Полный текст (924 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وأقلها: ركعتان؛ لخبر أبي هريرة السابق، ولخبر مسلم: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يصليهما من الضحى".
وأدنى الكمال: أربع، وأكمل منه: ست، ويسن أن يسلم من كل ركعتين.
ووقتها: من ارتفاع الشمس إلى استوائها كما جزم به الرافعي، وفي "المجموع" و"التحقيق": إلى الزوال، ووقتها المختار: ربع النهار.
وألف (هوا) للإطلاق.
(والنفل في الليل من المؤكد ... وندبوا تحية للمسجد)
(ثنتان في تسليمة لا أكثرا ... تحصل بالفرض ونفل آخرا)
(لا فرد ركعة ولا جنازة ... وسجدة للشكر أو تلاوة)
(كرر بتكرير دخول يقرب ... وركعتان إثر شمس تغرب)
فيها ثلاث مسائل:
[النفل المطلق]
الأولى: النفل المطلق- وهو غير المؤقت وذي السبب- في الليل من المسنون المؤكد، فهو أفضل من النفل المطلق في النهار؛ لخبر مسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"، ولقوله ﷺ لأبي ذر: "الصلاة خير موضوع استكثر منها أو أقل" رواه ابن حبان والحاكم في "صحيحيهما".
والأفضل أن يسلم من كل ركعتين؛ لخبر: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" صححه البخاري والخطابي والبيهقي وغيرهم، وإذا زاد على ركعة .. فله أن يتشهد في كل ركعتين أو
стр. 142
ثلاث أو أكثر؛ لأن ذلك معهود في الفرائض في الجملة، وليس له أن يتشهد في كلا ركعة وإن جاز له أن يتنقل بركعة مفردة؛ لأنه اختراع صورة في الصلاة لم تعهد.
[تحية المسجد]
الثانية: ندبوا؛ أي: الأئمة تحية للمسجد لداخله، ثنتان في تسليمة؛ أي: هي ثنتان، فهو خبر مبتدأ محذوف لا أكثر؛ أي: لا يزيد على تسليمة واحدة، فله أن يصليها مئة ركعة فأكثر بتسليمة وتكون كلها تحية؛ لاشتمالها على ركعتين، فإن سلم من ركعتين وزاد عليهما بنيتها في وقت الكراهة .. لم يصح، أو في غيره .. فكذلك إن علم امتناعه، وإلا .. انعقدت نافلة مطلقة؛ والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين": "إذا دخل أحدكم المسجد .. فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، فيكره له أن يجلس من غير تحية بلا عذر.
وظاهر كلامه كغيره: أنه لا فرق في سنها بين مريد الجلوس وغيره، لكن قيده الشيخ نصر بمريده؛ ويؤيده الخبر المذكور، والظاهر كما قاله الزركشي: أن التقييد بذلك خرج مخرج الغالب، وأن الأمر بذلك معلق على مطلق الدخول؛ تعظيما للبقعة وإقامة للشعار، كما يسن لداخل مكة الإحرام، سواء أراد الإقامة بها أم لا.
وتحصل التحية بالفرض ولو قضاء أو نذرا، وبنفل آخر غيرها، سواء أنواها مع ذلك أم أطلق؛ لأن القصد بها ألا تنتهك حرمة المسجد بلا صلاة، وكلامهم كالصريح أو صريح في حصول فضلها وإن لم تنو، لما مر، وإن بحث بعض المتأخرين كالأذرعي عدم حصوله حينئذ.
ولا تحصل بركعة وصلاة جنازة وسجدة شكر أو تلاوة؛ للخبر السابق، وتحصل بصلاة ركعتين أولهما من قيام وثانيهما من جلوس.
ويتكرر سن التحية بتكرر دخول يقرب كما يتكرر عند بعده؛ إذ المسبب يتجدد بتجدد سببه؛ كتكرر سجدة التلاوة بتكرر آيتها ولو قربت، ويفوت بجلوسه قبل فعلها وإن قصر الفصل إلا بجلوس قصير سهوا أو جهلا.
وتكره تحية المسجد في صور، منها: إذا دخل والإمام في المكتوبة، أو في الإقامة أو قربت بحيث تفوته تكبيرة الإحرام لو اشتغل بها، أو دخل المسجد الحرام، بل يطوف، والأصح: عدم ندبها للخطيب عند صعوده المنبر.
стр. 143
[استحباب ركعتين قبل المغرب]
الثالثة: تسن ركعتان قبل المغرب؛ لخبر "الصحيحين": "بين كل أذانين صلاة"، والمراد: الأذان والإقامة، ولخبر البخاري: "صلوا قبل صلاة المغرب" أي: ركعتين كما رواه أبو داوود، ويسن تخفيفهما كما في "المنهاج" كـ"المحرر" و"الشرح الصغير"، قال في "المجموع": واستحبابهما قبل شروع المؤذن في الإقامة، فإن شرع فيها .. كره الشروع في غير المكتوبة.
وألف (أكثرا) و (آخرا): للإطلاق.
[ما يقضى من النوافل]
(وفائت النفل المؤقت اندب ... قضاءه لا فائتاً ذا سبب)
أي: وفائت النفل المؤقت وإن لم تشرع له جماعة كنفل اتخذه ورداً .. اندب؛ أي: أنت قضاءه مطلقاً من غير تقييد بوقت؛ كقضاء الفرائض بجامع التأقيت، ولخبر "الصحيحين": "من نام عن صلاة أو نسيها .. فليصلها إذا ذكرها"، ولأنه ﷺ (قضى بعد الشمس ركعتي الفجر)، و (بعد العصر الركعتين اللتين بعد الظهر) رواه مسلم وغيره، ولخبر أبي داوود بإسناد حسن: "من نام عن وتره أو نسيه .. فليصله إذا ذكره"، لا فائتاً ذا سبب؛ كالكسوف والاستسقاء والاستخارة والتحية، فإنه لا يقضى؛ إذ فعله لعارض وقد زال، وكذلك النفل المطلق لا يقضى كما اقتضاه كلامه.
نعم؛ إن شرع فيه ثم أفسده .. قضاه كما ذكره الرافعي في صوم التطوع، والقضاء فيه بمعناه اللغوي.
стр. 144
(والفور والترتيب فيما فاتا ... أولى لمن لم يختش ألفواتا)
فيه مسألتان:
[الفور في قضاء الفوائت]
الأولى: الفور في قضاء ما فاته من الصلوات؛ أي: بعذر كنوم ونسيان أولى؛ تعجيلاً لبراءة ذمته، وتداركاً لما فاته من الخلل، فإن أخره .. جاز له؛ لأنه ﷺ فاتته صلاة الصبح في الوادي فلم يقضها حتى خرج منه، أما ما فاته بغير عذر .. فالفور في قضائه واجب؛ لأن توسعة الوقت في القضاء رخصة، والرخصة لا تناط بالمعاصي، ولأنه مفرط في تأخير بغير عذر.
[الترتيب في قضاء الفوائت]
الثانية: الترتيب في قضاء ما فاته من الصلوات أولى؛ لترتيبه ﷺ فوائت الخندق حين أخر الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلى هوي من الليل، وللخروج من الخلاف، وإنما لم يجب ترتيبها؛ لأنها عبادات مستقلة، وترتيبها من توابع الوقت وضروراته، فلا يعتبر في القضاء كصيام أيام رمضان، ولأنها ديون عليه فلا يجب ترتيبها إلا بدليل، [و] فعله ﷺ المجرد إنما يدل عندنا على الاستحباب.
وقوله: (لمن لم يختش الفواتا) أي: أن أولوية الفور في قضاء ما فاته وأولوية ترتيبه كلاهما لمن لم يخف فوات الصلاة الحاضرة بأن اتسع وقتها، فإن خاف فوتها .. قدمها على الفائتة وجوباً؛ لئلا تصير فائتة، فإن شرع في الفائتة ثم بان ضيق وقت الحاضرة .. وجب قطعها، ولو تذكر الفائتة ي أثناء الحاضرة .. لم يقطعها ضاق الوقت أو اتسع.
وتعبيره بـ (الفوات) كالرافعي في كتبه والنووي في "منهاجه" .. يقتضي استحباب الفورية والترتيب إذا أمكنه فعل الفائتة وإدراك ركعة من الحاضرة في وقتها، وبه صرح ابن الرفعة؛ بناءً على أن الكل أداء، لكن مقتضى تعبير "الروضة" بالضيق خلافه، ومال إليه الإسنوي
стр. 145
وغيره؛ لامتناع إخراج البعض عن الوقت في الأصح.
ولو خاف فوات جماعة الحاضرة ووقتها متسع .. فالأفضل عند النووي: أن يصلي الفائتة أولاً منفرداً؛ لأن الترتيب مختلف في وجوبه، والقضاء خلف الأداء مختلف في جوازه، لكن قال الإسنوي: إن الأفضل البداءة بالحاضرة جماعة، ونقله عن جمع، وقال: كأن ما قالهالنووي من تفقهه وهو مردود؛ للخلاف في الجماعة أيضاً، وامتازت بالخلاف عندنا، ورد بأن النووي لم ينفرد به، بل سبقه إليه جماعة، وبأن الخلاف في الترتيب خلاف في الصحة، فرعايته أولى من الجماعة التي هي من التكملات.
وشمل إطلاقهم: أولوية ترتيب الفوائت ما زاد على صلوات يوم وليلة وهو كذلك؛ خروجاً من خلاف أحمد وإن قال مالك وأبو حنيفة: لا يجب الترتيب فيما زاد على صلوات يوم وليلة، وما إذا فاتت كلها بعذر أو بغيره، أو بعضها بعذر وإن تأخر، وهو كذلك، وإن استشكل بعض المتأخرين القسم الأخير منها.
وألف (فاتا) و (الفواتا) للإطلاق.
[دخول وقت رواتب الفرائض وخروجها]
(وجاز تأخير مقدم أدا ... ولم يجز لما يؤخر ابتدا)
(ويخرج النوعان جمعاً بانقضا ... ما وقت الشرع لما قد فرضا)
أي: جاز تأخير راتب مقدم على الفرض عن فعله حال كونه أداء؛ لامتداد وقته بامتداد وقت فرضه وإن خرج وقته المختار بفعله، وقد يؤمر بتأخيره عنه كمن حضر والإمام فيه؛ لخبر:
"إذا أقيمت الصلاة .. فلا صلاة إلا المكتوبة"، ولا يجوز الابتداء بالرواتب المؤخرة عن الفرض قبل فعله؛ لأن وقته إنما يدخل بفعله، ويخرج النوعان؛ أي: الراتب المقدم والراتب المؤخر بانقضاء وقت الفرض المقدر له شرعاً؛ لأنهما تابعان له.
وألف (فرضا) للإطلاق.
стр. 146
[جواز القعود في صلاة النفل]
(ثم الجلوس جائز في النفل ... بغير عذر، وهو نصف الفضل)
أي: ثم القعود جائز في صلاة النفل ولو في العيدين والكسوفين والاستسقاء لغير عذر؛ أي: من قادر على القيام فيها بغير مشقة شديدة، وهو - أي: فضل فعله قاعداً - نصف فضل فعله قائماً، كما أن فضل فعله مضطجعاً نصف فضله قاعداً؛ لخبر البخاري: "من صلى قائماً .. فهو أفضل، ومن صلى قاعداً .. فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً - أي: مضطجعاً - فله نصف أجر القاعد"، وهو وارد فيمن صلى النفل كذلك مع قدرته على القيام أو القعود.
وهذا في حقنا، أما في حقه ﷺ .. فثواب نفله قاعداً مع قدرته على القيام كثوابه قائماً، وهو من خصائصه.
وخرج بما ذكر: ما فعله مومياً أو مستلقياً، فإنه لا يجوز وإن أتم الركوع والسجود؛ لعدم وروده، وخرج بقوله: (بغير عذر): ما إذا فعله قاعداً أو مضطجعاً بعذر، فإنه لا ينقص أجره كالفرض، بل أولى، ولا يجوز قعود الصبي في المكتوبة، ولا القعود في الفريضة المعادة على الأصح فيهما.
[أركان الصلاة]
ولما كانت الصلاة تشتمل على فروض تسمى أركاناً، وعلى سنن تنقسم إلى أبعاض وهيئات .. بدأ بذكر أركانها فقال:
(أركانها: ثلاث عشر: النية ... في الفرض قصد الفعل والفرضية)
(أوجب مع التعيين، أما ذو السبب ... والوقت: فالقصد وتعيين وجب)
(كالوتر، أما مطلق من نفلها ... ففيه تكفي نية لفعلها)
(دون إضافة لذي الجلال وعدد الركعات واستقبال)
стр. 147
قد اشترك الركن والشرط في أنه لابد منهما، ولكن الفرق بينهما: أن الشرط: ما اعتبر في الصلاة بحيث يقارن كل معتبر سواه كالطهر والستر واستقبال القبلة؛ فإنها تعتبر مقارنتها للركوع وغيره، والركن: ما اعتبر فيها لا بهذا الوجه كالقيام والركوع وغيرهما، فأركانها ثلاثة عشر كما في "المنهاج" و"أصله" بجعل الطمأنينة في محالها الأربعة في الركوع وما بعده كالهيئة التابعة، وجعلها في "الروضة" و"التحقيق" سبعة عشر بجعل الطمأنينة في محالها الأربعة أركاناً؛ ويؤيد الأول كلامهم في التقدم والتأخر بركن أو أكثر، وبه يشعر خبر: "إذا قمت إلى الصلاة ... " والمعنى لا يختلف.
[الركن الأول: النية]
الأول: النية؛ لأنها واجبة في بعض الصلاة وهو أولها فكانت ركناً؛ كالتكبير الأول، وقد تقدم الكلام عليها في (المقدمة).
قوله: (في الفرض) أوجب أنت في الفرض ولو كفاية أو نذراً قصد الفعل؛ أي: فعل الصلاة؛ ليمتاز عن بقية الأفعال، وهي هنا ما عدا النية؛ لأنها لا تنوى، فلا يكفي إحضارها في الذهن مع الغفلة عن الفعل؛ لأنه المطلوب، والفرضية؛ أي: إن كان المصلي بالغاً؛ تمييزاً لها عن صلاة الصبي، مع التعيين له من كونها ظهراً أو عصراً أو جمعة مثلاً، فلا تصح الجمعة بنية الظهر كعكسه، ولا يكفي نية فرض الوقت لصدقة بالفائتة التي ذكرها، وصوب في "المجموع" عدم وجوب نية الفرضية في صلاة الصبي؟ ! وصححه في "التحقيق" إذ كيف ينوي فرض ما لا يقع فرضاً؟ ! لكنه سوى في "الروضة" كـ"أصلها" بين البالغ والصبي.
أما النفل ذو السبب كالكسوف والاستسقاء، والمؤقت كالعيدين والرواتب .. فالقصد؛ أي: قصد فعله وتعيين له، ولا تجب نية الفعلية؛ لأنها ملازمة للنفل كالوتر، ولو زاد على ركعة وفصله .. فينوي في الركعتين وإن كانتا شفعاً الوتر؛ كما ينوي في جميع ركعات التراويح
стр. 148
التراويح، وله أن ينوي فيما سوى الأخيرة منه إذا فصله صلاة الليل، أو مقدمة الوتر أو سنته، وهو أولى.
وأفاد بقوله: (كالوتر) أنه لا يضيفه إلى العشاء؛ لأنه سنة مستقلة، ويميز عيد الفطر عن الأضحى، وسنة الظهر التي قبلها عن التي بعدها وإن لم يؤخرها، ولا يجب التعيين في تحية المسجد وركعتي الوضوء، والطواف والإحرام والاستخارة ونحوها.
وأما النفل المطلق؛ وهو ما لا وقت له ولا سبب .. فيكفي فيه نية فعل الصلاة؛ لأنه أدنى درجات الصلاة، فإذا نواها .. وجب أن يحصل له، ولا تجب الإضافة إلى الله تعالى؛ لأن العبادات لا تكون إلا له، ولا عدد الركعات، لكن لو عين وأخطأ .. لم تنعقد؛ لأنه نوى غير الواقع، ولا استقبال القبلة؛ إذ لا يجب التعرض للشرط، وكونها أداء أو قضاء.
ولو ظن خروج الوقت فصلاها قضاء فبان بقاؤه، أو ظن بقاءه فصلاها أداء فبان خروجه .. أجزأته؛ لأن كلا من الأداء والقضاء يأتي بمعنى الأخر مع كونه معذوراً.
(ثان: قيام قادر القيام ... وثالث: تكبيرة الإحرام)
(ولو معرفا عن التنكير ... وقارن النية بالتكبير)
(في كله حتماً، ومختار الإمام ... والنووي وحجة للإسلام: )
(يكفي بأن يكون قلب الفاعل ... مستحضر النية غير غافل)
[الركن الثاني: القيام للقادر]
الركن الثاني: قيام القادر عليه ولو صبياً؛ أي: في الفرض ولو معاداً؛ لخبر البخاري عن عمران بن حصين قال: كان بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: "صل قائماً، فإن لم تستطع .. فقاعداً، فإن لم تستطع .. فعلى جنب"، زاد النسائي: "فإن لم تستطع .. فمستلقياً، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".
стр. 149
وخرج بـ (الفرض): النفل وقد تقدم، وبـ (القادر): العاجز وسيأتي.
وشرطه: نصب فقار الظهر، فلو استند إلى شيء .. أجزأه ولو تحامل عليه.
وإن كان بحيث يرفع قدميه، أو انحنى قريباً من حد الركوع، أو مائلاً على أحد جنبيه بحيث لا يسمى قائماً .. لم يصح.
ولو قدر العاجز عن القيام مستقلاً على القيام متكئاً على شيء، أو قدر على القيام على ركبتيه، أو قدر على النهوض بمعين ولو بأجرة مثل وجدها فاضلة عن مؤنثه ومؤنة ممونه يومه وليلته .. لزمه ذلك.
[الركن الثالث: تكبيرة الإحرام]
الركن الثالث: تكبيرة الإحرام في القيام أو بدله؛ لخبر المسيء صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة .. فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن رافعاً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" رواه الشيخان، وفي رواية للبخاري: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك"، وفي "صحيح ابن حبان" بدل قوله: "حتى تعتدل قائماً": "حتى تطمئن قائماً".
وكيفية التكبير: (الله أكبر)، أو (الله الأكبر)، منكراً أو معرفاً كما قال: (معرفاً عن التنكير)، وأشار به إلى أن الزيادة التي لا تمنع الاسم .. لا تضر؛ كـ (الله الجليل أكبر)، أو (الله أكبر)، قال بعضهم: أو (الله الذي لا إله إلا هو أكبر)، أو نحوها مما لا يطول فيه الفصل.
فلا يجزئ: (الله كبير)، ولا: (الرحمن الرحيم أكبر)، ولا: (الله أعظم وأجل) لما مر، ولأنه ﷺ كان يبتدئ الصلاة بقوله: "الله أكبر" رواه ابن ماجه وغيره، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه البخاري، ولفوات معنى (أفعل) في الأول.
стр. 150
ولو عكس فقال: (أكبر الله)، أو (الأكبر الله) .. لم تنعقد؛ لأنه لا يسمى تكبيراً، بخلاف: (عليكم السلام).
ولو طال الفصل عرفاً بما تخلل من الصفات؛ كـ (الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس أكبر)، أو طال سكوته بين كلمتي التكبير، أو زاد حرفاً فيه يغير المعنى؛ كمد همزة (الله أكبر) وألف بعد الهاء، أو واو ساكنة أو متحركة بينهما .. لم تنعقد.
ويجب أن يكبر قائماً حيث يلزمه القيام، وأن يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع، ولا عارض عنده من لغط أو غيره، وأن يكبر بالعربية، فإن عجز عنها وهو ناطق .. ترجم عنها بأي لغة شاء، ولا يعدل إلى غيره من الأذكار، ووجب التعلم إن قدر عليه ولو بالسفر إلى بلد آخر، وبعد التعليم لا يجب عليه قضاء ما صلاة بالترجمة قبله، إلا أن يكون آخره مع التمكين منه .. فإنه لابد من صلاته بالترجمة عند ضيق الوقت؛ لحرمته، ويجب القضاء؛ لتفريطه بالتأخير.
ويجب على الأخرس تحريك لسانه وشفتيه ولهاته بالتكبير قدر إمكانه، قال في "المجموع": وهكذا حكم تشهده وسلامه وسائر أذكاره.
وقارن الناوي النية بالتكبير في كله حتماً؛ أي: وجوباً؛ لأنه أول الأركان، بأن يستحضر جميع ما أوجبناه عند أوله ويستمر ذاكراً له إلى آخره بحيث يقارن كل حرف منه؛ كما يجب حضور شهود النكاح إلى الفراغ منه، واختار النووي في شرحي "المهذب" و"الوسيط" تبعاً لإمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي: الاكتفاء بالمقارنة العرفية عند العوام؛ بحيث يعد مستحضراً للصلاة عرفاً غير غافل عنها اقتداء بالأولين في تسامحهم بذلك، وقال ابن الرفعة: إنه الحق، والسبكي: إنه الصواب.
وقول المصنف: (والنووي) بسكون الياء إجراء للوصل مجرى الوقف.
[حكم العاجز عن القيام في الفرض]
(ثم انحنى لعجزه أن ينتصب ... من لم يطق يقعد كيفما يحب)
أي: ثم انحنى مصلي الفرض ولو كانحناء الراكع؛ لعجزه عن أن ينتصب قائماً؛ لأنه أقرب
стр. 151
إلى القيام، ويزيد انحناءً لركوعه إن قدر؛ لتتميز الركعتان، ولو أمكنه القيام والاضطجاع دون القعود .. أتى به قائماً؛ لأنه قعود وزيادة، فيومئ بالركوع والسجود إمكانه، ويتشهد قائماً، ولا يضطجع، ومن لم يطق القيام في الفرض؛ أي: بأن شق عليه مشقة شديدة؛ كخوف هلاك، أو زيادة مرض، أو غرق أو دوران رأس في ذلك .. يقعد كيفما يحب، لكن افتراشه أفضل من تربعه وغيره؛ لأنه قعود للعبادة فكان أولى من قعود العادة، ولأنه قعود لا يعقبه سلام كالقعود للتشهد الأول، وقال الماوردي: إن تربع المرأة أفضل؛ لأنه أستر لها، لكن قال في "المجموع": ولم أره لغيره، وإطلاق الشافعي والأصحاب يخالفه.
ومن صلى قاعداً .. انحنى لركوعه؛ بحيث تحاذي جبهته ما قدام ركبتيه، والأكمل: أن تحاذي موضع سجوده، ولو جلس الغزاة ورقيبهم في مكمن ولو قاموا لرآهم العدو وفسد التدبير .. صلوا قعوداً وأعادوا؛ لندرة العذر، ولو صلوا قعوداً لخوق قصد العدو .. فالأصح: لا إعادة.
قال في "زيادة الروضة": الذي اختاره الإمام في ضبط العجز: أن تلحقه مشقة تذهب خشوعه، وقال في "المجموع": لأنه لابد من مشقة ظاهرة.
قال المصنف: وكنت أخذت بقول الإمام في النظم فقلت:
(ومن خشوعه إذا قام ذهب ... صلى وجوباً قاعداً كيف أحب)
ثم لما رأيت الجماعة خالفوه .. عدلت عنه. انتهى.
(وعاجز عن القعود صلى ... لجنبه، وباليمين أولى)
(ثم يصلي عاجز على قفاه ... وبالركوع والسجود أوماه)
(بالرأس، إن يعجز فبالأجفان ... للعجز أجرى القلب بالأركان)
(ولا يجوز تركها لمن عقل ... وبعد عجز إن يطق شيئاً فعل)
في هذه الأبيات مسألتان:
стр. 152
[حكم العاجز عن القعود في الفرض]
الأولى: أن من عجز عن القعود في الفرض بما مر في العجز عن القيام .. صلى لجنبه؛ أي: عليه متوجهاً بمقدمه القبلة؛ لخير عمران السابق، وباليمين؛ أي: والصلاة على الجنب اليمين أولى؛ لينال فضيلة التيامن، بل تكره على اليسار بلا عذر كما ذكره في "المجموع"، ثم يصلي الفرض عاجز عن الاضطجاع على قفاه؛ للخبر السابق، ويجعل رجليه إلى القبلة، ويرفع رأسه قليلاً، وأومأ المضطجع والمستلقي بالركوع والسجود إن عجز عن إتمامهما بأن يقرب جبهته من الأرض ما أمكن، ويكون سجوده أخفض من ركوعه؛ تمييزاً بينهما.
ولو قدر القاعد على أقل ركوع القاعد أو أكمله من غير زيادة .. أتى بالممكن مرة عن الركوع ومرة عن السجود، ولا يضر استواؤهما، ولو قدر على زيادة على أكمل الركوع .. تعينت للسجود، ولو عجز أن يسجد إلا بمقدم رأسه أو صدغه وكان بذلك أقرب إلى الأرض .. وجب.
ثم إن عجز عن الإيماء بالرأس .. فبالأجفان يومئ، ثم للعجز عن الإيماء بالأجفان .. أجرى أركانها على قلبه وجوباً؛ بأن يمثل نفسه قائماً، ثم راكعاً ... وهكذا؛ لأنه الممكن، فإن اعتقل لسانه .. أجرى القرآن والأركان على قلبه، وأما إجراء سننها على قلبه .. فسنة، ولا يجوز ترك الصلاة ما دام عقله باقياً كالإيمان.
وإنما عبر المصنف بأركانها دون أفعالها الشاملة لسننها؛ لأن كلامه فيما يجب على المصلي أن يفعله.
[إذا قدر العاجز في الصلاة على شيء مما عجز عنه أتى به وجوباً]
الثانية: أن المصلي على هيئة من الهيئات السابقة إذا أطاق شيئاً .. فعله وجوباً، وبنى على صلاته ولا يلزمه استئنافها، فإذا قدر في أثناء القراءة على القيام أو القعود .. أتى بالمقدور، وكذلك لو عجز عنه، ويبني على قراءته، ولا تجزئ في نهوضه؛ لقدرته على القراءة فيما هو أعلى منه، ويجب في هوي العاجز؛ لأنه أكمل مما بعده، وإن قدر بعدها .. وجب قيامه
стр. 153
ليركع، ولا تجب الطمأنينة في هذا القيام؛ لأنه غير مقصود لنفسه، أو في الركوع قبل الطمأنينة .. ارتفع لها إلى حد الركوع، فإن انتصب .. بطلت صلاته، أو في الاعتدال قبل الطمأنينة .. قام واطمأن، وكذا بعدها إن أراد قنوتاً، وإلا .. فلا، فإن قنت قاعداً .. بطلت صلاته.
وقول المصنف: (للعجز أجرى القلب بالأركان) الباء فيه بمعنى: (على) أو (في) وهو بمعنى قول غيره: إجراء أركانها على قلبه؛ فإن معنى إجراء القلب على الأركان أو فيها: استحضارها، فلا حاجة إلى ادعاء كونه مقلوباً، وقوله: (يعجز) بكسر الجيم ويجوز فتحها.
[الركن الرابع: قراءة الفاتحة]
(و (الحمد) لا في ركعة لمن سبق ... بـ (باسم) والحروف والشد نطق)
أي: وركنها الرابع: (الحمد) أي: قراءة (سورة الفاتحة) في القيام أو بدله، للمنفرد وغيره، في السرية والجهرية، فرضاً كانت أو نفلاً، حفظاً أو تلقيناً أو نظراً في مصحف أو نحوه؛ لخبر "الصحيحين": "لا صلاة لمن يقرأ بـ (فاتحة الكتاب) "، وخبر ابني خزيمة وحبان في "صحيحيهما": "لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بـ (فاتحة الكتاب) " أي: في كل ركعة؛ لما في خبر المسيء صلاته في رواية ابن حبان وغيره: "ثم اقرأ بـ (أم القرآن) ... " إلى أن قال: "ثم اصنع ذلك في كل ركعة".
وأما قوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ .. فوارد في قيام الليل لا في قدر القراءة، أو محمول مع خبر: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" على (الفاتحة) أو على العاجز عنها؛ جمعاً بين الأدلة.
وهي ركن في كل ركعة؛ لفعله ﷺ كما في "مسلم"، مع خبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، إلا في ركعة لمن سبق بها؛ بأن لم يدرك بعد تحريمه مع
стр. 154
الإمام زمناً يسعها .. فليست ركناً فيها؛ لأنه يدركها بإدراكه ركوع الإمام، وليس المراد أنها لا تجب عليه أصلاً، بل تجب عليه ويتحملها عنه إمامه في الأصح، ولهذا لا تحسب ركعته إذا كان إمامه محدثاً، أو في ركعة زائدة؛ لأنه حينئذ ليس أهلاً للتحميل.
وفي معنى المسبوق: كل من تخلف بعذر عن الإمام بأكثر من ثلاثة أركان طويلة، وزال عذره والإمام راكع؛ كما لو كان بطيء القراءة، أو نسي أنه في الصلاة، أو امتنع من السجود بسبب زحمة، أو شك بعد ركوع إمامه في قراءة (الفاتحة) فتخلف.
[البسملة آية من الفاتحة]
والبسملة آية كاملة من (الفاتحة) فيجب النطق بها؛ لعدة ﷺ إياها آية منها، صححه ابن خزيمة والحاكم، وهي آية من أول كل سورة سوى (سورة براءة) لخبر مسلم عن أنس: (بينما النبي ﷺ ذات يوم بين أظهرنا؛ إذ أغفا إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا نبي الله؟ ! قال: "أنزلت علي سورة" فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم* إنا أعطينك الكوثر﴾ .. إلى آخرها)، ولإجماع الصحابة على إثباتها في المصحف بخطه في أوائل السور، سوى (سورة براءة) دون الأعشار وتراجم السور والتعوذ، فلم لم يكن قرآناً .. لما أجازوا ذلك؛ لأنه يحمل على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآناً.
والقول بأن إثباتها للفصل يلزم عليه ما ذكر، وأن تكتب أول (براءة)، وألا تكتب أول (الفاتحة)، وبأن الفصل كان ممكناً بتراجم السور كأول (براءة)، وألا تكتب أول (الفاتحة)، وبأن الفصل كان ممكناً بتراجم السور كأول (براءة)، والتواتر إنما يشترط فيما يثبت قرآناً قطعاً، أما ما ثبت قرآناً حكماً .. فيكفي فيه الظن كما يكفي في كل ظني.
وأما قول أنس: (كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ يفتتحون الصلاة بـ"الحمد لله رب العالمين") .. فمعناه: كانوا يفتتحون بـ (سورة الحمد)، يبينه ما صح عنه؛ كما قاله الدارقطني: أنه كان يجهر بـ (البسملة)، وقال: (لا آلو أن أقتدى بصلاة النبي ﷺ .
وأما قوله: (صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً
стр. 155
منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" كما رواه مسلم .. فقال أئمتنا: إنه رواية اللفظ الأول بالمعنى الذي عبر عنه الراوي بما ذكر بحسب فهمه، ولو بلغ الخبر بلفظه كما في "البخاري" .. لأصاب، واللفظ الأول بالمعنى الذي عبر عنه الراوي بما ذكر بحسب فهمه، ولو بلغ الخبر بلفظه كما في "البخاري" .. لأصاب، واللفظ الأول هو الذي اتفق عليه الحفاظ.
ويجب النطق بالحروف؛ وهي مئة وأحد وأربعون حرفاً بقراءة ﴿الملك﴾ [الفاتحة: ٣] بلا ألف، والشد؛ أي: التشديدات؛ وهي أربع عشرة شدة؛ لأن (الفاتحة) جملة الكلمات المنظومة، والجملة تنتفي بانتفاء جزئها كما تنتفي بانتفاء كلها، فلو خفف حرفاً مشدداً من (الفاتحة) .. بطلت قراءته؛ لإخلاله بحرف؛ إذ المشدد حرفان، ولو شدد المخفف .. جاز وأساء.
وقول المنصف: (بباسم) متعلق بـ (نطق) مبنياً للفاعل أو المفعول وهو أنسب بقوله:
(سبق) لأنه مبني للمفعول.
(لو أبدل الحرف بحرف أبطلا ... وواجب ترتيبها مع الولا)
(وبالسكوت انقطعت إن كثرا ... أو قل مع قصد لقطع ما قرا)
(لا لسجوده، وتأمين، ولا ... سؤاله لما إمامه تلا)
فيها ثلاث مسائل:
[إبدال حرف من الفاتحة بآخر]
الأولى: لو أبدل مع سلامة لسانه حرفاً من (الفاتحة) أو بدلها بحرف؛ كإبدال ضاد (الضالين) بالظاء، وذال (الذين) المعجمة بالمهملة .. أبطل قراءته لتلك الكلمة؛ لتغييره النظم، ولو نطق بالقاف مترددة بينهما وبين الكاف كما ينطق بها العرب .. صح مع الكراهة، قاله نصر المقدسي والروياني وغيرهما، وجزم به في "الكفاية"، قال في "المجموع": وفيه نظر، قال: فإن لحن ولم يغير معنى .. كره، فإن تعمد .. حرم وصحت صلاته، وإن غير؛ كضم تاء (أنعمت) أو كسرها .. لم تصح قراءته، وتبطل صلاته إن تعمد.
وتجوز القراءة بالسبع دون الشواذ، فإن قرأ شاذاً .. صحت صلاته إن لم يغير المعنى ولا زاد حرفاً ولا نقصه. انتهى.
стр. 156
والشاذ عنده كغيره: ما وراء السبعة، وقال البغوي: هو ما وراء العشرة، وتبعه السبكي وصححه ولده الشيخ تاج الدين، قال في "المجموع": وإذا قرأ بقراءة .. كمل بها ندباً، ويجوز التنويع إن لم يرتبط الثاني بالأول.
[وجوب ترتيب الفاتحة]
الثانية: يجب ترتيب (الفاتحة) بأن يأتي بها على نظمها المعروف؛ لأن النظم والترتيب مناط البلاغة والإعجاز، فلو عكس .. بنى إن سها ولم يطل الفصل، وإلا .. استأنف إذا لم يخل بالمعنى، وإلا .. بطلت صلاته إن تعمد، واستشكل وجوب الاستئناف عند العمد بالوضوء والأذان والطواف والسعي، وأجيب بأن الترتيب هنا لما كان مناط الإعجاز كما مر .. كان الاعتناء به أكثر؛ فجعل قصد التكميل بالمرتب صارفاً عن صحة البناء، بخلاف تلك الصور.
[وجوب الولاء بين كلمات الفاتحة]
الثالثة: يجب الولاء بين كلمات (الفاتحة) للاتباع، وبالسكوت عمداً في أثنائها ولو لعائق غير ما يأتي .. انقطعت قراءتها إن كثر؛ أي: طال سكوته عرفاً وإن لم يقصد قطعاً؛ أي: أو أتى بذكر لا يتعلق بالصلاة؛ كحمده عند العطاس وإن كان مندوباً في الصلاة أيضاً؛ لإشعاره بالإعراض عنها، أو قل سكوته مع قصد منه لقطع ما قرأه به؛ لاقتران الفعل بنية القطع؛ كنقل الوديعة بقصد التعدي، فإن لم يقصد القطع ولم يطل السكوت .. لم يؤثر؛ كنقل الوديعة بلا قصد تعد، ولأن ذلك قد يكون لتنفس أو سعال، وكذا لو ترك الولاء ناسياً كتركه إياه في الصلاة بأن طول ركناً قصيراُ ناسياً، أو طال سكوته؛ لتذكر آية نسيها، أو للإعياء، وعلم أن قصده القطع بلا سكوت .. لا يؤثر؛ لأن القراءة باللسان ولم يقطعها، بخلاف ما لو قصد قطع الصلاة؛ لأن النية ركن فيها تجب إدامتها حكماً ولا يمكن ذلك مع نية القطع، وقراءة (الفاتحة) لا تفتقر إلى نية خاصة فلا تتأثر بنية القطع، لا بسجوده وتأمين منه وسؤاله الرحمة لما إمامه تلا في الصور الثلاث .. فلا يقطع به الولاء؛ لكونه مطلوباً في الصلاة لمصلحتها، أما إذا فعل شيئاً من ذلك لما تلاه غير إمامه .. فينقطع به الولاء، بل تبطل بسجوده إن تعمد، ولو سأل الرحمة لما تلاه هو .. لم ينقطع الولاء.
стр. 157
وألف (بطلا) و (كثرا) للإطلاق، والبيتان الأخيران ساقطان من بعض النسخ.
(ثم من الآيات سبع والولا ... أولى من التفريق ثم الذكر لا)
(ينقص عن حروفها، ثم وقف ... بقدرها، واركع بأن تنال كف)
(لركبة بالانحنا، والاعتدال ... عود إلى ما كان قبله فزال)
[حكم العاجز عن قراءة الفاتحة]
أي: ثم إن عجز عن (الفاتحة) التي هي ركن .. فالركن بدلها سبع من الآيات من غيرها ولو متفرقة؛ كما في قضاء رمضان، خلافاً للرافعي رحمه الله تعالى، والولاء - أي: والآيات المتوالية - أولى من المتفرقة؛ لأنها أشبه بـ (الفاتحة)، وللخروج من الخلاف.
ولو قرأ العاجز عنها سبع آيات متفرقة لا تفيد معنى منظوماً كـ ﴿ثم نظر﴾ .. لم يكف عند إمام الحرمين، واقره في "الروضة" و"أصلها"، لكن اختار في "المجموع" و"التنقيح" الاكتفاء بها؛ كما أطلقه الجمهور، ومن يحسن بعض (الفاتحة) .. يأتي به ويبدل الباقي إن أحسنه، وإلا .. كرر في الأصح، وكذا من يحسن بعض بدلها من القرآن، ويجب الترتيب بين الأصل والبدل.
ثم إن عجز عن القرآن .. فالركن الذكر؛ لخبر الترمذي وحسنه: "إذا قمت إلى الصلاة .. فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد وأقم، فإن كان معك قرآن .. فاقرأ، وإلا .. فاحمد الله وكبره وهلله"، قال البغوي رحمه الله تعالى: يجب سبعة أنواع من أنواع الذكر؛ ليكون كل نوع مكان آية، وقال الإمام: لا يجب، قال الشيخان: والأول أقرب؛ تشبيهاً لمقاطع الأنواع بغايات الآي.
стр. 158
قال الإمام: والأشبه: إجزاء دعاء يتعلق بالآخرة دون الدنيا ورجحه في "المجموع"، قال الإمام: فإن لم يعرف غير ما يتعلق بالدنيا .. أتى به وأجزأه، قال في "الروضة" كـ"أصلها": ويشترط ألا يقصد بالذكر المأتي به غير البدلية؛ كمن استفتح أو تعوذ لا بقصد تحصيل سنتهما، لكن لا يشترط قصد البدلية فيهما ولا في غيرهما من الأذكار على الأصح.
قوله: (لا ينقص عن حروفها) أي: لا يجوز نقص البدل من قرآن أو غيره عن حروف (الفاتحة) وهي مئة وستة وخمسون حرفاً بقراءة ﴿مالك﴾ بالألف كالمبدل، بخلاف صوم يوم قصير عن طويل؛ لعسر مراعاة الساعات.
وأفهم كلامه: أنه لا يضر زيادة البدل ولا التفاوت بين حروف الآيات والأنواع وهو كذلك.
ثم إن عجز عن الذكر بترجمة وغيرها .. وقف وجوباً قدر (الفاتحة) في ظنه؛ لأنه المقدور وهو مقصود، ولا يترجم عنها، بخلاف الذكر؛ لفوات الإعجازء فيها.
[الركن الخامس: الركوع]
الركن الخامس: الركوع؛ لقوله تعالى: ﴿اركعوا﴾، ولخبر: "إذا قمت إلى الصلاة ... "، وأقله للقائم: أن ينال كفه ركبتيه؛ يعني: راحتاه ركبتيه لو أراد ذلك عند اعتدال الخلقة وسلامة اليدين والركبتين بالانحناء لظهره، لا بالانخناس ولا بهما، أما ركوع القاعد .. فتقدم.
[الركن السادس: الاعتدال]
الركن السادس: الاعتدال ولو في النفل؛ كما صححه في "التحقيق" لخبر: "إذا قمت إلى الصلاة ... "، وهو عوده إلى ما كان عليه قبله فزال عنه الركوع؛ من قيام أو غيره، ويشترط فيه وفي سائر الأركان: عدم صرفه إلى غيره، حتى لو رفع من ركوعه فزعا من شيء .. لم يكف، بل يعود للركوع، ثم يعتدل منه.
стр. 159
[الركن السابع: السجود]
(والسابع: السجود مرتين مع ... شيء من الجبهة مكشوفاً يضع)
أي: الركن السابع: السجود مرتين في كل ركعة؛ لخبر: "إذا قمت إلى الصلاة ... " وأقله: أن يضع شيئاً من جبهته مكشوفاً على مسجده؛ لخبر: "إذا سجدت .. فمكن جبهتك، ولا تنقر نقراً" رواه ابن حبان عن ابن عمر وصححه، ولخبر: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء ... " إلى أن قال: "ويسجد فيمكن جبهته من الأرض"، وخبر خباب بن الأرت ﵁: (شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا)، أي: لم يزل شكوانا، رواهما البيهقي بسندين صحيحين، وجه الدلالة: انه لو لم يجب كشف الجبهة .. لأرشدهم إلى سترها، واعتبر كشفها دون بقية الأعضاء؛ لسهولته فيها دون البقية.
نعم؛ إن سترها لعذر كجراحة وشق عليه إزالة الساتر .. كفى السجود عليه من غير إعادة. ويجزئ السجود على شعر بجبهته وإن لم يستوعبها.
ويجب أن يتحامل على مسجده بثقل رأسه وعنقه؛ بحيث لو سجد على قطن أو نحوه .. لاندك؛ لما مر.
وألا يسجد على متحرك من ملبوسه بقيامه وقعوده؛ لأنه كالجزء منه، فإن سجد عليه عامداً عالماً بتحريمه .. بطلت صلاته، أو ساهياً أو جاهلاً .. لم تبطل، ويجب إعادة السجود، وأما خبر "الصحيحين" عن أنس: (كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض .. بسط ثوبه فسجد عليه) .. فمحمول على ثوب منفصل، فإن لم يتحرك بحركته كطرف عمامته أو لم يكن من ملبوسه كعود في يده .. كفى السجود عليه.
وأن يضع فيه يديه وركبتيه وقدميه؛ لخبر "الصحيحين": "أمرت أن أسجد على سبعة
стр. 160
أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين"، ورجح الرافعي رحمه الله تعالى عدم الوجوب، وعلله بأنه لو وجب وضعها .. لوجب الإيماء بها عند العجز، والإيماء بها لا يجب فلا يجب وضعها، وحمل الأمر في الخبر على الندب، وأجاب الأول بأنه إنما لم يجب الإيماء بها كالجبهة؛ لأن معظم السجود وغاية الخضوع بالجبهة دونها، ويكفي على الوجوب وضع جزء من كل واحد منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكفين سواء الأصابع والراحة، وفي الرجلين ببطون الأصابع.
وأن يرفع أسافله على أعاليه؛ للاتباع رواه ابن حبان وصححه، مع خبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فلا يكتفى برفع أعاليه على أسافله ولا تساويهما؛ لعدم اسم السجود؛ كما لو أكب ومد رجليه، فلو أمكن العاجز عن وضع جبهته على موضع السجود على وسادة بأن حصل معها التنكيس .. وجب، وإلا .. فلا كما قال في "الروضة" و"أصلها": إنه الأشبه بكلام الأكثرين، وصححه في "المجموع"، وجزم به في "الأنوار"، وفي "المهمات": أن الفتوى عليه؛ لفوات هيئة السجود، بل يكفيه الانحناء الممكن، وصحح في "الشرح الصغير" الوجوب؛ لأنه يلزمه هيئة التنكيس ووضع الجبهة، فإذا تعذر أحدهما .. أتى بالآخر؛ لأنه مقدوره، ورجحه في "الخادم".
(وقعدة بينهما للفصل ... ويطمئن لحظة في الكل)
[الركن الثامن: القعود بين السجدتين]
أي: الركن الثامن: قعدة بين السجدتين في كل ركعة؛ للفصل بينهما ولو في النفل؛ لخبر: "إذا قمت إلى الصلاة ... "، وأشار بقوله: (للفصل): إلى أنه ركن قصير كالاعتدال فيجب ألا يطوله، ولا الاعتدال.
стр. 161
ويطمئن لحظة وجوباً في الكل؛ أي: في الركوع، والاعتدال، والسجود مرتين، والقعود بينهما؛ للخبر المذكور، والطمأنينة: سكون بعد حركة، ففي الركوع مثلاً يكون بحيث ينفصل رفعه عن هوية بأن تستقر أعضاؤه قبل رفعه.
[التشهد الأخير وقعوده والصلاة على النبي ﷺ فيه]
ثم ذكر الركن التاسع والعاشر والحادي عشر: وهي التشهد الأخير: والقعود فيه وفي الصلاة على النبي ﷺ وفي التسليمة الأولى، والصلاة على النبي ﷺ فيه فقال:
(ثم التشهد الأخير فاقعد ... فيه مصليا على محمد)
أي: ثم التشهد الأخير - يعني: الذي في آخر الصلاة كتشهد الصبح والجمعة والمقصورة - فاقعد فيه في حال كونك مصلياً عقبه على محمد.
أما التشهد .. فلخبر الدارقطني والبيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فقال ﷺ : "لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله ... " إلى آخره، والمراد: فرضه آخر الصلاة؛ لخبر "الصحيحين": (أنه ﷺ قام من ركعتين من الظهر ولم يجلس، فلما قضى صلاته .. كبر وهو جالس فسج سجدتين قبل السلام، ثم سلم)، دل عدم تداركه على عدم وجوبه، ولأن محله لا يتميز كونه عبادة عن العادة فوجب فيه ذكر؛ ليتميز كما في القراءة، بخلاف الركوع والسجود، وسمي تشهداً؛ لما فيه من الشهادتين من باب تسمية الكل باسم جزئه مجازاً، وأقله: (التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله).
وأما القعود .. فلأن كل من أوجب التشهد أوجب القعود فيه.
وأما الصلاة على محمد ﷺ .. فلقوله تعالى: ﴿صلوا عليه﴾، قال أئمتنا:
стр. 162
قد أجمع العلماء على أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين وجوبها فيها، والقائل بوجوبها مرة في غيرها محجوج بإجماع من قبله، وفي "الصحيحين" عن كعب ابن عجرة: خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم؛ إنك حميد مجيد"، خرج الزائد على الصلاة عليه بالإجماع كما في "المهذب" بقي وجوبها عليه، وفي رواية صححها ابن حبان وغيره: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: "قولوا ... " إلى آخره، وأولى المحال بها خاتمة الأمر، وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وأما عدم ذكرها في خبر: "إذا قمت إلى الصلاة ... " .. فمحمول على أنها كانت معلومة له، ولهذا: لم يذكر له النية والتشهد والجلوس له والسلام.
وأقلها: (اللهم؛ صل على محمد)، أو (صلى الله على محمد)، أو (على رسوله)، أو (على النبي) دون أحمد، أو عليه في الأصح، ذكره في "التحقيق" وغيره.
وأكملها: (اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد)، ذكره في "الروضة" و"أصلها".
وفي "الأذكار" وغيره: الأفضل أن يقول: (اللهم؛ صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد).
وأكمل التشهد: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) رواه مسلم من خبر ابن عباس.
стр. 163
وجاء في "الصحيحين" عن ابن مسعود بلفظ: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك ... ) إلى آخره، إلا أنه قال: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وفيه أخبار أخر نحو ذلك، قال النووي: وكلها مجزية يتأدى بها الكمال، وأصحها: خبر ابن مسعود، ثم خبر ابن عباس، لكن الأفضل: تشهد ابن عباس؛ لزيادة لفظ (البركات) فيه؛ ولموافقته قوله تعالى: ﴿تحية من عند الله مبركة طيبة﴾، ولتأخره عن تشهد ابن مسعود، ولقوله: (كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن).
وإنما كان أقله ما مر؛ لأن ما بعد التحيات من الكلمات الثلاث توابع لها، بل سقط أولاها في خبر غير ابن عباس، قال النووي: وإثبات (أل) في (السلام) أفضل؛ لكثرته في الأخبار.
وكلام الشافعي ومقتضى كلام الرافعي: أنه لا يكفي (وأن محمداً رسوله)، وصرح به النووي في "مجموعه" وغيره، لكن في "الروضة" أنه يكفي، ورجحه السبكي وغيره.
(ثم السلام أولا لا الثاني ... والآخر الترتيب في الأركان)
[الركن الثاني عشر: السلام]
أي: ثم الركن الثاني عشر: السلام؛ أي: التسليمة الأولى لا التسليم الثاني؛ فإنه سنة كما سيأتي؛ لخبر: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم"، وأقله: (السلام عليكم)، أو (عليكم السلام)، لكنه يكره، وصحح الرافعي: أنه يجزئ (سلام عليكم) منكراً؛ إقامة للتنوين مقام اللام كما في التشهد، وقال النووي: الأصح المنصوص: أنه لا يجزئ؛ لما ثبت في الأخبار الصحيحة من أنه ﷺ كان يقول: "السلام عليكم"، ولم ينقل
стр. 164
(سلام عليكم) بخلاف التشهد، قال: والقول بأن التنوين يقوم مقام اللام فاسد وإن لم يجتمعا؛ لأنه لا يسد مسده في العموم والتعريف وغيرهما، فلا يكفي (عليكما السلام)، ولا (السلام عليكما)، ولا (سلام عليكم) بلا تنوين، ولا (سلام عليك) ولا (سلامي عليك) ولا (سلام الله عليكم)، ولا (سلام عليكم) بلا تنوين، ولا (السلم عليكم)، ولا (السلم عليكم) ولا (سلم عليكم) بكسر السين وسكون اللام، ولا (سلام عليهم) بل تعتمد ذلك مبطل إلا الأخيرة؛ فإنها دعاء لا خطاب فيه، وأما أكمله .. فسيأتي.
[الركن الثالث عشر: الترتيب بين الأركان]
والآخر وهو الثالث عشر: الترتيب في الأركان؛ أي: بينها كما مر في عدها المشتمل على وجوب قرن النية بالتكبير، وجعلهما مع القراءة في القيام والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ والتسليمة الأولى في القعود، وأما تقديم الانتصاب على ابتداء تكبيرة الإحرام .. فشرط للتكبيرة لا ركن؛ لخروجه عن الماهية، فالترتيب المراد" فيما عدا ذلك، ودليل وجوبه: الاتباع في الأخبار الصحيحة مع خبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وعده من الأركان بمعنى الفروض .. صحيح، وبمعنى الأجزاء .. فيه تغليب.
وقضية كلامه: وجوب الترتيب بين التشهد والصلاة على النبي ﷺ ؛ لأنهما ركنان وهو ما في "المجموع" كـ"فتاوى البغوي"، ونقله القاضي عياض في "الشفاء" عن الشافعي، فلو تعمد تركه في الفعلي .. بطلت صلاته كبقية الأركان، وإن تركه سهواً .. لم يعتد بما فعله حتى يأتي بما تركه، فإن تذكر قبل بلوغ مثله .. فعله، أو بعده .. تمت به ركعته، ولغا ما بينهما، هذا إن علم عينه ومكانه، وإلا .. أخذ بالأسوأ وبنى، وفي الأحوال كلها يسجد للسهو إلا إذا وجب الاستئناف؛ بأن ترك ركناً وجوز أن يكون النية أو تكبيرة الإحرام، وإلا إذا كان المتروك هو السلام: فإنه إذا تذكر .. سلم ولم يسجد للسهو، أما الركن القولي غير السلام .. فتقديمه غير مبطل.
وخرج بقول المصنف: (في الأركان) ترتيب السنن بعضها على بعض كالافتتاح والتعوذ، أو ترتيبها على الفرائض كالسورة و (الفاتحة) فإنه شرط للاعتداد بها سنة لا في صحة الصلاة.
стр. 165
ولم يتعرض المصنف لعد الموالاة ركناً؛ لأن الأصح في "التنقيح": أنها شرط، والمراد بها: عدم تطويل الركن القصير، كما ذكره الرافعي تبعاً للإمام، وصور ابن الصلاح تركها بما إذا سلم ناسياً وطال الفصل .. فإن صلاته تبطل؛ للتفريق، وصوره بعضهم بما إذا شك في نية صلاته ولم يمض ركن، لكن طال زمن الشك .. فإنها تبطل في الأصح، قال ابن الرفعة: لأن ذلك يبطل الولاء.
[أبعاض الصلاة]
ولما فرغ من أركان الصلاة .. شرع في ذكر سننها، وهي: أبعاض وهيئات، وبدأ بالأولى فقال:
(أبعاضها: تشهد إذ تبتديه ... ثم القعود، وصلاة الله فيه)
(على النبي، وآله في الآخر ... ثم القنوت، وقيام القادر)
(في الاعتدال الثان من صبح، وفي ... وتر لشهر الصوم إن ينتصف)
أي: أبعاض الصلاة هذه الستة:
أما التشهد الأول وقعوده .. فللأخبار الصحيحة فيهما، وصرفهما عن وجوبهما أنه ﷺ (قام من ركعتين من الظهر ولم يجلس، فلما قضى صلاته .. كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل السلام، ثم سلم) رواه الشيخان، دل عدم تداركهما على عدم وجوبهما.
قال في "المجموع": ويكره أن يزيد في التشهد الأول على لفظة الصلاة على النبي ﷺ ، فإن فعله .. لم يسجد للسهو.
وأما الصلاة على النبي ﷺ في جلوس التشهد الأول، والصلاة على آله في جلوس التشهد الأخير .. فللأخبار الصحيحة فيهما.
وأما القنوت وقيامه في الصبح وفي وتر النصف الأخير من رمضان .. فللاتباع فيهما رواه
стр. 166
الشيخان في الأولى، والبيهقي في الثانية، وقال الحسن بن علي: (علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم؛ اهدني ... ") إلى آخره، رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط الشيخين.
وروى البيهقي عن ابن عباس وغيره: (أنه ﷺ قنت قبل الركوع أيضاً، لكن رواه القنوت بعده أكثر وأحفظ؛ فهو أولى، وعلى هذا درج الخلفاء الراشدون في أشهر الروايات عنهم وأكثرها، فلو قنت قبله .. لم يجزه ويسجد للسهو إن قنت بنيته؛ لأنه عمل من أعمال الصلاة أوقعه في غير محله، نقله في "المجموع" عن نص "الأم"، وهو موافق لما قالوه في القراءة في غير محلها، ولا يشكل بدعاء الافتتاح والتسبيح والدعاء في غير محلها؛ حيث لا يسجد فيها للسهو كما جزم به في "المجموع"، خلافاً لما يقتضيه كلام "الكفاية" في (باب العيد) لأن الأبعاض آكد من بقية السنن.
نعم، صحح فيه: أنه يسجد لقراءة غير (الفاتحة) في غير محلها كـ (الفاتحة)، ويوجه بتأكيدها وشبهها بـ (الفاتحة) فالأبعاض المذكورة يجبر تركها عمداً أو سهواً بالسجود، وسميت أبعاضاً؛ لتأكد شأنها بالجبر تشبيهاً بالبعض حقيقة.
وفي بعض النسخ بدل البيت الأخير:
(في الصبح ثاني ركعة والوتر ... في نصف شهر رمضان الآخر)
ولفظ القنوت: (اللهم؛ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت؛ فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت).
قال الرافعي: وهذا ما روي في الحديث، وزد العلماء: (ولا يعز من عاديت) قبل (تباركت ربنا وتعاليت) وبعده: (فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك)،
стр. 167
زاد في "الروضة": ولا بأس بهذه الزيادة، وقال الشيخ أبو حامد وآخرون: هي مستحبة؛ وقد جاءت رواية البيهقي بزيادة: (ولا يعز من عاديت).
فإن كان إماماً .. أتى بلفظ الجميع في ضمير المتكلم، وعليه حملت رواية البيهقي: (كان النبي ﷺ يعلمنا دعاءً ندعو به في قنوت صلاة الصبح: اللهم؛ اهدنا ... ) إلى آخره.
قال في "الأذكار": ويستحب أن يقول عقب هذا الدعاء: (اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد وسلم).
قال في "المجموع" عن البغوي: وتكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، ويسن للإمام والمنفرد برضا محصورين: الجمع في قنوت الوتر بين القنوت السابق وقنوت عمر رضي الله تعالى عنه وهو: (اللهم؛ إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثنى عليك الخبر كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم؛ إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك؛ إن عذابك الجد بالكفار محلق، اللهم؛ عذب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك، اللهم؛ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق، واجعلنا منهم).
والأولى تأخيره عن القنوت السابق، فإن اقتصر على أحدهما .. فعلى الأول.
والصحيح: سن رفع يديه في القنوت؛ للاتباع رواه البيهقي بإسناد جيد، وكذا في كل دعاء، ويسن جعل ظهرهما للسماء إن دعا لدفع بلاء، وعكسه إن دعا لتحصيل شيء، قال في "المجموع": في سن مسج وجهه بهما وجهان: أشهرهما: نعم، وأصحهما: لا، قال البيهقي: لا أحفظ في مسحه هنا عن أحد من السلف شيئاً وإن روي عن بعضهم في الدعاء
стр. 168
خارج الصلاة، وقد روي فيه عن النبي ﷺ خبر ضعيف مستعمل عند بعضهم خارجها، فأما فيها .. فعمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس، والأولى ألا يفعله، وأما مسح غيره من الصدر وغيره .. فمكروه، وما نقله من سن مسحه خارجها .. جزم به في "التحقيق".
ويجهر الإمام دون المنفرد بالقنوت وإن كانت الصلاة سرية؛ للاتباع رواه البخاري، قال الماوردي: وليكن جهره به دون جهره بالقراءة، ويؤمن المأموم للدعاء.
ومنه: الصلاة على النبي ﷺ كما جزم به الطبري شارح "التنبيه"، ويقول الثناء، فإن لم يسمعه أو سمع صوتاً لم يفهمه .. قنت، ويسن القنوت في سائر المكتوبات للنازلة؛ كالوباء والقحط والعدو، لا مطلقاً على المشهور.
[الأذان والإقامة]
(سننها من قبلها: الأذان مع ... إقامة، ولو بصحراء تقع)
أي: من سنن الصلاة التي قبلها: الأذان والإقامة؛ أي: فهما سنتا كفاية في المكتوبات ولو فائتة دون النافلة والمنذورة، والأصل في مشروعيتها قبل الإجماع من الكتاب قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة﴾، وقوله: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلوة﴾، ومن السنة أخبار كثيرة، منها: خبر "الصحيحين": "إذا حضرت الصلاة .. فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم"، وفي رواية: "فأذنا، ثم أقيما، وليؤمكما أكبركما"، وخبر عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس؛ لجمع الصلاة .. طاف بي وأنا نائم يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله؛ أتبيع هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعوا به إلى الصلاة، قال: أولا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، فقال: تقول: (الله أكبر، الله أكبر، الله
стр. 169
أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله).
ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا قمت إلى الصلاة: (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله).
فلما أصبحت .. أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيته، فقال: "إنها رؤيا حق إن شاء الله، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت؛ فإنه أندى صوتاً منك"، فقمت مع بلال فجلعت ألقيه عليه .. فيؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو في بيته .. فخرج يجر رداءه وهو يقول: والذي بعثك بالحق نبياً يا رسول الله؛ لقد رأيت مثل ما رأى، فقال ﷺ : "فلله الحمد" رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وروى الترمذي بعضه بطريق أبي داوود وقال: حسن صحيح.
وإنما لم يجبا وإن كانا من شعائر الإسلام الظاهرة؛ لأنهما إعلام بالصلاة ودعاء إليهما كقوله: (الصلاة جامعة) حيث يسن في نفل تشرع فيه الجماعة، ولأنه لم يأمر بهما في خبر المسيء صلاته كما ذكر فيه الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة، ولأنه ترك الأذان في اثانية الجمع، ولو كان واجباً .. لما ترك للجمع الذي ليس بواجب.
وأقل ما تحصل به سنة الأذان: أن ينتشر في جميع أهل ذلك المكان، حتى إذا كبر .. أذن في كل جانب واحد؛ لينشر في جميعهم، فإن أذن واحد فقط .. حصلت السنة في جانب السامعين دون غيرهم، وكما أن الأذان والإقامة سنتان للجماعة .. فهما سنتان للمنفرد ولو كان في صحراء أو بلد وبلغه أذان غيره؛ كما صححه النووي في "تحقيقه" وغيره، ونقله في "مجموعه" عن نص "الأم"، وإن صحح في "شرح مسلم" أنه لا يؤذن إن سمع أذان غيره.
стр. 170
ويكفي في أذانه إعلام نفسه، بخلاف أذان الإعلام، ويسن أن يرفع صوته؛ لخبر البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أن أبا سعيد الخدري قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة .. فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء .. إلا شهد له يوم القيامة، سمعته من رسول الله ﷺ أي: سمعت ما قلت لك بخطاب لي، كما فهمه الماوردي والإمام والغزالي، وأوردوه باللفظ الدال على ذلك؛ ليظهر الاستدلال به على أذان المنفرد ورفع صوته به، وقيل: إن ضمير (سمعته) لقوله: (لا يسمع ... ) إلى آخره.
واستثني من رفع صوته ما إذا أذن في مكان وقعت فيه جماعة، قال في "الروضة" و"أصلها": وانصرفوا؛ لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى.
(شرطهما: الولا، وترتيب ظهر ... وفي مؤذن: مميز ذكر)
(أسلم والمؤذن المرتب ... معرفة الأوقات لا المحتسب)
[شروط الأذان والإقامة]
أي: شرط الأذان والإقامة: الولاء والترتيب لهما؛ لأنهما جاءا كذلك في خبر مسلم وغيره، ولأن ترك كل منهما يوهم اللعب ويخل بالإعلام، فلو ترك الترتيب .. لم يصح، لكن يبني على المنتظم، والاستئناف أولى؛ إذ الولاء لم يصح، ولا يضر يسير سكوت؛ لأن مثله يقع للتنفس والاستراحة، ولا يسير الكلام؛ لأنه لا يخل بالغرض، ولا يسير نوم وإغماء، لكن يسن فيهما الاستئناف، وألا يتكلم ولو لمصلحة، فلو عطس .. حمد الله تعالى في نفسه وبنى، ولا يرد السلام، فلو رد أو شمت عاطساً أو تكلم لمصلحة .. لم يكره، ولو خاف وقوع أعمى في بئر، أو لدغ حية أو عقرب لغافل أو نحوهما .. وجب إنذاراه.
وشرط كل منهما أيضاً: عدم صدوره من شخصين، فلا يصح بناء غيره على ما أتى به وإن قصر الفصل واشتبها صوتاً.
стр. 171
[شروط المؤذن]
وشرط المؤذن: التمييز، فلا يصح أذان غير مميز من صبي ومجنون وطافح السكر؛ لعدم أهليته للعبادة.
والذكورة، ولو عبداً أو صبياً، فلا يصح أذان الأنثى والخنثى للرجال والخناثى؛ كما لا تصح إمامتهما لهم، أما أذانهما لغير الرجال والخناثى .. فلا يسن، فلو أذنت امرأة لنفسها أو النساء سراً .. لم يكره، أو جهراً بأن رفعت صوتها فوق ما تسمع صواحبها .. حرم.
والإسلام، فلا يصح أذان كافر؛ لعدم أهليته للعبادة؛ ولأنه لا يعتقد مصمونه، ولا الصلاة التي هو دعاء إليها؛ فإتيانه به ضرب من الاستهزاء، فلو أذن .. حكم بإسلامه بالشهادتين إن لم يكن عيسوياً، ويعتد بأذانه إن أعاد، أما العيسوي .. فلا يحكم بإسلامه بهما، والعيسوية: فرقة من اليهود تنسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصبهاني، كان في خلافة المنصور يعتقد أن محمداً رسو الله إلى العرب خاصة.
والتمييز والإسلام شرطان للإقامة أيضاً.
[شرط المؤذن المرتب]
وشرط المؤذن المرتب: معرفة الأوقات، لا المحتسب الذي يؤذن لنفسه أو لجماعة احتساباً في بعض الأوقات، فلا تشترط معرفته الأوقات، بل إذا علم دخول الوقت .. صح أذانه، ولو أذن جاهلاً بدخول الوقت فصادفه .. اعتد به على الأصح، وفارق التيمم والصلاة باشتراط النية فيهما، هذا تبع فيه النووي في "مجموعة" حيث قال: وتشترط معرفة المؤذن بالمواقيت هكذا صرح باشتراطه صاحب "التتمة" وغيره، وأما ما حكاه الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي ﵁ وقطع به، ووقع في كلام المحاملي وغيره: أنه يستحب كونه عارفاً بها .. فمؤول، قال: ونعني بالاشتراط في الراتب للأذان، أما من يؤذن لنفسه أو يؤذن لجماعة مرة .. فلا يشترط معرفته بها، بل إذا علم دخول الوقت .. صح أذانه؛ بدليل أذان الأعمى، ومن سمع الأذان من ثقة عالم بالوقت اطمأن إليه في تقليده؛ فجرى مجرى إخباره عن دخول الوقت. انتهى.
وقد علم: أن شرط الأذان: الوقت، فلا يصح قبله إلا للصبح فيصح من نصف الليل، ويستحب له أذانان: قبل الفجر وبعده.
стр. 172
وقول المصنف: (مميز) بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: والشرط في مؤذن: مميز؛ أي: تمييز، من إطلاق اسم الفاعل على المصدر، وقوله: (والمؤذن المرتب)، وقوله: (لا المحتسب) بالجر عطفاً على (مؤذن)، وقوله: (معرفة الأوقات) بالرفع خبر ذلك المبتدأ المحذوف؛ أي: والشرط في المؤذن المرتب: معرفة الأوقات، ويصح كونها مرفوعة على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه في إعرابه؛ أي: وشرط المؤذن المرتب: معرفة الأوقات، وقد يجوز جرها على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه على جره.
[سنن الأذان والإقامة]
(وسنة: ترتيله بعج ... والخفض في إقامة بدرج)
(والالتفات فيهما إذ حيعلا ... وأن يكون طاهراً مستقبلا)
(عدلاً أميناً صيتاً مثوبا ... لفجره مرجعاً محتسبا)
(مرتفعاً، كقوله أجابه ... مستمع ولو مع الجنابة)
(لكنه يبدل لفظ الجيعله ... - إذا حكى أذانه - بالحوقله)
أي: السنة ترتيب الأذان؛ أي: التأني فيه؛ بأن يأتي بكلماته مبينة بلا تمطيط؛ لخبر: "إذا أذنت .. فترسل في أذانك، وإذا أقمت .. فاحدر" أي: بمهملات، ومعناه: أسرع، رواه الحاكم في "المستدرك" وأبو داوود والترمذي، ولأن الأذان للغائبين فالترتيل فيه أبلغ، والإقامة للحاضرين فالإدراج فيها أشبه.
ويسن أن يقف على كلمات الأذان إلا التكبير فعلى كل كلمتين.
وقوله: (بعج) أي: مع رفع صوت من المؤذن ما أمكنه بلا ضرر؛ للأمر به في خبر أبي سعيد المار، والسنة الخفض في إقامة بدرج؛ أي: مع إسراع من المقيم بكلماتها؛ لما مر.
ولو أسر المؤذن لجماعة بشيء غير الترجيع الآتي .. لم يجزه؛ لفوات الإعلام، فيجب الإسماع ولو لواحد، وإسماع النفس يجزئ المؤذن لنفسه؛ لأن الغرض منه الذكر
стр. 173
لا الإعلام، وعلى هذا: حمل ما نقل عن النص من أنه لو أسر ببعضه .. صح، ولا يجزئ إسماع النفس من المقيم للجماعة؛ كما في الأذان وإن كان الرفع بها أخفض منه كما مر.
والسنة: الالتفات فيهما؛ أي: في الأذان والإقامة إذ حيعلا؛ أي: وقت حيعلته يميناً في الأولى وشمالاً في الثانية من غير تحويل صدره عن القبلة وقدميه عن مكانهما؛ بأن يلتفت المؤذن عن يمينه فيقول: (حي على الصلاة) مرتين، ثم يلتفت عن يساره فيقول: (حي على الفلاح) مرتين، ويلتفت المقيم عن يمينه فيقول: (حي على الصلاة)، ثم يلتفت عن يساره فيقول: (حي على الفلاح)، والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين" عن أبي جحيفة: (رأيت بلالاً يؤذن فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، فيقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح)، وفي رواية لأبي داوود بإسناد صحيح: (فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح .. لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر)، وفي رواية للترمذي صححها: (وإصبعاه في أذنيه).
وسن الالتفات في الحيعلتين دون غيرهما؛ لأن غيرهما ذكر الله تعالى وهما خطاب الآدمي؛ كالسلام في الصلاة يلتفت فيه دون غيره من الأذكار، وفارق كراهة الالتفات في الخطبة؛ بأن المؤذن داع للغائبين والالتفات أبلغ في إعلامهم، والقصد من الإقامة أيضاً: الإعلام، والخطيب واعظ للحاضرين، فالأدب ألا يعرض عنهم، ولا يلتفت في قوله: (الصلاة خير من النوم) كما اقتضاه كلامهم.
والسنة في المؤذن: أن يكون طاهراً من الحدث ولو أصغر، ومن الخبث؛ لخبر: "كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" أو قال: "على طهارة" رواه أبو داوود وغيره، وقال في "المجموع": إنه صحيح، ولأنه يدعو إلى الصلاة فليكن بصفة من يمكنه فعلها، وإلا .. فهو واعظ غير متعظ، فيكره أذان المحدث، وأذان الجنب أشد كراهة، وكراهة الإقامة من كل منهما أشد من كراهة الأذان منه، ويجزئ أذان الجنب وإقامته وإن كان في المسجد ومكشوف العورة؛ لحصول الإعلام، والتحريم لمعنى آخر، فإن أحدث ولو حدثاً أكبر في أذانه ..
стр. 174
استحب إتمامه، ولا يقطعه ليتوضأ، فإن توضأ ولم يطل .. بنى.
وأن يكون مستقبلاً للقبلة؛ لأنه المنقول سلفاً وخلفاً، ولأنها أشرف الجهات.
وأن يكون عدلاً أميناً؛ ليقبل خبره عن الأوقات، ويؤمن نظره إلى العورات، فيكره أذان الصبي والفاسق؛ لأنه لا يؤمن أن يؤذن في غير الوقت، ولا أن ينظر إلى العوراتن لكن تحصل بأذانه السنة وإن لم يقبل خبره في الوقت.
وقول المصنف: (أميناً) بدل من قوله: (عدلاً) أفاد به: أن المراد عدل الرواية لا عدل الشهادة، ولكن يسن كونه حراً أيضاً؛ لأنه أكمل من غيره.
وأن يكون صيتاً؛ أي: عالي الصوت؛ لقوله ﷺ في خبر عبد الله بن زيد: "ألقه على بلال؛ فإنه أندى منك صوتاً" أي: أبعد مدى، وقيل: أحسن صوتاً، ولهذا: يسن كونه حسن الصوت، ولأنه ﷺ اختار أبا محذورة لحسن صوته، ولأنه أرق لسامعيه فيكون ميلهم إلى الإجابة أكثر، ولزيادة الإبلاغ.
وأن يكون مثوباً - بالمثلثة - لفجره؛ بأن يقول بعد الحيعلات في أذانه: (الصلاة خير من النوم) مرتين لوروده في خبر أبي داوود وغيره بإسناد جيد كما في "المجموع"، وهو من ثاب؛ أي: رجع؛ لأن المؤذن دعا إلى الصلاة بالحيعلتين، ثم عاد فدعا إليها بذلك، وخص بالصبح؛ لما يعرض للنائم من التكاسل بسبب النوم، وشمل إطلاقه - كالغزالي وغيره -: أذاني الصبح؛ فيثوب فيهما، وصححه في "التحقيق"، لكن في "التهذيب": إن ثوب في الأول .. لا يثوب في الثاني على الأصح، وأقراه في "الروضة" و"أصلها"، واقتصر على نقله في "الشرح الصغير"، وفي "المجموع": ظاهر كلام الأصحاب: أنه يثوب فيهما، ثم ذكر كلام "التهذيب"، ويثوب في أذان الفائتة أيضاً كما صرح به ابن عجيل اليمني؛ نظراً إلى أصله، ويكره التثويب لغير الصبح؛ لخبر "الصحيحين": "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه .. فهو رد".
стр. 175
وأن يكون مرجعاً في أذانه؛ بأن يخفض صوته بكلمات الشهادتين وهن أربع؛ بأن يسمع من يقربه، أو أهل المسجد إن كان واقفاً عليهم وكان المسجد مقتصد الخطة قبل رفعه بها؛ كما رواه مسلم عن أبي محذورة، وسمي ترجيعاً؛ لأنه رجع إلى الرفع بعد أن تركه، أو إلى الشهادتين بعد ذكرهما، وحكمته: تدبر كلمتي الشهادة والإخلاص فيهما؛ لكونهما المنجيتين من الكفر المدخلتين في الإسلام، وتذكر خفائهما في أول الإسلام، ثم ظهورهما، وظاهر كلام "الروضة" و"أصلها": أنه اسم للمجموع، لكن صرح النووي في "مجموعه" و"تحقيقه" و"دقائقه" و"تحريره" بأنه اسم للأول، وصوبه بعضهم وفي "شرح مسلم" كـ"حاوي الماوردي" بأنه اسم للثاني، فكلمات الأذان بالترجيع تسع عشرة كلمة، وكلمات الإقامة إحدى عشرة.
وأن يكون محتسباً بأذانه أجراً عند الله تعالى بألا يأخذ عليه أجراً؛ لخبر الترمذي وغيره: "من أذن سبع سنين محتسباً .. كتب الله له براءة من النار"، ولقول عثمان ابن أبي العاصي: آخر ما عهد إلي النبي ﷺ قال: "اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً" رواه الترمذي وحسنه، ولكل أحد الرزق عليه من ماله، وللإمام عند فقد محتسب الرزق عليه من مال المصالح عند الحاجة بقدرها.
قال في "المجموع": قال أصحابنا: ولا يجوز أن يرزق مؤذناً وهو يجد متبرعاً عدلاً؛ كما نص عليه، قال القاضي حسين: لأن الإمام في بيت المال كالوصي في مال اليتيم، والوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متبرعاً .. لم يجز له أن يستأجر عليه من مال اليتيم فكذا الإمام، فلو احتسب فاسق .. فله رزق أمين، أو أمين .. فله رزق من هو أحسن صوتاً منه إن رآه مصلحة، ويجوز الاستئجار عليه، ثم إن كان من بيت المال .. لم يشترط بيان المدة، بل يكفي كل شهر بكذا؛ كالجزية والخراج، أو من مال الإمام، أو كان المستأجر أحد الرعية .. اشترط بيانها، والرزق: أن يعطيه ما يكفيه وعياله، والأجرة: ما يقع به التراضي.
وأن يكون مرتفعاً على شيء عال كمنارة وسطح؛ لخبر "الصحيحين": (كان لرسول الله
стр. 176
صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم، ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا)، ولخبر البيهقي بإسناد صحيح: أن عبد الله بن زيد قال: (يا رسول الله؛ رأيت في المنام رجلاً قام على جذم حائط فأذن وأقام)، ولزيادة الإعلام، و (الجذم) بكسر الجيم وسكون المعجمة: الأصل، بخلاف الإقامة لا تسن على عال إلا في مسجد كبير يحتاج فيه إلى علو للإعلام بها.
وقوله: (كقوله أجابه ... ) إلى آخره؛ أي: مثل قول المؤذن؛ أي: أو المقيم أجابه ندباً مستمع له؛ أي: وسامعه؛ بأن يجيب كل كلمة عقبها ولو مع الجناية أو الحيض أو النفاس، لكنه يبدل لفظ الحيعلة إذا حكى أذانه؛ أي: أو إقامته بالحوقلة؛ أي: بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله) أربعاً في إجابة المؤذن، ومرتين في إجابة المقيم، والمعنى: لا حول لي عن المعصية، ولا قوة لي على ما دعوتني إليه إلا بك، ويقول في كلمتي الإقامة: (أقامها الله وأدامها، وجعلني من صالحي أهلها)، ويقول في التثويب: (صدقت وبررت)؛ والأصل في ذلك خبر: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبرن فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه .. دخل الجنة" رواه مسلم، وهو مبين لخبره الآخر: "إذا سمعتم المؤذن .. فقولوا مثلما يقول"، ولأن إجابته تدل على رضاه به وموافقته في ذلك.
وإنما سن للجنب ونحوه ذلك؛ لأنه ذكر، وهم من أهله.
وأفهم كلامه كغيره: أنه لو علم أذانه ولم يسمعه لصمم أو نحوه .. لا تسن إجابته، وقال في "المجموع": إنه الظاهر؛ لأنها معلقة بالسماع في خبر: "إذا سمعتم المؤذن"، وكما في نظيره من تشميت العاطس، ولو تركها بغير عذر حتى فرغ المؤذن .. فالظاهر: تداركه إن قصر الفصل، قال: وإذا لم يسمع الترجيع .. فالظاهر: أنه يسن له الإجابة فيه؛ لقوله صلى الله
стр. 177
عليه وسلم: "فقولوا مثل ما يقول"، ولم يقل: مثل ما تسمعون، وأفتى البارزي بأنها لا تسن، نقله في "التوشيح".
قال في "المجموع": وإذا سمع مؤذناً بعد مؤذن .. فالمختار: أن أصل الفضيلة في الإجابة شامل للجميع إلا أن الأول متأكد يكره تركه، وقال ابن عبد السلام: إجابة الأول أفضل إلا أذاني الصبح فلا أفضلية فيهما؛ لتقدم الأول ووقوع الثاني في الوقت، وإلا أذاني الجمعة؛ لتقدم الأول ومشروعية الثاني في زمنه ﷺ . انتهى.
وشمل كلامه: القارئ فيقطع القراءة ويجيب، بخلاف المصلي ولو نفلاً يكره له أن يجيب في صلاته، بل تبطل إن أتى بشيء من الحيعلتين، أو بـ (الصلاة خير من النوم)، أو بـ (صدقت وبررت) لأن ذلك كلام آدمي.
نعم؛ يندب أن يجيب عقب الفراغ منها إن لم يطل الفصل، ومثله المجامع، وقاضي الحاجة.
ويسن لكل من المؤذن والسامع أن يصلي ويسلم على النبي ﷺ بعد الأذان، ثم يقول: (اللهم؛ رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته).
وأن يقول عقب الفراغ من أذان المغرب: (اللهم؛ هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي).
ومن أذان الصبح: (اللهم؛ هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك ... ) إلى آخره.
وأن يقول المؤذن بعد فراغه في ليلة مطيرة أو ريح أو ظلمة: (ألا صلوا في رحالكم)، فإن قاله بعد الحيعلتين .. فلا بأس، قاله في "الروضة" وغيرها، ويجيبه السامع بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله) قياساً على الحيعلتين، قاله في "المهمات".
وألف (حيعلا) للإطلاق، واللام في قوله: (لفجره) للتعليل، أو بمعنى: (في)، وتعبيره كالأزهري بـ (الحوقلة) بأخذ الحاء والواو من (حول) والقاف من (قوة) واللام من اسم الله تعالى، قال بعضهم: إنه أحسن؛ لتضمنه جميع الألفاظ، ويجوز فيه التعبير
стр. 178
بـ (الحولقة) كما عبر به الجوهري بتركيبه من حاء (حول) وقاف (قوة)، وما قيل: من أن الصواب: إدخال الباء بعد لفظ الإبدال على المتروك لا المأخوذ كما عبر به المصنف كغيره .. مردود.
(والرفع لليدين للإحرام سن ... بحيث الإبهام حذا شحم الأذن)
(مكشوفة، وفرق الأصابعا ... ويبتدي التكبير حين رفعا)
(ولركوع واعتدال بالفقاز ... ووضع يمناه على كوع اليسار)
(أسفل صدر ناظراً محلا ... سجوده، (وجهت وجهي) الكلا)
في هذه الأبيات تسع مسائل:
[استحباب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام]
الأولى: يسن الرفع لليدين في تكبيرة الإحرام؛ بحيث تكون الإبهام حذاء شحم الأذن مستقبلاً بكفيه؛ لخبر ابن عمر: (أنه ﷺ كان إذا افتتح الصلاة .. يرفع يديه حذو منكبيه) متفق عليه، قال النووي في "شرح مسلم": معنى حذو منكبيه، وذال (حذو) ما تصرف منه: معجمة.
ولو قطعت يده من الكوع .. رفع الساعد، أو من الرفق .. رفع العضد؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، فإن عجز عن رفع يديه أو إحداهما إلى هذا الحد وأمكنه الزيادة أو النقص .. فعل الممكن، أو أمكناه .. فالأولى الزيادة.
[استحباب كشف الكفين عند الرفع]
الثانية: يسن كشف الكفين عند الرفع، وهذا معنى قوله: (مكشوفة) أي: حال كون كل من كفيه مكشوفة.
стр. 179
[استحباب تفرقة الأصابع في رفع اليدين]
الثالثة: يسن تفرقة أصابعهما قال في "الروضة" كـ"أصلها": وسطاً، وحكاه في "المجموع" عن الرافعي، ثم قال: والمشهور: ما قطع به الجمهور استحباب التفريق، وصححه في "التحقيق" أي: بلا تقييد بوسط، وفهم عنه في "المهمات" استحباب المبالغة فصرح بها.
[ابتداء التكبير وانتهاؤه مع رفع اليدين]
الرابعة: يبتدئ التكبير ندباً حين يرفع يديه؛ بأن يبتدئه مع ابتداء تحرمه وينهيه مع انتهائه كما صححه في "التحقيق" وشرحي "المهذب" و"الوسيط" ونقله فيهما عن نص "الأم"، قال في "المهمات": وهو المفتى به، لكنه صحح في "الروضة" كـ"أصلها": أنه لا استحباب في الانتهاء، بل إن فرغ منهما معاً .. فلا كلام، وإن فرغ من أحدهما قبل الآخر .. أتممه.
[استحباب رفع اليدين للركوع]
الخامسة: يسن رفع يديه للركوع؛ بأن يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه .. انحنى.
[استحباب رفع اليدين للاعتدال]
السادسة: يسن رفع يديه للاعتدال بنصب الفقار؛ بأن يبتدئ الرفع مع ابتداء رفع رأسه من الركوع، فإذا استوى .. أرسلهما إرسالاً خفيفاً إلى تحت صدره فقط، فلو ترك الرفع سهواً أو عمداً .. تداركه في أثناء التكبير أو التسميع، وإن أتممه .. لم يرفع، قال في "المجموع": قال في "الأم": ولو تركه في جميع ما أمرته به أو فعله حيث لم آمره به .. كرهت له ذلك.
وأفهم كلام المصنف: أنه لا يسن الرفع للسجود ولا للقيام من جلسة الاستراحة والتشهد
стр. 180
الأول، وهو ما في "الرافعي" وغيره، ونقله النووي في الأخيرة عن الجمهور، لكنه حكى فيها وجهاً: أنه يسن الرفع، وقال: إنه الصحيح أو الصواب؛ فقد ثبت في "صحيح البخاري" وغيره، ونص عليه الشافعي.
و(الفقار) بفتح الفاء: عظام الظهر؛ جمع فقره بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف.
[هيئة اليدين أثناء القيام]
السابعة: يسن للمصلي في القيام أو بدله وضع يمناه على كوع يسراه وبعض ساعده ورسغه باسطاً أصابعها في عرض المفصل أسفل صدره، وقيل: يتخير بين بسط أصابع يمناه في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد؛ والأصل في ذلك: خبر مسلم عن وائل بن حجر: (أنه ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى)، زاد ابن خزيمة: (على صدره) أي: فيكون آخر اليد تحته، وروى أبو داوود بإسناد صحيح: (على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد).
قال في "الأم": والقصد م وضع اليمنى على اليسرى: تسكين يديه، فإن أرسلهما بلا عبث .. فلا بأس، والحكمة في جعلهما تحت الصدر: أن تكونا فوق أشرف الأعضاء وهو القلب؛ فإنه تحت الصدر، وقيل: الحكمة فيه: أن القلب محل النية، والعادة جارية بأن من احتفظ على شيء .. جعل يديه عليه، ولهذا: يقال في المبالغة: أخذ بكلتا يديه.
و(الكوع) والكاع: العظم الذي يلي إبهام اليد، كما أن البوع: العظم الذي يلي إبهام الرجل، وأما الذي يلي الخنصر .. فكرسوع بضم الكاف، و (الرسغ) بالسين المهملة أفصح من الصاد؛ وهو المفصل بين الكف والساعد، و (اليد) مؤنثة، ولهذا: توصف باليمنى واليسرى.
[استحباب نظر المصلي لموضع سجوده]
الثامنة: يسن للمصلي إدامة نظره في جميع صلاته إلى محل سجوده، وهذا معنى قوله: (ناظراً محلاً سجوده) أي: حال كون ناظراً في جميع صلاته موضع سجوده ولو في ظلمة؛ لأن
следующие страницы →