Полный текст (2 371 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
وبعضهم يقول: شظف.
قال "أبو عبيدٍ": حدثنيه "محمد بن كثير" عن "عبد الله بن شوذبٍ" عن "مالك بن دينار" عن "الحسن" عن النبي- ﷺ إلا أن "ابن كثيرٍ" قال: "ضفف".
قال "أبو زيدٍ": يقال في الضفف والشظف جميعاً: إنهما الضيق والشدة، يقول: لم يشبع إلا بضيق وقلة. وقال ابن الرقاع:
ولقد أصبتُ من المعيشة لذة ... ولقيت في شظف الأمور شدادها
ويقال في الضفف قول آخر.
قالوا: هو اجتماع الناس، يقول: لم يأكل وحده، ولكن مع الناس.
قال "الأصمعي": يقال: هذا ماءٌ مضفوفٌ، وهو الذي قد كثر عليه الناس.
قال "أبو عبيدٍ" قال الشاعر:
* لا يستقي في النزح المضفوف*
* إلا مداراة القروب الجوف*
стр. 1367
فالنزح: الماء القليل. والقروب: الدلاء التي يستقى بها على الإبل، والجوف: العظام الأجواف.
قال "الأصمعي": ويقال أيضاً: ماءٌ مشفوهٌ: إذا كثر عليه الناس.
وماءٌ مثمودٌ كذلك أيضاً إذا كثروا عليه حتى ينفذوه إلا أقله.
ومنه قيل: رجلٌ مثمودٌ: إذا أكثر النكاح حتى يُنزف.
٤٩١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ : "بلوا أرحامكم ولو بالسلام".
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثناه "الفزاري مروان بن معاويةً" عن "مجمع بن يحيى الأنصاري" عن من حدثه، يرفعه.
قال "أبو عمرو" وغيره: يُقال: بللت رحمي أبُلها بلاً وبلالاً: إذا وصلتها ونديتها بالصلة.
стр. 1368
وإنما شُبهت [٣٢١] قطيعة الرحم بالحرارة تطفأ بالبرد، كما قالوا:
سقيته شربةً بردت بها عطشه. قال "الأعشى":
أما لطالب نعمةٍ تممتها ... ووصال رحمٍ قد بردت بلالها
وفي هذا الحديث من العلم أنه جعل السلام صلةً، وإن لم يكن بر غيره.
٤٩٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ : "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه".
стр. 1369
[قال]: حدثنا [هـ]: "إسماعيل بن جعفر" عن "العلاء ابن عبد الرحمن" عن "ابيه" عن "أبي هريرة" عن النبي- ﷺ .
قال "الكسائي" وغيره: بوائقه: غوائله وشره.
يقال للداهية والبلية تنزل بالقوم: قد أصابتهم بائقةٌ.
ومنه حديثه الآخر في الدعاء:
"أعوذ بك من بوائق الدهر ومصيبات الليالي والأيام".
قال "الكسائي": ويقال [منه]: باقتهم البائقة، فهي تبوقهم بوقاً.
стр. 1370
ومثله: فقرتهم الفاقرة، وصلتهم الصالة بمعناها.
[قال]: ويقال: رجلٌ صل إذا كان داهيةً منكراً شبه بالحية.
٤٩٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ : "خير المال سكةٌ مأبورةٌ وفرسٌ مأمورةٌ".
وبعضهم يقول: "مهرةٌ مأمورةٌ".
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثني غيرُ واحدٍ عن "أبي نعامة العدوي عمرو بن عيسى"، عن "مسلم بن بديلٍ"، عن "إياس بن زهيرٍ" عن "سويد بن هبيرة" عن النبي ﷺ .
стр. 1371
أما قوله: سكةٌ مأبورةٌ، فيقال: هي الطريقة المستوية المصطفة من النخل.
ويقال: إنما سميت الأزقة سككاً لاصطفاف الدور فيها كطرائق النخل.
وأما المأبورة: فإنها التي قد لُقحت.
يقال: أبرتُ النخل فأنا أبرها أبراً، وهي نخلٌ مأبورةٌ.
ومنه الحديث المرفوع: "من باع نخلاً قد أُبرت- ويقال: قد أُبرت- فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع".
стр. 1372
حدثنا "أبو عبيد" قال: حدثنا [٣٢٢] "ابن علية" عن "ابن جريجٍ" عن "الزهري" عن "سالمٍ" عن "أبيه" عن النبي ﷺ .
ويقال أيضاً: ابإيتبرت غيري إذا سألته أن يأبر لك نخلك، وكذلك الزرع. قال "طرفة":
ولي الأصل الذي في مثله ... يُصلح الآبر زرع المؤتبر
فالآبر: العامل، والمؤتبر: رب الزرع، والمأبور: الزرع والنخل الذي قد لُقح.
стр. 1373
وأما الفرس أو المُهرة المأمورة، فإنها الكثيرة النتاج، وفيها لغتان. يقال: أمرها الله فهي مأمورةٌ، وآمرها ممدودة- فهي مؤمرةٌ.
وقد قرأ بعضهم: "وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها" غير ممدودة فقد يكون هذا من الأمر، يُروى عن "الحسن" أنه فسرها: أمرناهم بالطاعة فعصوا.
وقد يكون أمرنا بمعنى أكثرنا، وعلى هذا قال: فرسٌ مأمورةٌ.
ومن قرأ: "آمرنا" فمدها، فليس معناها إلا أكثرنا.
ومن قرأ: "أمرنا" - مشددة- فهو من التسليط، يقول: سلطنا
стр. 1374
ويقال في الكلام: قد أمر القوم يأمرون: إذا كثروا، وهو من قوله: فرسٌ مأمورةٌ.
٤٩٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي ﷺ : "قلدوا الخيل، ولا تقلدوها الأوتار".
стр. 1375
قال: بلغني عن "النضر بن شُميلٍ" أنه قال: عُرضت الخيلُ على "عبيد الله بن زياد" فمرت به خيل "بني مازن" فقال "عبيد الله": إن هذه لخيلٌ.
قال: والأحنف [بن قيس] جالسٌ، فقال: إنها لخيلٌ لو كانوا يضربونها على الأوتار. فقال "فلان بن مشجعة المازني" قال: لا أعلمه إلا قال "خيثمة".
قال: وبعض الناس يقول: هذا الذي رد على الأحنف "فلان ابن الهلقم": "أما يوم قتلوا أباك، فقد ضربوها على الأوتار".
قال: "لم يُسمع للأحنف سقطةٌ غيرها".
فمعنى الأوتار ها هنا الذحول. يقول: لا يطلبون عليها [٣٢٣] الوتر الذي وتروا به في الجاهلية.
стр. 1376
قال "أبو عبيدٍ": وهذا معنىً يذهب إليه بعض الناس: أن النبي ﷺ أراد ألا يطلبوا عليها الذحول.
وغير هذا الوجه أشبه عندي بالصواب.
قال "أبو عبيد": سمعت "محمد بن الحسن" يقول: إنما معناه: أوتار القسي كانوا يقلدونها تلك، فتختنق، فقال: لا تقلدوها بها.
ومما يُصدق ذلك حديث "هُشيم" عن "أبي بشر" عن "سليمان اليشكري" عن "جابر" أن النبي ﷺ : "أمر أن تقطع الأوتار من أعناق الخيل".
стр. 1377
قال: "أبو عبيدٍ": وبلغني عن "مالك [بن أنس] " أنه قال: إنما كان يُفعل بها ذلك مخافة العين عليها.
قال "أبو عبيد": حدثنيه عنه "أبو المنذر الواسطي" يعني أن الناس كانوا يقلدونها؛ لئلا تصيبها العين، فأمرهم النبي ﷺ بقطعها يعلمهم أن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئاً.
وهذا شبيه بما يُكره من التمائم.
стр. 1378
٤٩٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي ﷺ : "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يبيع على بيع أخيه".
стр. 1379
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثنيه "يحي بن سعيد القطان"، عن "عبيد الله"، عن "نافعٍ"، عن "ابن عمر"، عن النبي- ﷺ .
قال "أبو عبيدٍ": وحدثناه "إسماعيل بن جعفر"، عن "محمد بن عمرو"، عن "أبي سلمة" عن "أبي هريرة"، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه.
قال "أبو عبيدٍ": كان "أبو عبيدة" و"أبو زيد" وغيرهما من أهل العلم، يقولون: إنما النهي في قوله: "لا يبع على بيع أخيه" إنما هو لا يشترى على شراء أخيه، فإنما وقع النهي على المشتري لا على البائع؛ لأن العرب تقول: بعتُ الشيء بمعنى اشتريته.
قال "أبو عبيدٍ": وليس للحديث عندي وجهٌ غير هذا؛ لأن البائع لا يكاد يدخل [٣٢٤] على البائع. هذا قليلٌ في معاملة الناس
стр. 1380
وإنما المعروف أن يُعطي الرجلُ الرجلَ بسلعته شيئاً، فيجيء مشترٍ آخر، فيزيد عليه ومما يبين ذلك ما تكلم الناس فيه من بيع من يزيدُ حتى خافوا كراهته. فقال: كانوا يتبايعونه في مغازيهم، فقد عُلم أنه في بيع من يزيدُ، إنما يدخل المشترون بعضهم على بعضٍ، فهذا يبين لك أنهم إنما طلبوا الرخصة فيه؛ لأن الأصل إنما هو على المشترين.
قال "أبو عبيدٍ": وقد حدثني "علي بن عاصمٍ" عن "أخضر بن عجلان" عن "أبي بكر الحنفي" عن "أنس [بن مالك] " أن
стр. 1381
النبي ﷺ "باع قدح رجل وحلسه فيمن يزيد" فإنما المعنى ها هنا للمشترين أيضاً.
ومثله أنه نهى عن الخطبة كما نهى عن البيع.
فقد علمنا أن الخاطب إنما هو طالبٌ بمنزلة المشتري.
فإنما وقع النهي على الطالبين دون المطلوب إليهم.
وقد جاء في أشعار العرب أن قالوا للمشتري بائعٌ، قال: أخبرني "الأصمعي" أن "جرير بن الخطفي" كان يُنشد "لطرفة بن العبد":
......................... ... غدٌ ما غدٌ ما أقرب اليوم من غدِ
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد
стр. 1382
قوله: لم تبع له: لم تشتر له.
وقال "الحطيئة":
وباع بنيه بعضهم بخشارة ... وبعت لذبيان العلاء بمالكا
قوله:
* وباع بنيه بعضهم بخشارة*
هو من البيع يذمه به.
وقوله:
* وبعت لذبيان العلاء بمالكا*
стр. 1383
يقول: اشتريت لقومك العلاء أي الشرف بمالك.
قال: وبلغني عن "مالك بن أنس" أنه قال: إنما نُهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه إذا كان كل واحد من الفريقين قد رضي بصاحبه وركن إليه، فأما قبل الرضا فلا بأس أن يخطبها من شاء.
٤٩٦ - وقال "أبو عبيدٍ" [٣٢٥] في حديث النبي ﷺ : أنه قال ذات غداة: [إنه] أتاني الليلة آتيان فابتعثاني، فانطلقت معهما، فأتيا على رجلٍ مضطجع، وإذا رجلٌ قائمٌ عليه بصخرةٍ وإذا هو يهوي بالصخرة فيثلغ [بها] رأسه، فتدهدى الصخرة.
قال: "ثم انطلقنا فأتينا على رجلٍ مستلقٍ، وإذا رجلٌ قائمٌ عليه بكلوبٍ، وغذا هو يأتي أحد شقي وجهه، فيشر شرٌ شدقه إلى قفاه".
"ثم انطلقنا فأتينا على مثل بناء التنور فيه رجالٌ ونساءٌ يأتيهم لهب من أسفل، فإذا أتاهم اللهب ضوضوا".
стр. 1384
فانطلقنا، وانتهينا إلى دوحة عظيمة، فقالا لي: ارق فيها، فارتقينا، فإذا نحن بمدينة مبنية بلبن ذهبٍ وفضةٍ فسما بصري صُعداً، فإذا قصرٌ مثل الربابة البيضاء".
قال "أبو عبيدٍ": يروى ذلك عن "عوفٍ" عن "أبي رجاء" عن "سمرة بن جُندبٍ" عن النبي ﷺ .
أما قوله: "رجلٌ مضطجعٌ ورجلٌ يهوي بصخرة فيثلغ بها رأسه"، فإنه يعني يشدخه.
يقال: ثلغت رأسه أثلغه ثلغاً إذا شدخته.
وقوله: "فيتدهدى الحجر" يعني يتدحرج.
يقال: تدهدى الحجر وغيره تدهدياً: إذا تدحرج.
ودهديته أنا أدهديه دهداةً ودهداءً: إذا دحرجته.
قال: "الكسائي": وقوله: "كلوبٌ من حديد": هو الكلاب، وهما لغتان: كلوبٌ وكلابٌ، والجمع منهما: كلاليب.
وقوله: "يُشرشر شدقه إلى قفاه": يعني يشققه ويقطعه.
стр. 1385
قال: "أبو زبيد الطائي" يصف الأسد:
يظل مغباً عنده من فرائس ... رفات عظامٍ أو غريضٌ مشرشر
وقوله: "فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا يعني ضجوا وصاحوا، والمصدر منه الضوضاة غير مهموز.
وأما الدوحة: فالشجرة العظيمة من أي شجرٍ كان.
وأما قوله: "مثل الربابة البيضاء" فإنها السحابة التي قد ركب بعضها بعضاً، وجمعها ربابٌ. وبه سميت المرأة الرباب، وقال الشاعر [٣٢٦]:
سقى دار هندٍ حيث حلت بها النوى ... مسف الذرى دانى الرباب ثخين
وأما الربابة - بكسر الراء- فإنها شبيهةٌ بالكنانة يكون فيها السهام قال "أبو ذؤيب" يصف الحمار والأُتن:
وكأنهن ربابةٌ وكأنه ... يسرٌ يُفيض على القداح ويصدع
قال: وبعض الناس يقول: الربابة: خرقةٌ أو جلدةٌ يجعل فيها القداح شبه الوعاء لها.
стр. 1386
٤٩٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ :
"إن هذا الدين متينٌ فأوغل فيه برفق، ولا تُبغض إلى نفسك عبادة الله [﵎] فإن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى".
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه: أبو معاوية الضرير عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر رفعه.
وغير أبي معاوية لا يرفعه.
[قال أبو عبيد]: قال الأصمعي وغيره: قوله: "فأوغل فيه برفقٍ" الإيغال: السير الشديد والإمعان فيه. يقال منه: أوغلت أوغِلُ إيغالاً.
стр. 1387
قال أبو عبيد قال "الأعشى" يذكر الناقة:
تقطع الأمعز المكوكب وخداً ... بنواجٍ سريعة الإيغال
وأما الوغول: فإنه الدخول في الشيء، وإن لم يبعد فيه، وكل داخلٍ فهو واغلٌ [ووغلٌ].
يقال منه: وغلتُ أغلُ وغلاً ووغولاً.
ولهذا قيل للداخل على الشرب من غير أن يُدعى: واغِلٌ ووغلٌ.
وأما قوله: "فإن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى": فإن الذي يُغذ السير ويتعب [نفسه] بلا فتور حتى تعطب دابته، فيبقى منبتاً منقطعاً به لم يقض سفره، وقد أعطب ظهره، فشبهه بالمجتهد في العبادة حتى يحسر.
стр. 1388
ومن هذا حديث "سلمان" [﵀]: "وشر السير الحقحقة" وقد قاله "مطرف بن الشخير" لابنه.
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه "ابن علية"، عن "إسحاق ابن سويدٍ" قال: تعبد "عبد الله بن مطرف" فقال له "مُطرفٌ": يا عبد الله: [٣٢٧] العلمُ أفضلُ من العمل، والحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة".
أما قوله: "الحسنة بين السيئتين": فإنه أراد أن الغلو في العمل سيئةٌ، والتقصير عنه سيئةٌ، والحسنة بينهما، وهو القصد، كما جاء في الحديث الآخر في فضل قارئ القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، فالغلو فيه التعمق، والجفاء عنه التقصير، وكلاهما
стр. 1389
سيئةٌ، ومما يبين ذلك قول الله ﵎: "ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط".
وكذلك قوله: "لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً".
ومما يشبه هذا الحديث قول "تميم الداري": حدثنا أبو عبيدٍ قال: حدثنا "عبد الله بن المبارك"، عن "الجريري" عن - "أبي العلاء" قال: قال "تميم الداري": "خذ من دينك لنفسك ومن نفسك لدينك؛ حتى يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها".
وكان "إسماعيل بن علية" يحدثه عن "الجريري"، عن رجل عن "تميم [الداري] "، ولا يذكر "أبا العلاء".
ومثل ذلك حديث يروى عن "بريدة الأسلمي" عن النبي
стр. 1390
- ﷺ أنه قال: "من يشاد هذا الدين يغلبه".
حدثنا "أبو عبيد" قال: حدثنيه "يزيد" و"إسماعيل" جميعاً عن "عيينة بن عبد الرحمن" عن "أبيه" عن "بريدة" قال: "بينما أنا ماشٍ في طريق إذ أنا برجلٍ خلفي، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ فأخذ بيدي، فانطلقنا، فإذا نحن برجلٍ يصلي يكثر الركوع والسجود. قال: فقال لي: يا بريدة! أتراه يرائي؟ ثم أرسل يده من يدي، وجمع يديه [جميعاً] وجعل يقول: "عليكم هدياً قاصداً، عليكم هدياً قاصداً؛ إنه من يشاد هذا الدين يغلبه".
стр. 1391
٤٩٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ :
"يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى [٣٢٨] في النار، فتندلق أقتابُ بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيقال: مالك؟ فيقول: إني كنتُ آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه".
стр. 1392
حدثنا أبو عبيد قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "شقيق" عن "أسامة بن زيد" عن النبي ﷺ .
قال الأصمعي، و"الكسائي": الأقتاب: الأمعاء.
[قال الكسائي]: واحدها قتبٌ.
وقال الأصمعي: واحدها قتبةٌ.
[قال]: وبها سمي الرجل قتيبة وهو تصغيرها.
وقال أبو عبيدة: القتب: ما تحوي من البطن يعني استدار، وهو الحوايا.
قال: وأما الأمعاء فإنها الأقصاب واحدها قصبٌ.
قال أبو عبيد: وأما قوله: "فتندلق أقتاب بطنه" فإن الاندلاق
стр. 1393
خروج الشيء من مكانه سلساً سهلاً، وكل شيءٍ ندر خارجاً، فقد اندلق، ومنه قيل للسيف: قد اندلق من جفنه: إذا شقه حتى يخرج منه. ويقال للخيل: قد اندلقت: إذا خرجت فأسرعت السير، قال "طرفة":
دُلقٌ في غارةٍ مسفوحةٍ ... كرعال الطير أسراباً تمر
٤٩٩ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ :
стр. 1394
"أنه ادهن بزيتٍ غير مقتتٍ وهو محرمٌ".
حدثنا أبو عبيد قال: حدثنيه "محمد بن كثير"، عن "حماد بن سلمة"، عن "فرقد السبخي"، عن "الحسن"، أو سعيد بن جبير، عن "بن عمر"، عن النبي ﷺ .
[قال أبو عبيد]: قوله: "غير مقتت" يعني غير مُطيب. والمقتت: هو الذي فيه الرياحين يُطبخ بها الزيت حتى يطيب ويتعالج منه للرياح.
стр. 1395
فمعنى الحديث أنه ادهن بالزيت بحتاً لا يخالطه شيء.
وفي هذا الحديث من الفقه أنه كره الريحان أن يشمه المحرم.
٥٠٠ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ :
"ألا إن التبين من الله، والعجلة من الشيطان، فتبينوا".
قال الكسائي وغيره [٣٢٩]: التبين مثل التثبت في الأمور والتأني فيها.
وقد روى عن عبد الله بن مسعود: أنه كان يقرأ: "إذا ضربتم في سبيل الله فتثبتوا"، وبعضهم: "فتبينوا" والمعنى بعضه قريبٌ
стр. 1396
من بعض.
وأما البيان فإنه من الفهم وذكاء القلب مع اللين.
ومنه الحديث المرفوع: إن من البيان سحراً.
وذلك أن قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم قدموا على النبي- ﷺ فسأل النبي ﷺ عمراً عن الزبرقان [بن بدر] فأثنى عليه خيراً، فلم يرض
стр. 1397
الزبرقان بذلك، وقال: والله يا رسول الله إنه ليعلم أنه أفضل مما قال، ولكنه حسدني [علي] مكاني منك، فأثنى عليه عمروٌ شراً، ثم قال: والله يا رسول الله ما كذبتُ عليه في الأولى ولا في الآخرة، ولكنه أرضاني، فقلت بالرضا، ثم أسخطني فقلت بالسخط.
فقال رسول الله ﷺ : "إن من البيان سحراً" فكأن المعنى- والله أعلم- أنه يبلغ من بيانه أن يمدح الإنسان فيصدق فيه، حتى يصرف القلوب إلى قوله، ثم يذمه، فيصدق فيه، حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه قد سحر السامعين بذلك، فهذا وجه قوله: "إن من البيان سحراً".
قال أبو عبيد: هو من حديث عباد بن عباد المهلبي، عن محمد بن الزبير [الحنظلي].
قال: وحدثني أبو عبد الله الفزاري، عن مالك بن دينار، قال:
стр. 1398
ما رأيت أحداً أبين من الحجاج إن كان ليرقى المنبر، فيذكر إحسانه إلى أهل العراق، وصفحه عنهم، وإساءتهم إليه، حتى أقول في نفسي: والله إني لأحسبه صادقاً، وإني لأظنهم ظالمين له.
٥٠١ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ : أن رجلاً أتاه، فشكا إليه الجوع، فأُتي النبي ﷺ بشاةٍ مصلية، فأطعمه منها.
حدثنا أبو عبيد قال: "حدثناه خلفُ بن خليفة"، "عن ليثٍ"، عن "مجاهد"، و"إبراهيم" إلا أنه قال:
قال أحدهما [أُتي] بشاة مصلية، وقال الآخر: بقصعةٍ من ثريدٍ.
قال الكسائي وغير واحد [٣٣٠] قوله: مصلية يعني: مشوية.
стр. 1399
يقال منه: صليت اللحم وغيره: إذا شويته. فأنا أصليه صلياً مثال: رميته أرميه رمياً: إذا فعلت ذلك وأنت تريد أن تشويه. فإن ألقيته فيها إلقاءً كأنك تريد الإحراق قلت: أصليته بالألف.
إصلاءً.
وكذلك: صليته أصليه تصليةً، قال الله ﵎: "ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً، فسوف نصليه ناراً".
وروي عن علي [كرم الله وجهه] أنه كان يقرأ: "ويصلى سعيراً".
وكان الكسائي يقرأ به، فهذا ليس من الشي إنما هو من إلقائك إياه فيها، قال أبو زبيد الطائي:
стр. 1400
فقد تصليت حر حربهم ... كما تصلى المقرور من قرس
يعني البرد.
يقال: قد صليت بالأمر فأنا أصلى به إذا قاسى حره وشدته.
ويقال في غير هذا المعنى: صليت لفلانٍ بالتخفيف، وذلك إذا عملت له في أمرٍ تريد أن تمحل به [فيه] وتوقعه في هلكةٍ، والأصل من هذا المصالي، وهي شبيهٌ بالشرك يُنصبُ للطير وغيرها.
وقد روي في حديثٍ من حديثِ أهل الشام: "أن للشياطين
стр. 1401
مصالى وفخوخاً" يعني ما يصيد به الناس، وهو من هذا وليس- من الأول.
٥٠٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ في السنة في الرأس والجسد قال: "قص الشارب، والسواك، والاستنشاق، والمضمضة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والختان، والاستنجاء بالأحجار، والاستحداد"، وفي بعض الحديث "وانتقاص الماء".
стр. 1402
فأما الاستحداد، فإنه حلق العانة.
ومن ذلك قوله- ﷺ حين قدم من سفر، فأراد الناس أن يطرقوا النساء ليلاً، فقال:
"أمهلوا حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة".
حدثنا "أبو عبيد" قال: حدثناه هشيمٌ عن سيار، عن الشعبي عن جابر بن عبد الله [٣٣١]، عن النبي ﷺ .
وفي آخر هذا الحديث حرفٌ لا أحفظه عن هشيم. قال أبو عبيد:
стр. 1403
حدثنيه إسحاق بن عيسى عنه أنه قال: "فإذا قدمتم فالكيس الكيس.
قال أبو عبيد: فكأنه ذهب به إلى طلب الولد والنكاح.
ونرى أن أصل الاستحداد- والله أعلم- إنما هو الاستفعال من الحديدة، يعني الاستحلاق بها، وذلك أن القوم لم يكونوا يعرفون النورة.
وأما إحداد المرأة على زوجها فمن غير هذا، إنما هو ترك الزينة، والخضاب. فنراه مأخوذاً من المنع؛ لأنها قد منعت من ذلك.
ومنه قيل للرجال المحارف محدودٌ؛ لأنه ممنوع من الرزق؛ ولهذا قيل للبواب حدادٌ؛ لأنه يمنع الناس من الدخول، قال "الأعشى":
فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونةٍ عند حدادها
стр. 1404
يعني صاحبها الذي يحفظها ويمنعها. والجونة: خابية الخمر.
وفي إحداد المرأة لغتان:
يقال: حدت على زوجها تَحُد وتَحِدُّ حداداً.
وأحدت تُحِدُّ إحداداً.
وأما قوله: "وانتقاص الماء" فإنا نُراه غسل الذكر بالماء، وذلك أنه إذا غُسل الذكر بالماء ارتد البول، ولم ينزل، وإن لم يُغسل نزل منه الشيء حتى يُستبرى.
قال أبو عبيد: وليس معنى الحديث أنه سمى البول ماءً، ولكنه أراد انتقاص البول بالماء إذا غُسل به.
٥٠٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم
стр. 1405
أن قوماً مروا بشجرة فأكلوا منها، فكأنما مرت بهم ريحٌ فأخمدتهم، فقال النبي ﷺ : "قرِّصوا الماء في الشنان ثم صبوا عليهم فيما بين الأذانين". قال أبو عبيد: سمعت يزيد، يحدثه، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي عثمان النهدي يرفعه.
قوله: قرِّسُوا يعني: بردوا، وفيه لغتان: القرس بفتح الراء، والقرس بجذمها، وقول الناس: قد قَرِسَ البردُ إنما هو من هذا بالسين ليس بالصاد.
وأما حديثه الآخر [٣٣٢] أن امرأةً سألته عن دم المحيض في الثوب، فقال النبي ﷺ : "قرِّصيه بالماء" فإن هذا
следующие страницы →