Полный текст (924 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ولو قال: (ليس له علي شيء إلا عشرة) .. لزمه عشرة.
ولو قال: (له علي شيء إلا خمسة) .. لزمه تفسير الشيء بما يزيد على الخمسة وإن قلت الزيادة؛ لتلزمه تلك الزيادة.
ولا فرق كما صححه الشيخان في (باب الأيمان) بين تقديم المستثنى منه على المستثنى وتأخيره؛ كقوله: (له على إلا عشرة مئة)، ويصح الاستثناء من غير الجنس؛ كقوله: (له على ألف درهم إلا ثوباً) أو (عبداً)، ثم عليه أن يبينه بما لا تستغرق قيمته الألف، فإن استغرقته .. بطل الاستثناء.
[حكم الرجوع عند الاقرار]
قوله: (عن حقنا ليس الرجوع يقبل بل حق ربي فالرجوع أفضل) أي: لا يقبل الرجوع من المقر بما أقر به من حقوق الآدميين، سواء أكانت مالية أم غيرها؛ كالقتل والقذف وغيرهما؛ لأنها مبنية على المشاحة، بل يقبل رجوعه عما أقر به من عقوبة لله تعالى، سواء أكانت حداً أم تعزيزاً؛ كالزنا وشرب الخمر وغيرهما؛ لأنها مبنية على المسامحة، فرجوعه عن إقراره بها أفضل؛ لقصة ماعز، ولهذا استحب لمن ارتكب معصية توجب عقوبة لله تعالى أن يستر على نفسه، بخلاف من قتل أو قذف مثلاً .. فإنه يستحب له أن يقر، بل يجب عليه ليستوفى منه الحق؛ لما في حقوق الآدميين من التضييق، بخلاف عقوبة الله تعالى، أما رجوعه عما أقر به من حق مالي لله تعالى؛ كالزكاة والكفارة .. فلا يقبل.
[الإقرار بالمجهول]
قوله: (ومن بمجهول أقر قبلا ببانه بكل ما تمولا) أي: يصح الإقرار بمجهول؛ كقوله: (له علي شيء) لأنه إخبار عن حق سابق كما مر، والشيء قد يخبر عنه مبيناً، وقد يخبر عنه مبهماً، إما للجهل به، أو لثبوته مجهولاً بوصية أو نحوها، ويلزمه بيان ما أبهمه فيطالب بتفسيره، فإن امتنع منه .. حبس على الأصح؛ لامتناعه من أداء الواجب عليه؛ كما يحبس من امتنع من أداء الحق، ويقبل تفسيره بكل ما يتمول وإن قل كرغيف وفلس، لأن الشيء صادق عليه.
ولو فسره بما لا يتمول، لكنه من جنسه؛ كحية حنطة، أو بما يحل اقتناؤه، ككلب معلم
стр. 527
وسرجين .. قبل في الأصح؛ لأن ذلك يحرم أخذه، ويجب على آخذه رده، ويقبل تفسيره بحق شفعة، أو حد قذف.
ولا يقبل تفسيره بما لا يقتنى؛ كخنزير وكلب لا نفع فيه؛ إذ لا يجب رده فلا يصدق به قوله: (علي)، بخلاف ما إذا قال: (له عندي شيء) .. فيصدق به.
ولا يقبل تفسيره أيضاً بعيادة ورد سلام؛ لبعد فهمهما في معرض الإقرار؛ إذ لا مطالبة بهما.
ولو أقر بمال أو بمال عظيم أو كبير، أو كثير أو جليل، أو أكثر من مال السلطان .. قبل تفسيره بما قل منه وإن لم يتمول؛ كحبة حنطة، ويكون وصفه بالعظم ونحوه من حيث إثم غاصبه وكفر مستحله، وكذا يقبل تفسيره بالمستولدة في الأصح؛ لأنها ينتفع بها وتستأجر وإن كانت لا تباع، ولا يقبل تفسيره بمنفعة وكلب جلد ميتة؛ لأنها لا يصدق عليها اسم المال.
وقوله: (له علي كذا) كقوله: (له على شيء)، وقوله: (شيء شيء)، أو (كذا كذا) كما لو لم يكرر؛ لأن الثاني تأكيد، ولو قال: (شيء شيء)، أو (كذا وكذا) .. وجب شيئان يقبل كل منهما في تفسير شيء، لاقتضاء العطف المغايرة، ولو بين المبهم بما يقبل، وكذبه المقر له في أنه حقه .. فليبين جنس المقر به وقدره، وليدع به، والقول قول المقر في نفيه، فإذا بين المقر به مئة درهم، فقال المقر له: (ما لي عليك إلا مئة دينار)، وادعي بها .. حلف المقر أنه ليس عليه إلا مئة درهم.
ولو قال: (له علي كذا درهماً)، أو رفع الدرهم أو جره أو سكنه .. لزمه درهم، والمذهب: أنه لو قال: (كذا وكذا درهماً) بالنصب .. وجب درهمان وإن لم ينصبه، أو حذف الواو .. فدرهم في الأحوال.
والألف في قول الناظم: (قبلا) و (تمولا) للإطلاق.
* * *
стр. 528
باب العارية
بتشديد الياء وقد تخفف، وفيها لغة ثالثة: عارة حكاها ابن سيده وغيره، وهي اسم لما يعار.
وحقيقتها شرعاً: إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع بع مع بقاء عينه.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧] قال كثير من المفسرين: المراد: ما يستعيره الجيران بعضهم من بعض، وقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]، وخبر "الصحيحين": (أنه ﷺ استعار فرساً من أبي طلحة فركيه)، وخبر أبي داوود وغيره بإسناد جيد: أنه ﷺ استعار درعاً من صفوان بن أمية يوم حنين، فقال: أغصب يا محمد؟ وروي: أغصباً؟ فقال: "بل عارية مضمونة".
قال الماوردي والروياني وغيرهما: وكانت واجبة أول الإسلام؛ للآية السابقة، ثم نسخ وجوبها فصارت مستحبة؛ أي: أصالة، وإلا .. فقد تجب؛ كإعارة الثوب لدفع حر أو برد، وإعارة الحبل لإنقاذ غريق، والسكين لذبح حيوان محترم يخشى موته، وقد تحرم كإعارة الصيد من المحرم، والأمة من الأجنبي، وقد نكره كإعارة العبد المسلم من كافر.
ولها أربعة أركان: معير، ومستعير، ومعار، وصيغة.
(تصح إن وقتها أو أطلقا ... في عين انتفاعها مع البقا)
(يضمنها وؤن الرد، وفي ... سوم بقيمة ليوم التلف)
стр. 529
(والنسل والدر بلا ضمان ... ولا يعير أول لثاني)
(فإن يعر وهلكت تحت يديه ... يضمنها ثان ولم يرجع عليه)
فيها خمسة مسائل:
[صحة العارية مؤقتة ومطلقة وبيان كل منهما]
الأولى: تصح العارية أن أقتها بمدة معلومة، أو أطلقها؛ بأن لم يقيدها بمدة.
مثال الثانية: أعاره أرضاً للبناء أو الغراس ولم يذكره مدة .. فللمستعير أن يبني ويغرس فيها ما لم يرجع المعير، فإن رجع .. لم يكن للمستعير البناء والغراس، فلو فعل عالماً بالرجوع .. قلع مجاناً، وعليه تسوية الأرض؛ كالغاصب، أو جاهلاً .. فكذا في الأصح.
وما بني وغرس قبل الرجوع إن أمكن رفعه من غير نقص يدخله .. رفع، وإلا: فإن شرط القلع عند رجوعه وتسوية الحفر .. لزمه، فإن امتنع .. فللمعير قاعه مجاناً، أو شرط القلع فقط .. لم تلزمه تسوية الحفر، وإن لم يشرط القلع: فإن اختار المستعير القلع .. قلع وتلزمه التسوية في الأصح، وإن لم يختر القله .. لم يكن للمعير قلعه مجاناً؛ لأنه محترم، والأصح: أن للمعير أن يبقيه بأجرة، أو يقلع ويضمن أرش النقص؛ وهو التفاوت بين قيمته قائماً ومقلوعاً، أو يمتكله بقيمته حين التملك.
وإذا اختار ما له اختياره .. لزم المستعير موافقته، فإن أبى .. كلف تفريغ الأرض، فإن لم يختر المعير شيئاً مما ذكر .. لم يقلع مجاناً إن بذل المستعير الأجرة، وكذا إن لم يبذلها في الأصح.
والأصح: أن الحاكم يعرض عنهما حتى يختارا شيئاً، وللمعير في مدة التوقف دخولها والانتفاع بها، والاستظلال بالبناء والشجر، ولا يدخلها المتسعير بغير إذن لتفرج، ويجوز للسقي والإصلاح في الأصح، فلو تعطلت منفعة الأرض بدخوله .. لم يمكن إلا بأجرة، ولكل بيع ملكه للآخر ولثالث على الصحيح، والمشتري من المعير كهو فيتخير، أو من المستغير فكهو، وللمشتري الفسخ إن جهل.
ولو اتفق المعير والمستعير على بيع الأرض بما فيها بثمن واحد .. جاز في الأصح؛ للحاجة، ثم كيف يوزع الثمن؟ قال المتولي: هو على الوجهين فيما إذا غرس الراهن الأرض المرهونة؛ أي: وهما السابقان في رهن الأم دون الولد، وقال البغوي: يوزع على الأرض
стр. 530
مشغولة بالغراس أو البناء، وعلى ما فيها وحده، فحصة الأرض للمعير، وحصة ما فيها للمتسعير.
ومثال الأولى: أعاره أرضاً للبناء، أو الغراس سنة مثلاً .. فللمستعير البناء والغراس في المدة إلى أن يرجع المعير، وله أن يجدد ذلك كل وقت، وبعد انقضاء المدة ليس له إحداث البناء والغراس، وإذا رجع المعير قبل المدة أو بعدها .. فالحكم كما لو رجع في المطلقة.
ولو وقف المستعير البناء والغراس .. فليس للمعير التمكل بالقيمة، ويتخير بين الخصلتين الأخيرتين، ولو كان على الشجر ثمر لم يبد صلاحه .. فالتخيير بعد جذاذه؛ كما نقله ابن الرفعة وأقره.
قال الإسنوي: لكن المنقول في نظيره من الإجازة التخيير، فإن اختار التملك .. ملك الثمرة أيضاً إن كانت غير مؤبرة، وأبقاها إلى الجذاذ إن كانت مؤبرة.
ولو بنى أحد الشريكين أو غرس بإذن الآخر .. فليس له إذا رجع إلا الإبقاء بأجرة، فإن لم يرض بها .. فالأصح: أن الحاكم يعرض عنهما.
وإذا أعاره لزراعة، ثم جعل قبل إدراك الزرع: فإن اعتيد قطعه حينئذ .. كلفه، وإلا .. فالصحيح: أن عليه الإبقاء إلى الحصاد، والأصح: أن له الأجرة.
ولو عين مدة ولم يدرك فيها؛ لتقصيره بتأخير الزراعة .. قلع مجاناً، أو بلا تقصير .. فكالإعارة مطلقاً، والإعارة للغسيل إن اعتيد نقله .. فكالزرع، وإلا .. فكالبناء.
وشرط المعير: صحة تبرعه، فلا تصح من الصبي والسفيه والمفلس، والمكاتب بغير إذن سيده؛ لأنها تبرع بالمنفعة وليسوا أهلاً له، وإنما جعل المفلس أهلاً له في الضمان من جهة تصرفه في الذمة، وهنا المراد: التصرف في العين.
نعم؛ قال الإسنوي وغيره: المنجه: جواز إعارتها إذا لم يكن فيها تعطيل اليد عنها؛ كإعارة الدار يوماً، بخلاف الإجارة. انتهى.
وملكه المنفعة ولو بإجازة أو وصية أو قف، فيعير مستأجر وموصى له بمنفعة ونحوهما، إلا المستعير كما سيأتي.
стр. 531
وشرط المستعير: صحة التبرع عليه بعقد معه، فلا تصح الإعارة لصبي ونحوه.
وشرط الصيغة: أن تدل على الإذن في الانتفاع بلفظ أو غيره؛ كـ (أعرتك)، أو (خذه لتنتفع به)، و (أعرني)، ويكفي فعل من الآخر.
[شروط العين المعارة]
الثانية: تصح العارية من عين ينتفع بها مع بقائها؛ كالعبيد والدور، فلا تصح فيما لا نفع به؛ كالحمار الزمن، وما فيه نفع لكن باستهلاكه كالأطعمة؛ لانتفاء المعنى المقصود من العارية.
ولو دفع شاة لرجل وقال: (ملكتك درها ونسلها) .. فهما موهوبان هبة فاسدة، والشاة مضمونة بالعارية الفاسدة، ولو قال: (أبحت لك درها ونسلها) .. فالأصح في "الروضة" من وجهين في "أصلها" بلا ترجيح: أنها إباحة صحيحة، والشاة عارية صحيحة، قال: وحكم القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي بصحة إعارة الشاة للبنها والشجرة لثمرها، قال: فعلى هذا قد تكون العارية لاستفادة عين، وليس من شرطها أن يكون المقصود مجرد المنفعة، بخلاف الإجارة. انتهى.
فالشرط في العارية: ألا يكون فيها استهلاك المعار لا ألا يكون استيفاء عين، ولا يشترط تعيين العين؛ كما اقتضاه كلام الناظم، فلو قال: (أعرني دابة)، فقال: (ادخل الإصطبل وخذت ما أردت) .. صحت، بخلاف الإجازة، لأن الغرر لا يحتمل في المعاوضات.
ويشترط في المعار أيضاً: أن تكون منفعته قوية، فلا تصح إعارة النقد؛ إذ نفعته التزيين، والضرب على طبعه منفعة ضعيفة فلما تقصد، ومعظم منفعته في الإنفاق والإخراج، وقيل: تصح.
قال الشيخان: ويشبه تخصيص الخلاف فيما إذا أطلق وقلنا بجواز الإعارة المطلقة، أما إذا صرح بالتزيين، أي: أو الضرب على طبعه .. فالأسبق إلى الفهم من كلامهم: صحة إعارته؛ لاتخاذه المنفعة مقصداً وإن ضعفت، وبه أجاب في "التتمة".
وكونها مباحة، فلا تصح إعارة الصيد لمحرم، ولا الأمة الكبيرة الحسناء لأجنبي؛ لخوف الفتنة.
стр. 532
قال الإسنوي: ويفارق هذا جواز إجارتها، والوصية بمنفعتها له على ما دل عليه عموم كلامهم: بأن المستأجر والموصى له يملكان المنفعة، فيعيران ويؤجران لمن يخلو بها إن امتنع عليهما الانتفاع بأنسفهما، والإعارة إباحة له فقط، وإذا لم يستبح بنفسه .. لم يكن لها فائدة، أما إعارتها من محرم بنسب أو غيره .. فصحيحة، وكذا إعارتها من امرأة وممسوح وزوجها ومالكها؛ كأن يستعيرها من مستأجرها أو الموصى له بمنفعتها.
فإن كانت صغيرة لا تشتهي أو قبيحة .. فوجهان، أصحهما في "الروضة": الجواز: ورجح في "الشرح الصغير": المنع فيهما، وقال في "المهمات": الصواب: التفرقة، فتجوز في الصغيرة بخلاف الكبيرة.
قال الإسنوي: وسكتوا عن إعارة العبد للمرأة، وهو كعكسه بلا شك.
ولو كان المستعير أو المستعار خنثى .. امتنعت احتياطاً، والمفهوم من الامتناع فيه وفي الأمة: الفساد، وهو ما اقتضاه كلامهم وبحثه الرافعي بعد نقله عن الغززال الصحة، وبها جزم ابن الرفعة وعللها بأن المنع في ذلك لغيره؛ كالبيع وقت النداء، وجعل فائدة الصحة عدم وجوب الأجرة.
ويكره تنزيهاً إعارة الأصل وإن علا من رفعه للخدمة .. فيكره له قبولها، كما يكره له استئجاره لها؛ لأن استخدامه مكروه.
نعم؛ إن قصد باستعارته لذلك ترفهه .. فلا كراهة فيها، بل هي مستحبة؛ كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره، وتكره إعارة عبد مسلم لكافر.
وقد تجوز إعارة ما لا تجوز إجارته كالفحل للضراب، والكلب للصيد، وللمستعير الانتفاع بحسب الإذن، فإن أعاره لزراعة حنطة .. زرعها ومثلها ودونها إن لم ينهه، لا ما فوقها، وحيث زرع ما ليس له .. فللمعير قلعه مجاناً، فلو أطلق الزراعة .. صح في الأصح، ويزرع ما شاء.
ولو أعاره لزراعة .. لم يكن له بناء ولا غراس، أو لأحدهما .. فله الزراعة وليس له الأخرى في الأصح، وإذا صلح المستعار لجهتين فأكثر .. شرط تعيين المنفعة على الصحيح، وإلا .. فلا.
نعم؛ لو قال: (أعرتك لتنتفع به كيف شئت)، أو (لتفعل به ما بدا لك) .. جاز.
стр. 533
[ضمان العارية]
الثالثة: يضمن المستعير العارية إذا تلفت؛ أي: لا بالاستعمال المأذون فيه ولو لم يستعملها ولم يفرط؛ لخبر: "العارية مضمونة" رواه أبو داوود وغيره، ولأنه مال يجب رده إلى مالكه فتجب قيمته عند تلفه؛ كالمأخوذة بجهة السوم.
نعم؛ إن استعار من مستأجر إجارة صحيحة، أو موصى له بمنفعته، أو نحوهما .. لم يضمنها؛ لابتناه يده على يد غير ضامنة، أما إذا تلفت بالاستعمال المأذون فيه؛ كانسحاق الثوب أو انمحاقه باللبس، وتلف الدابة بالحمل المعتاد، وانكسار السيف في القتال .. فلا يضمنها، إلا في الهدي والأضحية المنذورين، ويضمن المستعير مؤن رد العارية حيث له مؤنة؛ لخبر: "على يد ما أخذته ختى تؤديه" رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط البخاري، ولئلا يمتنع الناس منها.
ويستثنى ما إذا استعار من مستأجر، أو موصى له بالمنفعة، أو نحوهما ممن يستحق المنفعة دون الرقبة استحقاقاً لازماً ورد على المالك، فمؤن الرد على المالك؛ كما لو ورد عليه المعير، بخلاف ما إذا رد على المعير، ويضمن المستام قيمة ما أخذه بجهة السوم ومؤن رده.
والرد المبرئ من الضمان: أن يسلم العين لمالكها، أو وكيله في ذلك، فلو رد الدابة للإصطبل، أو الثوب ونحوه للبيت الذي أخذه منه .. لم يبرأ.
ولو لم يجد المالك فسلمها لزوجته أو ولده، فأرسلها إلى المرعى فضاعت .. فالمالك إن شاه غرم الراد أو المستلم منه، والقرار عليه.
ويضمن كل منهما ما ذكر بقيمة يوم التلف، لا بأقصى القيم، ولا بقيمة يوم القبض؛ لأن اعتبارهما يؤدي إلى تضمين المستعير للأجزاء المنمحقة أو المنسحقة بالاستعمال، والأصح: أنه لا يضمن ذلك؛ لأنه مأذون فيه.
وظاهر كلامهم: لزوم قيمة العارية وإن كانت مثلية؛ كالحب والحجر، وهو قضية بناء الروياني والبغوي وغيرهما ضمان المثلي على الخلاف في المتقوم حيث قالوا: إن اعتبرنا أقصى القيم .. أوجبنا المثل، أو قيمة يوم التلف، وهو الأصح .. فالقيمة، وخالف ابن أبي عصرون فضمن المثلي بالمثل على القياس، وجرى عليه السبكي.
стр. 534
[لا تضمن أولاد العارية ولا لبنها]
الرابعة: لا يضمن المستعير أولاد العارية ولا لبنها؛ لأنه لم يأخذها للانتفاع بها.
[حكم إعارة المستعير العارية لشخص آخر]
الخامسة: لا يجوز للمستعير الأول أن يعيرها لثان بغير إذن مالكها؛ لأنه غير مالك للمنفعة، وإنما أبيح له الانتفاع، ولهذا لا يؤجر، أما إذا أذن له المالك في الإعارة .. فإنها تجوز له، فإن يعر الأول بغير إذن المالك، وهلكت تحت يد الثاني .. ضمنها ولم يرجع على الأول وإن جهل كونه مستعيراً؛ لأنه قد دخل على حكم الضمان وقد تلف المستعار تحت يده.
وفي نسخه: (والمستعير لم يعر لثاني)، والألف في قول الناظم: (أطلقا) للإطلاق.
* * *
стр. 535
باب الغضب
هو لغة: أخذ الشيء ظلماً، وشرعاً: الاستيلاء على حق الغير عدواناً، ذكره النووي في "تحريره" وغيره، قال: ولا يصح قول من قال: (على مال الغير) لأنه يخرج المنافع والكلب والسرجين وجلد الميتة وخمر الذمي، وسائر الاختصاصات. انتهى، وهو مجمع على تحريمه.
والأصل فيه قبل الإجماع: آيات، منها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، وأخبار؛ منها خبر: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم"، وخبر: "من ظلم قيد شبر من الأرض .. طوقه من سبع أرضين" رواهما الشيخان، وإثبات اليد العادية سبب للضمان.
وينقسم إلى مباشرة؛ كأخذه من مالكه، وإلى سب؛ كولد المغصوب وزوائده.
ولو ركب دابة، ـو جلس على فراش .. فغاصب وإن لم ينقل في الأصح.
ولو أزعجه عن داره .. فغاصب لها وإن لم يدخلها، ولو دخلها بقصد الاستيلاء وليس المالك فيها .. فغاصب، وإن كان ولم يزعجه .. فغاصب لنصفها، إلا أن يكون ضعيفاً لا بعد مستوياً على صاحبها.
وقد ذكر الناظم شيئاً من أحكامه فقال:
(يجب رده ولو بنقله .. وأرش نقصه وأجر مثله)
(يضمن مثلي بمثله تلف ... بنفسه أو متلف، لا يختلف)
(وهو الذي فيه أجازوا السلما .. وحصره بالكيل والوزن، كما)
(لا في مفازة ولا قاه بيم ... في ذا، وفي مقوم: أقصى القيم)
(من غضبه لتلف الذي اتغصب ... من نقد أرض تلف فيها غلب)
стр. 536
فيها أربع مسائل:
[وجوب رد المغصوب]
الأولى: يجب على الغاصب رد المغصوب على المغصوب منه ولو غرم عليه أضعاف قيمته؛ لخبر أبي داوود وغيره: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، فإذا كان داراً أو نحوها .. فيجب الرد بالخروج منها ليتسلمها مالكها، أو منقولاً واحتاج إلى نقل .. وجب رده مع نقله إلى الموضع المغصوب منه؛ كما لو نقل المغصوب المثلي إلى دار أو بلد .. فجب على الغاصب رده، وكذا لو انتقل المغصوب بنفسه، ويجب الرد ولو كان غير مال كالاختصاصات؛ للخبر، ولأنه حق المغصوب منه، ويبرأ بالرد على المالك أو وكيله أو وليه.
[وجوب أرش نقص المغصوب على الغاصب]
الثانية: يجب على الغاصب أيضاً: أرش نقص المغصوب ولو كان النقص بسبب غير الاستعمال؛ كأن غصب ثوباً أو عبداً، فنقصت قيمته لآفة سماوية، كسقوط عضو من العبد لمرض.
[وجوب أجرة مثل المغصوب على الغاصب]
الثالثة: يجب على الغاصب أيضاً: أجرة مثل المغصوب ولو فاتت منفعته بغير استعمال؛ وهي أجرة مثله سليماً قبل النقص، ومعيباً بعده.
[ضمان المغصوب]
الرابعة: يضمن الغاصب للمال المغصوب التالف عنده بما سيأتي، سواء أتلف بنفسه أم أتلفه متلف، لكن يستثنى منه مسائل: منها: ما لو غصب حربي مال مسلم أو ذمي ثم أسلم أو عقدت له ذمة بعد تلفه، وما لو كان النغصوب غير متمول؛ كحبة حنطة، أو رفيقاً وجب قتله لحق الله تعالى بردةى أو نحوها فقتله، وما لو غصب رقيق غير مكاتب مال سيده.
فيضمن الغاصب المثلي بمثله؛ لأنه أقرب إلى التالف، وهو؛ أي: المثلي: ما حصره كيل أو وزن وجاز السلم فيه؛ كماء وتراب، ونحاس وحديد، وتبر وسبيكة، ومسك وعنبر، وكافور وثلج وجمد، وقطن ودقيق وحبوب، وتمر وزبيب، وعنب ورطب، وكل فاكهة رطبة، ودراهم ودنانير ولو مكسرة أو مغشوشة.
стр. 537
وخرج بقيد (الكيل أو الوزن): ما بعد؛ كالحيوان، أو يذرع؛ كالثياب، وبقيد (جواز السلم فيه): نحو الغالية والمعجون، وإنما اشترطوا جواز السلم؛ لأنه بعد تلفه يشبه المسلم فيه من جهة ثبوته في الذمة، وشمل التعريف الردي نوعاً، أما الرديء عيباً .. فليس بمثلي؛ لأنه لا يجوز السلم فيه.
ومحل ضمان المثلي بمثله: إذا كان له عند المطالبة به قيمة، وإلا؛ كأن أتلف الماء بمفازة وطولب به عند يم؛ أي: بحر، أو شاطئ نهر، أو الجمد بالصيف وطولب به في الشتاء .. ضمنه بقيمته في تلك الحالة، وقد أشار الناظم إلى هذا بقوله: (كما لا في مفازة ولاقاه بيم في ذا) أي: في الماء.
ولو تلف في يده والمثل موجود، فلم يسلمه حتى فقد في البلد وحواليه حساً أو شرعاً؛ بأن لم يجده، أو وجده بأكثر من ثمن مثله، أو منعه من الوصول إليه مانع .. فالقيمة، والأصح: أن المعتبر أقصى القيم من الغصب إلى الإعواز.
أو مفقود .. فالقياس: وجوب أقصى قيمة من الغصب إلى التلف، ولو وجد المثل بعد تغريم القيمة .. فالأصح: أنه ليس للمالك ردها وطلب المثل، ولا للغاصب رد المثل وطلب القيمة.
ولو نقل المغصوب المثلى إلى بلد آخر، فللمالك أن يكلفه رده، وأن يطالبه بقيمته في الحال، فإذا رده .. ردها، فإن تلف في البلد المنقول إليه .. طالبه بالمثل فيما وصل إليه من المواضع، فإن فقد .. فقيمة أكثرها قيمة.
ولو ظفر باالغاصب في غير بلد التلف .. فالصحيح: أنه إن لم يكن لنقله مؤنة كالنقد .. طالب بالمثل، وإلا .. فلا.
ويضمن الغاصب المتقوم بأقصى قيمة من الغصب إلى التلف؛ لأنه في زمن الزيادة غاصب يجب عليه الرد، فإذا لم يرد .. ضمن الزيادة، ولا عبرة بالزيادة بعد التلف؛ كما لا عبرة بالنقص بالكساد، وسواء أتلف كله أم بعضه.
ولو غصب ثوباً قيمته عشرة، ثم عاد إلى درهم، ثم لبسه فعاد يلبسه إلى نصف درهم .. رد
стр. 538
الثوب مع خمسة لنصفه التالف باللب؛ أنها أقصى قيمه، ولو أنلف متقوماً بلا غصب .. ضمنه بقيمة يوم التلف، فإن حصل بتدريج وسراية .. فبأقصى قيم تلك المدة، فإن الإتلاف أبلغ من اليد العادية، وفي الإباق ونحوه؛ كصباغ الثوب يضمن بالأقصى من الغصب إلى المطالبة بالقيمة.
وعلم من كلامه: أنه لو تكرر الارتفاع والانخفاض .. لا يضمن كل زيادة، بل بالأقصى، ومحله في الأعيان، أما المنافع .. فتضمن في كل بعض من أبعاض المدة بأجرة مثلها فيه على الأصح.
قوله: (من نقد أرض تلف - وفي بعض النسخ: بلد - فيها غلب) أي: وتجب القيمة من نقد أرض تلف للمغصوب فيها ذلك النقد، أي: من نقدها إن كان بها نقد واحد، فإن كان فيها نقدان .. فمن نقدها الغالب؛ لأنها محل وجوب الضمان، واعتبر صاحب "التنبيه" بلد الغصب، قال في "المهمات": واعتبار نقد بلد التلف محمول على ما إذا لم ينقله، وإلا .. فيتجه - كما في "الكفاية" -: اعتبار نقد البلد الذي تعتبر قيمته، وهو أكثر البلدين قيمة، وفي "البحر" عن والده ما يقاربه؛ عملاً بمحل وجوب الضمان الحقيقي.
ولا تضمن الخمر ولا تراق على ذمي، إلا أن يظهر شاربها أو بيعها، وترد عليه في غير ذلك إن بقيت العين، وكذا ترد المحترمة إذا غصبت من مسلم.
والأصنام وآلات الملاهي لا يجب في إبطالها شيء، والأصح: أنها لا تكسر الكسر الفاحش، بل تفصل لتعود كما قبل التأليف، فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحد لمنع صاحب المنكر .. أبطله كيف تيسر.
وتضمن الدار والعبد ونحوهما بالتفويت والفوات تحت يد عادية، ولا تضمن منفعة البضع والحر إلا بالتفويت.
والأيدي المترتبة على الغاصب أيدي ضمان، وإن جهل صاحبها الغصب وكانت أيدي أمانة ثم إن علم الغصب .. فكغاصب من غاصب، فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده، وكذا إن جهل وكانت يده أصلها يد ضمان؛ كالعارية، وإن كانت يد أمانة؛ كوديعة .. فالقرار على الغاصب، ومتى أتلف الآخذ من الغاصب مستقلاً به .. القرار عليه مطلقاً.
стр. 539
ولو أخذ الحاكم أو أمينه المغصوب من الغاصب فتلف في يده .. لم يضمن، وكذا من انتزعه على مالكه والغاصب حربي، أو عب المغصوب منه غير المكاتب، ولو كانت قيمة المغصوب عند الثاني أقل منها عند الغاصب .. فالمطالب بالزيادة الغاصب، وتستقر عليه.
ولو صال المغصوب على شخص فأتلفه، فضمانه على الغاصب مستقراً، فلو كان مالكه .. لم يبرأ الغاصب.
ومن تزوج المغصوبة جاهلاً بالغصب فتلفت عنده .. لم يضمنها على المذهب، ولو كان هو المالك ولم يولدها .. لم يبرأ الغاصب.
ولو أسند خشية إلى جدار بلا إذن .. ضمن الجدار إن وقع بإسناده، والتالف بوقوعه عليه، وإن وقعت الخشبة وأتلفت، أو كان الجدار له، أو لغيره وقد أذن: فإن وقعت في الحال .. ضمن، وإلا .. فلا.
ولو غصب داراً فنقضها وأتلف النقض .. ضمنه وما نقص من قيمة العرصة، وهل يضمن أجرة مثلها داراً إلى وقت النقض أم إلى وقت الرد؟ وجهان، أرجحها: أولهما، أو بهيمة وأنزى عليها فحلاً .. فالولد له ولا شيء عليه للإنزاء؛ لأنه لا يقابل بعوض، فإن نقص .. غرم الأرش.
أو جارية ناهداً ثديها، أو شاباً فشاخ، أو أمرد فالتحى .. ضمن النقض.
أو ثوباً ونجسه، أو تنجس عنده .. لم يجز له تطهيره، ولا للمالك تكليفه ذلك، فإن غسله .. ضمن النقص، أو رده نجساً .. فمؤنة التطهير، والنقص اللازم منه عليه، وتنجس مائع لا يمكنه تطهيره .. هلاك.
ولو طرح في مسجد متاعاً وأغلقه .. لزمه أجرة جميعه، وإن لم يغلقه .. فأجرة ما شغله.
والألف في قول الناظم: (السلما) للإطلاق، والواو في قوله: (والوزن) بمعنى (أو)، وقوله: (كما) بالقصر، وهو لغة في الممدود.
* * *
стр. 540
باب الشفعة
بإسكان الفاء وحكي ضمها، وهي لغة: الضم على الأشهر، من شفعت الشيء ضممته، فهي بضم نصيب إلى نصيب، ومنه شفع الأذان، وشرعاً: حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملكه بعوض.
والأصل فيها: خبر البخاري عن جابر: (فقضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق .. فلا شفعة)، وفي رواية له: (في أرض أو أربعة أو حائط)، وفي رواية لمسلم: (قضى بالشفعة في كل شرك لم يقسم؛ ربع أو حائط، ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء .. ترك، فإن باع ولم يؤذنه .. فهو أحق به)، والمعنى فيه: دفع ضرر مؤنة القسمة، واستحداث المرافق في الحصة الصائرة إليه.
و(الربعة): تأنيث الربع، وهو المنزل، و (الحائط): البستان.
ولها أربعة أركان: آخذ، ومأخوذ، ومأخوذ منه، وصيغة.
وقد ذكر الناظم بعض أحكامها فقال:
(تثبت في المشاع من عقار ... منقسم مع نابع القرار)
(لا في بناء أرضه محتكرة ... - فهي كمنقول - ولا مستأجره)
(بدفع مثل ثمن أو بذل ... قيمته أن بيع، ومهر مثل)
(أن أصدقت لكن على الفور اخصص ... للشركا بقدر ملك الحصص)
فيها أربع مسائل:
[ما تثبت فيه الشفعة وبيان أركانها]
الأولى: تثبت الشفعة في المشاع؛ أي: المشترك من عقار، وإن بيع من منقول منقسم -
стр. 541
أي: قسمة يجبر عليها أحد الشريكين بطلب آخر، وهو ما ينفع به بعدها من الوجه الذي كان ينتفع به قبلها، ولا عبرة بالانتفاع به من وجه آخر؛ للتفاوت العظيم بين أجناس المنافع - مع ثابت القرار الذي يندرج في بيعه؛ كأبنية وأشجار ثابتة فيه، وثمرة لها غير مؤبرة عند البيع، وأبواب منصوبة، بخلاف ما لا يندرج فيه كشجر جاف وزرع، فلا تثبت في منقول وإن بيع مع عقار؛ لأنه لا يدوم فلا يدوم ضرر الشركة فيه، ولا في أشجار بيعت مع مغارسها فقط، ولا في جدران مع أسها فقط، ولا في بناء مشترك أرضه محتكرة أو موقوفة أو مستأجرة؛ لأنه في حكم المنقول، ولا في طاحونة وحمام وبئر لا يمكن جعلها طاحونين وحمامين وبئرين؛ لما مر أن علة ثبوت الشفعة ددفع ضرر مؤنة القسمة، واستحداث المرافق في الحصة الصائرة إلى الشفيع؛ كمصعد ومنور وبالوعة.
قال الرافعي: وهذا الضرر وإن كان واقعاً قبل البيع لو اقتسم الشريكان، لكن كان من حق الراغب في البيع تخليص شريكه ببيعه منه، فإذا لم يفعل .. سلطه الشرع على أخذه منه.
فلو كان بينهما دار صغيرة لأحدهما عشرها فباع حصته .. لم تثبت الشفعة للآخر؛ لأمنه من القسمة؛ إذ لا فائدة فيها فلا يجاب طالبها لتعنته، بخلاف العكس.
وأما الآخذ .. فكل شريك في رقبة العقار، سواء فيه المسلم والذمي والحر والمكاتب، حتى لو كان السيد والمكاتب شريكين .. فلكل منهما الشفعة على الآخر، فلا شفعة لمالك المنفعة فقط، ولا لجار ولو ملاصقاً، فلو كان بينهما أرض، ولأحدهما فيها أشجار أو أبنية، فباعها مع حصته من الأرض .. لم تثبت الشفعة إلا في الأرض؛ لعدم الشركة في الأشجار والأبنية.
ولو قضى بها حنفي لجار .. لم ينقض في الأصح، ولو قضى بها لشافعي .. لم يعترض، ولو باع داراً وله شريك في ممرها .. فلا شفعة له فيها على الصحيح.
وتثبت في الممر إن كان ينقسم، أو كان للمشتري طريق آخر إلى الدار، أو أمكن فتج باب إلى شارع، وإلا .. فلا على الصحيح، وإن باع نصيبه من الممر فقط .. لم تثبت فيه الشفعة.
ولو باع ذمي شقصاً لذمي بخمر أو خنزير، وترافعوا إلينا بعد الأخذ بالشفعة .. لم ترده، أو قبله .. لم تحكم بها.
ولو باع نصيبه من دار وباقيها لمسجد اشتراه قيمه، أو وهب له ليصرف في عمارته .. فللقيم
стр. 542
أخذه بالشفعة إن رآه مصلحة؛ كما للإمام في شركة بيت المال، ولو اشتري للمسجد شقص .. فللشريك الأخذ بالشفعة.
وأما المأخوذ منه .. فهو للمشتري ومن في معناه، وله شروط:
الأول: طروء ملكه على ملك الآخذ، فلو اشتريا داراً أو شقصاً منها معاً .. فلا شقعة لأحدهما على الآخر.
الثاني: لزومه، فلو باع بشرط الخيار لهما أو للبائع .. فلا شفعة زمن الخيار، أو للمشتري .. فللشفيع الأخذ في الحال في الأظهر.
ولو باع شريكه حصته بشرط الخيار له أو لهما، ثم باع الآخر حصته في زمن الخيار بيع بت .. لم تثبت الشفعة للمشتري الثاني على الأول وإن طرأ على ملكه ملك الأول؛ لأن سبب الشفعة البيع وهو متقدم على ملكه.
ولو وجد المشتري بالشقص عيباً وأراد رده به، وأراد الشفيع أخذه ويرضى بعيبه .. أجيب الشفيع في الأظهر، ولو رده ثم طلب الشفيع .. أجيب في الأصح وارتفع الرد.
الثالث: أن يملكه بمعاوضة؛ كبيع، وأجرة، ورأس مال سلم، ومهر، وعوض خلع ومتعة، وصلح عن دم، فلو ملكه بإرث أو هبة أو وصية .. فلا شفعة.
ولو باع الوصي أو القيم شقص الصبي وهو شريكه .. فلا شفعة له، ولو اشتراه له .. فله الشفعة، وللأب والجد الشريكين الشفعة باعا أو اشتريا.
ولو كان للوصي يتيمان فباع نصيب أحدهما .. فله أخذه بالشفعة للآخر.
ولو وكله المشتري في شراء الشقص .. فله الشفعة، أو في بيعه .. فكذا في الأصح، ولو كان المشتري شريكاً .. فالشفعة بينه وبين الشريك الآخر في الأصح، ولا يشترط في التملك بها حكم حاكم/ ولا حضور الثمن، ولا المشتري، ولا رضاه.
وأما الصيغة: فهو لفظ من الشفيع؛ كـ (تملكت) أو (أخترت الأخذ)، أو (أخذت بالشفعة)، وشبهه، لا (أنا مطالب بالشفعة) في الأصح، وتشترط رؤيته الشقص على المذهب، وليس للمشتري منعه منها، وعلمه بالثمن في التملك لا في الطلب.
وتملكه: إما بتسليم العوض إلى المشتري، فإذا امتنع المشتري من القبض .. خلي بينه وبينه، أو رفع إلى القاضي ليلزمه التسلم أو يقبض عنه.
стр. 543
وإما بتسليم المشتري الشقص، ورضاه يكون الثمن في الذمة، إلا أن يبيع شقصاً من دار عليها صفائح ذهب بفضة أو عكسه .. فيجب التقابض في المجلس، ويكفي رضاه بكون الثمن في الذمة دون تسليم الشقص في الأصح.
وإما بقضاء القاضي له بالشفعة إذا حضر مجلسه وأثبت حقه، واختار التملك في الأصح، وإذا ملكه الشفيع بغير الطريق الأول .. لم يكن له أن يتسلمه حتى يؤدي الثمن وإن تسلمه المشتري قبل أدائه، وإذا لم يكن الثمت حاضراً وقت التملك .. أمهل ثلاثاً، فإن لم يحضره .. فالجمهور أن الحاكم يفسخ تملكه.
ولو اتفق المتبايعان على حط أو زيادة .. فالأصح: اللحوق قبل لزوم العقد، فلو حك كل الثمن .. فلا شفعة.
[ما يدفعه الشفيع للمأخوذ منه الشقص]
الثانية: يدفع الشفيع للمأخوذ منه الشقص مثل ثمنه إن بيع بمثلي، ثم إن قدر بمعيار الشرع .. دفعه به، وإن قدر بغيره؛ كأن اشتراه بمئة رطل حنطة .. دفع مثله وزناً لا كيلاً في الأصح، فلو فقد المثل وقت الأخذ .. فالقيمة، ويبذل قيمته؛ أي: يوم البيع إن بيع بمقوم، إن بيع بمؤجل .. فالأظهر: أنه مخير بين أن يعجل ويأخذ في الحال، وأن يصبر إلى المحل ويأخذ، ولا يبطل حقه بالتأخير.
ولو مات المشتري وحل عليه الثمن .. فالشفيع على خيرته، أو مات الشفيع .. فالخيرة لوارثه، ولو باعه المشتري .. صح، وإن شاء الشفيع .. أخذ بالبيع الثاني، أو نقضه وأخذ بالأول.
وإن بيع شقص وغيره .. أخذه بحصته من الثمن ولا خيار للمشتري.
وإن جعل الشقص رأس مال سلم .. أخذه بمثل المسلم فيه أو بقيمته، أو صداقاً أو عوض خلع .. أخذه بمهر مثل المرأة، والاعتبار به يوم النكاح ويوم الخلع على الصحيح المعروف، أو متعة .. فيمتعة مثلها، أو أجرة .. فبأجرة مثل، ولو صالح من دين عليه .. فمثل الدين أو قيمته، أو من دم عليه .. فبقيمة الدية يوم الجناية.
[ثبوت الشفعة على الفور]
الثالثة: تثبت الشفعة على الفور؛ لأنه خيار ثبت بنفسه لدفع الشرر فكان على الفور؛ كالرد بالعيب، فإذا علم شفيع بالبيع .. فليبادر على العادة في طلبها، فلا يكلف العدو ونحوه، فإن
стр. 544
كان مريضاً لا تمكنه المطالبة، أو غائباً من بلد المشتري، أو خائفاً من عدو، أو من حبس ظلماً، أو بدين وهو معسر عاجز عن بينة الإعسار .. فليوكل إن قدر، وإلا .. فليشهد على الطلب، فإن ترك المقدور عليه منهما .. بطل حقه في الأظهر؛ لتقصيره، والحر والبرد المفرط عذر، وكذا خوف الطريق حتى توجد رفقة تعتمد، والأظهر: أنه لا يجب الإشهاد إذا سار طالباً في الحال؛ كما لو أرسل وكيلاً، وليطرد في حاضر خرج للطب.
ولو كان في صلاة أو حمام أو قضاء حاجة أو طعام .. فله الإتمام على الصحيح، ولو دخل وقت هذه الأمور .. فله تقديمها، ولا يلزمه تخفيف الصلاة.
ولو ترك الشفيع المشتري ورفع إلة القاضي .. جاز، أو أشهد على الطلب، ولم يلاراجع المشتري ولا القاضي .. لم يكف.
وإن كان المشتري غائباً .. فالقياس: أن يرفع إلى القاضي ويأخذ؛ كما في البيع.
ولو تلاقيا في غير بلد الشقص فأخر إلى بلده .. بطل حقه، ولو أخر وقال: (لم أصدق المخبر) .. لم يعذر إن أخبره عدلان، وكذا ثقة في الأصح، أو من لا يمكن تواطؤهم على الكذب، ويعذر إن أخبره من لا يقبل خبره؛ ككافر وفاسق وصبي.
ولو أخبر البيع ألف فترك فبنا بخمس مئة .. بقي حقه، أو بان بأكثر .. فلا.
ولو كذب في تعيين المشتري، أو في جنس الثمن أو نوعه أو حلوله، أو تأجيله إلى شهر فبان إلى شهرين، أو في قدر المبيع، أو بالبيع من رجل فبان من رجلبن، أو عكسه .. بقي حقه، أو بمقدار مؤجل فبان حالاً، أو ببيع كله بألف نصفه بألف .. بطل.
ولو لقي المشتري فسلم عليه، أو قال له: (بارك الله لك في صفقتك)، أو (بكم اشتريت) .. لم يبطل حقه، بخلاف قوله: (اشتريت رخيصاً).
ولو أخر ثم اعتذر بمرض أو حبس أو غيبة .. صدق إن علم العارض، وإلا .. فالمصدق المشتري، أو أنه لم يعلم ثبوت حق الشفعة، أو كونها على الفور .. فكما في الرد بالعيب.
ولو باع الشفيع نصيبه أو وهبه ولو جاهلاً بثبوت شفعته .. بطل حقه، أو بعضه عالماً .. فكذا في الأظهر، أو جاهلاً .. فلا في الأصخ.
[ثبوت الشفعة للشركاء بقدر حصصهم]
الرابعة: تثبت الشفعة للشركاء بقدر ملك حصصهم؛ لأنها من مرافق الملك فتتقدر بقدره؛ ككسب المشتري ونتاجه وثماره.
стр. 545
فلو كانت دار بين ثلاثة لواحد نصفها ولآخر ثلثها ولآخر سدسها، فباع الأول حصته .. أخذ الثاني سهمين والثالث سهماً واحداً، وقيل: بعدد الرؤوس، فيقسم النصف بينهما سواء؛ لأن سبب ثبوتها اسم الشركة، وهو في الجميع سواء كأجرة الصك، واختاره السبكي، ونص الشافعي على كل من القولين، ورجح الأصحاب الأول؛ لما مر، ولأن الشفعة إنما تثبت لدفع مؤنة القسمة كما مر، لا لدفع سوء المشاركة، والمؤنة تختلف باختلاف الحصص فأخذوا بقدرها؛ لأن كلا يدفع عن مفسه ما يلزمه بالقسمة، قال في "المهمات": وهذا خلاف مذهب الشافعي، فإنه لما حكى القولين في "الأم" قال: والقول الثاني: أنهما في الشفعة سواء، وبهذا القول أقول.
قال البندنيجي في الكلام على أقوال التقاص: والأصحاب كثيراً ما يخالفون الشافعي لا عن قصد، ولكن لقلة اطلاعهم علة نصوصه، قال في "المطلب": وما قاله الأصحاب هنا عجب.
وقول الناظم: (بذل) بسكون الدال المعجمة مصدر بذل بمعنى: أعطى، وقوله: (أن بيع) بدرج الهمزة للوزن.
* * *
стр. 546
باب القراض
مشتق من القرض وهو القطع، سمي بذلك؛ لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها، وقطعة من الربح، ويسمى أيضاً: مضاربة؛ لأن كل منهما يضرب له بسهم من الريخ، ومقارضة؛ وهي المساواة؛ لتساويهما في الربح، وهو: أن يدفع لغيره مالاً؛ ليتجر فيه والريح مشترك بينهما.
والأص ل فيه: الإجماع، والخاجة، واحتج له القاضي أبو الطيب بقوله تعالى: ﴿وءاخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل: ٢٠]، والماوردي بقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨]، وبأنه ﷺ ضارب لخديجة بمالها إلى الشام، وأنفذت معه عبدها ميسرة.
وله خمسة أركان: عاقد، وصيغة، ورأس مال، وعمل، وربح.
وقد أشار الناظم إلى ذلك فقال:
(صح بإذن مالك للعامل ... في متجر، عين نفد الحاصل)
(وأطلق التصريف أو فيما يعم ... وجوده، لا كثرا بنت وأم)
(غير مقدر لمدة العمل ... كسنة، وإن يعلقه بطل)
(معلوم جزء ريحيه بينهما ... ويجبر الخشر بربح قد نما)
(ويملك العامل ربح حصته ... بالفسخ والنضوض مثل قسمته)
[شروط عقائد القراض]
أما العقائد - وهو المالك والعامل - فيشترط في المالك: أهلية التوكيل، وفي العامل: أهلية التوكل.
ويجوز لولي الطفل والمجنون والمحجور عليه بسفه أن يقارض بمالهم، سواء في الأب
стр. 547
والجد والوصي والحاكم وأمينه، ويصح القراض في مرض الموت، وللعامل الربح المشروط وإن زاد على أجرة المثل غير معتبر من الثلث.
ويجوز أن يقارض الواحد اثنين متساوياً أو متفاضلاً إذا بين ما لكل وإن لم يثبت لكل منهما الاستقلال، وأن يقارض الاثنان واحداً، والربح بعد نصيب العامل بينهما على قدر ماليهما، ولو قالا: (لك من نصيب أحدنا الثلث ومن الآخر الربع): فإن أبهما .. لم يجز، وإن عينا وهو يعلم ما لكل .. جاز، وإذا فسد القراض .. نفذ تصرف العامل والربح للمالك، وعليه أجرة المثل للعامل وإن لم يكن ربح، إلا إن قال: (قارضتك وجميع الربح لي) .. فلا أجرة له في الأصح.
[صيغة القراض]
وأما الصيغة - وهي المراد بقول الناظم: (بإذن مالك) - فنحو قول المالك: (فارضتك)، أو (ضاربتك)، أو (عاملتك على أن الربح بيننا نصفين)، وقبول العامل متصلاً الاتصال المعتبر في سائر العقود، ولو قال: (قارضتك على أن نصف الربح لي) .. لم يصح في الأصح، أو (نصفه لك وسدسه لي) .. صح على الصحيح، وكان بينهما نصفين.
[ما يشترط في رأس المال]
وأما الصيغة - وهي المراد بقول الناظم: (بإذن مالك) - فنحو قول المالك: (فارضتك)، أو (ضاربتك)، أو (عاملتك على أن الربح بيننا نصفين)، وقبول العامل متصلاً الاتصال المعتبر في سائر العقزد، ولو قال: (فارضتك على أن نصف الربح لي) .. لم يصح في الأصح، أو (نصفه لك وسدسه لي) .. صح على الصحيح، وكان بينهما نصفين.
[ما يشترط في رأس المال]
وأما رأس المال الحاصل .. فشرطه: أن يكون نقداً، وهو الدراهم والدنانير المضروبة؛ فلا يجوز على المغشوش منها على الصحيح، ولا على الفلوس على المذهب كسائر العروض؛ لأن في القراض غراراً؛ لأن العمل فيه غير مضبوط، والربح غير موثوق به، وإنما جوز للحاجة، فاختص بما يروج بكل حال وتسهل التجارة به.
وأن يكون معلوماً، فلا يصح على المجهول القدر؛ للجهل بالربح، ويفارق رأس مال السلم؛ بأن القراض عقد ليفسخ، ويميز بين رأس المال والربح بخلاف السلم.
وأن يكون معيناً؛ فلا يصح على أحد هذين الألفين، ولا على دين، ولو في ذمة العامل؛ لأن الدين إنما يتعين بالقبض، بل لو قال لغريمه: (اعزل قدر حقي من مالك)، فعزله ثم قال: (قارضتك عليه) .. لم يصح؛ لأنه لم يمكله.
ولو قارضه على دراهم عند غيرع وديعة أو مغصوبة أو غيرهما .. صح؛ لتعينعا في يده، بخلاف ما في الذمة.
стр. 548
ولو قارضه على دراهم غير معينة ثم عينها في المجلس .. جاز؛ كالصرف ورأس مال السلم، كما رجحه في "الشرح الصغير"، وهو ظاهر كلام "الروضة" و"أصلها"، وجزم به صاحب "الأنوار" وابن المقري، ومثله يأتي في مجهول القدر به أولى.
فقول الناظم: كغيره: (عين) أي: (ولو في المجلس، وقضيته: أنه لو قارضه على أحد هذين الألفين مثلاً، قم عينه في المجلس .. صح وبه صرح ابن المقري.
ولو كان بين اثنين دراهم مشتركة، فقال أحدهما للآخر: (قارضتك على نصيبي منها) .. صح؛ لأن الإشاعة لا تمنع صحة التصرف، وكذا لو خلط ألفين بألف لغيره وقال له: (قارضتك على أحدهما وشاركتك في الأخرى) فقبل، ثم ينفرد العامل بالتصرف في ألف القراض، ويتصرفان في باقي المال.
ويشترط فيه: أن يكون مسلماً للعامل ومستقلاً للتصرف فيه؛ فلا يجوز شرط كونه في يد المالك أو مشرفه ليوفي منه ثمن ما اشتراه العامل؛ لأنه قد لا يجده العامل عند الحاجة فيفوت التصرف الرابح.
[ما يشترط في العمل]
وأما العمل .. فشرطه: أن يكون تجارة؛ بأن يأذن له فيها، أو في البيع والشراء، فلو قارضه ليشتري حنطة فيطحنها ويخبزها، أو غزلاً ينسجه، أو ثوباً يقصره أو يصبغه، أو نخلاً أو دواب أو مستغلات، ويسك رقابها لثمارها ونتاجها وغلاتها والفوائد بينهما، أو شبكة ويصطاد بها والصيد بينهما .. ففاسد، والصيد للصياد، وعليه أجرة الشبكة.
ولو اشترى العامل حنطلة وطحنها بلا شرط .. فالأصح: أنه لا ينفسخ القراض، لكن إن استقل العامل بالطحن .. ضمنه، فإن نقص .. لزمه الغرم، فإن باعه .. لم يضمن ثمنه، ولا يستحق بهذه الصناعات أجرة، ولو استأجر عليها .. فالأجرة عليه، والربح بينه وبين المالك.
ويشترط ألا يكون العمل مضيقاً عليه بالتعيين والتوقيت، وإليه أشار بقوله: (وأطلق التصريف أو فيما يعم وجوده) بأن يأذن له في التجارة مطلقاً عن قيد التعيين، أو يعين في شيء
стр. 549
يعم وجوده، فإن عين نوعاً يندر؛ كياقوت أحمر، وخيل بلق، وأمة وبنتها أو أختها .. فسد؛ لأنه تصييق يخل بمقصود العقد، وكذا لو أقته أو أقت البيع؛ كـ (قارضتك على ألا تتصرف، أو لا تبيع بعد عام) لإخلال ذلك بمقصود القراض، فقد لا يجد راغباً في العام ونحوه، ولمخالفته مقتضاه، فقد يحتاج العامل إلى تنضيض ما بيده آخراً؛ ليتميز رأس المال، وإلى هذا أشار الناظم بقوله: (غير مقدر لمدة العمل كسنة)، بخلاف ما لو أقت الشراء فقط؛ لحصول الاسترباح بالبيع الذي له فعله بعد المدة، ولتمكن المالك من منعه من الشراء متى شاء، وصورته: (قارضتك على ألا تشتري بعد عام) مثلاً، ولا يحتاج إلى زيادة (ولك البيع) كما هو ظاهر كلام "التنبيه" و"المنهاج" كـ"أصله"، واختاره في "المطلب"، وذكرها في "شرحي الرافعي" و"الروضة" و"الكفاية" للتمثيل لا للتقييد.
ويمتنع تعليقه كما نبه عليه بقوله: (وإن يعلقه بطل) للتعليق؛ لأن التأقيت أسهل منه، بدليل احتماله في الإجازة والمساقاة، ويمتنع أيضاً تعليق التصرف بخلاف الوكالة؛ لمنافاته غرض الربح.
ولو شرط عمل المالك، أو مشرفه مع العامل .. فسد؛ لعد استقلال العامل حينئذ بالتصرف، واستقلاله به شرط كاستقلاله باليد، ويجوز شرط عمل مملوك المالك معه؛ لأنه مال فجعل عمله تبعاً للمال.
نعم؛ إن ضم إلى ذلك ألا يتصرف العامل دونه، أو يكون المال أو بعضه بيده .. لم يصح. ويشترط أن يكون معلوماً بالرؤية أو بالوصف.
[شروط الربح]
وأما الربح .. فيشترط: كونه معلوماً لهما بالجزئية؛ كالنصف أو الثالث أو الربع، فلو قال: (على أن لك فيه شركة) أو (نصيباً) .. لم يصح، وإن قال: (مثل ما شرط فلان لفعلان): فإن كانا عالمين به .. صح، وإلا .. فلا.
وخرج بجزئيته: العلم بقدره، فلو شرط أن لأحدهما درهماً والباقي للآخر، أو بينهما .. لم يصح؛ فقد لا يربح إلا الدرهم فيفوز به أحدهما، وكذا لو شرط لأحدهما نصف الربح إلا درهماً، أو أنه يختص بربح صنف، أو بربح أحد الألفين مختلطين، أو متميزين.
стр. 550
ولو قال: (على أن ثلثه وثلثي باقيه لك) .. صح وإن لم يعلما عند العقد قدره وهو سبعة أتساعه؛ لسهولة معرفته، كما في "الروضة" و"أصلها".
ويشترط اختصاصه بالمتعاقدين وشتراكهما فيه، فلو شرطاء لأحدهما أو لثالث .. بطل، وكذا إن شرطا شيئاً منه لثالث، إلا أن يكون مملوك أحدهما؛ لرجوع ما شرطه لمملوكه إليه، ولو قال: (نصف نصيبي لزوجتي مثلاً) .. صح، وهو وعد هبة.
[تصرف العامل بالمصلحة]
ويتصرف العامل بالمصلحة لا بغبن ونسيئة بلا إذن؛ فإن باع نسيئة بإذن .. وجب الإشهاد، فن تركه .. ضمن، وله البيع بعرض، وشراء معيب فيه ربح، وله الرد بعيب للمصلحة، ولا يمنعه رضا المالك، وإن اقتصت الإمساك .. فلا في الأصح.
وحيث ثبت الرد للعامل، فللمالك أولى، وإن اختلفا .. عمل بالمصلحة، وعلى العامل فعل ما يعتاد؛ كنشر الثوب وذرعه وطيه، وإدراجه في السفط وإخراجه، ووزن الخففيف؛ كذهب ومسك وعود، وقبض الثمن وحمله، وحفظ المتاع على باب الحاتوت، وفي السفر بالنوم عليه ونحوه، لا وزن الأمتعة الثقيلة وحملها، ولا نقل المتا من حانوت إلى حانوت، والنداء عليه.
ثم لو استأجر على ما هو عليه .. فالأجرة في ماله، وإلا .. ففي مال القراض، فإن باشره .. فلا أجرة له، ولا يتصدق من مال القراض، ولا ينفق منه على نفسه ولو في السفر.
[جبر الخسران بالربح الحاصل]
قوله: (ويجبر الخسر بربح قد نما) أي: ويجبر النقص الحاصل بالرخص، أو بالمرض والتعيب الحادثين، أو بتلف بعضه بآفة أو غصب أو سرقة، وتعذر أخذ بدله بعد تصرف العامل بيعاً وشراء في الأصح، أو شراء فقط على المذهب .. بربح في المال قد نما؛ أي: زاد ما أمكن؛ لأنه وقاية لرأس المال، ولاقتضاء العرف ذلك، فإن تلف قبل تصرفه .. فمن رأس المال في الأصح؛ لأن العقد لم يتأكد بالعمل، فإن تلف كله بآفة أو أتلفه المالك .. ارتفع القراض، أو أتلفه أو بعضه أجنبي .. أخذ بدله واستمر فيه.
وثمار الشجر والنتاج، وكسب الرقيق، والولد، والمهر وبدل المنافع يفوز بها المالك عند الجمهور.
стр. 551
[باب يملك العامل ربع حصته]
قوله: (ويملك العامل ربح حصته بالفسخ) أي: لعقد القراض، والنضوض مثل قسمته؛ أي: كما بملكه بقسمة مال القراض بعد فسخ عقده، فلا يملكه بظهوره وإن ثبت له به حق يورث عنه، ويتقدم به على الغرماء، وإلا .. لصار شريكاً فيشيع النقص الحادث بعده في جميع المال أصلاً وربحاً، فلما انحصر في الربح .. دل على عدم الملك، ولأن القراض عقد جائز، ولا ضبط للعمل فيه، فلا يملك العوض إلا بتمام العمل؛ كالجعالة، ولا يمكله بالنضوض ولا بالقسمة قبل الفسخ؛ لبقاء العقد، حتى لو حصل بعد ذلك نقص .. جبر بالربح، ولكل فسخه متى شاء ومن غير حضور صاحبه ورضاه.
ولو مات أحدهما أو جن أو غمي عليه أو حجر عليه بسفه .. انفسخ، ومتى فسخ .. فليس للعامل الشراء.
ثم إن كان المال ديناً .. فعليه الاستيقاء، أو نقداً من جنس رأس المال .. أخذه المالك واقتسما الربح إن كان، أو مكسراً ورأس المال صحاحاً: فإن وجد من يبدلها بوزنها صحاحاً، وإلا .. باعها بنقد غير الجنس، وكذا يعرض في الأصح، واشترى به الصحاح.
وإن كان نقداً من غير الجنس، أو عرضاً وهناك ربح .. لزم العامل بيعه إن طلبه المالك، وله بيعه وإن أباه المالك، وليس له تأخيره إلى موسم، ولو ترك العامل حقه ليكفى البيع .. لم تلزمه إجابته في الأصح، وحيث لزمه البيع إنما يلزمه تنضيض رأس المال، وأما الزائد .. فكعرض مشترك؛ فلا يكلف الشريك البيع، وإنما يبيع بنقد البلد.
فإن كان من غير جنس رأس المال .. فعل المصلحة؛ فإن باع بنقد البلد .. حصل به رأس المال، فإن لم يكن في المال ربح .. فللمالك تكليفه البيع في الأصح، فإن رضي المالك بإمساكه .. فللعامل البيع على الصحيح إذا توقع ربحاً، ولو أخذ المالك العرض باتفاقهما، ثم ظهر ربح بارتفاق السوق .. فلا شيء للعامل فيه في الأصح.
ويصدق العامل في دعوى التلف، فإن ذكر سبباً .. فكما في الوديعة، وفي دعوى الرد في الأصح، وفي أن الشراء له لا للقراض، وكذا العكس على المشهور، وفي قوله: (لم تنتهي عن شراء كذا)، أو (كنس رأس المال كذا)، أو (لا ربح)، أو (لم أربح إلا كذا)، ولو قال: (ربحت كذا)، ثم قال: (غلطت، إنما هو كذا)، أو (تبينت أن لا ربح)، أو (كذبت خوف انتزاع المال) .. لم يقبل، أو (خسرت بعده) .. قبل عند الاحتمال.
стр. 552
ولو ادعى الخسران واحتمل، أو التلف بعد اعترافه بالكذب .. قبل وهو على أمانته، ولو اختلفا في المشروط له .. تحالفا، ثم يفسخ العقد كما في البيع، ويختص الربح والخسران بالمالك، وللعامل أجرة مثل عمله، أو في قدر رأس المال، ولا ربح .. صدق العامل، وكذا إن كان في الأصح.
* * *
стр. 553
باب المساقاة
وهي مأخوذة من السفي المحتاج إليه فيها غالباً؛ لأنه أنفع أعمالها وأكثرها مؤنة، وحقيقتها: أن يعامل غيره على نخل أو شجر عنب لتيعهده بالشقي والتربية على أن الثمرة لهما.
والأصل فيها قبل الإجماع: خبر "الصحيحين": (أنه ﷺ عامل أهل خيبر)، وفي رواية: (دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) والمعنى فيها: أن مالك الأشجار قد لا يحسن تعهدها أو لا يتفرغ له، ومن يحسن ويتفرغ قد لا يملك الأشجار، فيحتاج ذاك إلى الاستعمال وهذا إلى العمل، ولو اكترى المالك .. لزمته الأجرة في الحال، وقد لا يحصل شيء من الثمار ويتهاون العامل، فدعت الحاجة إلى تجويزها.
وأركانها خمسة: عاقد، وصيغة، وشجر، وثمر، وعمل.
وقد أشار الناظم إليها بقوله:
(صحت على أشجار نخل أو عنب ... إن أقتت بمدة فيها غلب)
(تحصيل ريعه بجزء علما ... من ثمر لعامل، وإنما)
(عليه أعمال تزيد في الثمر ... ومالك يحفظ أصلا كالشجر)
(إجارة الأرض ببعض ما ظهر ... من رعها عنه نهى خبر البشر)
[عاقدة المساقاة]
أما العاقد - وهو المالك والعامل - فشرطه: كما مر في القراض، فتصح لصبي ومجنون، ومحجور عليه بالسفه بالولاية.
стр. 554
[صيغة المساقاة]
وأما الصيغة .. فنحو قول المالك: (ساقيتك على هذا النخل أو العنب بكذا)، أو (سلمته إليك لتتعهده بكذا)، أو (تعهده بكذا)، أو (اعمل عليه بكذا)، وهذه الثلاثة تحتمل أم تكون كناية وأن تكون صريحة، قاله في "الروضة" كـ"أصلها"، وقول العامل: (قبلت).
[شروط شجر المساقاة]
وأما الشجر .. فقد بينه بقوله: (صحت) أي: المساقاة على أشجار نخل أو عنب، أما النخل .. فللخبر السابق، وأما العنب .. فلأنه في معناه بجامع وجوب الزكاة، وتأتي الخرص في ثمرتيهما؛ فجوزت المساقاة فيهما سعياً في تثميرهما، ورفقاً بالمالك والعامل والمساكين.
دون غيرهما من البقول والزروع، والأشجار المثمرة وغيرها كالخلاف؛ لعدم وجوب الزكاة مع عدم تأتي الخرص في ثمرها، ومحل المنع: أي تفرد بالمساقاة، فإن ساقى عليها تبعاً لنخل أو عنب .. فالأصح في "الروضة" و"أصلها": الصحة كالمزارعة، ويؤخذ من التشبيه: أنه يعتبر في ذلك عسر إفرادها بالسقي كالمزارعة، وكلام الماوردي يفهمه.
وقضية كلامهم: عدم صحتها في شجر العقل، وهو ما صححه في "الروضة"، وقال في "المهمات": الفتوى على الجواز؛ فقد نص عليه كما نقله القاضي أبو الطيب.
ويشترط كون الأشجار:
مغروسة، فلا يصح أن يساقيه على ودي ليغرسه ويكو نالثمر بينهما؛ كما لو سلمه البذر ليزرعه، ولأن الغرس ليس من عمل المساقاة، فضمه إليها كضم غير التجارة إلى عمل القراض، فلو وقع ذلك وعمل العامل .. فله على المالك أجرة عمله إن توقعت الثمرة في المدة وإلا .. فلا في الأصح.
مرتبة للعاقدين على المذهب، فلا تصح على غير المرئي لهما؛ لأنها عقد غرر من حيث إن
стр. 555
العوض معدوم في الحال، وهما جاهلان بقدر ما يحصل وبصفاته، فلا يحتمل ضم غرر آخر.
معينة، فلو ساقاه على أحد الحائطين .. لم تصح؛ للجهل بالمعقود عليه، وإنما لم يكتفى بالرؤية والتعيين في مجلس العقد كالقراض؛ لأن هذا عقد لازم فاحتيط له بخلاف القراض.
قوله: (إن أقتت) أي: صحت المساقاة على ما ذكر إن أقتت بمدة معلومة؛ لأنها عقد لازم كالإجارة، ولأن لحصول الثمار غاية تنتظر يسهل ضبطها، بخلاف الربح في القراض، فلا تصح إن أقتت بمدة مجهولة؛ كإدراك الثمار.
(تحصيل ريعه) أي: يحصل ثمره فيها غالباً، فلو أقتت بمدة لا يحصل ريعه فيها غالباً .. لم تصح؛ لخلوها عن العوض.
ولو ساقاه على ودي مغروس: فإن قدر بمدة يثمر فيها غالباً .. صحت، فإن لم يثمر فيها .. لم يستحق شيئاً؛ كما لو قارضه فلم يربح، أو ساقاه على مثمر فلم يثمر، أو لا يثمر فيها غالباً .. لم تصح، ولا أجرة له في الأصح، وإن احتمل الأمران .. لم تصح في الأصح، وله أجرة مثل عمله.
[شروط ثمر المساقاة]
وأما الثمر .. فيشترط: تخصيصه بهما واشتراكهما فيه، والعلم بالنصيبيين بالجزئية كالقراض، وقد أشار إليه الناظم بقوله: (بجزء علما من ثمر لعامل)، فلو شرط بعض الثمر لغيرهما، أو كله لأحدهما، أو جزء منه للعامل، أو المالك غير معلوم .. فسدت.
ولو قال: (على أن الثمر بيننا)، أو (أن نصفه لي)، أو (نصفه لك) وسكت عن الباقي .. صحت في الأولى مناصفة، والثالثة دون الثانية على الأصح في الثلاث، أو على أن ثمرة هذه النخلة، أو النخلات لي، أو لك والباقي بيننا .. فسدت.
والأظهر: صحتها بعد ظهور الثمر قبل بدو صلاحه؛ إذ العقد بعد ظهور الثمر أيعد عن الغرر بالوثوق بالثمر الذي منه العوض، فهو أولى بالجواز، أما بعد بدو الصلاح .. فلا تصح؛ لفوات معظم الأعمال.
[شروط عمل المساقاة]
وأما العمل .. فيشترط فيه: ألا يشرط على العامل ما ليس جنس أعمالها، وأن ينفرج بالعمل واليد في الحديقة.
стр. 556
ولو شرط المالك دخوله عليه وسلم له المفتاح .. جاز على الصحيح، أو أن بعمل معه غلامه ويكون تحت تدبير العامل .. جاز بشرط رؤية الغلام أو وصفه، فإن شرطا نفقته على العامل .. جاز؛ لأن العمل عليه؛ فلا يبعد أن يلتزم مؤنة من يعمل معه، وهل يجب تقديرها أو تحمل على الوسط المعتاد؛ لأنه يتسامح بمثله في المعاملات؟ وجهان، وبالثاني قطع الشيخ أبو حامد، ولو شرطاها في الثمرة .. قال البغوي: لا يجوز؛ لأن ما يبقى يكون مجهولاً، وجوزه صاحب "الإفصاح" لأنه قد يكون من صلاح المال.
قال في "الروضة" كـ"أصلها": ويشبه أن يقال: إن شرطاها بوجه معلوم؛ كأن شرطا لكل منهما الثالث، ولنفقة المملوك الثلث. جاز، وكان المشروط للمالك الثلثان، وإن شرطاها بغير تقدير جزء .. فلا، وإن لم يتعرضا لها .. فهي على المالك، وليس للعامل استعمال الغلام في عمل نفسه.
[ما يلزم العامل من الأعمال]
ثم بين الناظم ما على العامل بقوله: (وإنما عليه أعمال تزيد في الثمر) فعليه كل عمل تحتاج إليه الثمار لزيادتها أو صلاحها، ويتكرر كل سنة، وإنما اعتبرنا التكرار؛ لأن ما لا يتكرر .. يبقى أثره بعد فراغ المساقاة، وتكليف العامل مثل هذا إجحاف به، فمما يجب عليه: السقي وما يتبعه؛ من إصلاح طرق الماء والأجاجبين التي يقف فيها الماء، وتنقية الآبار والأنهار من الحجارة ونحوها، وإدارة الدولاب، وفتح رأس الساقية، وسدها عند السقي على ما يقتضيه الحال، والتلقيح، ثم الطلع الذي يلقح به على الممالك؛ لأنه عين ماله، وإنما يكلف العامل العمل، ومنه تنحية الحشيش المضر، والقضبان المضرة، ومنه تصريف الجريد؛ وهو سعف النخل، وحاصل ما قالوه في تفسيره شيئان:
أحدهما: قطع ما يضر به تركه يابساً وغير يابس.
والثاني: ردها عن وجوه العناقيد بينها؛ لتقيها الشمس، [وليتيسر] قطعها عند الإدراك، ومنه تعريش شجر العنب حيث جرت العادة به، ووضع حشيش فوق العناقيد عند الحاجة، وكذا حفظ الثمر حتى عن طير وزنبور اعتيد في الأصح، وجذاذه،
стр. 557
وتجفيف اعتيد أو شرطاه، وتهيئة جرين، ونقل الثمر إليه، وتقليبه في الشمس، وتقليب الأرض بالمساحي، وحرثها في الزراعة.
[ما يلزم المالك فعله]
ثم بين الناظم ما على المالك بقوله: (ومالك يحفظ أصلاُ كالشجر) فعليه ما قصد به حفظ الأصل ولا يتكرر كل سنة؛ كحفر بئر أو نهر، وبناء حيطان ونصب أبواب ودولاب ونحوها، وخراج وقوصرة لطير، وطلع تلقيح، وكل عين تتلف في العمل، وآلو يوقى بها العمل؛ كفأس ومعول، ومنجل ومسحاة، وثيران وفدان في المزارعة وثور دولابها.
والأصح: اتباع العرف في وضع الشرك على رأس الجدار، وردم ثلمة يسيرة فيه.
ولو شرط بشيء مما على العامل على المالك أو عكسه .. فسدت.
ولو عمل العامل ما على المالك بلا إذن .. فلا شيء له، وإلا .. فله الأجرة.
والمساقاة لازمة، ويملك العامل حصنه بالظهور.
[هروب العامل قبل فراغ العمل]
ولو هرب العامل قبل فراغ العمل، وأتمه المالك متبرعاً .. بقي استحقاق العامل، وإلا .. رفع إلى الحاكم، وأثبت عنده المساقاة وهريه ليطلبه، فإن وجده .. أجبره عليه، وإلا .. استأجر عليه من يتمه من ماله، فإن لم يكن له مال .. باع نصيبه، أو بعضه من الثمرة إن بدأ صلاحها، وإلا .. اقترض عليه ولو من بيت المال، ثم يقضيه العامل إذا رجع، أو يقضى من نصيبه من الثمرة بعد الإدراك.
ولو وجد أجيراً بمؤجل .. استغنى به، ولو عمل المالك بنفسه، أو أتفق بإذن الحاكم ليرجع: فإن عجز عن الحاكم .. رجع إن أشهد على العمل أو الاستئجار، وأنه فعله ليرجع، ولا فرق في ذلك بين المساقاة على العين أو الذمة، إلا أن له الفسخ في الأولى عند الهرب دون الثانية، والعجز بمرض ونحوه كالهرب.
[بطلان المخابرة والمزارعة]
ثم بين أن المخابرة والمزارعة باطلتان بقوله: (إجازة الأرض ببعض ما ظهر من ريعها عنه نهى خير البشر) ففي "الصحيحين" عن جابر: (نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة)، وفي "صحيح مسلم" عن ثابت بن الضحاك: (أنه ﷺ نهى
стр. 558
عن المزارعة) فالمخابرة: إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل، والمزراعة: إجارة الأرض ببعض ما يخرج من ريعها والبذر من المالك، فلو كان بين الشجر أرض خالية من الزرع وغيره .. صحت المزارعة عليا مع المساقاة على الشجر تبعاً له؛ لعسر الإفراد، وعلى هذا حملت معاملة أهل خيبر السابقة بشرط أن يكون عامل المزارعة في عقد، وتقديم المساقاة.
والأصح: أن كير البياض كقليله، وأنه لا يشترط تساوي الجزء المشروط وم نالزرع والثمر، وأنه لا يجوز أن يخابر تبعاً للمساقاة؛ لعدم ورود ذلك، والفرق بينها وبين المزارعة: أن المزارعة أشبه بالمساقاة وورد الخبر يصحتها.
ومتى أفرد عقد مخابرة أو مزارعة: فإن كان البذر للمالك .. فالغلة له، وعليه التعامل أجره عمله وآلاته ودوابه، أو للعامل .. فالغلة له، وعليه لمالك الأرض أجرة مثلها، أو لهما .. فالغلة لهما، وعلى كل أجرة في صحته.
والحيلة في تصحيحهما والبذر لهما: أن يعبر نصف أرضه للعامل، ويتبرع هو بمنفعته وآلاته في حصة الآخر، أو يؤجره نصف الأرض بنصف منفعته وآلته وهو أحوط.
وإن كان البذر للعامل .. اكترى منه نصف الأرض بنصف البذر ونصف منفعته وآلته، أو بنصف البذر وتبرع بمنفعته وآلته، أو بصف منفعته وآلته ويقرضه نصف البذر.
والألف في قول الناظم: (علما) للإطلاق.
* * *
стр. 559
باب الإجازة
بكسر الهمزة، وحكي فتحها وضمها، وهي لغة: اسم للأجرة، وشرعاً: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم، فالمعقود عليه المنفعة؛ لأنها التي تستحق بالعقد، ويتصرف فيها المستأجر، وقيل: العين؛ ليستوفي منها المنفعة؛ لإضافة اللفظ إليها غالباً، ولأن المنفعة معدومة، ومورد العقد يجب أن يكون موجوداً.
والأصل فيها قبل الإجماع: خبر البخاري: (أن النبي ﷺ والصديق استأجر رجلاً من بني الديل)، وخبر مسلم: (أنه ﷺ نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة)، والحاجة داعية إليها.
ولها أربعة أركان: عاقد، وصيغة، وأجرة، ومنفعة.
وقد أشار إليها بقوله:
(شرطهما: كبائع ومشتري ... بصيغة من مؤجر ومكتري)
(صحتها: إما بأجرة ترى ... أو علمت في ذمة الذي أكترا)
(في نحض نفع مع عين بقيت ... مقدورة التسليم، شرعاً قومت)
(إن قدرت بمدة أو عمل ... قد علما، وجمع ذين أبطل)
(تجوز بالحلول والتأجيل ... ومطلق الأجر: على التعجيل)
(تبطل إذ تتلف عين مؤجره ... لا عاقد لكن بغصي خبره)
(والشرط في إجارة في الذمم ... تسليمها في مجالس السلم)
(ويضمن الأجير بالعدوان ... وبده فيها بد ائتمان)
(والأرض إن أجرتها بمطعم ... أو غيره صحت ولو في ألذمم)
(لا شرط جزء علما من ربعه ... لزارع ولا بقدر شبعه)
стр. 560
[عاقد الإجارة وشروطه]
أما العاقد - وهو المؤجر والمستأجر - فشرطهما كشرط البائع والمشتري؛ من الرشد وعدم الإكراه بغير حق؛ كما مر في البيع، وأعاد الناظم ضمير التثنية عليهما؛ لفهمهما من لفظ الإجارة.
[صيغة الإجارة]
وأما الصيغة .. فإيجاب من المؤجر؛ كـ (أجرتك هذا سنة بكذا)، أو (أكريتكه سنة بكذا)، أو (ملكتك)، أو (أعطيتك منفعته سنة بكذا)، أو (أجرتك منفعته سنة بكذا) لأن المنفعة مملوكة بالإجازة؛ فذكرها فيها تأكيد كما في: (بعتك رقبة هذا أو عينه)، ولا تنعقد بلفظ البيع في الأصح، ولأنه وضع لتمليك العين فلا يستعمل في المنفعة؛ كما لا يستعمل لفظ الإجارة في البيع، وتنعقد بالكناية مع النية؛ كـ (أسكن الدار شهراً أو سنة بكذا).
وقبول من المكتري متصل بالإيجاب؛ كسائر عقود المعاوضات؛ كـ (استأجرته)، أو (اكترتيته)، أو (استأجرت منفعته)، لا (اشتريتها).
وهي قسمان: واردة عن العين؛ كإجارة عقار، أو دابة أو شخص معينين، وعلى الذمة؛ كاستئجار دابة موصوفة، أو بأن يلزم ذمته خياطة أو بناء، ولو قال: (استأجرتك لكذا)، أو (لتفعل كذا) .. فإجارة عين في الأصح؛ كما لو قال: (استأجرت عينك)، أو (نفسك) أو (لتفعل بنفسك).
[الأجرة وشروطها]
وأما الأجرة .. فقد أشار إليها بقوله: (ًحتها) أي: الإجارة؛ إما بأجرة ترى بأن يراها المتعاقدان إن كانت معينة، ولا يضر بالجهل بقدرها؛ كثمن المبيع، أو علمت للمتعاقدين جسناً وقدراً وصفة إن كانت في ذمة الذي اكترى كالثمن، فلو قال: (أجرتك هذا بنفقته) أو (كسوته) .. لم تصح.
وأما جواز الحج بالرزق .. فليس بإجازة؛ كما اقتضاه قول "الشرح الصغير" و"الروضة": يجوز الحج بالرزق كما يجوز بالإجارة، بل هو نوع من التراضي والمعونة؛
стр. 561
كما أشار إليه البيهقي، واختاره السبكي، وأما إيجار عمر أرض السواد بأجرة مجهولة .. فلما فيه من المصلحة العامة المؤبدة.
ولو أجر داراً بعمارتها، أو دابة بعلفها، أو أرضاً بخراجها ومؤنتها، أو بدراهم معلومة على أن يعمرها من عنده، أو على أن يصرفها في العمارة .. لم تصح؛ للجهالة، ولأن العمل في الصرف مجهول، ويرجع بها إن صرفها، فلو أطلق العقد ثم أذن له في الصرف .. جاز كما جزم به الشيخان، قال ابن الرفعة: ولم يخرجوه على اتحاد القابض والمقبض؛ لوقوعه ضمناً، فإن اختلفا في قدر ما أنفق .. ففي المصدق منهما وجهان، أشبههما في "الأنوار": المتفق إن ادعى محتملاً، ولا يجوز جعل الأجرة شيئاً يحصل بعمل الأجير، فلو استأجره ليسلخ بالجلد، أو يطحن ببعض الدقيق أو بالنخالة، أو لترضع رقيقاً ببعضه بعد الفطام، أو ليقطف الثمر بجزء منه بعد القطاف، أو لينسج الثوب بنصفه .. فسد، وله أجرة مثله.
[شروط المنفعة]
وأما المنفعة .. فلها شروط:
الأول: أن تكون محضة مع بقاء العين؛ بألا تتضمن الإجارة استيفاء عين قصداً، ولا استهلاكها؛ إذ هي عقد يراد به المنافع دون الأعيان، فلو استأجر بستاناً لثماره، أو شاة لنتاج أو صوف أو لبن، أو شمعاً للإيقاد له، أو طعاماً للأكل .. لم تصح؛ لما علم من أن الأعيان لا تملك بالإجارة، وقد تستحق بها الأعيان؛ تبعاً للضرورة أو الحاجة؛ كاستئجار بئر أو قناة للانتفاع بمائها؛ لتعذر بيعه، واستئجار المرأة للإرضاع مطلقاً يتضمن استيفاء اللين والحضانة الصغرى؛ وهي: وضع الطفل في الحجر، وإلقامه الثدي، وعصره له بقدر الحاجة.
والأصح: أن الأصل الذي يتناوله العقد فيما ذكر فعلها، واللبن تابع لا عكسه؛ لتعلق الأجرة في الآية بفعل الإرضاع لا باللبن، ولأن الإجارة موضوعة لاستحقاق المنافع، فإذا استحقت عين لضرورة .. فهي تابعة؛ كالبئر تستأجر ليستقى ماؤها، والدار تستأجر وفيها بئر ماء يجوز الاستيفاء منها.
стр. 562
والمراد بالنفع: النفع الحالي؛ فلا يجوز اكتراء الجحش الصغير؛ لأن وضع الإجارة على تعجيل المنافع.
الثاني: أن تكون مقدورة التسليم حساً وشرعاً؛ كما في البيع، فلا يصح استئجار آبق ومغصوب، وأخرس للتعليم، وأعمى للحفظ، وحائض أو نفساء لتعليم قرآن أو خدمة مسجد إجارة عين، وكذا من لا يحسن القرآن لتعليمه وإن وسع الوقت لتعلمه قبل التعليم؛ لأن المنفعة مستحقة من عينه، والعين لا تقبل التأخير، وأرضٍ للزراعة لا ماء لها دائم ولا يكفيها المطر المعتاد، فإن كفاها، او كان لها ماء دائم، أو ماء ثلج، أو مطر في الجبل والغالب حصوله .. جاز.
ولو استأجر أرضاً للزراعة على شط النيل، أو الفرات ونحوهما، بعدما علاها الماء وانحسر، وكان يكفي لزرعها .. جاز، وكذا قبل انحساره إذا كان مرجواً وقت الزراعة عادة، وإن كانت الأرض غير مرئية على المذهب، أو قبل أن يعلوها، ووثق بحصوله كالمد بالبصرة .. صح، وكذا إن كان الغالب حصوله في الأصح.
الثالث: أن تكون متقومة؛ ليحسن بذل المال في مقابلتها، فلا يصح استئجار تفاحة للشم، لأنها لا تقصد له؛ فهي كحبة بر في البيع، فإن كثر التفاح .. فالوجه: الصحة؛ لأنهم نصوا على جواز استئجار المسك والرياحين للشم، ومن التفاح ما هو أطيب من كثير من الرياحين، قاله في "الروضة" و"أصلها"، وفرق في "المهمات" تبعاً للسبكي: بأن المقصود من المسك والرياحين الش، ومن التفاح الأكل دون الرائحة.
ولو استأجر دراهم أو دنانير وأطلق .. فباطل، أو للتزيين. فكذا في الأصح، أو الأطعمة للتزيين .. فكذا على المذهب، أو الأشجار للتجفيف أو لظلها أو لربط الدواب بها .. فالوجهان، وقال بعضهم: الأصح هنا: الصحة؛ لأنها منافع مهمة، واستئجار الببغاء للاستئناس قال البغوي: فيه وجهان، وقطع المتولي بالجواز، وكذا ما يستأنس بلونه كالطاووس، أو بصوته كالعندليب.
واستئجار البياع على كلمة لا تتعب؛ ككلمة البيع .. باطل وإن روجت السلعة؛ إذ لا قيمة لها، قال محمد بن يحيي: هذا في مستقر القيمة؛ كالخبز واللحم، أما الثياب والعبيد، وما يختلف ثمنه باختلاف المتعاقدين .. فللبائع فيه مزيد نفع، فتجوز الإجارة له وأقره
стр. 563
الشيخان, وبه جزم في "الكفاية", وحيث منعنا ولم يتعب .. فلا أجرة له, وإن تعب بكثرة التردد والكلام .. فله أجرة المثل لا ما تواطأ عليه البياعون.
الرابع: حصولها للمستأجر لا للمؤجر; لئلا يجتمع العوضان في ملك واحد, فلو قال: (اكتريت دابتك لتركبها بمئة) .. لم يصحَّ, ولا يصح استئجار مسلمِ لجهاد, ولا لعبادة تجب لها نية, إلا لنحو حج, وتفرقة زكاة, وذبح أضحية, ويصح لفرض كفايةِ, كتجهيز ميت ودفنه, وتعليم قرآن, وكذا إن تعين عليه في الأصح, ولشعارِ كأذان في الأصح, والأجرة للأذان بجميع صفاته في الأصح, لا الإقامة في صلاة فرض, وكذا نفل في الأصح, ولا لقضاء أو تدريسِ, وجَوَّزه الإمام لتعليم معيَّن مسألةَ أو مسائل مضبوطة, وحمل إطلاقهم المنع على غيره, وكذلك يمتنع استئجار من يقرئ.
الخامس: العلم بها عيناً وقدراً وصفةَ, كما في البيع, فإذا لم يكن للعين إلا منفعة .. حمل العقد عليها, أو منافع .. وجب البيان, فلا يصح إيجار أحد الشَّيئين مبهماً, لا إيجار ما تعددت منفعته بلا تعيين.
نعم, لو قال في إجارة الأرض: (إن شئت فازرع, وإن شئت فاغرس) , أو قال: (أجرتكها لتنتفع بها ما شئت) .. صحَّ, بخلاف ما لو قال: (أجَّرتك الدابة لتحمل عليها ما شئت) للضرر, فلا يصحُّ إيجار العين الغائبة, ولا إيجارٌ بلا تقديرِ للمنفعة, وتقديرها إما بمدة, كسكنى دارِ سنةّ, أو بعملِ كخياطة ذا الثَّواب, ثم قدر يتعين الطريق الأول كاستئجار العقار, فإن منفعته لا تنظبط إلا بالزمان, وكالإرضاع, فإن تقدير اللَّبن لا يمكن, ولا سبيلَ فيه إلا الضَّبط بالزمان, ويجب فيه تعيين الصبي, الاختلاف الغرض باختلافه, وتعيين موضع الإرضاع أهو بيته أم بيتها؟ وقد تتأتى الطريقان كما إذا استأجر عين شخص أو دابة, فيمكن أن يقول في الشخص: (لتعمل لي كذا شهرًا) , أو (تخيط لي هذا الشهر) , وفي الدابة: (لأتردد عليها في حوائجي يوماً) , أو (لأركبها إلي موضع كذا).
قوله: (علما) أي: شرط المدة والعمل: أن يكونا معلومين للمتعاقدين.
قوله: (وجمع ذين أبطل) أي: أبطل أنت جمع الزَّمان والعمل في الإجازة, كأن استأجره ليَخِيط ذا الثَّوب اليوم, إذ تمام العمل قد يتقدم عن آخر النهار أو يتأخر, فعلم أن (أو) في
стр. 564
قوله: (بمدة أو عمل) للتخيير نحو: تزوَّج عائشةَ أو أختها, لا للإباحة, نحو: جالس الحسنَ أو ابن سيرين, إذ يمتنع الجمع فيه دونها.
] جواز الحلول والتأجيل في الإجارة [
قوله: (تجوز بالحلول والتأجيل) أي: تجوز الإجارة بالحلول, أو التأجيل للأجرة في إجارة العين إذا كانت في الذَّمة, كالثَّمن في البيع, فلا يشترط تسليمها في المجلس, ويجوز الاستبدال عنها, والحوالة بها وعليها, والإبراء منها كالثمن, وسيأتي الكلام على أجرة إجارة الذَّمة, ويجوز التَّأجيل للمنفعة في إجارة الذَّمة, كـ (ألزمت ذمتك الحمل إلى مكة غرة شهر كذا) , وإن أطلقت .. فحالَّةٌ.
ولا تؤجل في إجارة العين, كـ (أجرتك الدار سنةَ أولها غداً) , لأن منفعتها في الغد غير مقدورة التَّسليم في الحال, لكن تجوز إجارة العين ليلاً لعملِ لا يعمل إلا نهارًا إذا لم يصرح بالإضافة لأول المدة, وإجارة عين الشَّخص للحجَّ عند خروج الناس وإن كان قبل أشهره, إذا لم يتأت الإتيان به من بلد العقد إلا بالسَّير قبله, أو في أشهره ليحرم من الميقات, وإجارة دارِ ببلد آخر على الأصح عند النووي, وإن كان التسليم لا يتأتَّى إلا بقطع المسافة, ودارِ مشحونة بأمتعة يمكن الاشتغال بنقلها في الحال على الأصح, إن أمكن تفريغها في مدَّةِ لا أجرة لها, وإلا .. فلا.
ولو أجَّر داره مثلًا لزيدِ سنةَ, ثمَّ في المدَّة أجرها السنةَ الثانية لغيره .. لم يجز, أو له .. جاز في الأصح, لاتصال المدَّتين.
ويصحُّ كراء العقب في الأصح وهو: أن يؤجِّر رجلاً دابة ليركبها بعضَ الطريق, أو رجلين ليركبها هذا زمانًا وذاك زماناً, ويُبيِّن البعضين, ثمَّ يقتسمان, فإن انضبطت الطريقُ عادة, كيوم ركوب ويوم مشي, أو فرسخ وفرسخ .. حُمِلَ العقد عليه, وليس لواحد طلب ركوب ثلاثٍ ومشي ثلاثٍ, وإن لم تكن عادةٌ مضبوطةٌ .. وجب البيان, وإن اختلفا في البدأة .. أقرع بينهما, وإن أكراهما وأطلق واحتملت ركوبَهما معاً .. ركبا, وإلاَّ .. فبالمهايأة.
قوله: (ومطلق الأجر على التَّعجيل) أي: ومطلق الأجر, بأن لم يقيد بتعجيل ولا تأجيل .. يُحمل على التعجيل, كالثمن, فإن قيد بتعجيل أو تأجيل .. فهو كما قيَّد, وإلاَّ إذا كان لا يَحتمل التأجيل, بأن كان مُعيَّناً .. فيتعين تعجيله, فلا يجوز تأجيله.
ويملك المؤجَّر الأجرة بنفس العقد سواءٌ كانت في الذَّمة أم معينةً.
стр. 565
[بطلان الإجارة بتلف العين لا بموت العاقد]
قوله: (تبطل إذ تتلف عين مُؤجرة) أي: تبطل الإجارة إن تلفت العين المؤجَّرة, كدار أو دابة معيَّنة فيها, لفوات محل المنفعة, هذا في الزمن المستقبل بخلاف الماضي, إن كان لمثله أجرة, لاستقراره بالقبض, فيستقر قسطه من المسمَّى باعتبار أجرة المثل, وكما تبطل الإجارة بتلف العين المؤجرة يثبت الخيار بعيبها.
وخرج بما ذكر: العين في إجارة الذَّمة فلا تبطل بتلفها, ولا يثبت الخيار بعيبها, بل على المؤجَّر إبدالها, والدابة المسلمة عما في الذمة يثبت للمستأجر فيها حق الاختصاص, حتى يجوز له إيجارها, والأصح: أنه ليس للمؤجر إبدالها, وللمستأجر الاعتياض عن حقه فيها لا قبل تسلمها.
قوله: (لا عاقد) أي: لا تبطل الإجارة بموت عاقديها أو أحدهما, بل إن مات المكتري .. خلفه وارثه في استيفاء المنفعة, أو المكري .. تركت العين المكتراة عند المكتري إلى انقضاء المدة, وإن كانت الإجارة في الذمة .. فما التزمه دين عليه, فإن وفت به التركة .. اكترى منها, وإلا .. فإن وفاه الوارث .. تقرر الأجر, أو لم يوفِّه .. فسخ المكتري, وأما انفساخها بموت الأجير المعين .. فلأنه مورد العقد, لا لأنه عاقد.
ويستثنى من ذلك صور:
منها: ما لو مات البطن الأول من الموقوف عليهم بعد أن أجر الوقف, فإنها تنفسخ, بمعنى أنا نتبين بطلانها فيما بعد موته, لأن المنافع بعد موته لغيره ولا ولاية له عليه ولا نيابة, إذ البطن الثاني لا يتلقى من الأول, بل من الواقف, فلا ينفذ تصرفه في حق من بعده, وصورتها: أن يشترط الواقف النظر لكل بطن في حصته, فلا نظر له على من بعده.
ومنها: ما لو كان الناظر هو المستحق, ثم أجر الموقوف بدون أجرة مثله, ثم مات في أثناء المدة.
ومنها: ما لو أجر مالك المنفعة بإقطاع, أو وصية ثُمَّ مات.
ومنها: ما لو أجَّر رقيقه المعلَّق عتقُه بصفة, فوجدت مع موته.
وما لو أجَّر مُدبَّره ثمَّ مات, كما اقتضاه كلام الشيخين هنا, لكنهما نقلا عن المتولي في
следующие страницы →