← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

متناول ما أريد به جميع المسميات أولا, ثم أخرج بعض في الاستثناء, وما لم يرد إلا بعض المسميات ابتداء, كما في غيره. والمراد من المسميات متناولات العام, إذ مسمى العام شيء واحد. ولو قال: قصر العام على بعض مسماه لكان أحسن, وقد يكون المراد على بعض مسميات دلّ عليها العام. وعرّفه أبو الحسين البصري بأنه: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه. وأورد عليه: أن ما أخرج بالخطاب غير متناول له. فأجاب: بأن المراد ما يتناوله الخطاب بتقدير عدم المخصص, كقولهم: خصص العام, وهذا عام مخصوص, ولا شك أن المخصص ليس بعام, لكن المراد أنه عام لولا تخصيصه, وكأن المصنف إنما عدل عن هذا الحدّ لما فيه من المجاز والدور. والحق: أن الخطاب في نفسه متناول لذلك البعض, وباعتبار المخصص غير متناول له, فالعام على تقدير وجود المخصص شامل لجميع الأفراد في نفسه, والمخصص أخرج بعضها عنه, فلا حاجة إلى هذا التقدير. والظاهر أن المصنف إنما ذكر هذا التقدير جوابًا عما اعترض به الآمدي على الحدّ, لا أنه ذكر لأبطاله. وعرّف أيضًا التخصيص بأنه: تعريف أن العموم للخصوص, أي

стр. 947

تعريف أن اللفظ الموضوع لجميع الأفراد أريد بعضها. وأورد: أنه تعريف التخصيص بالخصوص, وهو دور. والجواب: أن المراد بالتخصيص المحدود هو الاصطلاحي, وبالخصوص هو اللغوي, واللغوي أعرف, فلا دور, ولا يندفع عن تعريف أبي الحسين لأنهما اصطلاحيان. قلت: والظاهر أن المصنف إنما عدل عن هذا الحدّ لعدم اضطراده, إذ يلزم أن يكون قولنا: هذا العموم مخصوص تخصيصًا, وليس كذلك, إذ ليس من مقولة أن يفعل. واعلم أنه يطلق التخصيص أيضًا على قصر اللفظ على بعض متناولاته وإن لم يكن عامًا, كما يطلق اللفظ أنه عام بحسب / تعدد أفراده وإن لم يكن عامًا, كعشرة يقال: إنه عام باعتبار آحاده, فإذا قصر على خمسة بالاستثناء قيل: خصَّ, وكذا المسلمين للمعهودين نحو: «أكرمت المسلمين إلا زيدًا» فإنهم يسمون المسلمين هنا عامًا, والاستثناء منه تخصيصًا له. وذكر المصنف في أمثلة العام غير المصطلح ضمائر الجمع, بناء على أن صيغ العموم ما دلّ بنفسه, وليس كذلك, إذ الموصول عام ويحتاج إلى قرينة الصلة, فضمير الغائب تابع لمضمره. ثم قال: «ولا يستقيم تخصيص» يعنى بشيء من التفاسير المذكورة, إلا فيما يستقيم توكيده بكل, وهو ما كان ذا أجزاء يصح افتراقها حسًا,

стр. 948

كقولنا: «الناس كلهم» , أو حكمًا, كقولنا: «اشتريت الجارية كلها» , وذلك ليكون له بعض يمكن قصره عليه. واعلم أن النكرة في سياق النفي يدخلها التخصيص ولا تؤكد بكل, وكذا النكرة عددًا كانت أو غير عدد, وكثير من ألفاظ العموم لا تؤكد بكل. وعبارة الآمدي أحسن, حيث قال: «ما لا يتصور فيه معنى الشمول, لا يتصور تخصيصه». قال: (مسألة: التخصيص جائز إلا عند شذوذ . الأكثر: على أنه لابد في التخصيص من بقاء جمع يقرب من مدلوله. وقيل: يكفي ثلاثة, وقيل: اثنان, وقيل: واحد. والمختار: أنه ما بالاستثناء والبدل يجوز إلى واحد, وبالمتصل كالصفة يجوز إلى اثنين, وبالمنفصل في المحصور القليل يجوز إلى اثنين, مثل: «قتلت كل زنديق» , وقد قتل اثنين, وهم ثلاثة. وبالمنفصل في غير المحصور أو العدد الكثير, المذهب الأول. لنا: أنه لو قال: «قتلت كل من في المدينة» , وقد قتل ثلاثة, عُدّ لاغيًا وخُطَّئ, وكذلك: «أكلت كل رمانة» , وكذلك لو قال: «كل من دخل, أو أكل» , وفسّره باثنين أو ثلاثة. القائل باثنين أو ثلاثة: ما قيل في الجمع. وردّ: بأن الجمع ليس بعام.

стр. 949

القائل بالواحد: أكرم الناس إلا الجهال. وأجيب: بأنه مخصوص بالاستثناء ونحوه. قالوا: ﴿وإنا له لحافظون﴾ , وليس محل النزاع. قالوا: لو امتنع لكان لتخصيصه, وذلك يمنع الجميع. أجيب: بأن الممتنع تخصيص خاص بما تقدم. قالوا: قال الله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ , وأريد نعيم بن مسعود, ولم يعد مستهجنًا للقرينة. قلنا: الناس للمعهود, فلا عموم. قالوا: صلح «أكلت الخبز» , «شربت الماء» لأقل. قلنا: ذلك للبعض المطابق للمعهود الذهني, ومثله في المعهود الوجودي, فليس من العموم والخصوص في شيء). أقول: اختلف القائلون بالعموم وتخصيصه في الغاية التي ينتهي التخصيص / إليها, فذهب أبو الحسين البصري, إمام الحرمين, وجماعة إلى أنه لابد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام. وذهب القفال إلى أنه لابد من بقاء ثلاثة في المجموع, كالرجال, والمسلمين, ويجوز الانتهاء إلى الواحد في «مَنْ». وحكى الإمام فخر الدين الاتفاق في ألفاظ الاستفهام والشرط, أنه يجوز

стр. 950

إلى الواحد. وحكى القاضي عبد الوهاب أنه: يجوز عندنا إلى الواحد مطلقًا. وأما القول بأنه يجوز إلى اثنين, فهو مبني على أن أقل الجمع اثنان. واختيار المصنف التفصيل, فإن كان باستثناء أو بدل جاز إلى الواحد, نحو: «عشرة إلا تسعة» , و «اشتريت العشرة واحدًا منها». وإن كان بمتصل غيرهما كالشرط والصفة, يجوز إلى اثنين, نحو: «أكرم الناس العلماء, أو إن كانوا علماء» , ولا يظهر فرق بين الاستثناء والبدل, وبين الصفة والشرط. وإن كان التخصيص بمنفصل, فإن كان في محصور قليل جاز إلى اثنين مثل: «قتلت كل زنديق» وهم ثلاثة, وإن كان في غير محصور, أو عدد كثير, فالمذهب الأول هو أنه لابد من جمع يقرب من مدلوله. ولو قال: وبالمنفصل المذهب الأول من غير تفصيل لكان أولى؛ لأن ما بفي في المثال الثالث يقرب من مدلول العام. ثم احتج للقسم الرابع لوضوح ما عداه عنده: بأنه لو قال: «قتلت كل من في المدينة» ولم يقتل إلا ثلاثة, عُدَ لاغيًا, وكذلك لو قال: «أكلت كل رمانة في البستان» ولم يكن أكل إلا ثلاثة, عُدّ لاغيًا. وكذلك لو قال: «كل من دخل داري فهو حر» , أو «كل من أكل فأكرمه» وفسّر بثلاثة وقال: أردت زيدًا وعمرًا وبكرًا, عُدّ لاغيًا.

стр. 951

احتج القائل بجواز التخصيص إلى اثنين أو ثلاثة: بما قيل في أن أقل الجمع اثنان, أو ثلاثة. الجواب: أن الكلام في أقل مرتبة يخصص إليها العام, لا في أقل مرتبة يطلق عليها الجمع؛ إذ الجمع ليس بعام, ولم يدل دليل على تلازم حكمهما فلا تعلق لأحدهما بالآخر, والدال على أحدهما لا يدل على الآخر. احتج القائلون بجواز التخصيص مطلقًا إلى واحد بوجوه خمسة: الأول: يجوز أن يقال: «أكرم الناس إلا الجهال» وإن كان العالم واحدًا. الجواب: أن منع التخصيص إلى الواحد مخصوص بالاستثناء وبدل البعض, وقد استثنيناهما, فلا يصح الإلزام بهما. قالوا ثانيًا: ﴿وإنا له لحافظون﴾ , والمراد هو تعالى. الجواب: ليس محل النزاع, فإنه للتعظيم, وليس من العموم والخصوص في شيء؛ لجري العادة أن العظماء يتكلمون عنهم وعن أتباعهم فيغلبون المتكلم, فصار ذلك استعارة عن العظمة, ولم يبق معنى العموم ملحوظًا أصلًا, ولا مخصص أيضًا. قالوا ثالثًا: لو امتنع لكان المانع تخصيص العام وإخراجه عن موضعه إلى غيره, وذلك يمنع كل تخصيص. الجواب: منع كون المانع مطلق التخصيص, بل المانع تخصيص خاص

стр. 952

وهو ما بعد فيه لاغيًا. قالوا رابعًا: قال تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ وأراد نعيم بن مسعود, ولم يعد مستهجنًا لوجود القرينة, فوجب جواز التخصيص إلى الواحد مهما وجدت القرينة. الجواب: أنه غير محل النزاع, إذ لا مخصص هنا, والبحث في تخصيص العام, والناس ليس بعام بل لمعهود, والمعهود ليس بعام لما عرفت في حدّ العام, حيث قال: (مطلقًا) يخرج المعهود. قال الزمخشري: أطلق عليه الناس لأنه من الناس, كما يقال: «فلان يلبس البرود ويركب الخيل» وإن لم يكن عنده إلا فرس واحد. قالوا خامسًا: علم بالضرورة من اللغة صحة قولنا: «أكلت الخبز» , و «اشربت الماء» لأقل القليل مما يتناوله الخبز والماء. الجواب: ليس محل النزاع, فإن كل واحد من الخبز والماء ليس بعام, بل هو للبعض الخارجي المطبق للمعهود الذهني, وهو الخبز والماء المقدر في الذهن أنه يؤكل ويشرب, وهو مقدارٌ ما معلوم, فليس إلا معهودًا يتناول عدة من المعينات قيد ببعض منها, وكما لا عموم للمعهود الوجودي, فكذا

стр. 953

الذهني وإن كان الشخصي يمنع الشركة - والذهني لا يمنعها - كان للبعض المطابق للذهني لاستحالة وجود الماهية في الخارج بدون فرد من أفرادها المطابق لها بعد حذف المشخصات, فحمل على ذلك البعض لضرورة الوجود, فلا استغراق لواحد منها. قال: (مسألة: المخصص: متصل, ومنفصل . فالمتصل: الاستثناء المتصل, والشرط, والصفة, والغاية, وبدل البعض. والاستثناء في المنقطع, قيل: حقيقة. وقيل: مجاز. وعلى الحقيقة, قيل: متواطئ. وقيل: مشترك. ولابد لصحته من مخالفة في نفي الحكم, أو في أن المستثنى حكم آخر له يخالفه بوجه, مثل: ما زاد إلا نقص. ولأن المتصل أظهر, لم يحمله فقهاء الأمصار على المنقطع إلا عند تعذره, ومن ثم قالوا في له عندي مائة درهم إلا ثوبًا وشبهه: إلا قيمة ثوب). أقول: المخصص في الحقيقة هو إرادة المتكلم, ويطلق على اللفظ الدال على تلك الإرادة مجازًا. والمخصص: متصل, ومنفصل؛ لأنه إما أن لا يستقل بنفسه وهو المتصل, أو يستقل وهو المنفصل.

стр. 954

ثم المتصل خمسة أنواع, والاستثناء المنقطع ليس بمخصص؛ إذ لا إخراج فيه, وإنما تكلم عليه استطرادًا, ثم هذه الخمسة منها ما يخرج المذكور به كالاستثناء والغاية, ومنها ما يخرج غير المذكور به كالشرط والصفة والبدل. ولما كان بدل البعض كالاستثناء عند المصنف, فحكمه كحكمه, ولذلك لم يفرد له فصلًا. واعلم أن المستثنى إن كان بعض المستثنى منع, فالاستثناء متصل, وإلا فمنقطع. واختلفوا في استعمال الاستثناء في المنقطع, فقيل: حقيقة فيه, وقيل: مجاز, ثم اختلف القائلون بكونه حقيقة فيه. فقال قوم منهم: إنه مقول عليهما باعتبار أمر مشترك بينهما وهو المخالفة فهو متواطئ, وقيل: بل هو مشترك بينهما بالاشتراك اللفظي. ثم قال: ولابد لصحة الاستثناء المنقطع من مخالفة بوجه من الوجوه, إما بأن ينفى من المستثنى الحكم الذي يثبت للمستثنى منه, مثل: «جاء القوم إلا حمارًا» , فقد نفينا المجيء عن الحمار بعدما أثبتناه للقوم. وإما بأن يكون المستثنى نفسه حكمًا آخر مخالفًا للمستثنى منه بوجه, مثل: «ما زاد إلا نقص» , فإن النقص حكم مخالف للزيادة, وكذا: «ما نفع إلا ما ضر».

стр. 955

ولا يقال: «ما جاءني زيد إلا أن العالم حادث» , إذ لا مخالفة بينهما بأحد الوجهين؛ لأنه مقدر بـ «لكن» , فكما تجب فيه المخالفة تحقيقًا, مثل: «ما ضربني زيد لكن ضربني عمرو» , أو تقديرًا مثل: «ما ضربني لكن أكرمني» , فكذا هنا. ثم أشار المصنف إلى أنه مجاز في المنقطع, وهو اختيار القاضي عبد الوهاب, محتجًا بأن علماء الأمصار لم يحملوا الاستثناء على المنقطع إلا عند تعذر المتصل, حتى عدلوا للحمل على المتصل عن الظاهر وخالفوه. فقالوا في قول المقرّ له عندي مائة درهم إلا ثوبًا: إلا قيمة ثوب, فارتكبوا الإضمار وهو على خلاف الأصل ليصير متصلًا, ولو كان ظاهرًا في المنقطع لم يرتكبوا خلاف الظاهر حذرًا عنه. وهذا الذي ذكر أنه قول علماء الأمصار هو أحد القولين عندنا, وذكر المازري هذا القول وقولًا آخر أنه يؤخذ بالمائة ويعد ذكر الثواب ندمًا. قال: (وأما حدّه, فعلى التواطؤ: ما دلّ على مخالفة بإلا, غير الصفة وأخواتها وعلى الاشتراك والمجاز لا يجتمعان في حدّ, فيقال في المنقطع: ما دلّ على مخالفة بإلاّ غير الصفة وأخواتها, من غير إخراج. وأما المتصل, فقال الغزالي: قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور لي يرد بالقول الأول.

стр. 956

وأورد على طرده: التخصيص بالشرط, والوصف بالذي, والغاية, ومثل: «قام القوم ولم يقم زيد» , ولا يرد الأولان. وعلى عكسه: «جاء القوم إلا زيد» , فإنه ليس بذي صيغ. وقيل: لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه, دال على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به, ليس بشرط, ولا صفة, ولا غاية. وأورد على طرده: «قام القوم إلا زيدًا». وعلى عكسه: «ما جاء إلا زيد» , فإنه لم يتصل بجملة. وأن مدلول كل استثناء مراد بالأول. والاحتراز من الشرط والصفة وهم, والأولى إخراج بإلا وأخواتها). أقول: اعلم أن الاستثناء إن كان متواطئًا في المتصل والمنقطع, أمكن أن يحدّ بحدّ واحد باعتبار المشترك بينهما, وهو مجرد المخالفة, الأعم من الإخراج / وعدمه, فيقال: ما دلّ على مخالفة بإلا غير الصفة وأخواتها, فما دلّ على مخالفة يتناول أنواع التخصيص. وقوله: (بإلا غير الصفة) يخرج سائر أنواعه, وإنما قيد «إلا» بغير الصفة, ليخرج نحو: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾؛ لأنهما بمعنى «غير» , فهي صفة لا استثناء. وقوله: (وأخواتها) أراد بقية حروف الاستثناء وهي معلومة,

стр. 957

فيخرج ما دلّ على مخالفة [لا بها] , أو إحدى أخواتها, نحو: «قام القوم ولم يقم زيد». وفيه مناقشة؛ لأن «إلا» هو الدال على المخالفة, فالأولى أن يقال: الاستثناء الإشعار بمخالفة بإلا أو إحدى أخواتها. أما إذا قلنا: إنه مشترك بينهما اشتراكًا لفظيًا, أو هو مجاز في المنقطع, فلا يجمعان في حدّ واحد من حيث المعنى لاختلاف مفهوميهما, إما بحسب اللفظ, فممكن أن يقال: هو المذكور بعد إلا, غير الصفة أو إحدى أخواتها, فيكون لفظيًا. قيل: لو زِيدَ في التعريف مخرجًا أو غير مخرج, لكن معويًا. ردّ: بأن مخرجًا أو غير مخرج لا مدخل له في التعريف, لأن حينئذ لبيان الأنواع, ولو سلّم لم يكن معنويًا؛ لأنه مركب من لفظي ومعنوي, فإذا لم يجتمعا في حدّ واحد, يزاد عن الحدّ المذكور قيد «من غير إخراج» , فيكون حدًّا للمنقطع يمتاز به عن المتصل؛ لأن المتصل فيه إخراج. وأما المتصل: فعرّفه الغزالي: بأنه قول ذو صيغ مخصوصة محصورة, دال على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول. واعترض طرده وعكسه. أما طرده: فالتخصيص بالشرط, نحو: «أكرم الناس إن دخلوا» , و

стр. 958

الوصف بالذي [] والتي وأخواتها, لأنها [الصيغ] المخصوصة دون الوصف بغيرها. وقيل: إنما قيد بما ذكره؛ لأن الوصف بغيره لم يذكر بعده شيء, ولا يخفى ضعفه, لأن الآخر ما ذكر بعده إلا الصلة, والمخصص الموصول لا الصلة, نحو: «الناس الذين علموا» , والغاية نحو: «أكرم الناس إلا أن يدخلوا» , ومثل: «جاء القوم ولم يجئ زيد». قال المصنف: (ولا يرد الأولان) يعني التخصيص بالشرط والوصف بالذي؛ لأنهما لا يخرجان المذكور به, بل غير المذكور. والحق: أن لا يرد الرابع؛ لأن المراد في قولنا أي الوضع, وقوله: (ولم يجئ زيد) لم يوضع إلا لنفي المجيء عن زيد, ولم يوضع للإعلام بأن زيدًا لم يرد بالأول, وإنما يلزم من ذكره بعد الإثبات لزومًا عقليًا لا وضعيًا, بخلاف: «جاء القوم إلا زيدًا» , فإنه لم يوضع إلا لذلك. ثم أورد على عكسه: «جاء القوم إلا زيدًا» , فإنه استثناء وليس ذا صيغ, بل ذو صيغة واحدة. والحق: أنه لا يرد؛ لظهور أن المراد أن جنس الاستثناء ذو صيغ, وكل استثناء ذو صيغة, والحق ورود الغاية. فإن أجيب: بأن المراد من قولنا: «ذو صيغ» أدوات الاستثناء, لزم

стр. 959

الدور, وأيضًا: لا يكون حدًا لاستثناء, وإنما هو حدّ لأدوات الاستثناء, وقيد «محصورة» زائد لا يحتاج إليه. وعرّفه بعض النحاة: بأنه لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه, دال على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به, واحترز «بمتصل» عن المنفصل من لفظ أو عقل, و «بلا يستقل» عن اللفظي المتصل المستقل. (وبدال ... آخره) المتصلات غير المخصصة, وبقوله (ليس بشرط ... إلى آخره) عنها. ثم أورد على طرده وعلى عكسه, أما على طرده: فـ «قام القوم إلا زيد» , يصدق عليه الحدّ وليس باستثناء. وأما العكس: فالاستثناء المفرغ, نحو: «ما جاء إلا زيد» , هو استثناء ولم يتصل بجملة, لأنه هو الفاعل, والفعل وحده مفرد. وثانيها: أنّا سنبين أن مدلول كل استثناء متصل مراد بالأول, ولا يخفى أنه إن ورد ورد على الغزالي أيضًا. وأورد أيضًا: أن قوله: (ليس بشرط ولا صفة) لا حاجة إليه؛ لأنهما لا يدلان على أن مدلولهما غير مراد, بل على أن المراد مدلولهما لا غير, وقد يقال على الأول: إن «إلا زيد» وضع لنفي لا لإعلام عدم الإرادة, كقولنا: «جاءني عمرو لا زيد». وعن الثاني: أن المراد الجملة أو ما يقدر به وما اتصل به المفرغ. قيل: يقدر معه عام يتناوله, فيكون جملة معنى, ويكون زيد بدلًا من

стр. 960

ذلك المقدر. وعن الثالث: أن المستثنى غير مراد في الجملة, حيث لم يرد الإسناد إليه. وعن الرابع: أنه لا يريد إخراج كل شرط وصفة, بل نحو: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله﴾ , و «أكرم الناس إن لم يكونوا جهالًا». والحق: أن هذا أيضًا تعريف لأدوات الاستثناء, والضمير في مدلوله ليس على ظاهره, بل مدلول جزئه وهو زيد في قولنا: «إلا زيدًا» , لا مدلول إلا زيدًا. ثم قال المصنف: والأولى في تعريفه: إخراج بإلا, يعني غير الصفة أو إحدى أخواتها, يعني بقية الأدوات, والظاهر أنه تعريف لفظي. قال: (وقد اختلف في تقرير الدلالة في الاستثناء. فالأكثر: المراد بعشرة في قولك: «عشرة إلا ثلاثة» سبعة, و «إلا» قرينة لذلك, كالتخصيص بغيره. وقال القاضي: عشرة إلا ثلاثة بإزاء سبعة, كاسمين مركب ومفرد. وقيل: المراد بعشرة, عشرة باعتبار الأفراد, ثم أخرجت ثلاثة, والإسناد بعد الإخراج, فلم يسند إلا إلى سبعة, وهو الصحيح. لنا: أن الأول غير مستقيم, للقطع بأن من قال: «اشتريت الجارية إلا نصفها» أو نحوه, لم يرد استثناء نصفها من نصفها, ولأنه كان بتسلسل, ولأنا نقطع بأن الضمير للجارية بأكملها, ولإجماع العربية على أنه إخراج بعض من كل, ولإبطال النصوص, وللعم بأنا نسقط الخارج, فيعلم أن

стр. 961

المسند إليه ما بقي. والثاني كذلك, للعلم بأنه خارج عن قانون اللغة, إذ لا تركيب من ثلاثة, ولا يعرب الأول, وهو غير مضاف, ولامتناع إعادة الضمير على جزء الاسم في «إلا نصفها» , ولإجماع العربية ... إلى آخره. قال الأولون: لا / يستقيم أن يراد عشرة بكمالها, للعم بأنه ما أقرّ إلا بسبعة, فيتعين. وأجيب: بأن الحكم بالإقرار باعتبار الإسناد, ولم يسند إلا بعد الإخراج. قالوا: لو كان المراد عشرة, امتنع من الصادق, مثل قوله تعالى: ﴿إلا خمسين عامًا﴾. وأجيب: بما تقدم. القاضي: إذا بطل أن يكون عشرة, وبطل أن يكون سبعة, تعين أن يكون الجميع لسبعة. وأجيب: بما تقدم. فيتبين أن الاستثناء على قول القاضي ليس بتخصيص. وعلى الأكثر تخصيص. وعلى المختار محتمل). أقول: يتبادر إلى الذهن في الاستثناء أنه تناقض, لأن قولك: «عليّ عشرة إلا ثلاثة» إثبات للثلاثة في ضمن العشرة, ونفي للثلاثة صريحًا, ولا شك أنهما لا يصدقان معًا, فاضطروا إلى تقرير دلالته على وجه يدفع

стр. 962

التناقض. فقال الأكثر: المراد بعشرة في قولنا: «عشرة إلا ثلاثة» سبعة, و «إلا ثلاثة» قرينة لإرادة السبعة في العشرة, إرادة للجزء باسم الكل, كالتخصيص بغير الاستثناء. وقال القاضي: «عشرة إلا ثلاثة» بإزاء سبعة, كأنه وضع له اسمان, مفرد وهو سبعة, ومركب وهو عشرة إلا ثلاثة. وقيل: المراد بعشرة في هذا التركيب مفهوم العشرة, ثم أخرجت منه ثلاثة, ثم أسند إلى سبعة, لأن المركب التقييدي مقدم على المركب الإسنادي, فعشرة مراد معناها باعتبار آحادها لم تغير, فتتناول السبعة والثلاثة معًا, ثم أخرجت عنها الثلاثة بقوله: «إلا ثلاثة» , فدل «إلا» على الإخراج, و «الثلاثة» على العدد المسمى بها حتى بقي سبعة, ثم أسند إليه, فلم يسند إلا إلى سبعة, فليس «إلا» إثباتًا فقط, ولا نفي أصلًا, فلا تناقض إذ لم يتعارض نفي وإثبات, قال: (وهو الصحيح). واكتفى المصنف في إثبات مختاره بإبطال القولين فتعين مختاره؛ لأنه لابد في دفع التناقض من أحد التقديرات الثلاث, لأنه لو أريد عشرة وأسند إليه فالتناقض ظاهر, فانتفاؤه بألا تراد العشرة, أو تراد ولا يسند إليها, فإن لم ترد العشرة, فإن أريد السبعة فهو الأول, وإن لم ترد بها السعة وهي مرادة

стр. 963

قطعًا, كانت مرادة بالمركب وهو الثاني, وإن أريد بالعشرة ولم يسند إليها فهو الثالث, وإذا تعين أحد الثلاثة وبطل قسمان, تعين الثالث عينًا. احتج المصنف على بطلان الأول بوجوه ستة: الأول: أنا نقطع أن من قال: «اشتريت الجارية إلا نصفها» لم يرد بالجارية نصفها, وإلا لزم استثناء نصفها وهو لم يرده قطعًا, وإلا كان استثناء مستغرقًا. الثاني: لو كان المراد بالمستثنى منه / ما بقي بعد الاستثناء لزم التسلسل, لأنه إن كان المراد بالجارية نصفها, وقد أخرج الاستثناء من المستثنى منه نصفه, فيكون نصف النصف مخرجًا بالاستثناء, فيكون المراد بالنصف الذي هو المستثنى منه نصف النصف, لأنه الباقي بعد استثناء النصف عنه, وقد أخرج عن المستثنى منه الذي هو نصف النصف, وهلمّ جرا. الثالث: أنا نقطع بأن الضمير عائد إلى الجارية بكمالها, فلو كان المراد بالمستثنى منه ما بقي بعد الاستثناء, لزم أن يكون الضمير في «إلا نصفها» عائدًا إلى نصف الجارية, وكان يلزم تذكيره. الرابع: إجماع أهل العربية على أن الاستثناء المتصل إخراج بعض من كل, ولو أريد الباقي من الجارية لم يكن ثم كل ولا بعض ولا إخراج. الخامس: أنه يبطل النصوص؛ إذ ما من لفظ إلا ويمكن الاستثناء لبعض مدلوله, فيكون المراد هو الباقي, فلا يبقى نصًا في الكل, ونحن نعلم أن عشرة نص في مدلوله. السادس: أنا نعلم أنا نسقط الخارج في العشرة عنها, وأن المسند إليه

стр. 964

ما بقي, فهذا المعنى معقول, واللفظ دال عليه, فوجب تقريره عليه, إذ يجب إبقاء الألفاظ المفردة على وضعها ما أمكن. وقرر السادس بتقريرين آخرين: الأول: أنا نعلم بالضرورة أنا نسقط الخارج, يعني المستثنى من المستثنى منه, فيعلم أن المسند إليه ما بقي بعد الإسقاط, وهنا إذا كان المراد سبعة, ثم أخرجت ثلاثة فكان المراد أربعة, فلا يعلم أن المسند إليه سبعة. الثاني: لو كان المراد بالمستثنى منه هو الباقي, لم يكن الإسقاط موجبًا للعلم بكون الباقي مسندًا إليه, لأن إسقاط الخارج يتوقف على حصول خارج, وعلى تقدير أن يكون المستثنى منه هو الباقي لم يحصل خارج. وكل هذه الأدلة ضعيفة. أما الأول: فلأنه إنما يلزم لو كان الاستثناء من المراد, وليس كذلك, بل من الظاهر ليبين أن المراد بالجارية نصفها. وأما الثاني: فإنما يلزم التسلسل لو احتيج إلى إخراج بعد إخراج, لكن الاستثناء بيّن أن المراد بالمستثنى منه الذي هو الكل - بحسب الظاهر - النصف فلم يحتج إلى شيء آخر. وأما الثالث: فلأنه إنما يلزم إعادة الضمير إلى النصف لو لم يعتبر اللفظ المذكور الظاهر في الكل. وأما الرابع: فلأنه إنما يلزم أن لا يكون المتصل مخرجًا لو لم يكن الإخراج من الكل بحسب الظاهر. وأما خامسًا: فلأن النص هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا عند عدم

стр. 965

القرينة, والعشرة إذا لم تكن قرينة الاستثناء هي كذلك, مع أنه مشترك الإلزام. أما السادس: فعلى التقرير / الأول قوي. وعلى التقرير الثاني, لا نسلم أن الباقي بعد إسقاط الثلاثة من المستثنى منه الذي هو عشرة بحسب الظاهر أربعة, بل الباقي سبعة. وعلى التقرير الثالث, لم لا يجوز أن يكون إسقاط الخارج بحسب ظاهر المستثنى فيه, لا بحسب مراد المتكلم. ثم احتج لبطلان مذهب القاضي بوجوه: الأول: أنه خارج عن قانون اللغة, إذ ليس في لغتهم مركب من ثلاثة ألفاظ. ثانيًا: لا يعرب الجزء الأول من المركب وهو غير مضاف, كل ذلك معلوم بالاستقراء. وأيضًا: لو كان كذلك لزم إعادة الضمير في «إلا نصفها» إلى جزء الاسم. وأيضًا: إجماع أهل العربية على أن الاستثناء المتصل إخراج بعض من كل, إلى آخر الأدلة السابقة. احتج الأكثرون بوجيهن: الأول: لا يخلو أن يراد بعشرة كمالها أو سبعة, والأول باطل؛ لأنا

стр. 966

نعلم أنه ما أقرّ إلا بسبعة, فتعين الثاني. الجواب: الإقرار إنما يحكم به باعتبار الإسناد, ولا إسناد إلا بعد الإخراج؛ فيكون إقرارًا بالباقي بعد الإخراج وهو سبعة. قالوا ثانيًا: لأو كان المراد بعشرة كمالها, امتنع من الصادق, مثل: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ لما يلزم من إثبات لبث الخمسين ونفيه, وهو تناقض. الجواب: ما تقدم, وهو أن الحكم باللبث إنما هو بعد إخراج الخمسين فلم يسند إلا إلى الباقي. ثم احتج القاضي بأنه: إذا بطل أن يكون عشرة لما ذكره الأولون وأن يكون سبعة لما ذكره الآخرون, تعين أن يكون المجموع لسبعة؛ لما تقدم من أنه لابد من أحد الثلاثة. ثم قال: فتبين مما ذكرنا أن الاستثناء على قول القاضي ليس بتخصيص؛ إذ التخصيص قصر العام على بعض مسمياته, وهنا لم يرد بالعام بعض مسمياته, بل أريد بالمجموع نفس مسماه. وعلى قول الأكثر تخصيص, لأنه قصر العام على بعض مسمياته. وعلى المختار يحتمل أن يقال: تخصيص, نظرًا إلى الحكم, وأنه للعام في الظاهر والمراد الخصوص, وأن يقال: ليس بتخصيص؛ إذ المفرد يرد به إلا العموم, كما كان عند الانفراد ولم يغير.

стр. 967

قال المصنف في المنتهى: «ولا يكون مجازًا على المختار». وعلى قول الأكثرين يكون مجازًا, والمصنف وإن كان ك لامه أولًا يقتضي أن الاستثناء تخصيص, حيث قسم المخصص المتصل إلى خمسة أقسام لكن يحمل على أن ذلك على مذهب الأكثرين. قال: (مسألة: شرط الاستثناء الاتصال لفظًا , أو ما في حكمه, كقطعه لتنفس أو سعال ونحوه. وعن ابن عباس: يصح وإن طال شهرًا. وقيل: يجوز بالنية كغيره, وحمل عليه مذهب ابن عباس لقربه. وقيل: يصح في القرآن خاصة. لنا: لو صح, لم يقل ﵇: «فليكفر عن يمينه» معنيًا؛ لأن الاستثناء أسهل, وكذلك جميع الإقرارات, والطلاق, والعتق. وأيضًا: فإنه يؤدي إلى أن لا يعلم صدق ولا كذب. قالوا: قال: «والله لأغزون قريش» ثم سكت, وقال بعد: «إن شاء الله». قلنا: يحمل على السكوت العارض, لما تقدم. قالوا: سأله اليهود عن لبث أهل الكهف, فقال: «غدًا أجيبكم» , فتأخر الوحي بضعة عشر يومًا, ثم نزل ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله﴾ , فقال: «إن شاء الله». قلنا: يحمل على «أفعل إن شاء الله» , وقول ابن عباس مؤول بما

стр. 968

تقدم, أو بمعنى المأمور به). أقول: اشترطوا في الاستثناء اتصاله بالمستثنى منه لفظًا, أو ما هو في حكم الاتصال, فلا يضر قطعه بتنفس أو سعال ونحوهما, مما لا يعد انفصالًا عرفًا, وروي عن ابن عباس: يصح الاستثناء وإن طال الزمان شهرًا. وقيل: لا يجب الاتصال لفظًا, بل يكفي الاتصال بالنية ويمين الحالف. قال المصنف: كما في التخصيص بغير استثناء, وهذا أحد الأقوال عندنا. قال ابن يونس: وقد اختلف في «إلا» خاصة, فقيل: تجزئه بها النية, كما تجزي في محاشاته امرأته إذا قال: «الحلال عليّ حرام» ونوى إلا امرأتي. قال المصنف: وحمل مذهب ابن عباس على هذا القول, لقربه من الصواب, وليس ببعيد من كلام ابن عباس.

стр. 969

وقيل: يصح الانفصال في كتاب الله تعالى فقط, بناء على أنه شيء واحد, ولا معنى لهذا القول. احتج الجمهور بوجوه: الأول: لو صح انفصال الاستثناء, لما قال ﵇: «من حلف على يمين فرأى خبرًا منها, فليكفر عن يمينه, وليفعل الذي هو خير» , أخرجه مسلم. بيان اللزوم: أنه أوجب الكفارة عينًا, فلو كان الاستثناء المنفصل جائزًا لما عين الكفارة طريقًا للخلاص عن اليمين, بل كان يرشد إلى الاستثناء, لأن الإرشاد إلى طريق أسهل أولى, ولا أقل من أن يخيره في الاستثناء وفي الكفارة, وكذلك جميع الإقرارات, والطلاق, والعتق, كان ينبغي أن يستثنى منها, نفيًا لأحكامها بأسهل الطرق. وهو باطل؛ لأنه لو قال: «لفلان عليّ عشرة» , وقال بعد شهر: «إلا ثلاثة» , حكم عليه بعشرة, وعُدّ لاغيًا اتفاقًا. قيل في تقريره: لو جاز الاستثناء بعد زمان لما ثبت إقرار ولا طلاق ولا عتق, لعدم الجزم بثبوت شيء منها لجواز الاستثناء, وهو بعيد من كلام المصنف, مع أن الدليل الثالث يفيد هذا المعنى.

стр. 970

وأيضًا: يؤدي إلى ألا يعلم صدق ولا كذب؛ لجواز استثناء يرد عليه فيصرفه عن ظاهره إلى ما يصيره صادقًا, وإن كان ظاهره كاذبًا. قيل على الأول: جاز أن يكون عدم الإرشاد لعلم النبي ﵇ بعلم الأمة به, لأنه لغوي, فعرفهم الشرعي فقط؛ لأنه بعث لتعريف الأحكام لا لتعريف / اللغة. قلت: وفيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك, لم يكن مطلوبًا, وظاهر الحديث أنه مطلوب, لتوقف الإتيان بالخبر عليه. قلت: ولا يصح العموم في الثالث, إذ من الكلام ما لا يقبل الاستثناء, أو يعلم بأن يخبر أنه لا استثناء بعد كلامه هذا. احتج الآخرون بوجوه: الأول: قوله ﵇: «والله لأغزون قريشًا» ثم سكت, ثم قال: «إن شاء الله» , أخرجه أبو داود, ولولا صحة الاستثناء بعد زمان, لم يأت به. الجواب: أنه يحمل على السكوت العارض من تنفس أو سعال, جمعًا بينه وبين أدلتنا. قلت: الأولى في الجواب: أنه قاله للتبرك لا لحل اليمين؛ لأن في الحديث: حلف واستثنى, وحلف واستثنى, وحلف وسكت ثم قال, ولو

стр. 971

كان لسعال لما قال: وسكت, ولو كان لتنفس لما أتى بثم. لا يقال: هذا شرط والكلام في الاستثناء, إذ لا فرق؛ ولذلك سمى العلماء ذلك بالاستثناء بالمشيئة. قالوا: سأله اليهود عن مدة لبث أهل الكهف, فقال: «غدًا أجيبكم» , فتأخر الوحي بضعة عشر يومًا, ثم نزل ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله﴾ , فقال: «إن شاء الله» , أخرجه ابن إسحاق في السيرة, ولا كلام يعود إليه الاستثناء إلا قوله ﵇: «غدا أجيبكم». الجواب: لا نسلم عوده إلى «غدًا أجيبكم»؛ لجواز أن يكون المراد: أفعل إن شاء الله, أي أعلق كلما أذكر أني فاعل غدًا بمشيئة الله, أو راجع إلى قوله: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ , فقال: «إن شاء الله» , أي أذكر إن شاء الله. قالوا ثالثًا: قال به ابن عباس وهو عربي عالم, فيتبع. الجواب أولًا: أنه محجوج بما سبق, أو قوله مؤول بما تقدم, أي إذا نواه, أو يكون المراد الاستثناء المأمور به في قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله﴾ , أي إذا أخره إلى شهر من قوله: ﴿إني فاعل ذلك غدًا﴾ بحيث لم يقله معه, ثم ذكر ذلك بعد شهر, كان ممتثلًا لذلك الأمر.

стр. 972

ولا يخفى فساد حمل الشراح هذا الكلام على أنه الاستثناء المأمور - وهو الاستثناء بمشيئة الله - يجوز انفصاله, والكلام في الاستثناء «بإلا» , لأنه لا خلاف في الاستثناء بمشيئة الله أنه لا يجوز انفصاله لفظًا, وإن اختلف في الاستثناء «بإلا» مطلقًا, أو بالنية؛ لأنه في المشيئة بالله رافع له من أصله, ولذلك لم يختلفوا فيه, والاستثناء «بإلا» نوع تخصيص, فأطلق العام لإرادة الخاص. قال: (مسألة: الاستثناء المستغرق باطل باتفاق . والأكثر على جواز المساوي والأكثر. وقالت الحنابلة, والقاضي أولًا: بمنعهما. وبعضهم, والقاضي ثانيًا: بمنعه في الأكثر. وقيل: إن كان العدد صريحًا. لنا: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ والغاوون أكثر, بدليل: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾. وأيضًا: «كلكم جائع إلا من أطعمته». وأيضًا: فقهاء الأمصار / على أنه لو قال: «عندي عشرة إلا تسعة» , لم يلزم إلا واحد, ولولا ظهوره لما اتفقوا عليه عادة. الأقل: مقتضى الدليل منعه. وأجيب: بالمنع, فلو سلّم فالدليل متبع. قالوا: «عشرة إلا تسعة ونصف درهم وثلث درهم» , مستقبح ركيك.

стр. 973

وأجيب: بأن استقباحه لا يمنع صحته, كعشرة إلا دانقًا, ودانقًا إلى عشرين). أقول: الاستثناء المستغرق باطل, وحكى المصنف الاتفاق على ذلك. وذكر اللخمي في كتاب الأيمان بالطلاق خلافه, قال: الاستثناء يصح فيما كانت النية فيه قبل انعقاد اليمين, فإن جاء مستفتيًا صح استثناء الجميع, فلو قال: «طالق واحدة إلا واحدة» لم يلزمه شيء, ويختلف إذا كانت عليه بينة؛ لأن قبحه يصيره في معنى من أتى بما لا يشبه, يعني فيحمل على أنه ندم, ولا يصدق في أنه رفع وحل. وأما استثناء الأكثر, فالأكثرون على جوازه. وقالت الحنابلة, والقاضي: لا يجوز استثناء المساوي. وقال بعض الأصوليين, وبعض الفقهاء منا, والقاضي: يمنع استثناء الأكثر فقط, وقال ابن الماجشون منا: يمنع استثناء عقد, كمائة إلا

стр. 974

عشرة, ويجوز إلا خمسة, وقال بعضهم: إن كان العدد صريحًا امتنع استثناء الأكثر, كألف إلا سبعمائة, وإلا جاز, كعبيدي أحرار إلا أحرار الصقالبة, وهم أكثر, ومال إليه اللخمي منا. احتج الأكثرون بوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ و «من» هنا للبيان, لأن الغاوين كلهم متبعوه؛ فاستثنى الغاوين وهم أكثر من غيرهم, بدليل: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ , دلّ على أن الأكثر ليس بمؤمن, وكل من ليس بمؤمن غاو, ينتج: الأكثر غاو. قلت: العباد يشمل الملائكة, بدليل: ﴿بل عباد مكرمون﴾ , فلا يلزم من كون أكثر الناس غاويًا أن يكون أكثر العباد غاويًا, مع أنه لا ينهض على من يمنع إذا كان العدد صريحًا. الثاني: قوله ﵇: «كلكم جائع إلا من أطعمته, فاستطعموني أطعمكم» , أخرجه مسلم, معناه إلا من أشبعته, والذين أشبعهم أكثر.

стр. 975

ولا ينهض أيضًا على من قال: إن كان العدد صريحًا. الثالث: أن فقهاء الأمصار اتفقوا على أنه لو قال: «عليّ عشرة إلا تسعة» , لم يلزمه إلا واحد, ولولا أن استثناء الأكثر ظاهر في وضع اللغة في بقاء الأقل, لامتنع الاتفاق عليه عادة. ولا يصح هذا الاتفاق؛ لأن ابن الماجشون من فقهاء الأمصار, وقد تقدم مذهبه, وجماعة من أصحابنا ذهبوا إلى أنه إذا قال: «أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين» , أن الثلاثة / تلزمه, قال اللخمي: وكذلك في الإقرار. احتج الأقلون بوجهين: الأول: مقتضى الدليل من الاستثناء لأنه إنكار بعد إقرار, خالفناه في الأقل؛ لأنه في معرض الذهول, فقد يكون نسي أنه قضاه ذلك ثم تذكر عند اليمين, فلو لم يصح لتضرر, بخلاف الكثير إذ لا يذهل عنه غالبًا, فيبقى فيه على وفق الدليل. الجواب: لا نسلم أن مقتضى الدليل منعه, وليس إنكارًا بعد إقرار؛ لأنه جملة واحدة, لما مرَّ أنه إسناد بعد إخراج فليس فيه حكمان مختلفان.

стр. 976

ولو سلّم أنه على خلاف الدليل, لكن خلاف الأصل يتبع إذا دلّ الدليل عليه, والأدلة السابقة دلّت عليه فتبع, إذ الخاص مقدم على العام عند التعارض. الثاني: لو قال: «عليّ عشرة إلا تسعة دراهم ونصف درهم وثلث درهم» , كان مستقبحًا ركيكًا, وليس إلا لأجل استثناء الأكثر, فدلّ على عدم جوازه. الجواب: أن استقباحه لا يستلزم عدم صحته, كما لو قال: «عليّ عشرة إلا دانقًا, ودانقًا إلى عشرين دانقًا» , فإنه مستقبح, مع أن المجموع ثلث عشرة, واستقباحه لكونه ترك الاختصار, بأن يقول: «إلا عشرين دانقًا» , ومع ذلك فإنه تسقط عنه عشرون دانقًا اتفاقًا. وفي الاتفاق نظر, وأيضًا: الفرق بأن الأقل في معرض النسيان. قال: (مسألة: الاستثناء بعد جمل بالواو , قالت الشافعية: للجميع. والحنفية: للأخير. والغزالي والقاضي: بالوقف. والشريف: بالاشتراك. أبو الحسين: إن تبين الإضراب عن الأول فللأخير, مثل أن يختلف نوعًا أو اسمًا, وليس الثاني ضميرًا, أو حكمًا غير مشتركين في غرض, وإلا ففي الجميع. والمختار: إن ظهر الانقطاع فللأخيرة, والاتصال فللجميع, وإلا فالوقف).

стр. 977

أقول: الاستثناء إذا تعقب جملًا معطوفة بالواو, فعن مالك والشافعي: أنه يعود إلى الجميع, وعن أبي حنيفة: أنه يعود إلى الأخيرة. وحكى المصنف عن القاضي والغزالي: الوقف. وكذلك حكى الآمدي, وفي المستصفى أنه اختار مذهب الشافعي ولم يقل بما قال القاضي. والوقف على معنى لا [ندري] أهو ظاهر في العود إلى الجميع, أم هو في العود إلى الأخيرة؟ . وقال المرتضى من الشيعة: إنه مشترك فيتوقف إلى ظهور القرينة.

стр. 978

وهذان موافقان للحنفية في الحكم - وإن خالفا في المأخذ - لأنه يرجع إلى الأخيرة, فيثبت حكمه فيها ولا يثبت في غيرها - كما يقول الحنفية - لكن الحنفية لظهور عدم تناوله, والآخران لعدم ظهور تناوله. وقال عبد الجبار وأبو الحسين: إن تبين الإضراب عن الجملة الأولى فالاستثناء إلى الأخيرة, وإلا فهو راجع إلى الجميع. وظهور الإضراب بوجوه ثلاثة: الأول: بأن يختلفا نوعًا وليس الثاني ضمير الأول, مثل: «أكرم بني تميم والنحاة هم العراقيون إلا البغاددة». الثاني: أن يختلفا اسمًا وليس الثاني ضمير الأول, مثل: «أكرم بني تميم وأكرم ربيعة إلا الطوال». الثالث: أن يختلفا حكمًا فقط مع الاتحاد نوعًا والاشتراك اسمًا, لكن الجملتان غير مشتركين في غرض, كما لو قال: «سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال» , وإن لم يتبين الإضراب, عاد إلى الجميع, بأن يختلفا حكمًا, وإن كان الجملتان مشتركتين في غرض, مثل: «أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا الطوال» للاشتراك في غرض التعظيم. وكذا بأن يختلفا نوعًا إلا أن الثاني ضمير الأول, كآية القذف, لأنها أمر ونهي وخبر.

стр. 979

وفيها أيضًا الاختلاف في الحكم, لكن اشتركت في غرض الانتقام, هكذا فهم الآمدي من مذهب أبي الحسين, وجعل الآية يعود الاستثناء فيها على مذهبه إلى الجميع. وفهم الإمام من مذهب أبي الحسين أنهما إذا اختلفتا حكمًا مطلقًا اختص بالآخرة, وجعل الآية على مذهب أبي الحسين يعود الاستثناء فيها إلى الأخيرة. وكذا لو اتحدتا نوعًا واختلفتا حكمًا واسم الأول مضمر في الثانية, مثل: «أكرم بني تميم واستأجرهم إلا الطوال» , هكذا صرح به الآمدي, وهذا وإن كان اختلفتا حكمًا غير مشتركتين في غرض وليس الثاني ضمير الأول؛ فيكون معنى كلام المصنف: غير مشتركتين في غرض والثاني ضمير الأول. وقال الغزالي: لا ت صلح آية القذف مثالًا للمسألة؛ لأنه حكم تبين بالأمور الثلاثة, فهي أحكام بجملة واحدة, قال: والمثال «وقفت داري على العلماء والقراء والصوفية إلا أن يفسق أحدهم». واختار الآمدي والمصنف ما هو في الحقيقة راجع إلى مذهب القاضي؛ لأن القائل بما إنما يقول ذلك عند عدم القرينة. واحتج عليه في المنتهى: بأن الاتصال يجعلها كالواحدة, والانفصال يجعلها كالأجانب, والإشكال يوجب الشك.

стр. 980

قال: (الشافعية: العطف يصير المتعدد كالمفرد. أجيب: بأن ذلك في المفردات. قالوا: لو قال: «والله لا أكلت ولا شربت ولا ضربت إن شاء الله»؛ عاد إلى الجميع. أجيب: بأنه شرط, فإن ألحق فقياس. ولو سلم: فالفرق أن الشرط مقدر تقديمه. ولو سلم: فلقرينة الاتصال, وهي اليمين على الجميع. قالوا: لو كرر لكان مستهجنًا. قلنا: عند قرينة الاتصال. ولو سلم, فللطول, مع إمكان إلا كذا من الجميع. قالوا: صالح, فالبعض تحكم كالعام. قلنا: صلاحيته لا توجب ظهوره فيه, كالجمع المنكر. قالوا: لو قال: «عليّ خمسة, وخمسة إلا ستة» , عاد إلى الجميع. قلنا: مفردات. وأيضًا: الاستقامة). أقول: احتج القائل بعود الاستثناء إلى جميع الجمل بوجوه خمسة: الأول: أن العطف يصير المتعدد كالمفرد؛ فلا فرق بين قولنا: «اضرب الذين سرقوا وزنوا وقتلوا إلا من تاب» , وبين: «اضرب الذين هم سراق

стр. 981

وزناة وقتلة, إلا من تاب». الجواب: أن ذلك في عطف المفردات وأما في الجمل فمحل النزاع, فإن قولنا: «ضرب بني تميم, وقتل مضر, وبكر شجعان» ليست كالمفرد قطعًا. الثاني: لو قال: «والله لا أكلت ولا شربت ولا ضربت / إن شاء الله» عاد إلى الجميع. الجواب: أنه شرط لا استثناء, ولا نزاع في الشرط, وإطلاق الاستثناء عليه مجاز, فإن ألحق به فقياس في اللغة, وقد أبطلناه. ولو سلّم صحته فالفرق أن الشرط - وإن تأخر لفظًا - فهو مقدم تقديرًا. وفيه نظر؛ لأنه مقدر تقديمه على ما يرجع إليه, ولو سلم عدم تقديره مقدمًا, أو سلم أنه استثناء, فهو إنما رجع إلى الجميع, للقرينة الدالة على اتصال الجمل وهي اليمين عليها ونحن نقول به, إنما الكلام فيما لا قرينة فيه. الثالث: لو كرر الاستثناء في كل جملة قبل الأخرى, فقال: «اضرب من سرق إلا زيدًا, ومن زنى إلا زيدًا, ومن قتل إلا زيدًا» كان مستهجنًا, ولولا أن المذكور بعدها يعود إلى الجميع - فكان مغنيًا عن التكرار - لما استهجن. الجواب: إنما يستهجن عند قرينة الاتصال خاصة, أما عند عدمها فلا, لما فيها من الطول مع إمكان عدمه, بأن يقول بعد الجمل: إلا كذا من الجميع, فيصير بعوده إلى الجميع. الرابع: وهو صالح للعود إلى الجميع, فالقول بالعود إلى البعض تحكم, كما في العام.

стр. 982

الجواب: أن صلاحيته للجميع لا توجب ظهوره فيه, كالجمع المنكر فإنه صالح للجميع وليس بظاهر فيه, والعام لا يصح القياس عليه لأنه حقيقة في الكل بخلاف الاستثناء. فإن قال: ليس الدليل مجرد الصلاحية للكل, بل مع تعذر الحمل على البعض للتحكم في أي بعض, ولا كذلك في الجمع المنكر, فإنه لا يتعذر الحمل على مسمى جمع. قلنا: لا تحكم؛ لأن عوده إلى الأقرب أرجح بالاستقراء, كباب التنازع وغيره. الخامس: لو قال: «عليّ خمسة, وخمسة إلا ستة» , عاد إلى الكل اتفاقًا, فكذا في غيره دفعًا للاشتراك والمجاز. الجواب أولًا: أنه غير محل النزاع؛ لأن كلامنا في الجمل, وهذه مفردات. وثانيًا: أنه إنما يرجع إلى الجميع ليستقيم, إذ لو رجع إلى الأخيرة كان مستغرقًا. وأيضًا: مدعاكم الرجوع إلى كل واحدة لا إلى المجموع من حيث هو, والنزاع فيما يصلح للجميع وللأخيرة, وليس هذا منه. قال: (المخصص: آية القذف لم ترجع إلى الجلد اتفاقًا. قلنا: الدليل وهو حق الآدمي, ولذلك عاد إلى غيره. قالوا: «عليّ عشرة إلا أربعة إلا اثنين» للأخير. قلنا: أين العطف.

стр. 983

وأيضًا: مفردات. وأيضًا: للتعذر فكان الأقرب أولى, ولو تعذر, تعين الأول, مثل: «عليّ عشرة إلا اثنين». قالوا: الثانية حائلة, كالسكوت. قلنا: لو لم يكن الجميع بمثابة الجملة. قالوا: حكم الأولى يقين, والرفع مشكوك. قلنا: لا يقين مع الجواز للجميع. وأيضًا: فالأخيرة كذلك, للجواز بدليل. قالوا: إنما يرجع لعدم استقلاله فيتقيد بالأقل, وما يليه هو المحقق. قلنا: يجوز أن يكون وضعه للجميع, كما لو قام دليل القائل بالاشتراك حسن الاستفهام. قلنا: للجهل بحقيقته, أو لرفع الاحتمال. قالوا: صح الإطلاق, والأصل الحقيقة. قلنا: والأصل عدم الاشتراك). أقول: احتج القائلون بأن الاستثناء إذا تعقب جملًا معطوفة بالواو اختص بالأخيرة, بوجوه خمسة: الأول: لو رجع إلى الجميع لرجع في آية القذف, فكان يجب أن يسقط الحدّ بالتوبة, ولا يسقط اتفاقًا. الجواب لا يلزم من ظهوره فيه الحمل عليه دائمًا, لجواز مخالفة الظاهر

стр. 984

لدليل وهو هنا حق الآدمي, ولا يسقط بالتوبة, ولأجل ظهوره في الجميع وخولف به في الجلد عاد إلى غيره من ردّ الشهادة والتفسيق اتفاقًا, ولو اختص بالأخير لما كان كذلك. قلت: وللخصم منع الاتفاق لثبوت الخلاف, ومنع عوده إلى الثانية لمخالفة أبي حنيفة. الثاني: لو قال: «عليّ عشرة إلا أربعة إلا اثنتين» عاد إلى الأخيرة, وتلزمه ثمانية, فقدروا استثناء الاثنين من الأربعة, فوجب ذلك في غيره دفعًا للاشتراك والمجاز. الجواب: أن النزاع في العطف بالواو, وليس ما ذكرتم منه. وثانيًا: الكلام في الجمل, وهذه مفردات. وثالثًا: أنه يتعذر عوده هنا إلى الجميع, وإلا كان الاثنان مثبتًا منفيًا, وكان لغوًا أيضًا, إذ تلزم معه الستة كما تلزم دونه, إذ لا فرق بين أن يستثنى منه أربعة, وبين أن يستثنى منه أربعة إلا اثنين واثنين. وكذا جعلهما الآمدي وجهين: التعذر للتناقض, واللغو. لا يقال: لا نسلم أن الاستثناء من النفي إثبات, حتى تكون مثبتة منفية. لأنا نقول: هذا المنع يبطل استدلالكم, حيث جعلتموه للأخيرة فقط,

стр. 985

وإذا تعذر العود إلى الجميع, تردد بين الأولى والأخيرة, فجعله للأخيرة أولى لأنه أقرب, ولو تعذر عود إلى الأخيرة, تعين عوده إلى الأولى, نحو: «عليّ عشرة إلا اثنين إلا اثنين» , فيكون المقرّ به ستة. الثالث: أن الجملة الثانية حائلة بين الاستثناء وبين الجملة الأولى, فكان مانعًا من تعلق الاستثناء بها كالسكوت. الجواب: منع كونها حائلة, وإنما تكون حائلة لو لم يكن الجميع بمثابة جملة واحدة, وأنه ممنوع. الرابع: حكم الأولى بكمالها متيقن, ورفعه برفع البعض بالاستثناء مشكوك فيه, لجواز كونه للأخيرة, والشك لا يعارض اليقين. الجواب: لا نسلم أن حكم الأولى متيقن؛ إذ لا يقين مع جواز كون الاستثناء إلى الجميع. وثانيًا: يلزم في الأخيرة؛ لأن حكمها ثابت بيقين, والرفع مشكوك فيه لجواز رجوع الاستثناء إلى الأولى بدليل يدل عليه. قيل على الجواب الثاني: المانع بالنسبة إلى الأخيرة متحقق, إذ الاستثناء لابد له من جملة يعود إليها, والأخيرة متعينة لقربها, فلا يكون حكمها يقينًا. ثم ما ذكر المصنف يدفع هذا الإيراد, وهو قوله: (للجواز بدليل) لأنه - مع دلالته - دليل يصرف الاستثناء إلى الأولى, فكيف يتعلق بالثانية؟ . قلت: أرجحية العود إلى الثانية عند عدم الدليل لا يدل على الأرجحية دائمًا؛ لأنه على تقدير دليل يدل على عوده إلى الأولى فقط, يكون حكم
следующие страницы →