← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقيل: لا يقبل, وهو مذهب جمهور المحدثين, وقال الشافعي: لا يقبل إلا بأحد أمور خمسة: - أن يسنده غيره. - أو يرسله آخر, وعلم أن أحد شيوخ [أحد] المرسلين غير شيوخ المرسل الآخر. - أو يعضده قول صحابي. - أو قول أكثر أهل العلم. - أو علم من حال المرسل أنه لا يرسل إلا ما رواه عن عدل. - واختار المصنف مذهب ابن أبان, وهو أن الراوي إن كان من أئمة أهل الحديث قبل, وإلا فلا.

стр. 772

لنا: أن إرسال الأئمة والتابعين كان مشهورًا مقبولًا ولم ينكره أحد وكان إجماعًا, كإرسال ابن المسيب, والنخعي, والشعبي, والحسن وغيرهم. فإن قيل: لو كان كذلك لكان إجماعًا, وكان المخالف خارقًا [للإجماع] فكان فاسقًا. الجواب: أن ذلك في الإجماع القطعي, أما الثابت بالاستدلال وهو السكوتي, للاستدلال من قول البعض أو عمله وسكوت الباقين عن الموافقة أو الظن كالمنقول بالآحاد, ولا يكون مخالفه خارقًا, وإنما جعل الاستدلالي قسيم / الظني, لأنه قد يكون قطعيًا إذا علمت موافقتهم, وقد تقدم. ولنا أيضًا: لو لم يكن المروي عنه عدلًا عنده, لكان الجزم بالإسناد

стр. 773

برواية الموهم أنه سمع من عدل تدليسًا في الحديث, فيكون قدحًا. واعلم أن ما احتج به أولًا أخص من الدعوى, فقد يقال: إنما قبل مرسلًا؛ لأنهم لا يرسلون عن الصحابة وهم عدول إلا لأجل أنهم من أئمة النقل فقط. وعلى الثاني: أنه يقتضي قبول المرسل من كل عدل. وأيضًا: لا يلزم من كونه عدلًا عنده أن يكون عدلًا في الواقع, فيجب إظهاره, وأيضًا: لم تعلم عدالة الأصل, وقد قام أن رواية العدل عن الشخص ليس تعديلًا له, فإن ادعى أن أئمة النقل عادتهم أنهم لا يروون إلا عن عدل حتى يكون تعديلًا, منعناه, ثم هو راجع إلى قول الشافعي؛ لأنه إذا لم يرو إلا عن عدل, فما أرسل إلا عن عدل, ولو سلّم فقصاراه أن يكون قدحًا [في] الحديث لا فيه على ما قدم. احتج القائل بعدم القبول: بأنه لو قبل المرسل لقبل مع الشك, والتالي باطل, أما الملازمة؛ فلأنه لو سئل عن عدالة الراوي جاز ألا يعدله, ومع هذا الاحتمال يبقى الشك في عدالته. أجاب: بأن هذا الاحتمال إنما يقوى في غير أئمة النقل.

стр. 774

وأما أئمة النقل فالظاهر أنهم لا يجزمون إلا عمن لو سئلوا عنه لعدلوه, والاحتمال الضعيف لا ينافي الظهور. قالوا ثانيًا: لو قبل لقبل في عصرنا؛ إذ لا تأثير للزمان, والتالي باطل. الجواب: نمنع الملازمة؛ للفرق بأن غلبة الخلاف وكثرة المذاهب في عصرنا منع من قبول المرسل. وأيضًا: لغلبة الإرسال عمن لو سئل عنه لم يعرفه, فضلًا عمن يعدله. سلمنا, ونمنع بطلان التالي في أئمة النقل, إذ لم تكن ريبة من تكذيب الحفاظ وغيرها, وكأنه منع الملازمة في غير محل النزاع, وبطلان التالي في محل النزاع. قالوا ثالثًا: لو جاز العمل بالمرسل, لما كان لذكر الإسناد فائدة, فكان اتفاقهم على الإسناد عبثًا. الجواب: منع الملازمة, وأن فائدته في غير أئمة النقل ظاهرة, لينظر فيه المجتهد, وفي أئمة النقل معرفة تفاوت رتبهم للترجيح عند التعارض, وفي

стр. 775

القبيلين رفع الخلاف؛ إذ لم يختلفوا في العمل بالمسند بخلاف / المرسل. احتج القائل مطلقًا: بأنهم قبلوا مراسيل التابعين, وتقريره ما مرّ. الجواب: أن ذلك لا يفيدهم تعميمًا, فإن من ذكرتم من أئمة النقل. قالوا ثانيًا: العدل إذا أرسل غلب على الظن أن المنقول عنه عدل, وإلا لما جزم بالمنقول. الجواب: منع ذلك في غير الأئمة, لأنا نقطع أن الجاهل يرسل ولا يعرف من رواه فضلًا عن عدالته, وكذلك لم يقبل في عصرنا. وقد أخذ بعض الحنفية على الشافعي حيث قال: إذا أسنده غيره ... إلى آخره, فقال: إذا أسنده غيره فالعمل إذن بالمسند. قال المصنف: وهو وراد. وأجاب ابن الصلاح: بأنه بالمسند يتبين صحة الإسناد الذي فيه الإرسال, حتى يحكم له مع إرساله بأنه إسناد صحيح تقوم به الحجة. وقال بعضهم: موافقته للمسند لا توجب إسقاطه, كما لو وافق مسند مسندًا؛ [إذ] العمل بالمرسل من حيث تقوى بالمسند, لا من

стр. 776

حيث أنه مسند. ومنع بعضهم وردوه بأن مقصوده إذا لم يثبت عدالة ذلك الإسناد فيكون العمل بهما. ثم قال الحنفي المعترض: وإلا فقد انضم غير مقبول إلى مثله؛ لأن شيئًا منها ليس بدليل, وهذا في غير الخامس؛ لأنه عند الشافعي مسند. قال المصنف: ولا يرد؛ لأن الظن قد لا يحصل إلا بهما, أو لا يقوى إلا بحيث يجب العمل به إلا بالانضمام. لكن للمعترض أن يقول: العلم بعدالة الأصل إن لم تكن شرطًا قُبل المرسل, وإلا لم يقبل الخبر الذي اجتمع فيه إرسالان؛ لانتفاء شرط القبول وهو العلم بعدالة الأصل, وما أجاب به المصنف ضعيف؛ لانتفاء شرط القبول عنده, ثم لما فرغ من المرسل, قال: و المنقطع: أن يكون بين الراويين رجل لم يذكر, وبعضهم يسميه مرسلًا. قال: وفي العمل به نظر يعرف مما تقدم في المرسل, وينبغي على مختاره في المرسل أن يفصل في العمل بالمنقطع, يظهر ذلك بالتأمل, ثم قال: و الموقوف: قول صاحبي أو من دونه, والمشهور عند المحدثين أنه ما

стр. 777

روى عن الصحابة من أقوالهم وأفعالهم ولا يوصل إلى الرسول ﵇. ويستعملونه في غير الصحابي أيضًا لكن مقيدًا, يقولون: وقفه فلان على طاووس, أو على عطاء. ولم يتعرض له المصنف, وفي العمل به فيما لا يعلم إلا توقيفًا اختلاف عندنا.

стр. 778

قال: (الأمر حقيقة في القول المخصوص اتفاقًا, وفي الفعل مجاز. وقيل: مشترك, وقيل: متواطئ. لنا: سبقه إلى الفهم, ولو كان متواطئًا لم يفهم الأخص, كحيوان في إنسان. واستدل: لو كان حقيقة لزم الاشتراك, فيخل بالتفاهم. وعورض: بأن المجاز خلاف الأصل فيخل بالتفاهم, وقد تقدم مثله. التواطؤ: مشتركان في عام, فيجعل اللفظ له دفعًا للمحذورين. وأجيب: بأنه يؤدي إلى رفعهما أبدًا, فإن مثله لا يتعذر, وإلى صحة دلالة الأعم للأخص, وأيضًا فإنه قول حادث هنا). أقول: لما فرغ مما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع من السند, شرع فيما يشترك فيه من المتن. فمنه الأمر: ولفظ الأمر, وهو «أم ر» حقيقة في القول المخصوص, الذي هو الصيغة الدالة على الطلب اتفاقًا, وسُمي هذا اللفظ لفظًا, كقولهم: «قام» فعل ماض, و «في» حرف جر, وليس كقولنا: الأسد حقيقة في الحيوان المفترس. والأمر قسم من أقسام الكلام, سواء قلنا: الكلام هو المعنى القائم بالنفس, أو بالعبارة الدالة بالوضع, ويطلق الأمر على الفعل, ومنه: ﴿وما

стр. 779

أمر فرعون برشيد﴾ , والأكثر على أنه فيه مجاز, وقيل: مشترك بين القول المخصوص والفعل, وقيل: للقدر المشترك بين القول المخصوص والفعل. قلت: وهذا القول غير موجود, وأيضًا يبطل اتفاقه الذي صدر به؛ لأنه إذا كان حقيقة للقدر المشترك, كان مجازًا في الخصوصيات, إلا إذا أطلق على الخصوصيات باعتبار ذلك المعنى. وقد يُجاب عن الثاني: بجواز أن يكون مشتركًا بالاشتراك اللفظي بين القدر المشترك بين القول المخصوص والفعل وبين القول المخصوص, لكن دليله وهو أنه يسبق القول إلى الفهم يرده, على أنه يبطل من ناحية أخرى لوجود الخلاف في الأمر, أهو حقيقة في النفسي مجاز في اللفظي, أو

стр. 780

بالعكس, أو بالقدر المشترك بينهما؟ . لنا: سبق القول المخصوص إلى الفهم عند الإطلاق من غير قرينة, فكان فيه حقيقة غير مشترك بينهما, وإلا لما تبادر شيء منهما, وغير متواطئ, وإلا لكان أعم في القول المخصوص, فلم يفهم منه القول المخصوص؛ لأن الأعم لا يفهم منه الأخص, كما أن الحيوان لا يتبادر منه عند الإطلاق فهم الإنسان, فمعنى كلامه: كحيوان في فهم إنسان منه. واستدل: لو كان حقيقة في الفعل لكان مشتركًا؛ إذ لا شك أنه حقيقة في القول المخصوص, واللازم باطل لإخلاله بالتفاهم. الجواب: لو لم يكن حقيقة لزم المجاز, واللازم باطل لإخلاله بالتفاهم. واعلم أن عدم منع المصنف الملازمة مستند إلى جواز التواطؤ يحقق بطلان الاتفاق الذي ذكر, لأنه رآه إذا كان حقيقة في الفعل لا يكون حقيقة في المشترك, وكذلك يلزمه هناك. ولا يقال: إنما لم يمنعه / مستندًا إلى ما ذكر؛ لأنه لا يدفع الاشتراك اللفظي؛ لأنه حقيقة في القول أيضًا, فلو كان حقيقة في القدر المشترك لزم الاشتراك. لأنا نقول: إنما لا يندفع لو لم يكن كون الأمر حقيقة في القول

стр. 781

المخصوص باعتبار الشأن والشيء, وهو ممنوع. ثم اعلم أن هذه المعارضة ضعيفة على ما سبق له من أن المجاز خير. احتج القائل بالتواطؤ: بأن القول المخصوص والفعل مشتركان في معنى عام, وهو الشيء والشأن, فيجعل اللفظ للمشترك دفعًا لمحذور المجاز والاشتراك. الجواب: متى يجب جعل اللفظ للقدر المشترك مع وجود ما يدل على المجاز أو الاشتراك أو لا, الأول ممنوع وإلا أدى إلى رفع المجاز والاشتراك, فإنه لا يتعذر وجود معنى عام في شيء من مواضع الاشتراك والمجاز, والثاني مسلّم ولكن لا نسلّم عدم ما يدل على أحدهما, فإن ما ذكرنا من سبق الفهم يدل عليه. والمجاز والاشتراك وإن كانا خلاف الأصل, لكن إذا دلّ عليهما دليل صارا موافقين للأصل, وإلى هذا المعنى أشار في المنتهى, حيث قال: وأجيب: بأن ذلك إنما يستقيم لو لم يدل دليل على خلافه, وإلا وجب رفعهما أصلًا, فإنه لا يتعذر في كل موضع. وثانيًا: بأنه يؤدي إلى صحة دلالة الأعم على الأخص. وثالثًا: بأنه قول حادث يرفع كونه حقيقة بالقول المخصوص بخصوصه,

стр. 782

وأنه مجمع عليه, فوجب ردّه, وصاحب الإحكام لم يورده مذهبًا, بل على سبيل الإيراد بأن قال: لم لا يجوز أن يكون متواطئًا؟ ثم أتى بالأجوبة. قال: (حدّ الأمر: اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء. وقال القاضي والإمام: القول المقتضى طاعة المأمور بفعل المأمور به. وردّ: بأن المأمور مشتق منه, وأن الطاعة موافقة الأمر, فيجيء الدور فيهما. وقيل: خبر عن الثواب على الفعل. وقيل: عن استحقاق الثواب. وردَّ: بأن الخبر يستلزم الصدق أو الكذب, والأمر يأباها). أقول: لما ذكر أن «أم ر» يُطلق على القول المخصوص حقيقة فيسمى أمرًا, والأمر أحد أقسام الكلام, سواء قلنا: الكلام هو المعنى القائم بالنفس, أو هو العبارة الدالة بالوضع, عرّفه باعتبار أنه قسم من الأول, ثم نقل تعاريف منكري النفساني القائلين إنه قسم من الثاني. ولما كان رأي الأشعري هو الأول بدأ به, وكان الأولى أن يحدّه بالاعتبار الثاني فقط كما فعل في تعريف القرآن؛ لأنه حظ الأصولي, وذلك حظ المتكلم. وأيضًا إذا كان حقيقة في القول المخصوص وهو صيغة كما تقدم,

стр. 783

فالمناسب / حدّه باعتبارها, وهذا الذي حدّه إنما هو لمدلول القول المخصوص فهو لمدلول الأمر, فالاقتضاء جنس. وقوله: (غير كفّ) يخرج النهي؛ لأنه عنده فعل, وهو كف. وقوله: (على جهة الاستعلاء) يخرج الدعاء والالتماس, والأشعري لا يشترط الاستعلاء, واشترطه أبو الحسين البصري, والحق عدم اشتراطه؛ لقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿ماذا تأمرون﴾. لا يقال: فيكون السؤال والالتماس للوجوب, ويكون التارك مستحقًا للعقاب؛ لأن الأمر للوجوب كما سيأتي. لأنا نقول: ذلك يقتضي إيجاب السؤال وإلا أنه لا يتقرر الوجوب؛ إذ لا يلزم المسئول القبول, ولا يكون سببًا إلا بعد تقرر الوجوب. وعرّفه القاضي - وتابعه جماعة - بأنه: القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. وردّه المصنف: بأنه يشتمل على الدور من وجهين: أحدهما: أن المأمور - وهو واقع في الحدَّ مرتين - مشتق من الأمر, فتتوقف معرفته على معرفته. وثانيهما: أن الطاعة موافقة الأمر, والمضاف من حيث هو مضاف لا

стр. 784

يُعرَّف إلا بمعرفة المضاف إليه. وقد يُدفع الدور: بأن تميز الأمر غير تصور حقيقته, فتميزه كافٍ في تصور هذه الأمور, والمطلوب تصور حقيقته. ودفعه بعضهم: بأنهما يتوقفان على الأمر اللغوي, والحدّ للأمر الاصطلاحي. وعرَّفه بعض الأشاعرة: بأنه خبر عن الثواب على الفعل, وقال آخرون منهم: خبر عن استحقاق الثواب على الفعل؛ لئلا يلزم الخلف في الخبر عند عدم الثواب إذا أحبط عمله. واعترض عليهما: بأن الخبر يستلزم إما الصدق وإما الكذب؛ إذ لا يخلو عن أحدهما قطعًا, والأمر ينافيه, فإنه لا يكون صدقًا ولا كذبًا, وتنافي اللازمين دليل تنافي الملزومين, فلا يجعل الخبر جنسًا للأمر. قال: (المعتزلة لما أنكروا الكلام النفسي قالوا: قول القائل لمن دونه «افعل» ونحوه, ويرد التهديد وغيره, والمبلغ والحاكي والأدنى. وقال قوم: صيغة «افعل» بتجردها عن القرائن الصارفة عن الأمر. وفيه: تعريف الأمر بالأمر, وإن أسقطه بقية صيغة «افعل» مجردة. وقال قوم: صيغة «افعل» بإرادات ثلاث: وجود اللفظ, ودلالته على الأمر, والامتثال, فالأول عن النائم, والثاني عن التهديد ونحوه, والثالث عن المبلغ.

стр. 785

وفيه تهافت؛ لأن المراد إن كان اللفظ فسد؛ لقوله: إرادة دلالته على الأمر, وإن كان المعنى فسد؛ لقوله: الأمر صيغة «افعل». وقيل: إرادة الفعل. وردّ: بأن السلطان لو أنكر متوعدًا بالهلاك ضرب سيدٍ لعبد, فادعى مخالفته, وطلب تمهيد عذره لمشاهدته, فإنه يأمر ولا يريد؛ لأن العاقل لا يريد هلاك نفسه, وأورد مثله على الطلب؛ لأن العاقل لا يطلب هلاك نفسه, وهو لازم. والأولى / لو كانت إرادة لوقعت المأمورات كلها؛ لأن معنى الإرادة تخصيصه بحال حدوثه, فإذا لم يوجد لم يتخصص). أقول: أما المعتزلة لما أنكروا الكلام النفسي, وكان الطلب نوعًا منه لم يمكنهم تعريفه به, فعرّفوا تارة باعتبار اللفظ, وتارة باعتباره مقترنًا بصفة الإرادة, ومن قال بأنه نفس الإرادة, فإنما قال حين انسدت عنه طرق التعريف, وتبين له أن الأمر غير الصيغة, التعريف الأول للبلخي, وأكثرهم أنه قول القائل لمن دونه: «افعل» ونحوها, في الدلالة على مدلوله من العربي وغيره. ويرد على طرده قول القائل لمن دونه: «افعل» تهديدًا وتعجيزًا, أو إباحة

стр. 786

أو غير ذلك, فإنها ترد لستة عشر معنى, وقول القائل لمن دونه: «افعل» إذا بَلَّغ إليه أمر الغير إياه, وكذا الحاكي. ويرد على عكسه: «افعل» إذا صدر من الأدنى على سبيل الاستعلاء, فإنه أمر, ولذلك يدفع بأنه أمر من هو أ‘لى منه. وعرّفه قوم منهم: بأنه صيغة «افعل» مجردة عن القرائن الصارفة عن الأمر إلى تهديد وغيره. واعترض: بأنه فيه تعريف الأمر بالأمر, فإن أسقط هذا القيد بقيت صيغة «افعل» مجردة, فيرد ما تقدم. أما من عرّفه باعتبار اللفظ مقترنًا بصيغة الإرادة فقال: صيغة «افعل» بإرادات ثلاثة: إرادة وجود اللفظ, وإرادة دلالتها على الأمر, وإرادة الامتثال, واحترز بالأول عن النائم, وبالتالي عن التهديد ونحوه, وبالثالث عن المبلغ والحاكي. واعترضه المصنف: بأن فيه تهافتًا؛ لأن المراد بالأمر المذكور في الحدّ إن كان اللفظ فسد؛ لقوله: وإرادة دلالتها على الأمر؛ إذ الصيغة لم يرد دلالتها على اللفظ, وإن كان المعنى فسد؛ لقوله: الأمر صيغة «افعل» , والمعنى ليس صيغة. وقد يجاب عنه: بأن الأمر المذكور في الحدّ المراد به المعنى, والمعرف

стр. 787

المراد به اللفظ, لكن يلزم استعمال اللفظ المشترك في التعريف من غير قرينة, وبقيد أيضًا بلزوم الدور؛ لأن الامتثال فعل المأمور به على الوجه الذي أمر به, فيتوقف عليه [بمرتبتين]. أما من عرّفه بأنه: إرادة الفعل, فاعترض عليه بأنه غير منعكس؛ إذ لو ضرب رجل عبده فأنكر السطان على السيد وتوعده بالهلاك, فادعى السيد مخالفة العبد لأوامره؛ ليدفع عن نفسه ما توعد به, فإنه يأمر عبده بحضرة السلطان ليعصيه, ويشاهد السلطان عصيانه, فيزول إنكاره ويخلص من الهلاك! فهو قد أمر, وإلا لم يظهر عذره وهو مخالفة الأمر, ولا يريد منه الفعل؛ لأنه لا يريد ما يفضي إلى هلاك نفسه. وهذا وارد على الذي / قبله؛ لعدم إرادة الامتثال, وأورد المعتزلة هذا الإيراد على تعريف الأشاعرة الأمر بأنه طلب فعل غير كفّ على جهة الاستعلاء, فإن السيد في الصورة المذكورة آمر, فلو كان الأمر هو الطلب, لزم أن يكون العاقل طالبًا هلاك نفسه, واعترف المصنف بوروده. والحق الفرق بأن العاقل يطلب ما يختار وما يكره إذا علم أنه لا يقع, ولا يريد إلا ما يختار. ولما كان هذا الرد يستلزم عند المصنف ردّ تعريف أصحابنا, قال المصنف: الأولى في ردّ كون الأمر إرادة فعل العبد, أنه لو كان كذلك

стр. 788

لوقعت المأمورات كلها, أما الملازمة؛ فلأنه لا معنى لتعلق الإرادة بالشيء سوى تخصيصها للشيء المراد بوقت حدوثه, وتخصيص الفعل بحال حدوثه لا يكون من غير حدوث الفعل ووقوعه؛ إذ كلما لم يوجد لم يتخصص, وينعكس بعكس النقيض, كلما تخصص الفعل بحال حدوثه كان موجودًا, فلو كانت المأمورات كلها مرادة, لزم أن تكون واقعة. وأما بطلان التالي؛ فلأن الكافر الذي يموت على كفره مأمور بالإيمان إجماعًا, والمصنف وصاحب الإحكام اعتمدا به الردّ على هذا الدليل, وهو مبني على أن العبد غير مختار وهم يمنعونه, فلا تكون إرادة الله تعالى لفعل العبد مخصصة له بحال حدوثه عندهم. قال: (القائلون بالنفسي اختلفوا في كون الأمر له صيغة تخصه, والخلاف عند المحققين في صيغة «افعل». والجمهور: حقيقة في الوجوب. وأبو هاشم: في الندب. وقيل: للطلب المشترك. وقيل: مشترك. الأشعري والقاضي: بالوقف فيهما. وقيل: مشترك فيهما وفي الإباحة. وقيل: للإذن المشترك في الثلاثة, والتهديد).

стр. 789

أقول: القائلون بالكلام النفسي اختلفوا في الأمر - بمعنى الاقتضاء - هل له صيغة تخصه؟ . فقال الأشعري: لا, وقال آخرون: نعم. قال الإمام والغزالي: والذي نراه أن هذه الترجمة عن الأشعري خطأ, فإن قول القائل لغيره: «أمرتك» , و «أنت مأمور» , صيغة خاصة بالأمر بلا شك, إنما الخلاف في صيغة «افعل» , هل هي مختصة بالأمر أم لا؟ لكونها مترددة بين ستة عشر معنى. وقد يقال: «أمرتك» , و «أنت مأمور» لا يدل بصيغته على الاقتضاء المذكور بل بمادته, ثم «أمرتك» , و «أنت مأمور» يطلق على الصيغة الدالة

стр. 790

عليه, فلا يكون مختصًا بالاقتضاء. وقال صحاب الإحكام: «وما قالاه لا يرفع الخلاف؛ إذ الخلاف في أن الأمر له صيغة إنشائية تخصه أم لا؟ وما ذكره إخبار عن الأمر لا إنشاء, وإن استعمل في الإنشاء كصيغ العقود». قال: والجمهور وهو مذهب مالك والشافعي, أن صيغة الأمر - ونعني به صيغة «افعل» - حقيقة في الوجوب إذا عريت عن القرائن, واستعمالها في غيره بطريق المجاز, وهذا ينافي اختياره قبل هذا أن المندوب مأمور به. وقال أبو هاشم: إنه حقيقة في الندب. وقيل: حقيقة في الطلب المشترك بين الوجوب والندب. وقيل: مشترك بين الوجوب والندب اشتراكًا لفظيًا. وقال الأشعري والقاضي: بالوقف فيهما, أي لا نعرف أهو حقيقة في الوجوب, أو في الندب, أو مشترك بينهما؟ .

стр. 791

وقيل: مشترك بين الوجوب, والندب, والإباحة. وقيل: للإذن المشترك بين الثلاثة, وهو الإذن. الشيعة: مشترك بين الثلاثة والتهديد أيضًا. قال: (لنا: ثبوت الاستدلال بمطلقها على الوجوب شائعًا متكررًا من غير نكير, كالعمل بالأخبار. واعترض: بأنه ظن. وأجيب: بالمنع, ولو سلّم فيكفي الظهور في مدلول اللفظ, وإلا لتعذر العمل بأكثر الظواهر. وأيضًا: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ , والمراد قوله: ﴿اسجدوا﴾. وأيضًا: ﴿إذا قيل لهم اركعوا﴾ , ذم على مخالفة أمره. وأيضًا: تارك المأمور به عاص, بدليل: ﴿أفعصيت أمري﴾. وأيضًا: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ , والتهديد دليل الوجوب. واعترضت: بأن المخالفة حملت على مخالفة من إيجاب وندب, وهو بعيد. قولهم: مطلق.

стр. 792

قلنا: بل عام. وأيضًا: نقطع بأن السيد إذا قال لعبده: خِط هذا الثوب ولو بكتابة أو إشارة, فلم يفعل, عُدّ عاصيًا. واستدل: بأن الاشتراك خلاف الأصل, فثبت ظهوره في أحد الأربعة, والتهديد والإباحة بعيد. والقطع بالفرق بين: «ندبتك إلى أن تسقيني» , وبين «اسقني» ولا فرق إلا اللوم, وهو ضعيف؛ لأنهم إن سلّموا الفرق؛ فلأن «ندبتك» نص, و «استقني» محتمل). أقول: احتج على مذهب الجمهور: بأن الأئمة الماضين في كل عصر كانوا يستدلون بصيغة الأمر - المجردة عن القرائن - على الوجوب, وشاع وذاع ولم ينكره أحد, كما في العمل بالأخبار بعينه تقريرًا, أو اعتراضًا, أو جوابًا. واعترض: بأنه ظن, فلا يجري في مسائل الأصول. أجيب: بالمنع؛ لأن الإجماع قطعي. سلمنا: ويكفي الظهور؛ ولذا اكتفى بنقل الآحاد في مدلولات الألفاظ وإلا لتعذر العمل بأكثر / الظواهر؛ إذ المقدور عليه فيها إنما هو غلبة الظن, وأما القطع فغير مقدور عليه.

стр. 793

ولنا أيضًا من الكتاب: قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ والمراد به قوله تعالى: ﴿اسجدوا لآدم﴾ , والسؤال للإنكار لا للاستفهام, ولولا أن صيغة «افعل» للوجوب وإلا لو توجه الذم, وكان يقال: ما أوجبت عليّ, والذم على الترك وإن كان متأخرًا عن الوجوب إلا أنا لم نثبت الوجوب به, نعم أثبتنا به العلم بالوجوب, ثم الظاهر أن الوجوب من قرينة ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ , والذم على الإباية والاستكبار. وأيضًا: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ , ذموا على مخالفة الأمر. وأيضًا: تارك الأمر عاص, وكل عاص مستحق للعقاب, أما الأولى فلقوله تعالى: ﴿أفعصيت أمري﴾ , وأما الثانية فلقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾ , فالأمر للوجوب وإلا لم يستحق تاركه العقاب. وأيضًا: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ , هدد على مخالفة

стр. 794

الأمر, والتهديد دليل الوجوب. واعترض هذا الدليل من وجهين: أحدهما: لا نسلم أن مخالفة الأمر ترك المأمور به, بل حمله على غير المراد بأن يكون للوجوب, فيحمل على الندب, وبالعكس. أجاب: بأنه بعيد؛ إذ المتبادر إلى الفهم من قولهم: «خالف أمر سيده» أنه ترك المأمور به, فلا يصرف عنه إلا لدليل. الثاني: اعتراضهم بأن ﴿عن أمره﴾ مطلق, فلا يعم كل أمر. الجواب: أنه مصدر مضاف فيعم, مع أنه رتب الأمر بالحذر على مخالفة [الأمر] , وهو وصف مناسب, فحيث وجدت مخالفة الأمر وجد الأمر بالحذر, فيكون عامًا. ولنا من جهة العرف: القطع بأن السيد إذا قال لعبده: «خِطْ هذا الثوب» ولو بكناية أو إشارة - فضلًا عن صريح القول - فلم يفعل, عدَّ عاصيًا, ولا معنى للوجوب إلا ذلك. وقد استدل: بأن الاشتراك خلاف الأصل, فيكون حقيقة في أحد الأربعة فقط مجازًا في الباقي, وليس حقيقة في الإباحة والتهديد؛ لأنه بعيد ولم يقل به أحد, ولاقتضاء الصيغة رجحان الفعل, وليس الندب أيضًا؛ لأنا نفرق بين: «ندبتك إلى أن تسقيني» , وبين: «اسقني» , ولو كان للندب لم يكن فرق, فتعين أنه للوجوب, ثم لا فرق بينهما إلا اللوم على الترك وهو معنى الوجوب, وهذا ضعيف؛ لأنهم يمنعون الفرق, وإن سلّموه فلا

стр. 795

يسلمون أنه لا فرق إلا اللوم, بل لأن «ندبتك» نص في الندب, و «اسقني» يحتملهما معًا. قال: (الندَّب: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» , فرده إلى مشيئتنا. وردّ: بأنه إنما ردّ إلى استطاعتنا, وهو معنى الوجوب. مطلق الطلب يثبت الرجحان, ولا دليل مفيد, فوجب جعله للمشترك دفعًا للاشتراك. قلنا: بل يثبت التقيد, ثم فيه إثبات اللغة بلوازم الماهيات [وهو غير جائز]. الاشتراك يثبت الإطلاق, والأصل الحقيقة. القاضي: لو ثبت لثبت بدليل ... إلى آخره. قلت: بالاستقراءات المتقدمة. الإذن المشترك كمطلق الطلب). أقول: احتج القائلون / بأن صيغة «افعل» حقيقة في الندب مجاز في غيره: بما في الصحيحين: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» , فردّه

стр. 796

إلى مشيئتنا, وهو معنى الندب. الجواب: لا نسلم أنه ردّه إلى مشيئتنا, بل ردّه إلى استطاعتنا, وهو لازم معنى الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾. القائل بأنها للقدر المشترك احتج: بأنه ثبت لغةً رجحان جانب الفعل عند الإطلاق, فجعله لأحدهما تقييد من غير دليل, فوجب جعله للمشترك بين الوجوب والندب وهو مطلق الطلب, دفعًا لمحذور المجاز والاشتراك. الجواب: نمنع أنه لا دليل على التقييد؛ لأن الأدلة السابقة دلَّت عليه. وثانيهما: أنكم أثبتم اللغة بما يلزم الماهية؛ لأن الرجحان لازم الوجوب والندب لأنه جزء كل منهما, فجعلتم الصيغة له وهو لا يجوز؛ لأن طريق اللغة النقل, أو لأنه يؤدي إلى رفع الاشتراك والمجاز؛ إذ ما من شيئين إلا ويشتركان في لازم, فيجعل اللفظ له. والاعتراض عليهما: أن العقل إذا كانت معه مقدمة نقلية تثبت به اللغة, وصحة هذا الاستدلال مشروط بعدم ما يدل من المواضع على الاشتراك والمجاز, فلا يلزم رفعه.

стр. 797

احتج القائل بالاشتراك -[وهي ثلاث مذاهب]-: بأنه ثبت إطلاق صيغة «افعل» في الوجوب والندب, والأصل في الإطلاق الحقيقة, فيكون مشتركًا. ولم يجب المصنف عنه لظهوره؛ لأن المجاز أولى من الاشتراك. احتج القاضي على الوقف: بأنه لو ثبت كون الأمر للوجوب أو الندب لثبت بدليل, ثم الدليل إما عقلي ولا تثبت اللغة به, وإما نقلي إما آحاد ولا يفيد العلم, وإما متواتر وهو يوجب استقراء طبقات الباحثين, فلا يختلف فيه. الجواب: منع الحصر لثبوته بالأدلة الاستقرائية المتقدمة, ومرجعها تتبع مظان استعمال اللفظ, ويكفي الظهور في مدلول اللفظ. احتج القائل بأنه للإذن - وهو القدر المشترك بين الوجوب والندب والإباحة -: بالدليل الذي تقدم للقائل بأنه للقدر المشترك بين الوجوب والندب [والإباحة]. وجوابه كجوابه.

стр. 798

قال: (مسألة: صيغة الأمر بمجردها لا تدل على تكرار , ولا على مرة, وهو مختار الإمام. الأستاذ: للتكرار مدة العمر مع الإمكان. وقال كثير: للمرة, ولا يحتمل التكرار. وقيل: بالوقف. لنا: أن المدلول طلب حقيقة الفعل, والمرة والتكرار خارجي؛ ولذلك يبرأ بالمرة. الأستاذ: تكرر الصوم, والصلاة. ورُدَّ: بأن التكرار من غيره. وعورض: بالحج. قالوا: ثبت في «لا تصم» , فوجب في «صُم»؛ لأنها طلب. رُدَّ: بأنه قياس, وبالفرق بأن النهي يقتضي النفي, وبأن التكرار في الأمر مانع من غيره, بخلاف النهي. قالوا: الأمر نهي عن ضده, والنهي يعم, فيلزم التكرار. ورُدَّ: بالمنع, وبأن اقتضاء النهي للأضداد دائمًا فرع على تكرار الأمر. المرة: القطع بأنه إذا قال: «ادخل» فدخل مرة, امتثل. قلنا: امتثل لفعل ما أمر به؛ لأنها من ضروراته, لا لأن الأمر ظاهر فيها, ولا في التكرار. الموقف: لو ثبت لثبت بدليل ... إلى آخره).

стр. 799

أقول: صيغة الأمر إذا تجردت عن القرائن لا تدل على تكرار المأمور به, وهو قول أصحاب مالك ﵀, ولا يدل أيضًا على اقتضاء المرة, وهذا مختار الإمام فخر الدين, والمصنف. وحكى ابن القصار من أصحابنا: أنه استقرى كلام مالك ﵀ فدلّ على أنها عنده للتكرار المستوعب لزمان العمر مع الإمكان, وهو مختار الأستاذ وجمع من الفقهاء والمتكلمين, وقال أبو الحسين البصري وكثير من الأصوليين: إنها للمرة, ولا تحتمل التكرار. وقيل: بالوقف, على معنى لا ندري أهو للتكرار أو للمرة؟ , وليس بظاهر في واحد منهما, وهو مختار إمام الحرمين. احتج المصنف: بأن مدلول الأمر طلب حقيقة الفعل, والمرة والتكرار

стр. 800

خارج عن مدلوله؛ إذ لو كان المرة من مفهومه لكان «افعل» مرات تناقضًا, و «افعل» مرة واحدة تكرارًا, ولو كان التكرار من مفهومه لزم ذلك أيضًا, ولزم ألا يبرأ المأمور بالمرة الواحدة, لكنه يبرأ لغة وعرفًا. والمرة وإن كانت لازمة الوجود في الخارج, إلا أنها غير لازمة لمدلوله عقلًا؛ لفهمه دونها. وأيضًا: فإنا قاطعون بأن المرة والتكرار من صفات المصدر كالقليل والكثير؛ لأنك تقول: اضرب ضربًا قليلًا وكثيرًا, ومكررًا وغير مكرر, ومعلوم أن الموصوف بالصفات المتقابلة لا دلالة له على خصوصية شيء منها. قيل: هذان الدليلان يفيدان عدم الدلالة عليهما بالمادة, فلم لا يدلّ عليهما بالصفة؟ وهو المتنازع فيه, واحتمالها لهما لا يمنع ظهور أحدهما. ورُدَّ: بأنها لطلب الفعل بإجماع أهل العربية, والأصل عدم دلالته على أمر خارج, ولا يرد, فإن كان من ضرورة وقوع الفعل فلا يلزم أن يكون داخلًا في مدلول الأمر, ولا أن يكون متعينًا, كما لا يتعين إلا له في الضرب, ولا الشخص / المضروب, وإن كان ذلك من ضرورة الأمر بالضرب. وأيضًا: يجوز ورود الأمر على الفور وعلى التراخي, فصح أن يقال: وجد الأمر في الصورتين؛ لأن لأصل في الإطلاق الحقيقة, ولا مشترك سوى طلب الفعل؛ إذ الأصل عدم غيره, فكان هو مدلول الأمر في الصورتين دون ما به الافتراق من الزمان وغيره, دفعًا لمحذور المجاز والاشتراك.

стр. 801

والتكرار والتناقض مدفوعان بأن الصريح لا يناقض الظاهر, والتأكيد لرفع الاحتمال, وكونه يبرأ بالمرة وإن لم تكن قرينة تمنعه. احتج الأستاذ: بأنه لو لم يكن الأمر للتكرار, لما تكرر الصوم والصلاة, لكنه تكرر. الجواب: منع الملازمة؛ إذ التكرار من غيره وهو الإجماع. ولو سلّم, فمعارض بالحج, فإنه مأمور به ولا تكرار. قالوا ثانيًا: ثبت التكرار في «لا تصم» , فوجب في «صُم» , والجامع أن كلًّا منهما طلب. الجواب: أنه قياس في اللغة وقد أبطلناه, ولو سلّم فالفرق بينهما أن النهي يقتضي انتفاء الحقيقة, ولا يكون إلا بانتفائها في جميع الأوقات, والأمر يقتضي إثباتها, وهو يحصل بمرة. وأيضًا: التكرار في الأمر مانع من فعل غيره من المأمورات, بخلاف التكرار في النهي؛ إذ التروك تجتمع وتجامع فعل الغير. قالوا ثالثًا: الأمر بالشيء نهي عن ضده, والنهي يمنع من المنهي عنه دائمًا, فيلزم تكرار المأمور به. الجواب: إنما نمنع أنه نهي عن ضده. سلّمنا, ولا نسلم تكراره؛ لأن النهي الضمني تابع للأمر, فإن كان المأمور به دائمًا, كان نهيًا عن ضده دائمًا, وإن كان مأمورًا به في وقت ما كان نهيًا عن الأضداد في ذلك الوقت, فإذن كون النهي الذي تضمنه الأمر

стр. 802

يقتضي التكرار فرع عن كون الأمر للتكرار, فإثباته به دور. احتج القائل بأنه للمرة: بأن السيد إذا قال لعبده: «ادخل الدار» فدخلها مرة, عُدَّ ممتثلًا عرفًا, ولو كان للتكرار لما عُدّ ممتثلًا بها. الجواب: أنه إنما امتثل بحصول المأمور به الذي هو في ضمن المرة؛ إذ المرة من ضرورة فعل ما أمر به, لا لأن الأمر ظاهر في المرة بخصوصها, ولا حاجة إلى قوله: ولا في التكرار. احتج القائل بالوقف: بأنه لو ثبت لثبت بدليل إما عقلي أو نقلي ... إلى آخره. والجواب: أنه ثبت بالاستقراء. قال: (مسألة: الأمر إذا علق على علة ثابتة , وجب تكرره بتكررها اتفاقًا؛ للإجماع على اتباع العلة, لا للأمر. فإن علق على غير العلة, المختار: لا يقتضي.

стр. 803

لنا: القطع بأنه إذا قيل: «إن دخلت السوق فاشتر كذا» , فاشترى مرة, عُدّ ممتثلًا بالمرة مقتصرًا. قالوا: ثبت ذلك في أوامر الشرع, ﴿إذا قمتم﴾ , ﴿الزانية والزاني﴾ , ﴿وإن كنتم جنبًا﴾. قلنا: في غير العلة بدليل خاص. قالوا: تكرر للعلة, فالشرط أولى لانتفاء المشروط. قلنا: العلة مقتضية معلولها). أقول: القائلون بأن الأمر لا يدل على التكرار, اتفقوا على أن الأمر إذا عُلق على علة ثابتة - أي ثبتت عليتها بالدليل, كما لو قال: «إن زنا فاجلدوه» - أنه يتكرر الفعل بتكرر العلة؛ للاتفاق على اتباع العلة مهما وجدت وإثبات الحكم بثبوتها, فإذا تكررت تكرر, وليس التكرار مستفادًا من الأمر, وإلا لتكرر وإن لم تكرر. فإن عُلق على شيء لم تثبت عليته, كما لو قال: «إن دخل الشهر فأعتق عبدًا» , فالمختار أنه لا يقتضي - تكرار المعلق عليه - تكرار الفعل. لنا: أن السيد إذا قال لعبده: «إن دخلتَ السوق فاشترِ كذا» , فاشتراه

стр. 804

مرة مقتصرًا عليها غير مكرر ذلك بتكرار دخول السوق, عُدّ ممتثلًا, ولو أخذ يشتري ذلك كلما دخل, عُدَّ مستحقًا للَّوْمِ, ولو وجب تكرار الفعل بتكرار ما علق عليه, ما عُدَّ ممتثلًا باقتصاره على المرة, ولما استحق اللوم إذا كرر الشراء عند تكرار الدخول. [احتج القائل بأنه يتكرر - إذا علق أيضًا على غير العلة -: بأن تكرر الفعل بتكرر ما علق عليه في أوامر الشرع, نحو: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ , ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ , ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ , وليس تكرره للأمر, فهو لتكرر المعلق عليه؛ إذ الأصل عدم غيره. الجواب: ما ذكرتم أن ثبتت عليته كالزنا, فليس محل النزاع, وإن لم تثبت فلا يثبت فيه التكرار إلا بدليل خاص؛ ولذلك لم يتكرر الحج وإن كان معلقًا بالاستطاعة, وتكرر الوضوء والغسل إما لأن المعلق عليه علة, أو للإجماع. قالوا ثانيًا: الأمر المعلق على علة ثابتة يجب تكرره بتكررها, فالمعلق على الشرط أولى أن يتكرر بتكرره؛ لانتفاء المشروط عند انتفائه, بخلاف العلة لا يلزم من انتفائها انتفاء المعلول؛ لجواز أن تخلفها علة أخرى؛ إذ يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين.

стр. 805

الجواب: أن التكرر في العلة من أجل أن وجودها مقتضي وجود المعلول, وذلك منتف في الشرط, فإن وجود لا يقتضي وجود المشروط, واقتضاء انتفاء المشروع بانتفاء الشرط لا يوجب التكرار بتكرره وهو ظاهر, والشرط وإن كان في جانب العدم آكد, لكن منشأ الحكم الثبوت, والعلة في جانب الثبوت آكد]. قال: (القائلون بالتكرار قائلون بالفور, ومن قال إن المرة تبرئ, قال بعضهم: للفور. وقال القاضي: إما الفور, وإما العزم. وقال الإمام: بالوقف لغة, فإن بادر امتثل. وقيل: بالوقف وإن بادر. وعن الشافعي ﵁: ما اختير في التكرار, وهو الصحيح. لنا: ما تقدم الفور, لو قال: «اسقني» وأخَّر, عُدّ عاصيًا. قلنا: للقرينة. قالوا: كل مخبر أو منشئ فقصده الحاضر, مثل «زيد قائم» , «وأنت طالق». ردّ: بأنه قياس, وبالفرق بأن في هذا استقبالًا قطعًا. قالوا: طلب كالنهي, والأمر نهي عن ضده, وقد تقدم. قالوا: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ , فذم على تكر البدار. قلنا: لقوله: ﴿فإذا سويته﴾.

стр. 806

قالوا: لو كان التأخير مشروعًا لوجب أن يكون إلى وقت معين. ورُدّ: بأنه يلزم لو صرح بالجواز بأنه إنما يلزم لو كان التأخير مشروعًا, وأما في الجواز فلا, لأنه متمكن من الامتثال. قالوا: قال الله تعالى: ﴿سارعوا﴾ , ﴿فاستبقوا﴾. قلنا: محول على الأفضلية, وإلا لم يكن مسارعًا. القاضي: ما تقدم في الموسع. الإمام: الطلب متحقق, والتأخير مشكوك, فوجب البدار. وأجيب: بأنه غير مشكوك). أقول: القائلون بأن صيغة الأمر إذا عريت عن القرائن تقتضي التكرار قائلون بالفور, وهو وجوب المبادرة؛ لأنه من ضرورات استغراق الأوقات, وهو المروي عن مالك. وأما من قال: إن المرة تبرئ, سواء قلنا: وضع لها, أو قلنا: المرة من

стр. 807

ضرورة ما أمر به, فقال بعضهم: إنها للفور, ولو أخّر عصى. وقال القاضي: تقتضي الفور في أحد الأمرين, إما الفعل في الحال, أو العزم عليه في ثاني حال, ولم يذكر صاحب الإحكام عن القاضي سوى جواز التأخير, لكن يلزم ذلك على ما قدم في الموسع. وقال إمام الحرمين: بالوقف في مدلوله لغة, أهو الفور أم جواز التأخير؟ , لكنه لو بادر إلى الفعل في الحال امتثل, فإن أخّر وأوقعه بعد ذلك لم نقطع بخروجه عن عهدة الخطاب. قال بعضهم: بالوقف لغة, وأنه لو بادر لا نقطع بخروجه عن عهده الخطاب؛ لاحتمال وجوب التراخي, وهو خلاف إجماع السلف. ومختار الشافعي والمغاربة من المالكية: أنها تدل على طلب الفعل فقط, وصححه المصنف. لنا: ما تقدم في التكرار من أن المدلول طلب حقيقة الفعل, والفور والتراخي خارجي, وأيضًا: الفور والتراخي من صفات / الفعل, ولا دلالة للموصوف على الصفة.

стр. 808

احتج القائل بأنها للفور: بأن السيد لو قال لعبده: «اسقني» فأخَّر من غير عذر, عُدّ عاصيًا عرفًا, ولولا أنه للفور لما فهم ذلك. الجواب: أن ذلك إنما فهم بالقرينة؛ لأن العادة أن طلب السقي لا يكون إلا عند الحاجة, والكلام في الصيغة المجردة. قالوا ثانيًا: كل مخبر أو منشئ مثل: «زيد قائم» , و «أنت طالق» فإنما يقصد الزمان الحاضر, فكذا الأمر بجامع أنهما من أقسام الكلام في الأول, وأن كلا منهما إنشاء في الثاني, وصاحب الإحكام لم يذكر المخبر, وهو أحسن؛ إذ لا نسلم أن كل مخبر قصده الحاضر؛ لأن المخبر يخبر عن الماضي والمستقبل أيضًا. الجواب: أنه قياس في اللغة وقد أبطلناه, ولو سلم فالفرق أن الأمر فيه دلالة على الاستقبال قطعًا, فلا يمكن صرفه إلى الحال؛ لأن الحاصل لا يطلب, بل إلى الاستقبال المطلق, أو الأقرب إلى الحال, وكلاهما محتمل, فلا يصار إليه إلا بدليل, بخلاف «أنت طالق» فإنه لا يتأخر عن التلفظ به تأخرًا زمانيًا, أو نقول: لا نسلم أن وقوع الطلاق على الفور من حيث اللغة, بل الشارع جعله علامة على الحكم الحالي, فلا يلزم أن يكون الأمر للفور لغة. قالوا ثالثًا: النهي يقتضي الفور, فكذا الأمر بجامع أن كلا منهما طلب وقالوا رابعًا: الأمر بالشيء نهي عن أضداده, والنهي يقتضي الفور فكذا

стр. 809

الأمر, وقد تقدم تقريرها والجواب عنهما. قالوا خامسًا: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ , فذم على ترك المبادرة؛ لأن «إذ» للزمان, أي ما منعك من السجود زمان الأمر, فلولا أنها للفور ما توجه الذم؛ لجواز التأخير حينئذ. الجواب: أنه أمر مقيد بوقت معين, يدل عليه قوله تعالى: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ , ولا يلزم ذلك في الأمر المطلق. قلت: وقد اعتمدوا هذا الجواب, ولا يتم إلا بتقدير كون الفاء في جواب الشرط تقتضي التعقيب, وليس كذلك؛ لأنها إنما تقتضيه إذا كانت عاطفة, مثل: «جاء زيد فعمرو» , أو «أعط زيدًا فعمرًا». قالوا سادسًا: لو كان التأخير مشروعًا لوجب أن يكون إلى أمد, وإلا لجاز تأخيره أبدًا, فلا يكون واجبًا, ثم الأمد لابد أن يكون معينًا, وإلا لكان التكليف بامتناع تأخيره عن ذلك الأمد تكليفًا بالمحال, وتعيين الوقت لإشعار الأمر به, ولا دليل / من خارج يعينه؛ لأنهم اتفقوا على أنه لا يجوز تأخيره عن الوقت الذي لو لم يشتغل به فيه لفاته, ولا يعرف إلا بأمارة, وليس إلا كبر السن أو المرض الشديد, وكثير ممن يموت فجأة, فلا يكون شاملًا لجميع المكلفين. الجواب أولًا: بالنقض بما لو صرح بجواز التأخير, كما لو قال: «صُم

стр. 810

على التراخي»؛ إذ لا خلاف في جواز التكليف بمثله. وثانيًا: إنما يلزم لو كان التأخير متعينًا, فيجب تعريف وقته الذي يؤخر إليه, وأما إذا كان جائزًا فلا, لأنه متمكن من الامتثال بالمبادرة, فلا يلزم التكليف بالمحال. وفي الجواب الثاني نظر؛ لأن التكليف بالمحال اللازم لعدم تعيين الأمد إنما هو التكليف بامتناع تأخيره عن ذلك الأمد, لا التكليف بالإتيان بالمأمور به قبل أمدة حتى يندفع بما ذكر. قالوا سابعًا: قال تعالى: ﴿سارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ والمراد سببها اتفاقًا وهو فعل المأمور به فتجب المسارعة إليه, وقال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ وفعل المأمور به من الخيرات فيجب الاستباق إليه. الجواب: أن ذلك محمول على أفضلية المسارعة والاستباق؛ إذ لو وجب على الفور لو يكن مسارعًا ومستبقًا؛ لأنهما إنما يتصوران في الموسع لا في المضيق؛ لأن المسارعة مباشرة الفعل في وقت مع جواز تأخيره عنه. سلمنا حملهما على الوجوب, لكن الفورية منهما لا من مطلق صيغة الأمر. احتج القاضي: بما سبق له في الموسع, وقد تقدم تقريره وجوابه. احتج الإمام: بأن طلب الفعل محقق, والخروج عن العهدة بالتأخير مشكوك؛ لاحتمال أن يكون للفور فيعصي بالتأخير, فيجب البدار ليخرج
следующие страницы →