Полный текст (2 371 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
مصالى وفخوخاً" يعني ما يصيد به الناس، وهو من هذا وليس- من الأول.
٥٠٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ في السنة في الرأس والجسد قال: "قص الشارب، والسواك، والاستنشاق، والمضمضة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والختان، والاستنجاء بالأحجار، والاستحداد"، وفي بعض الحديث "وانتقاص الماء".
стр. 1402
فأما الاستحداد، فإنه حلق العانة.
ومن ذلك قوله- ﷺ حين قدم من سفر، فأراد الناس أن يطرقوا النساء ليلاً، فقال:
"أمهلوا حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة".
حدثنا "أبو عبيد" قال: حدثناه هشيمٌ عن سيار، عن الشعبي عن جابر بن عبد الله [٣٣١]، عن النبي ﷺ .
وفي آخر هذا الحديث حرفٌ لا أحفظه عن هشيم. قال أبو عبيد:
стр. 1403
حدثنيه إسحاق بن عيسى عنه أنه قال: "فإذا قدمتم فالكيس الكيس.
قال أبو عبيد: فكأنه ذهب به إلى طلب الولد والنكاح.
ونرى أن أصل الاستحداد- والله أعلم- إنما هو الاستفعال من الحديدة، يعني الاستحلاق بها، وذلك أن القوم لم يكونوا يعرفون النورة.
وأما إحداد المرأة على زوجها فمن غير هذا، إنما هو ترك الزينة، والخضاب. فنراه مأخوذاً من المنع؛ لأنها قد منعت من ذلك.
ومنه قيل للرجال المحارف محدودٌ؛ لأنه ممنوع من الرزق؛ ولهذا قيل للبواب حدادٌ؛ لأنه يمنع الناس من الدخول، قال "الأعشى":
فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونةٍ عند حدادها
стр. 1404
يعني صاحبها الذي يحفظها ويمنعها. والجونة: خابية الخمر.
وفي إحداد المرأة لغتان:
يقال: حدت على زوجها تَحُد وتَحِدُّ حداداً.
وأحدت تُحِدُّ إحداداً.
وأما قوله: "وانتقاص الماء" فإنا نُراه غسل الذكر بالماء، وذلك أنه إذا غُسل الذكر بالماء ارتد البول، ولم ينزل، وإن لم يُغسل نزل منه الشيء حتى يُستبرى.
قال أبو عبيد: وليس معنى الحديث أنه سمى البول ماءً، ولكنه أراد انتقاص البول بالماء إذا غُسل به.
٥٠٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم
стр. 1405
أن قوماً مروا بشجرة فأكلوا منها، فكأنما مرت بهم ريحٌ فأخمدتهم، فقال النبي ﷺ : "قرِّصوا الماء في الشنان ثم صبوا عليهم فيما بين الأذانين". قال أبو عبيد: سمعت يزيد، يحدثه، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي عثمان النهدي يرفعه.
قوله: قرِّسُوا يعني: بردوا، وفيه لغتان: القرس بفتح الراء، والقرس بجذمها، وقول الناس: قد قَرِسَ البردُ إنما هو من هذا بالسين ليس بالصاد.
وأما حديثه الآخر [٣٣٢] أن امرأةً سألته عن دم المحيض في الثوب، فقال النبي ﷺ : "قرِّصيه بالماء" فإن هذا
стр. 1406
بالصاد يقول: قطعيه به، وكل مقطع فهو مقرصٌ، يقال للمرأة: قد قرصت العجين إذا قطعته لتبسطه.
وأما قوله: "في الشنان" فإنها الأسقية [والقرب] الخلقان، يقال للسقاء شن وللقربة شنةٌ.
وإنما ذكر الشنان دون الجدد لأنها أشد تبريداً.
وقوله: "بين الأذانين" يعني أذان الفجر والإقامة، فسمى الإقامة أذاناً وقد فسرنا هذا في غير هذا الموضع.
وفي هذا الحديث من الفقه أن هذا الفعل شبيهٌ بالنشرة، فجاءت فيه الرخصة عن النبي ﷺ في غير إصابة العين.
стр. 1407
٥٠٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ : "ماذا في الأمرين من الشفاء الصبر والثفاء".
يقال: إن الثفاء هو الحرف. والتفسير هو في الحديث، ولم نسمعه في غير هذا المكان.
وقد رويت أشياءٌ مثل هذا لم نسمعها في كلامهم ولا في أشعارهم إلا أن التفسير في الحديث.
منه قوله: "أنه نهى عن كسب الزمارة".
وتفسيره في الحديث: الزانية.
стр. 1408
ومنه حديث سالم بن عبد الله أنه مر به رجلٌ معه صيرٌ، فذاق منه ثم سأل عنه كيف تبيعه؟
تفسيره في الحديث أنه الصحناء.
وكذلك حديثه الآخر: "من اطلع من صير باب، ففقئت عينه فهي هدرٌ" فتفسيره في هذا الحديث أن الصير: الشق.
ومن ذلك حديث عمر [﵁] حين سأل المفقود الذي كانت الجن استهوته ما كان شرابهم؟ فقال: الجدف.
وتفسيره في الحديث أنه ما لا يغطى، ويقال: هو نباتٌ يكون بأرض اليمن لا يحتاج الذي يأكله إلى أن يشرب عليه الماء، وفي
стр. 1409
مثل هذا أحاديثٌ كثيرةٌ.
٥٠٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ : "أنه احتجم على رأسه بقرن حين طُب".
حدثنا أبو عبيد قال: حدثاه "هُشيمٌ"، عن "حصين بن [٣٣٣] عبد الرحمن" عن "عبد الرحمن بن أبي ليلى" رفعه.
قوله: طُب يعني سُحِر.
يقال منه: رجلٌ مطبوبٌ.
ونرى أنه إنما قيل له مطبوبٌ؛ لأنه كُني بالطب عن السحر
стр. 1410
كما كنوا عن اللديغ بالسليم، فقالوا: سليمٌ تطيروا إلى السلامة من اللدغ، وكما كنوا عن الفلاة وهي المهلكة التي لا ماء فيها، فقالوا: مفازةٌ تطيروا إلى الفوز من الهلاك.
وأصل الطب: الحذق بالأشياء، والمهارة بها، يقال للرجل: طب وطبيبٌ إذا كان كذلك، وإن كان في غير علاج المرض، قال عنترة:
إن تُغدفي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم
وقال علقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصيرٌ بأدواء النساء طبيب
стр. 1411
قوله: تسألوني بالنساء، يريد عن النساء.
ومنه قول [الله ]: "فاسأل به خبيراً".
وكذلك قول الناس: "أتينا فلاناً نسأل به" هو من هذا [أي نسأل عنه].
٥٠٦ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ : "الطيرة، والعيافة، والطرق من الجبت".
стр. 1412
حدثنا أبو عبيد قال: حدثناه مروان الفزاري، وإسحاق الأزرق أو أحدهما عن عوفٍ، عن حيان، عن قطن بن قبيصة، عن قبيصة بن المخارق الهلالي، عن النبي ﷺ .
قوله: "العيافة" يعني زجر الطير.
يُقال منه: عفتُ الطير أعيفها عيافةً.
ويقال في غير هذا: عافت الطيرُ تعيف عيفاً إذا كانت تحوم على الماء. وعاف الرجل الطعام يعافُه عيافاً، وذلك إذا كرهه.
وأما قوله في الطرق فإنه الضرب بالحصا، ومنه قول "لبيد":
لعمرُك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
стр. 1413
وبعضهم يرويه: "الضوارب بالحصا"، ومعناهما واحد.
وأصل الطرق الضربُ، ومنه سُميت مطرقة الصانع والحداد؛ لأنه يطرق [بها ٣٣٤]- أي يضرب بها، وكذلك عصا النجاد التي يضرب بها الصوف.
والطرق أيضاً في غير هذا الموضع هو الماء الذي قد خوضته الإبل وبولت فيه، فهو طرقٌ ومطروقٌ.
ومنه حديث "إبراهيم" أنه قال: "الوضوء بالطرق أحب إلى من التيمم" وأما الطروق، فإنه من الطارق الذي يطرق ليلاً.
وأما الإطراق، فإنه يكون من السكوت، ويكون أيضاً من استرخاء في جفون العين.
стр. 1414
يقال منه: رجلٌ مطرقٌ، قال الشاعر في "عمر بن الخطاب"﵁ يرثيه:
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفَّى سبنني أزرق العين مطرق
وأما التطارق، فإنه اتباع القوم بعضهم بعضاً.
يقال [منه]: قد تطارق القوم: إذا فعلوا ذلك.
ومنه قيل للترسة المجان المطرقة يعني قد أُطرقت بالجلود والعقب. أي ألبسته، وكذلك النعل المطرقة هي التي قد أُطبقت عليها أخرى.
стр. 1415
٥٠٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ أنه "نهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. ونهى عن عقوق الأمهات ووأد البنات، ومنعٍ وهات" [قال أبو عبيد]: يُقال: إن قوله: "إضاعة المال" [أن] يكون في وجهين أما أحدهما وهو الأصل فما أنفق في معاصي الله وهو السرف الذي عابه الله [﵎] ونهى عنه فيما أخبرني به
стр. 1416
"ابن مهدي" أن كل ما أنفق في غير طاعة الله [سبحانه] من قليل أو كثير فهو سرفٌ.
والوجه الآخر دفع المال إلى ربه وليس له بموضع، ألا تراه قد حصن أموال اليتامى، فقال [﵎]: "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم، وأشهدوا عليهم".
قال أبو عبيد: حدثنا "جرير بن عبد الحميد"، عن "منصور"، عن "مجاهد"، في قوله: "فإن آنستم منه رشداً" قال: العقل.
حدثنا [٣٣٥] أبو عبيد: قال: حدثنا "يزيد"، عن "هشام"، عن "الحسن" قال: صلاحاً في دينه وحفظاً لماله.
стр. 1417
قال أبو عبيد: هذا هو الأصل في الحجر على المفسد لماله، ألا تراه قد أمره بمنع اليتيم ماله، فهل يكون الحجر إلا هكذا؟ ومنه قوله [تعالى]: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً".
وكذلك قوله [سبحانه]: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام" فهذا كله وأشباهه فيما نهى الله [سبحانه] عنه ورسوله ﷺ من إضاعة المال.
وقوله: "وكثرة السؤال" فإنها مسألة الناس أموالهم، وقد يكون أيضاً من السؤال عن الأمور، وكثرة البحث عنها، كما قال [سبحانه]: "لا تسألوا عن أشياء إن تبُد لكم تسؤكم".
стр. 1418
وكما قال: "ولا تجسسوا".
وأما قوله: "ووأد البنات" فهو من المؤودة، وذلك أن الرجال كانوا يفعلون ذلك ببناتهم في الجاهلية، كان أحدهم ربما ولدت له البنت فيدفنها، وهي حيةٌ حين تولد، ولهذا كانوا يُسمون القبر صِهراً أي [إني] قد زوجتها منه، قال الشاعر:
سميتها إذ ولدت تموت
والقبر صهرٌ ضامنٌ زميتُ
يا بنت شيخ ماله سُبروت
يقال: أرض سباريت، والواحدة سبروت، وهي الأرض التي لا شيء فيها.
стр. 1419
قال أبو عبيد، فهذا ما في الحديث من الفقه.
وفي قوله: "نهى عن قيل وقال" نحوٌ وعربيةٌ وذلك أنه جعل القال مصدراً، ألا تراه يقول: عن قيلٍ وقالٍ، فكأنه قال: عن قيل وقول، يُقال على هذا: قلت قولاً وقيلاً وقالاً.
قال أبو عبيد: وسمعت الكسائي، يقول في قراءة "عبد الله": "ذلك عيسى بن مريم قال الحق [الذي فيه تمترون] " فهذا من هذا، كأنه قال: قول الحق.
٥٠٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ أنه نهى عن التبقر في الأهل [٣٣٦] والمال.
стр. 1420
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه "حجاج"، عن "شعبة"، عن "أبي التياح"، عن رجلٍ من طيئ، عن "ابن مسعودٍ"، عن النبي ﷺ وتفسيره في الحديث أن "ابن مسعود" رواه عن النبي ﷺ ثم قال: "فكيف بمالٍ براذان ومالٍ بكذا، ومالٍ بكذا، يُريد الكثرة والسعة.
قال الأصمعي: هو من هذا، وأصل التبقر: التوسع والتفتح.
стр. 1421
قال: ومنه قيل: بقرت بطنه إنما هو شققته وفتحته.
قال أبو عبيد: ومن هذا حديث "أبي موسى" حين أقبلت الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفان [﵁] فقال: "إن هذه الفتنة باقرةٌ كداء البطن لا يُدرى أنى يؤتى له".
إنما أراد أنها مفسدة للدين، ومفرقةٌ بين الناس، ومشتتةٌ أمورهم. وكذلك معنى الحديث الأول أنه إنما أراد النهي عن تفرق الأموال في البلاد فيتفرق القلب لذلك.
٥٠٩ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ : "إن أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر".
стр. 1422
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنيه "يحيى بن سعيدٍ"، و"محمد بن عمر الواقدي"، عن "ثور بن يزيد"، عن "راشد بن مسعد".
قال يحيى: عن عبد الله بن لحىٍ.
وقال محمد: عن "عبد الله بن لحىً"، عن "عبد الله بن قُرطٍ"، عن النبي ﷺ قال أبو عبيد: هو عندنا لحىٌ- بالفتح- إلا أن تريد التصغير، فتقول: لحىٌ.
وقوله: "يوم القر" يعني الغد من يوم النحر، وإنما سُمي
стр. 1423
يوم القرِّ؛ لأن أهل الموسم يوم التروية وعرفة والنحر في تعب من الحج فإذا كان الغد من يوم النحر قروا بمنىً، فلهذا سُمي يوم القر، وهو معروفٌ من كلام أهل الحجاز.
قال أبو عبيد: وسألت عنه أبا عبيدة وأبا عمرو فلم يعراه، ولا الأصمعي فيما أعلم.
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ أُتي ببدناتٍ [٣٣٧] خمسٍ أو ستٍ، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت لجنوبها، قال عبد الله بن قُرط: فتكلم رسول الله ﷺ بكلمة خفيةُ لم أفهمها أو قال: لم أفقهها، فسألت الذي يليه، فقال: قال: من شاء فليقتطع.
أما قوله: "يزدلفن إليه" فإنه من التقدم، وقال الله
стр. 1424
[ ]: "وأزلفنا ثم الآخرين".
وفي هذا الحديث من الفقه أنه رخص في النهبة إذا كانت بإذن صاحبها وطيب نفسه؛ ألا تسمع إلى قوله: "من شاء فليقتطع" ففي هذا ما يبين لك أنه لا بأس بنهبة السكر في الأعراس، وقد كرهه عدةٌ من الفقهاء، وفي هذا رخصةٌ بينةٌ.
٥١٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ أنه سئل عن بعيرٍ شرد، فرماه بعضهم بسهم حبسه الله به عليه، فقال النبي ﷺ : "إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها، فاصنعوا به هكذا".
стр. 1425
قال أبو عبيد: حدثنيه "المبارك بن سعيدٍ"، عن أبيه، عن "عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج"، عن جده "رافع بن خديج"، عن النبي ﷺ .
قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما دخل كلامُ بعضهم في بعض
стр. 1426
قالوا: قوله: "أوابد كأوابد الوحش" يعني بالأوابد: التي قد توحشت ونفرت من الإنس يقال منه: قد أبدت تأبُدُ وتأبِدُ أبوداً، وتأبدت تأبداً.
ومنه قيل للدار إذا خلا منها أهلها، وخلفتهم الوحش بها: تأبدت، قال "لبيد":
عفت الديار محلها فمقامها ... بمنىً تأبد غولها فرجامها
وفي هذا الحديث أنه قيل: يا رسول الله إنا نلقى العدو غداً، وليست لنا مُدىً، فبأي شيءٍ نذبح؟ فقال: "أنهروا الدم بما شئتم إلا الظفر والسن، فأما السن فعظمٌ وأما الظفر فمدى الحبش"
стр. 1427
وقال بعض الناس [٣٣٥] في هذا: يعني السن المركبة في فم الإنسان، والظفر المركب في أصبعه ليس بمنزوعٍ؛ لأنه إذا ذبح بذلك فهو خنقٌ.
واحتج فيه بقول "ابن عباس" [﵁] في الذي ذبح بظفريه "إنه إنما قتلها خنقاً".
قال أبو عبيد: ومع هذا أنه ليس يمكن الذبح بالظفر والسن المنزوعين لصغرهما.
وقال بعض الناس: لا بل المعنى في النهي واقعٌ على كل ذابح
стр. 1428
بسنٍ أو ظُفرٍ منزوع أو غير منزوع؛ لأن الحديث مبهمٌ - والله أعلم- وفي حديث آخر أن "عدي بن حاتم" سأل النبي ﷺ فقال: إنا نصيد الصيد؛ فلا نجد ما نُذكي به إلا الظرار، وشقة العصا؟ فقال: "أمر الدم بما شئت".
قال الأصمعي: الظرار: واحدها ظررٌ، وهو حجرٌ محددٌ، وجمعه: ظرارٌ وظرانٌ، قال "لبيدٌ" يصف الناقة أنها تنفي الحصى بخفها:
بجسرةٍ تنجل الظران ناجيةٍ ... إذا توقد في الديمومة الظرر
стр. 1429
[قوله]: تنجلُ: تدفع، وكل شيءٍ رميت به، فقد نجلته، قال حسان [بن ثابت]:
نجلت به بيضاء آنسةٍ ... من عبد شمسٍ صلبة الخدم
وقوله: "أمر الدم بما شئت" يقول: سيله واستخرجه، ومنه قيل: مريتُ الناقة فأنا أمريها مرياً: إذا مسحت ضرعها؛ لينزل اللبن.
ومنه حديث "ابن عباس" [﵄] أنه سئل عن الذبيحة بالعود فقال: "كل ما أفرى الأوداج غير مثرد.
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه "ابن عُلية"، عن "أيوب"، عن "عِكرمة"، عن "ابن عباسٍ".
قوله: ما أفرى الأوادج، يعني ما شقَّها وأسال منها الدم.
стр. 1430
يقال: أفريتُ الثوب - بالألف - وأفريت الجلة: إذا شققتها فأخرجت منها ما فيها.
فإذا قُلت: فريت - بغير ألفٍ- فإن معناه أن تقدر الشيء وتعالجه وتصلحه مثل النعل تحذوها، أو النطع أو القربة ونحو ذلك.
يقال منه: فريتُ أفرى فرياً، ومنه قول "زهير":
ولأنت تفرى ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لا يفرى [٣٣٩]
وكذلك فريت الأرض: أي سرتها وقطعتها.
وأما الأول بالألف أفريت أفرى إفراءً، فإنه من التشقيق على وجه الفساد.
وقوله: "غير مثردٍ".
стр. 1431
قال أبو زياد الكلابي في المثرد: الذي يقتل بغير ذكاةٍ.
يقال: قد ثردت ذبيحتك إذا قتلتها من غير أن تُفرى الأوداج وتُسيل الدم.
وأما الحديث المرفوع في الذبيحة بالمروة، فإن المروة حجارةٌ بيضٌ، وهي التي تُقدح منها النار.
قالها الأصمعي وغيره.
٥١١ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ أنه سمع "عمر" يحلف بأبيه فنهاه عن ذلك.
قال: "فما حلفت بها ذاكراً ولا آثراً".
стр. 1432
قال: أما قوله: ذاكراً، فليس هو من الذكر بعد النسيان، إنما أراد متكلماً به [بعدُ] كقولك: ذكرتُ لفلانٍ حديث كذا وكذا.
وقوله: "آثراً" يريد: ولا مُخبراً عن غيري أنه حلف به يقول: لا أقول: إن فلاناً قال: وأبي لا أفعل كذا وكذا.
ومن هذا قيل: حديثٌ مأثورٌ، أي يخبر به الناس بعضهم بعضاً.
يُقال منه: أثرت الحديث فأنا آثره أثراً، فهو مأثورٌ وأنا آثرٌ على مثال فاعل، قال الأعشى:
إن الذي فيه تماريتما ... بُيِّن للسامع والآثر
стр. 1433
[يُروى: بيَّن وبُيِّن].
ومنه حديث ابن عمر حين سأل سلمة بن الأزرق، وحدثه سلمة بحديثٍ عن أبي هريرة، عن النبي- ﷺ في الرخصة في البكاء على الميت، فقال له ابن عمر أأنت سمعت هذا من أبي هريرة؟
قال: نعم.
قال: وبأثره عن رسول الله ﷺ ؟
قال: نعم.
قال: فالله ورسوله أعلم.
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفر"، عن "محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي"، عن "محمد بن عمرو بن عطاء" عن "ابن عمر".
стр. 1434
قال أبو عبيد: محمد بن عمرو بن عطاء هو من بني عامر بن لؤي.
قال أبو عبيد: ويقال [٣٤٠] إن المأثرة مفعلة من هذا، وهي المكرمة وإنما أُخذت من هذا، أي إنها يأثرها قرنٌ عن قرنٍ يتحدثون بها.
٥١٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ أن رجلاً قال له: يا رسول الله! إنا قومٌ نتساءل أموالنا [بيننا] فقال: "يسأل الرجل في الجائحة والفتق، فإذا استغنى أو كرب استعف".
стр. 1435
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه "محمد بن أبي عدي"، "ويزيد بن هارون" عن "بهز بن حكيم"، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ .
أما قوله: "استغنى أو كرب" يقول: أودنا من ذلك وقرُب منه، وكل دان قريبٍ فهو كاربٌ، قال الشاعر، وأراه لعبد القيس "بن خفاف البرجمي":
أبُني إن أباك كارب يومه ... فإذا دُعيت إلى المكارم فاعجل
وأما قوله: "في الجائحة" فإنها المصيبة تحل بالرجل في ماله فتجتاحه كله.
وأما "الفتق" فالحرب تكون بين الفريقين، فتقع بينهما
стр. 1436
الدماء والجراحات فيتحملها رجلٌ ليصلح بذلك بينهم، ويحقن دماءهم فيسأل فيها حتى يؤديها إليهم.
ومما يبين ذلك حديثه الآخر:
حدثنا أبو عبيد قال: حدثناه "ابن عُلية" عن "أيوب"، عن "هارون بن رياب"، عن "كنانة بن نعيم"، عن "قبيصة بن المخارق" عن النبي ﷺ قال: "إن المسألة لا تحل إلا لثلاثةٍ:
رجلٍ تحمل بحمالةٍ بين قوم، ورجلٍ أصابته جائحةٌ فاجتاحت ماله، فيسأل حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيشٍ.
ورجلٍ أصابته فاقةٌ حتى يشهد له ثلاثةٌ من ذوي الحي من قومه أن قد أصابته فاقةٌ، وأن قد حلت له المسألة.
وما سوى ذلك من المسائل سُحتٌ".
стр. 1437
أما قوله: رجل تحمل بحمالة، ورجل أصابته جائحة فعلى ما فسرت لك.
وأما الفاقة: فالفقر.
وقوله: سدادٌ من عيشٍ، فهو بكسر السين، وكل شيءٍ سددت به خللاً فهو سدادٌ، ولهذا سُمي سداد القارورة، وهو صمامها؛ لأنه يسد رأسها، ومنه سداد [٣٤١] الثغر إذا سُد بالخيل والرجال.
قال الشاعر، وهو العرجي واسمه "عبد الله بن عمرو بن عثمان" وإنما سُمي العرجي؛ لأنه كان ينزل موضعاً يقال له: العرج [بناحية الطائف ليس بالمنزل الذي يُسمى العرج بين المدينة ومكة]:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغر
стр. 1438
وأما السداد -بالفتح- فإنما معناه الإصابة في المنطق أن يكون الرجل مسددا.
يقال منه: إنه لذو سداد في منطقة وتدبيره، وكذلك الرمى، فهذا ما [جاء] في الحديث من العربية.
وأما ما فيه من الفقه، فإنه أخبرك بمن تحل له المسألة، فخص هؤلاء الأصناف الثلاثة، ثم حظر المسألة على سائر الخلق.
وأما حديث "ابن عمر": "إن المسألة لا تحل إلا من فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو دم موجع" فإن هذه الخلال الثلاث هي تلك التي في حديث "أيوب"، عن "هارون بن رياب"، عن النبي ﷺ بأعيانها إلا أن الألفاظ اختلفت فيهما، فلا أرى المسألة تحل في هذا الحديث أيضا إلا لأولئك الثلاثة بأعيانهم.
стр. 1439
٥١٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا هجرا"
حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنيه "حجاج"، عن "المسعودى"، عن النبى ﷺ .
قال الكسائى، وبعضه عن الأصمعى، وعن غيرهما قالوا: الهجر: الإفحاش في المنطق والخنا ونحوه.
стр. 1440
يقال منه: أهجر الرجل يهجر إهجارا، قال الشماخ بن ضرار:
كما جدة الأعراق ابن ضرة ... عليها كلاما جار فيه وأهجرا
[قال أبو عبيد]: الأعراق والأعراض يرويان.
قال أبو عبيد: ومنه حديث أبى سعيد الخدرى.
حدثنا أبو عبيد قال: حدثناه "هشيم" عن "عبد الملك بن أبى سليمان" عن "أبى سعيد مولى أبى سعيد الخدرى" عن "أبى سعيد الخدرى" أنه كان يقول لبنيه: إذا طفتم بالبيت فلا [٣٤٢] تلغوا، ولا تهجروا، ولا تقاضوا أحدا، ولا تكلموه هكذا.
قال هشيم: [ولا] تهجروا.
следующие страницы →