Полный текст (2 371 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
[الرجل] أليتيه على عقبيه في الصلاة بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء.
وأما حديث عبد الله بن مسعود "أنه كره أن يسجد الرجل متوركاً أو مضطجعاً" حدثنا أبو عبيد: قال حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله.
[قال أبو عبيد]: قوله: متوركاً: يعني أن يرفع وركيه إذا سجد حتى يُفحش في ذلك.
وقوله: مضجعاً: يعني أن يتضام ويُلصق صدره بالأرض، ويدع التجافي في سجوده.
ولكن يقول بين ذلك:
ويُقال: التورك هو أن يُلصق أليتيه بعقبيه في السجود.
وأما حديث "ابن عمر" [﵀] أنه كان لا يُفرشح رجليه في الصلاة
стр. 1507
ولا يُلصقهما".
حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنيه حجاج، عن ابن جريج، عن نافعٍ، عن ابن عمر. قوله: يفرشح [رجليه]: فالفرشحة: أن يفرج بين رجليه في الصلاة ويباعد إحداهما من الأخرى، فيقول: لا تفعل ذلك، ولا تلصق إحداهما بالأخرى، ولكن بين ذلك.
وأما افتراش السبع- الذي جاء فيه النهي-، فهو: أن يلصق الرجل ذراعيه بالأرض في السجود، فكذلك تفعل السباع.
وأما التفاج: فإنه تفريج ما بين الرجلين.
стр. 1508
ومنه حديث النبي ﷺ أنه كان إذا بال تفاج. وفي بعض الحديث: قال بعض الصحابة: حتى نأوي له.
وأما الفشجُ فهو دون التفاج، ومنه: حديث الأعرابي الذي دخل المسجد في عهد النبي ﷺ فلما كان في ناحيةٍ منه فشج فبال.
حدثنا أبو عبيد، قال: وحدثناه يزيد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وبعضهم يرويه: "فشج" بتشديد الشين.
стр. 1509
٥٣٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث [٣٦٤] النبي ﷺ حين أمر عامر بن ربيعة، وكان رأي سهل بن حنيفٍ يغتسل فعانه".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنيه حجاج: عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حنيفٍ يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم [قط] ولا جلد مخبأةٍ، فلبط به حتى ما يعقل
стр. 1510
من شدة الوجع، فقال رسول الله ﷺ : "أتتهمون أحداً؟ قالوا: نعم. عامر بن ربيعة، وأخبروه بقوله، فأمر رسول الله ﷺ أن يغسل له. ففعل، فراح مع الركب".
قال: قال الزهري: يؤتي الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه، فيمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على كفه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على كفه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على قدمه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبةٌ واحدةٌ.
قال أبو عبيدٍ: قوله: فلُبط به، يقول: صُرع.
يقال: لُبط بالرجل يُلبط لبطاً: إذا سقط.
ومنه حديث النبي ﷺ : "أنه خرج وقريش ملبوطٌ
стр. 1511
بهم" يعني أنهم سقوطٌ بين يديه.
[قال]: وفي هذا لغةٌ أخرى ليست في الحديث، يقال: لبج به بمعنى لُبط به سواء.
وقوله: فأمره رسول الله ﷺ أن يغسل له، فقد كان بعض الناس يغلط فيه، يظن أن الذي أصابته العين هو الذي يغسلُ، وإنما هو كما فسره الزهري، يغسل العائن هذه المواضع من جسده، ثم يصبه المعين على نفسه أو يصب عليه.
[قال أبو عبيد]: ومما يبين ذلك حديث سعد بن أبي وقاص- ﵁ حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه إبراهيم بن سعد، عن أبيه سعد بن إبراهيم، أن سعد بن أبي وقاصٍ ركب يوماً فنظرت إليه امرأةٌ
стр. 1512
فقالت: إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين"، فرجع إلى منزله، فسقط فبلغه ما قالت المرأة، فأرسل إليها فغسلت له.
[قال أبو عبيد]: وأما قوله: ويغسل داخلة إزاره، فقد اختلف الناس في معناه، فكان [٣٦٥] بعضهم يذهب وهمه إلى المذاكير، وبعضهم إلى الأفخاذ والورك. وليس هو عندي من هذا في شيءٍ.
إنما أراد بداخلة إزاره طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده، وهو يلي الجانب الأيمن من الرجل؛ لأن المؤتزر إنما يبدأ إذا ائتزر بجانبه الأيمن، فذلك الطرف يباشر جسده، فهو الذي يُغسل.
قال: ولا أعلمه إلا وقد جاء مفسراً في بعض الحديث هكذا.
٥٣٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ : "لا يغلق الرهن".
стр. 1513
حدثنا أبو عبيدٍ: قال حدثنيه ابن مهدي، عن مالك بن أنسٍ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب.
وعن إسرائيل، عن إبراهيم بن عامرٍ القرشي، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، يرفعانه إلى النبي ﷺ .
[قال أبو عبيد]: قوله: "لا يغلق الرهن" قد جاء تفسيره عن غير واحد من الفقهاء. حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم في رجلٍ دفع إلى رجل رهناً، وأخذ منه دراهم، فقال الرجل: إن جئتك بحقك إلى كذا وكذا، وإلا فالرهن لك بحقك.
فقال إبراهيم: لا يغلق الرهن.
стр. 1514
قال أبو عبيد: فجعله جواباً لمسألته.
وقد رُوي عن طاوس نحو هذا. بلغني ذلك عن ابن عيينة، عن عمروٍ، عن طاوس.
قال أبو عبيد: وأخبرني ابن مهدي، عن مالك بن أنسٍ، وسفيان بن سعيدٍ أنهما كانا يفسرانه على هذا التفسير.
وقد ذهب بمعنى هذا الحديث بعض الناس إلى تضييع الرهن، يقول: إذا ضاع الرهن عند المرتهن فإنه يرجع على صاحبه، فيأخذ منه الدين، وليس يضره تضييع الرهن.
وهذا مذهبٌ ليس عليه أهل العلم، ولا يجوز في كلام العرب أن يقال [للرهن] إذا ضاع: فقد غلق، إنما يقال: [قد] غلق إذا استحقه المرتهن فذهب به، وهذا كان من فعل أهل الجاهلية، فرده رسول الله ﷺ وأبطله بقوله: "لا يغلق الرهن".
стр. 1515
وقد ذكر بعض الشعراء ذلك في شعره، قال "زهيرٌ" يذكر امرأة [٣٦٦]:
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
يعني أنها [قد] ارتهنت قلبه، فذهبت به، فأي تضييع ها هنا.
وأما الحديث الآخر في الرهن: "له غنمه، وعليه غرمه".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنيه كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب يرفعه أنه قال ذلك.
[قال أبو عبيد]: وهذا أيضاً معناه معنى الأول لا يفترقان.
يقول: يرجع الرهن إلى ربه، فيكون غنمه له، ويرجع رب الحق عليه بحقه، فيكون غرمه عليه، ويكون شرطهما الذي اشترطا باطلاً.
هذا كله معناه إذا كان الرهن قائماً بعينه، ولم يضع، فأما إذا ضاع فحكمه غير هذا.
стр. 1516
٥٣٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ أنه قال: "استحيوا من الله [﵎] ".
ثم قال: الاستحياء من الله [﵎]: ألا تنسوا المقابر والبلى، وألا تنسوا الجوف وما وعى، وألا تنسوا الرأس وما احتوى".
قال أبو عبيد: وهذا حديثٌ يُروى عن مالك بن مغولٍ، عن أبي ربيعة، عن الحسن يرفعه.
[قال أبو عبيدٍ]: قوله: "ألا تنسوا الجوف وما وعى، والرأس وما احتوى" فيه قولان:
стр. 1517
يُقال: أراد بالجوف البطن والفرج، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الآخر: "إن أخوف ما أخاف عليكم الأجوفان".
وكالحديث الذي يُروى عن "جُندب": "من استطاع منكم ألا يجعل في بطنه إلا حلالاً، فإن أول ما يُنتن من الإنسان بطنه".
وقوله: [و] الرأس [وما احتوى] يريد ما فيه من السمع والبصر واللسان، ألا يستعمل ذلك إلا في حله.
وأما القول الآخر يقول: لا تنسوا الجوف وما وعى، يعني القلب وما وعى من معرفة الله [﵎] والعلم بحلاله وحرامه ألا يضيع ذلك. ويريد بالرأس وما احتوى: الدماغ. وإنما خص القلب والدماغ؛ لأنهما مجتمع العقل ومسكنه. ومن ذلك حديث النبي ﷺ : "إن في الجسد
стр. 1518
لمضغةٌ إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت [٣٦٧] فسد بها سائر الجسد، وهي القلب".
٥٤٠ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ : "أنه نهى عن لبستين: اشتمال الصماء، وأن يحتبى الرجل بثوبٍ واحدٍ ليس بين فرجه وبين السماء شيء".
стр. 1519
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثنيه يزيد بن هارون، عن محمد بن عمروٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
[قال أبو عبيد]: قال الأصمعي: اشتمال الصماء عند العرب: أن يشتمل الرجل بثوبه، فيجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانباً، فيخرج منه يده وربما اضطجع فيه على هذه الحالة.
قال أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيءٌ يريد الاحتراس منه، وأن يقيه بيديه، فلا يقدر على ذلك؛ لإدخاله إياهما في ثيابه، فهذا كلام العرب.
وأما تفسير الفقهاء: فإنهم يقولون: هو أن يشتمل بثوبٍ واحدٍ ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه. والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذلك أصح معنى في الكلام، والله أعلم.
стр. 1520
٥٤١ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ أنه قال: "من الاختيال ما يحب الله [﵎] ومنه ما يُبغض الله [﵎]: فأما الاختيال الذي يُبغض الله، فالاختيال في الفخر والرياء، والاختيال الذي يحب الله في قتال العدو والصدقة".
لا أعلمه إلا من حديث ابن عُلية، عن حجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن
стр. 1521
أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن جابر بن عتيكٍ، عن النبي ﷺ .
[قال أبو عبيد]: أما قوله: الاختيال فإن أصله التجبر والكبر، والاحتقار للناس، يقول: فالله [﵎] يُبغض ذلك في الفخر والرياء، ويحبه في الحرب والصدقة.
والخيلاء في الحرب: أن تكون هذه الخلال من التجبر [والكبر] على العدو، فيستهين بقتالهم، وتقل هيبته لهم، فيكون أجرأ له عليهم. ومما يبين ذلك حديث أبي دجانة أن النبي ﷺ رآه في بعض المغازي، وهو يختال في مشيته، فقال:
"إن هذه لمشيةٌ يبغضها الله إلا في هذا الموضع".
وأما الخيلاء في الصدقة: فأن تعلو نفسه وتشرف، فلا تستكثر كثيرها ولا
стр. 1522
يُعطي منها شيئاً إلا وهو له [٣٦٨] مستقلٌ.
وهذا مثل الحديث المرفوع: "إن الله يحب معالي الأمور- أو قال: معالي الأخلاق: شك أبو عبيد- ويبغض سفسافها".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه أبو معاوية، عن حجاج، عن سليمان بن سحيم عن طلحة بن عبيد الله بن كريزٍ يرفعه إلى النبي ﷺ .
فهذا تأويل الخيلاء في الصدقة. والحرب؛ وإنما هو فيما يراد الله [﵎] به من العمل دون الرياء والسمعة.
стр. 1523
٥٤٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ أن أبيض بن حمالٍ المأربي استقطعه الملح الذي بمأربٍ فأقطعه إياه، فلما ولى قال رجلٌ: يا رسول الله! أتدري ما أقطعته؟ إنما أقطعت له الماء العد.
قال فرجعه منه.
قال أبو عبيدٍ: وهذا حديث يروى عن محمد بن يحيى بن قيسٍ المأربي، عن أبيه، عن ثمامة بن شراحيل، عن سُمي بن قيسٍ، عن
стр. 1524
شميرٍ، عن أبيض بن حمالٍ، عن النبي ﷺ .
قال: وسأله أيضاً: "ماذا يحمي من الأراك؟ قال: ما لم تنله أخفاف الإبل".
قال الأصمعي: قوله: الماء العد الدائم الذي لا انقطاع له [قال]:
وهو مثل ماء العين، وماء البئر، وجمع العد أعدادٌ قال ذو الرمة يذكر امرأة انتجعت ماءً عداً؛ وذلك في الصيف إذا نشت مياه الغدر [فقال]:
دعت مية الأعداد واستبدلت بها ... خناطيل آجال من العين خذل
يعني: منازلها التي تركتها، فصارت بها العين.
стр. 1525
وفي هذا الحديث من الفقه أن النبي ﷺ أقطع القطائع وقلما يوجد هذا في حديث مسندٍ.
وفيه: أنه لما قيل له: "إنه ماءٌ عد" ترك إقطاعه، كأنه يذهب [به] ﷺ إلى أن الماء إذا لم يكن في ملك أحدٍ أنه لابن السبيل وأن الناس فيه جميعاً شركاء.
وفيه أنه حكم بشيء، ثم رجع عنه، وهذا حجةٌ للحاكم إذا حكم حكماً، ثم تبين له أن الحق في غيره، أن ينقض حكمه ذلك، ويرجع عنه.
وفيه أيضاً أنه نهى أن يُحمى ما نالته أخفاف الإبل [٣٦٩] من الأراك؛ وذلك أنه مرعى لها، فرآه مباحاً لابن السبيل، وذلك لأنه كلأ، والناس شركاء في الماء والكلأ.
وما لم تنله أخفاف الإبل، كان لمن شاء أن يحميه حماه.
٥٤٣ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ حين أمر بماعز بن مالك أن يُرجم، فلما ذهب به قال ﷺ : "يعمد أحدهم إلى المرأة المغيبة، فيخدعها بالكثبة والشيء لا أوتي بأحدٍ منهم فعل ذلك إلا جعلته نكالاً".
стр. 1526
وهذا حديث يروى عن شعبة، عن سماك بن حربٍ، عن جابر بن سمرة، عن النبي ﷺ .
قال شعبة: فسألت "سماكاً" عن الكثبة، فقال: هو القليل من اللبن.
قال أبو عبيد: وهو كذلك في غير اللبن أيضاً، وكل ما جمعته من طعام أو غيره، بعد أن يكون قليلاً، فهو كثبةٌ، وجمعه كثبٌ، قال ذو الرمة يذكر أرطاة عندها أبعار الصيران [فقال]:
ميلاء من معدن الصيران قاصية ... أبعارهن على أهدافها كُثب
стр. 1527
ويقال منه: كثبتُ الشيء أكثبه كثباً: إذا جمعته، فأنا كاثبٌ، قال أوس ابن حجر:
لأصبح رتماً دقاق الحصى ... مكان النبي من الكاثب
يريد بالنبي: ما نبا من الحصا إذا دُق فندر، والكاثب: الجامع لما ندر منه.
ويقال: النبي والكاثب: موضعان.
٥٤٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ "إياكم والقعود بالصعدات إلا من أدى حقها".
стр. 1528
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه ابن عُلية، عن إسحاق بن سويدٍ العدوى عن يحيى بن يعمر يرفعه.
قوله: الصعدات: يعني الطرق، وهي مأخوذة من الصعيد، والصعيد: التراب، وجمع الصعيد: صُعدٌ، ثم الصعدات جمع الجمع، كما تقول: طريق وطرقٌ، ثم طرقاتٌ [٣٧٠].
قال الله ﵎: (فتيمموا صعيداً طيباً).
فالتيمم في التفسير والكلام: التعمد للشيء.
يقال منه: أممت فلاناً أؤمه أماً، وتأممته، وتيممته، ومعناه كله تعمدته، وقصدت له، قال "الأعشى":
تيممت قيساً وكم دونه ... من الأرض من مهمهٍ ذي شزن
فقوله [سبحانه]: (فتيمموا صعيداً طيباً) هو في المعنى - والله أعلم-
стр. 1529
تعمدوا الصعيد؛ ألا تراه يقول بعد ذلك: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وكثر هذا في الكلام حتى صار التيمم عند الناس هو التمسح نفسه، وهذا كثيرٌ جائزٌ في الكلام أن يكون الشيء، إذا طالت صحبته للشيء سمي به، كقولهم: ذهبت إلى الغائط، وإنما الغائط أصله المطمئن من الأرض.
ومنه الحديث الذي يُروى: "أنه نُهي عن عسب الفحل" وأصل العسب الكراء فصار الضراب عند الناس عسباً، ومثله في الكلام كثيرٌ.
٥٤٥ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي ﷺ أنه قال "توضئوا مما غيرت النار، ولو من ثور أقطٍ".
стр. 1530
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن محمد بن عمروٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أو بأحد هذين الإسنادين، عن النبي ﷺ قوله: "ثور أقطٍ: فالثور: القطعة من الأقط، وجمعه أثوارٌ، ويُروى أن "عمرو بن معد يكرب" قال: تضيفت بني فلانٍ، فأتوني بثورٍ وقوسٍ وكعبٍ" فأما قوله: ثورٌ، فهو: الذي ذكرنا، وأما القوس: فالشيء من
стр. 1531
التمر يبقى في أسفل الجُلة، وأما الكعب: فالشيء المجموع من السمن.
قال أبو عبيدٍ: وأما حديث عبد الله بن عمروٍ حين ذكر مواقيت الصلاة، فقال: "صلاة العشاء إذا سقط ثور الشفق" فليس من هذا، ولكنه [٣٧١] انتشار الشفق وثورانه.
يُقال منه: قد ثار يثور ثوراً وثوراناً: إذا انتشر في الأفق، فإذا غاب ذلك حلت صلاة العشاء.
وقد اختلف الناس في الشفق، فيروى عن عبادة بن الصامت، وشداد بن أوسٍ، وابن عباسٍ، وابن عمر أنهم قالوا: هو الحمرة.
وكان مالك بن أنس، وأبو يوسف يأخذان بهذا.
وقال عمر بن عبد العزيز، وغيره: هو البياض، وهو بقيةٌ من النهار، وكان أبو حنيفة يأخذ بهذا.
قال أبو عبيد: الحمرة أحب إليَّ؛ لأن البياض إذا طلع فهو بقيةٌ من النهار.
стр. 1532
٥٤٦ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ : "لا غرار في صلاةٍ ولا تسليمٍ".
فالغرار: هو النقصان، يقال منه للناقة إذا نقص لبنها هي مُغارٌ قالها الكسائي، وفي لبنها غرار.
قال أبو عبيد: وأخبرني محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: كانوا لا يرون بغرار النوم بأساً، يعني أنه لا ينقض الوضوء. قال الفرزدق في مرثيته الحجاج بن يوسف:
стр. 1533
إن الرزية بن ثقيفٍ هالك ... ترك العيون ونومهن غرار
أي قليلٌ.
فكأن معنى هذا الحديث: لا نقصان في صلاةٍ، يعني في ركوعها وسجودها وطهورها، كقول "سلمان [الفارسي] ": الصلاة مكيال فمن وفى له ومن طفف فقد علمتم ما قال الله [سبحانه] في المطففين.
والحديث في مثل هذا كثيرٌ. فهذا الغرار في الصلاة.
وأما الغرار في التسليم، فنراه أن يقول: السلام عليك، أو يرد فيقول: وعليك، ولا يقول: وعليكم.
والغرار أيضاً في أشياء من الكلام سوى هذا، يقال لحد الشفرة والسيف، وكل شيءٍ له حدٌ فحده غرار.
والغرار أيضاً: المثال الذي يُطبع عليه نصال السهام، قالها الأصمعي.
стр. 1534
والغرار أيضاً: أن يغر الطائر الفرخ [٣٧٢] غراراً، يعني أن يزقه.
وقد روى بعض المحدثين هذا الحديث: "لا إغرار في صلاةٍ"- بألف- ولا أعرف هذا في الكلام، وليس له عندي وجه.
ويقال: لا غرار في صلاةٍ [ولا تسليم] أي: لا نقصان في صلاةٍ، ولا تسليم في صلاة، أي: أن المصلى لا يُسلم، ولا يُسلم عليه.
٥٤٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ أن حكيم بن حزامٍ قال: بايعت النبي ﷺ ألا أخر إلا قائماً ....
стр. 1535
قال أبو عبيد: وهذا يُروى عن شعبة، عن أبي بشرٍ، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزامٍ.
وقد أكثر الناس في معنى هذا الحديث، وماله عندي وجهٌ إلا أنه أراد بقوله: لا أخر، أي لا أموت؛ لأنه إذا مات فقد خر وسقط.
[وقوله]: إلا قائماً يعني إلا ثابتاً على الإسلام، وكل من ثبت على شيءٍ وتمسك به، فهو قائمٌ عليه، قال الله ﵎: "ليسوا سواءٌ من أهل الكتاب أمةٌ قائمةٌ يتلون آيات الله آناء الليل، وهم يسجدون" وإنما هذا من المواظبة على الدين، والقيام به.
وقال [الله ]: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطارٍ يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينارٍ لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً).
حدثنا أبو عبيدٍ قال: حدثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في
стр. 1536
قوله: "إلا ما دمت عليه قائماً، قال مواكظاً، أي مداوماً.
قال أبو عبيد: ومنه قيل- في الكلام- للخليفة: هو القائم بالأمر، وكذلك فلانٌ قائمٌ بكذا وكذا: إذا كان حافظاً له متمسكاً به. وفي بعض الحديث أنه لما قال للنبي ﷺ : أبايعك ألا أخر إلا قائماً، فقال: أما من قبلنا فلن تخر إلا قائماً. أي: لسنا ندعوك ولا نبايعك إلا قائماً، أي على الحق.
٥٤٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبي ﷺ حين ذكر "مكة". فقال: "لا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد".
стр. 1537
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثنا إسماعيل بن عياشٍ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين من بني نوفلٍ بن عبد منافٍ.
ويزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن رجلٍ.
قال: وحدثناه غير واحد.
قال أبو عبيد: فسألت عبد الرحمن بن مهديٍّ عن قوله: "لا تحل لقطتها إلا لمنشدٍ".
فقال: إنما معناه لا تحل لقطتها، كأنه يريد البتة، فقيل له: إلا لمنشدٍ، فقال: إلا لمنشدٍ، وهو يريد المعنى الأول.
стр. 1538
قال أبو عبيدٍ: ومذهب عبد الرحمن في هذا التفسير كالرجل يقول: والله لا فعلت كذا وكذا ثم يقول: إن شاء الله وهو لا يريد الرجوع عن يمينه، ولكنه لقن شيئاً فلقنه.
فمعناه: أنه ليس يحل للملتقط منها إلا إنشادها، فأما الانتفاع بها فلا.
وقال غيره: لا تحل لقطتها إلا لمنشدٍ، يعني طالبها الذي يطلبها، وهو ربها. يقول: فليست تحل إلا لربها.
قال أبو عبيد: فهذا حسن في المعنى، ولكنه لا يجوز في العربية أن يقال للطالب منشدٌ، إنما المنشد المعرف، والطالب هو الناشد.
يقال منه: نشدت الضالة أنشدها نشداناً: إذا طلبتها، فأنا ناشدٌ، ومن التعريف: أنشدتها إنشاداً، فأنا منشدٌ.
ومما لك أن الناشد هو الطالب حديث النبي ﷺ .
стр. 1539
أنه سمع رجلاً ينشد ضالةً في المسجد، فقال: أيها الناشد غيرك الواجد. معناه لا وجدت، كأنه دعا عليه.
وأماقول أبي دؤاد الإيادي وهو يصف الثور، فقال:
ويصيخ أحياناً كما اسـ ... ـتمع المضل لصوت ناشد
قال أبو عبيد: فإن الأصمعي أخبرني عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يعجب من هذا.
وأحسبه قال - هو أو غيره-: إنه أراد بالناشد أيضاً: رجلاً قد ضلت دابته، فهو ينشدها: يطلبها ليتعزى بذلك.
وفي هذا الحديث [٣٧٤] قولٌ ثالثٌ. أنه أراد بقوله: إلا لمنشد: أنه إن لم ينشدها، فلا يحل له الانتفاع بها، فإذا أنشدها، فلم يجد طالبها حلت له.
قال أبو عبيدٍ: ولو كان هذا هكذا لما كانت "مكة" مخصوصةً بشيءٍ دون البلاد لأن الأرض كلها لا تحل لقطتها إلا بعد الإنشاد، إن حلت أيضاً، وفي الناس من لا يستحلها. وليس للحديث عندي وجه إلا ما قال "عبد الرحمن": إنه ليس
стр. 1540
لواجدها منها شيءٌ إلا الإنشاد أبداً، وإلا فلا يحل له أن يمسها.
стр. 1541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
...............................................................
стр. 1542
أحاديث الصحابة [ ٣٧٥]
بسم الله الرحمن الرحيم [٣٧٦]
أحاديث أبي بكر الصديق
﵁
стр. 1543
٥٤٩ - قال أبو عبيدٍ في حديث أبي بكر الصديق- ﵁ حين منعته العرب الزكاة، فقيل له: اقبل ذاك منهم، فقال: "لو منعوني عقالاً مما أدوا إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه كما أقاتلهم على الصلاة".
قال: حدثناه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: حدثنا مجالدٌ عن الشعبي بذلك في حديثٍ طويلٍ.
стр. 1544
قال "أبو عبيد": ويقال - في غير هذا الحديث- أنه قال: "لو منعوني عناقاً لقاتلتهم عليه".
قال "الكسائي": العقال صدقة عامٍ، يقال: قد أخذ منهم عقال هذا العام: إذا أُخذت منهم صدقته.
قال الأصمعي: يُقال: بُعث فلانٌ على عقال بني فلانٍ: إذا بُعث على صدقاتهم.
قال "أبو عبيد": فهذا كلام العرب المعروف عندهم.
وقد جاء في بعض الحديث غير ذلك.
ذكر الواقدي عن إبراهيم بن إسماعيل، عن عاصم بن عمر، عن قتادة "أن محمد بن مسلمة كان يعمل على الصدقة في عهد النبي- صلى الله عليه
стр. 1545
وسلم- فكان يأمر الرجل إذا أتى بفريضتين أن يأتي بعقاليهما وقرانيهما". ويُروى عن حزام بن هشام، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كان يأخذ مع كل فريضةٍ عقالاً ورواءً فإذا جاءت إلى المدينة باعها، ثم تصدق بتلك العُقل والأروية.
قال: والرواء: الحبل الذي يُقرن به البعيران. وكان الواقدي يزعم أن هذا رأي مالك بن أنسٍ وابن أبي ذئب.
قال الواقدي: وكذلك الأمر عندنا. فهذا ما جاء في الحديث.
والشواهد في كلام العرب على القول الأول أكثر. قال: وهو عندي أشبه بالمعنى. قال: وأخبرني ابن الكلبي بإسنادٍ له، قال: استعمل "معاوية" ابن أخيه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان على صدقات "كلبٍ" فاعتدى عليهم،
следующие страницы →