من الصحابة: «للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوج أو الزوجة» , ثم أحدث التابعون قولًا آخر, فقال ابن سيرين بقول ابن عباس في مسألة الزوج, وبقول الجماعة في مسألة الزوجة, وعكس تابعي
стр. 607
أجاب: بأنه إنما لم ينكر لأنه كالعيوب الخمسة, فالقول الثالث فيهما لم يرفع ما اتفقا عليه, بل وافق في كل صورة مذهبًا.
قال: (مسألة: يجوز إحداث قول آخر أو دليل آخر عند الأكثر.
لنا: لا مخالفة لهم فجاز.
وأيضًا: لو لم يجز لأنكر, ولم يزل المتأخرون يستخرجون الأدلة والتأويلات.
قالوا: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾.
قلنا: مؤل فيما اتفقوا عليه, وإلا لزم المنع في كل متجدد.
قالوا: ﴿يأمرون بالمعروف﴾.
قلنا: معارض بقوله: ﴿وينهون عن المنكر﴾ , فلو كان منكرًا لنهوا عنه).
أقول: إذا استدل أهل العصر بدليل أو تأولوا تأويلًا, فهل لمن بعدهم
стр. 608
إحداث دليل آخر أو تأويل آخر لم ينص عليه الأولون؟ .
لا يخلوا أن يكون الدليل الآخر أو التأويل الآخر قادحًا في الأول أو لا فإن كان قادحًا لم يجز اتفاقًا, وإن لم يكن قادحًا فالأكثر على جوازه.
لنا: أنه قول بالاجتهاد ولا مخالفة فيه للإجماع؛ لأن عدم القول ليس قولًا بالعدم فجاز.
وأيضَا: لو لم يجز لأُنكر لّما وقع؛ لأن عادتهم إنكار ما لا يجوز, ولم يزل المتأخرون يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لما تقدم, شائعًا ذائعًا ولم ينكر عليهم وإلا لنقل, بل يمدحون به ويعدون ذلك فضلا.
احتج المانع بحجتين, تقريره:
الأولى: أنهم اتبعوا غير سبيل المؤمنين؛ لأن سبيلهم ما تقدم وهذا غيره فلا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم﴾.
أجاب: بأنه وإن كان ظاهرًا فيما ذكرتموه لكنه تأول وأن المراد, ويتبع غير سبيل المؤمنين فيما اتفقوا عليه لا ما لم يتعرضوا له, وهم هنا لم يتركوا التأويل الأول ولا الدليل الأول, بل ضموا إليه غيره, وإنما تأولناها للزوم
стр. 609
المنع في كل واقعة تتجدد بعين ما ذكر, وهو باطل.
وفيه نظر؛ لأن ما نحن فيه سبيل لهم, ولا سبيل لهم هناك.
لا يقال: كلام المجيب تأويل آخر غير ما لأهل العصر الأول وهو عين المتنازع فيه.
لأنا نمنع أنه ليس تأويلًا لأهل العصر الأول, مع أنه كلام على المستند.
قالوا ثانيًا: ﴿تأمرون بالمعروف﴾ خطاب مشافهة, والمعروف مفرد محلى بالألف واللام فيعم, فيأمرون بكل معروف, فلو كان هذا الدليل الثاني أو التأويل الثاني معروفًا لأمروا به, وإذا لم يكن معروفًا لا يجوز المصير إليه.
الجواب: المعارضة بقوله تعالى: ﴿وتنهون عن المنكر﴾ , فلو كان منكرًا لنهوا عنه بغير ما ذكر, والحق أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر يعلمون بهما.
قال: (مسألة: اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول بعد أن استقر خلافهم, قال الأشعري, وأحمد, والإمام, والغزالي: ممتنع.
وقال بعض المجوزين: حجة.
والحق: أنه بعيد إلا في القليل, كالاختلاف في أم الولد.
ثم قال: وفي الصحيح أن عثمان كان ينهى عن المتعة.
قال البغوي: ثم / صار إجماعًا).
стр. 610
[أقول]: إذا اختلف أهل العصر الأول في مسألة على قولين, واستقرَّ خلافهم وبقاؤهم علينا إلى أن انقرضوا.
فقال أحمد, والأشعري, وجمع من المالكية, وجمع من الشافعية, وجمع من الحنفية: يمتنع اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول.
وقال جمع من المالكية, والشافعية, والحنفية: إنه جائز.
ثم اختلف المجوزون, فقال بعضهم: إنه حجة.
стр. 611
وقال البعض: لا يكون حجة.
ثم قال المصنف: الحق أن الاتفاق من العصر الثاني بعيد بعد استقرار خلاف العصر الأول؛ لأنه لا يكون إلا عن جلي, وبعيد غفلة المخالف عنه إلا أن يكون المخالف قليلًا فإنه لا يبعد, وهذا كمخالفة علي رضي الله للصحابة في بيع أمهات الأولاد, ثم أجمع من بعدهم على المنع, لكن حكى البغوي في شرح السنة [أن عليًا رجع.
وأيضًا: لا إجماع؛ لأن للشافعي قولا بالجواز.
قال: وفي الصحيح أن عثمان كان ينهى عن المتعة - يريد التمتع - في الحج, وفي كتاب الحج من صحيح مسلم: «كان عثمان ينهى عن المتعة وكان عليّ يأمر بها, فقال عثمان لعليّ كلمة, ثم قال عليّ: لقد علمت أنا
стр. 612
نهينا على عهد النبي ﵇, فقال: أجل ولكنا كنا خائفين».
ثم أجمع أهل العصر الثاني على جواز التمتع على ما ذكر البغوي, قال في شرح السنة] بعد أن ذكر النهي عن عثمان ومعاوية: «وروي عن عمر أيضًا, وهذا اختلاف محكي, وأكثر الصحابة على جوازها, واتفقت الأملة عليه» , هذا لفظه فيه, وجل الشراح قالوا: «متعة النكاح» , وليس في الصحيح عن عثمان نهي عنها, وإنما هو عن عمر, وبعض الشراح قال: «إلا في القليل» , أي في المسائل القليلة.
قال: (الأشعري: العادة تقضي بامتناعه.
وأجيب: بمنع العادة, والوقوع.
قالوا: لو وقع لكان حجة فيتعارض الإجماعان؛ لأن استقرار اختلافهم دليل إجماعهم على تسويغ كل منهما.
وأجيب: بمنع الإجماع الأول, ولو سلّم فمشروط بانتفاء القاطع, كما لو لم يستقر خلافهم).
стр. 613
أقول: احتج الشافعي ومن قال بقوله بحجتين:
الأولى: أن العادة تقضي بامتناع اتفاق العصر الثاني على ما استقر فيه خلاف العصر الأول؛ إذ اتفاق جميع مجتهدي العصر الثاني على أحد القولين مع أن لكل من القولين دليلًا ممتنع عادة.
الجواب: منع قضاء العادة؛ لجواز أن يكون مأخذ أحد القولين جليًا فصار أهل العصر الثاني إليه, وأيضًا: لو امتنع لم يقع, وقد وقع لما مرّ.
قالوا ثانيًا: لو كان ممكنًا لم يلزم من فرض وقوعه محال, أما الملازمة فبينة, وأما بطلان التالي؛ فلأنه لو وقع لكان حجة لتناول الأدلة له فيتعارض الإجماعان؛ إجماع هؤلاء على عدم تسويغ القول الآخر, وإجماع الأولين على تسويغ كل منهما, وتعارضهما يستلزم تخطئة أحدهما وهو ممتنع سمعًا.
الجواب: لا نسلم الإجماع الأول؛ إذ كل فرقة تجوز ما تقول به وتنفي الآخر, لا سيما إن قلنا المصيب واحد, فلا يجمعون على الخطأ, ولو سلم إجماعهم على تسويغ كل منهما فذلك مشروط بعدم قاطع يمنع منه, وقد وجد وهو الإجماع, فلا تعارض, وهذا كما لو لم يستقر خلاف أهل العصر الأول, فإن إجماعهم على جواز الأخذ بكل من القولين قبل استقرار خلافهم مشروط بانتفاء الإجماع القطعي على أحد القولين, فإذا حصل الإجماع زال شرط الإجماع الأول, وزوال الشرط موجب لزوال المشروط, فما هو جوابكم هناك فهو جوابنا هنا, ولهم أن يفرقوا بأن ذلك تجويز ذهني؛
стр. 614
بأنه يمكن أن يكون ما يجب العمل به هـ ذا وذاك مع تجويز وجودي, بمعنى أنه يجوز العمل بهما جميعًا معًا.
لا يقال: لو جاز أن يكون مشروطًا بعدم الإجماع, لجاز أن ينعقد الإجماع على خلاف الإجماع الأول, ويقال: إن ذلك كان مشروطًا بعدم إجماع ثان.
لأنا نقول: ذلك يؤدي إلى بطلان أصل الإجماع.
ثم أهل الإجماع شرطوا ذلك في الإجماع على قولين, ومنعوا منه في الإجماع على قول واحد لأنهم انتقوا عن ظني إلى قطعي, وليس فوق القطعي شيء ينتقلون إليه, على أن للسائل أن يمنع انعقاد الإجماع على المنع فيما ذكر؛ لأنه إنما انعقد عليه في نفس الأمر, لا على تقدير جواز الاشتراط المتنازع فيه, الذي هو محال عنده.
قال: (المجوز: وليس بحجة, لو كان حجة لتعارض الإجماعان, وقد تقدم.
قالوا: لم يحصل الاتفاق.
وأجيب: بأنه يلزم إذا لم يستقر خلافهم.
قالوا: لو كان حجة لكان موت الصحابي المخالف يوجب ذلك؛ لأن الباقي كل الأمة الأحياء.
أجيب: بالالتزام, والأكثر على خلافه).
أقول: احتج المجوز لوقوعه المانع لحجيته بثلاثة أوجه:
стр. 615
الأول: لو كان حجة لتعارض الإجماعان, وقد تقدم تقريرًا أو جوابًا وإنما لم يستدل على الجواز ابتداء لظهوره.
قالوا ثانيًا: لم يحصل اتفاق الأمة لأن فيه قولًا مخالفًا؛ إذ القول لا ينعدم بموت قائله, فلا إجماع.
أجاب: بأنه منقوض باتفاق العصر الثاني؛ إذ لم يستقر خلاف أهل العصر الأول مع أنه حجة, وما ذكرتم مطرد فيه.
وقد يفرق بأن ما لم يستقر عليه رأي, ليس قولًا لأحد عرفًا.
قالوا ثالثًا: لو كان حجة لكان موت بعض الصحابة المخالفين للباقين يوجب أن يكون قول الباقين؛ لأن الباقين كل الأمة الأحياء في ذلك العصر وهو المعتبر؛ إذ لا عبرة بالميت.
الجواب: منع بطلان اللازم كما سبق في مسألة انقراض العصر وإن كان مخالفًا لمذهب الأكثر, وعلى رأي الأكثرين الفرق بأن قول المخالف الذي مات قول من وجد في العصر الأول, فوجب اعتباره في إجماعهم, وقول المخالف من أهل العصر الأول ليس قولَ مَنْ وجد العصر الثاني, فلا يعتبر إجماعهم.
قال: (الآخر: لو لم يكن حجة لأدى إلى أن تجتمع الأمة الأحياء على الخطأ, والسمعي يأباه.
أجيب: بالمنع, والماضي ظاهر الدخول, فتحقق قوله بخلاف من لم يأت).
стр. 616
أقول: احتج المخالف الآخر, وهو المجوز لوقوعه القائل بحجيته: لو لم يكن حجة لأدى إلى أن تجتمع كل الأمة الأحياء في عصر على الخطأ, والأدلة السمعية تأباه.
الجواب: منع بطلان اللازم؛ لأن الأحياء ليسوا كل الأمة, ومن مات ظاهر الدخول في الأمة لأن له قولًا محققًا لا يموت بموته.
فإن قيل: فليعتبر من لم يأت أيضًا.
قلنا: من لم يأت لا هو محقق ولا قوله, فلا عبرة به.
قال: (مسألة: اتفاق العصر عقيب الاختلاف إجماع وحجة وليس ببعيد, وأما بعد استقراره, فقيل: ممتنع.
وقال بعض المجوزين: حجة, وكل من اشترط انقراض العصر.
قال: إجماع, وهي كالتي قبلها, إلا أن كونه حجة أظهر؛ لأنه لا قول لغيرهم على خلافه).
أقول: إذا اختلف أهل عصر ثم اتفقوا عقب الاختلاف فإجماع وليس ببعيد؛ لجواز وقوعهم على سند جلي بعد اختلافهم, وأما اتفاقهم بعد استقرار خلافهم, فقيل: ممتنع, وإليه ذهب الصيرفي, والأكثر على
стр. 617
جوازه.
واختلف المجوزون في حجيته, وكل من اشترط في الإجماع انقراض العصر قال هنا: إنه إجماع إذا انقرض عصرهم؛ لأن هذا الاتفاق لا يكون رافعًا لتسويغ الخلاف المجمع عليه, إلا بشرط انقراض العصر عندهم.
وهذه المسألة كالتي قبلها استدلالًا وجوابًا, إلا أن كونه / حجة هنا أظهر؛ لأنه لا قول لغيرهم مخالفًا لهم, وقولهم المرجوع عن لم يبق معتبرًا فهم كل الأمة, والتي قبلها إذا اعتبر من خالفهم من الموتى فهؤلاء بعض الأمة, ولا معنى لقول المصنف في صدر المسألة: (فإجماع وحجة)؛ لأن الإجماع يستلزم الحجية.
قال: (اختلفوا في جواز عدم علم الأمة بخبر أو دليل راجح إذا عمل على وفقه .
المجوز: ليس إجماعًا, كما لو لم يحكموا في واقعة.
النافي: اتبعوا غير سبيل المؤمنين).
أقول: إذا كان في الواقع دليل أو خبر يقتضي حكمًا ما, وليس لذلك الحكم دليل آخر, لم يجز عدم الأمة به لأنهم إن عملوا بما يقتضيه كان حكمًا بالتشهي وإلا كان تركًا للحكم المتوجه عليهم, أما إن كان في الواقع دليل أو خبر راجح لكنهم لم يعملوا على وفقه لمعارض, فلا يجوز عدم علمهم
стр. 618
به؛ لأنه إجماع على الخطأ, وأما إذا عملوا على وفقه مصيبين في الحكم, غير أنهم أسندوا الحكم إلى الدليل الأضعف, فقد اختلف في جواز مثل هذا. فقال المجوز: ليس إجماعًا على عدمه حتى يكون إجماعًا على الخطأ؛ لأن عد القول ليس قولًا بالعدم, كما لو لم يحكـ[موا في واقـ]ـعة.
وقال النافي: الدليل الراجح هو سبيل المؤمنين, وقد عملوا بغيره.
وجوابه: تأويله بما اتفقوا فيه.
وقد يقال: ليس هو سبيلهم, بل من شأنه أن يكون سبيلهم.
قال: (مسألة: المختار امتناع ارتداد كل الأمة سمعًا.
لنا: دليل السمع.
قالوا: الارتداد يخرجهم.
ردّ: بأنه يصدق أن الأمة ارتدت وهو أعظم الخطأ).
أقول: يمتنع ارتداد كل الأمة في عصر من الأعصار سمعًا وإن جاز عقلًا, وقيل: لا يمتنع سمعًا.
لنا: أدلة الإجماع السمعية الدالة على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة, وأي ضلالة أعظم من الكفر.
واعترض: بأن الردة تخرجهم عن تناول اسم الأمة, فلا تناولهم الأدلة.
стр. 619
والجواب: أنه يصدق قطعًا أن أمة محمد ﷺ ارتدت, وهو أعظم الخطأ فيمتنع؛ إذ عند حصول الارتداد يصدق عليهم اسم الأمة حقيقة, وإنما يسلب عنهم الاسم بعد حصول الارتداد؛ لأن المعلول بعد العلة بالذات.
قال: (مسألة: مثل قول الشافعي ﵁: إن دية اليهودي الثلث, لا يصح التمسك بالإجماع فيه.
قالوا: اجتمع الكامل والنصف عليه.
قلنا: فأين نفي الزيادة, فإن أبدى مانع, أو نفى شرط, أو استصحاب, فليس من الإجماع في شيء).
أقول: إذا اختلفوا في ثبوت الأقل والأكثر في مسألة, [مثل] قول الشافعي: «إن دية اليهودي ثلث دية المسلم» , وقال غيره: «النصف» , وقال آخرون: «مثل دية المسلم».
فلو تمسك على قول الشافعي بالإجماع بأن الأمة لا تخرج عن القول بالكل وبالنصف وبالثلث والكل قائلون بالثلث, لم يصح؛ لأن قول الشافعي يشتمل على وجوب الثالث ونفي الزائد, والإجماع لا يدل على نفي الزائد بل على وجوب الثالث فقط, فلا [بد] في نفي الزائد من دليل, فإن أبدى
стр. 620
وجود مانع من الزيادة على الثلث, أو انتفاء وجوب النصف أو الكل, أو عدم الأدلة, فيستصحب الأصل وهو عدم الزيادة على الثلث, لم يكن نفي الزيادة مثبتًا بالإجماع.
قال: (مسألة: يجب العمل بالإجماع بنقل الواحد, وأنكره الغزالي.
لنا: نقل الظني موجب, فالقطعي أولى.
وأيضًا: نحن نحكم بالظاهر.
قالوا: إثبات أصل بالظاهر.
قلنا: المتمسك الأول قاطع, والثاني يبتني على اشتراط القطع.
والمعترض: مستظهر من الجانبين).
أقول: الإجماع المنقول بخبر الواحد يجب العمل به, خلافًا للغزالي وبعض الحنفية.
لنا: نقل الدليل الظني كخبر الواحد غير النص يجب العمل به, ونقل الدليل القطعي الدلالة / أولى.
وأيضًا: قال ﵇: «نحن نحكم بالظاهر» , والإجماع المنقول بالآحاد ظاهر, فوجب الحكم به؛ لأن الحديث خرج مخرج التعليم.
وهذا الحديث لا أعرفه بهذا اللفظ, نعم بوب بعض المحدثين كالترمذي
стр. 621
باب وجوب العمل بالظاهر, وساق حديث: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ ... » الحديث.
قال الآخرون: هذا الدليلان من قبيل الظواهر؛ إذ الأول قياس على خبر الواحد والثاني ظاهر, وقد أردتم إثبات أصل كلي به وهو العمل بالإجماع المظنون ثبوته, والأصول لا تثبت بالظواهر إذ المقصود العلم, والظاهر لا يفيده.
والجواب: [إنا] إن تمسكنا بالمسلك الأول فهو قاطع؛ لأنه إثبات له بطريق الأولى وهو قطعي, لوجوب العمل بخبر الواحد قطعًا.
وإن تمسكنا بالثاني فلا شك أنه ظاهر, فتبني صحته على أنه فعل يشترط القطع في مسائل الأصول, وعليه دلائل واعتراضات من الجانبين وسواء استدل المستدل على عدم اشتراطه أو على اشتراطه, فالقوة للمعترض لضعف الأدلة, وهو معنى قوله: (والمعترض: مستظهر من الجانبين).
بأن نقول: لا نسلم أن كل دليل ظني موجب, ومن الجانب الآخر لا نسلم امتناع إثبات الأصول بالظواهر, وإنما يمتنع لو كان المراد من الأصول الاعتقاد لا العمل.
стр. 622
وقال بعضهم: التمسك الأول إشارة إلى أدلة الإجماع القطعية, والثاني إشارة إلى هذين الدليلين, وظاهر الإحكام والمنتهى هو الأول.
قال: (مسألة: إنكار حكم الإجماع القطعي .
ثالثها: المختار أن نحو العبادات الخمس يكفر).
أقول: إنكار حكم الإجماع الظني ليس بكفر, وذلك كإنكار حكم السكوتي والمنقول بالآحاد.
وأما إنكار الإجماع القطعي, فقيل: كفر؛ لأنه يتضمن إنكار سنده القطعي, وإنكار ذلك تكذيب للرسول ﵇.
وقيل: لا يكفر؛ لأن الإجماع من حيث هو لم تثبت حجيته بدليل قطعي, فتكون حجيته ظنية, فلا نكفر منكر حكمه.
والمختار: أن نحو العبادات الخمس بما ع لم بالضرورة من الدين موجب
стр. 623
للكفر اتفاقًا, وإنما الخلاف في غيره.
والحق أنه لا يكفر, هذا معنى ما في المنتهى, فليس على هذا قول بأنه لا يكفر مطلقًا وإن أنكر وجوب الصلاة اختلف في كفره, والذي حكاه جمهور العلماء أن الإجماع منعقد على تكفير جاحد وجوبها.
لكن ذكر المازري في كتاب الأقضية من شرح التلقين ما يساعد ظاهر كلام المصنف هنا, ولفظه: «أما العلوم الفقهية, فإن القطعي منها كالأركان التي بني عليها الإسلام كالصلاة والزكاة والحج وصوم رمضان, فالمخالف كافر إن كذَّب فيها من جاء بها عن الله؛ لأنه إنكار لنبوة محمد ﷺ والمنكر لها كافر, وإن صدق من جاء بها لكنه نازع في وجوبها, فقد أنكر العلوم الضرورية وباهت في ذلك وهو آثم, كالحال في مانعي الزكاة فلا خلافة الصديق, وتأويل من تأول منهم أن وجوبها سقط, لقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم﴾ , فلم يأمر غيره بالأخذ.
وما سواه من الفقه, الكفر والإثم ساقطان فيه, هذا مذهب أهل السنة
стр. 624
من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين». انتهى كلامه.
قال: (مسألة: التمسك بالإجماع فيما لا تتوقف صحته عليه صحيح, كتنزيه الباري , ونفي الشريك.
ولعبد الجبار في الدنيوية قولان.
لنا: دليل السمع).
أقول: لا يصح التمسك بالإجماع فيما تتوقف حجية الإجماع عليه كوجود الباري وصحة الرسالة ودلالة المعجزة لأنه دور؛ لأنه ما لم تعلم عصمة الأمة عن الخطأ, لم يعلم كونه حجة, والعلم بعصمتهم يتوقف على العلم بوجوده تعالى, وبصحة الرسالة, لتوقف الأدلة السمعية عليه, والعلم بعصمتهم مستفاد من العلم بهما, فلو توقف العلم بهما على العلم بكون الإجماع حجة لزم الدور.
أما ما لا تتوقف حجية الإجماع عليه, فيجوز التمسك بالإجماع عليه إن كان دينيًا اتفاقًا كرؤية الباري ونفي الشريك, أو شرعيًا كوجوب الصلاة؛ لأنه لما كان قاطعًا صح التمسك به في الأمور العلمية والعملية.
وإن كان دنيويًا كالآراء والحروب صح, خلافًا لأحد قولي عبد الجبار من المعتزلة.
стр. 625
لنا: دليل السمع وهو عام في الديني والدنيوي.
لا يقال: صحة الإجماع متوقفة على علمنا بصدقه في جميع ما قاله, فيتوقف على علمنا بأنه يُرى, وأنه لا شريك له؛ لأنه مما جاء به, فلو توقف علمنا بما ذكرنا على الإجماع لزم الدور.
لأنا نقول: صحة الإجماع تتوقف على ثبوتهما إجمالًا, والعلم بثبوتهما تفصيلًا يتوقف على الإجماع فلا دور.
стр. 626
قال: (ويشترك الكتاب والسنة والإجماع في السند والمتن.
فالسند: الإخبار عن طريق المتن).
أقول: لما فرغ من المباحث المختصة بكل واحد من الكتاب والسنة والإجماع, شرع فيما يشترك فيه الثلاثة في السند والمتن.
فالمتن: ما تضمنه الثلاثة من أمر ونهي, وعام وخاص, ومطلق ومقيد, ومجمل ومبين, وظاهر ومؤول, ومنطوق ومفهوم.
والسند: هو الإخبار عن طريق المتن, أي عن طريق ثبوته من متواتر أو آحاد, مقبول أو مردود.
قلت: الأظهر أن السند هو طريق المتن لا الإخبار عن طريقه؛ لأن السامع من النبي ﵇ أو من المجمعين, سماعه سنده, ولا يستلزم الإخبار, إلا أن يريد السند في اصطلاح المحدثين.
ولما كان الطريق إلى النبي مقدم عليه طبعًا, قدمه وضعًا.
قال: (والخبر: قول مخصوص للصيغة والمعنى.
فقيل: لا يحد لعسره.
وقيل: لأنه ضروري من وجهين: أن كل واحد يعلم أنه موجود ضرورة, فالمطلق أولى, والاستدلال على أن العلم ضروري لا ينافي كونه
стр. 627
ضروريًا, بخلاف الاستدلال على حصوله ضرورة.
ردَّ: بأنه يجوز أن يحصل ضرورة ولا يتصور, ولا يلزم من حصول أمر تصوره أو تقدم تصوره, والمعلوم ضرورة ثبوتها أو نفيها, وثبوتها غير تصورها.
الثاني: التفرقة بينه وبين غيره ضرورة, وقد تقدم مثله).
أقول: الخبر: نوع مخصوص من القول.
ويقال للصيغة: الخبر, وهو قسم من أقسام الكلام اللساني, [وللمعنى وهو قسم من أقسام الكلام النفساني].
قال في الإحكام: «ويطلق على الصيغة, كقوله: قام زيد, وقد يطلق على المعنى».
وهو حقيقة فيهما عند قوم, وهو ظاهر كلام المصنف, وعند الأشعري في الباقي فقط, وعند قوم بالعكس.
ثم اختلف في تحديده, فقيل: لا يحدّ لعسره, وقد تقدم تقريره في العلم.
стр. 628
وقيل: لأنه ضروري من وجهين:
أحدهما: أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود, ومطلق الخبر جزء من معنى هذا الخبر, وإذا كان الخبر المفيد ضروريًا, فالمطلق الذي هو جزؤه أولى؛ لأن ما يتوقف عليه الضروري أولى أن يكون ضروريًا.
قيل: الاستدلال على أن العلم بمطلق الخبر ضروري ينافي كونه ضروريًا؛ لأن الضروري لا يقبل الاستدلال.
ردّ: بأن كون العلم ضروريًا صفة لحصوله وذلك يقبل الاستدلال, والذي لا يقبله / نفس الحصول الذي هو معروض الضرورة؛ إذ يمتنع أن يكون حاصلًا بالضرورة وبالكسب لتنافيهما, فإذًا لا يلزم من كون الشيء ضروريًا أن يكون العلم بضروريته ضروريًا؛ إذ لو كان ضروريًا لما احتاج في الجزم به إلى غير تصور طرفيه.
وقال المصنف: (والاستدلال على أن العلم ضروري) ولم يقل على أن الخبر مع أنه أنسب؛ لكونه جوابًا عامًا يرفع الشبهة حيث أوردت.
ثم أجاب المصنف: بأنه لا يلزم من حصول أمر تصوره, لجواز أن يحصل ولا يتصور, فالمعلوم نسبة الوجود إليه إثباتًا وهو غير تصور النسبة التي هي ماهية الخبر, فلا يلزم أن يكون ماهية الخبر ضرورية.
قيل: في الجواب الذي ذكر المصنف نظر؛ لأن المعترض ما قال إن حصول الخبر هو تصوره, حتى يقال له: لا يلزم من حصول أمر تصوره,
стр. 629
بل قال: العلم بحصول الخبر هو تصوره, ولا يمكن أن يقال: العلم بحصول الخبر غير تصوره.
وفيه نظر؛ لأن العلم بحصول الخبر أعم من تصور الخبر, على أنه لو لم يكن قائلًا ذلك, لما لزم مدعاه.
الوجه الثاني: التفرقة بين الخبر وغيره من الطلب بأقسامه ضرورة, والتفرقة الضرورية بين شيئين مسبوقة بتصورهما ضرورة.
والجواب: قد تقدم, وهو أن المتميز حصول النسبة لا تصورها, فاللازم أن الحصول ضروري لا أن التصور ضروري, فإن كل أحد يفرق بين حصول الألم واللذة له ضرورة مع عدم تصورهما, هذا معنى قول المصنف: (وقد تقدم مثله) , ولو كان كما ظن من زعم أنه إشارة إلى ما تقدم في الحسن من قوله: نفرق بين الضرورية والاختيارية, أو كما زعم من قال: إنه تقدم مثل هذا البحث في العلم في المنتهى, فتوهم أنه ت قدم له في هذا المختصر - لقال: وقد تقدم.
قال (القاضي والمعتزلة: الخبر الكلام الذي يدخله الصدق والكذب. واعترض: بأنه يستلزم اجتماعهما وهو محال, لا سيما في خبر الله
стр. 630
تعالى.
أجاب القاضي: بصحة دخوله لغة, فورد: أن الصدق الموافق للخبر والكذب نقيضه, فتعريفه به دور, ولا جواب عنه.
وقيل: التصديق أو التكذيب, فيرد الدور, وأن الحدّ يأبى «أو».
وأجيب: بأن المراد قبول أحدهما.
وأقربها قول أبي الحسين: كلام يفيد بنفسه نسبة.
قال: بنفسه ليخرج نحو قائم؛ لأن الكلمة عنده كلام وهي تفيد نسبة مع الموضوع, ويرد عليه باب قم ونحوه, فإنه ك لام يفيد بنفسه نسبة, إما لأن القيام منسوب, وإما لأن الطلب منسوب.
والأولى: الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية, ونعني الخارج عن كلام النفس, فنحو طلبت القيام حكم بنسبة لها خارجي, بخلاف قم).
أقول: أما القائلون بأن الخبر لا يعرف [إلا] بالحدّ, فقد اختلفوا فيه. فقال الجبائي وابنه, وأبو عبد الله البصري, والقاضي عبد الجبار وغيرهم من المعتزلة: «الخبر: الكلام الذي يدخله الصدق والكذب».
فبقوله: «يدخله الصدق والكذب» خرج الإنشاء.
стр. 631
اعترض: بأن الواو للجمع, فيلزم اجتماع الصدق والكذب معًا فيه وذلك محال, ويلزم ألا يوجد خبر, أو يوجد المحدود بدون الحدّ فلا ينعكس, واجتماعهما فيه محال لا سيما خبر الله تعالى.
لا يقال: هذا يشعر بأن اجتماع المتقابلين في خبر الله تعالى أشد استحالة منه في غيره وليس كذلك؛ لأن استحالته بالنسبة إلى / جميع الأخبار واحدة. لأنا نقول: استحالته بالنسبة إلى الكل كذلك, إلا أن هذا الإجماع لخصوص المادة أشد استحالة؛ لأن اجتماعهما لا يتصور في خبره ولا احتمال الكذب, بخلاف خبر غيره لإمكان الكذب فيه.
قيل في تقريره: اجتماعهما محال؛ لأن الخبر قد يكون كاذبًا لا يحتمل الصدق, كقولنا: الجزء أعظم من الكل وبالعكس كالبديهيات, لا سيما خبر الله تعالى.
وما قيل في تقريره: من أن الصدق والكذب متقابلان لا يجوز اجتماعهما, فيه نظر؛ لأن المتقابلين في زمان واحد, بل تقتضي الاجتماع مطلقًا.
قلت: والتقرير الأول هو الذي حكاه صاحب الإحكام, وهو أسعد بقوله: (لا سيما).
стр. 632
ثم ذكر جواب القاضي عبد الجبار - وإن كان عادة المصنف إذا أطلق القاضي إنما يريد الباقلاني: المراد دخوله لغة, أي لو قيل: صدق أو كذب أم يخطأ لغة, وكل خبر كذلك, وإن امتنع صدق البعض أو كذبه عقلًا فهو من حيث اللغة يحتملها نظرًا إلى ذاته, من غير نظر إلى خصوص المادة, لأنه لو قال شخص: قام زيد, فقال شخص: صدق, وقال آخر: كذب, صح الجميع لغة, ولما فسر عبد الجبار الدخول بهذا المعنى وأنه في اللغة لا في الواقع, سقط الاعتراض.
وورد: أن الصدق لغة الخبر الموافق للمخبر به, والكذب الخبر المخالف للمخبر به, بهذا عرفهما أهل اللغة, فهما معرفان بالخبر, فتعريفه بهما دور, واتضاه المصنف وقال: (لا جواب عنه) من حيث إنه إلزام لكونهم عرفوه بذلك, ولذلك قال: (فورد) بالفاء, وإلا فللقائل إن يقول: هما ضروريان, أو هما المطابق لمتعلقه وخلافه, وإمكان ذكرهما في تعريفهما لا يضر.
وأما دفع الدور: بأنه إنما يلزم لو عرفنا الخبر بالصدق والكذب المصطلحين وهما بالخبر المصطلح, أما لو عرفناه باللغويين أو بالمصطلحين, ثم عرفناهما باللغوي لم يرد الدور ففاسد؛ إذ مفهومهما اللغوي هو م فهومهما الاصطلاحي, وتعريف الصدق بأنه الموافق للخبر فيه تساهل, والمراد الموافق
стр. 633
للخبر, أو موافقة الخبر للواقع.
وقيل في حدّ الخبر أيضًا: هو الكلام الذي يدخله التصديق أو التكذيب, فاندفع الاعتراض باستلزام إجماعهما, لكن لم يندفع الدور؛ لأنهما الحكم بالصدق والكذب, وإن فسرنا الحكم بالصدق, فالإخبار عن كون المتكلم صادقًا انضم إلى ذلك تعريف الشيء بنفسه.
ويرد أيضًا: أن الحدّ للإيضاح و «أو» للإبهام, فلا يدخل في الحدّ.
وجوابه: أن المراد بـ «أو» ليس أن أحدهما واقع ولا يعلمه, بل قبوله لأحدهما, فأيهما وقع فهو الخبر ولا إبهام, فالخبر يدخله أحدهما لا على التعيين, ولا تردد فيه, وإنما التردد في دخول أحدهما عينًا, وهو غير داخل في التحديد.
ثم قال: وأقرب الحدود إلى الصواب قول أبي الحسين البصري من المعتزلة: «كلام يفيد بنفسه نسبة».
وفسّر أبو الحسين النسبة بأنه: إضافة أمر إلى أمر بنفي أو إثبات, والظاهر أنه يريد مع حسن السكوت عليهما, وإلا ورد المركب التقييدي.
وقال: (بنفسه) ليخرج نحو قائم أو عالم, فإنه كلام عنده لأنه عرف الكلام بأنه: المنتظم من الحروف المتميزة المتواضع عليها, فتبين أنه ليس كل كلمة عند أبي الحسن كلامًا, بل ما كان من حرفين فأكثر, وقائم ونحوه يفيد نسبة لكن لا بنفسها بل مع الموضوع.
стр. 634
ويرد عليه: باب قم ونحوه من الطلب, فأنه كلام بالاصطلاحات كلها ويفيد نسبة بنفسه بأحد اعتبارين, إما لأن القيام منسوب إلى زيد؛ لأن المطلوب هو القيام المنسوب / إلى زيد لا مطلق القيام, وإما لأن الطلب منسوب إلى القائل؛ لأنه يدل على طلب منسوب إليه لا مطلق الطلب.
قيل: «ولأبي الحسين أن يقول: أردت بإفادة النسبة أن يعلم منه وقوع النسبة, وبنفسه أن يكون هو مدلوله الذي وضع له, لأن أن يلزم عقلًا, وقد صرح بالثاني في المعتمد, فخرج نحو قم, إما باعتبار نسبة القيام إلى زيد, فإنه لم يعلم منه وقوعها, وإما باعتبار نسبة الطلب إلى المتكلم فلأنه عقلي».
وفيه نظر؛ لأنه علم أنه منسوب إلى رجل, وإلا لزم ألا يكون رجل خبرًا.
ثم قال المصنف: أولى ما حدّ به أن يقال: (الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية).
ونعني أن تلك النسبة لها أمر خارجي, بحيث يحكم بصدقها إن طابقته, أو كذبها إن خالفته, فلا يرد قم؛ لأن مدلوله نفس الطلب, وهو المعنى القائم بالنفس من غير أن يشعر أن له متعلقًا واقعًا في الخارج, بخلاف طلبت القيام, فإنه يدل على الحكم بنسبة الطلب إلى المتكلم وله مطابق خارجي
стр. 635
وهو قيام الطلب بالمتكلم قبل التلفظ, فزيدٌ قائمٌ يدل على الحكم الموجود في الذهن وهو إسناد القيام إلى زيد بالإثبات, ويسمى هذا الحكم كلام النفس, وهو متعلق بأمر آخر من حيث المطابقة واللامطابقة, ويسمى ذلك الأمر النسبة الخارجية, وكذا طلب القيام حكم فيه بنسبة لها خارجي وهو نسبة طلب القيام إلى المتكلم في الزمان الماضي, وهذه النسبة خارجة عن الحكم النفسي, تعلق بها النفسي بالمطابقة واللامطابقة, بخلاف قم فإنه متعلق بالنفسي ولا متعلق له خارجي.
قال: (ويسمى غير الخبر إنشاء وتنبيهًا, ومنه: الأمر, والنهي, والاستفهام, والترجي, والتمني, والقسم, والنداء).
أقول: يسمى عند المصنف غير الخبر من الكلام: إنشاء وتنبيهًا.
والمنطقيون يقسمون الإنشاء إلى: ما دلَّ على الطلب لذاته, إما للفهم وهو الاستفهام, أو لغيره الإنشاء إلى: ما دلَّ على الطلب لذاته, إما للفهم وهو الاستفهام, أو لغيره كالأمر والنهي, وإلى غيره, ويعدون منه التمني والترجي, والقسم والنداء, ويسمعون هذا القسم بالتنبيه, وبعضهم يجعل التمني والنداء من الطلب.
قال: (والصحيح أن بعت واشتريت وطلّقت التي يقصد بها الوقوع إنشاء؛ لأنها لا خارج لها؛ ولأنها لا تقبل صدقًا ولا كذبًا.
следующие страницы →