Полный текст (2 371 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
"وآخرين مقرنين في الأصفاد" وقال "الأعشى" في العطية أيضاً يمدح رجلاً:
نضيفته يوماً، فأكرم مقعدي ... وأصفدني على الزمانة قائدا
يقول: وهب لي قائداً يقودني، والمصدر من العطية الإصفاد، ومن الوثاق الصفدُ والتصفيد.
ويقال للشيء الذي يُوثق به الإنسان: الصفادُ، يكون من نسع أو قِد.
وقال الشاعر يُعيرُ "لقيط بن زرارة" باسر أخيه "معبدٍ":
هلا مننت على أخيك معبدٍ ... والعامري يقوده بصفاد [٣١٢]
стр. 1332
٤٨٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" ﷺ :
"أن الله [﵎] جعل حسنات بني آدم أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، وقال الله [-جل وعز-]: إلا الصوم فإن الصوم لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
стр. 1333
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثنيه "أبو اليقظان" عن "إبراهيم الهجري" عن "أبي الأحوص" عن "عبد الله" يرفعه.
قوله: "الصوم لي، وأنا أجزي به" [قال] وقد علمنا أن أعمال البر كلها له وهو يجزي بها، فنرى - والله أعلم- أنه إنما خص الصوم بأن يكون هو [- سبحانه-] الذي يتولى جزاءه؛ لأن الصوم ليس يظهر من ابن آدم بلسانٍ ولا فعل، فتكتبه الحفظةُ إنما هو نيةٌ في القلب، وإمساكٌ عن حركة المطعم والمشرب [والنكاح] يقول [ ]: فأنا أتولى جزاءه على ما أُحب من التضعيف، وليس على كتابٍ كتب له.
стр. 1334
ومما يُبين ذلك قوله ﷺ : "ليس في الصوم رياءٌ". حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثنيه "شبابةُ" عن "ليثٍ" عن "عُقيلٍ" عن "ابن شهابٍ" رفعه.
وذلك أن الأعمال كلها لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم خاصةً، فإنما هو بالنية التي قد خفيت على الناس، فإذا نواها، فكيف يكون ها هنا رياء؟
هذا عندي وجه الحديث- والله أعلم.
قال "أبو عبيد": وبلغني عن "سفيان بن عيينة" أنه فسر قوله: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به".
قال: لأن الصوم هو الصبر يصبرُ الإنسان على المطعم والمشرب
стр. 1335
والنكاح، ثم قرأ: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حسابٍ" يقول: فثواب الصوم ليس له حسابٌ يعلم من كثرته.
ومما يقوى قول "سفيان" الذي يُروى في التفسير قول الله [﵎] "السائحون" [هو في التفسير] الصائمون.
يقول: فإنما الصائم بمنزله السائح [ليس يتلذذ بشيءٍ].
وأما قوله: في الخلوف، فإنه تغير طعم الفم [وريحه] لتأخير الطعام، يُقال منه: خلف فمه يخلف خلوفاً، قاله "الأصمعي" و"الكسائي" وغيرهما ومنه حديثُ "عليٍّ" [﵁] حين سُئل عن القُبلة للصائم، فقال: "وما أربك إلى خلوف فيها"
стр. 1336
حدثنا [٣١٣] "أبو عبيد": قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "أبي إسحاق" عن "عُبيد بن عمرو [الخارفي] عن "علي".
والصوم أيضاً في أشياء سوى هذا.
يُقال للقائم الساكت صائمٌ، قال "النابغة الذبياني".
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلكُ اللجما
ويقال للنهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة: قد صام النهار، قال "امرؤ القيس":
فدعها وسل الهمَّ عنك بجسرةٍ ... ذمول إذا صام النهار وهجرا
стр. 1337
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: وحدثنا "عباد بن العوام" عن "سليمان التيمي" قال: سمعتُ "أنس بن مالك" يقرأ: "إني نذرت للرحمن صوماً" و [يروى] "صمتاً".
٤٨١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" ﷺ : "أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه الصائم"
стр. 1338
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثنيه "علي بن ثابت" عن "عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة الأنصاري" عن "أبيه" عن "جده" رفعه.
قوله: المروح: أراد المطيب بالمسك، فقال: مروحٌ بالواو، وإنما هو من الريح، وذلك أن أصل الريح الواو، وإنما جاءت الياء لكسرة الراء قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت الواو، ألا ترى أنهم قالوا: تروحتُ بالمروحة بالواو، وجمعوا الريح، فقالوا: أرواحٌ لما انفتحت الواو؟ وكذلك قولهم: قد أروح الماء، وغيره: إذا تغيرت ريحه.
وفي هذا الحديث من الفقه أنه رخص في المسك أن يُكتحل به، ويتطيب به.
وفيه أنه كرهه للصائم، وإنما وجه الكراهة [أن يكتحل به] أنه ربما خلص إلى الحلق.
стр. 1339
وقد جاء في غير هذا الحديث الرخصة فيه، وعليه الناس: "أنه لا بأس بالكحل للصائم".
٤٨٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" ﷺ :
"لعلكم ستدركون أقواماً يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى، فصلوا الصلاة للوقت الذي تعرفون، ثم صلوها معهم".
стр. 1340
قال: حدثناه "أبو معاوية"، عن "الأعمش"، عن "إبراهيم ابن علقمة" و"الأسود" عن "عبد الله".
أما قوله: "يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى" فإن في ذلك تفسيرين أحدهما يروى عن "الحسن بن محمد بن الحنفية".
قال "أبو عبيدٍ": سمعت "مروان الفزاري" يُحدثه عنه أنه سُئل عن ذلك، فقال: ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان، وصارت بين القبور كأنها لُجةٌ؟ فذلك شرق الموتى.
قال "أبو عبيدٍ": يعني أن طلوعها وشروقها إنما هو تلك الساعة، وهما للموتى دون الأحياء.
وأما التفسير الآخر، فإنه عن غيره.
قال: هو أن يغص الإنسان بريقة، وأن يشرق به عند الموت، فأراد: أنهم كانوا يُصلون الجمعة، ولم يبق من النهار إلا بقدر ما بقي من نفس هذا الذي قد شَرِق بريقه.
стр. 1341
وفي غير هذا الحديث زيادةٌ ليست في هذا.
قال: حدثنا "أبو بكر بن عياش" عن "عاصم بن أبي النجود" عن "زر بن حُبيش" عن "عبد الله" عن النبي ﷺ في تأخير الصلاة مثل ذلك، إلا أنه لم يذكر شرق الموتى، وزاد فيه: فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون فيه، واجعلوا صلاتكم معهم سبحةً".
قال "أبو عبيدٍ" يعني بالسبحة: النافلة.
وبيان ذلك في حديث آخر، أنه قال: "واجعلوها نافلةً".
وكذلك كل نافلة في الصلاة فهي سُبحةٌ.
стр. 1342
ومنه حديثُ "ابن عُمر" أنه كان يُصلي سبحته في مكانه الذي يُصلي فيه المكتوبة.
وقال الله : "فلولا أنه كان من المسبحين" يروى في التفسير: من المصلين.
وفي هذا الحديث من الفقه أنه يرد قول من خرج على السلطان ما دام يقيم الصلاة.
فلو رُخص لهم في حالٍ لكان في هذه الحال إذا كانوا يصلون الصلاة لغير وقتها، فكيف إذا صلوها لوقتها؟
هذا يرد قولهم أشد الرد.
وفي الحديث أيضاً ما يُبين لك اختلاف الناس فيمن صلى وحده، ثم أعاد في جماعة.
فقال بعضهم: صلاته هي الأولى.
стр. 1343
وقال بعضهم: بل هي التي صلاها في جماعة.
فقد تبين لك في هذا الحديث أن صلاته المكتوبة هي الأولى، وأن التي بعدها نافلةٌ وإن كانت في جماعةٍ.
٤٨٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ : "أنه كانت فيه دُعابةٌ".
стр. 1344
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثنيه "ابن علية" عن "خالد الحذاء" عن "عكرمة". رفعه.
قوله [٣١٤]: الدعابة يعني المزاح.
وفيه ثلاث لغاتٍ: المزاحة، والمزاح، والمزحُ.
وفي حديث آخر يروى عنه ﷺ أنه قال: "إني لأمزح وما أقول إلا حقاً".
وذلك فيما نرى مثل قوله: "اذهبوا بنا إلى فُلانٍ البصير نعوده" لرجل مكفوفٍ، أي البصير القلب.
стр. 1345
ومثل قوله للعجوز التي قالت: "ادع الله أن يدخلني الجنة" فقال: "إن الجنة لا يدخلها العُجُزُ" كأنه أراد قول الله : "إن أنشأناهن إنشاءً، فجعلناهن أبكاراً؛ عرباً أتراباً".
يقول: فإذا صارت إلى الجنة فليست بعجوزٍ حينئذ.
ومنه قوله لابن أبي طلحة، وكان له نُغرٌ فمات، فجعل يقول له: "ما فعل النغير يا أبا عمير".
هذا وما أشبه المزاح، وهو حق كله.
وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النغير: إنه أحل صيد المدينة وقد حرمها، فكأنه إنما حرم الشجر أن تُعضد، ولم يُحرم الطير كما حرم طير مكة.
стр. 1346
قال "أبو عبيدٍ": وقد يكون وجهُ هذا الحديث أن يكون الطائر إنما أدخل من خارج المدينة إلى المدينة، فلم يُنكره لهذا.
قال "أبو عبيد": ولا أُرى هذا إلا وجه الحديث.
ومما يبين لك أن الدعابة المزاح، قوله لجابر بن عبد الله حين قال له: "أبكراً تزوجت أم ثيباً"؟
فقال: بل ثيباً.
قال: "فهلا بكراً تُداعبها وتداعبك".
وبعضهم يقول: "تلاعبها وتلاعبك".
стр. 1347
قال "اليزيدي": يُقال من الدعابة: هذا رجل دعابة.
وقال بعضهم: دعبٌ.
وكان "اليزيدي" يقول: إنما هو المزاح، وينكر ما سواها.
قال "أبو عبيدٍ": وإنما المزاح عندنا مصدر مازحته ممازحةً ومزاحاً.
فأما مصدر مزحت فكما قال أولئك مزاحاً.
٤٨٤ - وقال "أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ :
"إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار، وغابت الشمس فقد أفطر الصائم".
[قال]: حدثناه "أبو معاوية" عن "هشام بن عروة" عن
стр. 1348
"أبيه" عن "عاصم بن عمر" عن "عُمر [بن الخطاب- ﵁] عن النبي ﷺ :
وفي [٣١٥] هذا الحديث من الفقه أن الصائم إن أكل أولم يأكل فهو مفطرٌ: هذا يرد قول المواصلين، يقول: ليس للمواصل فضلٌ على الآكل؛ لأن الصيام لا يكون بالليل، فهو يفطر على كل حال أكل أو ترك.
٤٨٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ :
"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابٌ، أو ظلمةٌ، أو هبوةٌ، فأكملوا العدة، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً، ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان" حدثنا "أبو عبيد" قال: حدثنا
стр. 1349
"ابن أبي عدي" عن "حاتم بن أبي صغيرة" عن "سماك بن حرب" عن "عكرمة" عن "ابن عباس" عن النبي ﷺ :
قوله: الهبوة: يعني الغبرة تحولُ دون رؤية الهلال، وكل غبرة هبوةٌ.
ويقال لدقاق التراب إذا ارتفع قد هبا يهبو هبواً، فهو هابٍ.
وكان "الكسائي" يُنشد هذه الأبيات، قال "الكسائي": أنشدني أشياخٌ من بني تميم يروونها عن أشياخهم عن "هوبر الحارثي":
ألا هل أتى التيم بن عبد مناةٍ ... على الشيء فيما بيننا ابن تميم
بمصرعنا النعمان يوم تألبت ... علينا تميمٌ من شطاً وصميم
تزود منا بين أذناه ضربةً ... دعته إلى هابي التراب عقيم
فقال: هابي [التراب] يعني ما ارتفع من التراب، ودق.
стр. 1350
وقوله: بين أذناه: هي لغة "بلحارث بن كعبٍ" يقولون: رأيت رجلان.
وقول النبي ﷺ "لا تستقبلوا الشهر استقبالاً": يقول؛ لا تقدموا رمضان بصيامٍ قبله، وهو قوله: "ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان".
قال: وسمعت "محمد بن الحسن" يقول في هذا: إنما كره التقدم قبل رمضان إذا كان يراد به رمضان، فأما إذا كان يراد به التطوع فلا بأس به.
قال "أبو عبيدٍ": وبيان هذا في حديث مرفوع.
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفر" و"يزيد بن هارون" عن محمد بن عمرو" عن "أبي سلمة" عن "أبي هريرة" عن النبي [٣١٦] ﷺ قال:
стр. 1351
"لا تقدموا رمضان بيومٍ ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليكم، فصوموا ثلاثين [يوماً] ثم أفطروا".
وفي هذا الحديث من الفقه قوله: "فإن غُم عليكم" فعدوا ثلاثين، فجعله لا يجزئهم على غير رؤيةٍ أقل من ثلاثين.
وفي هذا ما يبين لك أنه لا يجزئ في شيء تسعةٌ وعشرون إلا أن يكون ذلك على الرؤية.
وكذلك لو كان على رجلٍ صوم شهرٍ في نذر أو كفارة، فصام مع الرؤية وأفطر معها، وكان الشهر تسعاً وعشرين أجزأه، وإن اعترض الشهر لم يُجزه أقل من ثلاثين، فهذا وما أشبهه على ذا.
فحديث "أبي هريرة" أصل لكل شيءٍ من هذا الباب.
стр. 1352
٤٨٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ :
"صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "إبراهيم بن مهاجر" عن "مجاهدٍ" عن "قائد السائب" عن "السائب" عن "النبي" ﷺ :
стр. 1353
قال "أبو عبيدٍ": وحدثني "ابن مهدي" أيضاً عن "محمد بن مسلم" عن "إبراهيم بن ميسرة" عن "مجاهد" عن "قيس بن السائب" عن "أبيه" قال: كان النبي- ﷺ شريكي، فكان خير شريك لا يدارئ ولا يمارى".
وفي حديث "سفيان" قال "السائب" للنبي ﷺ : "كنت شريكي فكنت خير شريكٍ لا تدارئ ولا تمارى".
قوله: [ ﷺ ]: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم": إنما معناه- والله أعلم- على التطوع خاصةً من غير علة من مرض ولا سواه.
стр. 1354
ولا تدخل الفريضة في هذا الحديث؛ لأن رجلاً لو صلى الفريضة قاعداً أو نائماً، وهو لا يقدر إلا على ذلك كانت صلاته تامةً مثل صلاة القائم- إن شاء الله-؛ لأنه من عذر.
وإن صلاها من غير عذرٍ قاعداً أو نائماً لم تجزه البتة، وعليه الإعادة، وهذا وجه الحديث.
وأما قوله: "كنت لا تدارئ ولا تمارى" [٣١٧].
فإن المدارأة هاهنا مهموزة من دارأت، وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك، ومنها قول الله [ ]. "وإذا قتلتم نفساً فادارأتم فيها" يعني اختلافهم في القتيل.
стр. 1355
ومن ذلك حديث "إبراهيم" أو "الشعبي" [شك أبو عبيد] في المختلعة إذا كان الدرء من قبلها، فلا بأس أن يأخذ منها.
والمحدثون يقولون: هذا الدرو بغير همز، وإنما هو الدرؤ يا هذا من درأت قال: إذا كان الدرء من قبلها فلا بأس أن يأخذ منها، وإن كان من قبله فلا يأخذ.
يعني بالدرء: النشوز والإعوجاج والاختلاف.
وكل من دفعته عنك، فقد درأته، قال "أبو زبيدٍ" يرثي ابن أخته:
كان عني يرد درؤك بعد الليـ ... ـه شغب المستصعب المريد.
يعني دفعك.
стр. 1356
وفي حديث آخر أنه قال للنبي ﷺ : "كان لا يشارى ولا يمارى" فالمشاراة الملاجة، يقال للرجل: قد استشرى: إذا لج في الشيء، وهو شبيهٌ بالمدارأة.
وأما المداراة في حسن الخلق والمعاشرة مع الناس، فليس من هذا.
هذا غير مهموز وذاك مهموزٌ.
وزعم "الأحمر" أن مداراة الناس تُهمز ولا تُهمز.
قال "أبو عبيدٍ": والوجه عندنا ترك الهمز.
وهو مأخوذٌ من الدرية، وهو الشيء يستتر به الصائد.
٤٨٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي ﷺ :
"لا يدخل الجنة قتات".
стр. 1357
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثناه "أبو معاوية الضرير" عن "الأعمش" عن "إبراهيم" عن "همام بن الحارث" عن "حذيفة" عن "النبي" ﷺ :
قال "الكسائي" و"أبو زيدٍ" أو أحدهما: قوله: "قتاتٌ" يعني النمام.
يقال منه: فلانٌ يقت الأحاديث قتا، أي ينمها نما.
وقال "الأصمعي" في الذي ينمي الأحاديث هو مثل القتات إذا كان يبلغ هذا عن هذا على وجه الإفساد والنميمة.
стр. 1358
يقال منه: نميت- مشددةً- تنميةً.
قال: وإذا كان إنما ببلغُ على وجه [٣١٨] الإصلاح وطلب الخير قيل منه: نميت الحديث إلى فلانٍ مخففةً، فأنا أنميه.
قال "أبو عبيدٍ": ومنه حديث النبي ﷺ :
حدثناه "ابن علية" عن "معمرٍ" عن "الزهري" عن "حميد ابن عبد الرحمن بن عوف" عن "أمه أم كلثوم بنت عقبة"؛ عن "النبي" ﷺ قال: "ليس بالكاذب من أصلح بين الناس: فقال خيراً ونمى خيراً".
стр. 1359
يعني: أبلغ ورفع، وكل شيءٍ رفعته فقد نميته، ومنه قول النابغة:
فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانة أُجد.
ولهذا قيل: نمى الخضاب في اليد والشعر إنما هو ارتفع وعلا، فهو ينمي. وزعم بعض الناس أن ينمو لغةٌ.
قال "أبو عبيدٍ": وبلغني عن "سفيان بن عيينة" أنه قال: "لو أن رجلاً اعتذر إلى رجل فحرف الكلام وحسنه ليرضيه بذلك لم يكن كاذباً".
يتأول الحديث: "ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيراً ونمى خيراً" قال: فإصلاحه ما بينه وبين صاحبه أفضل من إصلاحه ما بين الناس.
٤٨٨ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" ﷺ "أنه نهى عن كسب الزمارة".
стр. 1360
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثنيه "حجاجٌ" عن "حماد بن سلمة" عن "هشام بن حسان" و"حبيب بن الشهيد" عن "ابن سيرين" عن "أبي هريرة" عن "النبي" ﷺ : قال "الحجاج": الزمارة: الزانية.
قال "أبو عبيدٍ": فمعناه مثل قوله: "أنه نهى عن مهر البغي" والتفسير في الحديث.
стр. 1361
ولم أسمع هذا الحرف إلا فيه، ولا أدري من أي شيءٍ أُخذ.
قال "أبو عبيد": وقال بعضهم: هي الرمازة.
وهذا عندي خطأ في هذا الموضع.
إنما الرمازة في حديث آخر، وذلك أن معناها مأخوذٌ من الرمز، وهي التي تومئ بشفتيها أو بعينيها [٣١٩] فأي كسب لها ها هنا ينهى عنه.
ولا وجه للحرف إلا ما قال "الحجاج": زمارة، وهو عندنا أثبت ممن خالفه إنما نهى رسول الله - صلى الله علهي وسلم- عن كسب الزانية، وبه نزل القرآن في قوله: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردنا تحصناً: لتبتغوا عرض الحياة الدنيا". فهذا العرض
стр. 1362
هو الكسبُ، وهو مهر البغي الذي جاء فيه النهي، وهو كسب الأمة، كانوا يُكرهون فتياتهم على البغاء، ويأكلون كسبهن حتى أنزل الله [﵎] في ذلك النهي.
قال "أبو عبيدٍ": حدثني "يحيى بن سعيد" عن "الأعمش" عن "أبي سفيان" عن "جابر". قال: كانت أمةٌ "لعبد الله بن أُبي" وكان يُكرهها على الزنا، فنزلت: "ولا تُكرهوا فتياتكم على
стр. 1363
البغاء إن أردن تحصناً؛ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفورٌ رحيمٌ".
قال "أبو عبيدٍ" المغفرة لهن لا للمولى.
قال "أبو عبيدٍ": وحدثني "إسحاق الأزرق" عن "عوف" عن "الحسن" في هذه الآية قال: لهن والله. لهن والله.
٤٨٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ : "لا ترفع عصاك عن أهلك".
قال "الكسائي" وغيره؛ يقال: إنه لم يرد [بها] العصا التي يُضرب بها، ولا أمر أحداً قط بذلك، ولكنه أراد الأدب.
стр. 1364
قال "ابو عبيدٍ": وأصل العصا الاجتماع والائتلاف، ومنه قيل للخوارج: قد شقوا عصا المسلمين، أي فرقوا جماعتهم.
وكذلك قول "صلة بن أشيم" "لأبي السليل": "إياك وقتيل العصا".
يقول: إياك أن تكون قاتلاً أو مقتولاً في شق عصا المسلمين.
ومنه قيل للرجل إذا أقام بالمكان واطمأن به واجتمع إليه أمره: قد ألقى عصاه.
وقال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر
وكذلك يقال: ألقى أرواقه وألقى بوانيه، فكأن وجه الحديث [٣٢٠] أنه أراد بقوله: "لا ترفع عصاك عن أهلك" أي امنعهم من الفساد والاختلاف وأدبهم.
стр. 1365
وقد يقال للرجل إذا كان رفيقاً حسن السياسة لما ولى: إنه للين العصا.
قال "معن بن أوس المزني":
عليه شريبٌ وادع لين العصا ... يساجلها جماته وتساجله
ذكر ماءً وإبلاً ورجلاً يقوم عليها، فقال هذا.
٤٩٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ : "أنه لم يشبع من خبز ولحمٍ إلا على ضفف".
стр. 1366
وبعضهم يقول: شظف.
قال "أبو عبيدٍ": حدثنيه "محمد بن كثير" عن "عبد الله بن شوذبٍ" عن "مالك بن دينار" عن "الحسن" عن النبي- ﷺ إلا أن "ابن كثيرٍ" قال: "ضفف".
قال "أبو زيدٍ": يقال في الضفف والشظف جميعاً: إنهما الضيق والشدة، يقول: لم يشبع إلا بضيق وقلة. وقال ابن الرقاع:
ولقد أصبتُ من المعيشة لذة ... ولقيت في شظف الأمور شدادها
ويقال في الضفف قول آخر.
قالوا: هو اجتماع الناس، يقول: لم يأكل وحده، ولكن مع الناس.
قال "الأصمعي": يقال: هذا ماءٌ مضفوفٌ، وهو الذي قد كثر عليه الناس.
قال "أبو عبيدٍ" قال الشاعر:
* لا يستقي في النزح المضفوف*
* إلا مداراة القروب الجوف*
стр. 1367
فالنزح: الماء القليل. والقروب: الدلاء التي يستقى بها على الإبل، والجوف: العظام الأجواف.
قال "الأصمعي": ويقال أيضاً: ماءٌ مشفوهٌ: إذا كثر عليه الناس.
وماءٌ مثمودٌ كذلك أيضاً إذا كثروا عليه حتى ينفذوه إلا أقله.
ومنه قيل: رجلٌ مثمودٌ: إذا أكثر النكاح حتى يُنزف.
٤٩١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ : "بلوا أرحامكم ولو بالسلام".
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثناه "الفزاري مروان بن معاويةً" عن "مجمع بن يحيى الأنصاري" عن من حدثه، يرفعه.
قال "أبو عمرو" وغيره: يُقال: بللت رحمي أبُلها بلاً وبلالاً: إذا وصلتها ونديتها بالصلة.
стр. 1368
وإنما شُبهت [٣٢١] قطيعة الرحم بالحرارة تطفأ بالبرد، كما قالوا:
سقيته شربةً بردت بها عطشه. قال "الأعشى":
أما لطالب نعمةٍ تممتها ... ووصال رحمٍ قد بردت بلالها
وفي هذا الحديث من العلم أنه جعل السلام صلةً، وإن لم يكن بر غيره.
٤٩٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ : "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه".
стр. 1369
[قال]: حدثنا [هـ]: "إسماعيل بن جعفر" عن "العلاء ابن عبد الرحمن" عن "ابيه" عن "أبي هريرة" عن النبي- ﷺ .
قال "الكسائي" وغيره: بوائقه: غوائله وشره.
يقال للداهية والبلية تنزل بالقوم: قد أصابتهم بائقةٌ.
ومنه حديثه الآخر في الدعاء:
"أعوذ بك من بوائق الدهر ومصيبات الليالي والأيام".
قال "الكسائي": ويقال [منه]: باقتهم البائقة، فهي تبوقهم بوقاً.
стр. 1370
ومثله: فقرتهم الفاقرة، وصلتهم الصالة بمعناها.
[قال]: ويقال: رجلٌ صل إذا كان داهيةً منكراً شبه بالحية.
٤٩٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ : "خير المال سكةٌ مأبورةٌ وفرسٌ مأمورةٌ".
وبعضهم يقول: "مهرةٌ مأمورةٌ".
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثني غيرُ واحدٍ عن "أبي نعامة العدوي عمرو بن عيسى"، عن "مسلم بن بديلٍ"، عن "إياس بن زهيرٍ" عن "سويد بن هبيرة" عن النبي ﷺ .
следующие страницы →