← Фикх шафии

Фикх шафии · id 32197

فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان

شهاب الدين الرملي

Полный текст (924 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم، ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا)، ولخبر البيهقي بإسناد صحيح: أن عبد الله بن زيد قال: (يا رسول الله؛ رأيت في المنام رجلاً قام على جذم حائط فأذن وأقام)، ولزيادة الإعلام، و (الجذم) بكسر الجيم وسكون المعجمة: الأصل، بخلاف الإقامة لا تسن على عال إلا في مسجد كبير يحتاج فيه إلى علو للإعلام بها. وقوله: (كقوله أجابه ... ) إلى آخره؛ أي: مثل قول المؤذن؛ أي: أو المقيم أجابه ندباً مستمع له؛ أي: وسامعه؛ بأن يجيب كل كلمة عقبها ولو مع الجناية أو الحيض أو النفاس، لكنه يبدل لفظ الحيعلة إذا حكى أذانه؛ أي: أو إقامته بالحوقلة؛ أي: بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله) أربعاً في إجابة المؤذن، ومرتين في إجابة المقيم، والمعنى: لا حول لي عن المعصية، ولا قوة لي على ما دعوتني إليه إلا بك، ويقول في كلمتي الإقامة: (أقامها الله وأدامها، وجعلني من صالحي أهلها)، ويقول في التثويب: (صدقت وبررت)؛ والأصل في ذلك خبر: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبرن فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه .. دخل الجنة" رواه مسلم، وهو مبين لخبره الآخر: "إذا سمعتم المؤذن .. فقولوا مثلما يقول"، ولأن إجابته تدل على رضاه به وموافقته في ذلك. وإنما سن للجنب ونحوه ذلك؛ لأنه ذكر، وهم من أهله. وأفهم كلامه كغيره: أنه لو علم أذانه ولم يسمعه لصمم أو نحوه .. لا تسن إجابته، وقال في "المجموع": إنه الظاهر؛ لأنها معلقة بالسماع في خبر: "إذا سمعتم المؤذن"، وكما في نظيره من تشميت العاطس، ولو تركها بغير عذر حتى فرغ المؤذن .. فالظاهر: تداركه إن قصر الفصل، قال: وإذا لم يسمع الترجيع .. فالظاهر: أنه يسن له الإجابة فيه؛ لقوله صلى الله

стр. 177

عليه وسلم: "فقولوا مثل ما يقول"، ولم يقل: مثل ما تسمعون، وأفتى البارزي بأنها لا تسن، نقله في "التوشيح". قال في "المجموع": وإذا سمع مؤذناً بعد مؤذن .. فالمختار: أن أصل الفضيلة في الإجابة شامل للجميع إلا أن الأول متأكد يكره تركه، وقال ابن عبد السلام: إجابة الأول أفضل إلا أذاني الصبح فلا أفضلية فيهما؛ لتقدم الأول ووقوع الثاني في الوقت، وإلا أذاني الجمعة؛ لتقدم الأول ومشروعية الثاني في زمنه ﷺ . انتهى. وشمل كلامه: القارئ فيقطع القراءة ويجيب، بخلاف المصلي ولو نفلاً يكره له أن يجيب في صلاته، بل تبطل إن أتى بشيء من الحيعلتين، أو بـ (الصلاة خير من النوم)، أو بـ (صدقت وبررت) لأن ذلك كلام آدمي. نعم؛ يندب أن يجيب عقب الفراغ منها إن لم يطل الفصل، ومثله المجامع، وقاضي الحاجة. ويسن لكل من المؤذن والسامع أن يصلي ويسلم على النبي ﷺ بعد الأذان، ثم يقول: (اللهم؛ رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته). وأن يقول عقب الفراغ من أذان المغرب: (اللهم؛ هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي). ومن أذان الصبح: (اللهم؛ هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك ... ) إلى آخره. وأن يقول المؤذن بعد فراغه في ليلة مطيرة أو ريح أو ظلمة: (ألا صلوا في رحالكم)، فإن قاله بعد الحيعلتين .. فلا بأس، قاله في "الروضة" وغيرها، ويجيبه السامع بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله) قياساً على الحيعلتين، قاله في "المهمات". وألف (حيعلا) للإطلاق، واللام في قوله: (لفجره) للتعليل، أو بمعنى: (في)، وتعبيره كالأزهري بـ (الحوقلة) بأخذ الحاء والواو من (حول) والقاف من (قوة) واللام من اسم الله تعالى، قال بعضهم: إنه أحسن؛ لتضمنه جميع الألفاظ، ويجوز فيه التعبير

стр. 178

بـ (الحولقة) كما عبر به الجوهري بتركيبه من حاء (حول) وقاف (قوة)، وما قيل: من أن الصواب: إدخال الباء بعد لفظ الإبدال على المتروك لا المأخوذ كما عبر به المصنف كغيره .. مردود. (والرفع لليدين للإحرام سن ... بحيث الإبهام حذا شحم الأذن) (مكشوفة، وفرق الأصابعا ... ويبتدي التكبير حين رفعا) (ولركوع واعتدال بالفقاز ... ووضع يمناه على كوع اليسار) (أسفل صدر ناظراً محلا ... سجوده، (وجهت وجهي) الكلا) في هذه الأبيات تسع مسائل: [استحباب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام] الأولى: يسن الرفع لليدين في تكبيرة الإحرام؛ بحيث تكون الإبهام حذاء شحم الأذن مستقبلاً بكفيه؛ لخبر ابن عمر: (أنه ﷺ كان إذا افتتح الصلاة .. يرفع يديه حذو منكبيه) متفق عليه، قال النووي في "شرح مسلم": معنى حذو منكبيه، وذال (حذو) ما تصرف منه: معجمة. ولو قطعت يده من الكوع .. رفع الساعد، أو من الرفق .. رفع العضد؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، فإن عجز عن رفع يديه أو إحداهما إلى هذا الحد وأمكنه الزيادة أو النقص .. فعل الممكن، أو أمكناه .. فالأولى الزيادة. [استحباب كشف الكفين عند الرفع] الثانية: يسن كشف الكفين عند الرفع، وهذا معنى قوله: (مكشوفة) أي: حال كون كل من كفيه مكشوفة.

стр. 179

[استحباب تفرقة الأصابع في رفع اليدين] الثالثة: يسن تفرقة أصابعهما قال في "الروضة" كـ"أصلها": وسطاً، وحكاه في "المجموع" عن الرافعي، ثم قال: والمشهور: ما قطع به الجمهور استحباب التفريق، وصححه في "التحقيق" أي: بلا تقييد بوسط، وفهم عنه في "المهمات" استحباب المبالغة فصرح بها. [ابتداء التكبير وانتهاؤه مع رفع اليدين] الرابعة: يبتدئ التكبير ندباً حين يرفع يديه؛ بأن يبتدئه مع ابتداء تحرمه وينهيه مع انتهائه كما صححه في "التحقيق" وشرحي "المهذب" و"الوسيط" ونقله فيهما عن نص "الأم"، قال في "المهمات": وهو المفتى به، لكنه صحح في "الروضة" كـ"أصلها": أنه لا استحباب في الانتهاء، بل إن فرغ منهما معاً .. فلا كلام، وإن فرغ من أحدهما قبل الآخر .. أتممه. [استحباب رفع اليدين للركوع] الخامسة: يسن رفع يديه للركوع؛ بأن يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه .. انحنى. [استحباب رفع اليدين للاعتدال] السادسة: يسن رفع يديه للاعتدال بنصب الفقار؛ بأن يبتدئ الرفع مع ابتداء رفع رأسه من الركوع، فإذا استوى .. أرسلهما إرسالاً خفيفاً إلى تحت صدره فقط، فلو ترك الرفع سهواً أو عمداً .. تداركه في أثناء التكبير أو التسميع، وإن أتممه .. لم يرفع، قال في "المجموع": قال في "الأم": ولو تركه في جميع ما أمرته به أو فعله حيث لم آمره به .. كرهت له ذلك. وأفهم كلام المصنف: أنه لا يسن الرفع للسجود ولا للقيام من جلسة الاستراحة والتشهد

стр. 180

الأول، وهو ما في "الرافعي" وغيره، ونقله النووي في الأخيرة عن الجمهور، لكنه حكى فيها وجهاً: أنه يسن الرفع، وقال: إنه الصحيح أو الصواب؛ فقد ثبت في "صحيح البخاري" وغيره، ونص عليه الشافعي. و(الفقار) بفتح الفاء: عظام الظهر؛ جمع فقره بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف. [هيئة اليدين أثناء القيام] السابعة: يسن للمصلي في القيام أو بدله وضع يمناه على كوع يسراه وبعض ساعده ورسغه باسطاً أصابعها في عرض المفصل أسفل صدره، وقيل: يتخير بين بسط أصابع يمناه في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد؛ والأصل في ذلك: خبر مسلم عن وائل بن حجر: (أنه ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى)، زاد ابن خزيمة: (على صدره) أي: فيكون آخر اليد تحته، وروى أبو داوود بإسناد صحيح: (على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد). قال في "الأم": والقصد م وضع اليمنى على اليسرى: تسكين يديه، فإن أرسلهما بلا عبث .. فلا بأس، والحكمة في جعلهما تحت الصدر: أن تكونا فوق أشرف الأعضاء وهو القلب؛ فإنه تحت الصدر، وقيل: الحكمة فيه: أن القلب محل النية، والعادة جارية بأن من احتفظ على شيء .. جعل يديه عليه، ولهذا: يقال في المبالغة: أخذ بكلتا يديه. و(الكوع) والكاع: العظم الذي يلي إبهام اليد، كما أن البوع: العظم الذي يلي إبهام الرجل، وأما الذي يلي الخنصر .. فكرسوع بضم الكاف، و (الرسغ) بالسين المهملة أفصح من الصاد؛ وهو المفصل بين الكف والساعد، و (اليد) مؤنثة، ولهذا: توصف باليمنى واليسرى. [استحباب نظر المصلي لموضع سجوده] الثامنة: يسن للمصلي إدامة نظره في جميع صلاته إلى محل سجوده، وهذا معنى قوله: (ناظراً محلاً سجوده) أي: حال كون ناظراً في جميع صلاته موضع سجوده ولو في ظلمة؛ لأن

стр. 181

جمع النظر في مكان واحد أقرب إلى الخشوع، ومكان سجوده أشرف من غيره، إلا في تشهده .. فالسنة: ألا يجاوز بصره مسبحته، واستثنى جماعة منهم الماوردي والروياني المصلي في المسجد الحرام .. فالمستحب له النظر إلى الكعبة لا إلى موضع سجوده، لكن صوب البلقيني في "فتاويه" أنه كغيره، قال بعضهم: وينبغي أن ينظر في صلاة الجنازة إلى الميت. [استحباب دعاء الافتتاح] التاسعة: يسن للمصلي بعد تحرمه ولو بالنفل: (وجهت وجهي ... الكلا) أي: إلى آخره، وهو: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين) للاتباع، رواه مسلم إلا (مسلماً) فابن حبان. ولا فرق في التعبير بهذا اللفظ بن الرجل والمرأة والخنثى على إرادة الشخص، وفي "مستدرك الحاكم": أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "قومي فاشهدي أضحيتك، وقولي: إن صلاتي ونسكي ... " إلى قوله: "وأنا المسلمين". قال في "الروضة" كـ"أصلها": ويزيد المنفرد وإمام محصورين علم رضاهم بالتطويل: (اللهم؛ أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعها؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاف لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك). وقد صح في دعاء الافتتاح أخبار، منها: "اللهم؛ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم؛ نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم؛ اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" رواه الشيخان، ومنها:

стр. 182

"الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً طيباً فيه"، ومنها: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً" رواهما مسلم. قال النووي: وبأيها افتتح .. أتى بأصل السنة، لكن أفضلها الأول. فلو ترك الافتتاح حتى تعوذ .. لم يأت به؛ لفوات محله، ويأتي به المسبوق بعد تأمينه مع الإمام؛ لقصره لا بعد جلوسه أو سجوده معه؛ لطوله، ولا إذا خشي عدم إكماله (الفاتحة)، ولا المصلي على الجنازة؛ لطلب التخفيف. والألف في قوله: (الأصابعا) و (رفعا) و (محلا) و (الكلا) للإطلاق. (وكل ركعة تعوذ يسر ... ومع إمامه بـ (آمين) جهر فيه مسألتان: [استحباب التعوذ في كل ركعة] الأولى: يسن بعد الافتتاح التعوذ في كل ركعة؛ لقوله تعالى ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطن الرجيم﴾ أي: إذا أردت قراءته، ولحصول الفصل بين القراءتين بالركوع وغيره، لكنه في الأولى آكد؛ لأن افتتاح قراءته في الصلاة إنما يكون فيها، ويحصل بكل ما اشتمل على التعوذ من الشيطان، وأفضله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ويستثنى المأموم؛ إذا خاف عدم إكماله (الفاتحة) كما مر. ومقتضى كلام الشيخين: استحباب التعوذ لمن أتى بالذكر؛ لعجزه عن القراءة، لكن قال في "المهمات": إن المتجه خلافه. وخرج بقول المصنف: (كل ركعة) ما لو فصل بين القراءتين بسجود التلاوة .. فإنه لا يسن إعادة التعوذ. وقوله: (يسر) ببنائه للمفعول؛ أي: يسن الإسرار بالتعوذ ولو في الجهرية كالافتتاح

стр. 183

بجامع تقديمهما (الفاتحة)، بخلافه خارج الصلاة؛ فإنه يجهر به قطعاً، ويكفيه تعوذ واحد ما لم يقطع قراءته بكلام أو سكوت طويل. [ندب التأمين عقب الفاتحة] الثانية: يسن للمأموم أن يجهر بـ (آمين) مع جهر إمامه بها في الصلاة الجهرية؛ موافقة له. أما ندب التأمين .. فلخبر "الصحيحين": "إذا أمن الإمام .. فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة .. غفر له ما تقدم من ذنه"، وفيهما أيضاً: "إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين فوافقت إحداهما الأخرى .. غفر له ما تقدم من ذنبه"، زاد مسلم: «إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين»، على أن ندب التأمين لا يختص بالصلاة، لكنه فيها آكد. وأما ندب الجهر .. فللإتباع، رواه أبو داوود وغيره، وصححه ابن حبان وغيره، مع خير: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وأما ندب المعية .. فللخبرين الأولين؛ فإن ظاهرهما الأمر بها؛ بأن يقع تأمين الإمام والمأموم والملائكة دفعة واحدة، ولأن المأموم لا يؤمن لتأمين إمامه، بل لقراءته وقد فرغت، فإن لم تتفق موافقته للإمام .. أمن عقبه، فإن لم يم تأمينه أو أخره عن وقته المندوب .. أمن. قال في "المجموع": ولو قرأ معه وفرغا معاً .. كفى تأمين واحد، أو فرغ قبله .. قال البغوي: ينتظره، والمختار أو الصواب: أنه يؤمن لنفسه ثم للمتابعة. قال: ولو قال: (آمين رب العالمين)، وغيره من ذكر الله تعالى .. كان حسناً، ومتى اشتغل بغيره .. فات وإن قصر الفصل. وجهر الأنثى والخنثى به كجهرهما بالقراءة وسيأتي، وندب التأمين والجهر به يستوي فيه المنفرد وغيره إلا المأموم .. فيسر به لقراءة نفسه.

стр. 184

و (آمين) بالمد مع التخفيف كما في النظم وهو الأشهر، وبه مع الإمالة، وبه مع التشديد، وبالقصر مع التخفيف، وبه مع التشديد وهي شاذة، وهو على غير الثالثة: اسم فعل بمعنى: استجب، وعلى الثالثة بمعنى: قاصدين إليك، قال النووي: وهي شاذة، لكن لا تبطل بها الصلاة؛ لأن القصد بها الدعاء. وقوله: (وكل ركعة) يصح رفعه ونصبه. (وسورة والجهر أو سر أثر ... وعند أجنبي الأنثى تسر) فيه ثلاث مسائل: [استحباب سورة عقب الفاتحة] الأولى: يسن بعد (الفاتحة) سورة غيرها؛ أي: لغير فاقد الطهورين ذي الحدث الأكبر، ومأموم سمع قراءة إمامه في الركعتين الأوليين دون غيرهما؛ للاتباع، رواه الشيخان في غير المغرب، والنسائي فيه بإسناد حسن. وقيل: في غيرهما أيضاً؛ للاتباع، رواه الشيخان في الظهر والعصر، ومالك في المغرب، ويقاس بذلك العشاء. وفي ترجيحهم الأول تقديم لدليله النافي على دليل الثاني المثبت، عكس الراجح في الأصول؛ لما قام عندهم في ذلك. ومن سبق بالأخيرتين .. قرأها فيهما حيث يتداركهما؛ لئلا تخلو صلاته عن سورة. ويتأدى أصل السنة بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة أفضل، حتى أن السورة القصيرة أولى من قدرها من طويلة كما في "الروضة" و"المجموع"، وفي "الشرحين": أولى من

стр. 185

بعض طويلة؛ أي: وإن طال، وهذا في غير التراويح، أما فيها .. فقراءة بعض الطويلة أفضل؛ كما أفتى به ابن عبد السلام، وعلله بأن السنة فيها القيام بجميع القرآن. ويسن للصبح طوال المفصل، وللظهر قريب منها، وللعصر والعشاء أوساطه إن انفرد أو آثره محصورون، وللمغرب قصاره، ولصبح الجمعة: [آلم تنزيل] السجدة و [هل أتى] بكمالهما، فإن ضاق الوقت .. أتى منهما بقدر ما أمكنه. وفي المفصل عشرة أقوال، أصحها: من الحجرات، قال ابن معن: وطواله إلى ﴿عم﴾، ومنها إلى ﴿الضحى﴾ أوساطه، ومنها إلى آخر القرآن قصاره. قال في "المجموع": ويسن أن يقرأ على ترتيب المصحف، فلو خالف .. فخلاف الأولى، قال نقلاً عن المتولي: والمتنقل بأكثر من ركعتين إن اقتصر على تشهد .. سن له في كل ركعة، وإن أتى بتشهدين .. ففيه خلاف الأخيرتين في الفرائض. [استحباب الجهر بالقراءة والإسرار بها حيث أثرا] الثانية: يسن الجهر بالقراءة؛ حيث أثر ببنائه للمفعول؛ أي: نقل عن السنة، والإسرار بها؛ حيث نقل عن السنة، فيسن الجهر بالقراءة في الصبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء، والمقضية فيما بين غروب المس وطلوعها، وفي العيدين، وخسوف القمر، والاستسقاء، والتراويح والوتر عقبها، وركعتي الطواف وقت الجهر، ويسن إسرار بها للمأموم مطلقاً ولغيره في الظهر ولعصر، وأخيرتي العشاء، وأخيرة المغرب، والمقضية فيما بين طلوع الشمس وغروبها، والجنازة، وفي الراتبة ولو ليلية. ويتوسط في بقية نوافل اللي بين الجهر والإسرار إلا أن يتاذى بجهره أحد أو يخاف الرياء قال بعضهم: التوسط بين الجهر والإسرار يعرف بالمقايسة بهما؛ كما أشار إليه قوله تعال: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾، قال الزركشي: والأحسن في تفسيره ما قاله بعض الأشياخ: أن يجهر تارة ويسر أخرى؛ كما ورد في فعله ﷺ في صةلا الليل, ولا يستقيم تفسيره بغير ذلك؛ لعدم تعقل الواسطة بينهما؛ إذ حد الجهر أيسمع من يليه، والإسرار أن يسمع نفسه، فإن كان به مم أو ثم شاغل .. حرك لسانه وشفتيه؛ بحيث لو خلي عن ذلك .. لسمع.

стр. 186

[إسرار المرأة عند الأجنبي] الثالثة: تسر المرأة عند الأجنبي رجلاً كان أو خنثى؛ لأن صوتها وإن لم يكن عورة على الأصح .. يخشى منه الافتتان، فلو جهرت .. لم تبطل صلاتها، وتجهر فيما عداه، والخنثى كالأنثى، قال البندنيجي: وحيث قلنا تجهر المرأة .. فليكن جهرها دون جهر الرجل. انتهى، ومثلها الخنثى. [التكبير لانتقالات الصلاة] (وكبرن لسائر انتقال ... لكن مع التسميع لاعتدال) أي: يسن التكبير لسائر انتقالات الصلة؛ للاتباع، رواه الشيخان، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ويجهر به الإمام والمبلغ، لكن مع التسميع لاعتدال؛ أي: من الركوع بأن يقول: (سمع الله لمن حمده) مع رفع رأسه، ثم إن كان إماماً أو مبلغا .. جهر به، وإلا .. أسر، كره في "المجموع". ومعنى (سمع الله لمن حمده): تقبله منه. فإذا اعتدل .. سن له أن يقول سراً: (ربنا ولك الحمد)، أو (ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد)، ويسن لغير الإمام، وله برضا محصورين زيادة: ﴿أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد؛ وكلنا عبد: لا مانع لما أعطيت، ولا معطي ما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد﴾، وإن لم يرضوا .. كره له ذلك، كذا في "الروضة" و"أصلها" وغيرهما. وإنما ندب التسميع للمأموم؛ للاتباع كما في "الصحيحين"، مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وانه ذكر يسن للإمام فسن لغيره كذكر الركوع وغيره، وأما خبر: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده .. فقالوا: ربنا لك الحمد" .. فمعناه: قولوا ذلك مع

стр. 187

ما علمتموه من (سمع الله لمن حمده) لعلمهم بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" مع قاعدة التأسي به مطلقاً، وإنما خص (ربنا لك الحمد) بالذكر؛ لأنهم كانوا لا يسمعونه غالباً ويسمعون (سمع الله لمن حمده). ويستحب مد التكبير إلى آخر الركوع، وكذا في سائر الانتقالات، فيمد التكبير من الفعل المتنقل عنه إلى الحصول في المتنقل إليه ولو فصل بينهما بجلسة الاستراحة حتى لا يخلو فعل من الصلاة عن ذكر. [الهيئة المستحبة للرجل في الركوع] (والرجل الراكع جافى مرفقه ... كما يسوي ظهره وعنقه) أي: والرجل الراكع جافى؛ أي: رفع ندباً مرفقه وبطنه عن فخذيه؛ للاتباع، رواه مسلم، وكما يفعل ذلك في ركوعه .. يفعله في سجوده كما سيأتي؛ للاتباع، رواه مسلم، فإن ترك ذلك .. كره، نص عليه في "الأم", أما المرأة والخنثى .. فيسن لهما ضم بعضهما إلى بعض وإلصاق بطنيهما بفخذيهما؛ لأنه أستر لهما وأحوط له. كما يسوي الراكع ظهره وعنقه ندباً؛ بحيث يصيران كالصفيحة؛ للاتباع, رواه مسلم, فإن ترك ذلك .. كره نص عليه في "الأم" ويسن هـ جعل كفيه على ركبتيه، ويأخذهما بهما منصوبتي الساقين والفخذين، وتفرقة أصابعه تفريقاً وسطاً للقبلة؛ للاتباع، رواه ابن حبان في "صحيحه" والبيهقي، ولأن ذلك أعون للمصلي، فلو عجز عن جعل كفيه على ركبتيه كما ذكر .. أتى بالممكن، أو عن وضعهما عليهما أصلاً .. أرسلهما، ولو قطع من الزندين .. لا يبلغ بهما الركبتين؛ إذ به يفوت استواء الظهر، بخلاف نظيره من رفع اليدين للتحرم وغيره، ذكره في "المجموع".

стр. 188

(والوضع لليدين بعد الركبة ... منشورة مضمومة للكعبة) (ورفع بطن ساجد عن فخذيه ... مفرقاً كالشبر بين قدميه) فيهما أربع مسائل: [ما يسن للمصلي إذا هوى لسجوده] الأولى: يسن للمصلي إذا هوى لسجوده .. أن يضع ركبتيه أولاً، ثم يضع يديه؛ أي: كفيه على الأرض في سجوده حذو منكبيه؛ لخبر وائل بن حجر: (كان النبي ﷺ إذا سجد .. وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض .. رفع يديه قبل ركبتيه) رواه الترمذي وحسنه، وابنا خزيمة وحبان وصححاه. ثم يسن له أيضاً: أن يضع جبهته وأنفه؛ للاتباع، رواه أبو داوود، ويضعهما دفعة واحدة، جزم به في "المحرر"، ونقله في "المجموع" عن البندنيجي وغيره، وفي موضع آخر منه عن الشيخ أبي حامد: يقدم أيهما شاء، وإنما لم يجب وضع الأنف كالجبهة مع أن خبر "الصحيحين" يقتضي الوجوب؛ حيث قال" "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وعلى الجبهة" وأشار بيده إلى أنفه، للأخبار الصحيحة المقتصرة على الجبهة، وتحمل أخبار الأنف على الندب. [ما يسن للمصلي في سجوده] الثانية: يسن له في سجوده أن كون أصابعه منشورة لا مقبوضة، مضمومة لا متفرقة، للقبلة؛ للاتباع بهما، رواه البخاري، قال الرافعي: حيث استحببنا نشر الأصابع .. فالسنة فيها التفريج المقتصد، لا في السجود، فإنها تضم ولا تفرق؛ لأن التفريق عدول عن القبلة.

стр. 189

ويسن أتكون مكشوفة؛ لظاهر الأخبار الصحيحة، وإنما لم يجب كشفها كالجبهة؛ لأنها إنما تكشف للحاجة فكانت كالقدم. [ما يسن للساجد الذكر] الثالثة: يسن للساجد الذكر رفع بطنه عن فخذيه ومرفقيه عن جنبيه؛ لما مر. [التفريق بين القدمين في الصلاة] الرابعة: يسن للمصلي أن يفرق بين قدميه في قيامه وركوعه واعتداله وسجوده تفريقاً وسطاً؛ بأن يكون بينهما قدر شبر، فيكون تفريقه ركبتيه في سجوده بقدر شبر. [جلسة الاستراحة] (وجلسة الراحة خففنها ... في كل ركعة تقوم عنها) أي: اجلس أيها المصلي جلسة الاستراحة وخففها ندباً؛ بأن تكون بقدر الجلوس بين السجدتين، ويكره أن تزيد على ذلك، في كل ركعة تقوم عنها؛ لخبر البخاري: "فإذا كان في وتر من صلاته .. لم ينهض حتى يستوي قاعداً" رواه أبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة، وأما خبر وائل بن حجر: (أنه ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجود .. استوى قائماً) .. فغريب أو محمول على بيان الجواز. وشمل كلامه: ما لو وصل أربع ركعات بتشهد .. فإنه يجلس للاستراحة في كل ركعة يقوم عنها؛ لأنها إذا ثبتت في الأوتار .. فمحل التشهد أولى، ولو فعلها المأموم دون إمامه أو عكسه .. لم يضر تخلفه؛ لأنه يسير، بخلاف التشهد الأول. ولا تسن بعد سجدة التلاوة في الصلاة، ولا للمصلي قاعداً؛ وهي أصلة بين الركعتين كالتشهد الأول وجلوسه، وقيل: من الأولى، وقيل: من لثانية، وفائدة الخلاف تظهر في التعليق على ركعته، قال البارزي في المسبوق: إذا أحرم والإمام فيها .. فيجلس معه على الأولين، وله انتظاره إلى القيام على الأخير، قال الإسنوي: فيه نظر.

стр. 190

(وسبح أن ركعت أو إن تسجد ... وضع على الفخذين في التشهد) (يديك، وأضمم ناشراً يسراكا ... وأقبض سوى سبابة يمناكا) (وعند (إلا الله) فالمهللة ... إرفع التوحيد الذي صليت له) فيها مسألتان: [استحباب التسبيح في الركوع والسجود] الأولى: يسن للمصلي التسبيح في ركوعه وسجوده؛ وهو أن يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم)، وفي سجوده: (سبحان ري الأعلى) لخبر أبي داوود: أنه لما نزل: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ .. قال رسول اله ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم"، ولما نزل ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ .. قال: " اجعلوها في سجودكم"، ويكون تسبيحه في كل منهما ثلاثاً؛ للاتباع، رواه أبو داوود، ويحصل أصل السنة في كل منهما بتسبيحه واحدة، والثلاث أدنى الكمال، وأكمله للمنفرد وإمام من علم رضاهم بالتطويل: إحدى عشرة. وهل يستحب أن يضيف إليه (وبحمده)؟ قال الرافعي: استحبه بعضهم، وقال النووي: استحبه الأكثرون، وجزم به في "التحقيق". ويزيد النفرد وإمام الراضين به في الركوع: (اللهم؛ لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي، وما استقلت به قدمي، لله رب العالمين) للاتباع، رواه مسلم إلى (عصبي)، وابن حبان إلى آخره. وفي السجود: (اللهم؛ لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين) للاتباع، رواه مسلم.

стр. 191

[هيئة اليدين في التشهد] الثانية: يسن للمصلي وضع يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه؛ اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى، ويسن كونه ناشراً اصابع يسراه مضمومة؛ لتتوجه جميعها إلى القبلة لا متفرقة، وكونه قابضاً من أصابع يمناه ما سوى السبابة وهي التي تلي الإبهام؛ للاتباع، رواه مسلم؛ وذلك بأن يقبض من يمناه الخنصر والبنصر والوسطى ويرسل السبابة، ويضع الإبهام على حرف راحته، ويرفع المهللة؛ أي: المسبحة عند بلوغ همزة (إلا الله) للاتباع، رواه مسلم، وإشارة إلى توحيد الذي صلى له؛ ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد، وفي "رونق الشيخ أبي حامد" و"لباب المحاملي" يرفعها منحنية قليلاً، وفيه خبر صحيح في "أبي داود"، ووجه الجيلي ذلك: بأنه أبلغ في الخضوع. وخصت المسبحة بذلك؛ لأن لها اتصالاً بنياط القلب فكأنها سبب لحضوره، ولا يسن تحريكها؛ للاتباع، رواه أبو داوود والبيهقي، وقيل: يحركها؛ للاتباع، رواه البيهقي وقال: الحديثان صحيحان، قال: ويحتمل أن يكون المراد بتحريكها في خبره: رفعها لا تكرير تحريكها، وتقديمهم النافي على المثبت؛ لما قام عندهم في ذلك، قال بعضهم ولعل منه كون التحريك قد يذهب الخشوع، وعلى الأصح: يكره تحريكها. ويسن أن يكون رفعها إلى القبلة، وأن ينوي به الإخلاص بالتوحيد، قال الشيخ نصر المقدسي: وأن يقيمها ولا يضعها. ويكره رفع مسبحة اليسرى؛ لفوات سنة بسطها ولهذا: لا يرفعها ولا غيرها لو قطعت اليمنى، وسميت بالسبابة؛ لأنه يشار بها عند المخاصمة والسب، وتسمى أيضاً: بالمسبحة؛ لأنه يشار بها إلى التوحيد والتنزيه؛ إذ التسبيح التنزيه. وقوله: (وسبح أن ركعت) بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، والألف في (يسراكا) و (يمناكا) للإطلاق.

стр. 192

(والثان من تسليمه التفاته ... ونية الخروج من صلاته) (ينوي الإمام حاضريه بالسلام ... وهم نووا رداً على هذا الإمام) فيهما أربع مسائل: [استحباب التسليمة الثانية] الأولى: التسليمة الثانية سنة؛ لخبر ابن مسعود: (أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأجاب ائمتنا عن أخبار التسليمة الواحدة بأنها ضعيفة، أو لبيان الجواز، وبأن أخبار التسليمتين زيادة ثقة فيجب قبولها. نعم؛ يجب الاقتصار على واحدة إذا عرض له عقبها ما ينافي صلاته؛ كأن خرج وقت الجمعة بعد الأولى، أو انقضت مدة المسح أو شك فيها أو تخرق الخف، أو نوى القاصر الإقامة، أو انكشفت عورته، أو علم خطأ اجتهاده. قال في "المجموع": ولا يسن زيادة (وبركاته) على الصحيح والصواب الموجود في الأخبار الصحيحة وكتب الشافعي والأصحاب. والتسليمة الثانية من لواحق الصلاة ومستحباتها لا منها نفسها، وإلا .. بطلت بوجود منافيها قبلها. [استحباب التفات المصلي في التسليمتين] الثانية: يسن التفات المصلي في تسليمته الأولى حتى يرى خده الأيمن، وفى الثانية الأيسر؛ للاتباع، رواه ابن حبان في "صحيحه"، ويسن أن يبتدئ بالتسليمة مستقبل القبلة ثم يلتفت؛ بحيث يكون انقضاؤها مع تمام الالتفات، والابتداء باليمين مستحب. [استحباب نية الخروج من الصلاة بالتسليمة الأولى] الثالث: يسن لكل مصل أن ينوي الخروج من صلاته بالتسليمة الأولى مقارنة لها كما في تكبيرة التحريم؛ خروجاً من خلاف من أوجبها كنية التحرم؛ لأن السلام ذكر واجب في أحد

стр. 193

طرفي الصلاة كالتكبير، وأجاب من لم يوجبها بالقياس على سائر العبادات، حيث لا يجب فيها نية الخروج، لأن النية تليق بالإقدام دون الترك، ولأن السلام جزء من أجزاء الصلاة غير أولها فلم يفتقر إلى نية تخصه كسائر الأجزاء، ولهذا لا يضر الخطأ في تعيين غير ما هو فيه، كما لو دخل في ظهر وظنها في الركعة الثانية عصرا، ثم ذكر في الثالثة .. تصح صلاته. ويسن للمأموم أن يسلم بعد تسليمتي إمام ولو قارن سلامه سلام إمامه .. جاز مع الكراهة. [ما يستحب أن ينوي الإمام والمأموم بسلامهما] الرابعة: ينوي الإمام ندبا بسلامه السلام على حاضريه، أي: على من التفت من ملائكة ومؤمني إنس وجن، بأن ينويه بمرة اليمين على من عن يمينه، وبمرة اليسار على من مر على يساره، وبآيتهما شاء على من خلفه وبالأولي أفضل. وكالإمام في ذلك: المأموم والمنفرد. وهم، أى: المأمون نووا ندبا الرد على الإمام، فينويه منهم من على يمينه بالتسليمة الثانية، ومن على يساره بالأولي، ومن خلفه بأيهما شاء، وبالأولي أفضل، ويستحب أن ينوي بعض المأمومين الرد على بعض، والأصل في ذلك: خبر علي: (كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن معهم من المسلمين والمؤمنين) رواه الترمذي وحسنه، وخبرة سمرة: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض) رواه أبو داوود وغيره. ويسن أن يدرج السلام، لقول أبي هريرة ﵁: (حذف السلام سنه) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، قال ابن المبارك: معناه: لا يمد مدا. وقول المصنف: (والثان) بحذف الياء للتخفيف.

стр. 194

[شروط الصلاة] ولما فرغ من سننها ... ذكر شروطها فقال: (شروطُهَا الإسلامُ والتَّمييزُ ... للسَّبْعِ في الغالِبِ والتَّمييزُ) (للفرضِ مِن نَفْلٍ لِمَن يَشتَغِلُ ... والفَرضُ لا يُنوَى به التَّنَفُّلُ) الشروط: جمع شرط، وهو لغة: العلامة، واصطلاحا: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. وشروط الصلاة على ما ذكره المصنف اثنا عشر: [الشرط الأول: الإسلام] أولها: الإسلام في تصح لكافر، كغيرها من العبادات. [الشرط الثاني] ثانيهما: التمييز لسبع سنين في الغالب، فلا تصح من غير مميز كمجنون، لعدم أهليته للعبادة. [الشرط الثالث: تمييز فرض الصلاة من نفلها] ثالثهما: تمييز فرض الصلاة من نفلها لمن يشتغل بالفقه وهو غير العامي، فلو اعتقد أن جميع أفعالها سنة، أو بعضها فرض وبعضها سنة ولم يميز ... لم تصح صلاته قطعا، وإن اعتقد أن جميع أفعالها فرض ... صحت صلاته على الأصح، لأنه ليس فيه أكثر من أنه أدي سنه باعتقاد الفرض وذلك لا يؤثر. وقوله: (والفرض لا ينوي به التنفل) أى: من العامي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها، بأن يعتقد أن جميع أفعالها فرض، أو بعضها فرض وبعضها سنه ولم يقصد التنفل بما هو فرض، فقد قال الغزالي في (فتاوية): العامي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها .. تصح صلاته بشرط ألا يقصد التنفل بما هو فرض، فإن نوى الفرض بنفل .. لم يحتسب له، فلو

стр. 195

غفل عن التفضيل .. فنية الجملة في الابتداء كافية، حكاه عنه النووي في (الروضة) وغيرها، قال: وهو الصحيح الذي تقتضيه ظاهر أحوال الصحابة فمن بعدهم، ولم ينقل أنه ﵊ ألزم الأعراب ذلك، ولا أمر بإعادة صلاة من لا يعلم ذلك. وفي البيت الأول من أنواع البديع: الجناس التام المماثل، وهو أن يتفق اللفظان من نوع واحد في أنواع الحزوف وأعدادها وهيأتها وترتيبها، ومنه قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة﴾ [سورة الروم: ٥٥]. [الشرط الرابع: طهارة الثوب والبدن والمكان] وطهر ما لم يعف عنه من خبث ... ثوبا مكانا بدنا ومن حدث)) رابعها: طهر، أى طهارة ما لم يعف عنه من خبث، أى: نجس مغلظا كان أو متوسطا أو مخففا في بدن المصلي وثوبه ومكانه، لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [سورة المدثر: ٤]، ولخبر (الصحيحين): (إذا أقبلت الحيضة .. فدعي الصلاة، وإذا أدبرت .. فاغسلي عنك الدم وصلي)، ولخبر: (تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه) رواه الدارقطني بإسناد حسن، ثبت الأمر باجتناب الخبث وهو لا يجب في غير الصلاة فيجب فيها، والأمر بالشئ يفيد النهى عن ضده، والنهي في العبادات يقتضي فسادها، على أنه قد صحح في (الروضة) و (أصلها) تحريم التضمخ بالخبث في البدن والثوب بلا حاجة في غير الصلاة أيضا، وصحح في (التحقيق) تحريمه به في البدن دون غيره، ومراده بالبدن: ما يعم ملابسه من الثوب، ليوافق ما في (الروضة) و (أصلها). فلو تنجس ثوبه. بما لا يعفي عنه، ولم يجد ما يغسله به .. وجب قطع موضع النجاسة إن لم تنقص قيمته أكثر من أجرته، وإن جهل مكانها في جميع البدن أو الثوب .. وجب غسل جميعه، لأن الأصل بقاء النجاسة ما بقي منه جزء بغير غسل، ومن مسه بعضه رطبا ... لم يتنجس، ولو

стр. 196

شق الثوب نصفين ... لم يجز التحري، ولو غسل نصفه أو نصف ثوب نجس بالصب عليه في غير إناء، ثم غسل الجزء الباقي مع ما جاوره .. طهر كله، ولو اقتصر عليه دون المجاور .. فالمنتصف نجس من النجس مجتنب من المتنجس، فإن غسله في إناء .. فالأصح كما في (المجموع): أنه لا يطهر حتى يغسله دفعة. ولو وقعت النجاسة في موقع ضيق كالبساط والبيت وأشكل .. وجب غسل كله، أو واسع كالصحراء .. اجتهد ندبا إن غلب على ظنه طهارته ووجوبا إن لم يغلب على ظنه. ولو تنجس أحد كمي القميص، أو أحدي يديه وأشكل، فغسل أحدهما بالاجتهاد وصلي .. لن تصح صلاته إلا أن يفصل أحد الكمين قبل الاجتهاد، وإن اشتبه ثوبان فغسل إحداهما بالاجتهاد .. فله الصلاة فيهما ولو جمعهما عليه، ولو تحير .. اجتنبهما، فلو لم يجد غيرهما ولا ماء .. صلى عريانا وأعاد. وتبطل صلاة من لاقي ثوبه أو بدنه أو محمولة نجسا وإن لم يتحرك بحركته، كمن قبض على حبل متصل بميتة، أو مشدود بكلب أو بساجوره، أو بدابة حاملة نجسا، أو بسفينة فيها نجس إن انجرت بجرة، وإلا .. لم تبطل، كما لو جعل الحبل تحت رجله. [الشرط الخامس: الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر] خامسها: الطهارة من الحدث الأكبر والصغر، فتبطل بغير الحدث الدائم وغن سبقه بلا اختيار، كمن تنجس ثوبه، أو تخرق خفه، أو أبعد الريح ثوبه بلا تقصير، فإن نحى النجاسة أو رد الثوب فورا .. لم يضر، وإن نحاها بكمه .. بطلت. والأصل في ذلك: خبر مسلم (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)، وخبر (إذا فسا أحدكم في صلاته ... فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته) رواه الترمذي وحسنه، فلو صلى بدون طهارة ناسيا ... أثيب على قصده دون فعله، إلا القراءة والذكر ونحوهما مما لا يتوقف على الطهر .. فإنه يثاب على فعله، قال الشيخ عز الدين: وفي إثابة الناسي على القراءة إذا كان جنبا نظر.

стр. 197

[الشرط السادس: ستر العورة] (وغير حرة عليها السترة ... لعورة من ركبه لسره) (وحرة- لا الوجه والكف- بما ... لا يصف اللون ولو كدرة ما) سادسها: ستر العورة ولو كان المصلي في خلوة وظلمة، ويجب سترها خارج الصلاة أيضا بين الناس، وكذا في خلوة وظلمة، لأن الله تعالى أحق أن يستحي منه، ولا يجب ستر عورته عن نفسه، بل نظره إليها مكروه، ويباح كشفها لغسل ونحوه خاليا. وغيره حرة، من رجل حرا كان أو رقيقا بالغا أو صبيا، وأمة، ومبعضة، وخنثي إذا كان رقيقا .. عليها السترة وجوبا لعورة لها، وهي من ركبتها إلى سرتها. أما الرجل .. فلخبر: (عورة المؤمن ما بين سرته غلى ركبته) رواه الحارث بن أبي أسامة بسند فيه رجل مختلف فيه، لكن له شواهد تجبره، وقيس بالرجل الأمة، بجامع أن رأس كل منهما ليس بعورة، وروي أبو داوود: (إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره .. فلا ينظر إلي ما دون السره وفوق الركبة). ويؤخذ من كلامه: أن الركبة والسره ليستا بعورة وهو الأصح، لكن يجب ستر بعضهما، ليحصل سترهما. وحرة عليها السترة لجميع بدنها وجوبا إلا وجهها وكفيها ظهرا وبطنا إلى الكوعين، لقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [سورة النور: ٣٠]، قال ابن عباس وغيره: وجهها وكفيها، ولخبر: (لا يقبل صلاة حائض- اى: بالغة - إلا بخمار) رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط مسلم، ويؤخذ منه ومن قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عن كل مسجد﴾ [سورة الأعراف: ٣١] يعني: الثياب في الصلاة، كما قاله ابن عباس ﵁: اشتراط ستر العورة، وإنما لم يكن الوجه والكفان عورة، لأن الحاجة قد تدعو إلى إبرازهما. أما الخنثي الحر .. فكالحرة، حتى لو اقتصر على ستر عورة الرجل .. لم تصح صلاته على

стр. 198

والأصح في (زوائد الروضة)، وفي (المجموع) هنا: أنه الأفقه، للشك في الستر، لكن الأصح في (التحقيق): صحتها، ونقل في (المجموع) في نواقض الوضوء عن البغوي وكثير القطع به، للشك في عورته، قال الإسنوي في (أحكام الخناثي): والفتوى عليه، فإنه الذي يقتضيه كلام الأكثرين. ويجب الستر بما لا يصف الرائي منه بمجلس التخاطب اللون للبشرة وإن وصف الحجم ولو كان كدرة ماء، لحصول الستر بذلك، وصورته في الماء فيمن يمكنه الركوع والسجود، وفي صلاة الجنازة، فلو قدر أن يصلي في الماء ويسجد على الشط .. لم يلزمه، للمشقة، أم ما لا يمنع وصف اللون كزجاج .. فلا يكفي. وشرط الساتر: أن يشمل المستور لبسا ونحوه كالتطيين، فلا يكفي الخيمة الضيقة ونحوها، وكذا الحب الضيق الرأس على الأشبه في (الشرح الصغير)، لكن الأصح في (الروضة) و (التحقيق) و (المجموع): خلافه كثوب واسع الذيل، والحفرة إذا لم يرد عليها ترابها كالحب، ولا تكفي الظلمة وإن منعت وصف اللون. قال الأذرعي: وقضية تعبيرهم بما لا يصف اللون: الاكتفاء بالأصباغ التي لا جرم لها من حمرة وصفرة وغيرهما، وهو مشكل، وقضية المحاملي والمارودي: الجزم بخلافه وهو الوجه، فليحمل كلام أولئك على ما إذا كان للساتر جرم. وخرج ب (الكدر): الصافي، فلا يكفي إلا إذا غلبت خضرته، ويكفي الستر بلحاف التحف بها امرأتان، وبإزار اتزر به رجلان، قاله القاضي والبغوي. ولو فقد الثوب ونحوه .. لزمه التطيين، ويجب الستر من الأعلى والجوانب لا من الأسفل، فلو صلي على طرف سطح في قميص متسع الذيل يري الواقف تحته عورته منه ... صحت صلاته، ولو كانت عورته بحيث تري من طوقه في ركوع أو غيره .. لم تصح، فليزره أو يشط وسطه، ولو ستر بلحيته، أو ستر خرق الثوب بكفه .. كفي.

стр. 199

ولو عدم السترة، أو وجدها متنجسة ولا ماء، أو حبس على نجاسة واحتاج فرش السترة عليها .. صلى عريانا وأتم الأركان ولا إعادة ولو وجد بعض سترة .. لزمه البداءة بالسوءتين القبل والدبر، فإن وجد كافي أحدهما .. تعين القبل، والخنثي يبدأ بما شاء من قبليه، والأولي: أن يستر ذكره عند النساء، وفرجه عند الرجال. ولو أمر بدفع سترة لأولي الناس .. قدمت المرأة، ثم الخنثي، أما مالك السترة المحتاج إليها .. فلا يؤثر بها غيره. (وعلم أو ظن لوقت دخلا ... واستقبلن لا في قتال حللا) (أو نافلات سفر وإن قصر ... وتركه عمدا كلاما للبشر) (حرفين أو حرف بمد صوتكما ... أو مفهم ولو بضحك أو بكا) (أو ذكر أو قرءاه تجردا ... للفهم أو لم ينو شيئا أبدا) (أو خاطب العاطس بالترحم ... أو رد تسليما على المسلم) (لا بسعال أو تنحنح غلب ... أو دون ذين لم يطق ذكرا وجب) (وإن تنحنح الإمام فبدا ... حرفان فالأولي دوام الاقتدا) [الشرط السابع: العلم بدخول الوقت] سابعها: علم المصلي بدخول الوقت أو ظنه، ليصح تحرمه بصلاة ذلك الوقت، فلو صلاها بدون ذلك ... لم تصح وإن وقعت في وقتها. [الشرط الثامن: استقبال القبلة] ثامنها: استقبال القبلة، أى: الكعبة للقادر عليه، فلا تصح صلاته بدونه إجماعا، لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [سورة البقرة: ١٤٤] أي: جهته، والاستقبال لا يجب في غير الصلاة فتعبن أن يكون فيها، ولخبر (الصحيحين): (إذا قمت إلي الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة وكبر)، وخبرهما: أنه صلي الله عليه

стр. 200

وسلم صلي ركعتين قبل الكعبة وقال: (هذه القبلة)، مع خبر: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، و (قبل): بضم القاف والباء ويجوز إسكانهم، قال بعضهم: معناه مقابلها، وقال بعضهم: ما استقبلك منها، أى: وجهها، ويؤيده رواية ابن عمر: (فصلي ركعتين في وجه الكعبة). وأما خبر الترمذي: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) ... فمحمول على أهل المدينة ومن داناهم. أما العاجز عنه كمريض لم يجد من يوجهه، ومربوط على خشبة .. فيصلي على حسب حاله ويعيد. والمعتبر الاستقبال بالصدر لا بالوجه أيضا، لأن الالتفات به ليس مبطلا للصلاة، بل هو مكروه كما صرحوا به. (إلا في قتال حللا) أى: أبيح في شدة الخوف، كقتال المسلمين للكفار، وأهل العدل للبغاة، والرفقة لقطاع الطريق، فلا يشترط الاستقبال فيه في الفرض ولا في النفل، للضرورة لما سيأتي في (باب صلاة الخوف). [لا يشترط الاستقبال في نافلة السفر] ونافلات سفر، أي: مباح، وإن قصر ولو عيدا واستسقاء ... فلا يشترط الاستقبال فيها، فله أن يصليها صوب مقصده المعين راكبا وماشيا، لأنه ﷺ (كان يصلي على راحلته في السفر حيث ما توجهت به) أي: في جهة مقصده رواه الشيخان، وفي رواية لهما: (غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)، وفي رواية للبخاري: (فإذا أراد أن يصلي المكتوبة .. نزل فاستقبل القبلة)، وقيس بالراكب: الماشي. و(السفر القصير) قال الشيخ أبو حامد وغيره: مثل: أن يخرج إلى ضيعة مسيرتها ميل أو

стр. 201

نحوه، والقاضي والبغوي: أن يخرج إلى مكان لا تلزمه فيه الجمعة، لعدم سماعه النداء، إلا راكب نحو سفينة أو هودج، فإنه يجب عليه الاستقبال وإتمام الأركان، لتمكنه منهما، ويستثني منه ملاح السفينة الذي يسيرها فلا يشترط استقباله، ومن ركب على سرج أو نحوه .. لم يلزمه الاستقبال إلا عند إحرامه إن سهل عليه، كأن كانت دابته سهلة غير مقطورة، أو يستطيع الانحراف بنفسه، بخلاف ما إذا عسر عليه، كأن كانت عسرة أو مقطورة لا يستطيع الانحراف، فلا يلزمه الاستقبال في إحرامه أيضا، للمشقة واختلال أمر السير عليه، قال ابن الصباغ: والقياس: أنه مهما دام واقفا .. لا يصلي إلا إلي القبلة، قال في (المهمات): وهو متعين. وفي (الكفاية): أنه لو وقف لاستراحة أو انتظار رفقة ... لزمه الاستقبال ما دام واقفا، فإن سار .. أتم صلاته إلى جهة سفره إن كان سفره لأجل سير الرفقة، وإن كان مختارا له بلا ضرورة .. لم يجز أن يسير حتى تنتهي صلاته، لأنه بالوقوف لزمه فرض التوجه، وفي (المجموع) عن (الحاوي) نحوه. انتهى. أما الماشي ... فيستقبل في إحرامه وركوعه وسجوده وجلوسه بين السجدتين، ويلزمه إتمامها، وله المشي في القيام والتشهد والاعتدال، ولو انحرف المتنفل عن مقصده إلى القبلة .. لم يضر، أو إلي غيرها عمدا ولو قهرا ... بطلت صلاته، وكذا لنسيان أو خطأ أو جماح إن طال زمنه، وإلا ... فلا تبطل، ولكنه يسجد للسهو. ولو توجه إلى مقصده في غير الطريق .. لم يضر، ومن لا مقصد له معين كالهائم، أو له مقصد معين غير مباح كالآبق والناشزة ... لا رخصة له. فإن بلغ المسافر المكان الذي ينقطع به السير أو بنيان بلد الإقامة ... لزمه أن ينزل عن دابته إن لم يستقر في نحو هودج، ولم يمكنه أن يتمها مستقبلا وهي واقفة، لا المار ولو بقرية له فيها أهل. وله الركض لحاجة، فلو أجري الدابة، أو عدا الماشي بلا حاجة ... بطلت، ولو أوطأها نجاسة .. لم يضر، لا إن وطئها الماشي ناسيا وهي رطبة، فلا يعفي عما يعلق به منها، أو عامدا ولو يابسة وإن لم يجد عنها مصرفا. ويشترط في صحة صلاة الفريضة: الاستقرار والاستقبال وإتمام الأركان، فلو صلاها في هودج على دابة واقفة، أو سرير يحمله رجال وإن مشوا به، أو في الأرجوحة أو الزورق الجاري .. صحت.

стр. 202

[الشرط التاسع: ترك الكلام] تاسعها: تركه، أي: المصلي عمد كلام البشر، أى: الإمساك عنه، فلو تكلم المصلي عامدا بما يصلح لخطاب البشر وإن لم يقصد خطابهم، أو تعلق بمصلحة الصلاة، كقوله للإمام: (لم تصل إلا ثلاثا) .. بطلت صلاته، والأصل فيه: ما رواه مسلم عن زيد بن أرقم: (كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [سورة البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام)، وعن معاوية بن الحكم: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟ ! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني .. سكت، فلما صلي النبي ﷺ .. قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس). ثم بين المصنف كلام البشر بقوله: (حرفين أو حرف بمد صوتكا أو مفهم) أى: حرفين أو أكثر ولو بغير إفهام، لأن ذلك من جنس كلامهم، والكلام يقع على المفهم وغيره مما هو حرفان فأكثر، وتخصيصه بالمفهم اصطلاح للنحاة، أو حرف ممدود وإن لم يفهم، نحو (آ)، والمد: ألف أو واو أو ياء، وهي حروف مخصوصة، فضمها إلي الحرف كضم حرف آخر إليه، أو حرف مفهم، نحو (ق) من الوقاية و (ع) من الوعي، لأنه كلام تام لغة وعرفا وإن أخطأ بحذف هاء السكت، بخلاف غير المفهم فاعتبر فيه أقل ما يبني عليه الكلام وهو حرفان. ولا تبطل الصلاة بإجابة النبي ﷺ إذا دعا في عصره مصليا على الأصح، ولا بالنذر على الأصح، لأنه مناجاة فهو من جنس الدعاء، قاله في (المجموع)، ومحله: إذا لم يكن فيه خطاب آدمي، ولا بإنذار مشرف على الهلاك إذا لم يمكن إلا به على ما في (التحقيق) واقتضاه كلام (المجموع)، لكن الأصح في (الروضة) و (أصلها) وغيرهما: البطلان مع وجوبه.

стр. 203

وخرج بقوله: (عمدا) ما لو سبق لسانه إليه فإن صلاته لا تبطل به إن كان قليلا، لأن الناسي مع قصده الكلام معذور، فهذا أولي، وإن كان كثيرا بطلت صلاته في الأصح، ومثله من نسي كونه في الصلاة، كأن سلم ناسيا، ثم تكلم عامدا، لخبر (الصحيحين) عن أبي هريرة: (صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر أو العصر فسلم من ركعتين، ثم أتي خشبة بالمسجد واتكأ عليها كأنه غضبان، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال للصحابة: (أحق ما يقول ذو اليدين؟ ) فقالوا: نعم، فصلي ركعتين آخرين ثم سجد سجدتين) وجه الدلالة: أنه تكلم معتمدا أنه ليس في صلاة وهم تكلموا مجوزين النسخ، ثم بني هم وهو عليها. أو جهل تحريم الكلام إن قرب عهده بالإسلام، لخبر معاوية السابق، أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، أو جهل تحريم ما أتي به مع علمه بتحريم جنس الكلام، أو جهل كون التنحنح مبطلا على الأصح، لخفاء حكمه على العوام. وبقوله: (كلاما للبشر) الذكر والدعاء، فإن الصلاة لا تبطل بشئ منها إذا لم يكن فيه خطاب على ما سيأتي، والمرجع في القلة أو الكثرة إلى العرف. قال في (المجموع): ولو سلم إمامه فسلم معه، ثم سلم الإمام ثانيا فقال له المأموم: قد سلمت قبل هذا، فقال له كنت ناسيا ... لم تبطل صلاته، لأن سلامه الأول سهو، ولا صلاة المأموم، لأنه لم يخرج منها بسلامه الأول، وتكليمه الإمام سهو، لأنه يظن أنه تحلل فيسلم ثانيا، ويندب له سجود السهو، لأنه تكلم سهوا بعد انقطاع القدوة. وقوله: (ولو بكره) أى: تبطل الصلاة بكل مما ذكر ولو كان بكره، لأنه نادر كما لو أكره على الصلاة بلا طهارة، أو قاعدا .. فإن الإعادة تجب، وهذا بخلاف النسيان، وإنما لم تبطل الصلاة بغضب ثوب المصلي، لأن للغاضب فيه غرضا، قاله في (المجموع)، وفي بعض النسخ: (ولو بضحك).

стр. 204

وقوله: (أو بكا) أى: وتبطل الصلاة بكل مما ذكر ولو كان ببكاء ولو من خشية الله تعالى، أو ضحك أو تنحنح أو أنين، أو نفخ ولو من الأنف. وقوله: (أو ذكر .... ) إلى آخره، أى: وتبطل الصلاة بكل مما ذكر، ولو كان بذكر، كقوله لعاطس: (يرحمك الله)، أو بشارة (الحمد لله)، ولتنبيه إمامه: (سبحان الله)، ولتبليغ الانتقالات: (الله أكبر)، أو قراءة، كقوله لجماعة يستأذنون: (ادخلوها بسلام آمنين)، تجرد كل منهما للفهم، بأن قصد المصلي به تفهيم الغير فقط، أو لم ينو به شيئا أبدا، لأنه حينئذ من كلام البشر، بخلاف ما إذا قصد الذكر أو القراءة فقط، أو قصد أحدهما مع التفهيم. وشمل قوله: (أو قراءة): القراءة للفتح على إمامه، ففيه التفصيل، خلافا لبعضهم، قال في (المجموع): ولو أتي بكلمات من القرآن من مواضع متفرقة كقوله: (يا إبراهيم سلام كن) .. بطلت، فلو أتي بها متفرقة ... لم تبطل إن قصد بها القراءة. انتهى. وقضيته: أنه لو قصد بها القراءة في الشق الأول .. بطلت صلاته، أي: إذا لم يقصد القراءة بكل كلمة على انفرادها، ومثل الذكر والقراءة فيما ذكره: الدعاء. وقوله: (أو خاطب العاطس ... ) إلى آخره، أى: وتبطل الصلاة إذا خاطب العاطس بقوله: (يرحمك الله)، أو رد تسليما على المسلم عليه بقوله: (عليك السلام) لأنه حينئذ من كلام البشر، بخلاف قوله: (يرحمه الله) أو ﵇ ونحوه مما لا خطاب فيه. وخرج بما ذكر: خطاب الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإنه لا يبطل الصلاة، لوروده في التشهد، وقوله: (لا بسعال أو تنحنح غلب) أى: لا تبطل الصلاة بسعال وتنحنح، أى: وضحك وبكاء وأنين ونفخ وعطاس غلب المصلى فلم يستطع رده، لأنه معذور، هذا إذا لم يكثر عرفا، وإلا .. بطلت به، كما قاله الشيخان في الضحك والسعال، والباقي في معناهما، لكن قال جماعة من المتأخرين كالإسنوي: الصواب: عدم بطلانها به وإن كثر، لعدم القدرة على الاحتراز منه. وقوله: (أو دون ذين لم يطق ذكرا وجب) أى: ولا تبطل صلاة من يطق ذكرا واجبا، أى: إتيانه به كـ (الفاتحة) وبدلها من قرآن أو ذكر، أو التشهد الأخير، أو الصلاة على النبي ﷺ فيه بدون السعال والتنحنح.

стр. 205

وخرج بقوله: (ذكرا وجب) ما لو لم يطق الجهر به أو النطق بالذكر المندوب، كالسورة والقنوت بدون التنحنح أو السعال فأتي به وخرج منه حرفان .. فإن صلاته تبطل كما علم مما مر أيضا، لأنه ليس بعذر، غذ هو سنة، بخلاف الواجب الذي لا تصح الصلاة إلا به، قال في (المهمات): والمتجه: جواز التنحنح للجهر بأذكار الانتقال عند الحاجة إلى إسماع المأمومين. وقوله: (وإن تنحنح الإمام .... ) إلى آخره، أى: وإن تنحنح الإمام فظهر منه حرفان فأكثر .. فالأولي للمأموم دوام الاقتداء به في تلك الصلاة لا مفارقته، إذ الأصل بقاء العيادة على صحتها وعدم المبطل حتى يتحقق، والظاهر: أنه معذور. وقوله: (أو ظن) بحذف الهمزة للوزن، وألف (دخلا) و (حللا) للإطلاق، وفي نسخة: (وتركه عمدا كلاما للبشر) وهي لا يناسبها ما بعدها من جهة الإعراب، وألف (صوتكا) للإطلاق، وألف (تجردا) يصح كونه للتثنية أو للإطلاق. [الشرط العاشر: ترك الفعل الكثير] (وفعله الكثير لو بسهو ... مثل موالاة ثلاث خطو) (ووثبة تفحش، والمفطر ... ونية الصلاة إذ تغير) عاشرها: ترك فعله الكثير الذي ليس من جنس الصلاة ولو بسهو، مثل موالاة ثلاث خطوات ولو بقدر خطوه واحده كما قاله الإمام، أو ثلاث ضربات متواليات، سواء أكانت الفعلات من جنس واحد كما مر، أم من جنسين، أم أجناس، كضربة وخطوة وخلع نعل، فإن لم يترك المصلي ذلك .. بطلت صلاته، لإشعاره بالإعراض عن الصلاة، والسهو لا يؤثر في خطاب الوضع، ويعفي عن الأفعال الكثيرة في صلاة شدة الخوف.

стр. 206

وقوله: (ووثبة تفحش) يعني: وترك وثبة تفحش، أي: أو تصدر للعب ولو غير فاحشة، فإن لم يترك ذلك .. بطلت صلاته، لمنافاة كل منهما للصلاة. واحترز بقوله: (الكثير) عن الفعل القليل عرفا غير ما مر، كإشارة برد السلام، وخلع نعل، ولبس ثوب خفيف ونزعه، وفعلتين كضربتين، فإن ذلك لا يبطل الصلاة ولو عمدا، لأنه ﷺ فعل القليل وأذن فيه (فأخذ بإذن ابن عباس وهو في الصلاة فأداره عن يساره إلى يمينه) رواه الشيخان، (وسلم عليه نفر من الأنصار فرد عليهم بالإشارة) رواه الترمذي وصححه، (وخلع نعليه في الصلاة ووضعهما عن يساره) رواه أبو داوود وصححه الحاكم، (وصلي وهو حامل أمامة بنت أبي العاص من ابنته زينب، فإذا سجد .. وضعها، وإذا قام .. حملها) رواه الشيخان، زاد مسلم: (وهو يؤم الناس في المسجد)، وأذن في تسوية الحصا، وأمر بقتل الأسودين: الحية والعقرب في الصلاة رواه الترمذي وصححه. وفارق الفعل القول، حيث استوي قليله وكثيرة في الإبطال: بأن الفعل يتعذر، أو يتعسر الاحتراز منه فعفي عن القدر الذي لا يخل بالصلاة، بخلاف القول. واحترز بقوله: (موالاة) عن الأفعال المتفرقة، فإنها لا تؤثر كما لو خطا خطوة، ثم بعد زمان خطا أخري وهلم جرا، لما مر في خبر أمامة، وحد التفريق: أن يعد الثاني منقطعا عن الأول عرفا، ولو نوى فعلات متوالية وفعل واحدة .. بطلت صلاته. وخرج بقوله: (مثل موالاة ثلاث خطو) الحركات الخفيفة المتوالية، كتحريك أجفانه، أو أصابعه في سبحة أو حك أو عد، أى: مع قرار اليد في محل واحد، فإنها لا تؤثر، لأنها لا تخل بنظم الصلاة، بخلاف ما إذا حرك اليد ثلاثا .. فإنها تبطل به، إلا أن يكون به حكة لا يمكنه الصبر عنها، ذكره القاضي والخوارزمي، ومد اليد وجذبها مرة واحدة، وكذا رفعها عن الصدر ووضعها في محل الحك.

стр. 207

أما إذا فعل في صلاته غيرها من جنسها، كزيادة ركوع لا للمتابعة: فإن كان عامدا .. بطلت صلاته، أو ناسيا .. فلا. وقوله: (خطو): مصدر خطا يخطو [الشرط الحادي عشر: ترك ما يفطر الصائم] حادي عشرها: المفطر للصائم وإن قل، أى: تركه فتبطل بالمفطر ٠ كبلع ذوب سكرة، لإشعاره بالإعراض إلا أن يكون ناسيا أو جاهلا تحريمه .. فلا تبطل به إلا أن يكثر، فتبطل به على الأصح وإن صحح الرافعي عدم بطلانها بالكثير ناسيا كالصوم، والفرق بينهما على الأول: أن المصلي متلبس بهيئة يبعد معها النسيان، بخلاف الصائم، فإن الصلاة ذات أفعال منظومة، والفعل الكثير يقطع نظمها، بخلاف الصوف فإنه كف. [الشرط الثاني عشر: التحرز عما ينافي النية أو يغيرها] ثاني عشرها: تغيير النية، وهو معني قوله: (ونية الصلاة إذ تغير) أى: بتغيير المصلي، فإن لم يترك ذلك، كأن نوى الخروج منها ولو في ركعة أخري .. بطلت، لمنافاة نيته قصده، بخلاف ما لو نوى في الأولي أن يفعل في الثانية منافيا للصلاة كأكل .. فإنها لا تبطل قطعا، قاله في (التحقيق) و (المجموع)، وفرق فيه: بأنه في الأولي غير جازم بالنية، ونازي الفعل في الثانية جازم، والحرام فعل المنافي ولم يوجد. وحاصلة: أن منافي النية يؤثر في الحال، ومنافي الصلاة إنما يؤثر عند وجوده، بأن يشرع فيه، فلو نوى فعلات متوالية وفعل واحدة .. بطلت صلاته كما مر، وكأن تردد في قطعها، أو علقه بشئ وإن لم يعلم وجوده، لمنافاته الجزم، وكتعليق قطع الإيمان، ولا عبرة بما يجري في الفكر أنه لو تردد كيف يكون الحال، فإن الموسوس قد يبتلي به، وقد يقع في الإيمان فلا عبرة به، وكأن نقل النية من فرض إلى فرض آخر، ومن فرض إلى نفل بلا مسوغ، أو من نفل إلى نفل آخر. وخالفت الصلاة فيما تقرر الصوم والاعتكاف فلا يبطلان بشئ منه، لأن الصلاة يتعلق تحرمها وتحللها بالاختيار فيكون تأثرها بضعف النية فوق تأثر الصوم، ولأنها أفعال وهي أحوج إلى النية من التروك، وألحق الاعتكاف بالصوم، لأنه أشبه به، ومثلهما الحج والعمرة.

стр. 208

[تسبيح الذكر وتصفيق الأنثي لما ينوبهما في الصلاة] ولما كان الفعل القليل قد يندب في الصلاة .. ذكر بقوله: (ندبا لما ينوبه يسبح ... وهي بظهر كفها تصفح) أي: يسبح الذكر ندبا، لأجل ما ينوبه في صلاته، كتنبيه إمامه، وإذنه لداخل، وإنذاره أعمي، وهي، أي: الأنثي تصفح، أى: تصفق لذلك ندبا بضرب ظهر كفها اليمين على بطن اليسرى، أو ظهر كفها اليسرى على بطن اليمني، أو ظهرها، أى: أو تضرب بطن كفها اليمين على ظهر اليسرى أو عكسه، لخبر (الصحيحين): (من نابه شئ في صلاته .. فليسبح، فإنه إذا سبح .. التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء)، فلو صفق الذكر وسبحت الأنثي .. جاز، لكن خالفا السنة، قال في (المجموع): والخنثي كالأنثى. ومحل التسبيح: إذا قصد الذكر فقط، أو قصده مع الإعلام كما علم من كلامه فيما مر، قال في (التحقيق): والتسبيح والتصفيق مندوبان لقربة، أى: مندوبة، ومباحان لمباح. انتهى، وواجبان لواجب، ولا ينبغي للأنثى أن تضرب بطن كفها على بطن الأخري، فإن تعمدته لاعبة عالمة بتحريمه .. بطلت صلاتها ولو بمرة واحدة، كما علم مما مر. [استحباب الصلاة إلى سترة] ويسن للشخص إن يصلي إلى سترة، كجدار أو سارية أو عصا مغروزة ويميلها عن وجهه، فإن لم يجد .. افترش مصلي، فإن لم يجد .. خط خطأ، كما في (التحقيق) و (شرح مسلم) وإن قال في (المهمات): الحق أنهما في مرتبة.

стр. 209

ويعتبر في السترة: أن يكون بينها وبين المصلي ثلاثة أذرع فأقل، وكون ارتفاع الشاخص ثلثي ذراع فأكثر، قال في (المهمات): والقياس: أن [بين] المصلي والخط كقدر السترة، وحينئذ فيحرم المرور بين المصلي وسترته وإن لم يجد المار سبيلا، وللمصلي وغيره حينئذ الدفع، بل يندب وإن أدي إلى قتله بالتدريج. نعم، لو وجد فرجة أمامه .. خرق الصفوف ليصليها، ولا تبطل صلاته بمرور شئ بين يديه. ومحل تحريم المرور: إذا لم يقصر المصلي، فإن قصر، كأن وقف بقارعة الطريق .. فلا تحريم، بل ولا كراهة، كما قاله في (الكفاية) أخذا من كلامه، وحينئذ فلا دفع، فإن لم يصل إلى سترة أو تباعد عنها فوق ثلاثة أذرع، أو كانت دون ثلثي ذراع .. لم تحصل السنة، ولم يحرم المرور، ولم يكن له الدفع. [بطلان الصلاة بترك ركن أو فوات شرط] (ويبطل الصلاة ترك ركن أو ... فوات شرط من شروط قد مضوا) أي: ويبطل الصلاة ترك ركن من أركانها، كالاعتدال والجلوس بين سجدتين ولو في النافلة، لأن الماهية تنتفي بانتفاء أجزائها، ويبطلها فوات شرط من شروط لها قد مضت كاستقبال القبلة، لاستحالة حصول المشروط بدون شرط من شروطه.

стр. 210

[مكروهات الصلاة] ولما فرغ من ذكر شروطها .. ذكر مكروهاتها فقال: (مكروهها: بكف ثوب أو شعر ... ورفعه إلى السماء بالبصر) (ووضعه يدا على خاصرته ... ومسح ترب وحصى عن جبهته) (وحطه اليدين في الأكمام ... في حالة السجود والإحرام) (والنقر في السجود كالغراب ... وجلسة الإقعاء كالكلاب) (تكون أليتاه مع يديه ... بالأرض لكن ناصبا ساقيه) (والالتفات لا لحاجة له ... والبصق لليمين أو للقبلة) ذكر في هذه الأبيات من مكروهات الصلاة تسعة أشياء: أولها: كف ثوبه أو شعره، لخبر: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف ثوبا ولا شعرا) رواه الشيخان واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: (أمرنا أن نسجد)، (ولا نكف)، والمعني في النهي عن كفه: أنه يسجد معه، قال في (المجموع): والنهي لكل من صلي كذلك، سواء أتعمده للصلاة، أم كان قبلها لمعني وصلي على حاله، وذكر من ذلك: أن يصلي وشعره معقوص، أو مردود تحت عمامته، أو كمه مشمر. ثانيهما: رفعه بصره إلى السماء، لخبر البخاري: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟ ! لينتهن عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم)، ولخبر الحاكم في (مستدركه): (أنه ﷺ كان إذا صلي .. رفع بصره إلى السماء فنزلت: ﴿قد افلح المؤمنون* الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [سورة المؤمنون: ١، ٢] .. فطأطأ رأسه).

стр. 211

ثالثهما: وضعه يده على خاصرته، لخبر (الصحيحين) عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهي أن يصلي الرجل مختصرا)، والمرأة في ذلك كالرجل كما ذكره في (المجموع)، ولخبر بن حبان في (صحيحه): (الاختصار في الصلاة راحة أهل النار)، قال ابن حبان: يعني: فعل اليهود والناصري وهم أهل النار، لأنه فعل المتكبرين، وفي (شرح مسلم): أن إبليس أهبط من الجنة كذلك، ويستثني ما إذا وضعها لحاجة، كعلة بجنبه. رابعها: مسح التراب والحصا عن جبهته، لخبر (الصحيحين): أن النبي ﷺ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: (إن كانت فاعلا .. فواحدة)، وروي البيهقي عن أبي ذر قال: (مسح الحصا واحدة، وألا افعلها أحب إلي من مئة ناقة سوداء الحدق)، ورواه ابن خزيمة في (مسنده)، وقال الذهبي: إسناده صالح. خامسها: وضعه يديه في كميه أو غيرهما في حالتي إحرامه وسجوده، لأن كشفهما أنشط للعبادة وأبعد عن التكبر، وظاهر إطلاقهم: أنه لا فرق بين البرد والحر وغيرهما، وقد قال في (الأم): أحب أن يباشر براحتيه الأرض في الحر والبرد. سادسها: النقر في السجود، كما ينقر الغراب بمنقاره فيما يريد التقاطه، والمراد: كراهة تخفيف المصلي سجوده، بحيث لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره في الأرض، لخبر أبي داوود وابني خزيمة وحبان في (صحيحيهما): (نهي رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب وافتراش السبع). سابعها: الإقعاء في جميع جلسات الصلاة، بحيث تكون أليتاه مع يديه على الأرض وينصب ساقيه، للنهي عنه كما أخرجه الحاكم وصححه، وما ذكره المصنف في تفسيره من

стр. 212

وضع يديه على الأرض .. تبع فيه أبا عبيدة معمر بن المثني، وظاهر كلام الشيخين وغيرهما: أن كراهته لا تتقيد بذلك، ومعناه: أن يلصق ألييه بالأرض وفخذيه، وينصب فخذيه وساقيه كهيئة المستوفز، ووجه النهي عنه: ما فيه التشبه بالكلاب والقردة، كما وقع التصريح به في بعض الروايات. ثامنها: الالتفات بوجهه يمينا وشمالا من غير تحويل صدره عن القبلة، لخبر البخاري عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)، ولخبر أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: (أوصاني خليلي بثلاث، ونهاني عن ثلاث، نهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإيقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب) لا حاجة له، أي: للالتفات في يكره، لخبر أبي داوود بإسناد صحيح: (أنه ﷺ كان في سفر فأرسل فارسا إلى شعب، من أجل الحرس، فجعل يصلي وهو يلتفت إلى الشعب). تاسعها: البصق عن اليمين أو للقبلة، لخبر (الصحيحين): (إذا كان أحدكم في الصلاة .. فإنه يناجي ربه، فلا يبصقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه)، ثم غن كان في المسجد .. بصق في ثوبه وفركه، أو حك بعضه ببعض، أو في غيره .. بصق في ثوبه أو تحت قدمه، والأول أولي، وفي (الروضة) أن البصاق في المسجد خطيئة، وفي (التحقيق) و (المجموع) أنه حرام، ويجب الإنكار على فاعله، وعلى من دلكها بأسفل نعله الذي داس به نجسا أو قذرا، لأنه ينجس المسجد أو يقذره. قال بعض المتأخرين: وينبغي أن يستثني من كراهة البصاق عن يمينه: ما إذا كان في مسجد النبي ﷺ فإن بصاقه عن يمينه أولي، لأن النبي ﷺ عن يساره. وقول المصنف: (أو شعر) بدرج الهمزة للوزن، وقوله: (ورفعه) وما عطف عليه إلي

стр. 213

آخره يجوز جره عطفا على المجرور بالباء، ورفعه عطفا على الجار والمجرور، فإنه في محل خبر قوله: (مكروهها). ومما يكره أيضا: وضع يده على فمه بلا حاجة، والمبالغة في خفض الرأس في ركوعه، والإشارة بما يفهم لا لحاجة، كرد السلام ونحوه، والجهر في غير موضعه، والإسرار في غير موضعه، والجهر خلف الإمام.

стр. 214

باب سجود السهو (قبيل تسليم تسن سجدتاه ... لسهو ما يبطل عمده الصلاة) (وترك بعض عمدا أو لذهل ... لا سنة بل نقل ركن قولي) [سجدتا السهو وموضعهما] أى: يسن سجدتا السهو قبيل التسليم من الصلاة ولو نافلة، لخبر أبي سعيد الخدري: (إذا شك أحدكم فلم يدر أصلي ثلاثا أم أربعا .. فليلق الشك وليبن على اليقين، وليسجد سجدتين قبل السلام، فإن كانت صلاته تامة .. كانت الركعة والسجدتان نافلة له، وإن كانت ناقصة .. كانت الركعة تامة للصلاة، والسجدتان ترغمان أنف الشيطان) رواه أبو داوود بإسناد صحيح ومسلم بمعناه، ثبت به سنية السجود، وأنه سجدتان، وأنه قبل السلام، أى: بحيث لا يتخلل بينهما شئ من الصلاة، كما أفاده تصغير المصنف لـ (قبل) وإنما لم يجب السجود كجبر الحج، لأنه لم يشرع لترك واجب، بخلاف جبر الحج. ويدل لكونه قبل السلام أيضا أخبار، كخبر (الصحيحين) عن عبد الله بن بحينه: (أن النبي ﷺ صلي بهم الظهر فقام من الوليين ولم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضي الصلاة وانتظر الناس تسليمه .. كبر وهو جالس فيجد سجدتين قبل إن يسلم ثم سلم)، وقال الزهري: إنه آخر الأمرين من فعله ﷺ ، ولأنه سجود وقع سببه في الصلاة فكان فيها كسجود التلاوة، ولأنه لمصلحة الصلاة فكان قبل السلام، كما لو نسي سجدة منها، ولا فرق في كونه قبل السلام بين كونه لنقص أو زيادة أو لهما. وأما خبر (الصحيحين): (أنه ﷺ صلي الظهر خمسا وسجد للسهو بعد السلام) .. فأجاب عنه أئمتنا بأنه تدارك للمتروك قبل السلام سهوا، لما في خبر أبي سعيد الأمر بالسجود قبل السلام من التعرض للزيادة.

стр. 215

وسجدتا السهو كسجدتي الصلاة في واجباتهما ومندوباتهما، وحكي بعضهم أنه يقول فيهما: (سبحان من لا ينام ولا سهو) وهو لائق بالحال. فإن تركهما وسلم: فإن كان عامدا .. لم يعد إليهما، وكذا إن كان ساهيا وطال الفصل، فإن تذكر عن قرب .. فله العود ثم يسلم، لخبر (ألصحيحين) عن ابن مسعود: (أنه ﷺ صلي الظهر خمسا، فلما انتقل .. قيل له ذلك، فسجد سجدتين ثم سلم، وإذا سجد .. بان أن السلام لم يكن محللا، كتذكرة ترك ركن بعد السلام، حتى لو أحدث أو تكلم عمدا قبل السلام .. بطلت صلاته، ولو نوى الإقامة .. لزمه الإتمام، ولو خرج وقت الجمعة .. أكملها ظهرا، لكن يحرم العود إليه إن ضاق الوقت، لإخراجه بعض الصلاة عن وقتها، ذكره البغوي في (فتاويه) في المجمع والقاصر. وبما تقرر علم أنا نتبين بعوده إلى السجود أنه لم يخرج من الصلاة، لاستحالة الخروج منها ثم العود غليها بلا تحرم، وبه صرح الإمام وغيره. [ما يسن له سجدتا السهو] وإنما تسن سجدتا السهو .. لأحد أمرين: أولهما: لسهو ما يبطل عمده الصلاة دون سهوه، كزيادة ركوع أو سجود، لخبر ابن مسعود السابق، بخلاف ما يبطلها سهوه أيضا ككلام كثير، لأنه ليس في صلاة، وبخلاف سهو ما لا يبطلها عمده كالتفات وخطوتين، لأنه ﷺ فعل الفعل القليل فيها ورخص فيه كما مر، ولم يسجد ولا أمر به. وشمل كلامه: ما أفتى به القفال من أنه لو قعد للتشهد الأول يظن أنه الثاني فقال ناسيا: (السلام) أى: ناويا به الخروج من الصلاة، فقبل إن يقول: (عليكم) تنبه فقام .. فإنه يسجد للسهو، فإن لم ينو به الخروج من الصلاة .. لم يسجد، وهو مجمل ما أفتي به البغوي، وعلله بأنه لم يوجد منه خطاب. و(السلام): اسم من أسماء الله تعالى، فلا يبطل عمده الصلاة. ويستثني من منطوق كلامه: انحراف المتنفل في السفر عن مقصده إلى غير القبلة ناسيا مع
следующие страницы →