← Фикх шафии

Фикх шафии · id 32197

فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان

شهاب الدين الرملي

Полный текст (924 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولو صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالة .. لم يصح؛ لأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها، والخمسة إنما تركها في مقابلة ذلك، فإذا انتفى الحلول .. انتفى الترك. [الصلح على حق المرور ووضع الجذع] قوله: (وأجز في الشرع على ووضع الجذع) أي: وأجز أنت الصلح بمال على مروره في درب مثلاً منع أهله استطراق من ليس له فيه حق؛ لأنه انتفاع بالأرض، ثم إن قدر مدة .. فهو إجارة، وإن طلق أو شرط التأييد .. فهو بيع لجزء شائع من الدرب؛ تنزيلاً للمصالح منزلة أحدهم؛ كما لو صالح على إجراء نهر في أوضه .. ويكون ذلك تمليكاً للنهر. ويجوز الصلح بمال على وضع الجذع - بإعجام الذال - على جدار بين دارين يختص به أحد المالكين، أو يكون مشتركاً ولا يجبر عليه؛ لما روى البيهقي من قوله ﷺ "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس"، فلو رضي بالوضع بلا عوض .. فهو إعارة يرجع فيها قبل الوضع وبعده كسائر العواري، أو بعوض على مدة معلومة .. فهو إجازة، وإن أذن فيه لفظ البيع أو الصلح وبين والثمن .. فالأصح: أن هذا العقد فيه شوب بيع وإجازة؛ لكونه على منفعة، لكنها مؤبدة للضرورة. [حكم إشراع الجناح] ويجوز إشراع جناح؛ أي: خشب خارج، وكذا ساباط: وهو سقيفة على حائطين هو بينهما، عال؛ بحيث يمر المار تحته منتصباً وعلى رأسه الحمولة العالية، سواء أكان الشارع واسعاً أضيقاً، وإن كان ممر الفرسان والقوافل .. اعتبر أيضاً أن يمر تحته المحمل على البعير مع أخشاب المظلة؛ لأن ذلك وإن ندر قد يتفق لمسلم، فلا يجوز الإشراع للكافر في نافذ - فإعجام الذال - من سبل؛ أي: طرق، أما غير النافذ .. فلا يجوز ذلك فيه إلا بإذن أهله لم يؤذ من مر، فإن آذاه ولو بإظلام الموضع .. لم يجز، وللحاكم إزالته، ولا يجوز الصلح على ذلك بمال وإن كان المصالح هو الإمام، ولم يضر المارة؛ لأن الهواء لا يفرد بالعقد وإنما يتبع القرار، وما لا يضر في الشارع .. يستحق الإنسان فعله فيه من غير عوض كالمرور. واحترظ بـ (الجناح) أي: وما في معتاه من التصرف عن غيره؛ كبناء دكة أو غرس شجرة، فإن ذلك لا يجوز وإن لم يضر؛ لأن شغل المكان بما ذكر مانع من الطروق، وقد تزدحم المارة فيصطكون به.

стр. 492

قوله: (وقد بابكا) أي: جوازاً في درب غير نافذ إلى رأس الدرب؛ لأنه تصرف في ملكك مع تركك لبعض حقك، لكن يلزمك سد الأول. وجاز لك تأخير لبابك عن رأس الدرب بإذن شركائك في الدرب، وأهل الدرب غير النافذ: من نفذ باب داره إليه، لا من لا صقه جداره، وهل الاستحقاق في كله كلهم، أم تختص شركة كل واحد بما بين رأس الدرب وباب داره؟ وجهان، أصحهما: الثاني. وقول الناظم: (أو براءة) (أو إجازة) بدرج الهمزة فيهما للوزن)، والألف في قوله: (بابكا) للإطلاق. * * *

стр. 493

باب الحوالة وهي بفتح الحاء أفصح من كسرها من التحول والانتقال، وفي الشرع: عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة، والأصل فيها قبل الإجماع: خبر "الصحيحين": "مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملئ .. فليتبع" بإسكان التاء في الموضعين؛ أي: وإذا أحيل أحدكم على مليء .. فليحتل؛ كما رواه البيهقي، والأمر بها فيه للندب، وصرفه عن الوجوب القياس على سائر المعاوضات. ولها ستة أركان: محيل، ومحتال، ومحال عليه، ودين للمحتال على المحيل، ودين للمحيل على المحال عليه، وصيغة. وهي بيع دين بدين جوز للحاجة، ولهذا لم يعتبر التقابض في المجلس وإن كان الدينان ربويين، وقيل: بيع عين بعين، وقيل: بدين. شرط: رضا المحيل والمحتال ... لزوم دبنين، اتفاق المال جنساً وقذراً أأجلاً وكثراً ... بها عن الدين المحيل يبرا [شروط صحة الحوالة] أي: شرط لصحة الحوالة رضا المحيل والمحتال؛ لأن للمحيل إبقاء الحق من حيث شاء فلا يلزم بجهة، وحق المحتال في ذمة المحيل فلا ينتقل إلا برضاه، ومعرفة رضاهما بالإيجاب والقبول؛ كما في البيع ونحوه، وعبروا هنا بالرضا؛ تنبيهاً على أنه لا يجب على المحتال الرضا بالحوالة؛ كسائر المعاوضات، وتوطئة لقولهم: لا يشترط رضا المحال عليه؛ أي: لأنه محل الحق والتصرف؛ كالعبد المبيع، ولأن الحق للمحيل؛ فله أن يستوفيه بغيره؛ كما لو وكل غيره بالاستيفاء. وصيغتها: نحو: (أحلتك على فلان بالدين الذي لك علي)، أو (نقلت حقك إلى

стр. 494

فلان)، أو (جعلت ما أستحقه على فلان لك)، أو (ملكتك الدين الذي لي عليه بحقك). ويشترط: لزوم الدينين المحال به والمحال عليه، وتصح بالثمن في مدة الخيار وعليه؛ لأن أصله اللزوم، ولا تصح بالجعل قبل الفراغ ولا عليه، وتصح بنجوم الكتابة، ولا تصح عليها، والأصح: صحتها بدين المعاملة للسيد على مكاتبه، وفهم من هذا الشرط: أنها لا تصح على من لا دين عليه وهو الأصح، وقيل: تصح برضاه. وقد علم مما مر أنها بيع دين بدين: أنها لا تصح بدين السلم ولا عليه؛ لعدم جواز بيعه، وأنها تصح بالثمن قبل قبض المبيع، والأجرة قبل مضي المدة، والصداق قبل الدخول والموت ونحوها وعليها. ويشترط: اتفاق الدينين جنساً؛ كفضة وفضة، وقدراً؛ كمئة ومئة، وأجلاً وحلولاً، وصحة وكسراً، وهو اتفاقهما في الصفة؛ لأنها ليست على حقيقة المعاوضات، وإنما هي معاوضة إرفاق أجيزت للحاجة فاعتبر فيها التساوي؛ كما في القرض. وقد يفهم من اعتبار التساوي في الصفة: أنه لو كان بأحدها رهن أو ضامن .. اعتبر كون الآخر كذلك، وليس كذلك؛ بل لو أحاله على دين به رهن أو ضامن .. انفك الرهن وبريء الضامن؛ لأن الحوالة كالقبض؛ بدليل سقوط حبس المبيع، والزوجة فيما إذا أحال المشتري بالثمن والزوج بالصداق. ويشترط أيضاً: علمهما بتساوي الدينين في الجنس والقدر والصفة، فلو جهلاء أو أحدهما .. لم تصح الحوالة وإن تساوى الدينان في في نفس الأمر؛ لأنها معاوصة فلا بد من علمهما بحال العوصين، وإنما اشترط استواء القدر في غير الربوي؛ لما مر أن الحوالة عقد إرفاق ... إلى آخره، فلا تصح بإبل الدية ولا عليها. [ما يترتب على صحة الحوالة] ويبدأ بالحوالة المحيل عن دين المختال، وبلزم من ذلك براءة ذمة المحال عليه من دين المخيل، فلا رجوع للمحتال على المحيل وإن كان المحال عليه مفلساً عند الحوالة وجهل إفلاسه أو أفلس، أو أنكر الحوالة، أو دن المحيل؛ كما لا رجوع له فيها لو اشترى شيئاً وعين فيه، أو أخذ عوضاً عن دينه وتلف عنه، ولأنه أوجب في الخبر اتباع المحال عليه مطلقاً، ولأنه لو كان له الرجوع .. لما كان لذكر الملاءة في الخبر فائدة؛ لأنه إن لم يصل إلى حقه .. رجع به، فعلم بذكرها أن الحق انتقل انتقالاً لا رجوع به فيها، وأن فائدة ذكرها حراسة الحق،

стр. 495

وإلا .. فهي صحيحة على غير المليء بالإجماع، فلو شرط الرجوع بشيء من ذلك .. فهل تصح الحوالة والشرط، أو الحوالة فقط، أو لا تصحان؟ فيه ثلاثة أوجه بلا ترجيح في "الروضة" و"أصلها"، ورجح الذرعي الثالث، زجزم به ابن المقري. وتبطل الحوالة بفسخ البيع في زمن الخيار، أو بالإقالة، أو بالتحالف، أو بالعيب إن أحال المشتري البائع، بخلاف ما إذا أحال البائع على المشتري لا تبطل الحوالة برد المبيع بشيء مما ذكر؛ لتعلق الحق هنا بثالث، فيبعد ارتفاعها بفسخ يتعلق بالعاقدين. ثم إذا أخذ المحتال حقه من المشتري .. رجع به المشتري على البائع، ولا يرجع به قبل الأخذ منه وإن كانت الحوالة كالقبض؛ لأن الغرم إنما يكون بعض القبض حقيقة لا حكماً. ولو باع رقيقاً وأحال بثمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينة .. بطلت الحوالة، وإن كذبهما المحتال ولا بينة .. حلفاه على نفي العلم بحريته، ثم يأخذ المال من المشتري ويرجع المشتري على البائع. * * *

стр. 496

باب الضمان هو لغة: الالتزام، وشرعاً: يقال لالتزام حق ثابت في ذمة الغير، أو إحضار من هو عليه، أو عين مضمونة، ويقال للعقد الذي يحصل به ذلك. ويسمى الملتزم لذلك ضامناً وضميناً وحميلاً وزعيماً وكفيلاً وصبيراً وقبيلاً. والأصل في قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢] وكان حمل البعير معروفاً عندهم، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد في شرعنا ما يقرره، وقد ورد فيه ذلك؛ كخبر "الزعيم غارم" رواه أبو داوود والترمذي وحسنه وصحيحه ابن حبان، وخبر الحاكم بإسناد صحيح: (أنه ﷺ تحمل عن رجل عشرة دنانير)، وخير "الصحيحين" (أنه ﷺ أتي بجنازة فقال: "هل ترك شيئاً؟ "، قالوا: لا، قال: "هل عليه دين؟ "، قالوا: ثلاثة دنانير، قال: "صلوا على صاحبكم"، فقال أبو قتادة: صلى عليه يا رسول الله وعلى دينه، فصلى عليه). وللضمان خمسة أركان: ضامن، ومضمون له، ومضمون عنه، ومضمون به، وصيغة. (يضمن ذو تبرع، وإنما ... يضمن ديناً ثابتاً قد لزما) (يعلم كالإبراء، والمضمون له ... طالب ضامناً ومن تأصله) (ويرجع الضامن بالإذن بما ... أدى إذا أشهد حين سلما) (وألدرك المضمون للرداءة ... يشمل، والعيب نقص الصنجة) (يصح درك بعد قبض للثمن ... وبالرضا صحت كفالة البدن)

стр. 497

(في كل من حضوره استحقا ... وكل جزء دونه لا يبقى) (وموضع المكفول إن يعلم مهل ... قد ذهاب وإياب أكتمل) (وإن يمت أو اختفى لا يغرم ... وبطلت بشرط مال يلزم) فيها عشر مسائل: [شروط الضمان] الأولى شرطه الضامن: أن يكون أهلاً للتبرع؛ أي: ومختاراً، فلا يصح من المكره ولو رقيقاً بإكراه سيده، ولا من غير المكلف إلا السكران، ولا من المحجور عليه بسفه ولو بإذن وليه، ولا من الرقيق ولو مكاتباً ومستولدة، ومبعضاً في غير نوبته بغير إذن سيده؛ لأنه إثبات مال في الذمة بعقد فأشبه النكاح، وفارق صحة خلع الأمة بغير إذنه؛ بأنه لا حاجة إلى الضمان، والأمة قد تحتاج إلى الخلع؛ لسوء العشرة. فإن ضمن الرقيق بإذن سيده .. صح ولو عن السيد لا له؛ لأنه يؤديه من كسبه وهو لسيده. ويؤخذ من التعلليل: صحة ضمان المكاتب لسيده وهو الظاهر، ويحتمل خلافه؛ لاحتمال أن يعجز نفسه. ولو ضمن المأذون له في التجارة وعليه ديون .. فأوجه، ثالثها: يتعلق بما فضل عنها، وصححه في "زوائد الروضة". قال الشيخان: ولو حجر عليه باستدعاء الغرماء .. لم يتعلق بما في يده قطعا، ويصح ضمان المحجور عليه بفلس، ويطالب بما ضمنه بعد فك حجره. ولا يصح ضمان من عليه دين مستغرق في مرض الموت، فلو ضمن في مرضه، ثم أقر بدين مستغرق .. قدم الدين ولا يؤثر تأخير الإقرار به. وشمل كلامه: صحة الضمات عن الخي ولو رقيقاً أو معسراً، وعن الميت وعن الضامن، وظاهر كلامه: أن الضمان تبرع مطلقاً، وبه صرح الإمام والغزالي.

стр. 498

قال الرافعي: وإنما يظهر كون الضمان تبرعاً حيث لا جوع، وإلا .. فهو إقراض لا محض تبرع؛ بدليل النص على أنه إذا ضمن في مرض موته بإذن المديون .. حسب رأس المال؛ لأن للورثة الرجوع على الأصيل، وإن ضمن بغير إذنه .. فمن الثلث، واعترضه في "الروضة" بأن قوله: (إنه ليس تبرعاً) فاسد، فإنه لو سلم أنه كالقرض .. كان القرض تبرعاً، ومحل حسبان ضمان المريض بالإذن من رأس المال إذا وجد موجعاً؛ كما نبه عليه الشيخان آخر الباب. [شروط المضمون به] الثانية: يشترط به أمور: أحدها: كونه ديناً ثابتاً في الذمة، سواء أكان مالاً أم عملاً، فلا ضمان ما ليس بثابت وإن جرى سبب وجوبه؛ كنفقة الزوجة عن الغد، ونفقة القريب، وإبل الدبة على العاقلة قبل تمام السنة؛ لأنه توثقة يتقدم ثبوت الحق كالشهادة، ويكفي ثبوته باعتراف الضامن وإن لم يثبت على المضمون عنه؛ فقد قال الشيخان: لو قال شخص: (لزيد على عمرو ألف وأنا ضامنه)، فأنكر عمرو .. فلزيد مطالبة الضامن في الأصح، قالا: ويصح ضمان الزكاة عمن هي هي عليه على الصحيح، وقيل: لا؛ إنها حق الله تعالى؛ ككفالة بدن الشاهد لأداء الشهادة، فعلى الصحيح: يعتبر الإذن عند الأداء على الأصح؛ لأي: لافتقار: الزكاة إلى النية. قال في "المهمات": وصورته: في الضامن عن الحي، أما الميت .. فيجوز أداء الزكوات والكفارات عنه على الأصح المنصوص وإن انتفى الإذن؛ كما ذكره في "الروضة" كـ"أصلها" في الوصية، ولا فرق فيما ذكره هناك بين أن يسبقه ضمان أم لا، قال: ثم إن كانت الزكاة في الذمة .. فواضح، أو في العين .. فيظهر صحتها أيضاً؛ كما أطلقوه كالعين المغصوبة. انتهى. ثانيها: كونه لازماً؛ أي: أو أصله اللزوم، فيصح ضمان الثمن في زمن الخيار في

стр. 499

الأصح، لا جعل قبل فراغ العمل، ولا نجوم الكتابة؛ إذ للمكاتب إسقاطها، ولا فرق في اللازم بين المستقر؛ كثمن المبيع بعد قبضه، وغير المستقر؛ كثمنه قبل قبضه. ثالثهما: كونه معلماً للضامن جنساً وقدراً وصفة، فلا يصح ضمان المجهول ولا غير المعين؛ كأحد الدينين. ويصح ضمان إبل الدية في الأصح؛ لأنها معلومة السن والعدد، ويرجع في صفتها إلى غالب إبل البلد. ولو ضمن واحد إلى عشرة .. لزمه تسعة في الأصح، ويصح ضمان الحال مؤجلاً وعكسه، ويثبت الأجل دون الحلول. ويشترط فيه أيضاً: كونه قابلاً لأن يتبرع به الإنسان على غيره، فلا يصح ضمان القود، وحد القذف، والأخذ بالشفعة، ومعرفة الضامن المضمون له؛ لتفاوت الناس في الإيغاء والاستيفاء تشتديداً وتسهيلاً، وتكفي معرفة عينه وإن لم يعرف نسبه، وأفتى ابن الصلاح وابن الرفعة وغيرهما بأن معرفة وكيل المضمون له كمعرفته، وابن السلام وغيره بخلافه، ولا يشترط رضا المضمون له؛ لأن الضمان محض التزام، ولا رضا المضمون عنه، ولا معرفته؛ لجواز أداء دين الغير بغير إذنه ومعرفته، فالتزامه في الذمة أجوز. [شروط الإبراء] الثالثة: يشترط في الإبراء: كون المبرأ منه معلوماً في غير إبل الدية، فلا يصح من المجهول؛ يناء على أنه تمليك للمدين ما في ذمته لا إسقاط؛ كالإعتاق، فيشترط علمهما به، وقضية كلام الشيخين: ترجيحه، والذي صححه في "الشرح الصغير" و"الروضة" في (الوكالة) ونص عليه الشافعي ﵁: أنه لا يشترط علم المدين وهو المعتمد؛ كما لا يشترط قبوله على الأصح؛ لأن الإبراء وإن كان تمليكاً المقصود منه الإسقاط على أنه في (الرجعة) من "الروضة" قال: المختار: أن كون الإبراء تمليكاً، أو إسقاطاً من المسائل التي لا يطلق فيها ترجيح، بل يختلف الراجح بحسب المسائل لقوة الدليل وضعفه.

стр. 500

نعم؛ إن كان الإبراء في مقابلة طلاق .. اعتبر علم الزوج أيضاً؛ لأنه يؤول إلى معاوضة. ويصح الإبراء من إبل الدية مع الجهل بصفتها؛ لأنه اغتفر في إثباتها في الذمة، فيغتفر الإبراء منها تبعاً له. وإذا أراد أن يبرئ من مجهول .. فالطريق أن يذكر عدداً يعلم أنه لا يزيد الدين عليه، فلو كان بعلم أنه لا يزيد على مئة مثلاُ .. فيقول: (أبرأتك من مئة)، ولو قال: (أبرأتك من درهم إلى مئة) .. لم يبرأ من الواحد، ويحتاج إلى إبرائه من درهم ثانياً. ولو قال: (أبرأتك عن الدعوى) .. لم يبرأ، وله العود إلى الدعوى. [مطالبة المضمون له الضامن والأصيل] الرابعة: للمضمون له مطالبة الضامن والأصيل بالدين، وله مطالبة الضامن مع حضور الأصيل ويساره؛ لخبر: "الزعيم غارم"، وإذا طالب المستحق الضامن .. فله مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء إن ضمن بإذنه، وإلا .. فلا، والأصح: أنه لا يطالبه قبل أن يطالب؛ لأنه لم يغرم شيئاً، ولا طولب بشيء. ونقل في "الشامل": أن له أن يقول للمستحق: (إما أن تطالبني وإما أن تبرئني)، وهو أحد وجهين في "التتمة". قال في "المطلب": ولو كان الأصيل محجوراً عليه لصباً .. فللضامن بإذن وليه إن طولب طلب الولي بتخليصه ما لم يزل الحجر، فإن زال .. توجه الطلب على المحجور عليه، ويقاس بالصبي: المجنون، والمحجو عليه بسفه، سواء أكان الضمان بإذنهما قبل الجنون والحجر، أم بإذن وليهما بعد. وليس للضامن حبس الأصيل وإن حبس، قال في "المطلب": ولا ملازمته؛ إذ لا يثبت له حق على الأصيل بمجرد الضمان، واستشكل ذلك بأنه لا فائدة للمطالبة حينئذ؛ لأنه لا يبالي بها، وأجيب بأن فائدتها لا تنحصر في ذلك، بل من فوائدها: إحضاره مجلس الحكم، وتفسيقه إذا امتنع؛ بدليل أن للولد مطالبة والده بدينه، وليس له حبسه. وفهم من التخيير في المطالبة بينهما: أنه لا يصح الضمان بشرط براءة الأصيل، وهو الأصح؛ لمخالفته مقتضى الضمان، ولو أبرأ المستحق الأصيل .. برئ الضامن ولا عكس، ولو مات أحدهما .. حل عليه دون الآخر، وإذا مات الأصيل خلف تركة .. فللضامن بالإذن

стр. 501

مطالبة صاحب الحق بأن يبرئه ولو بإبراء الأصيل، أو يأخذ حقه من تركته؛ لأنها قد تتلف فلا يجد مرجعاً إذا غرم. [رجوع الضامن على الأصيل] الخامسة: يرجع الضامن على الأصيل بما أداه إن أذن له في الضمان والأداء، أو في الضمان فقط، أو في الأداء بشرط الرجوع عليه، وإلا .. فلا يرجع. نعم؛ إن ثبت الضمان بالبينة وهو منكر؛ كأن ادعى على زيد وغائب ألفاً، وأن كلا منهما ضمن ما على الآخر بإذنه فأنكر زيد، فأقام المدعي بينة وغرمه .. لم يرجع زيد على الغائب بالنصف إذا كان مكذباً للبينة؛ لأنه مظلوم بزعمه فلا يرجع على غير ظالمه. ولو أدى الضامن من سهم الغارمين .. فلا رجوع له في الأصح، ومن أدى دين غيره بلا ضمان ولا إذن .. فلا رجوع له، وإن أذن له في الأداء والرجوع، أو في الأداء فقط .. رجع، وفرق بين هذا ونظيره من مسألة الغسال ونحوها؛ بأن المسامحة في المنافع أكثر من الأعيان، وحيث ثبت الرجوع .. فحكمه حكم القرض، حتى يرجع في المقتوم بمثله صورة. ولو أدى مكسراً عن صحاح .. لم يرجع إلا بما غرم، ولو صالح .. رجع بالأقل من قيمة ما أداه يوم الأداء ومن الدين. ولو باعه ثوباً قيمته خمسة بعشرة قدر الدين وتقاصا .. رجع بالعشرة؛ لثبوتها في ذمته، وكذا لو قال: (بعتكه بما ضمنته) على المختار في "الروضة"، ثم إنما يرجع الضامن والمؤدي إذا أشهد كل منهما على الأداء رجلين، أو رجلاً وامرأتين، أو رجلاً ليحلف معه؛ إذ الشاهد مع اليمين حجة كافية، ولا يضر احتمال الرفع إلى حنفي؛ كما لا تضر غيبته ولا موته، ويعتبر في شاهدي الأداء العدالة. نعم؛ لو أشهد مستورين فبان فسقهما .. كفى في الأصح، ولا يكفي إشهاد من يعلم سفره قريباً. ولو قال: (أشهدت وماتوا أو غابوا) .. رجع إن صدقه في الأصح، أو (أشهدت فلاناً وفلاناً) فكذباه .. فكما لو لم يشهد. ولو قالا: (لا ندري وربما نسينا) .. ففيه تردد للإمام نقله الشيخان وسكتا عليه، وفي

стр. 502

"المهمات": أن الإمام بعد حكايته له: رجع عدم الرجوع. ولو أذن المدين للمؤدي في تركه، فتركه وصدقه على الأداء، أو أدى بحضرته، أو صدقه المتسحق في الأداء .. رجع. [ضمان الدرك] السادسة: يصح ضمان الدرك، ويسمى: ضمان العهدة وإن لم يكن بحق ثابت؛ للحاجة إليه، وهو أن يضمن للمشتري الثمن بتقدير خروج المبيع مستحقاً، أو متصفاً بشيء مما سيأتي بعض قبض الثمن، فإن لم يقبض .. لم يصح ضمانه؛ لأنه إنما يضمن ما دخل في ضمان المضمون عنه، ولزمه رده بالتقدير السابق. ولو عير الناظم بـ (العوض) بدل (الثمن) .. لتناول كلامه ضمان الدرك للبائع؛ بأن يضمن له المبيع إن خرج الثمن المعين مستحقاً، إلا أنه تبع الجمهور في فرض ذلك في المشتري، وفي صحة ضمان الدرك للمكتري وجهان في "الروضة" و"أصلها" في آخر (الإجازة)، صحح السبكي منهما الصحة. قوله: (والدرك المضمون للرداءة) أي: رداءة الثمن أو المبيع يشمل؛ أي: يشملها ويشمل العيب؛ أي: في الثمن أو المبيع، ويشمل نقص الصنجة التي وزن بها الثمن أو المبيع؛ بأن يقول: ضمنت لك درك، أو عهدة الثمن، أو المبيع من غير ذكر استحقاق، أو فشاد أو رداءة أو عيب، أو نقص صنجة، وهذا وجه مرجوح جرى عليه الناظم؛ كصاحب "الحاوي الصغير". والأصح في "الشرح الصغير" و"الروضة": عدم شموله للفساد والرداءة، والعيب ونقص الصنجة؛ لأن المتبادر منه الرجوع بسبب الاستحقاق. قال في "الروضة" كـ"أصلها": ولو قال: (ضمنت لك خلاص المبيع) .. لم يصح؛ لأنه لا يستقل بتخليصه إذا اسنحق، بخلاف: (ضمنت لك خلاصك منه) فإنه كضمان الدرك.

стр. 503

ولو اختلف البائع والمشتري في نقص صنجة الثمن .. صدق البائع بيمينه، فإذا حلف .. طالب المشتري بالنقص، ولا يطالب الضامن؛ لأن الأصل براءة ذمته إلا إذا اعترف أو قامت بينة، ولو اختلف البائع والضامن .. صدق الضامن؛ لأن الأصل براءة ذمته، بخلاف المشتري فإن ذمته كانت مشغولة؛ ذكر ذلك في "الروضة" و"أصلها"، ويشترط في ضمان الدرك علم الضامن بقدر الثمن. [كفالة البدن] السابعة: بالرضا من المكفول، أو من وليه إن كان غير مكلف، أو وارثه إن كان ميتاً .. صحت كفالة البدن؛ للحاجة إليها في كل من حضوره إلى الحاكم (استحقا) عند الاستعداء؛ لحق آدمي لازم ولو عقوبة، أو لحق مالي لله تعالى؛ كالمدعى زوجيتها، والميت قبل دفنه ليشهد على عينه من لا يعرف نسبه، بخلاف من لا حق عليه، أو عليه حق آدمي غير لازم؛ كنجوم الكتابة، أو عقوبة لله تعالى. وكفالة كل جزء دونه لا يبقى؛ كالرأس والروح؛ والقلب والكبد والدماغ، والجزء الشائع كالثالث والربع؛ لأنه لا يمكن تسليم ذلك إلا بتسليم كل البدن، فكان كالكفالة بكله، بخلاف ما يبقى الشخص بدونه؛ كاليد والرجل. وتصح الكفالة بالعين المضمومة دون غيرها إذا أذن فيها واضع اليد، أو كان الكفيل قادراً على انتزاعها منه؛ كما نقله شارح "التعجيز" عن الأصحاب. قال في "الروضة" كـ"أصلها": ومن ضمان العين: ما لو تكفل ببدن العبد الجاني جناية توجب مالاً، وما لو ضمن عهدة ما بيع بثمن معين، والثمن باق بيد البائع، وإن تلف في يده فضمن رجل قيمته .. فهو كما لو كان الثمن في الذمة وضمن العهدة، ولو رهن ثوباً، ولم يسلمه فضمن رجل تسليمه .. لم يصح؛ لأنه ضمان ما ليس بلازم. انتهى. ويبرأ الكفيل بتسليم المكفول للمكفول له في مكان عيناه للتسليم، أو في مكان العقد عند الإطلاق بلا حائل كمتغلب، فلو سلمه له في غير ما ذكر .. فللمكفول له الامتناع من تسلمه إن كان له غرض في الامتناع؛ كفوت حاكم أو معين، وإلا .. فالظاهر - كما قاله الشيخان - لزوم

стр. 504

قبوه، فإن أبى .. رفعه إلى الخاكم؛ ليتسلمه عنه، فإن لم يكن حاكم .. أشهد شاهدين أنه سلمه إليه. ولو أحضره قبل زمانه المعين فامتنع المستحق من قبوله .. نظر: هل له غرض؛ كغيبة بينة، أو تأجيل دينه، أو لا؟ والحكم في ذلك كما في المكان، وبأن يحضر المكفول في مكان التسليم بقوله: (سلمت نفسب عن جهة الكفيل)، ولو سلمه أجنبي عن جهة الكفيل بإذنه، أو قبله المستحق .. برئ، وإلا .. فلا. [لزوم إحضار المكفول إذا علم مكانه] الثامنة: موضع المكفول الغائب إن يعلم؛ أي: إن يعلمه الكفيل والطريق آمن، ولم يكن ثم من يمنعه من .. لزمه إحضاره ولو كان فوق مسافة القصر، سواء أكان غائباً حين الكفالة أم غاب بعدها، ولكن يمهل قدر ذهاب إليه وإباب منه. قال الإسنوي: وينبغي أن يعتبر مع ذلم مدة إقامة مدة المسافرين ثلاثة أيام، غير يومي الدخول والخروج؛ للاستراحة وتجهيز المكفول. قال: وإذا أعطى الكفيل ما على المكفول ثم قدم .. ففي استرداد ما أعطاه نظر، والمتجه: أن له ذلك. انتهى. [إذا مات المكفول أو اختفى] التاسعة: إن يمت المكفول أو اختفى؛ أي: أو هرب فلم يعرف مكانه، أو تلفت العين المضمونة .. لا يغرم الكفيل شيئاً من المال؛ لأنه لم يلتزمه، كما لو ضمن المسلم فيه فانقطع .. لا يطالبه برأس المال، وقيل: يغرم المال؛ لأن الكفالة وثيقة؛ فيستوفى منها المال إذا تعذر تحصيله كالرهن. [ما يبطل الكفالة] العاشرة: بطلت الكفالة بشرط مال يلزم الكفيل إذا مات المكفول أو اختفى أو هرب، أو تلفت العين المكفولة؛ لأنه شرط يخالف مقتضاها، ولالتزام المال؛ لأنه صير الضمان معلقاً. قال الإسنوي: ولك أن تقول: هلا بطل الشرط فقط؛ كما لو أقرضه بشرط رد مكسر عن

стр. 505

صحيح، أو شرط الخيار للمضمون له، أو ضمن المؤجل بشرط الحلول؛ بجامع أنه زاد خيراً؟ انتهى. وأجيب بأن المشروط في تلك صفة تابعة، وفي هذه أصل يفرد بعقد، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل. ومن أركان الضمان والكفالة: الصيغة؛ وهي لفظ أو نحوه يشعر بالالتزام؛ كـ (ضمنت دينك عليك)، أو (تلقدته)، أو (تكفلت ببدنه)، أو (أنا بالمال، أو بإحضار الشخص ضامن)، أو (كفيل) أو (زعيم) أو (حميل)، ولو قال: (أؤدي المال)، أو (أحضر الشخص) .. فهو وعد، ولا يجوز تعليقهما ولا توقيتهما، ولو نجز الكفالة وشرط تأخير الإحضار مدة معلومة .. جاز. والألف في قول الناظم: (لزما) و (سلما) و (استحقا) للإطلاق. * * *

стр. 506

باب الشركة بكسر الشين وإسكان الراء، وحكى فتج الشين وكسر الراء وإسكانها، وهي لغة: الامتزاج، وشرعاً: ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع بشروط مخصوصة. [أنواع الشركة] وهي أربعة أنواع: الأول: شكرة الأبدان؛ كشركة الحمالين وسائر المحترفة؛ ليكون بينهما كسبهما متساوياً أو متفاضلاً، اتفقت صنعتهما أم لا، وهي باطلة على الصحيح، فإذا اكتسبا وانفردا .. فلكل كسبه، وإلا .. قسم الحاصل على قدرة أجرة المثل. الثاني: شركة المفاوضة؛ ليكون بينهما كسبهما، وعليهما ما يعرض من غرم، وهي باطلة، فإن استعملا لفظ المفاوضة، وأرادا شركة العنان .. جاز. الثالث: شركة الوجوه، وأشهر صورها: أن يشترط وجيهان ليبتاع كل منهما بمؤجل لهما، فإذا باعا .. كان الفاضل عن الأثمان بينهما، أو يبتاع وجيه في الذمة ويفوض بيعه إلى خامل ويشرطا الربح بينهما، أو يشترك وجيه بعمله وخامل بماله؛ ليكون في يده والربح بينهما، أو يبيع الوجيه مال الخامل؛ ليكون له بعض الربح. وكلها باطلة، وما يشتريه أحدهما في الأولى والثانية .. فهو له يختص بربحه، ولا يشاركه فيه الآخر إلا إذا صرح بالإذن في الشراء، وقصد المشتري موكله. الرابع: شركة العنان بكسر العين: من عن الشيء ظهر؛ قاله الجوهري، إما لأنها أظهر الأنواع، أو لأنه ظهر لكل من الشريكين مال الآخر، أو من عنانه الدابة، إما لاستواء الشريكين في ولاية التصرف والفسخ واستحقاق الربح بقدر المالين؛ كاستواء طرفي العنان، أو لمنع كل منهما الآخر من التصرف كما يشاء؛ كمنع العنان الدابة، وقيل: من عن الشيء عرضه؛ لأن كلا منهما قد عرض له أن يشارك الآخر، وقيل بفتح العين: من عنان السماء.

стр. 507

وهذه الشركة هي المرادة هنا، والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه)، وخبر: "يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه .. خرجت من بينهما" رواه أبو داوود والحاكم، وصحح إسناده، ومعنى "أنا ثالث الشريكين": أنا معهما بالحفظ والإعانة، فأمدهما بالمعونة في أموالهما وإنزال البركة في تجارتهما، فإذا وقعت بينهما الخيانة .. رفعت البركة والإعانة عنهما؛ وهو معنى "خرجت من بينهما". ولها أربعة أركان: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة، وعمل، وقد أشار إليها بقوله: (تصح ممن جوزوا تصرفه .. واتحد المالان جنساً وصفه) (من نقد أو غير، وخلط ينتفي ... تمييزه، بالإذن في التصرف) (والربح والخسر اعتبر تقسيمه ... بقدر مال شركة بالقيمة) (فسخ الشريك موجب إبطاله ... والموت والإغماء كالوكالة) [شروط صحة الشركة] أي: يعتبر لصحة الشركة أمور: أحدها: أن يكون كل منهما جائز التصرف؛ بأن يكون أهلاً للتوكيل والتوكل؛ لأن كل منهما يتصرف في ماله بالملك، وفي مال الآخر بالإذن، فكل منهما موكل ووكيل، ولو كان أحد الشريكين هو المتصرف .. اشترط فيه أهلية التوكيل، وفي الآخر أهلية التوكيل فقط، حتى يجوز كزن الثاني أعمر؛ كما قاله في "المطلب". وتكره مشاركة الكافر، ومن لا يجوز من الربا ونحوه، وقال الأذرعي: هذا إن شارك لنفسه، فإن شارك لمحجوره .. فلا بد أن يكون الشريك ممكن يجوز إبداع مال المحجور عنده. ثانيها: اتحاد المالين جنساً وصفة من نقد، أو غيره من المثليات ولو دارهم مغشوشة. ثالثها: خلط المالين؛ بحيث لا يتميز مال أحدهما عن مال الآخر عند العقد، فلو عقدا من غير خلط، أو معه مع إمكان التمييز .. لم يصح العقد، حتى لو تلف مال أحدهما قبل التصرف .. تلف على ملكه.

стр. 508

وفهم مما ذكر: عدم الصحة في المتقوم، وهو كذلك؛ لانتفاء الحيثية المذكورة، هذا إذا أخرجا مالين وعقدا، فإن ملكا مشتركاً بإرث أو شراء أو غيره، وأذن كل للآخر في التجارة فيه .. تمت الشركة. والحيلة في الشركة في العروض المتقومة: أن يبيع بعض عرضه ببعض عرض الآخر، ويأذن كل للآخر في التصرف. رابعها: الصيغة بالإذن من كل منهما للآخر في التصرف بالبيع والشراء؛ ليحصل التسلط على التصرف، حتى لو أذن أحدهما دون الآخر .. لم يتصرف الآذن إلا في حصته فقط، ولو شرط عليه ألا يتصرف في نصيب نفسه .. لم يصح العقد؛ لما فيه من الحجر على المالك في ملكه، ولو قالا: (اشتركنا) .. لم يكف في الأصح؛ لقصوره عن الإذن، واحتمال كونه إخباراً عن حصول الشركة في المال، ولا يلزم من حصولها جواز التصرف؛ بدليل المال الموروث شركة. وأفهم كلامه: أنه لا يشترط تساوي قدر مالي الشركة، وأنه لا يشترط العلم بقدرهما عند العقد إذا أمكنت معرفته بعده، وهو كذلك فيهما، ومتى صحت الشركة .. تسلط كل منهما على التصرف بالمصلحة؛ كالوكيل فلا يبيع بنسيئة، ولا يغير نقد البلد، ولا يسافر به ولا يبضعه بلا إذن، ولا يبيع ولا يشتري بغبن فاحش بلا إذن، فإن باع به .. بطل في نصيب شريكه، لا في نصيبه في الأصح، وانفسخت الشركة في المبيع، وصار مشتركاً بين المشتري والشريك، أو اشترى بع بعين مال الشركة .. فكالبيع، أو في الذمة .. لم يقع للشريك، وعليه وزن الثمن من خالص ماله. قوله: (والربح والخسر اعتبر) أي: أنت تقسيمه بقدر مال شريكه بالقيمة؛ أي: باعتبارها؛ لا باعتبار الأجزاء تساوياً في العمل أو تفاوتا، فلو كان لأحدهما رطل زيت، أو قفيز بر قيمته مئة، وللآخر مثل قيمته خمسون .. فالربح والخسران بينهما بالأثلاث، فلو شرطا خلافه .. فسد العقد؛ لمخالفته وضع الشركة، والتصرف صحيح للإذن، ويقسم الربح على قدر ماليهما، ولكل على الآخر أجرة مثل عمله في ماله؛ فإن تساويا في المال والعمل .. تقاصا. وإن تفاوتا في العمل مع التساوي في المال فكان عمل أحدهما يساوي مئتين، وعمل الآخر يساوي مئة: فإن كان عمل المشروط له الزيادة أكثر .. رجع على الآخر بخمسين، وإن كان

стр. 509

عمل الآخر أكثر .. لم يرجع بشيء؛ لتبرعه بعمله، وكذا لو اختص أحدهما بأصل التصرف. وكل من الشريكين أمين، والقول قوه بيمينه في قوله: (اشتريت هذا للشركة) أو (لنفسي)، وفي الربح والخشران، وفي التلف إن ادعاه بلا سبب، أو بسبب خفي؛ كالشرقة، فإن ادعاه بظاهر وجهل .. طولب ببينة، ثم يصدق في التلف به وفي الرد، إلا إذا ادعى رد الكل، وأراد طلب نصيبه .. فلا يكون القول قوله في طلب نصيبه، ولا يقبل قول أحدهما في القسمة. ولو قال أحد الشريكين: (هذا المال لي)، وقال الآخر: (للشركة) .. صدق صاحب اليد بيمينه. قوله: (فسخ الشريك) أي: أحد الشريكين عقد الشركة موجب إبطاله، وموته أو جنونه أو إغماؤه .. مبطل له كالوكالة؛ لأن هذا شأن العقد الجائز من الطرفين. [أقسام العقود من حيث الجواز واللزوم] ثم العقود نوعان: أحدهما: ينفرد به العاقد، وهو ثمانية: النذر، واليمين، والتدبير، والعتق، والعدة، والحج، والعمرة، والصلاة إلا الجمعة. ثانيها: لا بد فيه من متغاقدين، وهو ثلاثة أقسام: جائز من الطرفين، وهو تسعة: الشركة، والوكالة، والقراض، والوديعة، والعارية، والجعالة، والقضاء، والوصية، والوصاية، لكن للموصي في الحياة، ولموصى له بعد الموت. ولازم من الطرفين، وهو خسمة عشر: النكاح، والخلع، والإجازة، والمساقاة، والمزارعة، والوصية إذا قبل بعد الموت، والحوالة، والصلح، والبيع، والسلم، والمأخوذ بالشفعة، والهبة بعد القبض إلا في حق الفرع، والوقف، والصداق، والعتق على العوض. وجائز من طرف لازم من طرف، وهو ثمانية: الرهن، والضمان، والجزية، والكتابة، والإمامة، وهبة الأصل للفرع، والهدية، والأمان. وقول الناظم: (أو غير (بحذغ الهمزة للوزن. * * *

стр. 510

باب الوكالة بفتح الواو وكسرها لغة: الحفظ والتفويض، وشرعاً: استبانة جائز التصرف مثله فيما يقبل النيابة في حال حياته، والأصل فيها قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿فابعثوا حكما من أهله﴾ [النساء: ٣٥] الآية، وأخبار؛ كإرساله ﷺ السعاة لقبض الزكوات، وتوكيله عمرو بن أمية في نكاح أم حبيبة، وأبا رافع في نكاح ميمونة، وعروة البارقي في شراء الشاة، والحاجة داعية إليها، فإن الشخص قد يعجز عن القيام بمصالحه ومعاملاته كلها فهي جائزة، بل قال القاضي حسن وغيره: إنها مندوب إليها؛ لأنها من التعاون على البر، والقيام بمصلحة الغير، وفي الخبر: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه". ولها أربعة أركان: موكل، ووكيل، وموكل فيه، وصيغة، وقد أشار إليها فقال: (ما صح أن يباشر الموكل ... بنفسه جاز له التوكل) (وجاز في المعلوم من وجه، ولا ... يصح إقرار على من وكلا) (ولم يبع من نفسه ولا أبن ... طفل ومجنون ولو بإذن) (وباع بالتأجيل أو بغبن ... وغير نقد بلد بالإذن) (وهو أمين، وبتفريط ضمن ... يعزل بالعزل وإغماء وجن) [ضابط ما يصح فيه التوكيل وما يستثنى منه] أي: ما يصح أن يباشره الموكل بنفسه .. جاز له أن يوكل فيه، فأفاد كلامه: أن شرط الموكل: صحة مباشرته ما وكل فيه بملك أو ولاية، فيصح توكيل الولي في حق محجوره أباً كان أو جداً في الرويج والمال، أو وصياً أو قيماً في المال مما لم تجر العادة بمباشرته لمثله.

стр. 511

ويستثنى من هذا مسائل: منها أنه ليس للظافر بحقه التوكيل في كسر الباب وأخذه؛ ومثله: العبد المأذون، والسفيه المأذون في النكاح، وكذا من أسلم على أكثر من أربع في الاختيار، إلا إذا عين للوكيل المختارات. وأن ما لا يصح أن يباشره الموكل بنفسه .. لا يجوز له أن يؤكل فيه، فلا يصح توكيل صبي ولا مجنون في شيء، ولا توكيل المرأة غير وليها في تزوجيها، ولا المحرم في تزويجه أو تزويج موليته. ويستثنى الأعمى في نحو البيع فصيح للضرورة، وتوكيل المحرم حلالاً في التزويج، سواء أقال بعد التحلل أم أطلق، والحلال محرماً في التوكيل فيه، والمشتري البائع في أن يوكل من يقبض منه، والمسلم المسلم إليه كذلك، والتوكيل في استيفاء قصاص الطرف وحد القذف وإن شرط الوكيل صحة مباشرته التصرف لنفسه، فيصح توكيل عبد وسفيه في قبول نكاح لا في إيجابه. ويستثنى من هذا مسائل: منها توكيل الولي فاسقاً في بيع مال المحجور عليه. وأن ما لا تصح مباشرته التصرف لنفسه .. لا يصح توكله فيه، ويستثنى منه مسائل: منها اعتماد قول الصبي في الإذن في دخول دار، وإيصال نحو هدية إذا كان مميزاً مأموناً؛ لاعتماد السلف غليه في ذلك، وتوكيل الزوج شخصاً في قبول نكاح محرمه، وموسراً في قبول نكاح أمة، وتوكيل أصناف الزكاة في قبضها لهم من لا بثمنها .. فالأشهر في "المطلب": صحة التوكيل. ويشترط في الموكل فيه: علمه من وجه يقل معه الغرر؛ كـ (وكلتك في بيع أموالي وعتق أرقائي)، ولا يشترط علمه من كل الوجوه؛ لأن تجويز الوكالة للحاجة يقتضي المسامحة فيه، بخلاف ما إذا أكثر الغرور؛ كـ (وكلتك في قليل وكثير)، أو (في كل أموري)، أو (فوضت إليك كل شيء)، أو (اشتر لي عبداً أو حيواناً).

стр. 512

ويشترط فيه أيضاً: أن يكون قابلاً للنيابة، سواء أكان عبادة؛ كالحج والعمرة وتوابعهما، والصوم عن الميت؛ كما رجحه النووي، وذبح الأصحية والهدي والعقيقة، وتفرقة الزكاة والكفارة والصدقة ونحوها، أم عقداً؛ كبيع، أو فسخاً؛ كرد يعيب، أم غيرها؛ كقبض الديون وإقباضها، والدعوى والجواب، واستيفاء عقوبة، وإثبات عقوبة آدمي، وتملك مباح، بخلاف سائر العبادات البدنية كالصلاة، والمعاصي كالقتل، واثبات عقوبة الله تعالى وشهادة وإقرار. ويحتمل أن يكون هذا معنى قول الناظم الآتي: (ولا يصح إقرار على من وكلا) أي: لا يصح إقرار من الوكيل على من وكله فيه؛ لعدم صحة التوكيل على من وكله فيه؛ لعدم صحة التوكيل فيه كما سيأتي، ويجعل مقراً بنفس التوكيل على الأصح في "الروضة"، ويمين وإبلاء ولعان، ونذر وظهار وتعليق نحو عتق. [صيغة الوكالة] وأما الصيغة .. فكوكلتك في كذا، أو فوضته إليك، أو أنت وكيلي فيه، أو بع أو اعتق، ولا يشترط القبول لفظاً على الأصح، بل يكفي الفعل، ولا يصح تعليقها في الأصح، فإن نجزها وشرط للتصرف شرطاً .. جاز، وتصح مؤقتة. ولو قال: (وكلتك، ومتى عزلتك فأنت وكيلي) .. صحت في الحال في الأصح، وفي عوده وكيلاً بعد العزل الوجهان في تعليقها، أصحهما: المنع، ويجريان في تعليق العزل، وأصحهما: عدم صحته. [حكم إقرار الوكيل وإبرائه] قوله: (ولا يصح إقرار على من وكلا) أي: لا يصح إقرار الوكيل في الخصومة بالإبراء، أو الإقرار من موكله بما يبطل حقه من قبض أو تأجيل ونحوه؛ كما لا يصح إبراؤه؛ لأن اسم الخصومة لا يتناوله، ولأن الوكيل إنما يفعل ما فيه الحظ والمصلحة لموكله، وينعزل بإقراره المذكور، ولا ينعزل بإبرائه الخصم، وما قررت به كلامه .. أظهر من حمله على أنه لا يصح التوكيل في الإقرار؛ لأنه إخبار عن حق، فلا يقبل التوكيل فيه؛ كالشهادة.

стр. 513

[التوكيل في البيع وأحكامه] ومتى وكله في البيع، ولم يقيده بثمن ولا حلول، ولا تأجيل ولا نقد .. لم يجز له - نظراً للعرف - البيع بغير نقد البلد ولا بنسيئة ولا بغبن فاحش، وهو ما لا يحتمل غالباً، بخلاف اليسير وهو ما يحتمل غالباً؛ كبيع ما يساوي عشرة دراهم بتسعة، فلو باع بشيء منها وسلم المبيع .. ضمنه؛ لتعديه بتسليمه ببيع بتسليمه ببيع باطل فيسترده إن بقي، وإلا .. غرم الموكل قيمته من شاء من الوكيل والمشتري والقرار عليه، وإذا استرده .. فله بيعه بالإذن السابق، ولا يكون ضامناً لثمنه. ولو كان بالبلد نقدان .. لزمه البيع بأغلبهما، فإن استويا .. فبأنفعهما للموكل، فإن استويا .. تخير بينهما، أما إذا قيد بشيء مما ذكر .. فيتعين، فلو أطلق الأجل .. صح وحمل على المتعارف في مثله، فإن لم يكن في المبيع عرف .. راعى الوكيل الأنفع للموكل. ولو قال الموكل: (بعه بكم شئت) .. فله البيع بالغبن الفاحش، ولا يجوز بالنسيئة، ولا بغير نقد البلد، أو: (بما شئت) .. فله البيع بغير نقد البلد، ولا يجوز بالغبن ولا بالنسيئة، أو: (كيف شئت) .. فله البيع بالنسيئة، ولا يجوز بالغبن ولا بغير نقد البلد. [لا يبيع الموكل من نفسه ولا لمحجوره] وللوكيل بالبيع بيعه لأصوله وفروعه؛ كما يبيعه لصديقه، ولا يصح بيعه لنفسه، ولا لمحجوره بصبي أو مجنون أو سفه، ولو بإذن من موكله له فيه؛ لتضاد غرضي الاسترخاص لهما والاستقصاء للموكل، ولاتحاد الموجب والقابل لغير جهة الأبوة، وقد أشار الناظم إلى هذا بقوله: (ولم يبع من نفسه ولا ابن طفل ومجنون ولو بإذن). وشمل كلامه كغيره: ما لو قدر له مع ذلك الثمن ونهاه عن الزيادة وإن انتفت التهمة؛ لاتحاد الموجب والقابل، ولهذا لو وكله ليهب من نفسه .. لم يصح على الأصح، ويمتنع على الوكيل شرط الخيار لغير نفسه وموكله. ومتى باع بثمن وزاد راغب قبل انقضاء الخيار .. انفسخ بيعه؛ إذ ليس له البيع بثمن المثل وهناك زيادة؛ لأنه مأمور بالمصلحة، فإن رجع من رغب بالزيادة عنها قبل تمكن الوكيل من بيعه منه .. بقي البيع بحاله، فإن لم يرجع إلا بعده .. فقد ارتفع ذلك البيع، فلا بد من بيع جديد.

стр. 514

وللوكيل بالبيع مطلقاً قبض الثمن من المشتري وتسليم المبيع له؛ لأنهما من مقتضيات البيع، لكن لا يسلمه المبيع حتى يقبض ثمنه؛ إذ في تسليمه قبل القبض خطر ظاهر، فإن خالف .. ضمن قيمته للموكل وإن كان الثمن أكثر منها، وإذا قبض الثمن .. دفعه إليه واسترد القيمة. أما لو كان الثمن مؤجلاً .. فله قبل قبضه تسليم المبيع؛ إذ لا حبس بالمؤجل، فإن حل .. لم يملك قبضه إلا بإذن جديد، وحيث نهاه عن التسليم أو القبض .. فليس له ذلك. وإذا وكله في شراء شيء موصوف كان أو معيناً، فاشتراه معيباً بثمن في الذمة جاهلاً بعيبه .. وقع الشراء للموكل وإن لم يساو ما اشتراه به؛ كما لو اشتراه بنفسه جاهلاً، وفارق عدم صحة بيعه بغبن فاحش؛ بأن الغبن لا يثبت الخيار فيتضرر الموكل، أو عالماً .. لم يقع لموكله وإن ساوى ما اشتراه به؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة ولا عذر، وإذا وقع للموكل .. فلكل من الموكل والوكيل الرد بالعيب، وإن رضي الموكل به .. فليس للوكيل الرد، بخلاف العكس. وإن اشترى بعين مال الموكل .. وقع له حال الجهل، وليس للوكيل الرد في الأصح، وبطل حال العلم. [حكم توكيل الوكيل غيره] وليس لوكيل أن يوكل بلا إذن إن تأتى منه ما وكل فيه وإن قال له الموكل: (افعل فيه ما شئت)، أو (كل ما تصنعه فيه جائز)، وإن لم يتأت؛ لكونه لا يحسنه، أو لا يليق به .. فله التوكيل على الصحيح، ولو كثر وعجز عن الإتيان بكله .. فالمذهب: أنه يوكل فيما زاد على الممكن. ولو أذن في التوكيل وقال: (وكل عن نفسك) ففعل .. فالأصح: أن الثاني وكيل الوكيل؛ فينعزل بعزله وانعزاله، وأنه ينعزل بعزل الموكل، أو: (عني) .. فالثاني وكيل الموكل، وكذا إن أطلق في الأصح، وفي الصورتين: لا يعزل أحدهما الآخر، ولا ينعزل با نعزاله. وحيث جوزنا للوكيل التوكيل .. فيشترط أن يوكل أميناً، إلا أن يعين الموكل غيره. ولو كان أميناً ففسق .. لم يملك الوكيل عزله في الأصح؛ لأنه ليس نائباً عنه، ولو عين للبيع شخصاً أو زمناً أو مكاناً .. تعين، ولو قدر له الثمن فباع في مكان غيره بالقدر .. جاز. وإن قال: (بع بمئة) .. لم يبع بأقل، وله أن يزيد عليها إلا أن عين المشتري، أو صرح بالنهي عن الزيادة، وليس له البيع بمئة وهناك زيادة.

стр. 515

ولو قال: (اشتر عبد فلان بمئة) فاشتراه بأقل .. صح. ولو قال: (اشتر بهذا الدينار شاة) ووصفها، فاشترى به شاتين بالصفة: فإن لم تساو واحدة ديناراً .. لم يصح الشراء للموكل، وإن ساوته إحداهما أو كل منهما .. فالأظهر: الصحة وحصول الملك فيهما للموكل. ولو أمره بالشراء بعين مال فاشترى في الذمة .. لم يقع للموكل، وكذا عكسه في الأصح، ومتى خالف الموكل في بيع ماله، أو الشراء بعينه؛ كأن أمره يبيع عبد فباع غيره، أو بشراء ثوب بهذا الدينار فاشترى به آخر .. فتصرفه باطل. ولو اشترى غير المأذون فيه في الذمة ولم يسم الموكل .. وقع للوكيل، وإن سماه فقال البائع: (بعتك)، فقال: (اشتريت لفلان) .. فكذا في الأصح. ولو قال: (بعث موكلك)، فقال: (اشتريت له) .. لم يصح، بخلاف النكاح؛ فإنه لا يصح إلا كذلك، ووكيل المتهب يجب أن يسمي موكله، وإلا .. يقع له، ولا تصرفه النية، ولو وكله في بيع شيء لزيد فباعه لوكيله .. لم يصح. [الوكيل أمين] قوله: (وهو أمين) أي: والوكيل أمين وإن جعل بجعل؛ كما اقتضاه إطلاقه، فلا يضمن ما تلف في يده بلا تفريط؛ لأن الوكالة عقد إرفاق ومعونة، والضمان ينافيه وينبوا عنه. قوله: (وبتفريط ضمن) كأن تصرف على غير الإذن أو المصلحة عند إطلاق الإذن، وسلم العين للغير، أو استعملها، أو وضعها في غير حرزها كسائر الأمناء، فإنهم لا يضمنون إلا بالتفريط، ولا ينعزل بذلك في الأصح؛ لأن حقيقة الوكالة الإذن في التصرف، والأمانة حكم مرتب عليه، فلا يلزم من رفعها رفعه. وإذا باع وسلم المبيع .. زال الضمان عنه، ولا يضمن الثمن، ولو رد المبيع بعيب عليه .. عاد الضمان. ولو دفع إلى وكيله دراهم ليشتري بها شيئاً فيهل قرضاً عليه .. ضمنها، وليس له أن يشتري للموكل بدراهم نفسه، ولا في الذمة، فإن فعل .. فالشراء له، فلو عادت الدراهم إليه فاشترى بها الموكل .. صح على المذهب، والمشترى غير مضمون عليه، فلو رده بعيب واسترد الثمن .. عاد الضمان. ومتى طالبه برد ماله .. لزمه أن يخلي بينه وبينه، فإن امتنع بلا عذر .. ضمن.

стр. 516

[تعلق أحكام العقد بالوكيل] وأحكام العقد بالوكيل دون الموكل؛ لأنه العاقد حقيقة، فيعتبر في الرؤية، ولزوم العقد بمفارقة المجلس والفسخ فيه، والتقابض في المجلس حيث يشترط، وتسليم رأس مال السلم .. الوكيل دون الموكل. وإذا اشترى الوكيل .. طالبه البائع بالثمن إن كان دفعه إليه الموكل، وإلا .. فلا إن كان الثمن معيناً، وإن كان في الذمة .. طالبه به إن أنكر وكالته، أو قال: (لا أعلمها)، وإن اعترف بها .. طالب به أيهما شاء في الأصح، والوكيل كضامن، والموكل كأصيل، وإذا قبض الوكيل بالبيع الثمن وتلف في يده وخرج المبيع مستحقاً .. رجع عليه المشتري ببدل الثمن وإن اعترف بوكالته في الأصح، ثم يرجع الوكيل على الموكل بما غرنه، وللمشتري الرجوع على الموكل ابتداء في الأصح؛ لأن الذي تلف في يده سفيره ويده كيده. [ما ينعزل به الوكيل] ثم شرع فيما ينعزل به الوكيل فقال: (يعزل بالعزل) أي: منه أو من موكله؛ كأن يقول الوكيل: (عزلت نفسي)، أو (أخرجتها من الوكالة)، أو (رددتها)، أو الموكل: (عزلته)، أو (رفعت الوكالة)، أو (فسختها)، أو (أبطلتها)، أو (أخرجته منها) لأن الوكالة جائزة من الجانبيين وإن ذكر فيها جعل ووجدت فيها شروط الإجازة؛ لتضرر العاقدين باللزوم. ولا يتوقف انعزاله على علمه بالعزل كما اقتضاه كلامه؛ لأنه رفع عقد لا يتوقف على الرضا، فكذا العلم: كالطلاق، بخلاف انعزال القاضي؛ لتعلق المصالح الكلية به قاله الرافعي وغيره، وقضبته: أن القاضي في الواقعة الخاصة كالوكيل، وأن الوكيل العام كوكيل السلطان لا ينعزل قبل بلوغ الخبر؛ لعموم نظره، فالأحسن الفرق: بأن القاضي نائب عن المسلمين لا عن الإمام. قال في "الروضة" كـ"أصلها": وينبغي للموكل إذا عزل الوكيل في غيبته أن يشهد على العزل؛ لأن قوله بعد تصرف الوكيل: (كنت عزلته) لا يقبل. قال في "المهمات": ومحله: إذا أنكر الوكيل العزل، فإن وافقه، لكن قال: كان بعد

стр. 517

التصرف .. فهو كدعوى الزوج تقدم الرجعة على انقضاء العدة، وفيه تفصيل معروف؛ قاله الرافعي في اختلاف الموكل والوكيل. ولو أنكر أحدهما الوكالة .. فالأصح أنه: إن كان لنسيان أو لغرض في الإخفاء .. فليس بعزل، وإلا .. فعزل. وأشار بقوله: (وإغماء وجن) إلى أن الوكيل ينعزل بزوال أهلية واحد منهما لذلك التصرف؛ لأن مات أو جن أو أغمي عليه أو رق، أو فسق فيما تعتبر فيه العدالة، أو حجر عليه بسفه، او فلس فيما لا ينفذ لأجلهما، ويستثنى منه إغماء الموكل برمي الجمار فلا ينعزل به الوكيل؛ لأنه قد زاد عجزه. وينعزل أيضاً بخروج محل التصرف عن ملك الموكل بتلف أو بيع، أو عتق أو نحوها، أو عن منفعته؛ كما لو أجره، أو زوج الأمة؛ لإشعار الإجارة والتزويج بالندم على البيع، أو عن الوكيل إذا كان رقيق الموكل؛ كما نقل النووي تصحيحه عن جماعة وأقره، بخلاف زوال الملك عن رقيق غيره فليس بعزل، وينعزل بالإيصاء والتدبير، وتعليق العتق بصفة؛ كما رجحه جماعة من المتأخرين، وفي طحن الحب وجهان أطلقهما الشيخان وغيرهما، ونقل الأذرعي عن "التتمة": أن أصلهما ما لو حلف لا يأكل هذه الحنطة فأكل بعد الطحن، قال: وقضيته: ترجيح العزل، وذكر في "الخادم" أيضاً ذلك، وأن الرافعي إنما أخذهما من "التتمة"، وأن القاضي ذكرهما، وقال: بناء على أن المغلب الإشارة أو العبارة، ولا ينعزل بالعرض على البيع، ولا بتوكيل وكيل آخر. قال في "الروضة": ولو عزل أحد وكيليه مبهماً .. منع كل منهما من التصرف في الأصح حتى يميز، للشك في أهليته، ومن يقبل قوله في الرد؛ كالوكيل والمودع .. ليس له أن يقول بعد طلب المالك: (لا أرد إلا بإشهاد) في الأصح، ومن لا يقبل قوله فيه كالغاصب .. فله الامتناع إن كان عليه بينة بالأخذ، وكذا إن لم تكن بينة في الأصح. ولو قال رجل: (وكلني زيد بقبض ما له عندك من دين أو عين) وصدقه .. فله دفعه إليه،

стр. 518

والمذهب: أنه لا يلزمه إلا ببينة على وكالته، فلو دفع فحضر زيد وأنكر الوكالة .. صدق بيمينه، ثم إن الحق عيناً .. أخذها، وإن تلفت .. فله تغريم من شاء منهما، ولا رجوع للغارم على الآخر، إلا إذا تلفت بتفريط القابض وغرم الدافع .. فإنه يرجع على القابض، أو ديناً .. فله مطالبة الدافع بحقه ويسترد هو المدفوع، فإن تلف بتفريط .. غرمه، وإلا .. فلا، وليس له مطالبة القابض إن تلف المدفوع عنده، وكذا إن بقي في الأصح. وإن لم يصدقه .. لم يكلف الدفع إليه، فإن دفع، ثم حضر زيد وحلف على نفي الوكالة .. غرم الدافع، ثم يرجع هو على القابض. ولو أنكر الوكالة أو الحق، وكان الوكيل مأذوناً له في إقامة البينة .. أقامها وأخذ الحق، وإلا .. فليس له التحليف في الأظهر. ولو قال: (أنا وارثه) وصدقه .. وجب الدفع على المذهب، أو (أحالني عليك) وصدقه .. فكذا في الأصح، وإن كذبه ولا بينة .. فله تحليفه في الأصح. والألف في قول الناظم: (وكلا) للإطلاق، وقوله: (وجن) بكسر الجيم؛ أي: جنون. * * *

стр. 519

باب الإقرار هو لغة: الإثبات؛ من قر الشيء يقر قراراً إذا ثبت، وشرعاً: إخبار عن حق سابق، ويسمى اعترافاً أيضاً، والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥] وفسرت شهادة المرء على نفسه بالإقرار، وقوله تعالى: ﴿ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا﴾ [آل عمران: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله: ﴿فليمدل وليه بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: فليقر بالحق، دل أوله على صحة إقرار الرشيد على نفسه، وآخره على صحة إقرار الولي على موليه، وخبر "الصحيحين": "اغد يا أنيس إلى امرأة هنا، فإن اعترفت .. فارجمها"، والقياس: لأنا إذا قبلنا الشهادة على الإقرار .. فلأم نقبل الإقرار أولى. وله أربعة أركان: مقر، ومقر له، ومقر به، وصيغة. (وإنما يصح مع تكليف ... طوعا ولو في مرض مخوف) (والرشد إذا إقراره بالمال ... وصح الاستثناء باتصال) (عن حقنا ليس الرجوع يقبل ... بل حق ربي، فالرجوع أفضل) (ومن بمجهول أقر قبلا ... بيانه بكل ما تمولا) [الركن الأول: المقر وشروطه] أي: إنما يصح الإقرار مع تكليف المقر؛ بأن يكون بالغاً عاقلاً، فلا يصح إقرار غير المكلف؛ كصبي ومجنون، إلا السكران طوعاً؛ أي: اختياراً، فلا يصح إقرار مكره عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] أسقط حكم الكفر به فغيره أولى. ويصح إقرار من ذكر ولو مع مرض ومخوف من المقر، فيصح إقرار المريض والمال عيناً كان أو ديناً لأجنبي أو وارث؛ لأنه في حالة يصدق فيها الكاذب، وينوب فيها الفاجر، فالظاهر صدقه.

стр. 520

ولو أقر في صحته بدين لإنسان، وفي مرضه بدين لآخر .. لم يقدم الأول، بل يتساويان؛ كما لو أقر بهما في الصحة أو المرض. ولو أقر في صحته أو مرضه بدين لإنسان، وأقر وارثه بعد موته بدين لآخر .. لم يقدم الأةل في الأصح؛ لأن إقرار الوارث كإقرار المورث، فكأنه أقر بالدينين. ويشترط مع ما مر في الإقرار بالمال: وشد المقر؛ أي: إطلاق تصرفه في المال، ولهذا قال الناظم: (والرشد إذا إقراره بالمال) فلا يصح إقرار السفيه بمال عين أو دين معاملة أسنده إلى ما قبل الحجر أو بعده، وكذا بإتلاف المال في الأظهر. وخرج بقوله: (إذ إقراراه بالمال): إقراره بغيره؛ كالحد والقصاص فيصح، ويصح خلعه وطلاقه، وظهاره ونفيه النسب ونحوها. وأما المفلس .. فيصح إقراره بعين، أو بدين أسند وجوبه إلى ما قبل الحجر بمعاملة أو مطلقاً أو إتلاف، أو إلى ما بعده بجناية، فيزاحم المقر له فيها الغرماء. وأما الرقيق .. فيقبل إقراره بموجب عقوبة، وأظهر القولين: أنه يضمن مال السرقة في ذمته تالفاً كان أو باقياً في يده أو يد السيد إذا لم يصدقه فيها. ولو أقر بدين جناية لا توجب عقوبة: كجناية الخطأ وإتلاف المال، فكذبه السيد .. تعلق بذمته دون رقبته، فيتبع به إذا عتق، وإن صدقه السيد .. تعلق برقبته فيباع فيها، إلا أن يفديه السيد بأقل الأمرين من قيمته وقدر الدين. وإذا بيع وبقي شيء من الدين .. لا يتبع به إذا عتق، وإن أقر بدين المعاملة .. لم يقبل على السيد إن لم يكن مأذوناً له في التجارة، بل يتعلق المقر به بذمته يتبع به إذا اعتق وإن صدقه السيد، ويقبل على السيد إن كان مأذوناً له في التجارة، ويؤدى من كسبه وما في يده، إلا أن يكون المقر به مما لا يتعلق بالتجارة كالقرض؛ فلا يقبل على السيد. ولو أقر بعد حجر السيد عليه بدين معاملة أضافه إلى حال الإذن .. لم تقبل إضافته في الأصح، وقبل الحجر لو أطلق الدين .. لم ينزل على دين المعاملة في الأصح. [الركن الثاني: المقر له] الركن الثاني: المقر له، ويشترط فيه أهلية استحقاق المقر به، فلو قال: (لهذه الدابة على كذا) .. فلغو؛ لأنها ليست أهلاً للاستحقاق، ولو قال: (علي بسببها لمالكها كذا) ..

стр. 521

صح على الصحيح، وحمل على أنه جنى عليها أو اكتراها، أو (علي بسببها) .. لم يلزم لمالكها الآن، بل يسأل ويعمل ببيانه. ولو أقر لرقيق .. فلسيه، أو لحمل بسبب إرث أو وصية .. ثح؛ لأن ما أسنده ممكن، فإن انفصل ميتاً .. فلا حق له، وتكون لورثة المورث أو الموضي، أو حياً وانفصل لدون ستة أشهر .. استحق، أو لأكثر من أربع سنين .. فلا، أو لما بينهما وهي فراش .. فكذلك، وإلا .. فالأظهر: الاستحقاق، واعتبر الشيخان هذه المدة من الإقرار، وصوب الإسنوي والبلقيني اعتبارها من سبب الاستحقاق. ثم إن استحق بوصية .. فله الكل، أو بإرث من أب وهو ذكر .. فكذلك، أو أنثى .. فلها النصف، وإن أسنده إلى جهة لا تمكن في حقه؛ كقوله: (أقرضنيه) أو (باعني به شيئاً) .. فلغو، وقيل: صحيح وبلغو الإسناد؛ لأنه غير معقول، وقيل فيه قولا تعقيب الإقرار بما يرفعه، وفي "الشرح" تصحيح الطريق الثاني، وتعقبه في "الروضة" بأن الأصح: البطلان، وبه قطع في "المحرر"، قال في "الأنوار": وهم وهم، بل الضمير في قوله "المحرر": (فهو لغة) للإسناد، وأما الإقرار .. فصحيح، وذكر الأذرعي نحوه، وإن أطلق .. صح في الأظهر، ويحمل على الجهة الممكنة في حقه. وعدم تكذيبه المقر، فلو كذب المقر .. ترك المال في يده في الأصح؛ لأن بده تشعر بالملظ ظاهراً إقراره بمعارضة الإنكار. فلو رجع المقر به وصدق المقر .. لم يسلم له إلا بإقرار جديد، أو المقر وقال: (غلطت)، أو (تعمدت الكذب) .. قبل في الأصح. وتعيينه نوع تعيين بحيث تتوقع منه الدعوى والطلب، فلو قال: (لإنسان)، أو (واحد من بني آدم)، أو (من أهل البلد على ألف) .. لم يصح على الصحيح، فلو قال واحد: (أنا المراد ولي عليك ألف) .. صدق المقر بيمينه.

стр. 522

[الركن الثالث: المقر به] الركن الثالث: المقر به، ويشترط ألا يكون ملكاً للمقر وقت الإقرار، فلو قال: (داري) أو (ثوبي) أو (ديني الذي على زيد لعمرو) .. فلغو؛ لأن الإضافة إليه تقتضي الملك له فتنافي الإقرار لغيره؛ إذ هو إخبار بحق سابق عليه، ويحمل كلامه على الوعد بالهبة. ولو قال: (مسكني لزيد) .. فهو إقرار؛ لأنه قد يسكن ملك غيره، ولو قال: (هذا لفلان وكان ملكي إلى أن أقررت) .. فأول كلامه إقرار وآخره لغو، فيطرح ويعمل بأوله. ولو قال: (الدين الذي على زيد لعمرو، واسمي في الكتاب عارية) .. صح. ويشترط أن يكون المقر به في يد المقر ليسلم بالإقرار للمقر له في الحال، وإن لم يكن في يده .. فهو دعوى أو شهادة، فلو صار بيده .. عمل بمقتضى الإقرار؛ بأن يسلم للمقر له في الحال، فلو قال: (العبد الذي في يد زيد مرهون عند عمرو بكذا)، ثم حصل العبد في يده .. أمر ببيعه في دين عمرو. ولو أقر بحرية عبد في يد غيره، أو شهد بها فردت ثم اشتراه .. صح وحكم بحريته، فترفع يده عنه، ثم إن قال: (أعتقه) .. فشراؤه افتداء من جهة المشتري في الأصح، وبيع من جهة البائع، فيثبت له وحده الخياران وولاؤه موقوف، فإن مات وترك مالاً وله وارث بنسب .. فله؛ وإلا فإن صدقه البائع .. أخذه ورد الثمن، أو كذبه وأصر .. فللمشتري منه قدر الثمن، والباقي موقوف، وإن قال: (هو حر الأصل)، أو (عتق قبل شرائك) .. فافتداء من جهته وبيع من جهة البائع، وإذا مات ولا وارث له .. فماله لبيت المال، وليس للمشتري أخذ شيء منه، ولو مات قبل القبض .. لم يكن للبائع مطالبته بالثمن. ولو أقر بحريته ثم استأجره .. لم يحل له استخدامه، وللمؤجر مطالبته بالأجرة. [الركن الرابع: صيغة الإقرار] الركن الرابع: الصيغة، فقوله: (لفلان عندي) أو (علي) أو (معي كذا) .. صيغة إقرار، ثم (علي) و (في ذمتي) للدين ظاهراً فلا يقبل تفسيره بوديعة، ولا دعواه التلف، بل يضمنه، و (معي) و (عندي) للعين؛ أي: محمول عند الإطلاق على الإقرار بالعين، حتى إذا ادعى أنها وديعة وأنها تلفت، أو ردها .. يقبل قوله بيمينه.

стр. 523

ولو قال: (لي عليك ألف)، فقال: (زن) أو (خذ) أو (استوف) .. فليس بإقرار، أو (زنه) أو (أخذه)، أو (هي صحاح)، أو (اختم عليه)، أو (شده في هميانك)، أو (اجعله في كيسك) .. فكذا على الصحيح؛ لأن ذلك يذكر للاستهزاء، أو (بلى)، أو (نعم)، أو (أجل)، أو (صدقت)، أو (أنا مقر به)، أو (بما تدعيه)، أو (لست منكراً له)، أو (لا أنكر ما تدعيه)، أو (لا أنكر أن تكون محقاً فيما تديعه)، أو (أبرأتني منه)، أو (قضيته)، أو (له على ألف في علمي)، أو (فيما أعلم)، أو (أشهد) .. فإقرار بالألف، وعليه بينة الإبراء أو القضاء. أو (أنا مقر)، أو (أقر به)، أو (لست منكراً)، أو (لا أقر)، أو (لا أنكر أن تكون محقاً)، أو (أقررت بأنك أبرأتني)، أو (استوفيت مني)، أو (لعل)، أو (عسى)، أو (أظن)، أو (أحسب)، أو (أقدر)، أو (لا أقر به ولا أنكره) .. فليس بإقرار. وإذا انضم إلى اللفظ قرائن تشعر بالاستهزاء والتكذيب؛ كالأداء [والإبراء]، وتحريك الرأس الدال على شدة التعجب والإنكار، فيشبه ألا يكون إقراراً، ويحمل قولهم: (: أن صدقت" وما في معناه .. إقرار) على غير هذه الحالة، أو يقال: فيه خلاف لتعارض اللفظ والقرينة، فإن المتولي حكى وجهين فيما لو قال: (لي عليك ألف)، فقال مستهزئاً: (لك علي ألف). ولو قال: (أليس عليك كذا؟ ) فقال: (بلى) .. فإقرار، أو (نعم) .. فكذا على الصحيح، وقيل: أنه ليس بإقرار، ؛ لأنه موضوع للتصديق فيكون مصدقاً له في النفي، بخلاف (بلى) فإنه لرد النفي، ونفي النفي إثبات، وأجيب بأن النظر في الإقرار إلى العرف، وأهله يفهمون الإقرار بـ (نعم) فيما ذكر. ولو قال: (اقض الألف الذي لي عليك)، فقال: (نعم)، أو (أقضي غداً)، أو (أمهلني يوماً)، أو (حتى أقعد)، أو (أفتح الكيس)، أو (أجد المفتاح) .. فإقرار في الأصح.

стр. 524

ويصح الإقرار بكل لغة فهمها المقر، فلو أقر عجمي بعربية أو بالعكس، وقال: لقنت .. صدق بيمينه إن أحتمل أن يخفي عليه، وكذا حكم جميع العقود والحلول. ولو قال: كنت يوم الإقرار صبياً وهو محتمل، أو مجنوناً وقد عهد له .. صدق بيمينه، أو مكرهاً وعليه أمارة .. فكذلك، وإلا .. لم يقبل قوله، وإنما تثبت الأمارة ببينة، أو اعتراف المقر له، وحبسه لزيد لا بقدح في إقراره لعمرو. ولو تعرضت البينة لبلوغه وعقله واختياره، وادعى المق خلافه .. لم يقبل، ولا يشترط في الشهادة تعرض لبلوغ وعقل واختيار وحرية ورشد على المذهب، وما يكتب في الوثائق .. فهو احتياط، ولو قيدت بينة الإقرار بالاختيار، وأقام الخصم بينة بالإكراه .. قدمت، ولا تقبل شهادة الإكراه إلا مفصلة. [حكم الاستئناف في الإقرار وشروطه] قوله: (وصح الاستثناء باتصال)، أي: وصح الاستثناء من المقر؛ لأن الاستثناء - وهو إخراج ما لولاه لدخل فيما قبله - بـ (إلا) أو نحوها معهود في القرآن وغيره حال كونه متصلاً بالإقرار؛ بحيث يعد معه كلاماً واحداً، فلو فصل بينهما بكلام أجنبي أو سكوت .. لم يصح. نعم؛ يغتفر الفصل اليسير بسكتة تنفس أو عي أو تذكر أو انقطاع صوت؛ كما نص عليه في "الأم"، قال في "الروضة" و"أصلها": والاتصال المشروط هنا أبلغ مما يشترط بين الإيجاب والقبول؛ لأنه يحتمل بين كلام الاثنين ما لا يحتمل بين كلام الواحد، ولما ذكر فيها أن تخلل كلام الأجنبي يبطل الاستثناء .. قال: هكذا قاله أصحابنا، وقال صاحبا "البيان" و"العدة": إذا قال: (علي ألف - أستغفر الله - إلا مئة) .. صح الاستثناء عندنا، خلافاً لأبي حنيفة، لنا أنه فصل يسير، فصار كقوله: (علي ألف - يا فلان - إلا مئة)، وما نقلاه فيه نظر. انتهى، ونظيره في المقيس عليه ظاهر، وأما في المقيس .. فجوابه ما قاله الخوارزمي: أن قوله (أستغفر الله) استدراك لما سبق منه فكان لازماً للاستثماء، فلا يمنع الصحة. ويشترط أيضاً لصحة الاستثناء: قصده قبل فراغ الإقرار، فلا يكفي بعده، وعدم استغراقه

стр. 525

للمستثنى منه؛ كـ (عشرة إلا تسعة)، فإن استغفره كـ (عشرة إلا عشرة) .. لم يصح؛ لأنه رفع لما أثبته، وليس من المستغرق: (له على مال إلا مالاً)، أو (شيء إلا شيئاً)، أو نحوها؛ لإمكان حمل الثاني على أقل من الأول، ومحل ذلك: ما لك يخرجه عن الاستغراق، وإلا .. صح، فلو قال: (له علي عشرة إلا عشرة إلا خمسة) .. لزمه خمسة؛ إذ الكلام بآخره، وآخره يخرجه عن الاستغراق؛ لأن عشرة إلا خمسة وخمسة، ويكون المقر به في مثل ذلك الأخير. ولو قال: (له على عشرة إلا خمسة إلا عشرة)، أو (عشرة إلا خمسة إلا خمسة) .. لزمه خمسة، وألغي ما حصل به الاستغراق، ومهما كان في المستثنى أو المستثنى عنه عددان معطوفان أحدهما على الآخر .. ففي الجمع بينهما وجهان، أصحهما وهو المنصوص في (الطلاق) وبه قطع الأكثرون: لا يجمع؛ لأن واو العطف وإن اقتضت الجمع لا تخرج الكلام عن كونه ذا جملتين من جهة اللفظ الذي يدور عليه الاستثناء. فلو قال: (له على درهم ودرهم إلا درهماً)، أو (له علي درهمان ودرهم إلا درهماً) .. لزمه ثلاثة دراهم، لأن المستثنى منه إذا لم يجمع مفرقه .. لم يلغ، إلا ما يحصل به الاستغراق، وهو درهم. ولو قال: (له علي إلا درهماً ودرهمين) .. لزمه درهمان لذلك. ولو قال: (له علي درهم ودرهم إلا درهماً ودرهماً ودرهماً) .. لزمه ثلاثة؛ لأنه إذا لم يجمع مفرق الاستثناء والمستثنى منه .. كان المستثنى درهماً من درهم، وهو من الإثبات نفي وعكسه؛ لأنه مشتق من الثني وهو الصرف، وإنما يكون الصرف من الإثبات إلى النفي وبالعكس. فلو قال: (له على عشرة إلا تسعة إلا ثمانية) ... وهكذا إلى الواحد .. لزمه خمسة، وطريقة: أن تسقط الأعداد المنفية من المثبتة والباقي هو اللازم، فالأعداد المثبتة هنا ثلاثون والمنفية خمسة وعشرون، والعدد المذكور أولاً إن كان شفعاً .. فالأشفاع مثبتة، والأوتار منفية، أو وتراً .. فبالعكس، وشرطه: أن تكون الأعداد المذكورة على التوالي المعتاد، وأن يتول كل شفع وتراً وبالعكس، أو تخرج المستثنى الأخير مما قبله، وما بقي منه .. يخرج مما قبله .. وهكذا حتى ينتهي إلى الأول. ولو قال: (ليس له عشرة إلا خمسة) .. لم يلزمه شيء؛ لأن (عشرة إلا خمسة) خمسة كما مر، فكأنه قال: (ليس له على خمسة).

стр. 526

ولو قال: (ليس له علي شيء إلا عشرة) .. لزمه عشرة. ولو قال: (له علي شيء إلا خمسة) .. لزمه تفسير الشيء بما يزيد على الخمسة وإن قلت الزيادة؛ لتلزمه تلك الزيادة. ولا فرق كما صححه الشيخان في (باب الأيمان) بين تقديم المستثنى منه على المستثنى وتأخيره؛ كقوله: (له على إلا عشرة مئة)، ويصح الاستثناء من غير الجنس؛ كقوله: (له على ألف درهم إلا ثوباً) أو (عبداً)، ثم عليه أن يبينه بما لا تستغرق قيمته الألف، فإن استغرقته .. بطل الاستثناء. [حكم الرجوع عند الاقرار] قوله: (عن حقنا ليس الرجوع يقبل بل حق ربي فالرجوع أفضل) أي: لا يقبل الرجوع من المقر بما أقر به من حقوق الآدميين، سواء أكانت مالية أم غيرها؛ كالقتل والقذف وغيرهما؛ لأنها مبنية على المشاحة، بل يقبل رجوعه عما أقر به من عقوبة لله تعالى، سواء أكانت حداً أم تعزيزاً؛ كالزنا وشرب الخمر وغيرهما؛ لأنها مبنية على المسامحة، فرجوعه عن إقراره بها أفضل؛ لقصة ماعز، ولهذا استحب لمن ارتكب معصية توجب عقوبة لله تعالى أن يستر على نفسه، بخلاف من قتل أو قذف مثلاً .. فإنه يستحب له أن يقر، بل يجب عليه ليستوفى منه الحق؛ لما في حقوق الآدميين من التضييق، بخلاف عقوبة الله تعالى، أما رجوعه عما أقر به من حق مالي لله تعالى؛ كالزكاة والكفارة .. فلا يقبل. [الإقرار بالمجهول] قوله: (ومن بمجهول أقر قبلا ببانه بكل ما تمولا) أي: يصح الإقرار بمجهول؛ كقوله: (له علي شيء) لأنه إخبار عن حق سابق كما مر، والشيء قد يخبر عنه مبيناً، وقد يخبر عنه مبهماً، إما للجهل به، أو لثبوته مجهولاً بوصية أو نحوها، ويلزمه بيان ما أبهمه فيطالب بتفسيره، فإن امتنع منه .. حبس على الأصح؛ لامتناعه من أداء الواجب عليه؛ كما يحبس من امتنع من أداء الحق، ويقبل تفسيره بكل ما يتمول وإن قل كرغيف وفلس، لأن الشيء صادق عليه. ولو فسره بما لا يتمول، لكنه من جنسه؛ كحية حنطة، أو بما يحل اقتناؤه، ككلب معلم

стр. 527

وسرجين .. قبل في الأصح؛ لأن ذلك يحرم أخذه، ويجب على آخذه رده، ويقبل تفسيره بحق شفعة، أو حد قذف. ولا يقبل تفسيره بما لا يقتنى؛ كخنزير وكلب لا نفع فيه؛ إذ لا يجب رده فلا يصدق به قوله: (علي)، بخلاف ما إذا قال: (له عندي شيء) .. فيصدق به. ولا يقبل تفسيره أيضاً بعيادة ورد سلام؛ لبعد فهمهما في معرض الإقرار؛ إذ لا مطالبة بهما. ولو أقر بمال أو بمال عظيم أو كبير، أو كثير أو جليل، أو أكثر من مال السلطان .. قبل تفسيره بما قل منه وإن لم يتمول؛ كحبة حنطة، ويكون وصفه بالعظم ونحوه من حيث إثم غاصبه وكفر مستحله، وكذا يقبل تفسيره بالمستولدة في الأصح؛ لأنها ينتفع بها وتستأجر وإن كانت لا تباع، ولا يقبل تفسيره بمنفعة وكلب جلد ميتة؛ لأنها لا يصدق عليها اسم المال. وقوله: (له علي كذا) كقوله: (له على شيء)، وقوله: (شيء شيء)، أو (كذا كذا) كما لو لم يكرر؛ لأن الثاني تأكيد، ولو قال: (شيء شيء)، أو (كذا وكذا) .. وجب شيئان يقبل كل منهما في تفسير شيء، لاقتضاء العطف المغايرة، ولو بين المبهم بما يقبل، وكذبه المقر له في أنه حقه .. فليبين جنس المقر به وقدره، وليدع به، والقول قول المقر في نفيه، فإذا بين المقر به مئة درهم، فقال المقر له: (ما لي عليك إلا مئة دينار)، وادعي بها .. حلف المقر أنه ليس عليه إلا مئة درهم. ولو قال: (له علي كذا درهماً)، أو رفع الدرهم أو جره أو سكنه .. لزمه درهم، والمذهب: أنه لو قال: (كذا وكذا درهماً) بالنصب .. وجب درهمان وإن لم ينصبه، أو حذف الواو .. فدرهم في الأحوال. والألف في قول الناظم: (قبلا) و (تمولا) للإطلاق. * * *

стр. 528

باب العارية بتشديد الياء وقد تخفف، وفيها لغة ثالثة: عارة حكاها ابن سيده وغيره، وهي اسم لما يعار. وحقيقتها شرعاً: إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع بع مع بقاء عينه. والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧] قال كثير من المفسرين: المراد: ما يستعيره الجيران بعضهم من بعض، وقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]، وخبر "الصحيحين": (أنه ﷺ استعار فرساً من أبي طلحة فركيه)، وخبر أبي داوود وغيره بإسناد جيد: أنه ﷺ استعار درعاً من صفوان بن أمية يوم حنين، فقال: أغصب يا محمد؟ وروي: أغصباً؟ فقال: "بل عارية مضمونة". قال الماوردي والروياني وغيرهما: وكانت واجبة أول الإسلام؛ للآية السابقة، ثم نسخ وجوبها فصارت مستحبة؛ أي: أصالة، وإلا .. فقد تجب؛ كإعارة الثوب لدفع حر أو برد، وإعارة الحبل لإنقاذ غريق، والسكين لذبح حيوان محترم يخشى موته، وقد تحرم كإعارة الصيد من المحرم، والأمة من الأجنبي، وقد نكره كإعارة العبد المسلم من كافر. ولها أربعة أركان: معير، ومستعير، ومعار، وصيغة. (تصح إن وقتها أو أطلقا ... في عين انتفاعها مع البقا) (يضمنها وؤن الرد، وفي ... سوم بقيمة ليوم التلف)

стр. 529

(والنسل والدر بلا ضمان ... ولا يعير أول لثاني) (فإن يعر وهلكت تحت يديه ... يضمنها ثان ولم يرجع عليه) فيها خمسة مسائل: [صحة العارية مؤقتة ومطلقة وبيان كل منهما] الأولى: تصح العارية أن أقتها بمدة معلومة، أو أطلقها؛ بأن لم يقيدها بمدة. مثال الثانية: أعاره أرضاً للبناء أو الغراس ولم يذكره مدة .. فللمستعير أن يبني ويغرس فيها ما لم يرجع المعير، فإن رجع .. لم يكن للمستعير البناء والغراس، فلو فعل عالماً بالرجوع .. قلع مجاناً، وعليه تسوية الأرض؛ كالغاصب، أو جاهلاً .. فكذا في الأصح. وما بني وغرس قبل الرجوع إن أمكن رفعه من غير نقص يدخله .. رفع، وإلا: فإن شرط القلع عند رجوعه وتسوية الحفر .. لزمه، فإن امتنع .. فللمعير قاعه مجاناً، أو شرط القلع فقط .. لم تلزمه تسوية الحفر، وإن لم يشرط القلع: فإن اختار المستعير القلع .. قلع وتلزمه التسوية في الأصح، وإن لم يختر القله .. لم يكن للمعير قلعه مجاناً؛ لأنه محترم، والأصح: أن للمعير أن يبقيه بأجرة، أو يقلع ويضمن أرش النقص؛ وهو التفاوت بين قيمته قائماً ومقلوعاً، أو يمتكله بقيمته حين التملك. وإذا اختار ما له اختياره .. لزم المستعير موافقته، فإن أبى .. كلف تفريغ الأرض، فإن لم يختر المعير شيئاً مما ذكر .. لم يقلع مجاناً إن بذل المستعير الأجرة، وكذا إن لم يبذلها في الأصح. والأصح: أن الحاكم يعرض عنهما حتى يختارا شيئاً، وللمعير في مدة التوقف دخولها والانتفاع بها، والاستظلال بالبناء والشجر، ولا يدخلها المتسعير بغير إذن لتفرج، ويجوز للسقي والإصلاح في الأصح، فلو تعطلت منفعة الأرض بدخوله .. لم يمكن إلا بأجرة، ولكل بيع ملكه للآخر ولثالث على الصحيح، والمشتري من المعير كهو فيتخير، أو من المستغير فكهو، وللمشتري الفسخ إن جهل. ولو اتفق المعير والمستعير على بيع الأرض بما فيها بثمن واحد .. جاز في الأصح؛ للحاجة، ثم كيف يوزع الثمن؟ قال المتولي: هو على الوجهين فيما إذا غرس الراهن الأرض المرهونة؛ أي: وهما السابقان في رهن الأم دون الولد، وقال البغوي: يوزع على الأرض

стр. 530

مشغولة بالغراس أو البناء، وعلى ما فيها وحده، فحصة الأرض للمعير، وحصة ما فيها للمتسعير. ومثال الأولى: أعاره أرضاً للبناء، أو الغراس سنة مثلاً .. فللمستعير البناء والغراس في المدة إلى أن يرجع المعير، وله أن يجدد ذلك كل وقت، وبعد انقضاء المدة ليس له إحداث البناء والغراس، وإذا رجع المعير قبل المدة أو بعدها .. فالحكم كما لو رجع في المطلقة. ولو وقف المستعير البناء والغراس .. فليس للمعير التمكل بالقيمة، ويتخير بين الخصلتين الأخيرتين، ولو كان على الشجر ثمر لم يبد صلاحه .. فالتخيير بعد جذاذه؛ كما نقله ابن الرفعة وأقره. قال الإسنوي: لكن المنقول في نظيره من الإجازة التخيير، فإن اختار التملك .. ملك الثمرة أيضاً إن كانت غير مؤبرة، وأبقاها إلى الجذاذ إن كانت مؤبرة. ولو بنى أحد الشريكين أو غرس بإذن الآخر .. فليس له إذا رجع إلا الإبقاء بأجرة، فإن لم يرض بها .. فالأصح: أن الحاكم يعرض عنهما. وإذا أعاره لزراعة، ثم جعل قبل إدراك الزرع: فإن اعتيد قطعه حينئذ .. كلفه، وإلا .. فالصحيح: أن عليه الإبقاء إلى الحصاد، والأصح: أن له الأجرة. ولو عين مدة ولم يدرك فيها؛ لتقصيره بتأخير الزراعة .. قلع مجاناً، أو بلا تقصير .. فكالإعارة مطلقاً، والإعارة للغسيل إن اعتيد نقله .. فكالزرع، وإلا .. فكالبناء. وشرط المعير: صحة تبرعه، فلا تصح من الصبي والسفيه والمفلس، والمكاتب بغير إذن سيده؛ لأنها تبرع بالمنفعة وليسوا أهلاً له، وإنما جعل المفلس أهلاً له في الضمان من جهة تصرفه في الذمة، وهنا المراد: التصرف في العين. نعم؛ قال الإسنوي وغيره: المنجه: جواز إعارتها إذا لم يكن فيها تعطيل اليد عنها؛ كإعارة الدار يوماً، بخلاف الإجارة. انتهى. وملكه المنفعة ولو بإجازة أو وصية أو قف، فيعير مستأجر وموصى له بمنفعة ونحوهما، إلا المستعير كما سيأتي.
следующие страницы →