← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وكذا إن انفرد, كما لو قال: أجزت لمن يولد لفلان. أجازها ابن عمروس من أصحابنا والخطيب البغدادي وجماعة, ومنعها آخرون؛ لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز, ولا يصح إخبار المعدوم ورآها الآخرون إذنًا فيصح المعدوم. احتج المصنف على قبول الإجازة: أن الظاهر من العدل أنه لا يروي للمجاز إلا ما علم أو ظن صحته, وقد أذن له, فجازت الرواية عنه كما لو قرأ عليه. وأيضًا: فإنه ﵇ كان يرسل كتبه مع الآحاد ولم يعلموا ما فيها؛ ليعمل من يراها بموجبها, [فلو] لم تجز الرواية بالإجازة, لما جاز قبول كتبه؛ بل الظن الحاصل من الإجازة أقوى من الظن الحاصل من الكتاب. احتج المانع: بأنه كذب؛ لأنه يقول: حدثني وما حدثه. الجواب: أنه حدثه ضمنًا, كما لو قرأ على الشيخ وأنه لم يحدثه مع جواز الرواية, وما ذاك إلا لتضمنه تحديث الشيخ.

стр. 737

قالوا ثانيًا: ظن مستند إلى ما لا يجوز استناد الشهادة إليه, فلا يجوز استناد الرواية إليه قياسًا على الشهادة, ولو قال: انقل عني جميع شهادتي, لم تصح. الجواب: أمر الشهادة آكد ولذلك احتيط فيها وزيد في شروطها, ووجب العمل بكتاب الرسول وإن لم يعلم مضمونه, ولو شهد بمثله لم يجز عند الكثرين, وأصل هذا الدليل في الإحكام لمسألة أخرى, وهي: إذا غلب على ظن الراوي رواية الحديث عن بعض الشيوخ وسماعه. أجاز الشافعي وجماعة أن يرويه عنه, ومنه أبو حنيفة محتجًا: بأنه حكم على المروي عنه أنه حدثه, ولا يجوز مع عدم العلم كالشهادة. واحتج الشافعي: بأن آحاد الصحابة كانوا يحملون كتب الرسول في الصدقات وغيرها, وكان / يجب على كل أحد الأخذ بها بإخبار حاملها أنه كتاب الرسول, وإن لم يكن ما فيها مسموعًا للحامل, بل غلب على ظن الحامل أنه قول الرسول. وأما الكتابة للراوي, فإن انضم إلى ذلك بأن يقول: أجزت لك ما كتبت, فهي مثل المناولة المقرونة بالإجازة. وأما المجردة, فقد أجاز الرواية بها الكثير من المتقدمين منهم: الليث

стр. 738

وكثير من المتأخرين, وجعلها قوم أقوى من الإجازة. ويكفي معرفة المكتوب إليه خط الكاتب وإن لم تشهد به بينة, ومنهم من لا يعتمد مع الغيبة على الخط, وأجاز الليث أن يقول فيها: حدثنا, وأخبرنا, والمختار أن يقول: كتب إليّ فلان, قال: حدثنا فلان. قال: (مسألة: الأكثر على جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف. وقيل: بلفظ مرادف, وعن ابن سيرين منعه. وعن مالك أنه كان يشدد في الباء والتاء, وحمل على المبالغة في الأولى. لنا: أنهم نقلوا عنه أحاديث كثيرة في وقائع متحدة بألفاظ مختلفة شائعة ذائعة, ولم ينكره أحد. وأيضًا: ما روي عن ابن مسعود وغيره أنه قال ﷺ كذا أو نحوه. وأيضًا: أجمع على تفسيره بالعجمية, فالعربية أولى. وأيضًا: المقصود المعنى قطعًا وهو حاصل. قالوا: قال: «نضر الله امرأً». قلنا: دعا له لأنه الأولى, ولم يمنعه.

стр. 739

قالوا: يؤدي إلى الإخلال لاختلاف العلماء في المعنى وتفاوتهم, فإذا قدر ذلك مرة أو مرتين, اختل ذلك بالكلية. قلنا: الكلام فيمن نقل بالمعنى سواء). أقول: اختلفوا في جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف بمواقع الألفاظ, وأما غيره فلا يجوز له اتفاقًا, ثم الأكثر على الجواز, ومنع بعض المحدثين, وبعض الأصوليين, وبعض الفقهاء من الشافعية والحنفية. ثم هذا الخلاف لا يجري فيما تضمنته الأمهات, فليس لأحد أن يغير شيئًا من كتاب مصنف ويثبت بدله لفظًا آخر بمعناه, ثم هؤلاء لم يختلفوا أن الأولى نقله بلفظه, واستحب بعضهم أن يتبعه بأن يقول: أو كما قال, وممن كان يقول ذلك ابن مسعود, وأبو الدرداء, وأنس.

стр. 740

قال الخطيب: «والصحابة أرباب اللسان وأعلم الخلق بمعاني الكلام, ولم يكونوا يقولون ذلك إلا تخوفًا من الزلل, لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر». وقيل: إنما يجوز بلفظ مرادف فقط, وهذا يغاير القول بالجواز مطلقًا لأن الترادف من خواص المفرد, وليس إلا جعل لفظة مكان أخرى. وروي عن مالك أنه كان يشدد في نحو الباء والتاء من بالله وتالله, فلا يجعل أحدهما مكان الآخر, وحمل تشديده على أن المبالغة في أن الأولى نقله بلفظه, لا أنه يجب؛ لأنه ممن نقل عنه الجواز. احتج: بأنا نقطع أنهم نقلوا عنه ﵇ أحاديث في وقائع متحدة بألفاظ / مختلفة, والذي صدر منه ﵇ لفظ واحد والباقي بالمعنى, وتكرر وشاع ولم ينكر أحد, فكان إجماعًا على جوازه. واحتمال أن يكون كرر الحديث في ذلك الموطن بألفاظ مختلفة, فروى كل واحد ما سمع بعيد. لا يقال: كل منهم يعتقد أن الصادر من النبي ﵇ هو اللفظ الذي رواه فلم ينقل بالمعنى, لأنا نقول: موضوع الحجة قبول الآخرين من

стр. 741

غير نكير, مع علمهم أن بعضها بالمعنى. وأيضًا: روي عن ابن مسعود أنه قال: قال ﷺ كذا أو نحوه, وذلك صريح بعدم الجزم باللفظ, وأن المروي هو المعنى, ولم ينكر. وقد يقال: لا يلزم من جوازه عند شك الراوي وتبينه ذلك أن يجوز مطلقًا. وأيضًا: أجمع على تفسيره بالعجمية, ولا يجوز تبديل شيء منه بمعناه ولا بمرادفه, وفرق بين ما نقل على أنه كلام النبي ﵇, وما نقل على أنه تفسير له. وأيضًا: المقصود في التخاطب إنما هو المعنى ولا عبرة باللفظ, ولذلك أخبر الله تعالى عن الأمم السابقة بمقالات وأنهم قالوها وليست بهذا اللسان قطعًا, وللمخالف أن يمنع للتبرك بلفظه ﵇ وغير ذلك. قالوا: قال ﵇: «نضر الله امرأً» الحديث, ولا يكون مؤديًا له كما سمعه إلا إذا نقله بلفظه. والجواب: المنع, ولو سلّم فلا يفيدكم؛ لأنه دعا لمن نقله بلفظه لأنه فعل الأولى, ولم يمنع منه. قالوا ثانيًا: تجويز ذلك يؤدي إلى الاختلاف, فإنا نقطع باختلاف العلماء في معاني الألفاظ وتفاوتهم, فإذا قدّر اللفظ بالمعنى مرتين وثلاثًا ووقع

стр. 742

في كل مرة أدنى تغيير, حصل بالتكرار تغيير كثير واختل المقصود. الجواب: أن الكلام فيمن نقل المعنى سواء, من غير تغيير أصلا. قال: (مسألة: إذا كذب الأصل الفرع سقط, لكذب واحد غير معين, ولا يقدح في عدالتهما, فإن قال: لا أدري, فالأكثر يعمل به خلافًا لبعض الحنفية, ولأحمد قولان. لنا: عدل غير مكذب, كالموت والجنون, واستدل: بأن سهيل بن أبي صالح روى عن أبيه, عن أبي هريرة, أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد, ثم قال لربيعة: لا أدري, فكان يقول: حدثني ربيعة عني. قلنا: صحيح, فأين وجوب العمل. قالوا: لو جاز لجاز في الشهادة. قلنا: الشهادة أضيق. قالوا: لو عمل به لعمل الحاكم بحكمه إذا شهد شاهدان ونسي. قلنا: يجب ذلك عند مالك وأحمد وأبي يوسف وإنما يلزم الشافعي). أقول: إذا روى عدل عن عدل ثم كذّب الأصل الفرع / في روايته عنه, فالاتفاق على أنه لا يعمل به؛ لأن أحدهما كاذب قطعًا فلا نعرفه, ولا يقدح في عدالتهما؛ لأن عدالة كل واحد منهما مظنونة, وشك في أنه هو الكاذب أو الآخر, والشك لا يرفع الظن, وتظهر ثمرة ذلك فيما لو انفرد

стр. 743

كل واحد منهما برواية خبر فإنه يقبل, نعم لو شهدا معًا بشيء واحد كان محل نظر. أما لو قال الأصل: لا أدري أرويته أم لا؟ . فالأكثر على أنع يعمل به, وروي عن مالك والشافعي وأحمد في أحد قوليه, وخالف بعض الحنفية. لنا: أنه عدل لم يكذبه الأصل فوجب العمل بروايته كما لو مات الأصل أو جن, بجامع عدم التكذيب, وما يجوز في الميت من أنه لو كان حيًا لصدقه معارض, لجواز أن يكذبه فيتساقطا ويبقى عدم التصديق وعدم التكذيب المساوي للمصرح به, واستدل: بأن سهيل بن أبي صالح روى عن أبيه عن أبي هريرة, أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد, ثم قال لربيعة: لا أدري, فكان [ربيعة] إذا روى يقول: حدثني ربيعة عني ولا ينكره

стр. 744

أحد, أخرجه أبو داود. الجواب: أنه لا يدل على وجوب العمل به, نعم يدل على جواز رواية ما هذا شأنه. فإن قيل: قد عمل به مالك والشافعي وأحمد. قلنا: لرواية جعفر بن محمد, عن أبيه, عن جابر.

стр. 745

قال الترمذي: «وهو أصح» , أو لغير ذلك من الطرق. قالوا: لو جاز لجاز في الشهادة, لكن شهادة الفرع لا تقبل مع نسيان الأصل. الجواب: منع الملازمة؛ لأن باب الشهادة أضيق. قالوا: لو عمل بروايته مع نسيان الأصل, لعمل الحاكم بحكمه إذا شهد شاهدان بحكم في قضية والحاكم قد نسي حكمه. الجواب: منع بطلان التالي؛ ذا يجب عليه أن ينفذ ذلك الحكم عند مالك, وأحمد, وأبي يوسف.

стр. 746

وإنما يلزم الشافعية, ولهم أن يعرفوا بما مرّ؛ لأن الشهادة يوهنها ما لا يوهن الرواية, فشهادتهم أوهنا نسيان القاضي. قال: (مسألة: إذا انفرد العدل بزيادة والمجلس واحد, فإن كان غيره لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة لم تقبل, وإلا فالجمهور تقبل, وعن أحمد روايتان. لنا: عدل جازم فوجب قبوله. قالوا: ظاهر الوهم فوجب ردّه. قلنا: سهو الإنسان بأنه سمع ولم يسمع بعيد, بخلاف سهوه عما سمع فإنه كثير. فإن تعدد المجلس قبل باتفاق. فإن جهل فأولى بالقبول. ولو رواها مرة وتركها مرة فكروايتين. وإذا أسند وأرسلوه, أو رفعه ووقفوه, أو وصله وقطعوه فكالزيادة). أقول: إذا انفرد العدل بزيادة لا تخالف المزيد عليه, كما لو روى

стр. 747

الجماعة أنه دخل البيت, وانفرد واحد بأنه دخل وصلّى بأن اتحد المجلس, فإن كان من لم يرو الزيادة انتهوا إلى عدد لا يتصور ذهولهم عادة عن تلك الزيادة لم تقبل؛ لأنه أولى بالذهول والغلط منهم, وإن لم يبلغوا هذا العدد, فقال جمع من الفقهاء والمتكلمين: يجب قبولها, خلافًا لأحد قولي أحمد وبعض المحدّثين؛ لأن الراوي عدل ثقة وقد جزم بالرواية فيجب القبول, وعدم رواية الغير لا يقدح, لجواز أن يكون دخل في أثناء المجلس, أو خرج في أثنائه, أو طرأ له ما أشغله من عطاس أو نعاس أو ألم أو غفلة, أو نسي بعدما سمع. قال الآخرون: هو أولى بإضافة الوهم إليه لوحدته وتعددهم, فقد يكون توهم أنه سمع ولم يسمع. الجواب: أن سهو الإنسان فيما لم يسمع حتى يجزم بأنه سمع بعيد, بخلاف سهوه عما سمع؛ فإن ذهول الإنسان عما يجري بحضوره كثير الوقوع. أما لو تعدد المجلس, بأن يكون المنفرد روايته عن مجلس آخر غير مجلس

стр. 748

الباقين, فلا خلاف في قبول روايته, فإن جهل كون المجلس واحد أو متعدد فأولى بالقبول مما إذا اتحد لاحتمال التعدد, هكذا في الإحكام, وقريب منه في المحصول, والمصنف لم يقيد كون الزيادة لا تخالف المزيد عليه, هذا تفصيل الأصوليين. وأما تفصيل المحدثين فمن وجه آخر. قال الخطيب: «الجمهور من الفقهاء والمحدثين أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا انفرد بها, كان ذلك منه بأن رواة مرة ناقصًا ومرة بالزيادة, أو من غيره, وردها قوم من المحدثين مطلقًا, وقبلها قوم من غيره وردوها منه». واختار ابن الصلاح, أن الزيادة إن كانت منافية لما رواه سائرهم طرحت, وإن لم تناف ولم تخالف فهي كالحديث [الذي] تفرد برواية جملته ثقة, وادعى الخطيب الاتفاق على قبولها, وما كان بين هاتين المرتبتين مثل زيادة نقطة لم يذكرها سائر الرواة, مثل ما انفرد به مالك, عن نافع, عن ابن عمر, أن النبي ﵇: «فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حرّ أو عبد, ذكر أو أنثى من المسلمين».

стр. 749

قال الترمذي: «انفرد مالك بزيادة من المسلمين». وروى عبيد الله بن عمر, وأيوب وغيرهما, عن نافع, عن ابن عمر بدونها. وأخذ بالزيادة الشافعي وأحمد وغير واحد واحتجوا بها.

стр. 750

ومنه حديث: «جعلت لنا الأرض مسجدًا, وجعلت لنا تربتها طهورا» , انفرد أبو مالك الأشجعي بزيادة تربتها, ورواه الباقون / «وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا». فهذا يشبه الأول من حيث [إن ما رواه الجماعة عموم, وما رواه المنفرد خصوص, ويختلف الحكم بسببهما, ويشبه الثاني من حيث إنه لا ينافي المزيد عليه]. قال: «وأما زيادة الوصل مع الإرسال , فإن بين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه, ويزداد بأن الإرسال نوع قدح في الحديث فيقدم, كما يقدم الجرح على التعديل. ويجاب: بأن الجرح يقدم لما فيه من زيادة العلم, والزيادة هنا مع من

стр. 751

وصل». ومما ينبغي أن يعرف الفرق بين الشاذ وزيادة الثقة ؛ لأن الشذوذ قدح, قال الشافعي: «ليس الشذوذ أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره, بل أن يخالف ما رواه ما روى الناس». خلافًا لمن فسره بما انفرد به الثقة ولا يعرف عند غيره؛ إذ في الصحيحين من هذا القبيل أحاديث, وقيل منها: «إنما الأعمال بالنيات» , وحديث: [«نهى عن] بيع الولاء». و[اختار] منه وأضبط, كان من انفرد به شاذًا مردودًا, وإن لم يخالف ما رواه غيره, فإن كان ضابطًا قُبل ولا يقدح انفراده, وإن كان لم يكن موثوقًا

стр. 752

بضبطه وإتقانه, انحط عن درجة الصحيح بأن كان هذا قريبًا من الضابط, كان الحديث حسنًا, وإن كان بعيدًا منه ردَّ وكان من قبيل الشاذ المنكر, فخرج من هذا أن الشاذ المردود قسمان. أما لو أسنده المنفرد وأرسله الباقون, فحكى الخطيب عن أكثر المحدثين أن الحكم للمرسل, وعن بعضهم الحكم للذي هو أحفظ, وعن بعضهم الحكم للأكثر, ثم ذلك غير قادح في عدالة من أسنده, خلافًا لمن قال: من أسند ما أرسله الحفاظ فذلك قادح في عدالته, ثم قال: والصحيح أن الحكم لمن أسنده. وكذا لو رفعه بعضهم إلى النبي ﵇ ووقفه بعضهم على الصحابي فكالزيادة على الأصح أيضًا. أما لو وصله وكان منقطعًا عند الأكثرين فكالزيادة؛ إذ المنقطع والمرسل يشتركان في عدم الاتصال. قال: (مسألة: حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر, إلا في الغاية والاستثناء ونحوه, مثل: «حتى تزهى» , وإلا «سواء بسواء» فإنه ممتنع). أقول: يجوز حذف بعض الخبر وروايته عند الأكثرين إذا كان مستقلًا

стр. 753

لأنهما كخبرين. أما لو تعلق بالمذكور تعلقًا بغير المعنى كما في الغاية, مثل ما روى في الصحيح عن أنس: «نهى ﵇ عن بيع الثمرة حتى تزهى». وفي الصحيح أيضًا, عن أبي سعيد الخدري قال: قال ﵇: «لا تبيعوا الذهب بالذهب والورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء» , فلا يجوز حذف «حتى تزهى» ولا حذف المستثنى, لاختلال المعنى, وحينئذ إنما يجوز / للعارف الذي يعلم أن ما تركه غير متعلق بما ذكر فجائز, ومنعه قوم مطلقًا. قال: (مسألة: خبر الواحد فيما تعم به البلوى, كابن مسعود في مس الذكر, وأبي هريرة في غسل اليدين, معمول به, خلافًا لبعض الحنفية. لنا: قبول الأمة له في تفاصيل الصلاة, وفي نحو الفصد والحجامة, وقبول القياس وهو أضعف. قالوا: العادة تقضي بنقله متواترًا. ردّ: بالمنع, وتواتر البيع والنكاح والعتق والطلاق اتفاقًا, أو كان مكلفًا بإشاعته).

стр. 754

أقول: من الأمور: ما تعم به البلوى وحاجة الكل إليه, كالصلاة وما تتوقف عليه, فعند المالكية والشافعية قبول خبر الواحد فيه. قال المصنف: كحديث ابن مسعود في وجوب الوضوء من مس الذكر, وهو غير معروف عن ابن مسعود. نعم رواه غيره, قال الطبري: «بضعة عشر صحابيًا رواه». وحديث أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها» , خرجها في الصحيحين عنه. وحديث رفع اليدين, رواه أبو هريرة, «كان النبي ﵇ إذا قام

стр. 755

إلى الصلاة رفع يديه» أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة, وخرجاه في الصحيح من حديث ابن عمر, لكن قال البيهقي: «لا نعلم سنة رواها جماعة منهم العشرة إلا هذه» , إلا أن يحمل على رفع اليدين عند الركوع فيصح, وهو أيضًا مروي من حديث أبي هريرة, وهو في الصحيح من حديث ابن عمر. والحق: أن الأول والثالث من المشهور, وهم يفرقون بينه وبين الآحاد في كثير من الأحكام. لنا: قبول الأمة له في تفاصيل الصلاة وذلك مما تعم به البلوى, وقبوله نحو الفصد والحجامة والقهقهة في الصلاة, أوجبوا منها الوضوء وهو حجة عليهم. وأيضًا: قبلوا القياس في نحوه وهو أضعف من خبر الواحد, على ما

стр. 756

سيأتي, فخبر الواحد [أولى] بالقبول. وقد يقال: القهقهة والفصد والحجامة عمل به لشهرته, أو للقرائن المحتفة به, والقياس إنما عمل به لعدم القادح, والخبر المتنازع فيه عدم شهرته قادح فيه. قالوا: العادة تقضي في مثله بالتواتر, لتوفر الدواعي على نقله, ولما لم يتواتر علم كذبه. الجواب: المنع, وسنده ما مرّ من الفصد والحجامة. قالوا: لو صح لوجب أن يلقيه إلى عدد التواتر, لئلا يؤدي إلى بطلان صلاة أكثر الناس, مما جعل في البيع والنكاح والعتق والطلاق. أجاب: بالمنع, وبطلان الصلاة فيمن بلغة خاصة, والبيع وما ذكر معه اتفق تواتر, أو كان ﵇ مكلفًا / بإشاعته خاصة دون غيره, فليس ذلك من العادة في شيء. قال: (مسألة: خبر الواحد في الحدّ مقبول, خلافًا للكرخي والبصري. لنا: ما تقدم. قالوا: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» , والاحتمال شبهة.

стр. 757

قلنا: لا شبهة كالشهادة, وظاهر الكتاب). أقول: خبر الواحد فيما يوجب الحدّ مقبول عند الأكثر, خلافًا للكرخي والبصري. لنا ما تقدم من أنه عدل جازم في حكم ظني, فوجب قبوله. قالوا: قال ﵇: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» , واحتمال كذبه شبهة, فوجب سقوط الحدّ فيه. الجواب: ليس [كل] شبهة يدرأ بها الحدّ, كما في الشهادة مع احتمال الكذب, وذلك يدرأ الحدّ اتفاقًا مع أن بابها أضيق, وكذا ظاهر الكتاب يجوز أن يكون المراد غيره, مع أن هذا الاحتمال لا يدرأ به حدُّ. وهذا الحديث في خلافيات البيهقي بهذا اللفظ. وأخرجه الترمذي من حديث عائشة قالت: قال ﵇: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم, فإن كان له مخرج فخلوا سبيله, فإن

стр. 758

الإمام إن يخطئ في العفو, خير من أن يخطئ في العقوبة» , قال: «وروي موقوفًا وهو أصح». قال: (مسألة: إذا حمل الصحابي ما رواه على أحد محمليه, فالظاهر حمله عليه بقرينة. فإن حمله على غير الظاهر, فالأكثر على الظهور. وفيه قال الشافعي: كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته. فإن كان نصًا, فيتعين نسخه عنده, وفي العمل نظر. فإن عمل بخلاف خبرٍ أكثرُ الأمة, فالعمل بالخبر, إلا إجماع أهل المدينة). أقول: إذا روى الصحابي خبرًا مجملًا وحمله على أحد محمليه, فالظاهر حمله عليه؛ لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا لقرينة عاينها؛ لأن النبي ﵇ لا ينطق بلفظ مجمل قاصدًا للتشريع ويخليه عن قرينة حالية أو مقالية غالبًا.

стр. 759

ولما كان قد يقال: لا يكون حجة على غيره من المجتهدين بل ينظر, فإن انقدح وجه يوجب تعيين غير ذلك الاحتمال وجب اتباعه, وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح. وقال المصنف: (فالظاهر) ولم يقل: يجب حمله, ثم هذا إن لم يقل بتعميم المشترك, وأما إن قلنا به, فحمله على أحدهما حمل على غير الظاهر, فيصير من الثاني. أما لو كان ظاهرًا في معنى, فحمله على غير ظاهره, فالأكثر على أنه يعتبر ظهوره ويحمل عليه, وفيه قال الشافعي: «كيف أترك الحديث لأقوال أقوام لو عاصرتهم لحاججتهم بالحديث». وقال جمع من الحنفية: يحمل على ما تأوله عليه. أما لو كان الخبر نصًا, فلا وجه لمخالفة الراوي سوى احتمال اطلاعه على ناسخ فيتعين لعدالة الصحابي أنه نسخ بناسخ اطلع هو عليه ورآه بالخبر؛ إذ ربما ظن ناسخًا ولم يكن, ولأن النص أقوى من الظاهر, والظاهر لا يترك

стр. 760

لقول الصحابي, فكيف النص. ويمكن أن يقال: يعمل بالناسخ؛ لأن خطأه فيه / بعيد, والنص دلالة قطعية لا يحمل غير معناه, فما تركه إلا لنص آخر لاجتهاد, بخلاف الظاهر قد يكون تركه لاجتهاد. والمصنف جزم في باب النسخ بأن النسخ لا يثبت بتعيين الصحابي, محتجًا بأنه قد يكون عن اجتهاد, فأحرى إذا لم يقل هو منسوخ بكذا, ولا يناقض ما هنا؛ لأنه قال: تعين عنده نسخه لا في الواقع, لكن يحتمل أن يكون منسوخًا في الواقع, فقد يكون قال: (وفي العمل نظر) لذلك, وهو يقرب من قوله في النسخ. وإذا لم يعلم ذلك فالوجه الوقف, ويحتمل أنه تردد لتردد الناس في الراوي إذا خالف ما رواه, هل يقبل ما رواه أم لا؟ . وأكثر المالكية يقبلونه. أما لو عمل بخلاف الخبر أكثر الأمة, تعين العمل بالخبر لأنه حجة, وقولهم ليس بحجة. قال المصنف: (إلا إجماع أهل المدينة) فإنه يقدم. والحق ما قدمناه في الإجماع, وهو أنه إن كان إجماعهم مخالفًا لخبر الواحد, فإن كان إجماعهم من طريق النقل ترك الخبر بلا خلاف, وإن كان

стр. 761

اجتهاديًا قدم الخبر عند الجمهور من المالكية, خلافًا لابن المعذل, وأبي مصعب, وبعض المغاربة. قال: (مسألة: الأكثر على أن الخبر المخالف للقياس من كل وجه مقدم, وقيل: بالعكس. أبو الحسين: إن كانت العلة بقطعي فالقياس, وإن كان الأصل مقطوعًا به فالاجتهاد. والمختار: إن كانت العلة بنص راجح على الخبر, ووجودها في الفرع قطعي فالقياس, وإن كان وجودها ظنيًا فالوقف, وإلا فالخبر. لنا: أن عمر ﵁ ترك القياس في الجنين للخبر, وقال: لولا هذا لقضينا فيه برأينا, وفي دية الأصابع باعتبار منافعها, لقوله ﵇: «في كل أصبع عشرة» , وفي ميراث الزوجة من الدية, وغير ذلك, وشاع وذاع ولم ينكره أحد. وأما مخالفة ابن عباس خبر أبي هريرة «توضؤوا مما مسته النار» , فاستبعاد لظهوره, وكذلك هو وعائشة في «إذا استيقظ» , ولذلك قالا: فكيف نصنع بالمهراس. وأيضًا: أخر معاذ العمل بالقياس وأقره. وأيضًا: لو قدم لقدم الأضعف. والثانية إجماع؛ لأن الخبر يجتهد فيه في العدالة والدلالة, والقياس في ستة:

стр. 762

حكم الأصل, وتعليله, ووصف التعليل, وفي وجوده في الفروع, ونفي المعارض فيهما, وإلى الأمرين أيضًا إن كان الأصل خبرًا. قالوا: الخبر محتمل للكذب والكفر والفسق والخطأ والتجوز والنسخ. وأجيب: بأنه بعيد. وأيضًا: فمتطرق إذا كان الأصل خبرًا. وأما تقديم ما تقدم؛ فلأنه يرجع إلى تعارض خبرين عمل بالراجح منهما. والقف: لتعارض الترجيحين. فإن كان أحدهما أعم خُصّ بالآخر, وسيأتي). أقول: خبر الواحد إن خالف القياس, فإن تعارضا من كل وجه, فعن مالك القياس مقدم, قال العراقيون من أصحابنا: هو مذهب مالك, وقال القاضي عياض: «مشهور مذهب مالك أن الخبر مقدم». وفي المدونة ما يدل على الأمرين من مسألة ولوغ الكلب, ومسألة المصراة. وقال الشافعي, وأحمد, والكرخي: الخبر مقدم.

стр. 763

وقال أبو الحسين: إن كانت العلة منصوصة بنص قاطع قُدم القياس, وإلا فإن كان الأصل مقطوعًا به فقط فموضع اجتهد في أيهما يقدم, وإلا فالخبر مقدم. والمختار: إن كانت العلة منصوصة بما هو راجح على الخبر في الدلالة, فإن كان وجود العلة في الفرع قطعيًا فالقياس مقدم, فإن كان وجودها في الفرع ظنيًا فالوقف. وإن لم تكن العلة منصوصة, أو منصوصة بما هو مساو للخبر في الدلالة, فالخبر مقدم. لنا في تقديم الخبر حيث يقدم: أن عمر ﵁ ترك القياس في مسألة الجنين للخبر, حين استشارهم في إملاص المرأة, فقال المغيرة: قضى رسول الله ﷺ فيه بالغرة عبدًا أو أمة, فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النبي ﵇ قضى به, خرّجه البخاري. زاد أبو داود: «الله أكبر, لو لم أسمع هذا لقضينا بغير هذا».

стр. 764

وكذا في دية الأصابع, حيث رأى أنها تتفاوت باعتبار منافعها, حكى الخطابي عن ابن المسيب أن عمر كان يجعل في الإبهام خمسة عشر, وفي [الخنصر ستًا, وفي البنصر تسعًا] , وفي الوسط والسبابة عشرًا عشرًا, حتى وجد كتابًا عند آل عمر بن حزم, عن رسول الله ﷺ فأخذ به. وكذا في ميراث الزوجة, روى أبو داودٍ أن عمر كان يقول: الدية للعاقلة, ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا, حتى أخبره الضحاك أن النبي ﷺ كتب إليه: أن ورث امرأة أشيم من دية زوجها, إلى غير

стр. 765

ذلك من الصور, وشاع وذاع ولم ينكر تقديمه, فكان إجماعًا. قيل: لا نسلم عدم الإنكار, فإن ابن عباس خالف خبر أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: «توضؤوا مما مسته النار». أخرجه في الصحيحين. زاد الترمذي: فقال ابن عباس: «أنتوضأ من الحميم». وبأن ابن عباس وعائشة خالفا خبره أيضًا, وهو قول ﵇: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها». واعلم أن ما ذكره المصنف من مخالفتهما فغير معروف. نعم روي عن أصحاب عبد الله أنهم قالوا: «كيف يصنع أبو هريرة بالمهراس» , رواه البيهقي.

стр. 766

الجواب: أنهما لم يقدما القياس, بل استبعدا حمل الحديثين على ظاهرهما الذي هو الوضوء الشرعي في الأول, والإطلاق في الثاني, لثبوت غير ذلك من أنه ﵇ «أكل من كتف شاة وصلّى ولم يتوضأ» , ولتعذر الثاني في مثل المهراس, وهو الحجر العظيم. واللام في (لظهوره) للتعدية / لا للتعليل. ولنا أيضًا: حديث معاذ, أخّر فيه القياس عن الخبر, وأقره ﵇, فكان الخبر مقدمًا. واعلم أن التمسك السابق لا يتناول ما كانت العلة فيه بنص مساوٍ للخبر, وهذا إن أراد معاذ بالسنة ما سمعه من النبي ﵇ فغير محل للنزاع, وإن أراد ما صدق أنه سنة, لزم تقديمه في موضع الاجتهاد عنده. احتج أيضًا: بأنه لو قدم القياس على خبر الواحد لقدم الأضعف؛ لأن الخبر يجتهد فيه في أمرين فقط: [عدالة الراوي, ودلالة الخبر على المراد. وأما القياس, فيجتهد فيه في أمور ستة]: ثبوت حكم الأصل.

стр. 767

وتعليل حكم الأصل. إظهار وصف صالح للتعليل. ووجود ذلك الوصف في الفرع. ونفي المعارض في الأصل. وفي الفرع. وإن كان حكم الأصل ثابتًا بالخبر, احتاج القياس أيضًا إلى اجتهاد في عدالة الراوي ودلالة الخبر على المراد, ولا شك أن ما يجتهد فيه في مواضع أكثر, فاحتمال الخطأ فيه أكثر, والظن الحاصل منه أضعف, وهذا أيضًا يقتضي تقديمه في موضع الاجتهاد. قالوا: الاحتمال في القياس أقل؛ لأن الخبر يحتمل كذب الراوي وفسقه وكفره وخطئه, وباعتبار الدلالة يحتمل التجوز, وباعتبار الحكم يحتمل النسخ. الجواب: أنها احتمالات بعيدة لا تمنع الظهور, ثم هذه الاحتمالات متطرقة إذا كان حكم الأصل بخبر. ثم لما فرغ مما يقدم فيه الخبر, قال: وأما تقديم ما يقدَّم من القياس, فإنه يرجع إلى تعارض خبرين وأحدهما راجح, فقدم الراجح. وفيه نظر بغير ما ذكر؛ لتوقفه على مقدمات أكثر, ولا يلزم من رجحان نص العلة على الخبر رجحان القياس على الخبر؛ لأن نص العلة وإن

стр. 768

كان راجحًا فهو إنما دلّ على الحكم بواسطة العلة, وخبر الواحد لا بواسطة فاعتدلا. ثم قال: (الوقف لتعارض الترجيحين) أي حيث قلنا بالوقف فلترجيح القياس بما ذكر, وترجيح الخبر بقلة المقدمات, وفيه ما تقدم. أما إن كان الخبر لا يخالف القياس من كل وجه بأن يكون أحدهما أعم, فإن الأعم يخص بالأخص جمعًا بينهما, وسيأتي في التخصيص تخصيص العموم بالقياس, وأما تخصيص القياس بالخبر فسيأتي أيضًا في النقض في العلة, وإليه أشار بقوله: (والمختار) , وإن كانت مستنبطة لم يجز إلا لمانع, ثم قال: وإن كانت منصوصة فبظاهر عام, ويجب تخصيصه وتقدير المانع. قال: (مسألة: المرسل قول غير الصحابي قال ﷺ . ثالثها: قال الشافعي: إن أسنده غيره أو أرسله وشيوخهما مختلفة, أو عضده قول الصحابي أو أكثر العلماء, أو عرف أنه لا يرسل إلا عن عدل, قبل. ورابعها: إن كان من أئمة النقل قبل, وإلا فلا, وهو المختار. لنا: أن إرسال الأئمة من التابعين كان مقبولًا مشهورًا ولم ينكر, كسعيد بن المسيب, والنخعي, والشعبي, وغيرهم. فإن قيل: يلزم أن يكون المخالف خارقًا للإجماع.

стр. 769

قلنا: خرق الإجماع الاستدلالي, والظني لا يقدح. وأيضًا: لو لم يكن عدلًا عنده, لكان مدلسًا في الحديث. قالوا: لو قبل مع الشك لأنه لو سئل لجاز ألا يعدّل. قلنا: في غير الأئمة. قالوا: لو قبل لقبل في عصرنا. قلنا: لغلبة الخلاف فيه, أما إن كان من أئمة النقل ولا ريبة تمنع, قبل. قالوا: لا يكون للإسناد معنى. قلنا: فائدته في أئمة النقل تفاوتهم, ورفع الخلاف. القابل مطلقًا تمسكوا بمراسيل التابعين, ولا يفيد تعميمًا. قالوا: إرسال العدل يدل على تعديله. قلنا: نقطع بأن الجاهل يرسل ولا يدري من رواه, وقد أخذ على الشافعي. فقيل: إن أسند فالعمل بالمسند, وإن لم يسند فقد انضم غير مقبول إلى مثله ولا يرد؛ لأن الظن قد يحصل أو يقوى بالانضمام. والمنقطع: أن يكون قول الصحابي أو من دونه). أقول: اختلف في تعريف المرسل, وفي العمل به.

стр. 770

المشهور عند المحدثين أن قول التابعي: قال ﷺ كذا, وقيل: قول التابعي الكبير كابن المسيب, وأنه إذا قال تابعي صغير كالزهري: قال ﷺ فهم منقطع؛ لأنهم لم يلقو من الصحابة إلا قليلًا, وأكثر روايتهم عن التابعين. وعرّفه المصنف: بقول غير الصحابي قال ﷺ , وهذا يتناول قول تابعي التابعين ومن دونه, والمشهور عند المحدثين تسمية هذا بالمعضل, فسماه الخطيب البغدادي منهم مرسلًا, وهذا هو المشهور في الفقه وفي أصوله. ثم هو مقبول عند مالك, وأبي حنيفة, وأحمد في أشهر قوليه, وجمهور المعتزلة, واختاره الآمدي.

стр. 771

وقيل: لا يقبل, وهو مذهب جمهور المحدثين, وقال الشافعي: لا يقبل إلا بأحد أمور خمسة: - أن يسنده غيره. - أو يرسله آخر, وعلم أن أحد شيوخ [أحد] المرسلين غير شيوخ المرسل الآخر. - أو يعضده قول صحابي. - أو قول أكثر أهل العلم. - أو علم من حال المرسل أنه لا يرسل إلا ما رواه عن عدل. - واختار المصنف مذهب ابن أبان, وهو أن الراوي إن كان من أئمة أهل الحديث قبل, وإلا فلا.

стр. 772

لنا: أن إرسال الأئمة والتابعين كان مشهورًا مقبولًا ولم ينكره أحد وكان إجماعًا, كإرسال ابن المسيب, والنخعي, والشعبي, والحسن وغيرهم. فإن قيل: لو كان كذلك لكان إجماعًا, وكان المخالف خارقًا [للإجماع] فكان فاسقًا. الجواب: أن ذلك في الإجماع القطعي, أما الثابت بالاستدلال وهو السكوتي, للاستدلال من قول البعض أو عمله وسكوت الباقين عن الموافقة أو الظن كالمنقول بالآحاد, ولا يكون مخالفه خارقًا, وإنما جعل الاستدلالي قسيم / الظني, لأنه قد يكون قطعيًا إذا علمت موافقتهم, وقد تقدم. ولنا أيضًا: لو لم يكن المروي عنه عدلًا عنده, لكان الجزم بالإسناد

стр. 773

برواية الموهم أنه سمع من عدل تدليسًا في الحديث, فيكون قدحًا. واعلم أن ما احتج به أولًا أخص من الدعوى, فقد يقال: إنما قبل مرسلًا؛ لأنهم لا يرسلون عن الصحابة وهم عدول إلا لأجل أنهم من أئمة النقل فقط. وعلى الثاني: أنه يقتضي قبول المرسل من كل عدل. وأيضًا: لا يلزم من كونه عدلًا عنده أن يكون عدلًا في الواقع, فيجب إظهاره, وأيضًا: لم تعلم عدالة الأصل, وقد قام أن رواية العدل عن الشخص ليس تعديلًا له, فإن ادعى أن أئمة النقل عادتهم أنهم لا يروون إلا عن عدل حتى يكون تعديلًا, منعناه, ثم هو راجع إلى قول الشافعي؛ لأنه إذا لم يرو إلا عن عدل, فما أرسل إلا عن عدل, ولو سلّم فقصاراه أن يكون قدحًا [في] الحديث لا فيه على ما قدم. احتج القائل بعدم القبول: بأنه لو قبل المرسل لقبل مع الشك, والتالي باطل, أما الملازمة؛ فلأنه لو سئل عن عدالة الراوي جاز ألا يعدله, ومع هذا الاحتمال يبقى الشك في عدالته. أجاب: بأن هذا الاحتمال إنما يقوى في غير أئمة النقل.

стр. 774

وأما أئمة النقل فالظاهر أنهم لا يجزمون إلا عمن لو سئلوا عنه لعدلوه, والاحتمال الضعيف لا ينافي الظهور. قالوا ثانيًا: لو قبل لقبل في عصرنا؛ إذ لا تأثير للزمان, والتالي باطل. الجواب: نمنع الملازمة؛ للفرق بأن غلبة الخلاف وكثرة المذاهب في عصرنا منع من قبول المرسل. وأيضًا: لغلبة الإرسال عمن لو سئل عنه لم يعرفه, فضلًا عمن يعدله. سلمنا, ونمنع بطلان التالي في أئمة النقل, إذ لم تكن ريبة من تكذيب الحفاظ وغيرها, وكأنه منع الملازمة في غير محل النزاع, وبطلان التالي في محل النزاع. قالوا ثالثًا: لو جاز العمل بالمرسل, لما كان لذكر الإسناد فائدة, فكان اتفاقهم على الإسناد عبثًا. الجواب: منع الملازمة, وأن فائدته في غير أئمة النقل ظاهرة, لينظر فيه المجتهد, وفي أئمة النقل معرفة تفاوت رتبهم للترجيح عند التعارض, وفي

стр. 775

القبيلين رفع الخلاف؛ إذ لم يختلفوا في العمل بالمسند بخلاف / المرسل. احتج القائل مطلقًا: بأنهم قبلوا مراسيل التابعين, وتقريره ما مرّ. الجواب: أن ذلك لا يفيدهم تعميمًا, فإن من ذكرتم من أئمة النقل. قالوا ثانيًا: العدل إذا أرسل غلب على الظن أن المنقول عنه عدل, وإلا لما جزم بالمنقول. الجواب: منع ذلك في غير الأئمة, لأنا نقطع أن الجاهل يرسل ولا يعرف من رواه فضلًا عن عدالته, وكذلك لم يقبل في عصرنا. وقد أخذ بعض الحنفية على الشافعي حيث قال: إذا أسنده غيره ... إلى آخره, فقال: إذا أسنده غيره فالعمل إذن بالمسند. قال المصنف: وهو وراد. وأجاب ابن الصلاح: بأنه بالمسند يتبين صحة الإسناد الذي فيه الإرسال, حتى يحكم له مع إرساله بأنه إسناد صحيح تقوم به الحجة. وقال بعضهم: موافقته للمسند لا توجب إسقاطه, كما لو وافق مسند مسندًا؛ [إذ] العمل بالمرسل من حيث تقوى بالمسند, لا من
следующие страницы →