Полный текст (1 541 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وطهارة ماء أو نجاسته, ورق جاريته, فإنا لا نشترط العدالة ونكتفي بظاهر صدقه.
أجاب: بأنه ليس محل النزاع, إذ محل النزاع ما كان الفسق فيه مانعًا, وما ذكرتم مقبول مع الفسق.
وأيضًا: الرواية أعلى رتبة لكونها تثبت شرعًا عامًا.
قال: (مسألة: الأكثر على أن الجرح والتعديل يثبت بالواحد في الرواية دون الشهادة.
وقيل: لا فيهما.
وقيل: نعم فيهما.
الأول: شرط فلا يزيد على مشروطه كغيره.
قالوا: شهادة فيتعدد.
أجيب: بأنه خبر.
قالوا: أحوط.
أجيب: بأن الآخر أحوط, والثالث ظاهر).
أقول: الأكثر على أن كل واحد من الجرح والتعديل يثبت بقول الواحد في الرواية, ولابد من اثنين في الجرح وفي التعديل في الشهادة.
стр. 702
وعن القاضي أبي بكر: أنه يثبت بقول الواحد فيهما, وعنه لابد في التعديل في الشهادة من اثنين, وهما قولان معروفان / في مذهب مالك.
وقال قوم: لابد من العدد في الجرح والتعديل في الرواية والشهادة.
لنا: أن التعديل شرط فلا يحتاج إلهي إلى أكثر مما يحتاج في أصله, وقد اكتفى في الرواية بواحد, وفي الشهادة باثنين.
واعلم أنه لا يفيده حتى يثبت, وأنه لا ينقض عن أصله ولم يثبت؛ إذ كسائر الشهادات.
أجاب: بالمعارضة, فإنه خبر فيكتفى بالواحد كسائر الأخبار.
قالوا ثانيًا: اعتبار العدد أحوط؛ لأنه يبعد احتمال [عدم] العمل بما
стр. 703
ليس بحديث.
أجيب: بأن عدم اعتبار العدد أحوط, فإنه يبعد احمال عدم العمل.
والمذهب الثالث ظاهر؛ إذ يجعل المعارضة في الثاني دليلًا, والدليل معارضة, فيقول: خبر فيكتفى بالواحد, فيعارض: بأنه شهادة.
أو يقال: أحوط, فيعارض: بأن الآخر أحوط.
قال: (مسألة: قال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما.
وقيل: لا فيهما.
وقال الشافعي: في التعديل.
وقيل: بالعكس.
الإمام: إن كان عالمًا, إن شهد من غير بصيرة لم يكن عدلًا, وفي محل الخلاف مدلس.
وأجيب: بأنه قد ينبني على اعتقاده, أو لا يعرف الخلاف.
النافي: لو اكتفى لأثبت مع الشك.
أجيب: بأنه لا شك مع إخبار العدل.
الشافعي: لو اكتفي في الجرح لأدى إلى التقليد للاختلاف فيه.
العكس: العدالة ملتبسة لكثرة التصنع بخلاف الجرح.
الإمام: غير العالم يوجب الشك).
أقول: ذهب القاضي أبو بكر إلى أنه يكفي المعدل والمجرح أن يقول: هو عدل, أو هو ليس بعدل, ولا حاجة إلى ذكر سبب الجرح أو العدالة.
стр. 704
وقال قوم: يجب ذكر السبب فيهما.
وقال الشافعي: لابد من ذكر سبب الجرح مفسرًا؛ لاختلاف الناس في سببه, وأما سبب التعديل فلا.
وعكس آخرون.
وقال إمام الحرمين: إن صدر ممن يعلم أسبابهما كفى الإطلاق, إلا لم يكف.
احتج القاضي: بأن المجرح أو المعدل إن شهد من غير بصيرة بحال المزكى والمجرح, لم يكن عدلًا, وهو خلاف الفرض, وما ذكر من أنه اختلف في سبب الجرح, فربما جرح بما ليس بمجرح.
فيقال: مهما أطلق في محل الخلاف كان مدلسًا, وذلك قادح في عدالته.
وردّ: بأنه قد يبني الجرح على اعتقاده وإن علم الخلاف ولا يلزم
стр. 705
تقليده فيه, وربما بناه على اعتقاد وهو لا يعرف الخلاف, وهو غير مدلس في الحالين. قيل: المستند الأخير مناف للفرض؛ لأنه إذا لم يعرف الخلاف شهد من غير بصيرة وهو مردود؛ لأنه يصير بها على اعتقاده.
احتج النافي: بأنه لو اكتفي بالإطلاق لأثبت ما ذكر مع الشك, للالتباس في أسباب الجرح والتعديل وكثرة الخلاف فيها, ربما جرح أو عدّل بما ليس بمجرح أو معدل.
الجواب: لا نسلم أنه يثبت مع الشك؛ لأن قول العدل يوجب الظن, وأنه لو لم يعرف لم يقل.
احتج الشافعي: بأنه لو اكتفي [في الجرح] لأدى إلى تقليده لاختلاف الناس في أسباب الجرح, فهو في كون الحديث مردود مقلد للجارح؛ لأنه عمل بقوله فيما رآه جارحًا, وربما لو ذكر لم يره المجتهد جرحًا, بخلاف العدالة فإن أسبابها لا تنضبط فيكون التقليد في أسبابها مما لا انفكاك عنه.
وفيه نظر؛ بل لأنها ملازمة للتقوى والمروءة, فهو مما لا يختلف فيه.
القائل بالعكس: العدالة تلتبس على الناس لكثرة التصنع بخلاف الجرح,
стр. 706
فاحتيج إلى ذكر السبب فيها.
الإمام: لو أثبتنا أحدها لقول غير العالم بأسبابها لأثبتاه مع الشك, بخلاف العالم, والمصنف بيّن المأخذ ولم يرجح.
قال: (مسألة: الجرح مقدم.
وقيل: الترجيح.
لنا: أنه جمع بينهما فوجب, أما عند إثبات معين ونفيه باليقين فالترجيح).
أقول: إذا عدّل قوم شخصًا وجرّحه آخرون, فالمجرِح مقدم.
وقيل: المعدِل مقدم.
وقيل: يعمل بقول الأرجح من المعدِل أو المجرِح.
احتج: بأن المجرِح جمع بين قول المعدِل والمجرِح, فإن غاية قول المعدل أنه لم يعلم فسقًا ولم يظنه؛ إذ العلم بالعدم لا يتصور, والجارح يقول: علمت, فلو حكمنا بقول المعدل كان المجرح كاذبًا, ولو حكمنا بفسقه لم يلزم كذب المعدل؛ لأنه لم ينف شيئًا معينًا, وتكذيب العدل خلاف
стр. 707
الظاهر, فالجمع مهما أمكن أولى.
أما لو عين الجارح السبب ونفاه المعدل بطريق يقيني, مثل أن يقول الجارح: قتل فلانًا يوم كذا, ويقول المعدل: فلان حي رأيته بعد ذلك بمدة, فالتعارض واقع لعدم إماكن الجمع, فيصار إلى الترجيح بمزيد العدالة وبكثرة العدد.
وقيل: الضمير في قوله: (جمع بينهما) أي بين القول بتقديم الجرح والقول بالترجيح.
قال: (مسألة: حكم الحاكم المشترط العدالة بالشهادة تعديل, وعمل العالم مثله.
ورواية العدل, ثالثها المختار: تعديل إن كانت عادته أنه لا يروي إلا عن عدل, وليس من الجرح ترك العمل في شهادة ولا رواية, لجواز معارض, ولا الحد في شهادة الزنا بعدم الذهاب لعدم النصاب, ولا بمسائل الاجتهاد ونحوها مما تقدم.
ولا بتدليس على الأصح, كقول من لحق الزهري: قال الزهري, موهمًا أنه سمعه, ومثل: وراء النهر يعني غير جيحان).
أقول: حكم الحاكم العدل الذي يرى العدالة شرطًا في قبول الشهادة بمقتضى شهادة أحد تعديل.
وعمل العالم الذي يرى العدالة في قبول الرواية بروايته تعديل.
стр. 708
أما لو ع مل العالم على وفق حديث لم يكن حكمًا بصحته.
واختلفوا في رواية العدل عن الشخص, فقيل: تعديل, وقال الأكثر: ليس بعديل.
والصحيح: إن علم / من عادة الراوي أنه لا يروي إلا عن عدل, فهو تعديل, وإلا فلا.
وأما ترك العمل بشهادة أو رواية, فليس جرحًا؛ لجواز معارض بفقدان شرط آخر غير العدالة.
وكذلك الحدّ في شهادة الزنا لعدم تمام النصاب, ليس جرحًا.
وكذا الحدّ على المسائل الاجتهادية كشرب النبيذ, ليس جرحًا.
وكذا اللعب بالشطرنج مما هو مختلف فيه, لا يكون جرحًا.
стр. 709
وكذلك [بعض] مسائل الأصول مثل الخلاف في البسملة, وفي إثبات التكوين صفة, وإليه الإشارة بقوله: (ونحوها مما تقدم) أي نحو مسائل الاجتهاد لقوة الشبهة من الجانبين.
والعجب من المصنف, كيف جعل الحدّ في شهادة الزنا لعدم النصاب ليس جرحًا, ومذهبه أنه جرح.
وكذلك شرب النبيذ وإدمان الشطرنج, كل ذلك عند مالك جرح, وكذا التدليس يجرح على الأصح, كقول من لحق الزهري ولم يصحبه: «قال الزهري» , فأنه يوهم أنه سمعه.
стр. 710
وكقول من قال: «حدثنا فلان وراء النهر» , يعني غير جيحان, وهو نهر بالشام, والسامع يتوهم أنه جيحان, ومعنى أن القول يكون موهمًا لأن الشخص يقصد ذلك؛ إذ لا نزاع في أن الثاني تدليس فادح, والنزاع في الأول.
وفي الصحيحين عن جماعة من المدلسين كقتادة, والأعمش, وسفيان, وغيرهم.
стр. 711
قال: (مسألة: الأكثر على عدالة الصحابة.
وقيل: كغيرهم.
وقيل: إلى حين الفتن, فلا يقبل الداخلون؛ لأن الفاسق غير معين.
وقالت المعتزلة: عدول إلا من قاتل عليًا ﵁.
لنا: ﴿والذين معه﴾ , «أصحابي كالنجوم» , وما تحقق بالتواتر عنهم من الجدّ في الامتثال.
وأما الفتن فتحمل على اجتهادهم.
ولا إشكال بعد ذلك على قول المصوبة وغيرهم).
أقول: إن الجمهور على أن الصحابة عدول, فلا يسأل عن عدالتهم, بل هم معدلون بظاهر الكتاب والسنة.
وقيل: هم كغيرهم, فيحتاج إلى تعديل من لم يكن مشتهر العدالة.
وقيل: لم يزالوا عدولًا إلى حين الفتن بين عليّ ومعاوية, فلا يقبل
стр. 712
الداخلون من الطرفين؛ لأن الفاسق غير معين, وأما من لم يدخل فيها فباق على العدالة.
وقالت المعتزلة: هو عدول إلا من قاتل عليًا.
لنا: ﴿والذين معه أشداء على الكفار﴾ الآيتين, قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ أي عدولًا, وكذلك ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾.
ومن السنة: «أصحابي كالنجوم» , «خير القرون قرني».
وأيضًا: ما تحقق عنهم بالتواتر في الجدّ في امتثال الأوامر واجتناب
стр. 713
النواهي, وذلك كله يوضح عدالتهم.
وأما ما ذكر من الفسق فيحمل على الاجتهاد وتحسين الظن بهم؛ إذ هم أولى من يحسّن الظن بهم, وحينئذ لا إشكال, سواء قلنا: كل مجتهد مصيب, أو قلنا: المصيب واحد, فإن المخطئ لا يؤاخذ بخطئه, بل له أجر واحد, وللمصيب / أجران.
قال: (مسألة: الصحابي من رأى النبي ﷺ وآمن به, وإن لم يرو ولم تطل.
وقيل: إن طالت.
وقيل: إن اجتمع, وهي لفظية, وإن ابتنى عليها ما تقدم.
لنا: تقبل التقييد بالقليل, وكان للمشترك, كالزيادة والحديث.
ولو حلف أن لا يصاحبه حنث بلحظة.
قالوا: أصحاب الجنة, أصحاب الحديث للملازم.
قلنا: عرف في ذلك.
قالوا: يصح نفيه عن الوافد والرائي.
قلنا: نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم).
أقول: اختلفوا في اسم الصحابي على من يطلق.
وذهب جمع الأصوليين وأكثر المحدثين إلى أن الصحابي كل مسلم رأى النبي ﷺ وإن لم يرو عنه حديثًا, وإن لم تطل صحبته معه.
стр. 714
وقيل: إن طالت الصحبة فهو صحابي, ويروى عن أنس, وابن المسيب.
وقيل: إن اجتمع طول الصحبة والرواية فهو صحابي, وإلا فلا.
والحق: أن المسألة لفظية, وإن انبنت عليها مسألة علمية وهي عدالة الصحابة.
لنا: أن الصحبة فعل يقبل التقييد بالكثير والقليل, يقال: صحبه قليلًا وكثيرًا من غير تكرار ولا نقض, يوجب جعله للقدر المشترك دفعًا للمجاز والاشتراك, كالزيادة والحديث فإنهما لما احتملا القليل والكثير جعل المحدث والزائر للمتصف بالقدر المشترك.
وأيضًا: لو حلف ألا يصحب فلانًا, فصحبه لحظة حنث اتفاقًا, ولو شرط فيه الأمران أو أحدهما لما كان كذلك.
وفيهما نظر؛ لأن الأول إثبات اللغة بالترجيح.
والصحابي بياء النسب المخصوص في العرف بأصحاب النبي, يخالف
стр. 715
الصاحب لغة, وقد قال ﵇: «لا تؤذوني في أصحابي» , والمخاطب غير صاحب.
قالوا: إذا قيل: أصحاب الجنة وأصحاب الحديث, فإنما يقال للملازم لا لغيره, ولو كان لغير الملازم لما فهم من الملازم؛ لأن الأعم لا يشعر بالأخص.
أجاب: بأنه فهم الملازم من العرف الجديد؛ لأن الوضع كذلك, ولا يثبت مثل ذلك في الصحابي.
قالوا: الوافد على النبي والرائي له يقال فيه ليس بصاحب, فدلّ على أن الصاحب ملازم, وإلا لم ينف عن الوافد والرائي؛ إذ الحقيقة لا تنفى.
الجواب: أن المنفي الصحبة طويلة أو مطلق الصحبة؟ .
الثاني ممنوع, والأول مسلّم, ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.
لا يقال: لو حلف أن زيدًا ليس بصاحب عمرو, وقد صحبه لحظة لم يحنث.
لأنا نقول أولًا: الأيمان مبنية على العرف, والعرف الجديد في مثله
стр. 716
للملازم.
وأيضًا: إن عنى ليس بصاحب في الحال فمسلّم, ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم, وإن عنى ليس بصاحب في شيء من الملازمة منعناه.
قال: (مسألة: لو قال المعاصر / العدل: أن صحابي, احتمل الخلاف).
أقول إذا قال من عاصر النبي ﷺ : «أنا صحابي» , وكان معروف العدالة, فالظاهر صدقه للعدالة, ويحتمل عدم الصدق لكونه متهمًا بإلحاق نفسه بالمراتب الشريفة.
وجعل ابن الصلاح أحد الطرق ما يثبت به كون الشخص صحابيًا أن يقول العدل المعاصر: «أنا صحابي».
قال: (مسألة: العدد ليس بشرط, خلافًا للجبائي, فإنه اشترط خبرًا آخر, أو ظاهرًا, أو انتشاره في الصحابة, أو عمل بعضهم, وفي خبر الزنى أربعة.
والدليل والجواب: ما تقدم في خبر الواحد.
ولا الذكورة, ولا البصر, ولا عدم العداوة, ولا عدم القرابة, ولا الإكثار, ولا معرفة نسبه, ولا العلم بفقه أو عربية, أو معنى الحديث, لقوله ﷺ : «نضر الله امرأً» , ولا موافقة القياس, خلافًا لأبي حنيفة).
стр. 717
أقول: الجمهور على عدم اشتراط العدد في الرواية, بل يقبل الواحد العدل, خلافًا للجبائي, فإنه اشترط أحد أمور:
إما أن يخبر عدل آخر به.
وإما أن يكون الخبر موافقًا لظاهر آية, أو ظاهر خبر آخر.
وإما انتشار الخبر في الصحابة.
وإما عمل بعض الصحابة بموجبه.
وعنه وعن القاضي عبد الجبار: لابد في خبر يثبت [به] حكم في الزنا من أربعة.
ومما ينظر فيه, منع الجبائي جواز التعبد بخبر الواحد العدل واشتراطه هنا في وجوب العمل به العدد, إلا أن يحمل ثمة على خبر الواحد لغة, لكن أدلته تأباه.
قال المصنف: والدليل على عدم اعتبار العدد, والجواب عن الأسئلة الواردة وعن حجج المنكرين, ما تقدم في خبر الواحد.
فمن جانبنا: عمل الصحابة في الوقائع المتكررة, وإنفاذه عليه
стр. 718
السلام [الآحاد] لتبليغ الأحكام, ومن جانبهم: توقفهم في قبول المنفرد ونحو ﴿ولا تقف﴾.
وكذا الذكورية ليست بشرط, بل تقبل المرأة.
وكذا البصر؛ لاتفاقهم على قبول الأعمى.
وكذا عدم القرابة, وعدم العداوة, فيقبل ما رواه الوالد العدل مما فيه حق لابنه وبالعكس.
وكذا يقبل من العدل ما رواه على عدوه, بخلاف الشهادة.
وهذا مجرد تكرار؛ لأنه تقدم في آخر فصل العدالة.
وكذا الإكثار من الرواية ليس شرطًا, فتقبل رواية من لم يرو إلا حديثًا واحدًا.
ولا يشترط كونه معروف النسب؛ إذ لا مدخل لذلك في الصدق.
ولا يشترط علم الراوي بالفقه والعربية, أو معنى الحديث, لقوله ﵇: «نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه, فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه, وربّ حامل فقه ليس بفقيه» , أخرجه أبو داود, والترمذي.
стр. 719
وروي عن مالك أنه [كان] يترك رواية الراوي إذا لم يكن فقيهًا, ومثله عن أبي حنيفة.
ولا يشترط أن يكون الخبر موافقًا للقياس, خلافًا لأبي حنيفة حيث اشترط موافقته في رواية غير الفقيه, ووافق على قبوله من الفقيه وإن خالف القياس.
قال: (مسألة: إذا قال الصحابي: قال رسول الله ﷺ , حمل على أنه سمع منه.
وقال القاضي: يتردد في ذلك, فيبنى على عدالة الصحابة).
أقول: لما فرغ من شروط الراوي, شرع في بيان مراتب مستند الراوي.
فبدأ بمراتب مستند الصحابي إذا قال: سمعته, أو أخبرني, أو حدثني ﵇, فهو خبر قبوله بلا خلاف, واختلف في مسائل منها: إذا قال الصحابي: قال ﷺ , حمل على أنه سمعه منه عند المالكية وجمهور المحدثين.
стр. 720
وقال القاضي أبو بكر: يتردد في كونه سمعه منه أو سمعه ممن يرويه عنه, وحينئذ ينبني قبوله على عدالة [جميع] الصحابة.
فعلى قول الجمهور أن كلهم عدول يقبل؛ لأنه إما سمعه منه, أو من صحابي عدل, وكونه يرويه عن تابعي بعيد.
وعلى قول الآخرين, قد يرويه عن واسطة لا تعلم عدالته, وإلا ظهر ما ذهب إليه القاضي, لعدم ظهوره في أحد الأمرين.
قال: (مسألة: إذا قال: سمعته أمرَ أو نهى.
فالأكثر: حجة؛ لظهوره في تحققه لذلك.
قالوا: يحتمل أنه اعتقد, وليس كذلك عند غيره.
قلنا: بعيد).
أقول: إذا قال الصحابي: سمعته أمرَ بكذا, أو نهى عن كذا, فالأكثر على أنه حجة, وبه قال أصحابنا؛ لأن قول الصحابي العدل العارف بمدلولات الألفاظ ظهر في تحقق كون النبي ﵇ هو الآخر والناهي؛ لأنه لا يجزم بما لم يعلم.
قالوا: يحتمل أنه اعتقد ما سمعه من صيغةٍ أمرًا أو نهيًا وليس كذلك,
стр. 721
لكثرة الخلاف والوهم, كمن يعتقد الأمر بالشيء نهي ضده.
الجواب: إن ذلك وإن احتمل فبعيد؛ لأجل العلم بالأوضاع والضبط والعدالة, والاحتمال لا ينفي الظهور.
قال: (مسألة: إذا قال: أمرنا, أو نهينا, أو أوجب, أو حرم.
فالأكثر: حجة؛ لظهوره في أنه ﵇ الآمر.
قالوا: يحتمل ذلك, أو أنه أمر الكتاب, أو بعض الأئمة, أو عن استنباط.
قلنا: بعيد).
أقول: إذا قال الصحابي: أمرنا, أو نهينا, أو أوجب كذا, أو حرم أو أبيح, فما بني لما لم يسم فاعله, فعند المالكية والشافعية حجة؛ لظهوره في أنه ﵇ الآمر والناهي, والموجب والمحرم, كما لو قال
أحد خدام الملك الكبار: أمرنا بكذا, أو نهينا, تبادر إلى الذهن أن الملك هو الأمر, وخالف الكرخي من الحنفية محتجًا بكونه يحتمل أمر النبي ﵇, ويحتمل أن يريد به أمر الكتاب, أو أمر بعض الأئمة, أو يكون
стр. 722
عن استنباط فإنه إذا قاس فغلب على ظنه أنه مأمور به, يجب العمل بموجبه, فإنه يقال عما أمرنا.
الجواب: أنه احتمال بعيد لا يرفع الظهور.
قال: (مسألة: إذا قال: من السنة كذا.
فالأكثر: حجة؛ لظهوره في تحققها عنه, خلافًا للكرخي).
أقول: إذا قال الصحابي: من السنة كذا, فالأكثر على أنه حجة؛ لأنه ظاهر في تحقق السنة عن النبي ﵇, خلافًا للكرخي, محتجًا بأن السنة تطلق على فعل الخلفاء الراشدين.
الجواب: أن سنة الرسول هو المتبادر عند الإطلاق, وإنما يطلق على سنة / غيره مقيد بسنة فلان.
قال: (مسألة: إذا قال: كنا نفعل, أو كانوا.
فالأكثر: حجة؛ لظهوره في عمل الجماعةز
قالوا: لو كان كذلك لما ساغت المخالفة.
قلنا: لأن الطريق ظني, كخبر الواحد النص).
أقول: هذه المرتبة أضعف المراتب, وهي كلها في القوة على حسبما رتبها المصنف, يظهر ذلك بالاحتمالات التي أبدى في كل واحدة؛ إذ بعضها أبعد من بعض.
стр. 723
فإذا قال الصحابي: كنا نفعل, أو كانوا, فالأكثر على أنه حجة؛ لأنه ظاهر في أن الضمير للجميع, وأنه أراد عملًا لجماعة؛ لأن قصده الاحتجاج ولا يثبت بقول البعض, فيكون إجماعًا.
وقيل: لا يكون حجة؛ لأنه لو كان كذلك لما ساغت مخالفته اجتهادًا؛ إذ لا تجوز مخالفة الإجماع.
الجواب: منع الملازمة؛ لأن ذلك فيما طريقه قطعي, وهنا ساغت لأن الطريق ظني, كما تسوغ في خبر الواحد القطعي الدلالة, فإن مخالفته سائغة بالاجتهاد لظن الطريق, ولا يمنعه قطعية المروي.
والإمام فخر الدين جعل هذه من قبيل السنة المقررة, وأنه ظاهر في أنهم كانوا يفعلون ذلك مع علمه.
وقال ابن الصلاح: «إن لم يضفه إلى زمانه ﵇, فهو من قبيل الموقوف, وإلا فهو من قبيل المرفوع».
стр. 724
ورجحه بعض الشارحين, بأن الكلام في كيفية الرواية عن الرسول, لا في الإخبار عن الإجماع.
وفيه نظر؛ لأنه في بيان مسند الصحابي.
قال: (و مستند غير الصحابي قراءة الشيخ, أو قراءته عليه, أو قراءة غيره عليه, أو إجازته, أو مناولته, أو كتابته بما يرويه.
فالأول أعلاها على الصحيح, إلا أنه إذا لم يقصد إسماعه قال: قال, وحدّث, وأخبر, وسمعته, وقرأته عليه, من غير نكير, ولا ما يوجب سكوتًا من إكراه, أو غفلة, أو غيرهما, معمول به, خلافًا لبعض الظاهرية؛ لأن العرف تقريره.
ولأن فيه إبهام الصحة, فيقول: حدثنا, أو أخبرنا مقيدًا أو مطلقًا على الأصح, ونقله الحاكم عن الأئمة الأربعة.
وقراءة غيره عليه كقراءته).
أقول: أما مستند غير الصحابي, وهو المصحح لجواز روايته عن شيخه ولقبولها منه بأحد أمور ستة:
الأول: قراءة الشيخ.
الثاني: قراءته على الشيخ.
стр. 725
الثالث: قراءة غيره على الشيخ وهو يسمع.
الرابع: إجازة الشيخ له أن يروي عنه.
الخامس: أن يناوله كتابًا يروي عنه ما فيه.
السادس: أن يكتب إليه بما يرويه عنه.
ثم هذه الأمور على مراتب:
فقراءة الشيخ أعلى المراتب على الأصح, وهو مختار المتأخرين من المحدثين والأصوليين.
وقيل: هو مذهب عامة أهل المشرق.
وذكر ابن رشد أن مذهب مالك أن قراءته على الشيخ أعلى من قراءة الشيخ, وذكره ابن الصلاح عن أبي حنيفة, وابن أبي ذئب, وعن
стр. 726
مالك أيضًا أنهما سواء.
قال ابن الصلاح: «وهو مذهب أصحابه وأشياخه والبخاري أيضًا».
ثم لهذه المرتبة ألفاظ, فللراوي أن يقول إذا قصد الشيخ إسماعه منفردًا أو مع غيره: حدثنا, وأخبرنا, وأنبأنا, وقال لنا, وسمعته.
قال القاضي عياض: «ولا خلاف في ذلك».
قال الخطيب / البغدادي: «وأرفعها سمعت, ثم حدثني وحدثنا, ثم أخبرنا, ثم أنبأنا».
وهذا قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بما قرئ عل الشيخ.
وقال ابن الصلاح: «أخبرنا أرفع من سمعت, من حيث أن سمعت لا يدل على أن الشيخ رواه وخاطبه به».
فإن لم يقصد الشيخ إسماعه فلا يضفه إلى نفسه, بل يقول: حدث, أو
стр. 727
أخبر, وسمعته, هذا هو المعروف عند لمحدثين والأصوليين.
وذكر ابن العربي في سراج المريدين: أن مالكًا ومحمد بن إسحاق تهاجرا, فقال ابن إسحاق: مالك مولى وينتسب إلى أصبح, لا يكلم حتى يرجع.
وقال مالك: ابن إسحاق يقول: حدثتني فاطمة بنت المنذر وما رآها ولم يتسور على الحرم, وهذا زوجها هشام بن عروة يقسم ما كان ذلك.
стр. 728
قال ابن العربي: وكلاهما سالم, أما مالك فأصبحي نسبًا, وتيمي حلفًا, فأيهما انتسب إليه جاز.
وأما ابن إسحاق, فليس بممتنع أن تحدّث [أحدًا] وهو يسمع, فيقول: حدثتني فاطمة بما سمعها تحدث لغيره, وذلك جائز في الحديث إجماعًا؛ بأن يحدث رجل آخر, أو يقول لجماعة: أحدثكم, ويسمعه غيرهم ممن لم يعلم به المحدث, فيجوز للآخر أن يقول: حدثني فلان, وأخبرني, وسمعته.
المرتبة الثانية: قراءته على الشيخ, ويسمى عرضًا.
والجمهور على صحة هذه الرواية, خلافًا للشذوذ.
وهذا إذا كان الشيخ يحفظ ما قرئ عليه, أو كان الكتاب بيده.
فإذا قرأ ولم ينكر الشيخ, ولا وجد أمرًا يوجب السكوت عنه من إكراه أو غفلة أو غيرها من المقدرات المانعة من الإنكار, فهم منه عرفًا تقريره.
стр. 729
وأيضًا: في سكوته إيهام الصحة, وذلك بعيد من العدل عند عدم الصحة, فيكفي هذا من الشيخ إذا قرأ القارئ قائلًا: أخبرك فلان, أو قلت أخبرنا فلان, والشيخ ساكت مصغ فاهم غير منكر.
واشترط بعض الظاهرية, وبعض الشافعية إقرار الشيخ نطقًا, بأن يقول: نعم, أو هو كما قرأت.
[وأما ألفاظها, فأجودها: قرأت على فلان فأقر به, وقوله: حدثنا فلان قراءة عليه] , أو أخبرنا فلان قراءة عليه.
وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا فأجازه مالك والبخاري, وهو مذهب معظم الحجازيين والكوفيين, ومنعه أحمد والنسائي, وأجاز الشافعي أخبرنا ومنع حدثنا, ونقل المصنف عن الحاكم جوازه عن الأئمة الأربعة في
стр. 730
اللفظين معًا, ولم أقف عليه.
والذي اختاره الحاكم هو مختار ابن وهب, أن يقول فيما قرأ الشيخ على الراوي وحده: حدثني, وحدثنا إن كان معه غيره, وما قرأ على الشيخ: أخبرني, وما قرأ عليه وهو حاضر: أخبرنا.
ومنع سيف الدين الإطلاق, قال: لأن ذلك مشعر بنطق الشيخ وذلك مع سكوته كذب, وظاهره أنه لو قال: نعم, أو هو كذلك, جاز الإطلاق وفاقًا, وليس كذلك, بل هو أيضًا مختلفًا فيه.
والحق أنه أمر اصطلاحي / قال ابن الصلاح: «وتكلف الاحتجاج له من اللغة عناد».
وأما قراءة غيره على الشيخ وهو يسمع؛ بأن يكون حفظ الحديث, أو يكون الكتاب بيده, فهي عند المصنف والأكثرين مساوية لقراءة غيره في المتفق والمختلف, والمختار والمزيف, وشرط عدم النكير, وترتيب
стр. 731
الألفاظ.
وأما المناولة: فإن كانت مقرونة مع الإجازة, فهي أعلى مراتب الإجازة, ولها صور:
أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعًا مقابلًا به, ويقول: هذا سماعي, أو روايتي عن فلان, فاروه عني.
أو أجزت لك روايته, ثم يملكه إياه.
أو يقول: انسخه وقابل ثم ردّه.
وهذه المناولة قائمة مقام السماع عند مالك وأصحابه المصريين وجماعة وجعلها الشافعي وأبو حنيفة وأحمد منحطة عنه.
أما لو ناوله إياه وأجاز له روايته عنه لكنه لم يكنه من النسخة, فهذا منحط عما سبق, وجائز له أن يروي إذا ظفر بالكتاب أو بما هو مقابل به.
وقيل لا رجحان لهذه على الإجازة المجردة الواقعة في معين.
стр. 732
وذهب جماعة من الحجازيين إلى رجحانها عليها.
أما لو أتى الطالب بالكتاب من عنده وقال للشيخ: هذا روايتك فناولنيه وأجز لي روايته, فأجابه من غير أن يتحقق جميعه, فلا تصح.
أما المناولة مجردة عن الإجازة مقتصرًا عليها, مع قول الشيخ: هذا من حديثي أو سماعي, فالأكثر على عدم صحتها, وأجازها جمع كثير من المحدثين.
وأما ألفاظها فيقول: حدثنا وأخبرنا مناولة.
وجائز عند مالك في القسم الأول إطلاق حدثنا وأخبرنا, واختار المتأخرون غيره.
قال: (وأما الإجازة للموجود المعين, فالأكثر على تجويزها.
والأكثر على منع حدثني وأخبرني مطلقًا.
وبعضهم: مقيدًا, وأنبأني اتفاقًا للعرف.
ومنعها أبو حنيفة, وأبو يوسف.
ولجميع الأمة الموجودين, الأكثر على تجويزها لأنه مثلها.
стр. 733
وفي نسل فلان, أو من يوجد من بني فلان, خلاف واضح.
لنا: أن الظاهر أن العدل لا يروي إلا بعد علم أو ظن, وقد أذن له.
وأيضًا: كان ﵇ يرسل كتبه مع الآحاد وإن لم يعلموا ما فيها.
قالوا: كذب؛ لأنه لم يحدثه.
قلنا: حدثه ضمنًا, كما لو قرأ عليه.
قالوا: ظن فلا يجوز الحكم به كالشهادة.
قلنا: الشهادة آكد).
أقول: أما الإجازة بأن أجاز لشخص معين شيئًا معينًا, مثل أن يقول: أجزت لك الكتاب الفلاني.
فقيل: لا خلاف في مثل هذا.
وحكى الباجي الإجماع على جواز الرواية بالإجازة.
وحكى الخلاف في العمل بها, ولا يصح الإجماع لمخالفة الشافعي وأبي حنيفة وكثير من العلماء, وحكى المصنف المنع عن أبي يوسف,
стр. 734
والمروي عنه الجواز.
والحق الأول؛ لأنه أخبره تفصيلًا, ثم كما جازت الرواية يجب العمل بالمروي, خلافًا للظاهرية في أنه كالمرسل.
أما لو أجاز لمعين غير معين / كما لو قال: جميع مسموعاتي, فالخلاف في هذا النوع أقوى, والجمهور على الجواز ووجوب العمل به.
وأما ألفاظها, فيقول: حدثنا إجازة, أو أخبرنا إجازة.
وحكى المصنف المنع [عن بعضهم, ولم أره, ثم لا معنى له؛ لأنه إذا أجاز الرواية بالإجازة, فلا طريق له غير ذلك, أما لو قال: حدثنا وأخبرنا من غير تقييد, فالأكثر على المنع] , وأجازه الحافظ أبو نعيم, وجماعة.
стр. 735
وحكى المصنف اتفاق المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة من غير تقييد, ولم أر هذا الاتفاق.
قال ابن الصلاح: «اصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة».
أما الإجازة لجميع الأمة الموجودين, فقال جماعة من متأخري المالكية وغيرهم بجوازها, وجوزه الخطيب البغدادي, وأبو الطيب الطبري, وحكاه الحازمي عن جمع من أدركه من الحفاظ.
قال ابن الصلاح: «ولم نسمع عن أحد ممن يقتدى به أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها, ولا عن الشرذمة المتأخرة الذين سوغوها؛ لأن الإجازة فيها ضعف, وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضعفًا كثيرًا».
أما الإجازة للمعدوم, فإن كانت اتباعًا للموجود, كما لو قال: أجزت لك ولمن يولد لك, فقد اختلف المتأخرون فيه.
стр. 736
وكذا إن انفرد, كما لو قال: أجزت لمن يولد لفلان.
أجازها ابن عمروس من أصحابنا والخطيب البغدادي وجماعة, ومنعها آخرون؛ لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز, ولا يصح إخبار المعدوم ورآها الآخرون إذنًا فيصح المعدوم.
احتج المصنف على قبول الإجازة: أن الظاهر من العدل أنه لا يروي للمجاز إلا ما علم أو ظن صحته, وقد أذن له, فجازت الرواية عنه كما لو قرأ عليه.
وأيضًا: فإنه ﵇ كان يرسل كتبه مع الآحاد ولم يعلموا ما فيها؛ ليعمل من يراها بموجبها, [فلو] لم تجز الرواية بالإجازة, لما جاز قبول كتبه؛ بل الظن الحاصل من الإجازة أقوى من الظن الحاصل من الكتاب.
احتج المانع: بأنه كذب؛ لأنه يقول: حدثني وما حدثه.
الجواب: أنه حدثه ضمنًا, كما لو قرأ على الشيخ وأنه لم يحدثه مع جواز الرواية, وما ذاك إلا لتضمنه تحديث الشيخ.
стр. 737
قالوا ثانيًا: ظن مستند إلى ما لا يجوز استناد الشهادة إليه, فلا يجوز استناد الرواية إليه قياسًا على الشهادة, ولو قال: انقل عني جميع شهادتي, لم تصح.
الجواب: أمر الشهادة آكد ولذلك احتيط فيها وزيد في شروطها, ووجب العمل بكتاب الرسول وإن لم يعلم مضمونه, ولو شهد بمثله لم يجز عند الكثرين, وأصل هذا الدليل في الإحكام لمسألة أخرى, وهي: إذا غلب على ظن الراوي رواية الحديث عن بعض الشيوخ وسماعه.
أجاز الشافعي وجماعة أن يرويه عنه, ومنه أبو حنيفة محتجًا: بأنه حكم على المروي عنه أنه حدثه, ولا يجوز مع عدم العلم كالشهادة.
واحتج الشافعي: بأن آحاد الصحابة كانوا يحملون كتب الرسول في الصدقات وغيرها, وكان / يجب على كل أحد الأخذ بها بإخبار حاملها أنه كتاب الرسول, وإن لم يكن ما فيها مسموعًا للحامل, بل غلب على ظن الحامل أنه قول الرسول.
وأما الكتابة للراوي, فإن انضم إلى ذلك بأن يقول: أجزت لك ما كتبت, فهي مثل المناولة المقرونة بالإجازة.
وأما المجردة, فقد أجاز الرواية بها الكثير من المتقدمين منهم: الليث
стр. 738
وكثير من المتأخرين, وجعلها قوم أقوى من الإجازة.
ويكفي معرفة المكتوب إليه خط الكاتب وإن لم تشهد به بينة, ومنهم من لا يعتمد مع الغيبة على الخط, وأجاز الليث أن يقول فيها: حدثنا, وأخبرنا, والمختار أن يقول: كتب إليّ فلان, قال: حدثنا فلان.
قال: (مسألة: الأكثر على جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف.
وقيل: بلفظ مرادف, وعن ابن سيرين منعه.
وعن مالك أنه كان يشدد في الباء والتاء, وحمل على المبالغة في الأولى.
لنا: أنهم نقلوا عنه أحاديث كثيرة في وقائع متحدة بألفاظ مختلفة شائعة ذائعة, ولم ينكره أحد.
وأيضًا: ما روي عن ابن مسعود وغيره أنه قال ﷺ كذا أو نحوه.
وأيضًا: أجمع على تفسيره بالعجمية, فالعربية أولى.
وأيضًا: المقصود المعنى قطعًا وهو حاصل.
قالوا: قال: «نضر الله امرأً».
قلنا: دعا له لأنه الأولى, ولم يمنعه.
стр. 739
قالوا: يؤدي إلى الإخلال لاختلاف العلماء في المعنى وتفاوتهم, فإذا قدر ذلك مرة أو مرتين, اختل ذلك بالكلية.
قلنا: الكلام فيمن نقل بالمعنى سواء).
أقول: اختلفوا في جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف بمواقع الألفاظ, وأما غيره فلا يجوز له اتفاقًا, ثم الأكثر على الجواز, ومنع بعض المحدثين, وبعض الأصوليين, وبعض الفقهاء من الشافعية والحنفية.
ثم هذا الخلاف لا يجري فيما تضمنته الأمهات, فليس لأحد أن يغير شيئًا من كتاب مصنف ويثبت بدله لفظًا آخر بمعناه, ثم هؤلاء لم يختلفوا أن الأولى نقله بلفظه, واستحب بعضهم أن يتبعه بأن يقول: أو كما قال, وممن كان يقول ذلك ابن مسعود, وأبو الدرداء, وأنس.
стр. 740
قال الخطيب: «والصحابة أرباب اللسان وأعلم الخلق بمعاني الكلام, ولم يكونوا يقولون ذلك إلا تخوفًا من الزلل, لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر».
وقيل: إنما يجوز بلفظ مرادف فقط, وهذا يغاير القول بالجواز مطلقًا لأن الترادف من خواص المفرد, وليس إلا جعل لفظة مكان أخرى.
وروي عن مالك أنه كان يشدد في نحو الباء والتاء من بالله وتالله, فلا يجعل أحدهما مكان الآخر, وحمل تشديده على أن المبالغة في أن الأولى نقله بلفظه, لا أنه يجب؛ لأنه ممن نقل عنه الجواز.
احتج: بأنا نقطع أنهم نقلوا عنه ﵇ أحاديث في وقائع متحدة بألفاظ / مختلفة, والذي صدر منه ﵇ لفظ واحد والباقي بالمعنى, وتكرر وشاع ولم ينكر أحد, فكان إجماعًا على جوازه.
واحتمال أن يكون كرر الحديث في ذلك الموطن بألفاظ مختلفة, فروى كل واحد ما سمع بعيد.
لا يقال: كل منهم يعتقد أن الصادر من النبي ﵇ هو اللفظ الذي رواه فلم ينقل بالمعنى, لأنا نقول: موضوع الحجة قبول الآخرين من
следующие страницы →