Полный текст (1 541 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
عن الشيء لعينه يدل على فساد المنهي عنه.
واختلف القائلون به, فبعضهم قال: يدل شرعًا, وبعضهم قال: لغة.
وقيل: لا يدل على الفساد, وقيل: يدل على الفساد فيما يوصف بالإجزاء وهي العبادات, لا فيما يوصف بالسببية وهي المعاملات.
ومعنى الفساد في المعاملات: ألا تكون سببًا مقيدًا لأحكامها المقصودة منها وثمراتها, وهذا مذهب أبي الحسين البصري, حكاه الإمام عنه.
وذهب آخرون إلى أنه لا يدل على الفساد, وإليه ذهب القاضي أبو بكر
стр. 842
منا, والغزالي, والقفال, وكثير من مشايخ الحنفية, ومشايخ المعتزلة.
ثم من هؤلاء من قال: إنه يدل على الصحة, وروي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن.
قال الأولون: فإذا قال: «لا تصم يوم العيد» وصامه قضاء عن رمضان, عصى ولم يجزئه, ولو باع ذهبًا بذهب متفاضلًا, لم يكن هذا البيع سببًا لحل الانتفاع بالمبيع, ولا يترتب عليه أحكام البيع.
احتج المصنف على الجزء السلبي:
أولًا: بأن فساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه, وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغة قطعًا, إذ معنى النهي اقتضى الامتناع عن الفعل, وسلب
стр. 843
الأحكام ليس عينه, ولا لازمًا له, ولو قال: «لا تبع, فإن بعت عاقبتك» وترتبت عليه أحكام البيع, لم يكن ظاهرًا في التناقض.
واحتج على الجزء الثبوتي بوجهين:
الأول: أن علماء الأمصار لم يزالوا يستدلون بالنهي على الفساد في أبواب الربا والأنكحة وغيرها من العبادات ولم ينكر, فكان إجماعًا.
وفيه نظر؛ لأنا نمنع أنهم يستدلون بالنهي على الفساد, بل يستدلون به على التحريم.
الثاني: لو لم يفسد المنهي عنه لكان صحيحًا, لكن الصحة والنهي لا يجتمعان؛ لأن الفعل إن تضمن مصلحة خالصة أو راجحة لم ينه عنه, وكذا إن تضمن مصلحة مساوية؛ لأنه ترجيح لأحد المتساويين على الآخر, وإن تضمن مفسدة خالصة أو راجحة امتنعت صحته.
وتنزيله على كلام المصنف: أن أحكام الشرع معللة برعاية مصالح العباد, فيلزم من نفي المنهي / عنه حكمة يدل عليها النهي ومن ثبوته حكمة يدل عليها الصحة, فإن تساوت الحكمتان تساقطتا وكان فعله كلا فعله, فامتنع النهي عنه لخلوه عن الحكمة, وإن كانت حكمة النهي مرجوحة فأولى, وإن كانت راجحة امتنعت الصحة لفوات قدر الرجحان من مصلحة النهي فثبت فساد المنهي عنه وليس من الصيغة لغة, فهو من النهي الشرعي.
قلت: وفيه نظر؛ إما لأن الأحكام المبنية على المصالح أحكام شرعية, والصحة والفاسد عنده أمر عقلي, وإما لأنه يستلزم أن يكون كل منهي عنه
стр. 844
فاسدًا ولو دلّ الدليل على صحته.
قال: (اللغة: لم تزل العلماء.
وأجيب: بفهمهم شرعًا بما تقدم.
قالوا: الأمر يقتضي الصحة, والنهي نقيضه, فيقتضي نقيضها.
وأجيب: بأنه لا يقتضيها لغة.
فلو سلّم, فلا يلزم اختلاف أحكام المتقابلات, ولو سلّم فإنما يلزم ألا يكون للصحة, لا أن يقتضي الفساد).
أقول: احتج القائل بأنه يدل على الفساد لغة: بأن العلماء لم يزالوا يستدلون بالنهي على الفساد, والأصل عدم النقل.
الجواب: سلمنا أنه يدل على الفساد, لكن لفهمهم ذلك شرعًا, لما تقدم من الدليل على عدم دلالته لغةً.
قالوا ثانيًا: الأمر يقتضي الصحة لما مرَّ, والنهي نقيضه, ومقتضى النقيضين نقيضان, فيكون النهي مقتضيًا نقيض الصحة وهو الفساد.
الجواب: الأمر يقتضي الصحة شرعًا لا لغةً, فكذلك النهي.
سلمنا, لكن لا يجب اختلاف أحكام المتقابلات؛ لجواز اشتراكها في لازم واحد.
سلمنا, لكن نقيض «يقتضي الصحة» , هو: «لا يقتضي الصحة» , وهو أعم من «يقتضي الفساد» , والأعم لا إشعار له بالأخص المعَّين.
قال: (النافي: لو دلَّ لناقض تصريح الصحة, ونهيتك عن الربا لعينه, وتملك به يصح.
стр. 845
وأجيب: بالمنع بما سبق).
أقول: احتج القائل بأنه لا يدل على الفساد شرعًا ولا لغة: بأنه لو دلّ النهي على الفساد لكان مناقضًا للتصريح بصحة المنهي عنه, واللازم باطل؛ لأنه يصح أن يقال: «نهيتك عن الربا لعينه ولو فعلت عاقبتك» , وحصل له بن الملك.
الجواب: منع الملازمة, وهو أن الظهور لا يمنع التصريح بنقيضه, وإليه الإشارة بما سبق, أي في مسألة «الأمر بعد الحظر» , وهو ينافي قوله: وليس في اللفظ ما يدل عليه لغة قطعًا, إلا أن يريد ظاهر شرعًا لا لغة, وهذا الجواب ينافي مقتضى / دليله من المنقول.
وقيل: معنى (وأجيب بالمنع بما سبق) أي نمنع بطلان اللازم, ولا يصح أن يقول: وتملك به؛ لما سبق من أن النهي عن الشيء وصحته لا يجتمعان, وهذا وإن كان يحتمله ويسلم من هذا الاعتراض, لكن قوله في المسألة التي بعد: (وأجيب بأنه ظاهر فيه, وما خولف فبدليل) , مع أنه استدل أيضًا فيها بالدليل السابق من المعقول, يرد هذا الحمل.
قال: (القائل يدل على الصحة: لو لم يدل, لكان المنهي عنه غير شرعي, والشرعي الصحيح, كصوم يوم النحر, والصلاة في الأوقات المكروهة.
стр. 846
وأجيب: بأن الشرعي ليس معناه المعتبر لقوله ﷺ : «دعي الصلاة»؛ وللزوم دخول الوضوء وغيره في مسمى الصلاة.
قالوا: لو كان ممتنعًا لم يمنع.
وأجيب: بأن المنع للنهي, وبالنقض بمثل: ﴿ولا تنكحوا﴾ , «ودعي الصلاة».
قولهم: نحمله على اللغوي, يوقعهم في مخالفة أن الممتنع لا يمنع, ثم هو متعذر في الحائض).
أقول: احتج القائل بأنه يدل على الصحة: بأنه لو لم يدل عليها لكان المنهي عنه غير شرعي, أما الملازمة؛ فلأن المنهي عنه إذا لم يكن صحيحًا لم يكن شرعيًا, لأن كل شرعي صحيح, وينعكس: كلما لم يكن صحيحًا لم يكن شرعًا.
وأما بطلان التالي؛ فلأن المنهي عنه في صوم يوم النحر والصلاة في الأوقات المكروهة, الصوم والصلاة الشرعيان لا اللغويان.
الجواب: منع الملازمة, والشرعي ليس معناه المعتبر شرعًا, بل ما يسميه الشارع بذلك الاسم, وهو الصورة المعينة صحت أم لا؛ ولذلك يقال: صلاة صحيحة, وصلاة فاسدة, ويدل عليه قوله ﵇: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» , أخرجه مسلم, وصلاة الحائض لا تصح
стр. 847
اتفاقًا, ثم يلزم أن يكون الوضوء - وغيره من شرائط الصلاة - داخلًا في مفهوم الصلاة؛ لأن الصلاة المعتبرة شرعًا هي المستجمعة للشرائط, ومعلوم أن الشرائط خارجة.
قالوا ثانيًا: لو كان ممتنعا شرعًا لم يمنع؛ لأن المنع عن الممتنع لا يفيد.
الجواب أولًا: أنه ممتنع بهذا المنع, إنما المحال منع المتميز بغير هذا المنع.
وثانيًا: أنه منقوض بمثل: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ , فإنه غير صحيح اتفاقًا, وكذا: «دعي الصلاة أيام أقرائك».
فإن قيل: نحمله هنا على اللغوي, فلا يلزم الصحة.
قلنا: دليلكم قائم في اللغوي, وهو أن الوطء ممتنع شرعًا وقد منع منه, والممتنع لا يمنع, ثم حمله على اللغوي في صلاة الحائض؛ لأن اللغوي - وهو الدعاء - غير ممنوع اتفاقًا.
قال: (مسألة: النهي عن الشيء لوصفه كذلك, خلافًا / للأكثر.
وقال الشافعي: يضاد وجوب أصله, يعني ظاهرًا, وإلا ورد نهيُ الكراهة.
وقال أبو حنيفة: يدل على فساد الوصف؛ لأنه المنهي عنه.
لنا: استدلال العلماء بمثله على تحريم صوم يوم النحر ونحوه, وبما تقدم من المعنى.
стр. 848
قالوا: لو دلّ لناقض تصريح الصحة, وطلاق الحائض, وذبح ملك الغير معتبر.
وأجيب: بأنه ظاهر فيه, وما خولف صرف النهي عنه).
أقول: لما فرغ من النهي عن الشيء لعينه, شرع في النهي عن الشيء لوصفه, كالنهي عن طلاق الحائض, وهو عنده يدل على الفساد شرعًا لا لغة, والأكثر أنه لا يدل على الفساد.
وقال الشافعي: النهي عن الشيء لوصفه يضاد وجوب أصله.
قال المصنف: يعني يضاد وجوب أصله ظاهرًا, وإلا ورد نهي الكراهة, كالنهي عن الصلاة في الأماكن المكروهة, فإنه يرفع وجوب أصلها اتفاقًا؛ لأن نسبة الكراهة والتحريم إلى الوجوب في التضاد سواء, فلو لم يجامع أحدهما لم يجامع الآخر, لكن يجوز ترك الظاهر لدليل أرجح.
قيل: في هذا النقض نظر؛ لأن طلاق الحائض, وذبح ملك الغير, يرجع إلى وصف منفك.
وقال أبو حنيفة: يدل على فساد الوصف, ولا يدل على فساد أصله, حتى لو طرح الزيادة في الربا صح العقد.
стр. 849
لنا: استدلال العلماء على فساد صوم يوم العيد بنهيه ﵇ عن صومه, وليس نهيًا عن مطلق الصوم, بل لأنه صوم في يوم العيد.
وأيضًا: ما تقدم من المعنى, وهو (لو لم يفسد ... إلى آخره).
وفي الاستدلال نظر على الوجه الذي ذكره؛ إذ لا يلزم عند الخصم من التحريم الفساد.
قالوا: لو دلَّ لناقض تصريح الصحة, ولا تناقض كما مرّ.
وأيضًا: وجب ألا يعتبر طلاق الحائض, ولا ذبح ملك الغير.
الجواب: أنه ظاهر في الفساد, ويجوز التصريح بخلاف الظاهر, وما خولف فيه من الصور, فلدليل راجح صرف النهي عن الفساد.
وقيل: صرف النهي عن الظاهر, وهو قريب منه.
وقيل: صرف النهي عن الوصف إلى أمر خارج, كتطويل العدة في الحائض مثلًا: وقيل: صرف النهي عن الظاهر إلى وصفها, وهذا أبعدها.
قال: (مسألة: النهي يقتضي الدوام ظاهرًا .
لنا: استدلال العلماء مع اختلاف الأوقات.
قالوا: نهيت الحائض عن الصلاة. قلنا: لأنع مقيد).
أقول: النهي يقتضي دوام ترك المنهي عنه اقتضاء ظاهرًا, وقد يصرف عنه لدليل.
стр. 850
لنا: أن العلماء لم يزالوا يستدلون بالنهي على الترك مع اختلاف الأوقات ولولا أنه للدوام لما صح, وقد علمت ما في هذه المسألة, ودليل النافي عليها, فلا نعيده.
قالوا: لو كان للدوام لما انفك عنه, لكن الحائض نهيت عن الصلاة والصوم لا دائمًا.
الجواب: كلامنا في النهي المطلق, وهذا مختص / بوقت الحيض عام فيه لا يتناول غيره أصلًا.
قال: (العام والخاص .
أبو الحسين: العام: اللفظ المستغرق لما يصلح له.
وليس بمانع؛ لأن نحو عشرة, يدخل فيه, ولأن ونحو ضرب زيدٌ عمرًا, يدخل فيه.
الغزالي: اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا.
وليس بجامع؛ لخروج المعدوم والمستحيل فإن مدلولهما ليس بشيء, والموصلات لأنها ليست بلفظ واحد, ولا مانع؛ لأن كل مثنى يدخل فيه؛ وكل معهود ونكرة يدخل فيه, وقد يلتزم هذين.
والأولى: ما دلّ على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا ضربة.
فقولنا: «اشتركت فيه» ليخرج نحو عشرة, و «مطلقًا» ليخرج المعودون, وقولنا: «ضربه» ليخرج نحو رجل.
стр. 851
والخاص بخلافه).
أقول: من أقسام المتن: العام, والخاص.
وحَدَّ أبو الحسين العام بأنه: اللفظ المستغرق لما يصلح له.
واعترضه المصنف: بأنه ليس بمانع, فإن نحو: عشرة ومائة يدخل فيه, لا بالنسبة إلى أفراد العشرات لأنها بهذا الاعتبار - وإن صلح لها - إلا أنها على طريق البدل فليس بمستغرق, [ولا بالنسبة إلى الوحدات التي اشتملت عليها لأنها ليست بصالحة لكل واحد منها, إذ المراد «بما يصلح» ما يصلح لأن يطلق ذلك عليه لغة] , بل باعتبار أنه مستغرق لجميع الوحدات التي يصلح لفظ العشرة لجميعه من حيث هو جميعها, ويرد أيضًا: نحو «ضرب زيد عمرًا»؛ لأنه لفظ مستغرق لجميع ما يصلح له من الفعل والفاعل.
قيل: أراد أبو الحسين بقوله: (ما يصلح له) أفراد المسمى لا أجزاؤه فلا يرد ما ذكر, وفيه نظر؛ لأنه يلزم أن يكون الرجال ليس بعام؛ لأن ما يصلح له شيء واحد, إلا أن يريد بطريق المجاز, كالجموع الداخلة فيه, وحينئذ لا يلزم أن يكون عشرة عامًا, لعدم استغراقها جميع العشرات التي [ني] لها.
وعرّفه الغزالي: بأنه اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدًا, وفوائد القيود ظاهرة.
стр. 852
واعترض: بأنه ليس بجامع, ولا مانع.
أما أنه ليس بجامع؛ فلخروج لفظ المعدوم والمستحيل, فإنه عام, ومدلوله ليس بشيء, والموصولات بصلاتها من العام, وليس بلفظ واحد.
وأما أنه ليس بمانع؛ فلأن كل مثنى يدخل في الحدّ, وأيضًا: كل جمع لمعهود وكل جمع لنكرة يدخل فيه, وليس بعام, إلا أن الغزالي قد يلتزم عموم هذين.
وقد يجاب عن الأول: بأن المعدوم والمستحيل شيء لغة, وإن لم يكن شيئًا بالمعنى المتنازع فيه في الكلام, وهي كونه ثابتًا حال العدم.
وعن الثاني: أن العام هو الموصول, إلا أنه مبهم لا يعلم لماذا هو؟ , والصلة / مبنية, والمثنى لا يدل على شيئين فصاعدًا, بل على شيئين فقط.
قيل: لو كان كذلك - والفاء تفيد التعقيب - لزم أن يكون اللفظ الواحد دالًا على أكثر من شيئين عقب دلالته على شيئين, فليس «فصاعدًا» معمولًا للدال, بل لمحذوف يفسره الدال, فيكون أقل المدلول للعام شيئين, ولا نزاع في أنه يلزم عليه أن يكون لفظ ثلاثة عامًا.
ولما زيف المصنف التعريفين, عرّفه: بما دلّ على مسميات, باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا ضربة.
فقولنا: (ما دلّ) كالجنس, ولم يقل: «لفظ» لئلا يختص العموم باللفظ.
وقال: (مسميات) ليخرج المثنى.
والحق أن نحو: رجال يدخل فيه؛ لدلالته على مسميات بالرجل,
стр. 853
باعتبار أمر اشتركت فيه, وهو الذَّكَرُ من بني آدم, إذ لا يريد مسميات باسم العام, إذ لا مسمى له إلا شيء واحد.
وقال: (باعتبار أمر اشتركت فيه) ليخرج نحو عشرة, فإن العشرة دلّت على آحادها لا باعتبار أمر اشتركت فيه؛ لأن آحاد العشرة أجزاء لها لا جزئيات لها, فلا يصدق على واحد أنه عشرة.
وقال: (مطلقًا) أي لا بقرينة خارجية, احترازًا من المسلمين لمعهودين.
وإنما قال: (ضربة) ليخرج نحو رجل, فإنه دلّ على مسميات لكن لا دفعة واحدة, بل على البدل.
ثم قال: (والخاص بخلافه) أي ما دلّ لا على مسميات ... إلى آخره.
قال: (مسألة: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة .
وأما في المعاني, فثالثها الصحيح كذلك.
لنا: أن العموم حقيقة في شمول أمر لمتعدد, وهو في المعاني كعموم المطر والخصب ونحوه. ولذلك قيل: عمّ المطر والخصب ونحوه.
وكذلك المعنى الكلي لشمول الجزئيات.
ومن ثم قيل: العام ما لا يمنع تصوره من الشركة.
فإن قيل: أمر واحد شامل, وعموم المطر ونحوه ليس كذلك.
قلنا: ليس العموم بهذا الشرط لغة.
وأيضًا: فإن ذلك ثابت في عموم الصوت, والأمر, والنهي, والمعنى الكلي).
стр. 854
أقول: العموم من عوارض الألفاظ, فإذا قيل: لفظ عام, صرف على سبيل الحقيقة, أما في المعنى, كما لو قيل: هذا معنى عام, فقيل: لا يصدق حقيقة ولا مجازًا, وقيل: يصدق مجازًا.
والصحيح عنده: أنه يصدق حقيقة.
لنا: أنا لعموم حقيقة في شمول أمر لمتعدد, فكما صح في الألفاظ باعتبار شموله بحسب الوضع لمعان متعددة, يصح في المعاني, بل هو في المعنى أظهر؛ إذ اشتراك الأشخاص في الإنسانية ليس في مجرد الاسم, وليس في وقوع الإنسان عليها كوقوع زيد على جمع تسموا به, فإن زيدًا لم يسم به إلا لأنه هو, لا لمعنى كلي, ولو رأيت رجلًا مجهول / الاسم حكمت أنه إنسان, ولم تحكم أنه زيد حتى تسأل عنه.
فأنت في الأول متمثل صورة كلية تطابق كل إنسان فلذا حكمت, ولم تتمثل من زيد صورة تطابق شخصًا آخر, فلذا لم تحكم بوقوع اسم الليث على الأسد, ولا يمنع الشركة, ووقوعه على شخص إنسان يمنعها, فإذن: العموم من عوارض المعاني, وإنما يعرض للألفاظ من حيث أنها ذوات معان تطابق كثرة.
стр. 855
فالعموم للفظ من حيث وقوع الشركة في المفهوم لا في اللفظ, ومن شمول أمر معنوي لمتعدد عموم المطر والخصب والقحط للبلاد.
ولذلك يقال: «عمَّ المطر» , و «عمَّ الخصب» , وكذلك ما تصوره من المعاني الكلية الشاملة لجزئياتها المتعددة الداخلة تحتها؛ ولأجل عروض العموم للمعنى, فسّر المنطقيون العام بما فسّر به الكلي.
فقالوا: العام ما لا يمنع تصوره الشركة.
فإن قيل: المراد من العموم أمر واحد شامل لمتعدد, وشمول المطر والخصب ليس كذلك, إذ الموجود في مكان غير الموجود في الآخر, وإنما هي أفراد من المطر والخصب, لأفراد من الأمكنة والأشخاص, ولو نسب المطر إلى جزئياته لا إلى أجزائه, لكان أمرًا واحدًا شاملًا, إلا أنه لا يكون المراد من قول العرب: «عمَّ المطر» , ولا كذلك «الرجال» , فإنه أمر واحد شامل لمراتب العدد.
الجواب: أنه لا يعتبر في اللغة في العموم هذا القيد, بل يكفي الشمول, سواء كان هناك أمر واحد, أو لم يكن.
سلمنا, لكن العموم بذلك المعنى ثابت في الصوت يسمعه طائفة, وهو أمر واحد يعمهم.
وفيه نظر؛ إذ لا يشمل أصواتًا, وكذلك الأمر والنهي النفسيان يعمّان المكلفين, وكذلك المعنى الكلي فإن عمومه باعتبار أمر واحد شامل لأفراده.
واعلم أن الإطلاق اللغوي يسهل, إنما النزاع في واحد يشتمل على متعدد, وكذلك لا يتصور في الأعيان الخارجية, إنما يتصور في المعاني
стр. 856
الذهنية, والأصوليون ينكرون [الوجود الذهني].
والنزاع لفظي؛ لأن العموم إن كان شمول لفظ لمتعدد, كان من عوارض الألفاظ فقط, وإن كان شمول معنى لمتعدد, كان من عوارض المعاني فقط, وعروضه للفظ بالتبعية, وإن كان شمول أمر لمتعدد, كان من عوارضهما.
وكأن المصنف استشعر أن يقال له: لو عرض للمعنى حقيقة أيضًا لزم الاشتراك, فأشار إلى أنه للقدر المشترك, وهو شمول أمر لمتعدد, وهو بناء على أنه استعمال / المتواطئ في أفراده حقيقة, وفيه ما فيه.
قال: (مسألة: قال الشافعي والمحققون: للعموم صيغة.
والخلاف في عمومها وخصوصها: كما في الأمر.
وقيل: مشتركة, وقيل: موقوفة بالوقف في الأخبار لا في الأمر والنهي. والوقف إما على معنى لا ندري, وإما نعلم أنه وضع ولا ندري أحقيقة أم مجاز.
وهي: أسماء الشروط, والاستفهام, والموصولات, والجموع المعرفة
стр. 857
تعريف جنس, والمضاف, واسم الجنس كذلك, والنكرة في النفي.
لنا: القطع في: لا تضرب أحدًا.
وأيضًا: لم تزل الطمأنينة بمثل: ﴿والسارق والسارقة﴾ , ﴿الزانية والزاني﴾ , ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ , وكاحتجاج عمر في قتال أبي بكر مانعي الزكاة: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها حقنوا مني دماءهم وأموالهم» , وكذلك: «الأئمة من قريش» , و «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» , وشاع وذاع ولم ينكره أحد.
قولهم: فهم بالقرائن, يؤدي إلى أن لا يثبت للفظ مدلول ظاهر أبدًا.
والاتفاق فيمن دخل داري فهو حر, أو طالق, أنه يعم.
وأيضًا: كثرة الوقائع.
واستدل: بأنه معنى ظاهر محتاج إلى التعبير عنه كغيره.
وأجيب: بأنه قد يستغنى بالمجاز وبالمشترك).
أقول: ذهب المرجئة إلى أن معنى العموم لا صيغة له في لسان العرب.
стр. 858
وذهب المحققون إلى أنه له صيغة, ثم اختلفوا:
فقال الأكثر: الصيغ الآتي ذكرها حقيقة في العموم, مجاز في الخصوص وعكس قوم, وإلى هذا أشار بقوله: (والخلاف في عمومها وخصوصها كالأمر) أي الخلاف في أنها للعموم أو للخصوص, وهذا ظاهر الإحكام.
وقيل: المعنى أن الصيغ المستعملة للعموم, هل هي خاصة بالعموم, أو عامة له ولغيره كالأمر؟ , وكلام المصنف يحتملها, يظهر بالتأمل.
وعن الأشعري: أنها مشتركة بين العموم والخصوص.
وعنه أيضًا قول بالوقف, إما على معنى لا ندري أوضع له صيغة أم لا؟
أو ندري أنه وضع له, ولا ندري أحقيقة منفردة أو مشتركة أو مجاز؟ بناءً على أن المجاز موضوع.
وقيل: بالوقف إن استعملت في الأخبار.
وإن استعملت في الأمر والنهي, مثل: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾.
стр. 859
﴿فاقتلوا المشركين﴾ , فهي للعموم.
ثم الصيغ: أسماء الشروط, والاستفهام, نحو: «من» , و «ما» , و «مهما» , و «حيثما» , و «أيمنا» , و «الذي» , و «التي» , و «أي» , والجموع المعرفة تعريف الجنس والمضافة نحو: «العلماء» , و «علماء الإسلام» واسم / الجنس كذلك نحو: «التمتر» , و «تمر الحجاز» هكذا في المنتهى, والنكرة في النفي نحون: «لا رجل في الدار» , ولم يذكر «كل» لظهورها فيه.
لنا: أن السيد إذا قال لعبده: «لا تضرب أحدًا» فهم منه العموم, حتى لو ضرب واحدًا عُدّ مخالفًا, والتبادر دليل الحقيقة, فالنكرة في النفي للعموم حقيقة, فللعموم صيغة.
وهذا لا ينهض على من وقف في الخبر.
وأيضًا: القطع بأن العلماء لم يزالوا يستدلون بمثل? والسارق والسارقة فاقطعوا? ,? الزانية والزاني فاجلدوا? ,? يوصيكم الله في أولادكم? .
وقد يقال: إنما فهم ذلك في الاثنين الأولين من ترتيب الحكم على الوصف المعشر بعليته.
стр. 860
وكاحتجاج عمر في قضية قتال أبي بكر مانعي الزكاة بقوله ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» , وأقره أبو بكر وعدل إلى الاستثناء في قوله: «إلا بحقها» , فقال: «والزكاة من حقها» , ففهما وجوب قتال الجميع قبل «لا إله إلا الله» , وعدمه بعده. رواه الجماعة.
وأيضًا: احتج أبو بكر على الأنصار بقوله ﵇: «الأئمة من قريش» أخرجه النسائي وأذعنوا فكان إجماعًا على أن الصيغة للعموم, إذ لو قلت: «بعض الأئمة من قريش» , لم يلزم ألا يكون من غيرهم إمام.
وكذا احتجاج أبي بكر على فاطمة بقوله ﵇: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» لم يثبت بهذا اللفظ, ورواه مسلم: «لا نورث, ما تركناه صدقة» , ويكفي الظهور في مدلول اللفظ.
وقد يقال في احتجاج عمر: إن ذلك فهم من العلة الموجبة لعصمة الدم والمال, وهو قوله: «لا إله إلا الله»؛ لأنه وصف مناسب, وكاحتجاج أبي بكر على فاطمة فهم من «نحن» , ولا مدخل للفظ الأنبياء فيه, وفهم التعميم
стр. 861
في «الأئمة من قريش» من تفضيل النبي ﵇ قريشًا على من سواهم, وعلى وجه لا يشاركهم فيه غيرهم, فلو لم يدل على اختصاص ذلك بهم, لما حصل الشرف لهم, وإلى ما ذكرنا أشار بقوله: (واعترض بأن العموم لم يفهم من اللفظ, وإنما فهم من القرائن).
والجواب: أن فتح هذا الباب يؤدي إلى ألا يثبت للفظ مدلول ظاهر أبدًا لجواز أن يفهم بالقرائن, فإن الناقلين لم ينقلوا نص الواضع, وإنما أخذوه من تتبع موارد الاستعمال, مع أن [التجويز] لا ينافي الظهور.
وأيضًا: أسماء الشروط عامة؛ لأنهم اتفقوا على أن من قال: «من دخل داري فهو حر» , أو «فهي طالق» , عمّ جميع عبيده وجميع ونسائه.
وأيضًا: «لا إله إلا الله» , يفهم / منه نفي جميع ما سوى الله.
واستدل: بأن العموم معنى ظاهر يعقله الأكثر, والحاجة ماسة إلى التعبير عنه, فوجب الوضع له عادة كغيره من المعاني الظاهرة.
الجواب: أن الاحتياج إلى التعبير لا يقتضي أن يكون له لفظ منفرد على سبيل الحقيقة, فإنه يجوز أن يستغني بالمجاز وبالمشترك, كالروائح والطعوم, استغني بالتقييد بالإضافة, كرائحة المسك - مثلًا - ولم يهمل.
قال: (الخصوص متيقن, فجعله له حقيقة أولى.
ردّ: بأنه إثبات لغة بالترجيح, وبأن العموم أحوط فكان أولى.
قالوا: لا عام إلا مخصص, فيظهر أنه الأغلب.
أجيب: بأن احتياج تخصيصها لدليل مشعر بأنها للعموم.
стр. 862
وأيضًا: فإنما يكون ذلك عند عدم دليل الاشتراك إضافة لهما, والأصل الحقيقة.
وأجيب: بأنه على خلاف الأصل, وقد تقدم مثله.
الفارق: الإجماع على التكليف للعام, وذلك بالأمر والنهي.
وأجيب: بأن الإجماع على الإخبار للعام).
أقول: احتج القائلون بأن الصيغ حقيقة في الخصوص: بأن الخصوص متيقن؛ لأن الصيغ إن كانت له فظاهر, وإن كانت للعموم فداخل في المراد ولا كذلك العموم؛ إذ ربما كان للخصوص, فكان العموم غير مراد وغير داخل, فجعله حقيقة للخصوص المتيقن أولى من جعله للعموم المشكوك فيه.
الجواب أولًا: إنه إثبات اللغة بالترجيح, وطريقها النقل.
وثانيًا: أن العموم أحوط؛ لاحتمال أن يراد العموم, فلو حمل على الخصوص لضاع الغير فعصى الأمر, والأحوط أولى. وفيهما نظر.
أما الأول: فلأنه إثبات لهما بما تركب من العقل والنقل؛ لأنه أثبت الاستعمال في العموم والخصوص بالنقل, وضم إليه الترجيح.
وأما الثاني: فلأن الاحتياط يكون بالخصوص أيضًا؛ إذ قد يكون بعض الأفراد ممنوعًا.
قالوا ثانيًا: ما من عام إلا وهو مخصوص, فالظاهر أنه للأغلب حقيقة,
стр. 863
وفي الأقل مجاز, تقليلًا للمجاز.
الجواب: أن احتياج خروج البعض عنها إلى دليل وهو المخصص, دليل ظاهر بأنها للعموم حقيقة, ولا يحمل على الخصوص إلا لدليل, وذلك دليل المجاز في الخصوص, والحقيقة في العموم؛ إذ المجاز لا يحمل عليه إلا لدليل.
وأيضًا: ظهور كونها للأغلب حقيقة إنما يكون عند عدم الدليل على أنها للأقل, وهاهنا قد دلّت / أدلتنا عليه.
القائل بالاشتراك احتج: بأنها أطلقت للعموم والخصوص, والأصل في الإطلاق الحقيقة, فتكون حقيقة فيهما, وهو معنى الاشتراك.
الجواب: إنه خلاف الأصل, فيكون مجازًا في أحدهما؛ لأنه أولى من الاشتراك, وقد تقدم مثله.
القائل بأنها للعموم في الأمر والنهي, وأنه يتوقف في الأخبار قال: الإجماع على أن التكليف لعامة المكلفين, والتكليف إنما يكون بالأمر والنهي فلولا أن صيغها للعموم لما كان التكليف عامًا.
الجواب: المعارضة بمثله في الأخبار, للإجماع على أن الإخبار يكون
стр. 864
لجميع المكلفين بأن يعتقدوا مقتضاه, مثل: ﴿الله خالق كل شيء﴾ , ومثل: ﴿والله بكل شيء عليم﴾.
قال: (مسألة: الجمع المنكر ليس بعام .
لنا: القطع بأن رجالًا في الجموع كرجل في الوحدان, ولو قال له: «عندي عبيد» , صح تفسيره بأقل الجمع.
قالوا: صح إطلاقه على كل جمع, فحمله على الجميع حمل على جميع حقائقه. ردّ: بنحو: رجل, وبأنه إنما يصح على البدل.
قالوا: لو لم يعم, لكان مختصًا بالبعض.
ردّ: بنحو: رجل, وبأنه موضوع للجمع المشترك).
أقول: الجمع المنكر نحو: «رجال» ليس بعام, أي ليس ذلك من صيغ العموم, خلافًا للجبائي.
لنا: القطع أن رجالًا في الجموع في صلاحيته لكل مرتبة في مراتب العدد على البدل, كرجل في الوحدان في صلاحيته لكل واحد, ورجل ليس بعام فيما يتناوله من الوحدان على البدل, فكذا رجال فيما يتناوله من مراتب العدد على البدل, وأيضًا: لو قال له «عندي عبيد» , صح تفسيره بأقل
стр. 865
الجمع وهو ثلاثة, ولو كان ظاهرًا في العموم لما صح.
وقد يقال: صح تفسيره بأقل الجمع مجازًا, كما يفسر الجمع المعرّف باللام في هذا بأقل الجمع, مع أنه حقيقة في العموم؛ لأن القرينة صرفته عن العموم؛ إذ لا يملك جميع العبيد.
قالوا: ثبت إطلاقه على كل مرتبة من مراتب الجموع, فإذا حملنا على الجميع فقد حملناه على جميع حقائقه, فكان أولى.
الجواب: النقض بنحو: «رجل» فإنه يصح لكل واحد, ولا يوجب ذلك حمله على الجميع, وليس بعام اتفاقًا.
وأيضًا: وإن صح إطلاقه على كل جمع بطريق الحقيقة, لكن على البدل لأنه موضوع للجمع المطلق, فلا يصح إطلاقه على الجمع المستغرق بخصوصه إلا بطريق المجاز, فإن فرق بأن جميع الأفراد إحدى حقائقه, وهو يتناول / سائر الحقائق لأنها مندرجة تحته, فكان الحمل عليها أولى؛ لأنه لما كان مترددًا بين حقائقه كفانا في الترجيح هذا القدر, وأما «رجل» فليس له حقيقة تتناول البواقي.
فالجواب الحق حينئذ: منع كونه حقيقة في كل مرتبة, بل هو القدر المشترك, فلا دلالة له على الخصوص أصلًا.
قالوا ثانيًا: لو لم يكن للعموم لكان مختصًا بالبعض لكنه غير مختص؛ لامتناع التخصيص بغير مخصص.
الجواب أولًا: النقض بنحو: «رجل» مما ليس للعموم, وإلا مختصًا بالبعض.
стр. 866
وثانيًا: أنه موضوع للجمع المشترك بين العموم والخصوص, ولا يلزم من عدم اعتبار قيد العموم اعتبار عدمه.
قال: (مسألة: أبنية الجمع لاثنين يصح, وثالثها: مجاز.
الإمام: ولواحد.
ولنا: أنه يسبق الزائد, وهو دليل الحقيقة والصحة, ﴿فإن كان له إخوة﴾ , والمراد أخوان.
واستدل ابن عباس بها ولم ينكر عليه, وعدل إلى التأويل.
قالوا: ﴿فإن كان له إخوة﴾ والمراد أخوان, والأصل الحقيقة.
ردّ: بقضية ابن عباس.
قالوا: ﴿إنا معكم مستمعون﴾.
ردَّ: بأن فرعون مراد.
قالوا: «الاثنان فما فوقها جماعة».
وأجيب: في الفضيلة, فإنه يعرف الشرع لا اللغة.
النافون: قال ابن عباس: «ليس الأخوان إخوة».
وعورض: بقول زيد: «الأخوان إخوة».
والتحقيق: أراد أحدهما حقيقة, والآخر مجازًا.
قالوا: لا يقال: «جاءني رجلان عاقلون» , ولا: «رجال عاقلان».
وأجيب: بأنهم يراعون صورة اللفظ).
أقول: اختلفوا في أقل الجمع, وليس الخلاف في لفظ جمع, فإن ذلك ضم الشيء إلى الشيء, فيصح للاثنين اتفاقًا, وإنما الخلاف في نحو:
стр. 867
«رجال» , و «مسلمين» , وعن مالك, والقاضي, والأستاذ, والغزالي: أنه اثنان.
قلت: الظاهر عندي أن المروي عن مالك محمول على أنه مجاز؛ لأنه نص على أنه إذا قال: «لفلان عليّ دراهم» , لا يقبل تفسيره بأقل من ثلاثة.
وقال الإمام في البرهان: «إن ثمرة الخلاف أن من قال أقل الجمع اثنان يقبل تفسيره إذا فسر باثنين».
وروي عن أبي حنيفة والشافعي: أن أقله اثنان.
стр. 868
وقال الإمام: «إنه يصح لواحد أيضًا كما يصح لاثنين, يعني مجازًا».
ومختار المصنف: أنه يبنى لاثنين مجازًا, وأنه حقيقة في الزائد.
وقال قوم: لا يبنى لاثنين حقيقة ولا مجازًا, ولو قال: وثالثها المختار لكان أولى.
لنا في أنه ليس بحقيقة في الاثنين: سبق الفهم عند إطلاق هذه الصيغ بلا قرينة إلى الزيادة على الاثنين, وهو دليل على أنه حقيقة في الزائد / على الاثنين.
ولنا: في أنه يصح للاثنين مجازًا قوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة﴾ , والمراد أخوان فما فوقهما, ويدل على الأمرين قول ابن عباس لعثمان: «ليس الأخوان إخوة في لسان قومك» , فقال عثمان: «لا أنقض أمرًا كان قبلي» , فاستدل ابن عباس ولم ينكر عثمان, بل عدل إلى التأويل, وهو الحمل على المجاز للإجماع.
وقد يقال: هذا يدل على أن الإخوة في الآية للثلاثة, وأن المفهوم إنما خولف للإجماع.
القائلون بأنها للاثنين حقيقة, احتجوا بقوله تعالى: ﴿فإن كان له
стр. 869
إخوة﴾ , والمراد أخوان فما فوقهما, والأصل في الإطلاق الحقيقة.
ردّ: بأن قضية ابن عباس تدل على خلافه.
قالوا: قال تعالى: ﴿إنا معكم مستمعون﴾ بخطاب الجماعة, والمراد موسى وهارون ﵉.
أجاب: بأن المراد هما وفرعون.
وفيه نظر؛ لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ والقصة واحدة, بل الأولى في الجواب أن يقال: إن مجاز لما تقدم.
قالوا: قال ﵇: «الاثنان فما فوقها جماعة» , رواه الدارقطني وهو صريح في إطلاق لفظ الجماعة على الاثنين, والأصل في الإطلاق الحقيقة.
الجواب: أن اللفظ له محملان: لغوي وهو ما ذكرتم, وشرعي وهو انعقاد الجماعة بهما وحصول الفضيلة, فوجب حمله على الشرعي؛ لأنه ﵇ بعث ليعلم الشرع دون اللغة, مع أنه ليس محل نزاع؛ إذ لا نزاع في لفظ جمع, إنما النزاع في صيغ الجموع.
стр. 870
احتج القائلون بأن لا يصح لاثنين ولو مجازًا: بأن ابن عباس قال: «ليس الأخوان إخوة».
والجواب: المعارضة بقول زيد بن ثابت: «الأخوان إخوة».
والتحقيق: أن ابن عباس أراد بقوله: «ليس الأخوان إخوة» أي حقيقة, وأراد زيد بقوله: «الأخوان إخوة» أي مجاز, جمعًا بين الكلامين.
قالوا ثانيًا: لو صح لاثنين, لجاز أن يقال: «جاءني رجلان عالمون» , و «رجال عالمان» , فيجعل «عالمون» في الأول, و «رجال» في الثاني لاثنين.
الجواب: لا نسلم الملازمة؛ لأنهم يراعون صورة اللفظ, بأن يكون كلامهم جمعًا أو مثنى.
وفيه نظر؛ فإنه يقال: جاءني زيد وعمرو وبكر العالمون, ولا يقال: العلمان, ولا يقال: جاءني زيد وعمرو العالمون.
قال: (مسألة: إذا خص العام كان في الباقي مجازًا.
الحنابلة: حقيقة.
الرازي: إن بقي غير منحصر.
أبو الحسين: إن خص بما لا يستقل من شرط, أو صفة, أو استثناء.
عبد الجبار: إن خص بشرط, أو صفة.
القاضي: إن خص بشرط, أو استثناء.
стр. 871
وقيل: إن خص بدليل لفظي.
الإمام: حقيقة في تناوله, مجاز في الاقتصار عليه.
لنا: لو كان حقيقة لكان مشتركًا؛ لأن الفرض أنه حقيقة في الاستغراق.
وأيضًا: الخصوص بقرينة, كسائر المجاز.
الحنابلة: التناول باق فكان حقيقة.
أجيب: بأنه كان مع غيره.
قالوا: يسبق, وهو دليل الحقيقة.
قلنا: بقرينة, وهو دليل المجاز).
أقول: العام إذا خص وأريد به الباقي, فهو مجاز.
وقالت الحنابلة: حقيقة.
وقال أبو بكر الرازي: حقيقة إذا كان الباقي غير منحصر, وإلا فهو مجاز.
стр. 872
وقال أبو الحسين البصري: حقيقة إن خص بمخصص لا يستقل بنفسه من شرطٍ أو صفةٍ أو غايةٍ أو استثناءٍ, وإن خص بمستقل من سمعٍ أو عقلٍ فهو مجاز.
وقال القاضي: حقيقة إن خص بشرط أو استثناء, لا بصفة أو غيرها.
وقال القاضي عبد الجبار: حقيقة إن خص بشرط أو صفة, لا باستثناء أو غيره.
وقيل: حقيقة إن خص بدليل لفظي متصل أو منفصل.
وقال الإمام: حقيقة في تناوله لما لو كان مستعملًا في موضوعه لتناوله مجاز في الاقتصار عليه.
والمغايرة بين هذا القول والمختار: أن التناول بعد التخصيص حقيقة عند الإمام, والتناول على المختار بعد التخصيص مجاز.
لنا: أنه لو كان حقيقة في الباقي كما هو حقيقة في الكل, لكان مشتركًا بين الكل والبعض؛ لأن الفرض أنه موضوع للكل.
وأيضًا: لو كان حقيقة في الباقي لم يحتج عند إطلاقه عليه إلى قرينة؛ لأن إطلاق اللفظ يفهم منه المفهوم الحقيقي بغير قرينة, لكن هذا يحتاج كسائر
стр. 873
المجاز.
وقد يقال: الاحتياج إلى القرينة لأجل الاقتصار لا لأجل التناول, فلا ينهضان على الإمام.
احتج القائل بأنه حقيقة: بأن اللفظ كان متناولًا له قبل التخصيص, والتناول باقٍ, وإنما طرأ عدم تناول الغير.
الجواب: أنه كان يتناوله مع غيره, والآن يتناوله وحده, وهما متغايران, فقد استعمل في غير ما وضع له, والظاهر أن تناوله للغير وعدم تناوله إياه لا يغير صفة تناوله لما يتناوله, لكنهم إن أرادوا أنه مجاز في الاقتصار, فهو مذهب الإمام, وإلا لزم الاشتراك.
قالوا: بسبق الباقي بعد التخصيص إلى الفهم عند الإطلاق, وهو دليل الحقيقة.
الجواب: إنما يتبادر مع القرينة؛ لأنه بدونها إنما يتبادر العموم, وذلك دليل المجاز.
وقد يقال: المحتاج إلى القرينة عدم إرادة / المخرج, أما إرادة الباقي فمعلوم بدون القرينة.
قال: (مسألة: الرازي: إذا بقي غير منحصر, فهو معنى العموم.
أجيب: بأنه كان للجميع.
أبو الحسين: لو كان ما لا يستقل يوجب تجوزًا في نحو: «الرجال المسلمون» , و «أكرم بني تميم إن دخلوا» , لكان نحو: «مسلمون»
стр. 874
للجماعة مجازًا, ولكان نحو: «المسلم» [للخبر] أو للعهد مجازًا, ونحو ﴿ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ مجاز.
وأجيب: بأن الواو في «مسلمون» كألف «ضارب» , وواو «مضروب» والألف واللام في «المسلم».
ولو كانت كلمة حرفًا أو اسمًا, فالمجموع الدال, والاستثناء سيأتي.
القاضي: مثله, إلا أن الصفة عنده كأنها مستقلة.
عبد الجبار: كذلك, إلا أن الاستثناء عنده ليس بتخصيص.
المخصص باللفظية: لو كانت القرائن اللفظية توجب تجوزًا ... إلى آخره, وهو أضعف.
الإمام: العام كتكرر الآحاد وإنما اختصر, فإذا أخرج بعضها بقي الباقي حقيقة.
وأجيب: بالمنع, فإن العام ظاهر في الجميع, فإذا خص خرج قطعًا, والمتكرر نص).
أقول: احتج القائل بأنه حقيقة إن كان الباقي بعد التخصيص غير منحصر: بأن معنى العموم حقيقة كون اللفظ دالًا على أمر غير منحصر في عدد, وإذا كان الباقي غير منحصر كان عامًا.
الجواب: منع كون معناه ذلك, بل معناه تناوله للجميع, وقد كان ثم صار لغيره فهو مجاز, وليس النزاع في لفظ العام الذي هو شمول أمر لمتعدد,
стр. 875
بل النزاع في الصيغ.
احتج أبو الحسين: بأنه لو كان ما لا يستقل يوجب تجوزًا في نحو: «الرجال المسلمون» من المقيد بصفة, و «أكرم بني تميم إن دخلوا» من المقيد بشرط, لكان نحو: «مسلمون» للجماعة مجازًا, ولكان نحو: «المسلم» للجنس أو للعهد مجازًا, ولكان نحو: ﴿ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ مجازًا, واللوازم الثلاثة باطلة اتفاقًا؛ إذ كل واحد من الثلاثة تقيد بقيد هو كالجزء له, وقد صار به لمعنى غير ما وضع له, وكل منهما غير مستقل, ويفيد معنى زائدًا فالفرق تحكم.
الجواب: ما ذكرتم ليس فيه عام مقيد, إذ الواو في «مسلمون» كألف «ضارب» , واو «مضروب» , مما هو جزء الكلمة, والمجموع لفظ واحد, والألف واللام في «المسلم» وإن كان كلمة اسمًا كالموصول أو حرفًا كغيره, فالمجموع هو الدال على الجنس أو العهد, ومفرداته بعد التركيب مستعملة فيما وضعت له فكان حقيقة, كزيد قائم, بخلاف الشرط والصفة فإنه إذا قيد بهما كالعام, لم يبق العام دالًا على ما وضع له قبل التقييد, فلا يكون كالعام بعد التقييد به حقيقة, والاستثناء سيأتي الكلام عليه.
احتج القاضي: بمثل ما احتج به أبو الحسين, إلا أن الصفة عنده كأنها مستقلة؛ لجواز إقامتها مقام الموصوف.
القاضي عبد الجبار قال مثلما قالاه, إلا أن الاستثناء عنده ليس
стр. 876
بتخصيص؛ لما ستعلم أن المستثنى منه باق على عمومه في الإرادة, والتخصيص إنما هو في الإسناد, لكن الذي لعبد الجبار في العمد: أن الاستثناء تخصيص.
احتج القائل بأن المخصص إذا كان بالدلائل اللفظية فهو حقيقة: بأنه لو كانت الدلائل اللفظية توجب تجوزًا, لكان نحو «مسلمون» ... إلى آخره.
الجواب: أن هذا أضعف؛ لأن المتصل كالجزء وهو يصلح جامعًا, وتعميه في المنفصل مع ظهور الفرق لا وجه له.
احتج الإمام: بأن العام كتكرر الآحاد [المتعددة, فمعنى الرجال لغة: فلان وفلان إلى أن يستوعب, وإنما وضع الرجال اختصارًا, وتكرر لآحاد] إذا بطل بعضها لا يصير الباقي مجازًا.
الجواب: منع كونه كتكرر الآحاد, وإنما يقول أهل العربية ذلك لبيان الحكمة في وضعه, لا لأنه مثله في جميع أحكامه؛ إذ العام ظاهر في الجمع, فإذا خرج البعض لم يبق على ظاهره قطعًا, وهو معنى المجاز, والمتكرر استعمل كل واحد في كل واحد نصًا, فإذا خرج بعض عن الإرادة, بقي الباقي نصًا فيما تناوله ولم يتغير عن وضعه.
وقد يقال: النص لا يمنع كون اللفظ بعد إخراج شيء مجازًا, كعشرة إلا ثلاثة, مع أن الخصم قد يقول قولك, فإذا خص خرج قطعًا [تريد]
стр. 877
بحسب التناول أو بحسب الاقتصار, الأول ممنوع.
قال: (مسألة: العام بعد التخصيص ليس بحجة.
وقال البلخي: إن خص بمتصل.
وقال البصري: إن كان العموم منبئًا عنه, كـ ﴿فاقتلوا المشركين﴾ وإلا فليس بحجة, كـ ﴿السارق والسارقة﴾ , فإنه [لا] ينبئ عن النصاب والحرز.
عبد الجبار: إن كان غير مفتقر إلى بيان كاقتلوا المشركين, بخلاف: ﴿أقيموا الصلاة﴾ فإنه مفتقر إلى إخراج الحائض.
وقيل: حجة في أقل الجمع, وقال أبو ثور: ليس بحجة.
لنا: ما سبق من استدلال الصحابة مع التخصيص.
وأيضًا: القطع بأنه إذا قال: «أكرم بني تميم ولا تكرم فلانًا» فترك, عدَّ عاصيًا, وأيضًا: فإن الأصل بقاؤه.
واستدل: لو لم يكن حجة لكانت دلالته موقوفة على دلالته على الآخر, واللازم باطل؛ لأنه إن عكس فدور, وإلا فتحكم.
أجيب: بأن الدور إنما يلزم بتوقف التقدم, وأما بتوقف المعية فلا.
قالوا: صار مجملًا تعدد مجازه فيما بقي وفي كل منه.
قلنا: لما بقي بما تقدم, أقل الجمع هو المتحقق, وما بقي مشكوك.
قلنا: لا شك مع التقدم).
أقول اختلفوا في العام إذا خص, هل يكون حجة إذا بقي؟ .
стр. 878
أما إذا خص بمبهم كما لو قال: اقتلوا المشركين إلا بعضهم, أو قال: هذا العموم مخصوص, فلا يكون حجة اتفاقًا.
وإن خص بمبين كقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ , ثم يظهر أن الذمي غير مراد, فالمختار أنه حجة فيما بقي.
وقال البلخي: إن خص بمتصل فحجة, وإلا فلا.
[وقال البصري: إن كان العام منبئًا عن الباقي] , كـ ﴿فاقتلوا المشركين﴾ فإنه ينبئ عن الحربي إنباءه عن الذمي, بخلاف ﴿والسارق والسارقة﴾ فإنه ينبئ عن كون المسروق نصابًا من حرز, وهذا التفصيل ملغى؛ لأنه ينبئ عن سارق ونصاب من حرز, وكونه لا ينبئ عن نفس النصاب والحرز الذي هو شرط, كذلك ﴿فاقتلوا المشركين﴾ لا ينبئ عن الذمة والحرب.
وقال عبد الجبار: إن كان العام قبل التخصيص غير مفتقر إلى بيان, كـ ﴿فاقتلوا المشركين﴾ , فإنه بين قبل إخراج الذمي, بخلاف ﴿أقيموا
стр. 879
الصلة﴾ , فإنه مفتقر إلى البيان قبل إخراج الحائض؛ ولذلك بينه ﵇ بفعله, فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» , والظاهر أن هذا لا يخالف فيه؛ لأنه ليس بحجة قبل التخصيص, فكذا بعده.
وقيل: يبقى حجة في أقل الجمع.
وقال أبو ثور, وابن أبان: ليس بحجة مطلقًا.
لنا: ما سبق في مسألة أن للعموم صيغة من استدلال الصحابة مع التخصيص, وشاع وذاع ولم ينكر, فكان إجماعًا.
ولنا أيضًا: أنه إذا قال: «أكرم بني تميم ولا تتكرم فلانًا» فترك إكرام غير المخرج, عُدَّ عاصيًا.
وأيضًا: العام كان حجة فيه قبل التخصيص, والأصل بقاؤه.
стр. 880
وهذا الدليل ينهض على الكل بخلاف الأولين.
واستدل: لو لم يكن حجة في الباقي, لكانت إفادته للباقي موقوفة على إفادة للمخرج, واللازم باطل؛ لأنه إن عكس حتى تتوقف إفادته للمخرج على إفادته للباقي فدور, وإلا كان ترجيحًا من غير مرجح وهو التحكم.
الجواب: أن التوقف ينقسم إلى: توقف تقدم كالمعلول على العلة, والمشروط على الشرط, والتوقف من الطرفين بهذا لمعنى محال؛ لاستلزامه توقف الشيء على نفسه, وهو المراد بالدور إذا أطلق.
وإلى توقف معية, كتوقف كون هذا ابناً لذاك, على كون ذاك ابنًا لهذا وبالعكس, وهذا لا يمتنع من الطرفين, ويعبر عنه بدور المعية.
[وما ذكرتموه من توقف المعية] قالوا: حقيقته العموم ولم يرد, وسائر ما تحته من المراتب مجازاته, فإذا لم ترد الحقيقة وتعددت المجازات, كان اللفظ مجملًا فيها, فلا يحمل على شيء منها, فيبقى مترددًا بين جميع مراتب الخصوص, فلا يبقى حجة في شيء منها.
الجواب: إنما ذلك إذا كانت / المجازات متساوية, ولا دليل على تعيين أحدها, وما ذكرنا من الأدلة دلّ على حمله على الباقي فيصار إليه.
احتج القائل بأنه حجة في أقل الجمع: بأن أقل الجمع معلوم البقاء, وما بقي بعد التخصيص مشكوك في بقائه, فيكون حجة فيما علم بقاؤه.
الجواب: منع الأمرين؛ لجواز التخصيص إلى واحد؛ ولأن الباقي معلوم بالأدلة السابقة.
следующие страницы →