Полный текст (2 371 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
العشاء بالدرة، ويقول: انصرفوا إلى بيوتكم".
[حدثنا أبو عبيدٍ] قال: حدثنيه حجاجٌ، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي رافعٍ [٤٢٢] عن عمر.
هكذا حدث به "ينش".
[قال أبو عبيدٍ]: ونرى أن هذا ليس بمحفوظٍ، وقال بعض أهل العلم: إنما هو ينس - بالسين- يقول: يسوق الناس، والنس: هو السوق، ومنه قول "الحطيئة":
وقد نظرتكم إيناء صادرةٍ ... للورد طال بها حوزي وتنساسي
فالحوز: السير اللين. والتنساس: السير الشديد.
يقول: مرةٌ أسوقها كذا، ومرة كذا.
قال: أبو عبيدٍ: فإن كان هذا الحرف هكذا "ينش" فهذا تصحيفٌ بينٌ
стр. 1647
على المحدث، ولكني أحسبه ينوش الناس، وهذا قد يقرب في اللفظ من "ينش"، ومعنى النوش صحيحٌ ها هنا، إنما هو التناول يقول: يتناولهم بالدرة.
وقال الله ﵎: (وأنى لهم التناوش من مكانٍ بعيدٍ) إذا لم يهمز، فهو من التناول.
ومنه قيل: تناوش القوم في القتال، وكل من أنلته خيراً أو شراً فقد نشته نوشاً.
ومنه حديث علي ﵀ حين سئل عن الوصية، فقال: "نوشٌ بالمعروف".
يعني أن يتناول الميت الموصى له بالشيء المعروف، ولا يجحف بماله.
٦٠٥ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] "هاجروا ولا تهجروا، واتقوا الأرنب أن يحذفها أحدكم بالعصا، ولكن ليذك لكم الأسل؛ الرماح والنبل".
стр. 1648
قال: حدثناه أبو بكر بن عياشٍ، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيشٍ، قال: قدمت المدينة، فخرجت في يوم عيدٍ، فإذا رجل متلببٌ، أعسر أيسر، يمشي مع الناس كأنه راكبٌ؛ وهو يقول: كذا وكذا، فإذا هو عمر".
قوله: هاجروا ولا تهجروا، يقول: أخلصوا الهجرة، ولا تشبهوا بالمهاجرين على غير صحةٍ منكم، وهذا هو التهجر.
وهذا هو التهجر.
وهذا كقولك للرجل: هو يتحلم وليس [٤٢٣] بحليمٍ، ويتشجع، وليس بشجاعٍ، أي: أنه يظهر ذلك وليس فيه.
وقوله: "ليذك لكم الأسل الرماح والنبل" فهذا يرد قول من يقول: إن الأسل الرماح خاصةٌ، ألا تراه قد جعله النبل مع الرماح.
وقد وجدنا الأسل في غير الرماح، إلا أن أكثر ذلك وأفشاه في الرماح.
стр. 1649
وبعضهم يقول في هذا النبات الذي قال الله [تعالى] فيه لأيوب [﵇]: (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث) إنما قيل له: الأسل؛ لأنه شبه بالرماح.
وأما قوله: متلببٌ، فإنه المتحزم، وكل من جمع عليه ثيابه، وتحزم، فقد تلبب، وقال أبو ذؤيب:
ونميمةً من قانصٍ متلببٍ ... في كفه جشءٌ أجش وأقطع
يصف الحمر أنها سمعت نميمة القانص، والنميمة: الصوت، والجشء: القوس الخفيفة.
وأما قوله: أعسر أيسر، فهكذا يُروى في الحديث، وأما كلام العرب، فإنه أعسر يسرٌ، وهو الذي يعمل بيديه جميعاً سواء، وهو الأضبط أيضاً.
ويقال من اليسر: في فلانٍ يسرةٌ.
٦٠٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر ﵀ أنه أفطر
стр. 1650
في رمضان، وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم نظر، فإذا الشمس طالعةٌ، فقال عمر: "لا نقضيه؛ ما تجانفنا فيه لإثمٍ".
قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن "عمر".
قال أبو عبيدٍ: قوله: ما تجانفنا فيه لإثمٍ، يقول: ما ملنا إليه، ولا تعمدناه ونحن نعلمه، وكل مائلٍ فهو متجانفٌ، وجنفٌ.
ومنه قوله [ ]: (فمن خاف من موصٍ جنفاً أو إثماً) قال: ميلاً.
قال [أبو عبيدٍ]: حدثناه هشيمٌ، عن عبد الملك، عن عطاء.
وقال "لبيدٌ":
إني امرؤٌ منعت أرومة عامرٍ ... ضيمى وقد جنفت على خصوم
стр. 1651
وكذلك الجانئ- بالهمز-: هو المائل أيضاً.
وقد جنأت عليه أجنا جنوءاً: إذا ملت، وقال كُثيرٌ:
أعزةُ لو رأيت غداة بنتم ... جنوء العائدات على وسادى
ويُروى: أغاضر.
ومنه قول ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه [وسلم] رجم يهودياً ويهودية" قال ابن عمر: فلقد رأيته يجانئ عليها؛ يقيها الحجارة بنفسه.
قال: حدثناه ابن علية، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر.
قال أبو عبيدٍ: نُرى أنه لم يجانئ عليها إلا وهما في حفرةٍ واحدةٍ، وقوله: يجانئ، يعني: ينحني.
٦٠٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أنه قال- لما مات "عثمان بن مظعونٍ" - على فراشه-: "هبته الموت عندي منزلةٌ" حين لم يمت شهيداً.
стр. 1652
[قال] فلما مات رسول الله [ ﷺ ] على فراشه، وأبو بكرٍ، علمتُ أن موت الأخيار على فرشهم".
قال: بلغني هذا عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، رفعه إلى عمر.
قال الفراء: قوله: هبته، يعني طأطأه ذلك عندي، وحط من قدره، وكل محطوطٍ شيئاً فقد هُبت، وهو مهبوتٌ.
قال الفراء، وأنشدني "أبو الجراح":
وأخرق مهبوت التراقي مُصعد الـ ... ـبلاعيم رخو المنكبين عُناب
قال: فالمهبوت التراقي: المحطوط وناقصها، والعناب: العظيم الأنف.
وقال الكسائي: يقال: رجلٌ فيه هبتةٌ: للذي فيه كالغفلة، وليس بمستحكم العقل.
стр. 1653
قال أبو عبيدٍ: ولا أحسب هذا إلا من ذاك؛ لأنه محطوط العقل والرأي، ليس بتام الأمر.
٦٠٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أن رجلاً من الجن لقيه، فقال: هل لك أن تصارعني، فإن صرعتني علمتك آيةٌ إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطانٌ، فصارعه، فصرعه عمر، فقال: إني أراك ضئيلاً شيختاً، كأن ذراعيك ذراعاً كلبٍ، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم؟ أم أنتم من بينهم؟ فقال: إني منهم لضليعٌ، فعاودني [فعاوده].
قال [٤٢٥] فصارعه فصرعه الإنسي.
فقال: تقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقرأها أحدٌ إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خبجٌ كخبج الحمار".
стр. 1654
[حدثنا أبو عبيدٍ] قال: حدثناه أبو معاوية، عن أبي عاصمٍ الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: خرج رجلٌ من الإنس، فلقيه رجلٌ من الجن، ثم ذكر الحديث.
قال: فقيل لعبد الله: أهو عمر؟ فقال: ومن عسى أن يكون إلا عمر.
قال أبو عبيدٍ: قوله: ضئيلاً شيختاً: هما جميعاً النحيفُ الجسم الدقيق.
ومنه قيل للأفعى: ضئيلةٌ؛ لأنه ليس يعظم خلقها كسائر الحيات، قال النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
يعني الأفعى، وكذلك الشخت والشخيتُ: الدقيق، قال ذو الرمة "يصف الظليم":
شخت الجزارة مثل البيت سائره ... من المسوح خدبٌ شوقبٌ خشب
فالجزارة: عنقه وقوائمه، وهي دقاقٌ كلها.
وقوله: إني منهم لضليعٌ. الضليعُ: العظيم الخلق.
وقوله: إلا خرج وله خبجٌ. الخبجُ: الضراط، وهو الحبج أيضاً - بالحاء-، وله أسماءٌ سوى هذين كثيرةٌ.
стр. 1655
ومن الضئيل الحديث المرفوع: "إن إسرافيل له جناحٌ بالمشرق، وجناحٌ بالمغرب، والعرش على جناحه، وإنه ليتضاءل الأحيان لعظمة الله [﵎] حتى يعود مثل الوصع".
يقال في الوصع: إنه طائرٌ مثل العصفور، أو أصغر منه.
٦٠٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر ﵁ أنه كان يطوف بالبيت وهو يقول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةٌ وقنا عذاب النار" ماله هجيرى غيرها.
قال: حدثنا أبو بكر [بن عياشٍ] عن عاصمٍ، عن حبيب بن صهبان أنه رأى عمر يفعل ذلك.
стр. 1656
وقال الكسائي، وأبو زيدٍ - وغير واحدٍ - قوله: هجيراه: كلامه، ودأبه، وشأنه، وقال ذو الرمة يصف صائداً رمى حمراً، فأخطأها، فأقبل يتلهف، ويدعو بالويل والحرب، فقال [٤٢٦]:
رمى فأخطأ والأقدار غالبةٌ ... فانصعن والويل هجيراه والحرب
قال أبو عبيدٍ: وللعرب كلامٌ على هذا المثال؛ أحرفٌ معروفةٌ [منها] قالوا: الهجيرى، وهي التي وصفنا.
والخليفى، وهي الخلافة، وإياها أراد عمر [﵁] بقوله: "لو أطيق الأذان مع الخليفى لأذنتُ".
قال [أبو عبيدٍ] حدثناه هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيس بن أبي حازمٍ، عن عمر.
ومن ذلك قول عمر بن عبد العزيز-[﵀]: "لا رديدي في الصدقة" يقول: لا تُرد.
стр. 1657
ومما يقال في الكلام: "كانت بين القوم رمياً، ثم حجزت بينهم حجيزى" يريدون: كان بينهم رميٌ، ثم صاروا إلى المحاجزة.
وكذلك الهزيمي: من الهزيمة، والمنيني: من المنة، والدليلي: من الدلالة، وأكثر كلامهم الدلالة، والخطيبي: من الخطبة، وهي كلها مقصورةٌ، ويدلك على ذلك قول عديٌ بن زيدٍ:
لخطيبي التي غدرت وخانت ... وهن ذوات غائلةٍ لُحينا
٦١٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين قال للرجل الذي وجد منبوذاً، فأتاه به، فقال عمر: "عسى الغوير أبؤسا".
فقال عريفه: يا أمير المؤمنين: إنه وإنه، فأثنى عليه خيراً.
فقال: هو حُر، وولاؤه لك.
قال: حدثناه يزيدُ، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سنينٍ أبي جميلة: أنه وجد منبوذاً، فأتى به عمر، ثم ذكر الحديث.
стр. 1658
قال الأصمعي: "قوله: عسى الغوير أبؤسا" الأبؤس: جمع الباس، وأصل هذا أنه كان غارٌ فيه ناسٌ، فانهار [الغار] عليهم.
أو قال: فأتاهم فيه عدو [لهم] فقتلوهم، فصار مثلاً لكل شيءٍ يخاف أن يأتي منه شر، ثم صغر الغار، فقيل: غوير.
[حدثنا أبو عبيدٍ]، قال: وأخبرنا ابن الكلبي بغير هذا.
قال: الغوير: ماءٌ لكلبٍ معروفٌ يسمى الغوير، وأحسبه قال: هو ناحية السماوة.
قال: وهذا المثل إنما تكلمت به الزباء، وذلك أنها لما [٤٢٧] وجهت قصيراً اللخمي بالعير، ليحمل لها من بُر العراق وألطافه، وكان يطلبها بزحل جذيمة الأبرش، فجعل الأحمال صناديق، وقد قيل: غرائر، وجعل في كل واحدٍ منها رجلاً معه السلاح، ثم تنكب بهم الطريق المنهج، وأخذ على الغوير، فسألت عن خبره، فأخبرت بذلك، فقالت: "عسى الغوير أبؤساً" تقول: عسى أن يأتي ذلك الطريق بشر، واستنكرت شأنه، حين أخذ على غير الطريق.
قال [أبو عبيدٍ]: وهذا القول عندي أشبه صواباً من القول الأول.
стр. 1659
وإنما أراد "عمر" بهذا المثل أن يقول للرجل: لعلك صاحب هذا المنبوذ، حتى أثنى عليه عريفه خيراً.
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه جعل المنبوذ حراً، ولم يجعله مملوكاً لواجده، ولا للمسلمين.
وأما قوله للرجل: لك ولاؤه؛ فإنما نراه فعل ذلك؛ لأنه لما التقطه، فأنقذه من الموت، وأنقذه من أن يأخذه غيره، فيدعى رقبته، جعله مولاه لهذا؛ لأنه كأنه الذي أعتقه.
وهذا حكمٌ تركه الناس، وصاروا إلى أن جعلوا حراً، وجعلوا ولاءه للمسلمين، وجريرته عليهم.
وفي هذا الحديث من العربية: أنه نصب أبؤساً، وهو في الظاهر في موضع رفعٍ، وإنما نرى أنه نصب؛ لأنه على طريق النصب، ومعناه، كأنه أراد: عسى الغوير أن يحدث أبؤساً، أو أن يأتي بأبؤسٍ، فهذا طريق النصب، ومما يبينه قول "الكميت":
عسى الغوير بإباسٍ وإغوار
٦١١ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] في الذي تدلى
стр. 1660
بحبلٍ ليشتار عسلاً، فقعدت امرأته على الحبل، فقالت: لأقطعنه أو لتطلقني، قال: فطلقها. يعني ثلاثاً.
فرفع إلى عمر، فأبانها منه.
قال: حدثنيه يزيد عن عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن أبيه، عن عمر. قوله: يشتار، المشتار: المجتنى للعسل.
يقال منه: شُرت العسل أشوره شوراً، وأشرته [٤٢٨] أشيره إشارةً، واشترت اشتياراً، قال "الأعشى":
كأن جنياً من الزنجبيـ ... ـل بات بفيها وأرياً مشورا
الأرى: العسل. والمشور: المجتني. فهذا من شرت.
وقال "عدي بن زيدٍ":
стр. 1661
في سماعٍ يأذن الشيخ له ... وحديثٍ مثل ماذيٍّ مشار
والذي يُراد من هذا الحديث: أن عمر أجاز طلاق المكره، وهذا رأي أهل العراق، وقد رُوي عن عمر خلافه.
ويروى عن علي وابن عباسٍ، وابن مر، وابن الزبير، وعطاءٍ، وعبد الله ابن عبيد بن عمير، أنهم كانوا يرون طلاقه غير جائزٍ، وهو رأي أهل الحجاز، وكثيرٍ من غيرهم، وحجتهم هذه الأحاديث.
٦١٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أنه قال: "إن قريشاً تريد أن تكون مغوياتٍ لمال الله [﵎].
стр. 1662
هكذا يروى الحديث بالتخفيف وكسر الواو، يحدثونه عن عوفٍ، عن الحسن، عن عمر.
وأما الذي تكلم به العرب فالمغويات- بالتشديد وفتح الواو- وواحدتها مغواةٌ، وهي حفرةٌ كالزبية تحفر للذئب، ويجعل فيها جديٌ، إذا نظر إليه الذئب سقط يريده؛ فيصاد.
ومن هذا قيل لكل مهلكةٍ: مغواةٌ، قال رؤبة:
إلى مغواة الفتى بالمرصاد
يعني إلى مهلكته ومنيته شبهها بتلك المغواة.
وأما الزبية، فأنها تُحفر للأسد، وإنما تحفر في مكان مرتفعٍ، وكل حفرةٍ في ارتفاعٍ فهي زبيةٌ، ولهذا قيل: "بلغ السيل الزبا" وإنما تُجعل على الرابية لئلا يدخلها السيل.
وإنما أراد "عمر" أن قريشاً تريد أن تكون مهلكةٌ لمال الله [ ] كإهلاك تلك المغواة لما سقط فيها [٤٢٩].
٦١٣ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أنه قال:
стр. 1663
فرقوا عن المنية، واجعلوا الرأس رأسين، ولا تُلثوا بدار معجزةٍ، وأصلحوا مثاويكم، وأخيفوا الهوام قبل أن تخيفكم، وقال: اخشوشنوا واخشوشنوا، وتمعددوا".
قال: حدثناه أبو بكر بن عياشٍ، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي العدبس الأسدي، عن عمر.
قوله: "فرقوا عن المنية، واجعلوا الرأس رأسين"، يقول: إذا أراد أحدكم أن يشتري شيئاً من الحيوان؛ من مملوكٍ أو غيره من الدواب، فلا يغالين به، ولكن ليجعل ثمنه في رأسين، وإن كانا دون الأول، فإن مات أحدهما بقي الآخر.
وقوله: "ولا تلثوا بدار معجزةٍ" فالإلثاث: الإقامة، يقول: لا تقيموا ببلدٍ قد أعجزكم فيه الرزقُ، ولكن اضطربوا في البلاد.
وهذا شبيهٌ بحديثه الآخر: "إذا اتجر أحدكم في شيءٍ ثلاث مراتٍ، فلم يرزق منه، فليدعه".
стр. 1664
[قال أبو عبيدٍ]: وقد يفسر هذا تفسيراً آخر، يقال: إنه أراد الإقامة بالثغور مع العيال.
قال أبو عبيدٍ: يقول: فليس بموضع ذريةٍ، فهذا هو الإلثاث بدار معجزةٍ.
وقوله: وأصلحوا مثاويكم. المثاوي: المنازل، يقال: ثويتُ بالمكان: إذا نزلت به، وأقمت، ولهذا قيل لكل نازلٍ: ثاوٍ.
وهذا معنى قراءة "عبد الله": (لنثوينهم من الجنة غرفاً) أي: لننزلنهم.
[قال]: وهكذا كان يقرأ الكسائي.
وقوله: "وأخيفوا الهوام قبل أن تخيفكم": يعني دواب الأرض؛ العقارب والحيات، يقول: احترسوا منهن، ولا يظهر لكم منهن شيء إلا قتلتموه.
وقوله: "اخشوشنوا": هو من الخشونة في اللباس والمطعم.
واخشوشبوا أيضاً شبيهٌ به، وكل شيءٍ غليظٍ خشنٍ، فهو أخشب وخشبٌ.
стр. 1665
وهو من الغلظ، وابتذال النفس في العمل، والاحتفاء في المشي [٤٣٠] ليغلظ الجسد، ويجسو.
ومنه حديث النبي - صلى الله عليه [وسلم]- في مكة: "لا تزول حتى يزول أخشباها" والأخشب: الجبل، قال ذو الرمة- يصف الظليم-:
شخت الجزارة مثل البيت ... سائره من المسوح خدبٌ شوقبٌ خشب
وقوله: "تمعددوا" فيه قولان:
يُقال: هو من الغلظ أيضاً، ومنه قيل للغلام إذا شب وغلظ: قد تمعدد، قال الراجز:
ربيته حتى إذا تمعددا
[يصف عقوق ابنه].
ويقال [في] تمعددوا: تشبهوا بعيش معدٌ، وكانوا أهل قشفٍ وغلظٍ في المعاش، يقول: فكونوا مثلهم، ودعوا التنعم، وزي العجم.
وهكذا هو في حديثٍ له آخر: "عليكم باللبسة المعدية".
стр. 1666
٦١٤ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر ﵁: أنه كتب إلى خالد بن الوليد: "أنه بلغني أنك دخلت حماماً بالشام، وأن من بها من الأعاجم أعدوا لك دلوكاً عجن بخمرٍ، وإني أظنكم آل المغيرة ذرء النار".
قال: حدثناه إسماعيل بن عياشٍ، عن حميد بن ربيعة، عن سليمان بن موسى، أن عمر كتب إلى خالدٍ بذلك.
قوله: "ذرء النار"، ويُروى "ذرو [النار] ".
فمن قال: "ذرء [النار]-بالهمز- فإنه أراد خلق النار، أي: إنكم خلقتم لها.
من قولهم: ذرا الله الخلق برؤهم ذرءاً.
ومن قال: "ذرو" فهو من ذرا يذرو، من قوله: تذروه الريح، أي: إنكم تذرون في النار ذرواً.
وأما الدلوك، فهو: اسم الشيء يتدلك به، كما قالوا: السحور والفطور، وأشباه ذلك.
стр. 1667
٦١٥ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر ﵁: "أملكوا العجين، فإنه أحد الريعين".
يُروى عن هشام بن عروة، عن أبي ليثٍ- مولى الأنصار- عن سعيد بن المسيب، عن عمر.
قوله: أملكوا العجين، يقول [٤٣١]: أجيدوا عجنه وأنعموه، والريع: الزيادة، فالريع الأول: الزيادة عن الطحن، والريع الآخر: عند العجن.
وفيه لغتان: يقال منه: أملكت العجين إملاكاً، وملكته أملكه ملكاً.
٦١٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين سأل الحارث بن كلدة: "ما الدواء؟ ".
فقال: "الأزم".
وكان سفيان بن عيينة يقول: الأزم: هو الحمية.
قال أبو عبيدٍ: وذلك الذي أراد الحارث.
стр. 1668
قال الأصمعي وغيره: وألص الأزم: الشدة، وإمساك الأسنان بعضها على بعض، ومنه قيل للفرس: قد أزم ع لى فأس اللجام: إذا قبض عليه، ولهذا سُميت السنة أزمةً: إذا أصابتهم فيها مجاعةٌ وشدةٌ، فأراد بالأزم: الإمساك عن المطعم.
٦١٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر ﵁ عند الشورى حين طعن، فدخل عليه ابن عباسٍ فرآه مغتماً بمن يستخلف بعده، فجعل ابن عباسٍ يذكر له أصحابه، فذكر "عثمان" فقال: كلفٌ بأقاربه، قال: فعليٌّ؟ قال: ذلك رجلٌ فيه دعابةٌ. قال: فطلحةُ؟ قال: لولا بأوٌ فيه.
قال: فالزبير؟ قال: وعقةٌ لقسٌ.
قال: فعبد الرحمن بن عوف؟ قال: أوه! ذكرت رجلاً صالحاً، ولكنه ضعيفٌ، وهذا الأمر لا يصلح له إلا اللين من غير ضعفٍ، والقوى من غير عنفٍ.
قال: فسعدٌ؟ قال: ذاك يكونُ في مقنبٍ من مقانبكم".
стр. 1669
قال الكسائي، واليزيدي، وأبو عمروٍ وغيرُ واحدٍ دخل كلام بعضهم في بعض: قوله: "كلفٌ بأقاربه"، يعني شديد الحب لهم.
وقوله: "فيه دعابةٌ"، يعني المزاح.
وقوله: "لولا بأوٌ فيه" البأو: الكبر والعظمة، قال حاتمٌ [الطائي]:
فما زادنا بأواً على ذي قرابةٍ ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
وقوله: "وعقةٌ لقسٌ" - وبعضهم يقول: "ضبسٌ"- ومعنى هذا كله: الشراسة وشدة الخلق، وخبث النفس.
ومما يبين ذلك الحديث المرفوع: "لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي".
[حدثنا أبو عبيدٍ] قال [٤٣٢]: حدثنيه يحيى بن سعيدٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ .
стр. 1670
فالمعنى فيهما واحدٌ، ولكنه كره قبح اللفظ في خبثت.
وقوله: "يكون في مقنبس من مقانبكم" فالمقنب: جماعة الخيل والفرسان، يريد: أن سعداً صاحب جيوشٍ ومحاربةٍ، وليس بصاحب هذا الأمر.
وجمع المقنب مقانب، قال "لبيدٌ":
وإذا تواكلت المقانبُ لم يزل ... بالثغر منا منسرٌ معلوم
قال أبو عمرو: والمنسر ما بين ثلاثين فرساً إلى أربعين، ولم أره وقت في المقنب شيئاً.
قال أبو عبيدٍ: مَنْسِرٌ ومنْسَرٌ.
٦١٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] في عام الرمادة، وكان عاماً أصابت الناس فيه السنة، فقال عمر: "لقد هممتُ أن أجعل مع كل
стр. 1671
أهل بيتٍ من المسلمين مثلهم، فإن الإنسان لا يهلك على نصف شبعه.
فقال له رجلٌ: لو فعلت ذلك يا أمير المؤمنين ما كنت فيها "ابن ثأدٍ".
هكذا يُروى الحديث عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر.
قال الفراء: إنما هو "ابن ثأداء" يعني الأمة، أي: ما كنت فيها ابن أمةٍ، وفيه لغتان: ثأداء، ودأثاء مقلوبٌ، مثل: جذب وجبذ، قال الكميت:
وما كنا بنى ثأداء لما ... قضينا بالأسنة كل وتر
وبعضهم يفسر "ابن ثأد" يريد الثدى، وليس لهذا وجهٌ، ولا نعرفه في إعرابٍ ولا معنىً.
وفي هذا الحديث: أن عمر رأى المواساة واجبةٌ على الناس، إذا كانت الضرورة.
٦١٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أنه صلى الفجر
стр. 1672
بالناس، فقرأ بسورة يوسف، حتى إذا جاء ذكر يوسف [﵇] سُمع نشيجه خلف الصفوف.
قال: حدثنيه حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن وقاصٍ، عن عمر.
إلا أنه قال "العتمة".
ويروى أنه لما انتهى إلى قوله [٤٣٣] [تعالى]: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) نشج. يقال: النشيجُ: مثل بكاء الصبي إذا ضُرب، فلم يخرج بكاءه، وردده في صدره ولذلك قيل لصوت الحمار: نشيجٌ.
يقال منه: قد نشج ينشج نشجاً ونشيجاً.
وإنما يراد من هذا الحديث أن يرفع الصوت بالبكاء في الصلاة، حتى يُسمع [الصوت] فلا يقطع ذلك الصلاة.
стр. 1673
٦٢٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر ﵁ أنه أُتي في نساء أو إماءٍ ساعين في الجاهلية، فأمر بأولادهن أن يقوموا على آبائهم، ولا يسترقوا".
قال: حدثناه ابن علية ومعاذٌ، عن ابن عونٍ، قال: أنبأني غاضرة العنبري أنهم أتوا عمر في ذلك.
قال أبو عبيدٍ: وأخبرني الأصمعي أنه سمع ابن عونٍ يذكر هذا الحديث، قال: فقلت لابن عونٍ: إن المساعاة لا تكون في الحرائر، إنما تكون في الإماء.
قال: فجعل ابن عونٍ ينظر إليَّ.
قال أبو عبيدٍ: ومعنى المساعاة: الزنا، وإنما خُص الإماء بالمساعاة دون الحرائر؛ لأنهن كن يسعين على مواليهن، فيكسبهن لهم بضرائب كانت عليهن، وفي ذلك نزلت هذه الآية: (ولا تُكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً) إلى آخر الآية.
стр. 1674
قال [أبو عبيدٍ]: أخبرنيه يحيى بن سعيدٍ، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله، قال:
كانت أمة لعبد الله بن أبي [بن سلولٍ]- وكان يكرهها على الزنا- فنزلت الآية: (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن [لهن] غفورٌ رحيم).
[قال أبو عبيدٍ]: هكذا قرأها.
قال: وحدثني إسحاق الأزرق، عن عوفٍ، عن الحسن في هذه الآية، قال: لهن والله. لهن والله.
وقال الأعشى:
يهب الجلة الجراجر كالبستا ... ن تحنو لدردقٍ أطفال
والبغايا يركضن أكسية الإضـ ... ـريج والشرعبي ذا الأذيال
يريد بالبغايا: الإماء؛ لأنهن كن يفجرن.
وقوله: يهب الجلة، ويهب البغايا: يبين لك أن هذا لا يقع إلا على الإماء.
قال أبو عبيدٍ [٤٣٤]: وكان الحكم في الجاهلية أن الرجل إذا وطئ أمة رجلٍ فجاءت بولدٍ، فادعاه في الجاهلية، فإن حكمهم كان أن يكون ولده، لا حق النسب به، ولهذا المعنى اختصم عبد بن زمعة وسعد بن مالك في ابن أمة زمعة
стр. 1675
إلى النبي - صلى الله عليه [وسلم]- فقال سعدٌ: ابن أخي، عهد إلى فيه أخي، وقال عبد بن زمعة: أخي، ولد على فراش أُبي، فقضى رسول الله ﷺ بالولد للفراش، وابطل ما كان من حكم الجاهلية أن يكون لاحق النسب.
وقضى عمر أن الدعوى- إذا كانت في الإسلام، وليس سيد الجارية بالمدعي- للولد- كما ادعى عبد بن زمعة أخاه- أن يكون حراً لاحق النسب، وتكون قيمته على أبيه لمولى الجارية.
ومنه حديثٌ له آخر، قال: حدثناه أبو معاوية، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمان بن يسارٍ، أن "عمر" كان يلحق أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام.
قال أبو عبيدٍ: فإذا كان الوطء والدعوى جميعاً في الإسلام، فدعوته باطلةٌ، وهو مملوكٌ؛ لأنه عاهرٌ.
وقال النبي - صلى الله عليه [وسلم]: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
[قال أبو عبيدٍ]: ولعمر [﵀] أيضاً حكمٌ آخر في الرق، فيما
стр. 1676
كانت العرب تسابي في الجاهلية، فيأتي الإسلام، والمسبي في يده كالمملوك له، فحكم "عمر" - في مثل هذا- أن يرد حراً إلى نسبه، وتكون قيمته عليه، يؤديها إلى الذي سباه؛ لأنه أسلم وهو في يده.
قال: حدثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن أبي حصينٍ، عن الشعبي، قال: لما قام "عمر" قال: ليس على عربي ملكٌ، ولسنا بنازعين من يد رجلٍ شيئاً أسلم عليه، ولكنا نقومهم الملة خمساً من الإبل.
قال: فسألت "محمداً" عن تأويله، ففسره نحواً مما قلت لك، يعني أنه ليس على هؤءلا الذين سُبوا ملكٌ؛ لأنهم عربٌ، ثم قال: ولسنا بنازعين من يد رجلٍ شيئاً أسلم عليه.
يقول: هذا الذي في يديه [من] السبي لا ننزعه من يده بلا عوضٍ؛ لأنه أسلم عليه، ولا نتركه مملوكاً وهو من العرب، ولكنه يقوم. قيمته [٤٣٥] خمساً من الإبل للذي سباه، ويرجع إلى نسبه عربياً كما كان.
ولعمر أيضاً في السباء حكمٌ ثالثٌ، وذلك أن الرجل من الملوك كان ربما غلب على البلاد، حتى يستعبد أهلها، فيجوز حكمه فيهم، كما يجوز في مماليكه، وعلى هذا عامة ملوك العجم اليوم- الذين في أطراف الأرض- يهب منهم من شاء، ويصطفي لنفسه ما شاء؛ ولهذا ادعى الأشعث بن قيسٍ رقاب "أهل
стр. 1677
نجران"، وكان استعبدهم في الجاهلية، فلما أسلموا أبوا عليه.
قال: حدثناه ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، أن الأشعث خاصم "أهل نجران" إلى "عمر" في رقابهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا إنما كنا عبيد مملكةٍ، ولم نكن عبيد قن.
قال: فتغيظ عليه "عمر"، وقال: أردت أن تغفلني.
قال: وكذلك حدثناه معاذٌ، عن ابن عونٍ، عن ابن سيرين، عن "عمر" إلا أنه قال: قال له "عمر": أردت أن تعنتني.
قال الكسائي: القن: أن يكون مُلك وأبواه، والمملكة: أن يغلب عليهم تملكاً، وليس سباءً.
وفي هذا الحديث أصلٌ لكل من ادعى رقبة رجلٍ، وأنكر المدعى عليه أن القول قوله، ألا تراه جعل القول قول "أهل نجران"؟
ولعمر أيضاً في الولد حكمٌ آخر.
قال: حدثنيه ابن مهديٍّ، عن سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سلمان بن يسارٍ، عن "عمر": أنه قضى في ولد المغرور غُرةً.
يعني الرجل يُزوجُ رجلاً مملوكةٌ على أنها حرةٌ، فقضى أن يغرم الزوج لمولى الأمة غُرةٌ، ويكون ولده حراً، ويرجع الزوج على من غرهُ بما غرم.
стр. 1678
٦٢١ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر ﵁ أنه رأى جاريةً متكمكمةً، فسأل عنها، فقالوا: أمة آلا فلانٍ، فضربها بالدرة ضرباتٍ، وقال [٤٣٦]: يالكعاء! أتتشبهين بالحرائر؟
يُروى [هذا] عن عوف بن أبي جميلة، عن أنس بن سيرين، عن "عمر".
قال أبو عبيدٍ: قوله: "متكمكمةً" نُرى أنه إ نما أراد متكممةً، وأصله من الكمة وهي القلنسوة، فشبه قناعها بها، فقال متكمكمة، ولم يقل متكممة، كما قالوا: متجممة من الجمة، ومتعممة من العمة، والعرب تفعل هذا إذا اجتمعت الحروف من جنس واحدٍ، فرقوا بينها استثقالاً لجمعها، كما قالوا: كفكفت فلاناً عن كذا، وإنما أصلها: كففت، قال أبو زبيدٍ:
ألم ترني سكنت إلى لإلكم ... وكفكفت عنكم أكلبي وهي عُقر
وقال متممُ [بن نويرة]:
ولكنني أمضي على ذاك مقدماً ... إذا بعض من يلقى الخطوب تكعكعا
стр. 1679
وهو من كععتُ عن الأمر.
ومنه قولهم: تصرصر الباب من الصرير، وإنما أصله تصرر [الباب].
وقوله: "يالكعاء" فيه لغتان: لكعاء، ولكاع.
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه رأى أن تخرج الأمة بلا قناعٍ، فإذا برزت للناس كذلك، فكذلك ينبغي أن تكون في الصلاة بلا قناعٍ.
ولهذا قال: "إبراهيم" في صلاة الأمة قال: تصلي كما تخرج إلى الأسواق.
٦٢٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر ﵁: "ورع اللص ولا تراعه" يُروى عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن "عمر".
قال أبو عبيدٍ: يقول: إذا رأيته في منزلك فادفعه، واكففه بما استطعت، ولا تنتظر فيه شيئاً، وكل شيءٍ كففته فقد ورعته، قال أبو زُبيدٍ:
وورعت ما يُكبى الوجوه رعايةٌ ... ليحضر خيرٌ أو ليقصر منكر
стр. 1680
يقول: ورعت عنكم ما يكبى وجوهكم، يمتن بذلك عليهم.
وقوله: "لا تراعه" يقول: لا تنتظره، وكل شيءٍ تنتظره، فأنت [تراعيه و] تراعاه، قال الأعشى [٤٣٧]:
فظللت أرعاها وظل يحوطها ... حتى دنوت إذا الظلام دنا لها
يذكر امرأةً.
ومنه قيل للصائم: هو يرعى الشمس: يعني أن تغيب، وكذلك الساهر يرعى النجوم.
وقد فسره بعض الفقهاء، قال: قوله: "ورع" يقول: بره من السرقة، ولا تتهمه، يذهب به إلى الورع، وليس هذا من الورع في شيءٍ، إنما هذا رخصةٌ من "عمر" في الإقدام عليه، وكذلك يروى عن ابن عمر: أنه رأى لصاً في داره، فطلب السيف أو غيره من السلاح؛ ليقدم عليه.
وكذلك يُروى عن ابن سيرين، أنه قال: "ما كانوا يمسكون عن اللص إذا دخل دار أحدهم تأثماً".
٦٢٣ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أن رجلاً أتاه،
стр. 1681
فقال: إن ابن عمي شُج موضحةً، فقال: أمن أهل القرى، أم من أهل البادية؟
فقال: من أهل البادية.
فقال عمر: "إنا لا نتعاقل المضغ بيننا".
يُروى عن سفيان بن سعيدٍ، عن عمر بن عبد الرحمن المديني، عن أبي سلمة ابن سفيان المخزومي، عن أبي أمية بن الأخنس، عن "عمر" أنه قال ذلك.
وهذا الحديث يحمله بعض أهل العلم على أن أهل القرى لا يعقلون عن أهل البادية، ولا أهل البادية عن أهل القرى.
وفيه هذا التأويل: وزيادة أيضاً، أن العاقلة لا تحمل السن، والموضحة، والإصبع وأشباه ذلك مما كان دون الثلث في قول "عمر".
وعلى هذا قول أهل المدينة إلى اليوم، يقولون: ما كان دون الثلث فهو في مال الجاني في الخطأ.
وأما أهل العراق، فيرون [أن] الموضحة- فما فوقها- على العاقلة إذا كان خطأ، وما كان دون الموضحة فهو في مال الجاني.
стр. 1682
وإنما سماها مضغاً فيما تُرى أنه صغرها وقللها، كالمضغة من الإنسان في خلقه.
قال: وحدثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير [٤٣٨]، عن "عمر" قال: لا يعقل أهل القرى الموضحة، ويعقلها أهل البادية.
٦٢٤ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر ﵁ أنه لما حصب المسجد، قال له فلانٌ: لم فعلت هذا؟
قال: "هو أغفر للنخامة، والين في الموطئ".
قال: حدثت به عن عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عمن حدثه عن "عمر".
قال الأصمعي: قوله: "أغفر للنخامة" يعني أنه أستر لها، وأشد تغطية.
قال الأصمعي: وأصل الغفر التغطية، ومنه سُمي المغفر؛ لأنه يغفر الرأس، أي يلبسه ويغطيه.
стр. 1683
قال: والمغفرة من الذنوب كذلك أيضاً: إنما هو إلباس الله الناس الغفران، وتغمدهم به.
وفي هذا الحديث: الرخصة في البزاق في المسجد إذا دفن.
٦٢٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" ﵁ أن "الحارث بن أوس" سأله عن المرأة تطوف بالبيت ثُم تنفر من غير أن تطوف طواف الصدر إذا كانت حائضاً، فأفتاه أن تفعل ذلك.
فقال "الحارث": كذلك أفتاني رسول الله ﷺ .
فقال له: "عمر": "أريت من يديك، أتسألني، وقد سمعته من رسول الله [ ﷺ ] كي أخالفه"؟
стр. 1684
وهذا من حديث "أبي عوانة" عن "يعلى بن عطاء" عن "الوليد بن عبد الرحمن" عن "الحارث بن أوسٍ الثقفي" عن "النبي" [ ﷺ ].
ويُروى عن "حجاجٍ" عن "عبد الملك بن المغيرة" عن "عمرو بن عبد الله بن أوسٍ" عن "عمه الحارث بن أوسٍ" أن "النبي" ﷺ رخص في ذلك.
ويُروى من وجهٍ آخر: أن "النبي" [ ﷺ ] رخص في ذلك.
قوله: "أربت من يديك": هو عندي مأخوذٌ من الآراب، وهي أعضاء الجسد، ومنه قيل: قطعت الشاة إرباً إرباً، فكأنه أراد بقوله: أربت من يديك، أي: سقطت آرابك من اليدين خاصةٌ.
وهو في حديثٍ آخر: "سقطت من يديك، ألا كنت حدثتنا بهذا"؟
فهذا تفسير أربت.
وبعض الفقهاء يرويه خلاف هذه الرواية، يقول: إن "عمر" نهى أن تنفر حتى تطهر وتطوف؛ حتى حدثه "الحارث بن أوس" [٤٣٩] بهذا الحديث عن "النبي" ﷺ .
стр. 1685
٦٢٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" ﵁ أنه سمع رجلاً يتعوذ من الفتن، فقال [له] "عمر": "اللهم إني أعوذ بك من الضفاطة، أتسأل ربك ألا يرزقك أهلاً ومالاً، أو قال: أهلاً وولداً".
هذا من حديث "جعفر بن عونٍ" عن "مسعرٍ" عن "أبي الضحى" يُسنده إلى "عمر".
قوله: "أتسأل ربك ألا يرزقك أهلاً وولداً" معناه عندي [- والله أعلم-] قول الله ﵎: (إنما أموالكم وأولادكم فتنةً) فأراد "عمر" هذه الآية.
ومنه حديثه - حين سأل أصحاب "النبي" ﷺ فقال: "أيكم سمع قول "النبي" ﷺ في الفتن"؟
قالوا: نحن.
قال: "لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وماله"؟
قالوا: نعم.
قال: "تلك يُكفرها الصيام، والصلاة والصدقة، ولكن أيكم سمع قوله
следующие страницы →