Полный текст (1 541 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
في استقلاله العلة, فوجب اتباعها وإثبات الحكم حيث ثبتت.
وأما عدم عموم صيغته؛ فلأنه لو كان كذلك لكان قول القائل: «أعتقت غانمًا لسواده» يقتضي عتق جميع سودان عبيده؛ لأنه بمثابة أعتقت كل أسود, واللازم باطل.
فإذًا الفائدة في ذكر العلة معرفة كون الحكم معللًا.
احتج القاضي: بأنه يحتمل أن يكون جزء علة, والجزء الآخر خصوصية المحل, حتى تكون العلة إسكار الخمر لا مجرد الإسكار.
الجواب: أن هذا مجرد احتمال فلا يترك له الظاهر, إذ التعليل ظاهر في الاستقلال كالمنصوصة.
احتج القائل بأنه يعم بالصيغة: بأن «حرمت الخمر لإسكاره» , مثل: «حرمت المسكر» , والثاني يعم كل مسكر, فكذا الأول.
الجواب: منع المماثلة؛ لأن الأول خاص بالخمر صيغة, والثاني عدم لكل مسكر, وإن أراد أنه لا فرق في الحكم لم ينفعه؛ لأن ذلك بالشرع ولا يلزم كونه بالصيغة.
قال: (مسألة: الخلاف في أن المفهوم له عموم لا يتحقق ؛ لأن مفهومي الموافقة والمخالفة عام فيما سوى المنطوق به, ولا يختلفوا فيه.
ومن نفى العموم كالغزالي, أراد أن العموم لم يثبت في المنطوق به, ولا يختلفون فيه أيضًا).
أقول: القائلون بالمفهوم اختلفوا في أن له عمومًا أم لا؟ .
стр. 912
فقال الغزالي: لا عموم له, وقال الأكثرون: له عموم.
وقال الإمام فخر الدين والآمدي: لا يتحقق هذا الخلاف, فإن تحريم الضرب المفهوم من تحريم التأفيف - وإن كان التحريم يشملهما - إلا أنه اختلفت جهة الدلالة, فلا المنطوق عام بالنسبة إلى الصورتين, ولا المفهوم عام بالنسبة إليهما.
والنزاع في عموم المفهوم بالنسبة إلى صور المسكوت آيل إلى اللفظ.
فإن من قال إنه عام بالنسبة إليهما, إنما يريد به / ثبوت الحكم به في جميعها لا بمجرد الدلالة اللفظية, وهو مما لا يخالف فيه, ومن نفى العموم لم يرد أن الحكم لم يثبت في جميع صور المسكوت, وإنما أراد نفي ثبوته مستندًا إلى الدلالة اللفظية من غير واسطة, وإلا فللدلالة اللفظية مدخل.
وقال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام: ولقائل أن يقول: محل النطق إن كان إثباتًا فالحكم منتف في جملة صور المخالفة؛ لأنه إن دل على نفي الحكم عن كل فرد من أفراد المخالفة فهو المطلوب, وإلا فهو دال على نفي الحكم
стр. 913
عن مسمى المخالف, والمنفي عن مسمى المخالف منفي عنه جميع أفراد المخالف, أما لو كان محل النطق نفيًا حتى يقتضي انتفاء نفي الحكم عن المخالف حتى يكون الثابت للمخالف إثباتًا, فلا يلزم العموم, فإن العموم له صيغ مخصوصة لا كل صيغة, فإذا كان بعض الألفاظ المنطوق بها في مثل هذا لا تدل على العموم, فلابد له من دليل.
وقول القائل: متى جعلناه حجة لزم انتفاء الحكم في جملة صورة انتفاء الصفة وإلا لم يكن للتخصيص فائدة, فممنوع؛ لأنا إذا عقلنا الحكم بالمسمى المطلق, كانت فائدة المفهوم حاصلة في بعض الصور ضرورة, فلم يخل المفهوم عن فائدة.
قال: (مسألة: قالت الحنفية: مثل قول ﷺ : «لا يقتل مسلم بكافر, ولا ذو عهد في عهده» , معناه: بكافر, فيقتضي العموم إلا بالدليل وهو الصحيح.
لنا: لو لم يقدر شيء لامتنع قتله مطلقًا وهو باطل, فيجب الأول للقرينة.
قالوا: لو كان كذلك, لكان بكافر الأول للحربي فقط فيفسد المعنى, ولكان ﴿وبعولتهن﴾ للرجعية والبائن؛ لأنه ضمير المطلقات.
قلنا: خص الثاني بالدليل.
قالوا: لو كان لكان نحو: «ضربت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا» أي يوم الجمعة.
وأجيب: بالتزامه, وبالفرق لأن ضرب عمرو في غير يوم الجمعة لا
стр. 914
يمتنع).
أقول: اختلفوا في العطف على العام هل يوجب العموم في المعطوف؟ .
هكذا وضع المسألة في المستصفى والإحكام, نعم ذكر الإمام في المحصول مسألة أخرى, فقال: عطف الخاص على العام لا يخصصه, خلافًا لأبي حنيفة, ثم ذكر هذا المثال.
قال سيف الدين: مثاله: استدلال أصحابنا أن المسلم لا يقتل بالذمي, بقوله ﵇: «ألا لا يقتل مسلم بكافر, ولا ذو عهد في عهده» هذا لفظ الحديث عند أبي داود.
وقال الآمدي: وهو عام بالنسبة إلى كل كافر, حربيًا كان أو ذميًا.
فقال الحنفية: لو كان عامًا / لكان المعطوف عليه كذلك, وهو قوله: «ولا ذو عهد في عهده» , ضرورة الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم وصفته, وليس كذلك, فإن الذي لا يقتل به المعاهد هو الحربي لا الذمي.
وظاهر كلام الآمدي أن الحنفية لا يسلمون عموم الأول.
стр. 915
وظاهر كلام المصنف أنهم يسلمون ذلك, ويدعون أن ذلك يقتضي كون الكافر المقدر في قوله: «ولا ذو عهد في عهده» بكافر - عامًا أيضًا - حتى لا يقتل المعاهد بحربي ولا ذمي, إلا إذا خص بدليل, وهذا يتمشى له على مذهبه, ويكون المخصص للثاني الإجماع.
وأما الحنفية: فلو عمّ الأول - ولا دليل منفصل مخصص - لزم أن لا يقتل المسلم بالذمي, وهم لا يقولون به, فحمل كلامهم عليه فاسد.
احتج المصنف: بأنه لو لم يقدر شيء في الثاني لامتنع قتل الذمي مطلقًا, واللازم باطل, أما الملازمة؛ فلأنه إذا لم يقدر امتنع قتله حتى بالمسلم, وأنه باطل اتفاقًا, فيجب تقدير ما سبق؛ لقيام القرينة وهو سبقه دون غيره؛ إذ لا قرينة, وإذا قدر كان عامًا صيغة اتفاقًا.
قيل على الملازمة: حرمة القتل معلقة بوصف العهد, فإذا انتفى العهد انتفت حرمة القتل, وأيضًا: لا يلزم امتناع قتله.
نعم يظهر امتناع قتله ويجوز أن يخصص بدليل منفصل, كما يجوز تخصيص «بكافر» على تقدير أن يكون هو المقدر, ولو سلم أنه يجب تقدير شيء فيقدر ما دام في عهده لقرينة «في عهده» , فإذا قتل لم يبق عهده.
احتج الآخرون بوجهين:
الأول: اخترعه المصنف لهم, تقريره: لو كان معناه: «ولا ذو عهد في عهده» بكافر, لكان «بكافر» الأول للحربي؛ لأنه الذي لا يقتل به المسلم عندكم فيفسد المعنى؛ إذ يصير المعنى: لا يقتل المسلم بكافر حربي ويقتل بالذمي, ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر حربي ولا ذمي, وفساده ظاهر؛
стр. 916
لأن ذلك لا يصلح مقصودًا للشارع؛ لما فيه من حط مرتبة المسلم عن الذمي, فوجب تخصيص الثاني وحمل الكلام عليه دفعًا لهذا الفساد.
وأيضًا: لو لزم من عموم الأول عموم الثاني, لزم أن يكون الضمير في ﴿وبعولتهن﴾ للرجعية والبائن؛ لأن ضمير ﴿والمطلقات﴾ العام في الرجعية والبائن, فيكون المطلق أحق برد البائن في العدة, وليس كذلك إجماعًا.
ثم أجاب: بأن الثاني فيهما عام لكن خص بدليل منفصل, فلا يلزم في الأول فساد المعنى, وإنما يفسد لو بقي على عمومه, ولولا الدليل المنفصل لالتزمنا أن المُطَّلق أحق بالرجعية في العدة, واعلم أن الملازمة إن قررت على غير هذا الوجه مما قررها به الشارحون لم تتم, وتقريرها على هذا الوجه يقتضي عدم بقاء الأول على عمومه, وجوابه يقتضي أيضًا أنه سلم تخصيص الأول, وأنه لولا تخصيص الثاني لزم فساد المعنى, وكلامه أول المسألة يقتضي أنهم يرون أن الأول باق على عمومه, فهو متناف.
احتجوا ثانيًا: بأنه لو وجب أن يضمر فيما لا يستقل - ما ذكر في المستقل الذي عطف عليه غير المستقل - لكان نحو: «ضربت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا» , معناه: وضربت عمرًا يوم الجمعة, وليس كذلك.
الجواب: نلتزم ظهوره فيه.
стр. 917
وثانيًا: بالفرق, بإنه إنما قدر بكافر فيما تقدم, فإنه لو لم يقدر لامتنع قتل ذي العهد مطلقًا وهو باطل, ولا ضرورة هنا, فإن ضرب عمرو مطلقًا يوم الجمعة أو في غيره لا مانع يمنع منه.
قال: (مسألة: ﴿يأيها المزمل﴾ , ﴿لئن أشركت﴾ ليس بعام للأمة إلا بدليل من قياس أو غيره.
وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى: عام إلا بدليل.
لنا: القطع بأن خطاب المفرد لا يتناول غيره لغة.
وأيضًا: يجب أن يكون خروج غيره تخصيصا.
قالوا: إذا قيل لمن له منصب الاقتداء: اركب لمناجزة العدو ونحوه, فهم لغة أنه أمر لأتباعه معه, ولذلك يقال: «فتح» , و «كسر» , والمراد مع أتباعه.
قلنا: ممنوع, أو فهم لأن المقصود متوقف على المشاركة بخلاف هذا.
قالوا: ﴿إذا طلقتم﴾ يدل عليه.
قلنا: ذكر النبي ﵇ أولًا للتشريف, ثم خوطب الجميع.
قالوا: ﴿فلما قضى زيد﴾ , ولو كان خاصًا لم يتعد.
قلنا: نقطع بأن الإلحاق للقياس.
قالوا: فمثل ﴿خالصة لك﴾ , و ﴿نافلة لك﴾ لا يفيد.
قلنا: يفيد قطع الإلحاق).
أقول: خطاب الرسول مثل: ﴿يأيها المزمل﴾ , ومثل: ﴿لئن
стр. 918
أشركت ليحبطن عملك﴾ , قال الشافعية: ليس بعام للأمة إلا بدليل من قياس أو غيره مما هو خارج عن اللفظ, وعن الحنفية والحنابلة: أنه عام إلا أن يدل دليل على الخصوص.
واختلف فيه قول المالكية, وظاهر قول مالك أنه عام, وقد احتج في المدونة على أن ردة الزوج مزيلة للعصمة بقوله: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾.
قلت: والحق أنه إن أريد عموم الصيغة فلا عموم, وإن أريد ما هو أعم فمثل المذكور يفهم منه العموم عرفًا.
احتج على مختار بوجهين:
الأول: أنّا استقرينا كلام العرب فوجدنا خطاب المفرد لا يتناول غيره لغة, وهذا خطاب مفرد.
الثاني: أن خطاب المفرد لو تناول غيره لغة, لكان إخراج غير المذكور والنص على أن المراد هو المذكور دون غيره تخصيصًا للعموم, ولا قائل به.
ولنا في الرد عليهم: أن التناول في مثله عرفًا لا يقال, فهو لدليل خارجي وهو المدعي, لأنّا نقول: المراد عند الشافعية من الدليل هو الشرعي
стр. 919
لا القرائن الحالية المنضمة إلى اللفظ, وإلا عاد النزاع لفظيًا.
وعلى الثاني: لا نسلم بطلان التالي فإن التخصيص يقع في العام عرفًا, كـ ﴿حرمت عليكم / أمهاتكم﴾ فإنه لغة يفيد حرمة جميع الأمهات, وفي عرف الشرع يفيد حرمة جميع الاستمتاعات وقد خص من ذلك أشياء.
احتج الآخرون بوجوه أربعة:
قالوا أولًا: إذا قيل لمن يقتدى به كالأمير: «اركب لمناجزة العدو» , و «اذهب لفتح بلاد كذا» , فهِمَ منه أنه أمر له ولأتباعه معه لغة, وكذلك يقال: «فتح المدينة, وكسر العدو» والمراد مع أتباعه, لا أنه فتح وكسر وحده, والنبي ﵇ مقتدى به, فالأمر له أمر للأمة.
والجواب: لا نسلم فهم ذلك من الخطاب؛ ولذلك يقال: «أمر السلطان الأمير, ولم يأمر الجند» , ولو سلّم فإنما فُهِمَ لدليل, وهو أن المقصود - وهو المناجزة أو الفتح - موقوف على مشاركته له, بخلاف هذه الصورة, فإن قيام الرسول ونحوه لا يتوقف على مشاركة الأمة له.
قالوا ثانيًا: قال تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ , فأفرده بالخطاب, وأمر بصيغة الجمع والعموم, فدل على أن مثله عام خطابًا له وللأمة.
الجواب: أن ذكره للنبي ﵇ بالنداء أولًا للتشريف, والخطاب بالأمر للجميع؛ لأن النداء للجميع, ولا يمتنع أن يقال: «يا فلان افعل أنت
стр. 920
وأتباعك كذا» , وإنما النزاع إذا لم يتعرض للأتباع, بل لو كان خطابًا للأمة لكفى: «إذا طلقت فطلقوهن لعدتهن».
قالوا ثالثًا: قال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج﴾ , أخبر تعالى أنه أباحه له ليكون شاملًا للأمة, ولو خص ولم يتعد لم يحصل الغرض.
الجواب: منع الملازمة, وأن تعدي الحكم إليهم بالقياس, وإباحة زينب له خاصة, ولا يدل على إباحتها للغير, بل رفع الحرج عن النبي كان لمقصود رفع الحرج عن المؤمنين, فيكون إلحاق الأمة به بقياسهم عليه بواسطة نفي الحرج.
قالوا رابعًا: لو لم يعمّ, لم يكن لمثل ﴿خالصة لك﴾ و ﴿نافلة﴾ فائدة؛ لدلالته على اختصاص الخطاب به, وهو مستفاد من نفس الخطاب واللازم باطل؛ لامتناع للغو في كلامه تعالى.
الجواب: منع عدم الفائدة, فإن الخطاب - وإن لم يدل على العموم فلا يدل على عدم العموم - فهو محتمل, وهذا يقطع احتمال العموم, وفائدته لا
стр. 921
تلحق الأمة به بالقياس كما تلحق لو لم يرد ذلك.
قال: (مسألة: خطابه لواحد ليس بعام, خلافًا للحنابلة.
لنا: ما تقدم من القطع, ولزوم التخصيص, ومن عدم فائدة: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة».
قالوا: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ , «بعثت إلى الأسود والأحمر» يدل عليه.
أجيب: بأن المعنى تعريف كل ما يختص به ولا يلزم اشتراك الجميع.
قالوا: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» يأبى ذلك.
قلنا: إنه محمول على أنه على الجماعة بالقياس, أو بهذا الدليل, لا أن خطاب الواحد للجميع.
قالوا: نقطع بأن الصحابة حكمت على الأمة بذلك, كحكمهم بحكم ماعز في الزنى وغيره.
قلنا: إن كانوا حكموا للتساوي في المعنى فهو القياس, وإلا فخلاف الإجماع.
قالوا: لو كان خاصًا لكان: «يجزيك ولا يجزي أحدًا بعدك» , وتخصيصه ﵇ خزيمة بقبوله شهادته وحده, زيادة من غير فائدة.
قلنا: فائدته قطع الإلحاق كما تقدم).
أقول: خطاب الشارع لواحد من الأمة لا يعم جميع الأمة بصيغته.
نعم قد يعم الحكم بقياس أو نص يدل على مساواة الجميع, خلافًا
стр. 922
للحنابلة.
لنا: ما تقدم من القطع أن خطاب المفرد لا يتناول غيره لغة, ومن لزوم إخراج غير المذكور تخصيصًا, وأيضًا: يلزم عدم فائدة قوله ﵇: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة»؛ لتضمن مدلول الخطاب ذلك, وقد سبق ما على الأولين, وأما الحديث فلم يثبت, والذي روي: «إنما حكمي على امرأة واحدة كحكمي على مائة امرأة» , وروي: «ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة» , ومع ذلك يكون الخطاب لواحد ظاهر في الجميع, والحديث يفيد التنصيص على العموم.
احتج الحنابلة بوجوه أربعة:
الأول: أن النصوص دالة على تعميم الأحكام, مثل قوله تعالى ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ , وفي الصحيح: «بعثت إلى الأحمر
стр. 923
والأسود» , فدل على أنحكمه لا يخص واحدًا دون آخر.
الجواب: إنما يلزم ذلك لو دلَّت على تعميم كل حكم لك مكلف, ولا يدل عليه, وإنما معناه: أنه بعث ليعرف كل أحد من الناس من مقيم ومسافر, وحر وعبد, وطاهر وحائض, ما يختص به من الأحكام؛ لا أن الكل لكل واحد. قلت: مع أن الآية لا حجة فيها؛ لأن المعنى: وما أرسلناك إلا لتكف الناس, وإنما تكون للتأكيد إذا تأخرت.
قالوا ثانيًا: «حكمي على الواحد» يأبى ما ذكرتم من عدم تناول خطاب الواحد للجميع بصيغته.
[الجواب: أن نقول: يأبى أن يكون خطاب الواحد للجميع صيغة, ولا يأبى أن يكون خطاب الواحد للجميع بالقياس] أو بهذا الدليل, وليس النزاع فيه بل في الأول, مع أنه لو سلم إنما يأبى كون حكمه على الواحد غير عام, ولا يأبى كون خطابه لواحد غير عام. سلمنا أنه يدل على أن خطابه لواحد خطاب للجميع إذا كان فيما هو حكم عليه, أما إذا كان فيما هو حكم له فمن أين ذلك وأنتم ادعيتم العموم؟ .
قالوا ثالثًا: القطع بأن الصحابة كانوا يحكمون في الحوادث على الأمة بما حكم به النبي ﷺ على الواحد, كحكمهم برجم كل زان, لرجمه عليه
стр. 924
السلام ماعزًا, وغير ذلك ما شاع وذاع ولم ينكر, فكان إجماعًا, ولولا فهمهم العموم من الخطاب لما حكموا.
الجواب: أن نقول: إن كان حكمهم بذلك بعد علم كل من حكم بتساوي الأمة في المعنى المعلل به ذلك الحكم كالزنى للرجم, فهو معنى القياس, والإلحاق بهذا الوجه لا نزاع فيه, وإن كان لا مع علم جميعهم بذلك, فليس / بموضع إجماع, فلا يصح دعوى الإجماع فيه؛ إذ قد يكون بعضهم قد حكم للتساوي في المعنى, وبعضهم حكم لكون خطاب الواحد للجميع, وهذا أقرب من تقرير الشراح هذا الشق بأنهم إن لم يحكموا مع التساوي لم يجز الحكم عليهم بذلك الحكم؛ لأن الإلحاق بدون العلة الجامعة خطأ إجماعًا, ولا يجتمعون على الخطأ.
إذ للخصم أن يقول: نمنع أنه إذا لم يحكموا مع التساوي لا يجوز الحكم عليهم بذلك الحكم؛ لجواز أن يكون مستندهم أن خطاب الواحد للجميع.
قالوا رابعًا: لو كان خطاب الواحد خاصًا, لكان قوله ﵇ لأبي بردة بن نيار في العناق في الأضحية: «تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك» , أخرجه مسلم.
стр. 925
وتخصيصه خزيمة بن ثابت بقبول شهادته وحده, روى أبو داود أنه ﵇ «جعل شهادته شهادة رجلين» , زيادة من غير فائدة.
الجواب: فائدته قطع الإلحاق, فلا يلحق غير به بالقياس عليه, ولولا ذلك لألحق غير من عند المساواة في المعنى كما تقدم في المسألة التي قبل هذا.
قال: (مسألة: جمع المذكر السالم كـ «المسلمين» , ونحو «فعلوا» مما يغلب في المذكر, لا يدخل فيه النساء ظاهرًا, خلافًا للحنابلة.
لنا: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ لو كن داخلات لما حسن, فإن قدر مجيئه للنصوصية, ففائدة التأسيس أولى.
وأيضًا: قالت أم سلمة ﵂: يا رسول الله! إن النساء قلن: ما نرى الله ذكر إلا الرجال, فأنزل الله: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ , ولو كن داخلات لم يصح تقريره النفي.
стр. 926
وأيضًا: فإجماع العربية على أنه جمع المذكر.
قالوا: المعروف تغليب الذكور.
قلنا: صحيح إذا قصد الجميع, ويكون مجازًا.
فإن قيل: الأصل الحقيقة.
قلنا: يلزم الاشتراك, وقد تقدم مثله.
قالوا: لو لم يدخلن, لما شاركن المُذّكرين في الأحكام.
قلنا: بدليل من خارج؛ ولذلك لم يدخلن في خطاب الجهاد, والجمعة, وغيرهما.
قالوا: لو أوصى لرجال ونساء بشيء, ثم قال: «أوصيت لهم بكذا» دخل النساء بغير قرينة, وهو معنى الحقيقة.
قلنا: بقرينة الإيصاء الأول).
أقول: لا خلاف أن الجمع المختص بأحد الصنفين لا يدخل فيه الآخر كالرجال والنساء, ولا خلاف في دخول الكل فيما لا علامة للمذكر ولا للمؤنث فيه كالناس, والخلاف فيما فيه علامة تذكير كالمؤمنين, هذا المذكور في الإحكام.
ولا معنى عندي لقول المصنف: (ونحو فعلوا)؛ لأن الضمير إن عاد على نحو المؤمنين, فدخولهن فيه بدخولهن في المؤمنين, وإن عاد على مثل
стр. 927
الرجال فلا يدخلن اتفاقًا, وإن عاد على مثل الناس دخلن اتفاقًا, إلا أن يرد مثل: المؤمنين والمؤمنات فعلوا.
ومذهب القاضي: أنهن لا يدخلن, واختاره الغزالي, وأكثر الأصوليين.
وقال القاضي عبد الوهاب: إنهن يدخلن, وبه قال الحنابلة, والخلاف في ظهور التناول / لا في صحة التناول؛ لقوله تعالى: ﴿لتكون من المؤمنين﴾ , وقوله تعالى: ﴿وكانت من القانتين﴾.
احتج على مختاره بوجوه ثلاثة:
الأول: قال تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ ولو كن داخلات لما حسن عطفه عليه؛ لعدم فائدته.
فإن قيل: فائدته كونه نصًا في النساء فلا يقبل التخصيص.
قلنا: فيكون تأكيدًا, وفائدة التأسيس أولى من فائدة التأكيد الذي هو على خلاف الأصل.
قلت: مع أنه لا يتوجه؛ لأنهن وغيرهن سواء, ولم ينص على الرجال
стр. 928
حتى يطلبن أن ينص عليهن, إلا أن يقال: ظاهر في الجميع واختلفت مراتب الظهور, فظهوره في الرجال أشد, كالعام الوارد على سبب خاص ظهوره في السبب أشد, مع أنه لفظ يستعمل للرجال وحدهم, فطلبن لفظًا يستعمل للنساء فقط, لكن يبعد قولهن: «ما نرى الله ذكر إلا الرجال».
الثاني: ما رواه النسائي عن أم سلمة أنها قالت: قلت يا رسول الله! ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ , فأنزل الله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ , ولو كن داخلات لما صح سؤالها, ولا تقريره ﵇.
الثالث: إجماع أهل العربية أن هذه الصيغ جمع مذكر وهو تضعيف المفرد, والمفرد مذكر, وإجماع أهل العربية حجة في مباحث الألفاظ.
احتج الآخرون بوجوه ثلاثة:
قالوا أولًا: المعروف من العرب تغليب المذكر على المؤنث عند الاجتماع, قال تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجدًا﴾ , والمراد رجالهم ونساؤهم, وقال: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ , والمراد آدم وحواء وإبليس, وهذا إنما يتصور بدخول النساء فيه, وقد غلبوا المتكلم على الحاضر والحاضر على الغائب في الضمائر, والعقلاء على غيرهم.
стр. 929
الجواب: أنه إنما دلّ على أن الإطلاق صحيح إذا قصد الجميع, ونحن نقول به لكن يكون مجازًا, ولا يلزم أن يكون ظاهرًا فيه, وفيه النزاع.
فإن قيل: الأصل في الإطلاق الحقيقة, فلا يصار إلى المجاز إلا بدليل.
قلنا: لا نزاع في أنه موضوع للرجال وحدهم, فلو كان للكل حقيقة أيضًا لزم الاشتراك, وقد تقدم أن المجاز خير منه.
قيل: إنما يلزم الاشتراك لو لم يكن للقدر المشترك بين جمع محض الذكور وجمع الذكور والإناث.
ردَّ: بأن ذلك لا يدفع الاشتراك؛ لأنهم اتفقوا على أنه وضع لجمع المذكر بخصوصه, فلو كان للمشترك لزم الاشتراك بين الكل والجزء.
قيل: فلو كان مجازًا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد, لدخول المسمى الحقيقي فيه وهو الذكور, وهو ممتنع.
ردَّ: بأنه إنما يكون حقيقة في الذكور مع الاقتصار عليهم, أما إذا كانوا مع الإناث فلا, مع أنا لا نسلم امتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ.
قالوا ثانيًا: لو لم يدخل النساء في هذه الصيغ, لما شاركن المُذّكرين في الأحكام الثابتة بهذه الصيغ / واللازم باطل, أما الملازمة؛ فلأن أكثر أحكام الصلاة والزكاة والصوم بهذه, كـ ﴿أقيموا الصلاة﴾ , ﴿آتوا الزكاة﴾ , و ﴿كتب عليكم الصيام﴾.
стр. 930
الجواب: منع الملازمة, فإن اللازم أن لا يشاركن في الأحكام بهذه الصيغ, ومع المانع أن يشاركن بدليل من خارج؟ , ولا يقال: الأصل عدمه؛ لأن الذي يدل على أنه بدليل خارجي لا من خطاب التذكير, عدم دخولهن في كثير من أحكام خطاب التذكير, كقوله تعالى: ﴿جاهدوا﴾ وقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا﴾ , ولو كن داخلات لكان خروجهن على خلاف الدليل, ولا ينفع المستدل كون خروجهن بدليل خارجي وهو الإجماع؛ لأنه جواب عن السند وهو غير مسموع, أو غير مضر.
قالوا ثالثًا: لو أوصى لرجال ونساء بمائة دينار, ثم قال: «أوصيت لهم بثوب» دخل النساء بغير قرينة, وهو معنى الحقيقة, فيكون ظاهرًا فيهما, وهو المطلوب.
الجواب: منع المبادرة بغير قرينة, بل إن سلمت المبادرة فالوصية الأولى قرينة دالة على إرادة الرجال والنساء.
قال: (مسألة: «من» الشرطية تشمل المؤنث عند الأكثر .
لنا: أنه لو قال: «من دخل داري فهو حر» , عتقن بالدخول).
أقول: ما لا يفرق فيه بين المذكر والمؤنث بعلامة مثل: «من» , و «ما» و «التي» للشرط, وإن كان العائد إليها مذكرًا, يعمّ المذكر والمؤنث عند
стр. 931
الأكثرين, وقال قوم: يختص بالمذكرين.
لنا: لو قال: «من دخل داري فهو حر» , وله إيماء, فدخلها النساء, عتقن, ولولا ظهور فيه لما اتفق عليه عادة.
قلت: وفيه نظر؛ إذ للخصم أن يمنع الحكم, أو يقول: ثبت ذلك شرعًا بقرينة, والخلاف إنما هو لغة.
قال: (مسألة: الخطاب بالناس والمؤمنين يشمل العبيد عند الأكثر.
وقال الرازي: إن كان لحق الله تعالى.
لنا: أن العبيد من الناس والمؤمنين قطعًا, فوجب دخوله.
قالوا: ثبت صرف منافعه إلى سيده, فلو خوطب بصرفها إلى غيره لتناقض.
ردّ: بأنه في غير تضايق العبادات, فلا تناقض.
قالوا: ثبت خروجه عن خطاب الجهاد, والجمعة, وغيرهما.
قلنا: بدليل, كخروج المريض والمسافر).
أقول: الخطاب بصيغة تتناول العبيد لغة, مثل: ﴿يأيها الناس﴾ ,
стр. 932
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ هل يتناول العبيد شرعًا حتى يعمهم الحكم, أو يختص بالأحرار؟ . أكثر المالكية, والشافعية, والحنفية على أنه يعمهم.
وذهب بعض المالكية إلى أنه يختص بالأحرار.
وذهب الرازي من الحنفية إلى أنه يدخل في العمومات المثبتة لحقوق الله, ولا يدخل في المثبت لحقوق الآدميين.
احتج المصنف للأكثر: بأن العبيد من الناس والمؤمنين قطعًا لغة, والأصل عدم النقل, وكونه عبدًا لا يصلح مانعًا.
احتج الآخرون بوجهين:
الأول: ثبت إجماعًا صرف منافعه إلى سيده, فلو / كلف بالخطاب لكان صرفًا لمنافعه إلى غير سيده, وذلك تناقض, فيتبع الإجماع ويترك الظاهر.
الجواب: لا نسلم أنه ثبت صرف منافعه إلى سيده في جميع الأوقات, حتى في وقت تضايق العبادات, بل قد استثنى منه [وقت تضايق العبادات, حتى لو أمره السيد في آخر] وقت الظهر بحيث لو أطاعه فاتته الصلاة,
стр. 933
وجبت عليه الصلاة, ولا تكون منافعه في ذلك الوقت للسيد, فلا تناقض إذا صرف المنافع في غير وقت تضايق العبادات.
وأنت تعلم أن هذا الدليل إذا كان من جانب الرازي, لا يصلح ما ذكر جوابًا عنه.
قالوا ثانيًا: خرج العبد من خطاب الجمعة, والحج, والجهاد, ولزوم التبرعات, والإقرارات, ولو كان الخطاب متناولًا له لزم التخصيص, والأصل عدمه.
الجواب: أن خروجه لدليل اقتضى خروجه, وذلك كخروج المريض والمسافر عن العمومات الدالة على وجوب الصوم, والصلاة, والجهاد, وذلك لا يدل على عدم تناول العمومات لهم, غايته أنه خلاف الأصل ارتكب لدليل, هو جائز.
قال: (مسألة: مثل ﴿يأيها الناس﴾ , ﴿يا عبادي﴾ يشتمل الرسول عند الأكثر.
وقال الحليمي: إلى أن يكون معه «قل».
لنا: ما تقدم, وأيضًا: فهموه لأنه كان إذا لم يفعل سألوه, فيذكر موجب التخصيص.
قالوا: لا يكون آمرًا مأمورًا أو مبلِغًا مبلَغًا بخطاب واحد, ولأن الأمر للأعلى ممن دونه.
قلنا: الآمر هو الله تعالى, والمبلغ هو جبريل ﵇.
قالوا: خص بأحكام, كوجوب ركعتي الفجر, والضحى,
стр. 934
والأضحى, وتحريم الزكاة, وإباحة النكاح بغير ولي ولا شهود ولا مهر, وغيرها.
قلنا: كالمريض, والمسافر, وغيرهما, ولم يخرجوا بذلك عن العمومات).
أقول: ما ورد على لسان النبي ﵇ من العمومات المتناولة له لغة, مثل: ﴿يأيها الناس﴾ , ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ , ﴿يا عبادي﴾ يتناوله ﵇ عند الأكثر.
وقال قوم: علو منصبه, وكونها واردة على لسانه, يمنع دخوله فيها.
وقال الحليمي, والصيرفي: إن كان النبي عليه السلم في أول الخطاب مأمورًا بالقول لم يشمله, وإلا شمله.
стр. 935
احتج الأكثر بوجهين:
الأول: ما تقدم في التي قبلها, يعني أنه ﵇ من الناس والمؤمنين وعباد الله تعالى قطعًا لغة, والنبوة لا تخرجه عن إطلاق هذه الأسماء عليه, فتكون العمومات متناولة له.
الثاني: أن الصحابة فهموا دخوله ﵇ في هذه العمومات؛ ولذلك كانوا يسألونه إذا لم يفعل مقتضاها عن الموجب, فيذكر ﵇ موجب التخصيص, وذلك تقرير منه لدخوله فيها.
لا يقال: لا ينهضان على الحليمي, أما الأول: فلقرينة «قل».
وأما الثاني: فلا نسلم أنهم سألوه فيما كان «بقل»؛ لأنا نقول: قد سلم فيما فيه «قل» , والآيات كلها مقدر فيها «قل» , فيجري ذلك مجرى الملفوظ, يدل على ذلك: ﴿يأيها الرسول بلغ﴾.
قال الإمام في البرهان: الخطاب المصدَّر بالأمر / بالتبليغ يجري على حكم العموم, فإن قوله تعالى: ﴿قل يأيها الناس﴾ على اقتضاء العموم في وضعه, والقائل هو الله تعالى, وحكم قول الله تعالى لا يغيره أمر يختص بالرسول في تبليغه, وكان التحقيق فيه: «بلغني من أمر ربي كذا فاسمعوه واتبعوه».
احتج الآخرون بوجهين:
стр. 936
الأول: أنه ﵇ آمر الأمة بهذه الأوامر, ومبلغ إياها إليه, فإذا كان آمرًا لا يكون مأمورًا؛ لأن الواحد بالخطاب الواحد لا يكون آمرًا مأمورًا, وإن كان مبلَّغاَّ فلا يكون مبلَّغًا إليه لمثل ذلك.
فإن قيل: يكون آمرًا مأمورًا من جهتين.
قلنا: الآمر أعلى رتبة من المأمور, فلابد من المغايرة, أو يجعل دليلًا بنفسه, أي الآمر أعلى والواحد لا يكون أعلى من نفسه, وإذا كان كذلك لم يدخل النبي ﵇ في تلك الأوامر.
وفي لفظة «الأمر للأعلى لمن دونه» مسامحة.
الجواب: لا نسلم أنه آمرًا, بل الله تعالى هو الآمر, ولا نسلم أنه مبلغ إلى نفسه, بل المبلغ إليه جبريل, وهو مبلغ إلينا.
قالوا ثانيًا: الرسول ﵇ خص بأحكام من وجوب أشياء, كركعتي الفجر, وصلاة الضحى, ووجوب الأضحية, وتحريم الزكاة, وإباحة النكاح من غير ولي ولا شهود ولا مهر, وغير ذلك من الأحكام المختصة به, فدلّ على عدم مشاركته للأمة في عموم الخطاب, وعلو منزلته وانفراده بالتكاليف.
واعلم أنه لم يثبت وجوب ركعتي الفجر عليه, وأما وجوب الأضحية ففي مستدرك الحاكم, وقد تقدم ما فيه.
стр. 937
وأما تحريم الزكاة, ففي الصحيحين: «لا تحل الصدقة لآل محمد».
وأما إباحة النكاح من غير ولي ولا مهر ولا شهود, فلقوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾.
الجواب: إن إفراده بذلك بدليل لا يوجب عدم المشاركة مطلقًا, فإن عدم الحكم قد يكون للمانع, كما يكون لعدم المقتضي, وذلك كما أخرج المريض والمسافر من بعض العمومات, ولا يوجب ذلك خروجهم عن العمومات مطلقًا.
قال: (مسألة: ﴿يأيها الناس﴾ ليس خطابًا لمن بعدهم, وإنما ثبت الحكم بدليل آخر من إجماع, أو نص, أو قياس, خلافًا للحنابلة.
لنا: القطع بأنه لا يقال للمعدومين: ﴿يأيها الناس﴾.
وأيضًا: إذا امتنع في الصبي والمجنون, فالمعدوم أجدر.
قالوا: لو لم يكن مخاطبًا له, لم يكن مرسلًا إليه, والثانية اتفاقًا.
وأجيب: بأنه لا يتعين الخطاب الشفاهي, بل لبعضٍ شفاهًا, ولبعضٍ بنصب الأدلة؛ لأن حكمهم كحكم من شافههم.
قالوا: الاحتجاج بدليل التعميم.
قلنا: لأنهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر, جمعًا بين الأدلة).
стр. 938
أقول: الخطاب الوارد في زمان النبي ﵇ شفاهًا, نحو: ﴿يأيها الناس﴾ , ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ ليس خطابًا لمن بعدهم, وإنما يثبت حكمه لهم بدليل آخر من نص أو إجماع أو قياس, وأما مجرد الصيغة فلا.
وقال الحنابلة, وبعض الحنفية: يعمّ مَنْ بعدهم.
ولا خلاف أنهم غير مخاطبين حالة العدم, وإنما النزاع بعد وجودهم وبلوغهم حدّ التكليف, هل يكونون مكلفين بذلك, أو بدليل منفصل؟ .
احتج الجمهور بوجهين:
الأول: أنا نعلم قطعًا أنه لا يقال للمعدومين: ﴿يأيها الناس﴾ , وإنكاره مكابرة.
وأيضًا: إذا امتنع خطاب الصبي والمجنون لقصورهم عن الخطاب مع وجودهم, فالمعدوم أجدر لأن تناوله أبعد.
وفيهما نظر؛ لأنه إن عنى في الأول أنه لا يتناولهم وحدهم فمسلم وليس محل النزاع, وإن أراد أنه لا يتناولهم وإن كان هناك من يواجه بالخطاب فهو مصادرة.
وفي الثاني: أنهم قالوا: يكون مخاطبًا بعد وجوده وبلوغه حدّ التكليف, وإنما يلزم ما ذكر لو قال: إنه مخاطب حال العدم بذلك, فظهر الفرق؛ لأن الخطاب صادف عاقلًا, ومن حصلت له تلك المرتبة بعدُ يكون مخاطبًا بذلك
стр. 939
ولا كذلك في الصبي والمجنون إن لم يصادق الخطاب من هو أهل للخطاب.
احتج الحنابلة بوجهين:
الأول: لو لم يكن الرسول ﵇ مخاطبًا لمن يوجد بعده, لم يكن مرسلًا إليه, أما بطلان اللازم فبالإجماع, وأما الملازمة؛ فلأنه لا معنى لإرساله إليه إلا أن يقول الله تعالى للنبي: بلغه أحكامي, ولا تبليغ إلا بهذه العمومات التي هي خطاب المشافهة؛ إذ التبليغ لا تجب فيه المشافهة.
نعم الواجب التبليغ في الجملة, وذلك يحصل بأن يحصل للبعض مشافهة وللبعض بنصب الأدلة على أن حكمهم حكم الذين شافههم ﵇.
لا يقال: غير الخطاب من الأدلة التي ذكرتم أن حكمهم حكم المشافهين إنما يعلم كونها حجة بالدلائل الخطابية, وإذا كان الخطاب الموجود في زمانه ﵇ لا يتناولهم, تعذر الاحتجاج عليهم.
لأنا نقول: يعلم ذلك بإجماع الصحابة, أو بالنقل عن النبي ﵇ أنه حكم بكون ذلك حجة على من بعدهم.
قالوا ثانيًا: لم يزل العلماء يحتجون على أهل الأعصار ممن بعد الصحابة بمثل هذه العمومات الشفاهية, فكان إجماعًا على تناولها لهم, وإلا لما احتجوا بها عليهم.
الجواب: لا نسلم أن الاحتجاج بلفظ الخطاب, بل بمعقول الخطاب؛ لأن المحتجين علموا أن حكم ذلك الخطاب ثابت على من بعدهم بدليل آخر من إجماع, أو قياس.
فإن قيل: سياق ما نقل يدل على أن الاحتجاج كان للفظ دون المعقول.
стр. 940
قلنا: قد بينا امتناع مخاطبة المعدوم, وحينئذ يجب أن يعتقد أن احتجاج أهل الإجماع بالخطاب من جهة معقوله لا من جهة لفظه, جمعًا بين الأدلة الدالة على امتناع مخاطبة المعدوم والاحتجاج الذي ذكرتم.
قال: (مسألة: المخاطب دخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثر أمرًا ونهيًا, أو خبرًا, مثل: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ , من أحسن إليك فأكرمه, أو فلا تهنه.
قالوا: يلزم ﴿الله خالق كل شيء﴾.
قلنا: خص بالعقل).
أقول: من خاطب المكلفين بخطاب يتناوله عموم متعلقه لغة, هل يدخل في ذلك الخطاب لتناوله له صيغة أم لا, لقرينة كونه مخطابًا؟ .
الأكثر على دخوله, سواء كان الخطاب خبرًا مثل: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ , فيكون عالمًا بذاته لأنه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿كل شيء هنالك إلا وجهه﴾ , وكذا إذا كان أمرًا, كما لو قال السيد لعبده: «من أحسن إليك فأكرمه» , فإذا أحسن السيد إلى عبده, كان إكرامه واجبًا على العبد بمقتضى عموم خطاب السيد.
وكذلك لو كان نهيًا مثل: «من أحسن إليك فلا تهنه» , فإذا أحسن السيد إليه, حرم على العبد إهانته بمقتضى الخطاب, وهو واضح لأنه يتناوله
стр. 941
لغة, ووجب تناوله حال التركيب.
احتج الآخرون: بقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ , فلو دخل لكان خالقًا لنفسه.
أجاب المصنف: بأنه ظاهر فيه, لكن بدليل خص بدليل العقل.
قال البيضاوي في تفسيره: الشيء يختص بالموجود, لأنه في الأصل مصدر شاء, أطلق بمعنى شاء تارة فيتناول الباري, وبمعنى مشيئ أخرى أي مشيئ وجوده, وما شاء الله وجوده فهو موجود في الجملة.
وعليه: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ , ﴿الله خالق كل شيء﴾ فهما على عمومهما بلا مثنوية, والمعتزلة لما قالوا: الشيء ما يصح أن يوجد وهو يعم الواجب والممكن, أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فيعم الممتنع أيضًا, لزمهم التخصيص بالممكن في الموضعين بدليل العقل.
قال: (مسألة: مثل قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ , ولا يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من المال, خلافًا للأكثر.
стр. 942
لنا: أنه بصدقة واحدة يصدق أنه أخذ منها صدقة, فيلزم الامتثال.
وأيضًا: فإن كان دينار مال, ولا يجب ذلك بالإجماع.
قالوا: المعنى من كل مال, فيجب العموم.
قلنا: كل للتفصيل, ولذلك فرق بين «للرجال عندي درهم» , وبين «لكل رجل عندي درهم» باتفاق).
أقول: اختلفوا في قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ , هل يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك, أو أخذ صدقة من نوع واحد من مال كل مالك؟ .
الأكثر على الأول, وذهب الكرخي إلى الثاني, واختاره المصنف. واحتج عليه: بأنه يصدق بأخذ الرسول صدقة واحدة من نوع من مال كل واحد, أنه أخذ صدقة من مجموع مال كل واحد, وإذا صدق ذلك فقد امتثل.
فقول المصنف: (بصدقة واحدة) أي من أموال كل واحد واحد؛ لأن دلالة العموم كلية.
ثم احتج بالإجماع, قال في الإحكام: الإجماع على أن كل درهم ودينار من دراهم المالك ودنانيره موصوف بأنه ماله, ومع ذلك لا يجب أخذ الصدقة من خصوص كل دينار وكل درهم له.
стр. 943
لا يقال: المتنازع فيه النوع, وما ذكرتم راجع إلى القدر.
لأنا نقول: إذا لم يجب, لم يجب من كل نوع؛ إذ لا مقتضى له إلا فهم العموم من الخطاب, إلا أن يقال: خولف مقتضى الدليل فيما ذكرتم للإجماع, والإجماع هو إجماع الخصمين, وليس كما فهم بعضهم أن ذلك في الزكاة؛ إذ الآية في المخلفين
احتج الأكثرون: بأنه جمع مضاف فيعم, فيكون المعنى: خذ من كل مال كل واحد.
الجواب: لا نسلم أن معناه من كل مال كل واحد, إذ كل وضع لاستغراق كل واحد واحد, وهو أمر زائد على العموم, والجمع إنما يدل على المجموع؛ ولذلك فرقوا بين «للرجال عندي درهم» , وبين «لكل رجل عندي درهم» , حتى نلزمه في الأول درهمًا واحدًا لجميعهم, وفي الثاني نلزمه درهمًا لكل واحد واحد, ولو سلمنا أن معناه من كل, فهو من كل أموال كل واحد, لا من كل مال كل واحد؛ لأن «كل» إنما دخلت على الجمع, فالعموم في جماعات الأموال, لا في أفراد الأموال, والظاهر ما ذهب إليه.
قال الآمدي: «ومأخذ الكرخي دقيق».
قال: (مسألة: العام بمعنى المدح والذم , مثل: ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ الآية, ﴿والذين يكنزون﴾ عام.
وقال الشافعي بخلافه.
стр. 944
لنا: أن اللفظ عام ولا منافي, فعمّ كغيره.
قالوا: سيق لقصد المبالغة في الحث أو الزجر, فلا يلزم التعميم.
قلنا: العموم أبلغ.
وأيضًا: لا تنافي بينهما).
أقول: اللفظ العام إذا قصد به المخاطب المدح أو الذم, مثل: ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ , ﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ , ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ , قال الشافعي: لا يصح التمسك به في وجوب زكاة الحلي؛ لأن العموم لم يقع مقصودًا, وإنما سيق لقصد الذم.
واختار المصنف: أنه على عمومه, وهو مذهب الأكثرين.
واحتج: بأنه عام بصيغته وضعًا, ولا منافاة بين المدح والذم وبين العموم فيجب التعميم بالمقتضى السالم عن المعارض.
قال الآخرون: سيق لقصد المدح والذم, وقد عهد فيهما التجوز والتوسع, وأن يذكر العام وإن لم يرد العموم مبالغة وإغراقًا.
الجواب: أن التعميم أبلغ في الحث والزجر, فالحمل عليه أولى.
стр. 945
وأيضًا: لا منافاة بين قصد المبالغة والعموم, فالجمع بين المقصودين أولى من تعطيل أحدهما.
فإن قيل: قصد المبالغة إنما يحصل إذا لم يكن عموم وذكر بلفظ العموم, كما لو قال: «ضرب كل واحد منهم»
قلنا: قصد المبالغة في الحث أو الزجر هو الذي لا ينافي العموم, لا قصد المبالغة مطلقًا.
قال: (التخصيص: قصر العام على بعض مسمياته.
أبو الحسين: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه.
وأراد متناوله بتقدير عدم المخصص, كقولهم: خصّ العام.
وقيل: تعريف أن العموم للخصوص, وأورد الدور.
أجيب: بأن المراد في الحدّ التخصيص اللغوي, ويطلق التخصيص على قصر اللفظ وإن لم يكن عامًا, كما يطلق عليه عام لتعدده, كعشرة والمسلمين لمعهودين, وضمائر الجمع, ولا يستقيم تخصيص إلا فيما يستقيم توكيده بكل).
أقول: لما فرغ من بحث العام والعموم, شرع في التخصيص والمخصص.
وعرّف المصنف التخصيص بأنه: قصر العام على بعض مسمياته, وهو
стр. 946
متناول ما أريد به جميع المسميات أولا, ثم أخرج بعض في الاستثناء, وما لم يرد إلا بعض المسميات ابتداء, كما في غيره.
والمراد من المسميات متناولات العام, إذ مسمى العام شيء واحد.
ولو قال: قصر العام على بعض مسماه لكان أحسن, وقد يكون المراد على بعض مسميات دلّ عليها العام.
وعرّفه أبو الحسين البصري بأنه: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه.
وأورد عليه: أن ما أخرج بالخطاب غير متناول له.
فأجاب: بأن المراد ما يتناوله الخطاب بتقدير عدم المخصص, كقولهم: خصص العام, وهذا عام مخصوص, ولا شك أن المخصص ليس بعام, لكن المراد أنه عام لولا تخصيصه, وكأن المصنف إنما عدل عن هذا الحدّ لما فيه من المجاز والدور.
والحق: أن الخطاب في نفسه متناول لذلك البعض, وباعتبار المخصص غير متناول له, فالعام على تقدير وجود المخصص شامل لجميع الأفراد في نفسه, والمخصص أخرج بعضها عنه, فلا حاجة إلى هذا التقدير.
والظاهر أن المصنف إنما ذكر هذا التقدير جوابًا عما اعترض به الآمدي على الحدّ, لا أنه ذكر لأبطاله.
وعرّف أيضًا التخصيص بأنه: تعريف أن العموم للخصوص, أي
стр. 947
تعريف أن اللفظ الموضوع لجميع الأفراد أريد بعضها.
وأورد: أنه تعريف التخصيص بالخصوص, وهو دور.
والجواب: أن المراد بالتخصيص المحدود هو الاصطلاحي, وبالخصوص هو اللغوي, واللغوي أعرف, فلا دور, ولا يندفع عن تعريف أبي الحسين لأنهما اصطلاحيان.
قلت: والظاهر أن المصنف إنما عدل عن هذا الحدّ لعدم اضطراده, إذ يلزم أن يكون قولنا: هذا العموم مخصوص تخصيصًا, وليس كذلك, إذ ليس من مقولة أن يفعل.
واعلم أنه يطلق التخصيص أيضًا على قصر اللفظ على بعض متناولاته وإن لم يكن عامًا, كما يطلق اللفظ أنه عام بحسب / تعدد أفراده وإن لم يكن عامًا, كعشرة يقال: إنه عام باعتبار آحاده, فإذا قصر على خمسة بالاستثناء قيل: خصَّ, وكذا المسلمين للمعهودين نحو: «أكرمت المسلمين إلا زيدًا» فإنهم يسمون المسلمين هنا عامًا, والاستثناء منه تخصيصًا له.
وذكر المصنف في أمثلة العام غير المصطلح ضمائر الجمع, بناء على أن صيغ العموم ما دلّ بنفسه, وليس كذلك, إذ الموصول عام ويحتاج إلى قرينة الصلة, فضمير الغائب تابع لمضمره.
ثم قال: «ولا يستقيم تخصيص» يعنى بشيء من التفاسير المذكورة, إلا فيما يستقيم توكيده بكل, وهو ما كان ذا أجزاء يصح افتراقها حسًا,
стр. 948
كقولنا: «الناس كلهم» , أو حكمًا, كقولنا: «اشتريت الجارية كلها» , وذلك ليكون له بعض يمكن قصره عليه.
واعلم أن النكرة في سياق النفي يدخلها التخصيص ولا تؤكد بكل, وكذا النكرة عددًا كانت أو غير عدد, وكثير من ألفاظ العموم لا تؤكد بكل.
وعبارة الآمدي أحسن, حيث قال: «ما لا يتصور فيه معنى الشمول, لا يتصور تخصيصه».
قال: (مسألة: التخصيص جائز إلا عند شذوذ .
الأكثر: على أنه لابد في التخصيص من بقاء جمع يقرب من مدلوله.
وقيل: يكفي ثلاثة, وقيل: اثنان, وقيل: واحد.
والمختار: أنه ما بالاستثناء والبدل يجوز إلى واحد, وبالمتصل كالصفة يجوز إلى اثنين, وبالمنفصل في المحصور القليل يجوز إلى اثنين, مثل: «قتلت كل زنديق» , وقد قتل اثنين, وهم ثلاثة.
وبالمنفصل في غير المحصور أو العدد الكثير, المذهب الأول.
لنا: أنه لو قال: «قتلت كل من في المدينة» , وقد قتل ثلاثة, عُدّ لاغيًا وخُطَّئ, وكذلك: «أكلت كل رمانة» , وكذلك لو قال: «كل من دخل, أو أكل» , وفسّره باثنين أو ثلاثة.
القائل باثنين أو ثلاثة: ما قيل في الجمع.
وردّ: بأن الجمع ليس بعام.
стр. 949
القائل بالواحد: أكرم الناس إلا الجهال.
وأجيب: بأنه مخصوص بالاستثناء ونحوه.
قالوا: ﴿وإنا له لحافظون﴾ , وليس محل النزاع.
قالوا: لو امتنع لكان لتخصيصه, وذلك يمنع الجميع.
أجيب: بأن الممتنع تخصيص خاص بما تقدم.
قالوا: قال الله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ , وأريد نعيم بن مسعود, ولم يعد مستهجنًا للقرينة.
قلنا: الناس للمعهود, فلا عموم.
قالوا: صلح «أكلت الخبز» , «شربت الماء» لأقل.
قلنا: ذلك للبعض المطابق للمعهود الذهني, ومثله في المعهود الوجودي, فليس من العموم والخصوص في شيء).
أقول: اختلف القائلون بالعموم وتخصيصه في الغاية التي ينتهي التخصيص / إليها, فذهب أبو الحسين البصري, إمام الحرمين, وجماعة إلى أنه لابد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام.
وذهب القفال إلى أنه لابد من بقاء ثلاثة في المجموع, كالرجال, والمسلمين, ويجوز الانتهاء إلى الواحد في «مَنْ».
وحكى الإمام فخر الدين الاتفاق في ألفاظ الاستفهام والشرط, أنه يجوز
стр. 950
إلى الواحد.
وحكى القاضي عبد الوهاب أنه: يجوز عندنا إلى الواحد مطلقًا.
وأما القول بأنه يجوز إلى اثنين, فهو مبني على أن أقل الجمع اثنان.
واختيار المصنف التفصيل, فإن كان باستثناء أو بدل جاز إلى الواحد, نحو: «عشرة إلا تسعة» , و «اشتريت العشرة واحدًا منها».
وإن كان بمتصل غيرهما كالشرط والصفة, يجوز إلى اثنين, نحو: «أكرم الناس العلماء, أو إن كانوا علماء» , ولا يظهر فرق بين الاستثناء والبدل, وبين الصفة والشرط.
وإن كان التخصيص بمنفصل, فإن كان في محصور قليل جاز إلى اثنين مثل: «قتلت كل زنديق» وهم ثلاثة, وإن كان في غير محصور, أو عدد كثير, فالمذهب الأول هو أنه لابد من جمع يقرب من مدلوله.
ولو قال: وبالمنفصل المذهب الأول من غير تفصيل لكان أولى؛ لأن ما بفي في المثال الثالث يقرب من مدلول العام.
ثم احتج للقسم الرابع لوضوح ما عداه عنده: بأنه لو قال: «قتلت كل من في المدينة» ولم يقتل إلا ثلاثة, عُدَ لاغيًا, وكذلك لو قال: «أكلت كل رمانة في البستان» ولم يكن أكل إلا ثلاثة, عُدّ لاغيًا.
وكذلك لو قال: «كل من دخل داري فهو حر» , أو «كل من أكل فأكرمه» وفسّر بثلاثة وقال: أردت زيدًا وعمرًا وبكرًا, عُدّ لاغيًا.
следующие страницы →