Полный текст (1 541 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
اعترض: بأن الواو للجمع, فيلزم اجتماع الصدق والكذب معًا فيه وذلك محال, ويلزم ألا يوجد خبر, أو يوجد المحدود بدون الحدّ فلا ينعكس, واجتماعهما فيه محال لا سيما خبر الله تعالى.
لا يقال: هذا يشعر بأن اجتماع المتقابلين في خبر الله تعالى أشد استحالة منه في غيره وليس كذلك؛ لأن استحالته بالنسبة إلى / جميع الأخبار واحدة. لأنا نقول: استحالته بالنسبة إلى الكل كذلك, إلا أن هذا الإجماع لخصوص المادة أشد استحالة؛ لأن اجتماعهما لا يتصور في خبره ولا احتمال الكذب, بخلاف خبر غيره لإمكان الكذب فيه.
قيل في تقريره: اجتماعهما محال؛ لأن الخبر قد يكون كاذبًا لا يحتمل الصدق, كقولنا: الجزء أعظم من الكل وبالعكس كالبديهيات, لا سيما خبر الله تعالى.
وما قيل في تقريره: من أن الصدق والكذب متقابلان لا يجوز اجتماعهما, فيه نظر؛ لأن المتقابلين في زمان واحد, بل تقتضي الاجتماع مطلقًا.
قلت: والتقرير الأول هو الذي حكاه صاحب الإحكام, وهو أسعد بقوله: (لا سيما).
стр. 632
ثم ذكر جواب القاضي عبد الجبار - وإن كان عادة المصنف إذا أطلق القاضي إنما يريد الباقلاني: المراد دخوله لغة, أي لو قيل: صدق أو كذب أم يخطأ لغة, وكل خبر كذلك, وإن امتنع صدق البعض أو كذبه عقلًا فهو من حيث اللغة يحتملها نظرًا إلى ذاته, من غير نظر إلى خصوص المادة, لأنه لو قال شخص: قام زيد, فقال شخص: صدق, وقال آخر: كذب, صح الجميع لغة, ولما فسر عبد الجبار الدخول بهذا المعنى وأنه في اللغة لا في الواقع, سقط الاعتراض.
وورد: أن الصدق لغة الخبر الموافق للمخبر به, والكذب الخبر المخالف للمخبر به, بهذا عرفهما أهل اللغة, فهما معرفان بالخبر, فتعريفه بهما دور, واتضاه المصنف وقال: (لا جواب عنه) من حيث إنه إلزام لكونهم عرفوه بذلك, ولذلك قال: (فورد) بالفاء, وإلا فللقائل إن يقول: هما ضروريان, أو هما المطابق لمتعلقه وخلافه, وإمكان ذكرهما في تعريفهما لا يضر.
وأما دفع الدور: بأنه إنما يلزم لو عرفنا الخبر بالصدق والكذب المصطلحين وهما بالخبر المصطلح, أما لو عرفناه باللغويين أو بالمصطلحين, ثم عرفناهما باللغوي لم يرد الدور ففاسد؛ إذ مفهومهما اللغوي هو م فهومهما الاصطلاحي, وتعريف الصدق بأنه الموافق للخبر فيه تساهل, والمراد الموافق
стр. 633
للخبر, أو موافقة الخبر للواقع.
وقيل في حدّ الخبر أيضًا: هو الكلام الذي يدخله التصديق أو التكذيب, فاندفع الاعتراض باستلزام إجماعهما, لكن لم يندفع الدور؛ لأنهما الحكم بالصدق والكذب, وإن فسرنا الحكم بالصدق, فالإخبار عن كون المتكلم صادقًا انضم إلى ذلك تعريف الشيء بنفسه.
ويرد أيضًا: أن الحدّ للإيضاح و «أو» للإبهام, فلا يدخل في الحدّ.
وجوابه: أن المراد بـ «أو» ليس أن أحدهما واقع ولا يعلمه, بل قبوله لأحدهما, فأيهما وقع فهو الخبر ولا إبهام, فالخبر يدخله أحدهما لا على التعيين, ولا تردد فيه, وإنما التردد في دخول أحدهما عينًا, وهو غير داخل في التحديد.
ثم قال: وأقرب الحدود إلى الصواب قول أبي الحسين البصري من المعتزلة: «كلام يفيد بنفسه نسبة».
وفسّر أبو الحسين النسبة بأنه: إضافة أمر إلى أمر بنفي أو إثبات, والظاهر أنه يريد مع حسن السكوت عليهما, وإلا ورد المركب التقييدي.
وقال: (بنفسه) ليخرج نحو قائم أو عالم, فإنه كلام عنده لأنه عرف الكلام بأنه: المنتظم من الحروف المتميزة المتواضع عليها, فتبين أنه ليس كل كلمة عند أبي الحسن كلامًا, بل ما كان من حرفين فأكثر, وقائم ونحوه يفيد نسبة لكن لا بنفسها بل مع الموضوع.
стр. 634
ويرد عليه: باب قم ونحوه من الطلب, فأنه كلام بالاصطلاحات كلها ويفيد نسبة بنفسه بأحد اعتبارين, إما لأن القيام منسوب إلى زيد؛ لأن المطلوب هو القيام المنسوب / إلى زيد لا مطلق القيام, وإما لأن الطلب منسوب إلى القائل؛ لأنه يدل على طلب منسوب إليه لا مطلق الطلب.
قيل: «ولأبي الحسين أن يقول: أردت بإفادة النسبة أن يعلم منه وقوع النسبة, وبنفسه أن يكون هو مدلوله الذي وضع له, لأن أن يلزم عقلًا, وقد صرح بالثاني في المعتمد, فخرج نحو قم, إما باعتبار نسبة القيام إلى زيد, فإنه لم يعلم منه وقوعها, وإما باعتبار نسبة الطلب إلى المتكلم فلأنه عقلي».
وفيه نظر؛ لأنه علم أنه منسوب إلى رجل, وإلا لزم ألا يكون رجل خبرًا.
ثم قال المصنف: أولى ما حدّ به أن يقال: (الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية).
ونعني أن تلك النسبة لها أمر خارجي, بحيث يحكم بصدقها إن طابقته, أو كذبها إن خالفته, فلا يرد قم؛ لأن مدلوله نفس الطلب, وهو المعنى القائم بالنفس من غير أن يشعر أن له متعلقًا واقعًا في الخارج, بخلاف طلبت القيام, فإنه يدل على الحكم بنسبة الطلب إلى المتكلم وله مطابق خارجي
стр. 635
وهو قيام الطلب بالمتكلم قبل التلفظ, فزيدٌ قائمٌ يدل على الحكم الموجود في الذهن وهو إسناد القيام إلى زيد بالإثبات, ويسمى هذا الحكم كلام النفس, وهو متعلق بأمر آخر من حيث المطابقة واللامطابقة, ويسمى ذلك الأمر النسبة الخارجية, وكذا طلب القيام حكم فيه بنسبة لها خارجي وهو نسبة طلب القيام إلى المتكلم في الزمان الماضي, وهذه النسبة خارجة عن الحكم النفسي, تعلق بها النفسي بالمطابقة واللامطابقة, بخلاف قم فإنه متعلق بالنفسي ولا متعلق له خارجي.
قال: (ويسمى غير الخبر إنشاء وتنبيهًا, ومنه: الأمر, والنهي, والاستفهام, والترجي, والتمني, والقسم, والنداء).
أقول: يسمى عند المصنف غير الخبر من الكلام: إنشاء وتنبيهًا.
والمنطقيون يقسمون الإنشاء إلى: ما دلَّ على الطلب لذاته, إما للفهم وهو الاستفهام, أو لغيره الإنشاء إلى: ما دلَّ على الطلب لذاته, إما للفهم وهو الاستفهام, أو لغيره كالأمر والنهي, وإلى غيره, ويعدون منه التمني والترجي, والقسم والنداء, ويسمعون هذا القسم بالتنبيه, وبعضهم يجعل التمني والنداء من الطلب.
قال: (والصحيح أن بعت واشتريت وطلّقت التي يقصد بها الوقوع إنشاء؛ لأنها لا خارج لها؛ ولأنها لا تقبل صدقًا ولا كذبًا.
стр. 636
ولو كان خبرًا لكان قاضيًا ولم يقبل التعليق؛ ولأنا نفرق بينه وبين غيره ضرورة, ولذلك لو قال للرجعية: طلقتك, سئل).
أقول: لما أشار إلى حقيقة الخبر والإنشاء, تعرض لصيغ العقود, نعنى إذا قصد بها إحداث الحكم؛ إذ لا نزاع أنها في اللغة إخبار, وفي الشرع تستعمل أيضًا إخبارًا, وإنما النزاع إذا قصد بها إيقاع الشيء.
قال قوم: هي إخبار ولم تنقل.
والصحيح عند المصنف: أنها نقلت إلى الإنشاء لوجوه أربعة:
الأول: أنها غير محكوم فيها بنسبة خارجية, فإنَّ «بعت» لا يدل على بيع آخر غير الذي يقع بهذا اللفظ, فلا يكون إخبارًا.
الثاني: أن خاصة الخبر هو احتمال الصدق والكذب غير موجود فيه؛ إذ لو حكم بأحدهما كان خطأ قطعًا, واحتمال الصدق والكذب وإن لم يصح تعريف الخبر به عنده, لكنه خاصة مساوية.
لا يقال: ليست بمساوية؛ لأنه يقال: قسم كاذب, وقسم صادق,
стр. 637
والقسم إنشاء, لأن إطلاق الصدق والكذب عليه بطريق المجاز.
الثالث: لو كان خبرًا لكان ماضيًا, أما الملازمة؛ فلوضع الصيغة له من غير ورود معنى عليه, ولأنه لا يكون مستقبلا وإلا لم تقع, كما لو قال: سأطلقك.
وأما بطلان التالي؛ فلأنه لو كان ماضيًا لم يقبل التعليق؛ لأن التعليق توقيف دخول الشيء في الوجود على دخول غيره فيه, وما دخل في الوجود لا يمكن توقيف دخوله فيه على دخول غيره فيه, لكنها قابلة للتعليق لاعتبار القائل: طلقتك إن فعلت, كذا في الشرع اتفاقًا.
لا يقال: بالشرط انقلب إلى الاستقبال, فصار مثل: إن جاء زيد أكرمتك, فلا يكون إنشاء.
لأنا نقول: لو كان كذلك لما وقع الطلاق, وكما لو قال: سأطلقك, ولاحتمل الصدق والكذب.
الرابع: إنا نقطع بالفرق بينه خبرًا وإنشاء, وكذلك لو قال للرجعية: طلقتك, سئل, فإن أراد الإخبار لم يقع, وإن أراد الإنشاء وقع, فلو لم يكن اللفظ محتملا لهما لما سئل؛ لأنها إذا تعينت للإخبار [ينبغي كان أن لا يقع].
قال بعض الفضلاء: واعلم أن من قال إنها إخبار, لم يقل إنها إخبار عن خارج, بل عما في الذهن, فارجع النظر فيما استدل به, هل ثبت المتنازع فيه أم لا؟ .
стр. 638
قال: (الخبر: صدق وكذب؛ لأن الحكم إما مطابق للخارج أو لا. الجاحظ: إما مطابق مع الاعتقاد ونفيه, أو لا مطابق مع الاعتقاد ونفيه, والثاني فيهما ليس بصدق ولا كذب, لقوله تعالى ﴿أفترى على الله كذبًا أم به جنة﴾ , فيكون مجنونًا؛ لأن المجنون لا افتراء له, سواء قصد أم لم يقصد الجنون.
قالوا: قالت عائشة: «ما كذب ولكنه وهم».
وأجيب: بتأويل ما كذب عمدًا.
وقيل: إن كان معتقدًا فصدق وإلا فكذب, لقوله: ﴿إن المنافقين لكاذبون﴾.
وأجيب: لكاذبون في شهادتهم وهي لفظية).
أقول: لما فرغ من تعريف الخبر, شرع في تقسيمه, وهو مقسم أولًا إلى صدق وكذب, ولا واسطة بينهما عند الجمهور؛ لأن الحكم إما مطابق للخارج أو لا, والأول الصدق, والثاني الكذب.
وقال الجاحظ: الخبر إما مطابق للخارج أو لا مطابق, والمطبق إما مع اعتقاد أنه مطابق أو لا, سواء اعتقد عدم المطابقة أو لم يعتقد شيئًا,
стр. 639
والأول صدق, والثاني بقسيمه واسطة, وألا مطابق إما مع اعتقاد اللامطابقة أو لا, سواء اعتقد المطابقة أو لم يعتقد بها, والأول الكذب, والثاني بقسيمه واسطة.
وإليه أشار المصنف بقوله: (والثاني فيهما ليس بصدق ولا كذب).
احتج الجاحظ بقوله تعالى: ﴿أفترى على الله كذبًا أم به جنة﴾ , ووجه الاستدلال: أن المراد الحصر فيهما, أي في كونه افتراء أو كلام مجنون فعلى تقدير كونه كلام مجنون لا يكون صدقًا؛ لأنهم لا يعتقدون كونه صدقًا وقد صرحوا بنفي الكذب عنه حيث جعلوه قسيمه, وما ذاك إلا لأن المجنون لا يقول عن قصد واعتقاد.
والجواب: أن المراد افترى أو لم يفتر فيكون مجنونًا؛ لأن المجنون لا افتراء له, والكاذب عن غير قصد يكون مجنونًا, أو المراد: أقصد فيكون كاذبًا, أو لم يقصد فلا يكون خبرًا؛ لاشتراط القصد في الخبر عند قوم.
والحاصل أن الافتراء أخص من الكذب, ومقابله قد يكون كذبًا, وإن سلّم فلا يكون خبرًا.
احتجوا ثانيًا: بما في الصحيحين, أن عائشة لما سمعت حديث ابن عمر أن الميت ليعذب ببكاء أهله, قالت: «ما كذب ولكنه وهم, إنما قال ﵇: إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه».
стр. 640
وجه الاستدلال: أن غير المطابق إذا لم يعتقد عدم مطابقته لا يكون كذبًا لنفيها الكذب عنه, وليس صدقًا اتفاقًا, فثبتت الواسطة.
الجواب: أنها ما نفت الكذب, إنما نفت كذبًا خاصًا, وهو الكذب المتعمد.
وقال بعض من حصر الخبر في الصدق والكذب: إن كان المخبر معتقدًا لم يخبر به فصدق, وإلا فكذب, ولا عبرة فيهما بمطابقة الواقع ولا بعدمها.
هذا ظاهر كلام المصنف, وهو قول معروف من خارج.
وحمل جل الشراح كلام المصنف على قول آخر, وهو وإن كان موجودًا أيضًا لبعضهم, لكن بعيد من كلام المصنف.
فقالوا: إن كان مطابقًا والمخبر معتقد مطابقته فصدق, وإلا فكذب.
وهذا القول الأخير يوافق قول الجاحظ في تفسير الصدق, وأما الكذب فهو بهذا التفسير أعم, لصدق الكذب عند هؤلاء على ما هو واسطة عند الجاحظ.
واحتج صاحب هذا القول بقوله تعالى: ﴿إن المنافقين لكاذبون﴾.
стр. 641
كذبهم في قولهم: ﴿إنك لرسول الله﴾ مع مطابقته للخارج, وما ذاك إلا لكونه لم يطابق اعتقادهم.
الجواب: لا نسلم أنه كذبهم في إخبارهم عن الرسالة, بل كذبهم في شهادتهم؛ لأن الشهادة عرفًا أن يشهد الشاهد بالمطابق معتقدًا, وشهادتهم عبارة عن تصديقهم رسالته, ولا خلاف في اعتبار الاعتقاد في صحة التصديق, فكأنهم قالوا: نعتقد أنك رسول الله, فأخبر الله بكذبهم, أو لأنهم زعموا أن شهادتهم مستمرة غيبة وحضورًا, فكذبهم الله.
وهذه المسألة لفظية لا يجدي البحث فيها كبير نفع؛ لأنه راجع إلى اصطلاح.
قال: (وينقسم إلى ما يعلم صدقه, وإلى ما يعلم كذبه, وإلى ما لا يعلم واحد منهما.
فالأول: ضروري بنفسه كالمتواتر, وبغيره كالموافق للضروري, ونظري كخبر الله تعالى ورسوله ﷺ , والموافق للنظر.
والثاني: المخالف لما علم صدقه.
والثالث: قد يظن صدقه كخبر العدل, وقد يظن كذبه كخبر الكذاب, وقد يشك كخبر المجهول, ومن قال: كل خبر لم يعلم صدقه فكذب؛ لأنه لو كان صدقًا لنصب عليه دليلًا, كخبر مدعي الرسالة, فاسد بمثله في النقيض, ولزوم كذب كل شاهد, وكفر كل مسلم, وإنما كذب المدعي كالعادة).
стр. 642
أقول: هذا تقسيم آخر للخبر, وهو ينقسم إلى ما يعلم صدقه, وإلى ما يعلم كذبه, وإلى ما لا يعلم واحد منهما.
الأول: قسمان: ضروري, ونظري.
والضروري: إما ضروري بنفسه, أي بنفس الخبر وهو المتواتر, وإما أن يكون استفيد العلم الضروري بمضمونه من غير الخبر, ومثّله في المنتهى بخبر يوافق قضية ضرورية.
والنظري: كخبر الله, وخبر رسوله, وخبر أهل الإجماع, والخبر الموافق للنظر الصحيح في القطعيات, كقولنا: العالم حادث, فإن هذا كله قد علم صدقه بالنظر.
القسم الثاني: ما علم كذبه, وهو كل خبر مخالف لما علم صدقه, أي مناف بالاعتبارات السابقة, فلا يرد.
القسم الثالث: ما لا يعلم واحد منهما, وهذا قد يظن صدقه كخبر العدل, وقد يظن كذبه كخبر الكذاب, وقد يشك في صدقه وكذبه كخبر مجهول الحال.
وقال بعض الظاهرية: كل خبر لا يعلم صدقه فهو كذب قطعًا؛ لأنه لو كان صدقًا لنصب عليه دليلًا, كخبر مدعي الرسالة, فإنه إذا كان صدقًا أيَّد صدقه بدلالة المعجزة, وهو فاسد, لجريان مثل هذا الدليل في نقيض ما أخبر به إذا أخبر آخر, فيلزم اجتماع النقيضين.
стр. 643
وقرر بوجه آخر, وهو أن يقال: هو صادق, لأنه لو كان كاذبًا لنصب دليلًا على كذبه, كخبر مدعي الرسالة, فإنه إذا كان كاذبًا لا ينصب عليه معجزة, فعدم نصبها دليل على كذبه.
وأيضًا: يلزم العلم بكذب كل شاهد إذا لم يقم دليل قاطع على صدقه, والعلم بكذب كل مسلم في دعوى إسلامه إذ لا دليل على ما يقبله, وذلك باطل إجماعًا؛ للحكم على وفق الشهادة, وللحكم بالإسلام.
وأما القياس على خبر مدعي الرسالة فلا يصح؛ لأنه ما كذب لعدم العلم بصدقه, بل للعلم بكذبه؛ لأنه الرسالة بخلاف العادة, والعادة تقضي بكذب المخالف لها من غير دليل.
قال: (وينقسم إلى: متواتر, وآحاد.
فالمتواتر: خبر / جماعة مفيد بنفسه العلم بصدقه.
وقال: «بنفسه» ليخرج ما علم صدقهم فيه بالقرائن الزائدة على ما لا ينفك عنه عادة وغيرها.
وخالف السمنية في إفادة المتواتر العلم, وهو بهت.
فإنا نجد العلم ضرورة بالبلاد النائية, والأمم السابقة, والأنبياء, والخلفاء بمجرد الإخبار, وما يوردونه من أنه كأكل طعام واحد, وأن الجملة مركبة من الواحد, ويؤدي إلى تناقض المعلومين, وإلى تصديق اليهود والنصارى في لا نبي بعدي, ولأنا نفرق بين ضروري وبينه ضرورة, وبأن الضروري يستلزم الوفاق, مردود).
стр. 644
أقول: هذا تقسيم آخر للخبر إلى: متواتر, وآحاد.
فالمتواتر: خبر جماعة مفيد بنفسه العلم بصدقه.
وقال: (بنفسه) ليخرج خبر جماعة علم صدقهم لا بنفس الخبر, بل إما بالقرائن الزائدة على ما لا ينفك الخبر عنه عادة, فإن من القرائن ما لا يلزم الخبر من أحوال في الخبر والمخبر والمخبر عنه, ولذلك يتفاوت عدد التواتر, وإما بغير القرائن كالعلم بمخبره ضرورة أو نظرًا.
وقال جل الشراح: بالقرائن الزائدة على الأمور اللازمة للمتواتر عادة, وعقلًا, وحسًا.
فالعادية, كالتي يكون على المخبر بموت والده من البكاء والتفجع. وقد تكون عقلية, كخبر جماعة تقضي البديهة أو الاستدلال صدقه. وقد تكون حسية, كالتي تكون على من يخبر بعطشه.
ثم الجمهور على أن المتواتر بشرائطه يفيد العلم بصدقه.
стр. 645
وخالف السمنية في ذلك, وهم قوم من الهند.
قال: (وهو بهت) أي مكابرة, فإنا نجد العلم الضروري بالبلاد النائية كمكة وبغداد, والأمم الخالية كالصحابة, وما ذاك إلا بالأخبار قطعًا.
وقد أوردوا عليه شكوكًا منها: أن اجتماعهم على نقل الخبر كاجتماع الخلق الكثير على طعام واحد, وأنه ممتنع عادة.
ومنها: أنه يجوز الكذب على كل واحد, فيجوز على الجملة؛ إذ لا ينافي كذب الواحد كذب الآخرين قطعًا, ولأنها مركبة من الآحاد, فإذا فرض كذب كل واحد, فقد كذب الجميع قطعًا, فلا يحصل العلم.
ومنها: أنه لو أفاد العلم لأدى إلى تناقض المعلومين, إذا أخبر جمع كثير بشيء وجمع كثير بنقيضه.
ومنها: أنه يلزم تصديق اليهود والنصارى فيما نقلوه عن موسى وعيسى أنه قال: لا نبي بعدي, وذلك ينافي نبوة محمد ﵇.
ومنها: أنه لو أفاد العلم الضروري, لما حصل لنا الفرق بين الضروري وبينه؛ إذ لا تفاوت في الضروريات.
ومنها: أن الضروري يستلزم الوفاق, وهو منتف لمخالفتنا.
والكل مردود إجمالًا وتفصيلًا.
أما إجمالًا: فلأنه تشكيك في الضروريات, فلا يسمع.
стр. 646
وأما تفصيلًا: فالجواب عن الأول: أنه قد علم وقوعه والفرق وجود الداعي, وأيضًا: وجود العادة هنا وعدمها ثمة ظاهر.
وعن الثاني: أن حكم الجملة يخالف حكم الواحد, فإن الواحد جزء العشرة بخلاف العشرة, والعسكر يجتمع من الأشخاص وهو يفتح البلاد دون آحاد الأشخاص.
وعن الثالث: تواتر النقيضين محال عادة.
وعن الرابع: أن نقل اليهود والنصارى لو حصل شرائط التواتر لحصل العلم.
وعن الخامس: أن الضروريات تتفاوت في الجلاء بحسب الإلف والاستئناس, لا لاحتمال النقيضين.
وعن السادس: أن الضروري لا يستلزم الوفاق لجواز العناد, وإلا ورد عليكم خلاف السوفسطائية, على أن بعضها إنما يرد على من يقول: يفيد العلم الضروري.
قال: (والجمهور على أنه ضروري.
والكعبي والبصري على أنه نظري.
стр. 647
وقيل: بالوقف.
لنا: لو كان نظريًا لافتقر إلى توسط المقدمتين, ولساغ الخلاف فيه عقلًا.
أبو الحسين: لو كان ضروريًا لما / افتقر, ولا يحصل إلا بعد علم أنه من المحسوسات, وأنهم عدد لا حامل لهم, وأن ما كان كذلك ليس بكذب, فيلزم النقيض.
وأجيب: بالمنع, بل إذا حصل علم أنهم لا حامل لهم, لا أنه مفتقر إلى سبق علم ذلك, فالعلم بالصدق ضروري, وصورة الترتيب ممكنة في كل ضروري.
قالوا: لو كان ضروريًا لعلم أنه ضروري ضرورة.
قلنا: معارض بمثله, ولا يلزم من الشعور بالعلم ضرورة الشعور بصفته).
أقول: القائلون بأن المتواتر يفيد العلم اختلفوا, هل العلم الحاصل منه ضروري أو نظري؟ .
فجمهورهم على أنه ضروري.
وذهب الكعبي, وأبو الحسين البصري, والدقاق, وإمام الحرمين إلى
стр. 648
أنه نظري, ومال الغزالي إلى أنه قسم ثالث, فقال: «ليس ضروريًا, بمعنى أنه حاصل من غير واسطة, كقولنا: الواحد نصف الاثنين, بل يحتاج إلى واسطة لكنها حاضرة في الذهن, ولا يفتقر إلى ترتيبها ولا إلى الشعور بها, كما هو شأن القضايا الفطرية القياس».
وتوقف الشريف المرتضى من الشيعة, والآمدي.
احتج الجمهور: بأنه لو كان نظريًا لافتقر إلى توسط المقدمتين؛ لأن النظري يفتقر إلى النظر وهو ترتيب قضايا, واللازم باطل, لأنا نعلم قطعًا علمنا بما ذكرنا من المتواترات مع انتفاء ذلك.
وأيضًا: لو كان نظريًا لساغ الخلاف فيه, ولو ادعى ذلك مدع لم يعد بهتًا ومكابرة كغيره من النظريات.
стр. 649
قيل على الأول: إن أردت بتوسط المقدمتين بالفعل على فهم مخصوص متخيل أو ملفوظ, منعنا الملازمة, وإن أردت توسطهما بالقوة, منعنا بطلان التالي.
وردَّ: بأنا نريد الأول, وكل نظري فحصوله بالفعل يتوقف على وسط بالفعل.
قيل على الثاني: إنما يسوغ الخلاف في العلوم النظرية التي لا تكون مقدماتها ضرورية, وليس للمحيب أن يقول إنها نظرية؛ لأنه كلام على المستند, مع أنه يلزم أن يكون العلم نظريًا, وهو مردود بما سيأتي من أنه إنما يكون نظريًا لو توقف على العلم بالمقدمتين, بل العلم بهما يحصل من العلم بالخير.
احتج أبو الحسين, وصرح المصنف باسمه لفائدتين:
إحداهما: أنه إذا أطلق البصري فإنه يريد أبا عبد الله, فتبين هنا أن المراد أبو الحسين.
الثانية: أنه مخترع هذه الحجة, وتقريرها: لو كان ضروريًا لما احتاج إلى توسط المقدمتين, واللازم باطل؛ لأن العلم لا يحصل إلا بعد العلم أن المخبر عنه محسوس فلا يشتبه, وأن المخبرين جماعة لا داعي لهم إلى الكذب, فإن كل ما كان كذلك فليس بكذب, فيلزم النقيض وهو كونه صدقًا.
الجواب: نمنع أن العلم بصدق الخبر المتواتر متوقف على العلم بهذه
стр. 650
الأمور, بل إذا حصل العلم بصدقه, علم بعده أنهم عدد لا حاصل لهم, فالعلم بالصدق ضروري يحصل بالعادة لا بالمقدمتين فاستغنى عن الترتيب, ولا ينافيه صورة الترتيب, فإن وجوده يوجب الاحتياج إليه فإنها ممكنة في كل ضروري؛ لأنك إذا قلت: الأربعة زوج, فلك أن تقول: إنها منقسمة بمتساويين, وكل منقسم بمتساويين زوج, وكذا الكل أعظم من الجزء, لك أن تقول: لأن الكل فيه جزء آخر, وكل ما كان كذلك فهو أعظم.
قالوا: لو كان ضروريًا لعلم بالضرورة أنه ضروري كغيره من الضروريات.
الجواب أولًا: بالمعارضة, وهو أنه لو كان نظريًا, لعلم كونه نظريًا بالضرورة كغيره من النظريات.
وثانيًا: نمنع الملازمة, وأن كون العلم ضروريًا ونظريًا صفتان له, ولا يلزم من الشعور بالعلم ضرورة الشعور بصفته من كونه ضروريًا أو نظريًا.
قال: (وشرط المتواتر تعدد / المخبرين تعددًا يمنع الاتفاق والتواطؤ, مستندين إلى الحس, مستوين في الطرفين والوسط, وفيه عالمين غير محتاج إليه؛ لأنه إن أريد الجميع فباطل, وإن أريد البعض فلازم مما قيل, وضابط العلم بحصولها حصول العلم, لا أن ضابط حصول العلم سبق العلم بها.
وقطع القاضي بنقص الأربعة, وتردد في الخمسة.
وقيل: اثنا عشر.
وقيل: عشرون.
стр. 651
وقيل: أربعون.
وقيل: سبعون.
والصحيح: يختلف.
وضابطه: ما حصل العلم عنده, لأنا نقطع بالعلم من غير علم بعدد مخصوص لا متقدمًا ولا متأخرًا, ويختلف باختلاف قرائن التعريف وأحوال المخبرين في الاطلاع عليها, وإدراك المستمعين والوقائع.
وشرط قوم الإسلام, والعدالة, لإخبار النصارى بقتل المسيح.
وجوابه: اختلال في الأصل والوسط.
وشرط قوم ألا يحويهم بلد.
وشرط قوم اختلاف النسب, والدين, والوطن.
والشيعة: المعصوم دفعًا للكذب.
واليهود: أهل الذلة فيهم دفعًا للتواطؤ لخوفهم, وهو فاسد.
وقول القاضي وأبي الحسين: كل عدد أفاد خبرهم علمًا بواقعة لشخص, فمثله يفيد بغيرها لشخص صحيح أن يتساويا من كل وجه, وذلك بعيد عادة).
أقول: ذكر العلماء في المتواتر شروطًا صحيحة وشروطًا فاسدة.
أما الصحيحة فثلاثة, كلها في المخبرين لنا:
стр. 652
الأول: تعددهم تعددًا يبلغ في الكثرة إلى أن يمنع اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب عادة.
الثاني: كونهم مستندين في أخبارهم إلى الحس لا إلى دليل العقل, فإنه في مثل حدوث العالم لا يفيد قطعًا.
الثالث: استواء الطرفين والوسط في ذين الأمرين.
وشرط قوم كونهم عالمين بما أخبروا به, وهو غير محتاج, لأنه إن أريد جميعهم فباطل, لأنه قد يكون بعضهم ظانًا ومع هذا يحصل العلم, وإن أريد علم البعض فلازم من قولنا: مستندين إلى الحس.
ثم من زعم أن العلم الحاصل منه نظري يشترط تقدم العلم بهذه الشروط, وأما من يقول إنه ضروري, فالضابط عنده في حصولها حصول العلم بصدقه, فإذا علم ذلك علم وجود الشرائط, لا أن ضابط حصول العلم بصدقه سبق العلم بها كما يقول من يرى أنه نظري.
قيل: في كونها شروط نظر؛ لأنه يحصل العلم بخبر الواحد وإن لم يخبر عن محسوس.
стр. 653
ردّ: بأن ذلك حصل بالقرائن, وقد احترز عنه في تعريف المتواتر, فكان المعنى: ضابط العلم بحصولها حصول العلم من نفس الخبر.
ثم اختلفوا في أقل عدد يحصّل العلم.
فقطع القاضي أبو بكر بنقص الأربعة, وإلا لما احتيج إلى تزكيتهم في شهادة الزنا, وتردد في الخمسة.
ويرد عليه: أن وجوب التزكية مشترك, إلا أن يقول: قد يفيد العلم فلا تزكية وقد لا يفيد فيعلم كذب واحد, فالتزكية ليعلم عدالة الأربعة, وقد يفرق بين الخبر والشهادة؛ إذ الاجتماع في الشهادة مظنة التواطؤ.
وقيل: اثنا عشر, عدد نقباء موسى؛ لأنهم جعلوا كذلك ليحصل العلم بخبرهم.
وقيل: عشرون لقوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به عن إسلامهم أو عن جهادهم. وقيل: أربعون من قوله تعالى: ﴿حسبك الله ومن اتبعك من
стр. 654
المؤمنين﴾ وكانوا أربعين, فلو لم يحصّل قولهم العلم لما اقتصر عليهم.
وقيل: سبعون؛ لاختيار موسى لهم للعلم بخبرهم إذا رجعوا.
وقيل: غير منحصر في عدد مخصوص, لا متقدمًا كما يقول من رأى أنه نظري, ولا متأخرًا كما رأى من قال إنه ضروري.
ولا سبيل إلى العلم به عادة؛ لأنه يتقوى الاعتقاد بتدريج كما يحصل كمال العقل بتدريج / خفي, والقوة البشرية قاصرة عن ضبط ذلك, ويقطع أيضًا أنه يختلف بالقرائن التي تتفق في التعريف غير زائدة على المحتاج إليها في ذلك عادة من الجزم, وبغرس آثار الصدق باختلاف اطلاع المخبرين على مثلها عادة, وباختلاف إدراك المستمعين وفطنتهم, وباختلاف الوقائع في عظمها وحقارتها, وتفاوت كل واحد منها يوجب العلم بخبر عدد أقل أو أكثر لا يمكن ضبطه, فكيف إذا تركبت الأسباب, فإذن نمنع الاستدلال بالتواتر على من لم يحصل له العلم به؛ إذ المرجوع فيه إلى الوجدان.
ومن الناس من شرط في المخبرين الإسلام, والعدالة وإلا لأفاد إخبار
стр. 655
النصارى بقتل المسيح العلم.
وجوابه: عدم حصول شرط التواتر, لقصورهم عن عدد التواتر في المرتبة الأولى والوسطى, ولو أخبر أهل قسطنطينية بموت حاكمهم لحصل لنا العلم.
وشرط قوم ألا يحويهم بلد خشية التواطؤ, وهو فاسد؛ إذ لو أخبر أهل جامع بسقوط الإمام عن المنبر, حصل العلم بذلك.
وشرط قوم اختلاف النسب والوطن والدين خوف التواطؤ أيضًا, وهو فاسد؛ لأنهم إن وصلوا إلى رتبة لا يمكن اتفاقهم على الكذب, لم يحتج ما ذكرتم, وإلا لم يفد لعدم شرطه.
وشرط الشيعة أن يكون فيه قول الإمام المعصوم, وإلا لم يمتنع الكذب, وهو فاسد؛ لأن المفيد حينئذ قوله لا قولهم.
وشرط اليهود أن يكون أهل الذلة في المخبرين, فإنه يمتنع تواطؤهم عادة, لخوفهم أن يعاقبوا على الكذب, بخلاف أهل العزة فإنهم لا يخافون فجاز أن يتجرؤوا على الكذب, وهو فاسد, ولو صحَّ لهم هذا الشرط لثبت غرضهم من إبطال العلم بالخبر المتواتر بمعجزات محمد وعيسى ﵉ حيث لم يدخلوا في الإخبار بها مع أنهم هم أهل الذلة, والقطع بحصول العلم بخبر العظماء والأشراف أسرع لشرفهم عن رذيلة الكذب, وقلة مبالاة أهل
стр. 656
الذلة به لخبثهم.
وقال القاضي أبو بكر, وأبو الحسين البصري: «كل خبر أفاد علمًا بواقعة لشخص, فمثله يفيد العلم بغير تلك الواقعة لشخص آخر».
قال المصنف: وهذا صحيح بشرط تساوي الخبرين والواقعة, لما علمت من تفاوت إفادته للعم بتفاوت تلك الأمور, وذلك بعيد جدًا لتفاوتهما عادة.
قال: (مسألة: إذا اختلف المتواتر في الوقائع, فالمعلوم ما اتفقوا عليه بتضمن أو التزام, كوقائع حاتم, وعليّ كرم الله وجهه).
أقول: لو اشتركت أخبار كثيرة بلغت رواتها مبلغ التواتر في معنى داخل أو لازم, كسخاوة حاتم, وشجاعة عليّ, حصل لنا العلم بالمشترك؛ لأن راوي الجزئي بالمطابقة راو للكل بالتضمن أو الالتزام, وهذا النوع يسمى ب التواتر المعنوي .
فإذا حكى شخص أن حاتمًا أعطى فرسًا, وحكى آخر أن أعطى جملًا, وحكى آخر أنه أعطى ثوبًا, وآخر دينارًا, فإنا وإن لم نعلم شيئًا من تلك القضايا بعينه, فهو لم يختلفوا في ما تضمنته تلك القضايا من جود حاتم, وكذلك نقول في شجاعة عليّ.
وإسناد الاختلاف إلى المتواتر مجاز, بل الاختلاف مستند إلى الوقائع المتضمنة أو المستلزمة للقدر المشترك.
стр. 657
قال: (خبر الواحد: ما لم ينته إلى التواتر.
وقيل: ما أفاد الظن, ويبطل عكسه بخبر لا يفيد الظن.
والمستفيض: ما زاد نقلته على الثلاثة).
أقول: عرّف خبر الواحد لما لم ينته إلى حدَّ التواتر, إما بأن لا يكون جماعة, أو جماعة لم يفد خبرهم علمًا, أو أفاد لكن / لا بنفسه بل بالقرائن الزائدة.
وقيل في تعريفه: إنه خبر أفاد الظن ويبطل عكسه بخبر لا يفيد الظن.
والمستفيض من أخبار الأحاد: ما زاد نقلته على الثلاثة.
قال: (مسألة: قد يحصل العلم بخبر الواحد العدل بالقرائن لغير التعريف.
وقيل: بغير قرينة.
وقال أحمد: ويطرد, والأكثر لا بقرينة ولا بغيرها.
لنا: لو كان بغير قرينة لكان عاديًا فيطرد, ولأدى إلى تناقض المعلومين, ولوجب تخطئة المخالف.
وأما حصوله بقرينة, فلو أخبر ملك بموت ولد مشرف مع صراخ
стр. 658
وجنازة وانتهاك حريم ونحوه, لقطعنا بصحته.
قالوا: أدلتكم تأباه.
قلنا: انتفى الأول لأنه مطرد في مثله, وانتفى الثاني لأنه يستحيل حصول مثله في النقيض, وانتفى الثالث لأنا نخطئ المخالف لو وقع.
قالوا: قال: ﴿ولا تقف﴾ , ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ , فنهى وذم فدل على أنه ممنوع.
قلنا: المتبع الإجماع, وبأنه مؤول فيما المطلوب فيه العلم من الدين).
أقول: اختلفوا في إفادة خبر الواحد العدل العلم, فالأكثرون على أنه لا يفيد العلم لا بقرينة ولا بغيرها, وقال قوم: إنه يحصل به العلم.
ثم اختلفوا, فذهب النَّظام إلى أنه إنما يفيد إذا احتفت به القرائن, وقال غيره: يفيد من غير قرينة.
ثم اختلف هؤلاء, فقال بعضهم: إن ذلك مطرد في كل خبر عدل, وهو أحد قولي أحمد.
стр. 659
ومنهم من قال: إن ذلك يوجد في بعض الأخبار, وهو مذهب بعض أهل الحديث.
ومختار المصنف: أنه قد يحصل العلم بخبر الواحد العدل إذا احتفت به القرائن الزائدة على ما لا ينفك التعريف عنه, وهي الأمارة الدالة على صدق الخبر كالبكاء والتفجع وانتهاك الحريم في المثال الآتي, لا بالقرائن التي للتعريف كموافقته لدليل العقل أو لقول الصادق, فإنه لا خلاف في حصول العلم وإن لم يكن من خبر الواحد.
ثم هاهنا مقامان:
الأول: أنه لا يحصل العلم بغير قرينة.
والثاني: أنه يحصل بقرينة, ولا معنى لقول المصنف في صدر المسألة: (قد) , وهو يقول بعد: (قلنا: مطرد في مثله).
احتج على المقام الأول بثلاثة أوجه:
الأول: لو أفاد العلم بغير قرينة لكان العلم عاديًا؛ إذ العقل لا يستقل بإدراك ما لأجله أفاد ذلك الخبر العلم, بل يكون بإجراء الله عادته بخلق العلم عقب الإخبار.
ولو كان عاديًا لاطرد في كل خبر عدل فأفاد العلم؛ إذ الموجب لحصول العلم متحقق كما في المتواتر, فإنه لما كان عاديًا كان مطردًا, وأما بطلان اللازم؛ فلأن الواقع بخلافه.
стр. 660
الثاني: لو حصل العلم به بغير قرينة لأدى إلى تناقض المعلومين إذا أخبر عدلان بأمرين متناقضين, ومثل ذلك واقع قطعًا, [واللازم باطل قطعًا].
الثالث: لو حصل العلم به لوجب تخطئة من خالفه بالاجتهاد, لوجوب تخطئة مخالف القاطع بالظن إجماعًا, واللازم باطل اتفاقًا.
قلت: إنما تتوجه على من قال يطرد, وأما الآخر فله أن يقول في الأول: خبر الواحد ليس بموجب للعلم, بل الله تعالى يوجد العلم عند سماع بعض الأخبار فلا يجب اطراده؛ لأنه فاعل مختار, وأما المتواتر فلولا اطراد عادة الله تعالى بإفادته العلم لما كان كذلك.
ويقول في الثاني: إنه إذا خلق الله العلم عند إخبار واحد, نمنع خلق الله العلم عند الإخبار بنقيضه, وله أن يقول في الثالث: من حصل له العلم به ثم خالف بالاجتهاد تجب تخطئته.
وأما المقام الثالث: فاحتج عليه بأنه لو أخبر ملك بموت ولد له مشرف على / الموت, وانضم إلى خبره القرائن من صراخ, وجنازة, وخروج المخدرات على حالة منكرة غير معتادة دون موت مثله, وخرج الملك وكبار أهل مملكته, فإنا نقطع بصحة ذلك الخبر, ونعلم به موته علمًا ضروريًا.
واعترض: بأن العلم والحالة هذه حصل بالقرائن لا بالخبر, كالعلم
стр. 661
بخجل الخجل.
والجواب: أنه حصل بالقرائن مع الخبر إذ لولا الخبر لجوزنا موت آخر.
واعلم أن العدالة ليست شرطًا في إفادة مثله العلم, وإنما ذكره لأن المذاهب مقيدة به.
أما المخالفون فهم فريقان: فرقة تنكر إفادته العلم مع القرينة وهم الأكثرون, وفرقة تقول بإفادته له بلا قرينة.
أما المنكرون مطلقًا, فقالوا: أدلتكم على امتناع إفادته للعلم بلا قرينة تأبى كونه مفيدًا له بقرينة؛ [للزوم] الاطراد وتناقض المعلومين, وتخطئة مخالفه بعين ما قررتم.
والجواب: أما لزوم الاطراد؛ فلأنه ملتزم في مثله فإنه لا يخلو عن العلم وأما تناقض المعلومين؛ فلأن ذلك إذا حصل في قضية امتنع أن يحصل مثله في نقيضها, وأما تخطئة المخالف؛ فهو ملتزم, ولو وقع لم تجز مخالفته بالاجتهاد إلا أنه لم يقع في الشرعيات.
أما القائلون بإفادته العلم مطلقًا فاحتجوا: بأنه يجب العمل به إجماعًا, ولو لم يفد الظن لما وجب العمل به, ولما جاز لقوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ , وقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾؛ لأن الأول في معرض الذم, والثاني نهي وهو يدل على التحريم.
стр. 662
الجواب من وجهين:
أحدهما: أن المتبع هو الإجماع على وجوب العمل بالظاهر, لا أنا اتبعنا خبر الواحد, فالمتبع القطع.
وثانيهما: أن ظاهرها في العموم مؤول بتخصيصه بما طلب فيه العلم من أصول الدين, لا بما يطلب فيه العمل, والمخصص الإجماع الدال على وجوب العمل بالظن في الفروع.
قيل على الجواب الأول: اتباع الإجماع لم يوجب كون خبر الواحد مفيدًا للعلم, فإن كان مفيدًا له بدون الإجماع فالجواب لم يدفع ما تمسك به, وإن لم يفده لم يجز اتباعه, فثبتت الملازمة.
وردَّ: بأن المصنف إنما منع بطلان التالي في قوله: (لو لم يفد العلم لم يجب اتباعه) فإنه بتقدير وجوب العمل بخبر الواحد لا يكون متبعًا, بل المتبع ما دلّ على وجوب العمل به وهو الإجماع.
قال: (مسألة: إذا أخبر بحضرته لم يدل على صدقه قطعًا.
لنا: أنه يحتمل أنه ما سمعه, أو ما فهمه, أو كان بيّنه, أو رأى تأخيره, أو ما علمه, أو صغيرة).
أقول: إذا أخبر واحد بحضرته ﵇ ولم ينكر, لم يدل عدم إنكار عليه على صدق الخبر دلالة قطعية, وإن دلّ ظنًا.
стр. 663
لنا: أنه لا يتعين السكوت لتصديقه؛ لأنه يحتمل أنه ما سمعه, أو ما فهمه, أو كان بيّنه وعلم أنه لا يفيد إنكاره ثانيًا, أو ما علمه لكون دنيويًا, أو رأى تأخير الإنكار إلى وقت لمصلحة, وبتقدير عدم الجميع فقد يكون كذبه صغيرة, وقصارى ترك الإنكار أن يكون صغيرة, وهي إن كانت منتفية عنه, لكن غير مقطوع بنفيها.
قال: (مسألة: إذا أخبر واحد بحضرة خلق كثير ولم يكذبوه, وعلم أنه لو كان كذبًا لعلموه, ولا حامل على السكوت, فهو صادق قطعًا للعادة).
أقول: إذا أخبر واحد بحضرة خلق كثير عن أمر محسوس وسكتوا عن تكذيبه.
فإن كان مما يحتمل ألا يعلمون كخبر غريب, لم يدل على صدقه, وإن كان مما لو كان كذبًا لعلموه / فإن كان لهم حامل على السكوت لم يدل أيضًا, وإن علم أنه لا حامل لهم على السكوت, دلّ على صدقه دلالة قطعية عند المصنف, وعند غيره ظنًا.
لنا: أن سكوتهم وعدم تكذيبهم مع علمهم بالكذب في مثله ممتنع عادة.
لا يقال: لعلهم ما علموا, أو علمه بعضهم أو جميعهم وسكتوا لمانع.
لأنا نقول: أحدهما منفي بالعادة, والآخر بالفرض.
стр. 664
قال: (مسألة: إذا انفرد واحد فيما تتوفر الدواعي على نقله, وقد شاركه خلق كثير, كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر, فهو كاذب قطعًا.
لنا: العلم بكذبه عادة, ولذلك نقطع بكذب من ادعى أن القرآن عورض.
قالوا: الحوامل المقدرة كثيرة, ولذلك لم ينقل النصارى كلام المسيح في المهد, ونقل انشقاق القمر, وتسبيح الحصى, وحنين الجذع, وتسليم الغزالة, وإفراد الحج, وإفراد الإقامة, وترك البسملة, آحادًا.
وأجيب: بأن كلام عيسى إن كان بحضرة خلق كثيرة فقد نقل قطعًا, وكذلك غيره مما ذكر, واستغنى عن الاستمرار بالقرائن الذي هو أشهرها وأما الفروع فليس من ذلك, ولو سلّم فاستغنى لكونه مستمرًا, أو كان الأمران شائعين).
أقول: إذا انفرد واحد بالإخبار عن شيء تتوفر الدواعي على نقل مثله, وقد شاركه خلق كثير فيما يدعيه سببًا للعلم, كما لو انفرد واحد بالإخبار عن قتل خطيب على المنبر يوم الجمعة بمشهد من أهل المدينة, فهو كاذب قطعًا.
لنا: أنا نجد من أنفسنا العلم بكذبه, ولولا أن هذا الأصل مركوز في العقول لما قطعنا بكذب من ادّعى أن القرآن عورض؛ لأنه مما تتوفر الدواعي
стр. 665
على نقله فلو عورض لنقل؛ لأن الله تعالى ركز في طباع الخلائق توفر الدواعي على نقل ما علموه والتحدث به, حتى أن العادة تحيل كتمه.
أورد الشيعة ما هو أشبه بالمعارضة منه بالمنع, حتى لا يكون الجواب كلامًا على المستند, تقريره: ما ذكرتم وإن دلّ على كذبه, فعندما يد ل على عدمه لاحتمال صدقه؛ لأن الحوامل المقدرة على كتمان الإخبار كثيرة, منها ما هو غرض للكل لمصلحتهم من أمر الولاية وإصلاح المعاش, أو خوف عدو أو ملك ظالم, أو أغراض مختلفة عائدة إلى الآحاد لا يمكن ضبطها, فكيف يجزم بعدمها؛ إذ مع جوازها لا يحصل الجزم والوقوع.
دليل الجواز: فإن النصارى لم ينقلوا كلام عيسى في المهد مع أنه من الأمور الغريبة التي تتوفر الدواعي على نقلها, ومنه أن معجزات النبي ﵇ كانشاق القمر, وتسبيح الحصى في كفه, وحنين الجذع الذي كان يستند إليه حين استند إلى غيره, وتسليم الغزالة عليه لم تتواتر, وكلها مما تتوفر الدواعي على نقله.
وحديث انشقاق القمر في الصحيحين من طرق, وهو متواتر عند المحدّثين, ولفظه عند مسلم, قال عبد الله بن عمر: «انشق فلقتين: فلقة
стр. 666
من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل, فقال ﵇: اللهم اشهد».
وحديث حنين الجذع متواتر عند بعضهم, ولفظه عند البخاري: «كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع, فلما اتخذ المنبر تحول إليه, فحنّ الجذع, فأتاه النبي ﷺ فمسحه» , وفي لفظ: «فالتزمه» , وفي طريق آخر: «فاحتضنه وسارّه بشيء».
وأما تسليم الغزالة, فليس في الكتب الستة, لكن خرّجه الحافظ أبو نعيم, من حديث عمرو بن علي الفلاس, عن يعلى بن إبراهيم الغزال, عن الهيثم بن جماز, عن أبي كثير, عن زيد / بن أرقم
стр. 667
قال: «كنت مع النبي في بعض سكك المدينة, فمررنا بخباء أعرابي, فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء, فقالت: يا رسول الله! إن هذا الأعرابي صادني ولي خشفان في البرية, وقد تعقد هذا اللبن في أخلافي, فلا هو يذبحني فأستريح, ولا هو يدعني أرجع إلى خشفي, قال لها: إن تركتك ترجعين؟ قالت: نعم, وإلا عذبني الله عذاب العشار, فأطلقها فلم تلبث أن جاءت تلمظ فشدها إلى الخباء, وأقبل الأعرابي ومعه قربة, فقال ﵇: أتبيعها مني؟ , قال: [هي لك, فأطلقها].
قال ابن أرقم: أنا والله رأيتها في البرية تسبح وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 668
لكن الغزال لا يعرف, والهيثم ضعفوه.
وأما حديث تسبيح الحصى, فليس أيضًا في شيء من الستة, لكن روى الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة, من حديث صالح بن أبي الأخضر, عن الزهري, عن رجل قال: سمعت أبا ذرّ يقول: لا أذكر عثمان إلا بخير بعد شيء رأيته, كنت رجلا أتتبع خلوات رسول الله ﷺ فرأيته وحده فجلست, فجاء أبو بكر فسلم وجلس, ثم جاء عمر, ثم عثمان وبين يدي النبي حصيات, فأخذهن فوضعهن في كفه فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل, ثم وضعهن فخرسن, ثم أخذهن فوضعهن في يد أبي بكر فسبحن, ثم وضعهن فخرسن, ثم وضعهن في يد عمر فسبحن, ثم وضعهن في يد عثمان فسبحن, ثم وضعهن فخرسن, فقال عليه
стр. 669
السلام: «هذه خلافة النبوة».
وابن أبي الأخضر تكلموا فيه, وشيخ الزهري مجهول.
ومنها: أن كثيرًا مما تعم به البلوى وتمس الحاجة إليه لم يتواتر, بل نقل آحادًا, ولذلك اختلفوا فيه, فإفراد الإقامة, وإفراد الحج, وترك قراءة البسملة في الصلاة, أما حديث الإقامة, ففي الصحيحين: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة».
وحديث إفراد الحج, لمسلم من حديث ابن عمر, أهل رسول الله ﷺ بالحج مفردًا.
وحديث ترك البسملة, عن أنس: «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر, فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين, لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة, ولا في آخرها». خرّجه مسلم.
стр. 670
الجواب: أن بينا أن العادة تحيل اتفاق إجماع الكثير على عدم نقل ما [جرى] بحضرتهم من الأمور العظيمة, سواء وجدت الحوامل المقدرة أو لم توجد, أما إذا لم توجد فظاهر, وأما إذا وجدت [فكذلك, إذ العادة تحيل اشتراك الخلق الكثير في الدواعي إلى عدم نقل ما جرى بينهم من الوقائع القديمة] كما تحيل اشتراكهم في الدواعي إلى الكذب, [وما ذكروه] من صور الاستشهاد لا يدل على صحة ما ذكروا؛ لأن كلام عيسى إن كان بحضرة / خلق كثير فقد نقل قطعًا, فإن ثبت أنه لم ينقل فلقلة المشاهدين, فليس مما نحن فيه.
وأما ما ذكروه من المعجزات فكذلك, لو كثر مشاهدوها لنقلت متواترًا وإلا فغير محل النزاع, ولو سلّم يجوز أن تكون نقلت متواترًا ثم استغنى عن استمرار نقلها متواترًا بنقل القرآن الذي هو أشهر معجزاته؛ لأن المقصود من نقل معجزاته الدلالة علة رسالته, والقرآن هو أكبر دليل عليها.
والفروع ليس مما ذكر, لعدم توفر الدواعي على نقلها, ولو سلم فإنما ينقل مثله ليعلم من لم يعلم, وذلك فيما هو مستمر مستغنى عنه, ولو سلم فقد نقل إلا أنه نقل الآخر أيضًا لكونهما شائعين, وهو الذي ضعف الدواعي عن نقله متواترًا.
следующие страницы →