Полный текст (2 371 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه عباد بن عبادٍ، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن محمد بن يحي بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، رفعه.
[قال أبو عبيد]: قال الأصمعي: أما قوله: أتى فينا، فإن الأتى الرجل يكون في القوم ليس منهمن، ولهذا قيل للسيل الذي يأتي من بلدٍ قد مُطر فيه إلى بلدٍ لم يُمطر فيه فذلك السيل أتى، قال العجاج:
سيل أتى مده أتى
يقال منه: أتيت السيل فأنا أؤتيه إذا سهلت سبيله من موضع إلى موضعٍ؛ ليخرج إليه.
وأصل هذا من الغربة، ولهذا قيل: رجلٌ أتاوىٌّ إذ كان غريباً في غير بلاده.
стр. 1472
ومنه حديث عثمان [﵁] حين بعث إلى عبد الله بن سلام رجلين، فقال لهما: قولاً: إنا رجلان أتاويان.
وقد قال بعض أصحاب الحديث في حديث ثابت بن الدحداح. إن عاصم بن عدي قال: إنما هو آتٍ فينا، فجعله من الإتيان، وليس هذا بشيء [٣٥٢] والمحفوظ ما قلت لك: أُتيٍّ، بتشديد الياء.
وفي [هذا] الحديث من الفقه أنه أعطى ميراثه ابن الأخت لما لم يوجد له وارث فورث ابن أخته، لأنه من ذوي الأرحام.
وفيه أنه اكتفى بمسألة رجلٍ واحدٍ عن نسبه، ولم يسأل غيره.
٥٢٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ وذكر فتنةً
стр. 1473
تكون في أقطار الأرض كأنها صياصي بقرٍ".
قوله: صياصي [بقرٍ]: يعني قرونها، وإنما سُميت صياصي، لأنها حصونها التي تحصن بها من عدوها، وكذلك كل من تحصن بشيءٍ فهو له صيصيةً، قال الله : "وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم" يقال في التفسير: إنها حصونهم.
وكذلك يقاللأصبع الطائر الزائدة في باطن رجله: صيصيةٌ، والصيصيةٌ في غير هذا: شوكة الحائك.
стр. 1474
٥٢٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ حين قال لعوف بن مالكٍ: "أمسك ستاً تكون قبل الساعة:
أولهن موت نبيكم ﷺ وكذا وكذا، وموتان يكون في الناس كقعاص الغنم، وهدنةٌ تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون بكم، فتسيرون إليهم في ثمانين غابةٌ تحت كل غابةٍ اثنا عشر ألفاً.
стр. 1475
وبعضهم يقول: غاية".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه هشيم، قال: أخبرنا بعلي بن عطاءٍ عن محمد بن أبي محمد، عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ .
[قال أبو عبيد]: أما قوله: "موتان يقع في الناس" فإن الموتان هو الموت، ويقال: وقع في المال موتانٌ: إذا وقع الموت في الماشي.
стр. 1476
قاله الكسائي. وقال الفراء: وأما الموتان من الأرض، فإنه الذي لم [٣٥٣] يُحي بعد. ومنه الحديث: "موتان الأرض لله [﵎] ولرسوله، فمن أحيا منها شيئاً فهو له".
وأما القعاص، فهو داء يأخذ الغنم لا يلبثها أن تموت، ومنه أخذ الإقعاص في القتل، يقال: رميت الصيد فأقعصته: إذا مات مكانه. وأما الهدنة فالسكون والصلح.
وقوله: "في ثمانين غابةً" من قالها بالباء، فإنه يريد الأجمة شبه كثرة الرماح بها ومن قال: غايةً، فإنه يريد الراية.
قال "لبيد" يذكر ليلة سمرها، فقال:
стр. 1477
قد بت سامرها وغاية تاجرٍ ... وافيت إذ رفعت وعز مدامها
قوله: غاية تاجرٍ، يقول: إن صاحب الخمر كانت له رايةٌ يرفعها ليعرف بها أنه بائع خمرٍ.
ويقال: بل أراد بقوله: غاية تاجر أنها غايةٌ متاعه في الجودة.
وبعضهم يروى الحديث في ثمانين غيابة، وليس هذا بمحفوظٍ، ولا موضع للغياية ها هنا.
٥٢٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ أنه قال: "أنا برئٌ من كل مسلمٍ مع مشركٍ.
قيل: لم يا رسول الله؟
قال: لا تراءى ناراهما".
стр. 1478
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه هشيمٌ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم يرفعه.
قوله: "لا تراءى ناراهما" فيه قولان:
أما أحدهما، فيقول: لا يحل لمسلمٍ أن يسكن بلاد المشركين فيكون منهم بقدر ما يرى كل واحدٍ منهما نار صاحبه. فجعل الرؤية في الحديث للنار ولا رؤية للنار، وإنما معناه أن تدنو هذه من هذه.
стр. 1479
وكان الكسائي يقول: العرب تقول: داري تنظر إلى دار فلانٍ ودورنا تناظر. وتقول: إذا أخذت في طريق كذا وكذا، فنظر إليك الجبل فخذ عن يمينه أو عن يساره فهذا كلام العرب.
وقال الله ﵎ وذكر الأصنام، فقال: "والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون [٣٥٤] وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون" فهذا وجهٌ، وأما الوجه الآخر فيقال: إنه أراد بقوله: "لا تراءى ناراهما" يريد: نار الحرب، قال الله : "كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله" يقول: فناراهما مختلفتان:
стр. 1480
هذه تدعو إلى الله [سبحانه] وهذه تدعو إلى الشيطان، فكيف تتفقان؟ وكيف يساكن المسلم المشركين في بلادهم؟ وهذه حال هؤلاء وهؤلاء؟
ويقال: إن أول هذا [كان] أن قوماً من أهل مكة أسلموا، فكانوا مقيمين بها على إسلامهم قبل فتح "مكة" فقال النبي ﷺ هذه المقالة فيهم، ثم صارت للعامة.
٥٢٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ أنه بعث مصدقاً فقال: لا تأخذ من حزرات أنفس الناس شيئاً. خذ الشارف والبكر وذا العيب".
حدثنا أبو عبيدٍ قال: حدثناه أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه رفعه.
стр. 1481
[قال أبو عبيد]: أما قوله: "من حزرات أنفس الناس" فإن الحزرة خيار المال، قال الشاعر:
الحزرات حزرات النفس
فيقول: لا تأخذ خيار أموالهم، خذ الشارف، وهي: المسنة الهرمة، والبكر، وهو: الصغير من ذكور الإبل، فقال: الشارف والبكر.
وإنما السنة القائمة في الناس ألا يؤخذ في الصدقة إلا ابنة مخاضٍ، أو ابنة لبونٍ، أو حقةٌ، أو جذعة، ليس فيها سن فوق هذه الأربع ولا دونها. وإنما وجه هذا الحديث عندي - والله أعلم- أنه كان في أول الإسلام قبل أن يؤخذ الناس بالشرائع فلما قوي الإسلام واستحكم، جرت الصدقة على مجاريها ووجوهها.
وأما حديث عمر [٣٥٥] [﵁]: "دع الربى والماخض والأكولة".
стр. 1482
فإن الربى: هي القريبة العهد بالولادة، ويقال: هي في ربابها ما بينها وبين خمس عشرة ليلة، وأنشدني الأصمعي لبعض الأعراب:
حنين أم البو في ربابها
وأما الماخض فالتي قد أخذها المخاض لتضع.
والأكولة: هي التي تُسمن للأكل ليست بسائمةٍ.
والذي يروى في الحديث: الأكيلة. وإنما الأكيلة: المأكولة، يقال: هذه أكيلة الأسد والذئب، وأما هذه فإنها الأكولة.
стр. 1483
وأما قول "عمر": "احتسب عليهم بالغذاء" فإنها السخال الصغار، واحدها غذى. قال: وأنشدني الأصمعي، قال: أنشدني أبو عمرو بن العلاء:
لو أنني كنت من عادٍ ومن إرمٍ ... غذى بهم ولقماناً وذا جدن
قال الأصمعي: وأخبرني خلف الأحمر أنه سمع العرب تنشده "غذي بهم" بالتصغير.
قال أبو عبيدٍ: وأما الحديث الآخر أن النبي ﷺ بعث مصدقاً فأتى بشاةٍ شافعٍ، فلم يأخذها، وقال: "ائتني بمعتاطٍ" فإن الشافع التي معها ولدها سميت شافعاً؛ لأن ولدها شفعها، أو شفعته
стр. 1484
هي، والشفع: الزوج، والوتر: الفرد.
وأما المعتاط فالتي ضربها الفحل، فلم تحمل، يقال منه: هي معتاطٌ وعائطٌ وحائلٌ، وجمع العائط عوطٌ، وجمع الحائل حول.
قال أبو عبيد: وسمعت الكسائي يقول: جمع العائط عوط وعوطط، وجمع الحائلحول وحولل. قال: وبعضهم يجعل حوللاً مصدراً، ولا يجعله جمعاً وكذلك عوطط.
٥٣٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ : "تنكح المرأة لميسمها [٣٥٦]، ولمالها، ولحسبها، عليك بذات الدين تربت يداك".
стр. 1485
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه ابن علية، عن عبيد الله بن العيزار، عن طلق بن حبيب رفعه.
[قال أبو عبيد]: أما قوله "لميسمها" فإنه الحسن، وهو الوسامة ومنه قيل: رجلٌ وسيمٌ وامرأةٌ وسيمةٌ.
وأما قوله: "تربت يداك" فإن أصله أن يقال للرجل إذا قل ماله: قد ترب، أي: افتقر، حتى لصق بالتراب، وقال الله ﵎: (أو مسكيناً ذا متربة) فيرون- والله أعلم- أن النبي ﷺ لم يتعمد الدعاء عليه بالفقر، ولكن هذه كلمة جارية على ألسنة العرب يقولونها وهم لا يريدون وقوع الأمر.
стр. 1486
وهذا كقوله [ ﷺ ] لصفية بنت حيي حين قيل له يوم النفر: إنها حائض. فقال: عقري حلقي ما أراها إلا حابستنا" فأصل هذا معناه: عقرها الله وحلقها. فقوله: عقرها يعني عقر جسدها، وحلقها أي أصابها الله بوجعٍ في حلقها. هذا كما تقول: قد رأس فلان فلاناً: إذا ضرب رأسه، وصدره: إذا أصاب صدره، وكذلك حلقه: إذا أصاب حلقه.
قال أبو عبيد: إنما هو عندي عقراً حلقاً. قال: وأصحاب الحديث يقولون: عقري حلقي وقال بعض الناس: بل أراد النبي ﷺ -
стр. 1487
بقوله: "تربت يداك" نزول الأمر به عقوبةً لتعديه ذوات الدين إلى ذوات المال والجمال. واحتج بقوله ﷺ : "اللهم إنما أنا بشرٌ، فمن دعوت عليه بدعوةٍ، فاجعل دعوتي عليه رحمةٌ له". والقول الأول أعجب إليَّ وأشبه بكلام العرب، ألا تراهم يقولون: لا أرض لك ولا أم لك، وهم قد يعلمون أن له أرضاً وأما، وزعم بعض العلماء أن قولهم: لا أباً لك ولا أب لك: مدحٌ، ولا أم لك: ذم.
قال أبو عبيد: وقد وجدنا قوله لا أم لك قد وضع في موضع المدح أيضاً قال كعب بن سعد الغنوي يرثى أخاه:
هوت أمه ما يبعث الصبح غادياً ... وماذا يؤدي الليل حين يؤوب [٣٥٧]
стр. 1488
وقد قال بعض الناس: إن قوله: تربت يداك، يريد به استغنت يداك من الغنى. وهذا خطأ لا يجوز في الكلام. إنما ذهب إلى المترب وهو الغني فغلط، ولو أراد هذا لقال: أتربت يداك؛ لأنه يقال: أترب الرجل: إذا كثر ماله، فهو متربٌ. وإذا أرادوا الفقر، قالوا: ترب بتربُ.
٥٣١ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ أن امرأة توفى عنها زوجها، فاشتكت عينها فأرادوا أن يداووها، فسئل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها في بيتها إلى الحول، فإذا كان الحول فمر كلب رمته ببعرةٍ، ثم خرجت أفلا أربعة أشهرٍ وعشراً"؟
стр. 1489
[قال أبو عبيد]: أما قوله: "مر كلبٌ رمته ببعرةٍ" يعني أنها كانت في الجاهلية تعتد سنةٌ على زوجها لا تخرج من بيتها، ثم تفعل ذلك في رأس الحول، لترى الناس أن إقامتها حولاً بعد زوجها أهون عليها من بعرةٍ يرمى بها كلبٌ وقد ذكروا هذه الإقامة عاماً في أشعارهم، قال بيد يمدح قومه:
وهم ربيعٌ للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها
ونزل بذلك القرآن في أول الإسلام قوله [تعالى]: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصيةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراجٍ).
ثم نُسخ ذلك بقوله: [سبحانه]: (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً).
стр. 1490
فقال النبي ﷺ كيف لا تصبر إحداكن قدر هذا، وقد كانت تصبر حولاً؟
وهذا الحديث حدثناه يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاري، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها، عن النبي ﷺ بهذا [٣٥٨] أو ببعضه.
٥٣٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ في [ابن] الملاعنة قال: "إن جاءت به أصيهب أثيبج حمش الساقين فهو لزوجها وإن جاءت به أورق جعداً جمالياً خدلج سابغ الأليتين، فهو للذي رميت به".
стр. 1491
حدثنا أبو عبيد قال: سمعت يزيد بن هارون يحدثه عن عباد بن منصورٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ .
[قال أبو عبيد]: أما قوله: أصيهب فهو تصغير أصهب، والأثيبج تصغير أثبج، وهو الناتئ الثبج، والثبج ما بين الكاهل ووسط الظهر، وهو من كل شيء وسطه وأعلاه.
والحمش: الدقيق الساقين.
والأورق: الذي لونه [ما] بين السواد والغبرة، ومنه قيل للرماد: أورق وللحمامة ورقاء، وإنما وصفه بالأدمة.
وأما الخدلج فالعظيم الساقين.
وأما قوله: الجمالى، فإنهم يروونها هكذا بفتح الجيم، يذهبون بها
стр. 1492
إلى الجمال، وليس هذا من الجمال في شيء، ولو أراد ذاك لقال جميل ولكنه جمالى بضم الجيم، يعني أنه عظيم الخلق، شبه خلقه بخلق الجمل، ولهذا قيل للناقة: جمالية؛ لأنها تشبه بالفحل من الإبل في عظم الخلق، قال "الأعشى" يصف ناقةٌ:
جمالية تغتلي بالرداف ... إذا كذب الآثمات الهجيرا
وفي هذا الحديث من الفقه أنه لاعن بين المرأة وزوجها وهي حاملٌ، وقد كان بعض الفقهاء لا يرى اللعان بالحمل حتى تضع، فإن انتفى منه حينئذٍ لاعن، يذهب إلا أنه لا يدري لعل ذلك ليس بحملٍ، يقول: لعله من ريحٍ، وهذا رأى أبي حنيفة.
وأما حديث النبي ﷺ [٣٥٩] فإنما لاعن بينهما؛ لأنه قذفها قذفاً بالزنا، ولم يذكر حملاً، فلهذا أوقع اللعان.
٥٣٣ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ أنه قال: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، ثم ذكرت أن فارس والروم يفعلونه فلا
стр. 1493
يضرهم".
قال أبو عبيد: بلغني هذا الحديث عن مالك بن أنس، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن جذامة بنت وهب، عن النبي ﷺ قال أبو عبيدة، واليزيدي، وأظن الأصمعي، وغيرهم: قوله: الغيلة هو الغيل، وذلك أن يجامع الرجل المرأة وهي تُرضع.
يقال منه: قد أغال الرجل وأغيل، والولد مغالٌ، ومغيلٌ.
[قال أبو عبيد]: وأنشدني الأصمعي بيت امرئ القيس:
стр. 1494
فمثلك حُبلى قد طرقت ومرضعٍ ... فألهيتها عن ذي تمائم مغيل
هكذا روايته، وغيره يقول: "محول".
ومنه الحديث الآخر: "لا تقتلوا أولادكم سراً، إنه ليدرك الفارس فيدعثره".
يقول: يهدمه ويطحطحه بعدما قد صار رجلاً قد ركب الخيل، قال ذو الرمة يصف المنازل أنها قد تهدمت وتغيرت، فقال:
آربها والمنتأى المدعثرا
يعني بالمنتأى النؤى، وهو الحفير يُحفر حول الخباء للمطر، والمدعثر: المهدوم.
стр. 1495
والعرب تقول في الرجل تمدحه: ما حملته أمه وضعاً، ولا أرضعته غيلاً ولا وضعته يتناً، ولا أباتته مئقاً.
قوله: حملته وضعاً: يريد ما حملته على حيضٍ، وبعضهم يقول: تضعاً.
وقوله ولا أرضعته غيلاً يعني أن توطأ وهي تُرضع. وقوله: ولا وضعته بتناً يعني أن تخرج رجلاه قبل يديه في الولادة، يقال منه: قد أيتنت المرأة فهي موتن، والولد موتن.
وقوله: ولا أباتته مئقاً، وبعضهم يقول: ولا أباتته على مأقةٍ، فإنه شدة البكاء.
٥٣٤ - وقال أبو عبيد [٣٦٠] في حديث النبي ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم لا يقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده".
стр. 1496
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن عن قيس بن عبادٍ، عن علي [كرم الله وجهه] عن النبي ﷺ .
[قال أبو عبيد]: أما قوله: تتكافأ دماؤهم، فإنه يُريد تتساوى في القصاص والديات، فليس لشريفٍ على وضيعٍ فضلٌ في ذلك.
ومن هذا قيل: في العقيقة عن الغلام شاتان مكافئتان، قال: والمحدثون يقولون: شاتان مكافأتان- يقول: متساويتان، وكل شيء ساوى شيئاً حتى يكون مثله فهو مكافئ [له]، والمكافأة بين الناس من هذا.
стр. 1497
يقال: كافأت الرجل، أي فعلت به مثل ما فعل بي، ومنه الكفء من الرجال للمرأة- كفءٌ وكفئٌ-. يقال: إنه مثلها في حسبها، قال الله [﵎]: (ولم يكن له كفواً أحد).
وأما قوله: يسعى بذمتهم أدناهم: فإن الذمة الأمان، يقول: إذا أعطى الرجل منهم العدو أماناً جاز ذلك على جميع المسلمين ليس لهم أن يخفروه كما أجاز عمر [﵁] أمان عبدٍ على جميع أهل العسكر، وكان "أبو حنيفة" لا يجيز أمان العبد إلا بإذن مولاه.
وأما حديث عمر [﵁] فليس فيه ذكر مولى.
ومنه قول سلمان الفارسي [﵁] "ذمة المسلمين واحدة" والذمة هي الأمان. ولهذا قيل للمعاهد: ذميٌّ؛ لأنه قد أعطي الأمان على ماله ودمه؛ للجزية التي تؤخذ منه.
стр. 1498
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنا هشيمٌ، عن محمد بن قيس، عن الشعبي قال: لم يكن لأهل السواد عهدٌ، فلما أخذت منهم الجزية صار لهم عهدٌ، أو قال: ذمةٌ. الشك من أبي عبيدٍ.
وأما قوله: "يرد عليهم أقصاهم" فإن هذا في الغزو إذا دخل العسكر أرض الحرب، فوجه الإمام منه السرايا، فما غنمت من شيءٍ. جعل لها ما سمي لها، ورد ما بقي على أهل العسكر؛ لأنهم وإن لم يشهدوا الغنيمة ردءً للسرايا.
وأما قوله: "وهم يدٌ على من سواهم": فإنه يقول: إن [٣٦١] المسلمين جميعاً كلمتهم ونصرتهم واحدةٌ على جميع الملل المحاربة لهم يتعاونون على ذلك ويتناصرون ولا يخذل بعضهم بعضاً.
وأما قوله: "لا يقتل مؤمن بكافرٍ" فقد تكلم الناس في معنى هذا قديماً، فقال بعضهم: لا يقتل مؤمن بكافرٍ كان قتله في الجاهلية، وقالوا فيه غير هذا [أيضاً].
стр. 1499
قال أبو عبيد: وأما أنا فليس له عندي وجهٌ ولا معنى إلا أنه لا يقاد مؤمن بذمي، وإن قتله عمداً، ولكن تكون عليه الدية كاملة في ماله. وأما رأي "أبي حنيفة" وجميع أصحابه، فإنهم يرون أن يقاد به لحديثٍ يروى عن "عبد الرحمن بن البيلماني".
قال أبو عبيد: سمعت ابن أبي يحيى يحدثه عن ابن المنكدر، [عن عبد الرحمن]. قال أبو عبيد: وسمعت "أبا يوسف" يحدثه عن ربيعة الرأي كلاهما عن ابن البيلماني".
ثم بلغني عن ابن أبي يحيى أنه قال: أنا حدثت ربيعة [الرأي] بهذا الحديث إنما دار الحديث على ابن يحيى، عن ابن المنكدر، عن عبد الرحمن
стр. 1500
ابن البيلماني أن النبي ﷺ أقاد معاهداً من مسلمٍ، وقال: "أنا أحق من وفى بذمته".
[قال أبو عبيد]: وهذا حديث ليس بمسندٍ، ولا يجعل مثله إماماً يُسفك به دماء المسلمين:
قال أبو عبيد: وقد أخبرني عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الواحد بن زيادٍ.
قال: قلت لزفر: إنكم تقولون: إنا ندرأ الحدود بالشبهات، وإنكم جئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها.
قال: وما هو؟
قلت: المسلم يقتل بالكافر.
قال: فاشهد أنت على رجوعي عن هذا.
قال أبو عبيد: وكذلك قول أهل الحجاز لا يقيدونه به.
وأما قوله: "ولا ذو عهدٍ في عهده": فإن ذا العهد: الرجل من أهل الحرب
стр. 1501
يدخل إلينا بأمانٍ، فقتله محرم على المسلمين حتى يرجع إلى مأمنه، وأصل هذا من قول الله - سبحانه-: "وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه" فذلك قوله: "في عهده"، يعني: حتى يبلغ المأمن، أو الوقت الذي يوقته له، ثم لا عهد له.
قال أبو عبيد: وحدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمرٍ، عن زياد بن مسلم، أن رجلاً من أهل الهند قدم "عدن" بأمانٍ، فقتله رجلٌ بأخيه، فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب أن يؤخذ منه خمسمائة دينارٍ، ويبعث بها إلى ورثة المقتول، وأمر بالقاتل أن يحبس.
قال أبو عبيد: وهكذا كان رأي "عمر بن عبد العزيز [﵀]
كان يرى دية المعاهد نصف دية المسلم، فأنزل ذلك الذي دخل بأمان منزلة الذمي، المقيم مع المسلمين، ولم ير على قاتله قوداً، ولكن عقوبة لقول النبي ﷺ لا يقتل مسلم بكافرٍ".
стр. 1502
٥٣٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ : "أنه نهى عن الإرفاه".
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه ابن علية، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، قال ابن علية، قال الجريري: هو كثرة التدهن.
قال أبو عبيد: وأصل هذا من ورد الإبل، وأنها إذا وردت كل يوم متى
стр. 1503
[ما] شاءت، قيل: وردت رفهاً، قال ذلك الأصمعي.
ويُقال: قد أرفه القوم: إذا فعلت إبلهم ذلك، فهم مرفهون، فشبه كثرة التدهن وإدامته به، وقال "لبيد" - يذكر نخلاً ثابتةٌ على الماء-:
يشربن رفهاً عراكاً غير صادرةٍ ... فكلها كارعٌ في الماء مغتمر
٥٣٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ "أنه كان جالساً القرفصاء".
стр. 1504
قال أبو عبيد: وهذا حديثٌ يروى عن عبد الله بن حسان، عن جدتيه عن "قيلة" عن النبي ﷺ .
قال أبو عبيدة: قوله: "القرفصاء" يعني أن يقعد الرجل قعدة المحتبى، ثم يحتبى بيديه يضعهما على ساقيه.
وأما الإقعاء- الذي جاء فيه النهي عن النبي ﷺ أن يُفعل في الصلاة- فقد اختلف الناس فيه.
فقال أبو عبيدة: هو أن يُلصق اليتيه بالأرض، وبنصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض.
وأما تفسير الفقهاء، فهو أن يضع اليتيه على عقبيه بين السجدتين شبيهٌ بما يُروى عن العبادلة: عبد الله بن عباسٍ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير
стр. 1505
[﵃].
قال أبو عبيدٍ: وقول أبي عبيدة أشبه بكلام العرب، وهو المعروف عندهم. وذلك بيِّن في بعض الحديث أنه نهى أن يُقعى الرجل كما يُقعى السبع، ويقال [٣٦٣] كما يُقعى الكلب، وليس الإقعاء في السباع إلا كما قال أبو عبيدة. وقال أبو عبيد: وقد روي عن النبي ﷺ أنه أكل مرةً مقعياً، فكيف يمكن أن يكون فعل هذا وهو واضعٌ أليتيه على عقبيه.
وأما الحديث الآخر: "أنه نهى عن عقب الشيطان في الصلاة" فإنه أن يضع
стр. 1506
[الرجل] أليتيه على عقبيه في الصلاة بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء.
وأما حديث عبد الله بن مسعود "أنه كره أن يسجد الرجل متوركاً أو مضطجعاً" حدثنا أبو عبيد: قال حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله.
[قال أبو عبيد]: قوله: متوركاً: يعني أن يرفع وركيه إذا سجد حتى يُفحش في ذلك.
وقوله: مضجعاً: يعني أن يتضام ويُلصق صدره بالأرض، ويدع التجافي في سجوده.
ولكن يقول بين ذلك:
ويُقال: التورك هو أن يُلصق أليتيه بعقبيه في السجود.
وأما حديث "ابن عمر" [﵀] أنه كان لا يُفرشح رجليه في الصلاة
стр. 1507
ولا يُلصقهما".
حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنيه حجاج، عن ابن جريج، عن نافعٍ، عن ابن عمر. قوله: يفرشح [رجليه]: فالفرشحة: أن يفرج بين رجليه في الصلاة ويباعد إحداهما من الأخرى، فيقول: لا تفعل ذلك، ولا تلصق إحداهما بالأخرى، ولكن بين ذلك.
وأما افتراش السبع- الذي جاء فيه النهي-، فهو: أن يلصق الرجل ذراعيه بالأرض في السجود، فكذلك تفعل السباع.
وأما التفاج: فإنه تفريج ما بين الرجلين.
стр. 1508
ومنه حديث النبي ﷺ أنه كان إذا بال تفاج. وفي بعض الحديث: قال بعض الصحابة: حتى نأوي له.
وأما الفشجُ فهو دون التفاج، ومنه: حديث الأعرابي الذي دخل المسجد في عهد النبي ﷺ فلما كان في ناحيةٍ منه فشج فبال.
حدثنا أبو عبيد، قال: وحدثناه يزيد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وبعضهم يرويه: "فشج" بتشديد الشين.
стр. 1509
٥٣٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث [٣٦٤] النبي ﷺ حين أمر عامر بن ربيعة، وكان رأي سهل بن حنيفٍ يغتسل فعانه".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنيه حجاج: عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حنيفٍ يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم [قط] ولا جلد مخبأةٍ، فلبط به حتى ما يعقل
стр. 1510
من شدة الوجع، فقال رسول الله ﷺ : "أتتهمون أحداً؟ قالوا: نعم. عامر بن ربيعة، وأخبروه بقوله، فأمر رسول الله ﷺ أن يغسل له. ففعل، فراح مع الركب".
قال: قال الزهري: يؤتي الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه، فيمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على كفه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على كفه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على قدمه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبةٌ واحدةٌ.
قال أبو عبيدٍ: قوله: فلُبط به، يقول: صُرع.
يقال: لُبط بالرجل يُلبط لبطاً: إذا سقط.
ومنه حديث النبي ﷺ : "أنه خرج وقريش ملبوطٌ
следующие страницы →