← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل, فقال ﵇: اللهم اشهد». وحديث حنين الجذع متواتر عند بعضهم, ولفظه عند البخاري: «كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع, فلما اتخذ المنبر تحول إليه, فحنّ الجذع, فأتاه النبي ﷺ فمسحه» , وفي لفظ: «فالتزمه» , وفي طريق آخر: «فاحتضنه وسارّه بشيء». وأما تسليم الغزالة, فليس في الكتب الستة, لكن خرّجه الحافظ أبو نعيم, من حديث عمرو بن علي الفلاس, عن يعلى بن إبراهيم الغزال, عن الهيثم بن جماز, عن أبي كثير, عن زيد / بن أرقم

стр. 667

قال: «كنت مع النبي في بعض سكك المدينة, فمررنا بخباء أعرابي, فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء, فقالت: يا رسول الله! إن هذا الأعرابي صادني ولي خشفان في البرية, وقد تعقد هذا اللبن في أخلافي, فلا هو يذبحني فأستريح, ولا هو يدعني أرجع إلى خشفي, قال لها: إن تركتك ترجعين؟ قالت: نعم, وإلا عذبني الله عذاب العشار, فأطلقها فلم تلبث أن جاءت تلمظ فشدها إلى الخباء, وأقبل الأعرابي ومعه قربة, فقال ﵇: أتبيعها مني؟ , قال: [هي لك, فأطلقها]. قال ابن أرقم: أنا والله رأيتها في البرية تسبح وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

стр. 668

لكن الغزال لا يعرف, والهيثم ضعفوه. وأما حديث تسبيح الحصى, فليس أيضًا في شيء من الستة, لكن روى الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة, من حديث صالح بن أبي الأخضر, عن الزهري, عن رجل قال: سمعت أبا ذرّ يقول: لا أذكر عثمان إلا بخير بعد شيء رأيته, كنت رجلا أتتبع خلوات رسول الله ﷺ فرأيته وحده فجلست, فجاء أبو بكر فسلم وجلس, ثم جاء عمر, ثم عثمان وبين يدي النبي حصيات, فأخذهن فوضعهن في كفه فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل, ثم وضعهن فخرسن, ثم أخذهن فوضعهن في يد أبي بكر فسبحن, ثم وضعهن فخرسن, ثم وضعهن في يد عمر فسبحن, ثم وضعهن في يد عثمان فسبحن, ثم وضعهن فخرسن, فقال عليه

стр. 669

السلام: «هذه خلافة النبوة». وابن أبي الأخضر تكلموا فيه, وشيخ الزهري مجهول. ومنها: أن كثيرًا مما تعم به البلوى وتمس الحاجة إليه لم يتواتر, بل نقل آحادًا, ولذلك اختلفوا فيه, فإفراد الإقامة, وإفراد الحج, وترك قراءة البسملة في الصلاة, أما حديث الإقامة, ففي الصحيحين: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة». وحديث إفراد الحج, لمسلم من حديث ابن عمر, أهل رسول الله ﷺ بالحج مفردًا. وحديث ترك البسملة, عن أنس: «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر, فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين, لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة, ولا في آخرها». خرّجه مسلم.

стр. 670

الجواب: أن بينا أن العادة تحيل اتفاق إجماع الكثير على عدم نقل ما [جرى] بحضرتهم من الأمور العظيمة, سواء وجدت الحوامل المقدرة أو لم توجد, أما إذا لم توجد فظاهر, وأما إذا وجدت [فكذلك, إذ العادة تحيل اشتراك الخلق الكثير في الدواعي إلى عدم نقل ما جرى بينهم من الوقائع القديمة] كما تحيل اشتراكهم في الدواعي إلى الكذب, [وما ذكروه] من صور الاستشهاد لا يدل على صحة ما ذكروا؛ لأن كلام عيسى إن كان بحضرة / خلق كثير فقد نقل قطعًا, فإن ثبت أنه لم ينقل فلقلة المشاهدين, فليس مما نحن فيه. وأما ما ذكروه من المعجزات فكذلك, لو كثر مشاهدوها لنقلت متواترًا وإلا فغير محل النزاع, ولو سلّم يجوز أن تكون نقلت متواترًا ثم استغنى عن استمرار نقلها متواترًا بنقل القرآن الذي هو أشهر معجزاته؛ لأن المقصود من نقل معجزاته الدلالة علة رسالته, والقرآن هو أكبر دليل عليها. والفروع ليس مما ذكر, لعدم توفر الدواعي على نقلها, ولو سلم فإنما ينقل مثله ليعلم من لم يعلم, وذلك فيما هو مستمر مستغنى عنه, ولو سلم فقد نقل إلا أنه نقل الآخر أيضًا لكونهما شائعين, وهو الذي ضعف الدواعي عن نقله متواترًا.

стр. 671

قيل: لا معنى لكون النقل متواترًا على تقدير وآحادًا على تقدير؛ لأن النقل إن ثبت في الواقع اتصف بأحدهما, وإن لم يثبت فلا معنى لتسليم كونه متواترًا على تقدير. قلت: النقل ثابت في الواقع, وهو متصف بأحدهما, ولا نعرفه لعدم معرفتنا بالجمع أَهُم كثير فيكون الثابت من النقل تواترًا لكنه استغنى عن الاستمرار بالقرآن؟ أو هم يسير فيكون آحادًا؟ . والمصنف إنما سلم في الفروع فقط, وهو لم يردد فيها. قيل في الجواب: تخصيص الدعوى؛ إذ المعنى ما وجد بمحضر جمع عظيم وكان مما تتوفر الدواعي على نقله يجب [نقله متواترًا, إذا لم ينقل متواترًا فما هو أقوى منه] , وكذلك يلزم تخصيص الدعوى على جوابيه وهما: (استغنى لكونه مستمرًا) , (أو كان الأمران شائعين). قال: (مسألة: التعبد بخبر الواحد العدل جائز خلافًا للجبائي. لنا: القطع بذلك. قالوا: يؤدي إلى تحليل الحرام وعكسه. قلنا: إن كان المصيب واحدًا فالمخالف ساقط, وإلا فلا يرد, وإن تساويا بالوقف والتخيير يدفعا. قالوا: لو جاز لجاز التعبد به في الإخبار عن الله تعالى.

стр. 672

قلنا: للعلم بالعادة أنه كاذب). أقول: التعبد بخبر الواحد العدل, وهو أن يوجب الشارع العمل بمقتضاه على المكلفين جائز عقلًا, خلفاًا للجبائي وبعض المتكلمين. لنا: القطع بذلك بأنا لو فرضنا أن الشارع قال: إذا أخبركم عدل بشيء فاعملوا بموجبه, فإنا إذا عرضنا ذلك على عقولنا لا يلزم منه محال لذاته, ولا معنى للجواز العقلي إلا ذلك, غاية ما يقدر في امتناعه احتمال كذبه, وهو غير مانع لورود التعبد بالمفتي والشهادة مع قيام الاحتمال. قالوا: إن لم يكن ممتنعًا / لذاته فهو ممتنع لغيره؛ لأنه يؤدي إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال بتقدير الكذب وكونه ممكنًا قطعًا وذلك مفسدة؛ إذ التكاليف مبنية على رعاية المصالح ودفع المفاسد, والعمل بمقتضاه بتقدير كذبه مفسدة, وما يؤدي إلى المفاسد لا يجوز عقلًا. الجواب: إن قلنا: كل مجتهد مصيب فلا يرد أصلًا؛ إذ لا حلال ولا حرام في نفس الأمر, وإنما هما تابعان لظن المجتهد, ويختلف بالنسبة إلى المجتهدين, فيكون حلالًا لواحد حرامًا لآخر. وإن قلنا: المصيب واحد, فالحكم المخالف للصواب ساقط وإن تعبد به المجتهد الذي ظنه, وليس بحكم الله, وما هو إلا كالتعبد بقول المفتي

стр. 673

والشاهدين إذا خالفا ما في الواقع, وهذا يصلح مستندًا ويصلح نقضًا. لا يقال: هذا بالنسبة إلى مجتهدين, لكنه يؤدي إلى تناقض عند تساوي الخبرين بالنسبة إلى مجتهد واحد, لتعارضهما من غير ترجيح. لأنا نقول: التوقف, وهو عدم العمل بهما؛ إذ شرط العمل عدم المعارض. أو التخيير, وهو تجويز العمل بأيهما شاء يدفع وروده. فقوله: (وإن تساويا) جواب عن سؤال مقدر, وهو في المنتهى دليل [برأسه للجبائي]. وجل الشراح قرروا هذا المكان على وجه آخر بعيد عن كلام المصنف, فليتأمل. قالوا ثالثًا: لو جاز التعبد به لجاز التعبد به في الإخبار عن الله تعالى بأنه أرسله, وهو باطل بغير معجزة إجماعًا. الجواب: إن العادة ثمة أفادت أن من ادعى النبوة بغير معجزة كاذب؛ لأنه يطمع في نيل الدرجة العظمى بمجرد دعوه, وهو يفضي إلى أن يدعي كل واحد نسخ شريعة الآخر, ولا يخفى ما فيه من المفاسد, فافترق من قطع بكذبه ممن ظن صدقه.

стр. 674

قال: (مسألة: يجب العمل بخبر الواحد, خلافًا للقاساني, وابن داود, والرافضة. والجمهور: بالسمع, وقال أحمد, والقفال, وابن سريج, والبصري: بالعقل. لنا: تكرر العمل به في الصحابة والتابعين شائعًا ذائعًا متكررًا من غير نكير, وذلك يقضي بالاتفاق عادة كالقول قطعًا. قولهم: فقد أنكر أبو بكر خبر المغيرة حتى رواه محمد بن مسلمة, وأنكر عمر خبر أبي موسى في الاستئذان حتى رواه أبو سعيد الخدري, وأنكر خبر فاطمة بنت قيس, وأنكرت عائشة خبر ابن عمر. قلنا: إنما أنكروا عند الارتياب. قولهم: لعلها أخبار مخصوصة. قلنا: نقطع أنهم عملوا لظهورها لا لخصوصها. وأيضًا: التواتر أنه كان ينفذ الآحاد إلى النواحي لتبليغ الأحكام). أقول: القائلون بجواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلًا, اختلفوا في وجوب العمل به, فنفاه / القاساني, وابن داود,

стр. 675

والرافضة. والقائلون بوجوب العمل به, اتفقوا على أن دليل السمع دلّ عليه, واختلفوا في وجوبه بدليل العقل, فقال به أحمد والقفال وابن سريج وأبو الحسين البصري, [وأباه الآخرون]. والمصنف لو قال: وأبو الحسين, وبالعقل لكان فيه رفع وهمين: الأول: أن البصري عند الإطلاق إنما يريد به أبا عبد الله.

стр. 676

الثاني: اعتقاد أن هؤلاء لا يقولون بوجوبه سمعًا. لنا: إجماع الصحابة والتابعين, بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر الواحد, وعملهم به في الوقائع المختلفة التي لا تكاد تحصى, وتكرر ذلك مرة بعد أخرى, وشاع وذاع بينهم ولم ينكره أحد, وكل واحدة وإن كانت آحادًا, فإن المشترك متواتر, ولا مصادرة. لا يقال: ما ذكرتم إنما دلّ على جواز العمل سمعًا؛ لأنا نقول: لا قائل بالفرق بين الجواز و [الوقوف] سمعًا. واعترض من وجوه: الأول: لا نسلم أن العمل في تلك الوقائع كان بأخبار الآحاد, ولعله بغيرها, ولا يلزم من موافقة العمل حين سمعوها أن يكون العمل لأجلها. الجواب: علم من سياق تلك الأخبار أن العمل بها, وقرائن الأحوال تدل عليه, والعادة تحيل غيره. قالوا ثانيًا: لا نسلم عدم الإنكار؛ فإن أبا بكر أنكر خبر المغيرة حتى رواه محمد بن مسلمة, روى مالك: «أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تسأله

стр. 677

ميراثها, فقال لها: ما لكِ في كتاب الله شيء, وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئًا, فارجعي حتى أسأل الناس, فقال المغيرة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس, فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقال ابن مسلمة مثل ما قال المغيرة, فأنفذ لها أبو بكر السادس» , وتمامه لفظ أبي داود. وأنكر عمر خبر أبي موسى في الاستئذان. وفي الصحيحين, أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا, فكأنه وجده مشغولًا فرجع, فقال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ائذنوا له, فدعي, فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: إنا كنا نؤمر بهذا, فقال: لتقيمنّ على هذا بينة أو لأفعل. فانطلق إلى مجلس من الأنصار, فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا, فقام أبو سعيد فقال: كنا نؤمر بهذا, فقال: خفي عني هذا من

стр. 678

أمر رسول الله ﷺ , ألهاني عنه الصفق بالأسواق. وأنكر عمر أيضًا خبر فاطمة بنت قيس, في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة, فقال عمر: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة, لا ندري أحفظت أم نسيت. وأنكرت عائشة خبر ابن عمر المتقدم. والجواب: إنما أنكروا عند الارتياب وليس بمحل التنازع, وأيضًا: لا يخرج بانضمام ما ذكرتم عن كونه خبر واحد, وأيضًا: هي عليكم [لا لكم]. قالوا ثالثًا: لعلها / أخبار مخصوصة تلقوها بالقبول, فلا يلزم في كل خبر.

стр. 679

الجواب: أنا نعلم أنهم عملوا لظهورها في كونها صادقة, لا لخصوصياتها من موافقة ظاهر الكتاب, أو خبر متواتر, أو قياس. وللجمهور أيضًا: أنه تواتر أنه ﵇ كان ينفذ الآحاد لتبليغ الأحكام, وقبض الزكوات, مع العلم بأن المبعوث إليهم كانوا مكلفين بالعمل بمقتضاه, وإلا لم يكن لبعثهم فائدة, وهذا إنما يتم بالنسبة إلى من تواتر عنده, وإلا فهو مصادرة, مع أن المبعوث مُفتون, ويجب على العامي العمل بقول المفتي, وليس فيه ما يدل على تنفيذ الآحاد بالأخبار التي هي مدار الأحكام ليجتهد فيها, وهو محل النزاع. قال: (واستدل بظواهر مثل: ﴿فلولا نفر﴾ إلى قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾ , إن الذين يكتمون﴾ , ﴿إن جاءكم فاسق﴾ وفيه بعد). أقول: استدل على وجوب العمل بخبر الواحد بثلاث آيات: وجه التمسك بالأولى: أن الله تعالى أوجب الحذر بإنذار طائفة من فرقة, والإنذار: الخبر المخوف, والفرقة: ثلاثة لغة, فالطائفة: واحد أو اثنان, وحكى الجوهري عن ابن عباس أن الطائفة: الواحد فما فوق.

стр. 680

ولما كان الترجي على الله محالًا, حمل على لازمه وهو الطلب, إطلاقًا للملزوم وإرادة للازم, والطلب من الله أمر, والأمر للوجوب. وفيه نظر؛ لأن الطلب إنما يكون أمرًا لو كان مانعًا من النقيض, وكون الترجي دالًا على مثل هذا الطلب ممنوع. قيل: الإنذار: الفتوى المخوف لقرينة ليتفقهوا. وردّ: بأنه يلزم تخصيص الإنذار بالفتوى, وتخصيص القوم بغير المجتهدين؛ إذ المجتهد لا يعمل بفتوى الآخر, ولا يلزم تخصيص القوم بالمجتهدين, فإن الرواية ينتفع بها المجتهد وغيره, وقرينة التفقه لا تدل على الفتوى, لقوله ﵇: «ربّ حامل فقه» الحديث. قيل: فيجب خروج واحد من كل ثلاثة, وهو باطل اتفاقًا. قلنا: النص اقتضى خروج احد من كل ثلاثة, ووجوب العمل بقوله إذا رجع خص في أحدهم إجماعًا, وبقي معمولًا في الآخر. قال المصنف: (وفيه بعد) لأن قصاراه الظهور ولا يكفي في مسائل الأول؛ إذ النزاع في وجوب العمل بالظني. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ تواعد على كتمان ما أنزل, ومنه السنة لقوله تعالى: ﴿وما

стр. 681

ينطق عن الهوى﴾؛ ولأنها من الهدى, فوجب على الواحد إخبار بما سمع, ولولا وجوب العمل به لم يكن لوجوب الإخبار فائدة. وردّ: بأن المراد بما أنزل الله القرآن, سلمنا لكن الواجب إظهاره, [ولا يجب العمل به, كما يجب على الفاسق بمقتضى الآية الإظهار, ولا يجب العمل بقوله؛ إذ قد يقصد بوجوب الإظهار] على كل واحد حتى يتألف منه ما يفيد العلم. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا﴾ , أمر بالتبيين في الفاسق, فدل أن العدل بخلافه؛ ولأنه علق الحكم على الوصف, وهو مشعر بعليته, فوجب العمل بخبر العدل لانتفاء علة التبيين. وردّ: بأن ترتيب / الحكم على الوصف [يشعر] بالعلية لكنه لا يوجبها, سلمنا لكن اللازم كون خبر الواحد ليس مانعًا من القبول, فأين وجوب العمل؟ . إلا أن يقال: كلما ثبت الجواز سمعًا ثبت الوجوب, ومفهوم المخالفة ضعيف, ولو سلم فاستدلال بظاهر في أصل.

стр. 682

قال: (﴿ولا تقف﴾ , ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ وقد تقدم, ويلزمهم ألا يمنعوه إلا بقاطع. قالوا: توقف على أنه علة في خبر ذي اليدين, حتى أخبره أبو بكر وعمر. قلنا: غير ما نحن فيه, ولو سلّم فإنما توقف للريبة بالانفراد, وهو ظاهر في الغط, ويجب التوقف في مثله). أقول: المانعون لوجوب العمل بخبر الواحد تمسكوا بالآيتين, وقد تقدم وجه التمسك بهما والجواب عنهم. ويلزمهم ألا يمنعوا التعبد به إلا بقاطع؛ لأن الآيتين دلتا على أن التمسك بما لا يفيد العلم لا يجوز, وما ذكروه لا عموم له, فلو سلّم فهو قابل للتخصيص. تمسكوا من السنة, بما في الصحيحين من حديث ذي اليدين, وهو مشهور.

стр. 683

والجواب: أنه ليس من صور النزاع؛ لأن الكلام في وجوب العمل على الأمة بخبر الواحد منقولًا عنه ﵇, ولا يلزم ذلك في حقه. سلمنا لأنه مما نحن فيه, لكنه توقف لانفراده بالإخبار بين جمع كثير في أمر الغالب عدم مثله وعدم الغفلة له, وكان ظاهرًا في الغلط, والتوقف في مثله واجب اتفاقًا. قال: (أبو الحسين: العمل بالظن في تفاصيل المعلوم الأصل واجب عقلًا, كالعدل في مضرة شيء, وضعف حائط, وخبر الواحد كذلك؛ لأن الرسول بعث للمصالح, فخبر الواحد تفصيل لها, وهو مبني على التحسين. سلمنا: لكنه لم يجب في العقليات, بل أولى. سلمنا: فلا نسلمه في الشرعيات. سلمنا: وغايته قياس ظني في الأصول. قالوا: صدقه ممكن, فيجب احتياطًا. قلنا: إن كان أصله المتواتر فضعيف, وإن كان المفتي, فالمفتي خاص وهذا عام. سلمنا: لكنه قياس شرعي. قالوا: لو لم يجب لخلت وقائع. ردّ: بمنع الثانية. سلمنا: لكن الحكم النفي, وهو مدرك شرعي بعد الشرع).

стр. 684

أقول: احتج أبو الحسين على وجوب العمل بخبر الواحد عقلًا: بأن العمل بالظن في تفاصيل المعلوم الأصل في العقليات كالأفراد العقلية لكل معلوم واجب عقلًا؛ لأنه لما كان اجتناب المضار واجبًا قطعًا, وجب تفاصيله عقلًا, كقبول خبر العدل في مضرة شيء معين فيحكم العقل بأن لا يؤكل, وكإخبار عدل بضعف حائط فيحكم العقل بوجوب القيام من تحته, وما ن حن فيه من ذلك؛ لأن النبي ﵇ بعث لتحصيل المصالح ودفع المضار قطعًا, ومضمون خبر الواحد تفصيل لذلك, والخبر يفيد الظن به, فوجب العمل به قطعًا. والجواب: أنه مبني على التحسين والتقبيح العقلي, وقد أبطلناه. سلمنا, ولا نسلم أن العمل / بالظن في تفاصيل المعلوم الأصل واجب, بل هو أولى للاحتياط, ولم ينته إلى الوجوب. سلمناه في العقليات, ولا تقاس الشرعيات عليها, لعدم الجامع الذي هو شرط القياس, وظهور الأذى. سلمنا, لكنه قياس ظني فلا يفيد إلا الظن؛ لجواز كون خصوصية الأصل شرطًا, وخصوصية الفرع مانعًا, للأدلة المانعة من الظن, ثم إن المسألة أصولية لا يجزي فيها الظن.

стр. 685

احتج الباقون: بأن صدق العدل ممكن, فيجب العمل به احتياطًا. الجواب: أنه قياس لم يتبين فيه الأصل, فإن كان أصله المتواتر [فضعيف للفرق؛ إذ المتواتر] يفيد العلم, ولذلك وجب اتباعه لا للاحتياط, فالجامع ملغى, وإن كان أصله فتوى المفتي فضعيف أيضًا للفرق؛ إذ حكم المفتي خاص بمقلده, وحكم خبر الواحد عام. سلمنا, لكنه قياس فلا يفيد إلا الظن والمسألة علمية, ثم هو شرعي لا دليل عقلي, ومطلوبكم وجوب العمل به عقلًا. ولهذه الفائدة غيّر المصنف العبارة, فقال في جواب دليل أبي الحسين: (قياس ظني) , وقال هنا: (قياس شرعي). احتجوا ثانيًا: بأنه لو لم يجب العمل به لخلت وقائع عن الحكم, وهو ممتنع, أما الأولى: فلأن القرآن والأخبار المتواترة لا تفيان بالأحكام بالاستقراء, وأما الثانية: فظاهرة. الجواب: منع الاستثنائية, وهو امتناع الوقائع عن الحكم عقلًا؛ إذ المتفق عليه امتناع خلو الوقائع التي لها دليل, لا التي لا دليل لها. سلمناه, ونمنع الملازمة؛ لأن الحكم فيها لا دليل فيه نفي الحكم, ونفي الدليل دليل على نفي الحكم, لورود الشرع بأن ما لا دليل فيه لا حكم فيه فكان عدم الدليل لعدم الحكم مدركًا شرعيًا, فلم يلزم إثبات حاكم غير

стр. 686

الشرع, وقال: (بعد الشرع) لأن عدم الحكم لما استند إلى عدم الدليل وهو عقلي, والمستند إلى العقلي عقلي, أشار إلى أنه وإن كان ثابتًا قبل الشرع, لكنه بعد ورود الشرع مدرك شرعي مستند إلى الاستصحاب, وهو شرعي, [والحق أن النفي حكم عقلي]. قال: (الشرائط: منها البلوغ لاحتمال كذبه لعلمه بعدم التكليف, وإجماع أهل المدينة على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الدماء قبل تفرقهم, مستثنى لكثرة الجناية بينهم منفردين. والرواية بعده والسماع قبله مقبول كالشهادة. ولقبول ابن عباس وابن الزبير وغيرهم في مثله, ولإسماع الصبيان). أقول: لما فرغ من حكم خبر الواحد, شرع في شرائط وجوب العمل [به] , منها: البلوغ؛ لأن غير البالغ لا يحصل الظن بصدقه؛ لأنه عالم بأنه غير مكلف فلا ينزجر عن الكذب إذ لا مانع من الإقدام عليه إلا الإثم, وقد علم انتفاؤه, ويعلم منه عدم قبول رواية المجنون. لا يقال: أجمع أهل المدينة على قبول شهادة الصبيان المحكوم بإسلامهم في الجراح قبل تفرقهم لئلا يلقنهم الكبار, مع أنه احتيط في الشهادة ما لم

стр. 687

يحتط في الرواية, فاشترط الجمهور فيها العدد والحرية دون الرواية, فتكون روايتهم مقبولة بطريق الأولى, لأنا نقول: قبولها مستثنى لمسيس الحاجة إليه, لكثرة الجناية فيما بينهم, وإنما تقبل بشرط أن يكونوا منفردين [ليس بينهم كبير] , فمنفردين ليس حالًا من كثرة الجناية كما قرره الشارحون, فلو لم تعتبر شهادتهم لضاعت الحقوق التي توجبها تلك الجنايات, والمستثنى لا يرد نقضًا كالعرايا. واعلم أنه لم يثبت إجماع أهل المدينة, لمخالفة القاسم بن محمد, وسالم بن عبد الله.

стр. 688

وبعدم قبولها قال بعض أصحابنا, منهم: ابن عبد الحكم, واختلف قول مالك في قبولها في القتل. واختلف المذهب في اشتراط العدد, والحرية, والذكورية, وعدم العداوة, والقرابة. وأما لو روى بعد البلوغ ما سمعه قبل البلوغ قُبِلَ قياسًا على الشهادة بطريق الأولى, وقد تمنع الأولوية لإيجاب الرواية حكمًا عامًا. وأيضًا: أجمع الصحابة على قبول رواية ابن الزبير, وابن عباس, وغيرهما من أصاغر الصحابة, فيما تحملوه قبل البلوغ ورووه بعده, ولم

стр. 689

يرد قط أنهم كانوا يسألون الراوي, هل سمعت قبل البلوغ أو بعده؟ . وأيضًا: أجمعوا على إحضار الصبيان مجالس الرواية وإسماعهم, ولو لم يعتبر نقله لم يكن لإحضارة فائدة, وقد يمنع؛ إذ قد يحضر للتبرك, ولذلك يُحضرون من لم يميز. قال: (ومنها: الإسلام للإجماع, وأبو حنيفة وإن قبل شهادة بعضهم لم يقبل روايته, ولقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأٍ﴾ , وهو فاسق بالعرف المتقدم. واستدل: بأنه لا يوثق كالفاسق. وردّ: بأنه قد يوثق ببعضهم لتدينه في ذلك. والمبتدع بما يتضمن التكفير كالكافر عند المكفر, وأما غير المكفر فكالبدع الواضحة, وما لا يتضمن كفرًا إن كان ظاهرًا كفسق الخوارج فرده قوم, وقبله قوم. الرادّ: إن جاءكم فاسق, وهو فاسق. القابل: نحن نحكم بالظاهر, والآية أولى لتواترها, وخصوصها بالفاسق, وعدم تخصيصها, وهذا مخصص بالكافر والفاسق المظنون صدقهما باتفاق. قالوا: ليجمعوا على قبول قتلة عثمان. ردّ: بالمنع, وبأنه مذهب بعض.

стр. 690

وأما خلاف البسملة وبعض الأصول وإن ادعى القطع, فليس من ذلك لقوة الشبهة من الجانبين, وأما من يشرب النبيذ ونحوه ويلعب بالشطرنج من مجتهد أو مقلد, بالقطع أنه ليس بفاسق وإن قلنا المصيب واحد؛ لأنه يؤدي إلى تفسيق بواجب, وإيجاب الشافعي الحدّ لظهور أمر التحريم عنده). أقول: الشرط الثاني الإسلام؛ للإجماع على ردّ رواية الكافر, وأبو حنيفة إن قبل شهادة بعضهم [على بعض] للضرورة, صيانة للحقوق عند عدم حضور المسلمين, فقد صرح بعدم قبول روايته. وأيضًا: قال تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأٍ﴾ , وهو فاسق بالعرف المتقدم, وإن كان لا يسمى فاسقًا بالعرف المتأخر إلا المسلم صاحب الكبيرة, والآية وإن لم تكن عامة بلفظها, فهي عامة بحسب المعنى المومأ إليه وهو الفسق. واستدل: بأن الكافر لا يوثق بقوله, فلا يقبل كالفاسق. وضعف: بأنه قد يوثق ببعضهم لظهور تدينه في ذلك الدين, مع تحريم

стр. 691

الكذب فيه. أما المبتدع, فإن كانت بدعته تتضمن كفرًا, فهو كالكافر عند من كفّره, وأما من لم يكفره فهو عنده كمرتكب البدع الواضحة. وأما المبتدع بما لا يتضمن كفرًا, فإن لم يكن واضحًا, فلا نزاع في قبوله وسنذكره آخر الفصل. وإن كان واضحًا, كفسق الخوارج الذين استباحوا الدماء والأموال, فرده القاضي أبو بكر وجماعة, وقبله الأكثرون ما لم يكن ممن يدعوا إلى بدعته, وقبله آخرون مطلقًا ما لم يكن ممن يستحل الكذب. احتج الراد: بقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأٍ﴾ وهو فاسق, ولا فرق بين متأول أو غير متأول, كما لا فرق بين كافر متأول أو غيره.

стр. 692

واحتج القابل: بقوله ﵇: «نحن نحكم بالظاهر» وهو ظاهر الصدق؛ لأنه يعظم الدين ويتوقى الكذب, ولا يعلم فسق نفسه, وقد تقدم الكلام عن هذا الحديث. قال المصنف: (ومذهب الراد أولى) لأن الآية أولى بالعمل من الحديث لتواترها, والخبر آحاد, ولا نزاع في تقديم المتواتر, ولخصوصها بالفاسق, وعموم الحديث في الفاسق وغيره, ودلالة الخاص على ما يتناوله لا شك فيه والعام يحتمل عدم تناوله لذلك الخاص, بأن يكون مخرجًا عنه. وأيضًا: الآية غير مخصصة؛ إذ كل فاسق مردود, والحديث مخصص؛ لأن خبر الكافر والفاسق العالم بفسق نفسه وإن ظن صدقهما لا يعمل بقولهما اتفاقًا, وإذا تعارض ما دخله التخصيص وما لم يدخله, قُدم ما لم يدخله, على ما سيأتي في الترجيح. واعلم أن أولى ما تمسك به القائل اتفاق المحدثين على الرواية عنهم, ففي الصحيحين كثير من أحاديثهم. احتج القابل: بإجماع الصحابة على قبول رواية قتلة عثمان, ولا

стр. 693

نزاع في أنها بدعة واضحة. الجواب: منع الإجماع, وثانيًا: بأن فسق القتلة ليس مجمعًا عليه, بل هو مذهب / بعضهم, وبعضهم يراه اجتهاديًا, مع أن القتلة من أهل الإجماع, أو نقول: قبول روايتهم مذهب بعضهم. أما ما لا يكون بدعة واضحة, فلا يوجب رد الرواية إن كان في غير الفروع, كالخلاف في أن البسملة من القرآن, وبعض مسائل الأصول كإثبات التكوين والبقاء صفتين, فإنه وإن ادعى الخصم القطع فليس من قبيل البدع الواضحة لقوة الشبهة من الجانبين, وكذا إن كان من الفروع كم يشرب النبيذ ويلعب الشطرنج من مجتهد يرى ذلك حلالًا أو مقلد له في ذلك, فالقطع أنه ليس بفاسق. إما إن قلنا: كل مجتهد مصيب فواضح, وإن قلنا: المصيب واحد؛ فإنه يجب عليه العمل على وفق ظنه, وعلى المقلد بفتواه, فيؤدي إلى تفسيق بما يراه واجبًا عليه, وذلك فيما يكون واجبًا عند مجتهد حرامًا عند آخر. فإن قيل: لو لم يكن فاسقًا قطعًا لما حُدَّ, لكن الشافعي قال بوجوب

стр. 694

الحدّ. قلنا: الشافعي أوجب الحدّ لظهور أمر التحريم عنده, لا لأنه فاسق, ولذلك [قبل] شهادته. والعجب من المصنف حيث لم يذكر مذهب مالك, وهو يقول: يُحدّ ولا تقبل شهادته. وقد قال بعض أصحابنا: إن ذلك منه بناء على أنه فاسق قطعًا, والظاهر أنه فاسق ظنًا عنده, لكن لم يبعض الحكم كما فعل الشافعي, وإنما لم يذكره لكونه يبطل له القطع الذي ادعاه, على أنه اختار في كتابه في [الفقه] القول الآخر المتأول على مالك من أنه لا يحدّ وتقبل شهادته, وصححه جمع من متأخري المالكية, إلا أن يحمل على بعد على سلب القطع بفسقه. الثالث: رجحان ضبط الراوي على سهوه؛ إذ مع المرجوحية والمساواة لا يترجح طرف الإصابة, فلا يحصل الظن.

стр. 695

قال: (ومنها: العدالة, وهي مخالفة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة, ليس معها بدعة. وتحقق باجتناب الكبائر, وترك الإصرار على الصغائر, وبعض الصغائر وبعض المباح. وقد اضطرب في الكبائر, فروى ابن عمر: الشرك بالله, وقتل النفس, وقذف المحصنة, والزنا, والسحر, وعقوق الوالدين المسلمين, وأكل مال اليتيم, والقرار من الزحف, والإلحاد في الحرم. وزاد أبو هريرة: أكل الربا, وزاد عليّ: السرقة, وشرب الخمر. وقيل: ما توعد عليه الشارع بخصوصه. وأما بعض الصغائر, فما يدل على الخسة, كسرقة لقمة, وكالتطفيف بحبة. وبعض المباح: كاللعب بالحمام, والاجتماع مع الأراذل, والحرف الدنيئة مما لا تليق به ولا ضرورة. وأما الذكورية, والحرية, وعدم العداوة, والقرابة, فمختص بالشهادة). أقول: الشرط / الرابع: عدالة الراوي , وهي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة, ليس معها بدعة, فقيد (دينية) يخرج الكافر, وقيد (يحمل على ملازمة التقوى والمروءة) يخرج الفاسق, و (ليس معها

стр. 696

بدعة) يخرج الفاسق بالاعتقاد. ولما كانت العدالة هيئة نفسية خفية, فلابد لها من علامة تتحقق بها, وتتحقق باجتناب الكبائر, وترك الإصرار على الصغائر, وترك بعض المباح. أما الكبائر: فقد اضطرب الرواة فيها, وروى البخاري في كتاب الأدب حديث ابن عمر موقوفًا. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: «اجتنبوا السبع الموبقات» , فعد أكل الربا, وأما زيادة عليّ [السرقة] فغير معروف, وكذا شرب الخمر. لكن خرّج ضياء الدين المقدسي في جزء جمعه في ذم السُكْر حديثًا

стр. 697

مسلسلًا عن عليّ فيه: «أن مدمن الخمر كعابد وثن» , ولكن قلما تصح المسلسلات. وقيل: الكبيرة كل ما تواعد الشارع عليه بخصوصه, وهذا أعم من الأول. وأما الإصرار على الصغائر, فمرجعه العرف وبلوغه مبلغًا ينفي الثقة. وأما الصغائر: فالمراد منها ما يدل على خساسة النفس, ودناءة الهمة, كسرقة لقمة, وتطفيف بحبة. وأما بعض المباح بما يدل على دناءة الهمة, كالأكل في السوق, والاجتماع مع الأراذل, والحرف الدنيئة ممن لا تليق به, ولا ضرورة تدعوه إلى ذلك؛ لأنه حينئذ لا يمتنع من الكذب عادة. وأما الذكورية, والحرية, وعدم القرابة, والعداوة, فمختص بالشهادة؛ لأنها أولى بالاحتياط, لقوة البواعث, ولخصوصها بخلاف الخبر.

стр. 698

قال: (مسألة: مجهول الحال لا يقبل, وعن أبي حنيفة قبوله. لنا: الأدلة تمنع من الظن, فخولف في العدل, فيبقى ما عداه. وأيضًا: الفسق مانع, فوجب تحقق ظن عدمه, كالصبا والكفر. قالوا: الفسق سبب التثبت, فإذا انتفى انتفى. قلنا: لا ينتفي إلا بالخبرة, أو التزكية. قالوا: نحن نحكم بالظاهر وبنحوه ولا نقف. قالوا: ظاهر الصدق كإخباره بالزكاة, وطهارة الماء ونجاسته, ورق جاريته. أجيب: بأن ذلك مقبول مع الفسق, والرواية أعلى رتبة). أقول: مجهول الحال, قد يكون مجهول العدالة في الظاهر والباطن. فمذهب الجمهور أن روايته غير مقبولة. وعن أبي حنيفة: قبولها. وإن جهلت عدالته الباطنة وكان عدلا في الظاهر وهو المستور قبلت

стр. 699

روايته عند كثير من المحدثين, وجمع من الشافعية. وأما مجهول العين: فلا تقبل روايته, وفسر بمن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد, على أن في الصحيحين جماعة لم يرو لهم إلا راوٍ واحد. احتج / المصنف: بأن الأدلة تمنع من العمل بالظن, مثل: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ , ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾. خولف في الظن الحاصل من قول العدل للإجماع, فيبقى معمولًا به فيما عداه. لا يقال: المتبع للإجماع, وأيضًا: تأول بما المطلوب فيه العلم. لأنا نقول: لا إجماع في غير العدل, ودليل التأويل أيضًا الإجماع وقد انتفى, فلا يصار إليه. احتج أيضًا: بأن الفسق مانع بالاتفاق, فيجب تحقق ظن عدمه كالصبا

стр. 700

والكفر بأنه يجب تحقق ظن عدمهما, والجامع دفع احتمال المفسدة. قلت: وقد يفرق بأن البلوغ والإسلام شرطان إجماعًا, [و] تحقق العدالة لسيت شرطًا عنده, ويجب تحقق الشرط, ويكفي في انتفاء المانع أن الأصل عدمه, نعم لو طالبه بوجود المقتضى كان أولى. احتجوا أولًا: بأن الفسق سبب للتثبت لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق﴾ , فإذا انتفى الفسق - إذ الأصل عدمه - انتفى وجوب التثبت. أجاب: أنا لا نسلم أنه انتفى, وإنما انتفى العلم به, ولا يلزم من عدم العلم بشيء عدمه, والمطلوب العلم بانتفائه, ولا يحصل إلا بالخبرة بالشخص وتزكيته, وهو ينبني على أن الأصل الفسق أو العدالة, والظاهر أنه الفسق؛ لأن العدالة طارئة, ولأنه أكثر. قالوا ثانيًا: قوله عليه السالم: «نحن نحكم بالظاهر» يدل على العمل بكل ظاهر, والظاهر صدقه. أجاب: أنا نمنع ظهور صدقه, لاستواء نسبة الصدق والكذب إليه مما لم تعلم عدالته, ثم هو معارض بنحو ﴿ولا تقف﴾ , ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾. قالوا ثالثًا: هو ظاهر الصدق فيقبل, كما لو أخبر بذكاة شاة,

стр. 701

وطهارة ماء أو نجاسته, ورق جاريته, فإنا لا نشترط العدالة ونكتفي بظاهر صدقه. أجاب: بأنه ليس محل النزاع, إذ محل النزاع ما كان الفسق فيه مانعًا, وما ذكرتم مقبول مع الفسق. وأيضًا: الرواية أعلى رتبة لكونها تثبت شرعًا عامًا. قال: (مسألة: الأكثر على أن الجرح والتعديل يثبت بالواحد في الرواية دون الشهادة. وقيل: لا فيهما. وقيل: نعم فيهما. الأول: شرط فلا يزيد على مشروطه كغيره. قالوا: شهادة فيتعدد. أجيب: بأنه خبر. قالوا: أحوط. أجيب: بأن الآخر أحوط, والثالث ظاهر). أقول: الأكثر على أن كل واحد من الجرح والتعديل يثبت بقول الواحد في الرواية, ولابد من اثنين في الجرح وفي التعديل في الشهادة.

стр. 702

وعن القاضي أبي بكر: أنه يثبت بقول الواحد فيهما, وعنه لابد في التعديل في الشهادة من اثنين, وهما قولان معروفان / في مذهب مالك. وقال قوم: لابد من العدد في الجرح والتعديل في الرواية والشهادة. لنا: أن التعديل شرط فلا يحتاج إلهي إلى أكثر مما يحتاج في أصله, وقد اكتفى في الرواية بواحد, وفي الشهادة باثنين. واعلم أنه لا يفيده حتى يثبت, وأنه لا ينقض عن أصله ولم يثبت؛ إذ كسائر الشهادات. أجاب: بالمعارضة, فإنه خبر فيكتفى بالواحد كسائر الأخبار. قالوا ثانيًا: اعتبار العدد أحوط؛ لأنه يبعد احتمال [عدم] العمل بما

стр. 703

ليس بحديث. أجيب: بأن عدم اعتبار العدد أحوط, فإنه يبعد احمال عدم العمل. والمذهب الثالث ظاهر؛ إذ يجعل المعارضة في الثاني دليلًا, والدليل معارضة, فيقول: خبر فيكتفى بالواحد, فيعارض: بأنه شهادة. أو يقال: أحوط, فيعارض: بأن الآخر أحوط. قال: (مسألة: قال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما. وقيل: لا فيهما. وقال الشافعي: في التعديل. وقيل: بالعكس. الإمام: إن كان عالمًا, إن شهد من غير بصيرة لم يكن عدلًا, وفي محل الخلاف مدلس. وأجيب: بأنه قد ينبني على اعتقاده, أو لا يعرف الخلاف. النافي: لو اكتفى لأثبت مع الشك. أجيب: بأنه لا شك مع إخبار العدل. الشافعي: لو اكتفي في الجرح لأدى إلى التقليد للاختلاف فيه. العكس: العدالة ملتبسة لكثرة التصنع بخلاف الجرح. الإمام: غير العالم يوجب الشك). أقول: ذهب القاضي أبو بكر إلى أنه يكفي المعدل والمجرح أن يقول: هو عدل, أو هو ليس بعدل, ولا حاجة إلى ذكر سبب الجرح أو العدالة.

стр. 704

وقال قوم: يجب ذكر السبب فيهما. وقال الشافعي: لابد من ذكر سبب الجرح مفسرًا؛ لاختلاف الناس في سببه, وأما سبب التعديل فلا. وعكس آخرون. وقال إمام الحرمين: إن صدر ممن يعلم أسبابهما كفى الإطلاق, إلا لم يكف. احتج القاضي: بأن المجرح أو المعدل إن شهد من غير بصيرة بحال المزكى والمجرح, لم يكن عدلًا, وهو خلاف الفرض, وما ذكر من أنه اختلف في سبب الجرح, فربما جرح بما ليس بمجرح. فيقال: مهما أطلق في محل الخلاف كان مدلسًا, وذلك قادح في عدالته. وردّ: بأنه قد يبني الجرح على اعتقاده وإن علم الخلاف ولا يلزم

стр. 705

تقليده فيه, وربما بناه على اعتقاد وهو لا يعرف الخلاف, وهو غير مدلس في الحالين. قيل: المستند الأخير مناف للفرض؛ لأنه إذا لم يعرف الخلاف شهد من غير بصيرة وهو مردود؛ لأنه يصير بها على اعتقاده. احتج النافي: بأنه لو اكتفي بالإطلاق لأثبت ما ذكر مع الشك, للالتباس في أسباب الجرح والتعديل وكثرة الخلاف فيها, ربما جرح أو عدّل بما ليس بمجرح أو معدل. الجواب: لا نسلم أنه يثبت مع الشك؛ لأن قول العدل يوجب الظن, وأنه لو لم يعرف لم يقل. احتج الشافعي: بأنه لو اكتفي [في الجرح] لأدى إلى تقليده لاختلاف الناس في أسباب الجرح, فهو في كون الحديث مردود مقلد للجارح؛ لأنه عمل بقوله فيما رآه جارحًا, وربما لو ذكر لم يره المجتهد جرحًا, بخلاف العدالة فإن أسبابها لا تنضبط فيكون التقليد في أسبابها مما لا انفكاك عنه. وفيه نظر؛ بل لأنها ملازمة للتقوى والمروءة, فهو مما لا يختلف فيه. القائل بالعكس: العدالة تلتبس على الناس لكثرة التصنع بخلاف الجرح,
следующие страницы →