← Фикх шафии

Фикх шафии · id 32197

فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان

شهاب الدين الرملي

Полный текст (924 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

كما أشار إليه البيهقي، واختاره السبكي، وأما إيجار عمر أرض السواد بأجرة مجهولة .. فلما فيه من المصلحة العامة المؤبدة. ولو أجر داراً بعمارتها، أو دابة بعلفها، أو أرضاً بخراجها ومؤنتها، أو بدراهم معلومة على أن يعمرها من عنده، أو على أن يصرفها في العمارة .. لم تصح؛ للجهالة، ولأن العمل في الصرف مجهول، ويرجع بها إن صرفها، فلو أطلق العقد ثم أذن له في الصرف .. جاز كما جزم به الشيخان، قال ابن الرفعة: ولم يخرجوه على اتحاد القابض والمقبض؛ لوقوعه ضمناً، فإن اختلفا في قدر ما أنفق .. ففي المصدق منهما وجهان، أشبههما في "الأنوار": المتفق إن ادعى محتملاً، ولا يجوز جعل الأجرة شيئاً يحصل بعمل الأجير، فلو استأجره ليسلخ بالجلد، أو يطحن ببعض الدقيق أو بالنخالة، أو لترضع رقيقاً ببعضه بعد الفطام، أو ليقطف الثمر بجزء منه بعد القطاف، أو لينسج الثوب بنصفه .. فسد، وله أجرة مثله. [شروط المنفعة] وأما المنفعة .. فلها شروط: الأول: أن تكون محضة مع بقاء العين؛ بألا تتضمن الإجارة استيفاء عين قصداً، ولا استهلاكها؛ إذ هي عقد يراد به المنافع دون الأعيان، فلو استأجر بستاناً لثماره، أو شاة لنتاج أو صوف أو لبن، أو شمعاً للإيقاد له، أو طعاماً للأكل .. لم تصح؛ لما علم من أن الأعيان لا تملك بالإجارة، وقد تستحق بها الأعيان؛ تبعاً للضرورة أو الحاجة؛ كاستئجار بئر أو قناة للانتفاع بمائها؛ لتعذر بيعه، واستئجار المرأة للإرضاع مطلقاً يتضمن استيفاء اللين والحضانة الصغرى؛ وهي: وضع الطفل في الحجر، وإلقامه الثدي، وعصره له بقدر الحاجة. والأصح: أن الأصل الذي يتناوله العقد فيما ذكر فعلها، واللبن تابع لا عكسه؛ لتعلق الأجرة في الآية بفعل الإرضاع لا باللبن، ولأن الإجارة موضوعة لاستحقاق المنافع، فإذا استحقت عين لضرورة .. فهي تابعة؛ كالبئر تستأجر ليستقى ماؤها، والدار تستأجر وفيها بئر ماء يجوز الاستيفاء منها.

стр. 562

والمراد بالنفع: النفع الحالي؛ فلا يجوز اكتراء الجحش الصغير؛ لأن وضع الإجارة على تعجيل المنافع. الثاني: أن تكون مقدورة التسليم حساً وشرعاً؛ كما في البيع، فلا يصح استئجار آبق ومغصوب، وأخرس للتعليم، وأعمى للحفظ، وحائض أو نفساء لتعليم قرآن أو خدمة مسجد إجارة عين، وكذا من لا يحسن القرآن لتعليمه وإن وسع الوقت لتعلمه قبل التعليم؛ لأن المنفعة مستحقة من عينه، والعين لا تقبل التأخير، وأرضٍ للزراعة لا ماء لها دائم ولا يكفيها المطر المعتاد، فإن كفاها، او كان لها ماء دائم، أو ماء ثلج، أو مطر في الجبل والغالب حصوله .. جاز. ولو استأجر أرضاً للزراعة على شط النيل، أو الفرات ونحوهما، بعدما علاها الماء وانحسر، وكان يكفي لزرعها .. جاز، وكذا قبل انحساره إذا كان مرجواً وقت الزراعة عادة، وإن كانت الأرض غير مرئية على المذهب، أو قبل أن يعلوها، ووثق بحصوله كالمد بالبصرة .. صح، وكذا إن كان الغالب حصوله في الأصح. الثالث: أن تكون متقومة؛ ليحسن بذل المال في مقابلتها، فلا يصح استئجار تفاحة للشم، لأنها لا تقصد له؛ فهي كحبة بر في البيع، فإن كثر التفاح .. فالوجه: الصحة؛ لأنهم نصوا على جواز استئجار المسك والرياحين للشم، ومن التفاح ما هو أطيب من كثير من الرياحين، قاله في "الروضة" و"أصلها"، وفرق في "المهمات" تبعاً للسبكي: بأن المقصود من المسك والرياحين الش، ومن التفاح الأكل دون الرائحة. ولو استأجر دراهم أو دنانير وأطلق .. فباطل، أو للتزيين. فكذا في الأصح، أو الأطعمة للتزيين .. فكذا على المذهب، أو الأشجار للتجفيف أو لظلها أو لربط الدواب بها .. فالوجهان، وقال بعضهم: الأصح هنا: الصحة؛ لأنها منافع مهمة، واستئجار الببغاء للاستئناس قال البغوي: فيه وجهان، وقطع المتولي بالجواز، وكذا ما يستأنس بلونه كالطاووس، أو بصوته كالعندليب. واستئجار البياع على كلمة لا تتعب؛ ككلمة البيع .. باطل وإن روجت السلعة؛ إذ لا قيمة لها، قال محمد بن يحيي: هذا في مستقر القيمة؛ كالخبز واللحم، أما الثياب والعبيد، وما يختلف ثمنه باختلاف المتعاقدين .. فللبائع فيه مزيد نفع، فتجوز الإجارة له وأقره

стр. 563

الشيخان, وبه جزم في "الكفاية", وحيث منعنا ولم يتعب .. فلا أجرة له, وإن تعب بكثرة التردد والكلام .. فله أجرة المثل لا ما تواطأ عليه البياعون. الرابع: حصولها للمستأجر لا للمؤجر; لئلا يجتمع العوضان في ملك واحد, فلو قال: (اكتريت دابتك لتركبها بمئة) .. لم يصحَّ, ولا يصح استئجار مسلمِ لجهاد, ولا لعبادة تجب لها نية, إلا لنحو حج, وتفرقة زكاة, وذبح أضحية, ويصح لفرض كفايةِ, كتجهيز ميت ودفنه, وتعليم قرآن, وكذا إن تعين عليه في الأصح, ولشعارِ كأذان في الأصح, والأجرة للأذان بجميع صفاته في الأصح, لا الإقامة في صلاة فرض, وكذا نفل في الأصح, ولا لقضاء أو تدريسِ, وجَوَّزه الإمام لتعليم معيَّن مسألةَ أو مسائل مضبوطة, وحمل إطلاقهم المنع على غيره, وكذلك يمتنع استئجار من يقرئ. الخامس: العلم بها عيناً وقدراً وصفةَ, كما في البيع, فإذا لم يكن للعين إلا منفعة .. حمل العقد عليها, أو منافع .. وجب البيان, فلا يصح إيجار أحد الشَّيئين مبهماً, لا إيجار ما تعددت منفعته بلا تعيين. نعم, لو قال في إجارة الأرض: (إن شئت فازرع, وإن شئت فاغرس) , أو قال: (أجرتكها لتنتفع بها ما شئت) .. صحَّ, بخلاف ما لو قال: (أجَّرتك الدابة لتحمل عليها ما شئت) للضرر, فلا يصحُّ إيجار العين الغائبة, ولا إيجارٌ بلا تقديرِ للمنفعة, وتقديرها إما بمدة, كسكنى دارِ سنةّ, أو بعملِ كخياطة ذا الثَّواب, ثم قدر يتعين الطريق الأول كاستئجار العقار, فإن منفعته لا تنظبط إلا بالزمان, وكالإرضاع, فإن تقدير اللَّبن لا يمكن, ولا سبيلَ فيه إلا الضَّبط بالزمان, ويجب فيه تعيين الصبي, الاختلاف الغرض باختلافه, وتعيين موضع الإرضاع أهو بيته أم بيتها؟ وقد تتأتى الطريقان كما إذا استأجر عين شخص أو دابة, فيمكن أن يقول في الشخص: (لتعمل لي كذا شهرًا) , أو (تخيط لي هذا الشهر) , وفي الدابة: (لأتردد عليها في حوائجي يوماً) , أو (لأركبها إلي موضع كذا). قوله: (علما) أي: شرط المدة والعمل: أن يكونا معلومين للمتعاقدين. قوله: (وجمع ذين أبطل) أي: أبطل أنت جمع الزَّمان والعمل في الإجازة, كأن استأجره ليَخِيط ذا الثَّوب اليوم, إذ تمام العمل قد يتقدم عن آخر النهار أو يتأخر, فعلم أن (أو) في

стр. 564

قوله: (بمدة أو عمل) للتخيير نحو: تزوَّج عائشةَ أو أختها, لا للإباحة, نحو: جالس الحسنَ أو ابن سيرين, إذ يمتنع الجمع فيه دونها. ] جواز الحلول والتأجيل في الإجارة [ قوله: (تجوز بالحلول والتأجيل) أي: تجوز الإجارة بالحلول, أو التأجيل للأجرة في إجارة العين إذا كانت في الذَّمة, كالثَّمن في البيع, فلا يشترط تسليمها في المجلس, ويجوز الاستبدال عنها, والحوالة بها وعليها, والإبراء منها كالثمن, وسيأتي الكلام على أجرة إجارة الذَّمة, ويجوز التَّأجيل للمنفعة في إجارة الذَّمة, كـ (ألزمت ذمتك الحمل إلى مكة غرة شهر كذا) , وإن أطلقت .. فحالَّةٌ. ولا تؤجل في إجارة العين, كـ (أجرتك الدار سنةَ أولها غداً) , لأن منفعتها في الغد غير مقدورة التَّسليم في الحال, لكن تجوز إجارة العين ليلاً لعملِ لا يعمل إلا نهارًا إذا لم يصرح بالإضافة لأول المدة, وإجارة عين الشَّخص للحجَّ عند خروج الناس وإن كان قبل أشهره, إذا لم يتأت الإتيان به من بلد العقد إلا بالسَّير قبله, أو في أشهره ليحرم من الميقات, وإجارة دارِ ببلد آخر على الأصح عند النووي, وإن كان التسليم لا يتأتَّى إلا بقطع المسافة, ودارِ مشحونة بأمتعة يمكن الاشتغال بنقلها في الحال على الأصح, إن أمكن تفريغها في مدَّةِ لا أجرة لها, وإلا .. فلا. ولو أجَّر داره مثلًا لزيدِ سنةَ, ثمَّ في المدَّة أجرها السنةَ الثانية لغيره .. لم يجز, أو له .. جاز في الأصح, لاتصال المدَّتين. ويصحُّ كراء العقب في الأصح وهو: أن يؤجِّر رجلاً دابة ليركبها بعضَ الطريق, أو رجلين ليركبها هذا زمانًا وذاك زماناً, ويُبيِّن البعضين, ثمَّ يقتسمان, فإن انضبطت الطريقُ عادة, كيوم ركوب ويوم مشي, أو فرسخ وفرسخ .. حُمِلَ العقد عليه, وليس لواحد طلب ركوب ثلاثٍ ومشي ثلاثٍ, وإن لم تكن عادةٌ مضبوطةٌ .. وجب البيان, وإن اختلفا في البدأة .. أقرع بينهما, وإن أكراهما وأطلق واحتملت ركوبَهما معاً .. ركبا, وإلاَّ .. فبالمهايأة. قوله: (ومطلق الأجر على التَّعجيل) أي: ومطلق الأجر, بأن لم يقيد بتعجيل ولا تأجيل .. يُحمل على التعجيل, كالثمن, فإن قيد بتعجيل أو تأجيل .. فهو كما قيَّد, وإلاَّ إذا كان لا يَحتمل التأجيل, بأن كان مُعيَّناً .. فيتعين تعجيله, فلا يجوز تأجيله. ويملك المؤجَّر الأجرة بنفس العقد سواءٌ كانت في الذَّمة أم معينةً.

стр. 565

[بطلان الإجارة بتلف العين لا بموت العاقد] قوله: (تبطل إذ تتلف عين مُؤجرة) أي: تبطل الإجارة إن تلفت العين المؤجَّرة, كدار أو دابة معيَّنة فيها, لفوات محل المنفعة, هذا في الزمن المستقبل بخلاف الماضي, إن كان لمثله أجرة, لاستقراره بالقبض, فيستقر قسطه من المسمَّى باعتبار أجرة المثل, وكما تبطل الإجارة بتلف العين المؤجرة يثبت الخيار بعيبها. وخرج بما ذكر: العين في إجارة الذَّمة فلا تبطل بتلفها, ولا يثبت الخيار بعيبها, بل على المؤجَّر إبدالها, والدابة المسلمة عما في الذمة يثبت للمستأجر فيها حق الاختصاص, حتى يجوز له إيجارها, والأصح: أنه ليس للمؤجر إبدالها, وللمستأجر الاعتياض عن حقه فيها لا قبل تسلمها. قوله: (لا عاقد) أي: لا تبطل الإجارة بموت عاقديها أو أحدهما, بل إن مات المكتري .. خلفه وارثه في استيفاء المنفعة, أو المكري .. تركت العين المكتراة عند المكتري إلى انقضاء المدة, وإن كانت الإجارة في الذمة .. فما التزمه دين عليه, فإن وفت به التركة .. اكترى منها, وإلا .. فإن وفاه الوارث .. تقرر الأجر, أو لم يوفِّه .. فسخ المكتري, وأما انفساخها بموت الأجير المعين .. فلأنه مورد العقد, لا لأنه عاقد. ويستثنى من ذلك صور: منها: ما لو مات البطن الأول من الموقوف عليهم بعد أن أجر الوقف, فإنها تنفسخ, بمعنى أنا نتبين بطلانها فيما بعد موته, لأن المنافع بعد موته لغيره ولا ولاية له عليه ولا نيابة, إذ البطن الثاني لا يتلقى من الأول, بل من الواقف, فلا ينفذ تصرفه في حق من بعده, وصورتها: أن يشترط الواقف النظر لكل بطن في حصته, فلا نظر له على من بعده. ومنها: ما لو كان الناظر هو المستحق, ثم أجر الموقوف بدون أجرة مثله, ثم مات في أثناء المدة. ومنها: ما لو أجر مالك المنفعة بإقطاع, أو وصية ثُمَّ مات. ومنها: ما لو أجَّر رقيقه المعلَّق عتقُه بصفة, فوجدت مع موته. وما لو أجَّر مُدبَّره ثمَّ مات, كما اقتضاه كلام الشيخين هنا, لكنهما نقلا عن المتولي في

стр. 566

(كتاب الوقف) بقاء إجارتهما, قال السبكي: وما ذكراه هنا أصحُّ. قوله: (لكن بغضب خيره) أي: خير الشَّارع المستأجر بغضب العين المؤجَّرة, أو إبقاءها في الإجارة العينية إذا لم تنقض المدَّة فيهما, وإلاَّ .. فتفسخ الإجارة, ومثلُ الغصب في ثبوت الخيار للمستأجر كلُّ نقصٍ بها تتفاوت به الأجرةُ, كمرض الدَّابة, وانكسار دعائم الدار, وانهدام بعض جدرانها, هذا إذا لم ببادر المؤجَّر إلى إزالة ذلك قبل مضي مدَّةٍ لمثلها أجرة, وإلا .. فلا خيارَ للمستأجر, لزوال موجبه, فإن كانت الإجارة في الذَّمة .. فلا خيار ولا انفساخ، بل على المؤجِّر الإبدال. ] ... شرط إجارة الذمة [ قوله: (والشرط في إجارة في الذِّمم تسليمها) أي: الأجرة في مجلس لعقدها وحلولها, كالسَّلم, أي: كرأس مال السَّلم, لأنَّ الإِجارة في الذمة سلَمٌ فى المنافع, وإن لم تعقد بلفظه .. فلا يجوز لمالك هذه الأجرة استبدالٌ عنها, ولا الإبراء منها, ولا الحوالة بها, ولا عليها. ] ... ضمان الأجير بالعدوان [ قوله: (ويضمن الأجير) أي: العين المؤجَّرة بالعدوان, أي: بتعدَّيه فيها, كأن ضرب الدابة, أو نخعَها باللجام فوق العادة, أو أركبها أثقل منه, أو اكتراها لحمل مئة رطل حنطة فحملها مئة شعير, أو عكس, أو لعشرة أقفزةٍ شعيراً فحملها حنطةً، أو نام ليلاً في الثوب أو ألبسه من هو دونه كقصار أو دبَّاغٍ, أو أسكن أضرَّ منه كقصَّارٍ أو حدَّادٍ. قوله: (ويده فيها يد ائتِمان) أي: على ما اكتراه ولو بعد مدة الإجارة, سواءٌ أكان منفرداً وهو المعيَّن, أم مشتركاً وهو الملتزم للعمل في ذمته, إذ ليس أخذه العين لغرضه خاصةً فأشبه عامل القِراض. قوله: (والأرض إن أجَّرتها بمطعم) أي: طعام أو غيره, كذهب أو فضة .. صحَّت, أي: إجارتها, لأن الإجارة كالبيع, فكلُّ ما صحَّ بيعه بالطعام وغيره صحَّت إجارته بذلك ولو كانت في الذمة, وقد علم مما مر أنه يشترط العلم بالأجرة. قوله: (لا شرط جزء) يعني: لا تصحُّ الإجارة بشرط جزءِ معلوم من محل العمل يستحقُه من بعد العمل, كشرط جزء من ريع الأرض لزراعها, وصاعٍ من دقيق الحنطة وجلد الشَّاة لسالخها, ونصف رقيق لمرضعته, لأنَّه- ﷺ (نهى عن قفيز الطَّحَّان) رواه

стр. 567

البيهقي بإسنادٍ حسنٍ, وفسروه استئجار الطَّحَّان على طحن الحنطة ببعض دقيقها, ولأنَّه جعل الأجرة ممَّا يحصل بعمل الأجير وهي غير مقدور عليها في الحال, وللجهل بها حينئذ, أما إذا كان قبل العمل, كأن استأجره لطحن الحنطة بصاع منها, أو لإرضاعِ الرَّقيق بنصفه الآن .. فيجوز. قوله: (ولا بقدر شبعه) أي: لا يصحُّ الإجارة بقدر شبع الأجير, ولا بغدائه وعشائه, لأنَّه غير معلوم, وقد علم مما مر أنَّ الأجرة لا بدَّ أن تكون معلومة. قوله: (والأرض) بالرفع والنصب, والألف في قوله: (جزء علما) للإطلاق. * * *

стр. 568

بابُ الجُعَالة بتثليث الجيم كما قاله ابن مالك وغيره, وهي لغة: اسم لما يجعل للإنسان على فعل شئ, وكذا الجعل والجعيلة, وشرعاً: التزام عوض معلوم على عمل معين معلوم أو مجهول. والأصل فيها: الإجماع, وخبر اللديغ الذي رقاه الصحابي بـ (الفاتحة) على قطيع من الغنم كما في "الصحيحين" ] ... أركان الجعالة وما يشترط في كل منها [ وأركانها: عاقد, وصيغة, وعمل, وجعل؛ كما يؤخذ من كلامه حيث قال: (صِحَّتُهَا مَن مُطلَقِ التَّصَرُّفِ ... بِصِيغَةٍ, وَهيَ بِأَن يَشرِطَ فِي) (رُدُودِ آبِقٍ وَمَا قَد شَاكَلَه ... مَعلُومَ قَدرِ, حَازَةُ مَن عَمِلَه) (وَفَسخُهَا قَبلَ تَمَامِ اُلعَمَلِ ... مِن جَاعِلٍ عَلَيهِ أَجرُ اُلمِثلِ) الأول: العاقد؛ فشرطه: أن يكون مطلق التصرف؛ بأن يكون بالغاً عاقلاً غير محجور عليه بسفهٍ، فلا يصح التزام الصبي وزوائل العقل بما لم يتعدَّ به والسفيه, ولا شيء للراد عليهم. وأما العامل إذا كان معيَّناً .. فيشترط فيه كما في "الروضة" و "أصلها" أهلية العمل فيدخل فيه العبد وغير المكلف؛ كما قاله السبكي وغيره, ويخرج عنه العاجز عن العمل كصغير لا يقدر عليه؛ لأن منفعته معدومة, فأشبه استئجار الأعمى للحفظ, كما قاله ابن العماد. عامّاً أم خاصّاً؛ كقوله: (من ردَّ آبقي-أو آبق زيد مثلاً-فله درهم) , ولا يشترط القبول لفظاً وإن كان العامل معيناً, فلو رد آبقاً أو ضالاً بغير إذن مالكه, أو بإذن بلا التزام .. فلا شيء له, ولو قال لزيد: (إن رددته فلك دينار) , أو (رده ولك دينار) , فرده عمرو .. فلا شيء له,

стр. 569

ولو رده عبد زيد .. استحقه زيد, أو وكيله أو مكاتبه .. فلا شيء لواحد منهم؛ لأن النيابة لا تجري فيها. ولو قال: (من رده .. فله كذا) فرده من لم يبلغه النداء .. لم يستحق وإن اعتقد أن مثل هذا العمل ملزم لا يحبط. ولو قال: (إن رده زيد .. فله كذا) فرده زيد جاهلاً بإذنه .. لم يستحق، ولو التزام غير المالك وقال: (من رد عبد زيد .. فله كذا) .. استحقه الراد على القائل. ولو قال كاذباً: (قال فلان: من رد عبدي .. فله كذا) , فرُد .. لم يستحق الراد لا على المالك ولا على القائل ولو كان صادقاً, فإن كان ممن يعتمد قوله .. استحقه على المالك, وإلا .. فكأن لا خبرَ؛ فلا يستحق على أحد, ولو شهد المخبر على المالك بالإذن وكان عدلاً .. لم يقبل. الثالث: العمل, وهو كل أمر فيه كفلة أو مؤنة؛ كرد آبق أو ضال, أو حج أو خياطة, أو تعليم علم أو حرفة, أو إخبار فيه تعب, فلو قال: (من رد مالي .. فله كذا) فرده من هو في يده .. استحقه, أو (من دلني عليه) فدله من هو في يده .. لم يستحق, أو غيره .. استحق, وما شرط في عمل الإجارة .. شرط في عمل الجعالة, إلا كونه معلوماً. الرابع: الجعل, ويشترط كونه معلوماً, وشروطه إن كان معيناً: شروط المبيع المعين, وإن كان في الذمة: شروط المبيع في الذمة, فلو قال: (من رد عبدي .. فله ثوب) أو (دابة) , أو (أُرضيه) أو (أعطيه شيئاً) .. فسدت واستحق أجرة المثل؛ وكذا لو جعله خمراً أو خنزيراً أو مغصوباً. ولو قال: (فله سلبه) أو (ثيابه): فإن كانت معلومة أو وصفها بما يفيد العلم .. استحقها, وإلا .. فأجرة المثل. ولو قال: (من رده من بلد كذا) .. فله دينار, فرده من نصف الطريق .. استحق نصف المسمى, أو من ثلثه .. فثلثه ... وهكذا, أو من أبعد منه .. فلا شيء للزيادة. وقول الناظم: (شاكله) أي: ماثله. قوله: (حازه) أي: جمعه؛ يعني: مَلَكه؛ أي: العوضَ من عمل العمل جمعيه بنفسه أو بعبده, أو بمعاون له بعد بلوغه النداء, فلا يستحق من لم يتم العمل؛ كأن رد الآبق فمات على باب دار مالكه, أو غُصِب أو هرب؛ إذ لم يحصل شيء من المقصود, بخلاف ما إذا

стр. 570

اكترى من يحج عنه .. فأتى ببعض الأعمال ومات؛ حيث يستحق من الأجرة بقدر ما عمل؛ لأن المقصود من الحج الثواب وقد حصل ببعض العمل. نعم؛ إن وقع العمل مسلَّماً أو ظهر أثره على المحل .. استحق بقسطه من الجعل. والجعالة جائزة من الجانبين ما لم يتم العمل؛ لأنها تعليق استحقاق بشرط كالوصية, فتفسخ بفسخ أحدهما وجنونه وإغمائه وموته, ولا شيء لما عمله بعد موت المالك, ولا أثر للفسخ بعد تمام العمل, فإن فسخ العامل قبل تمامه .. فلا شيء له, إلا أن يكون بسبب زيادة الملتزِم في العمل, وإن فسخ الجاعل .. لزمه أجرة مثل ما قبل الفسخ. * * *

стр. 571

بابُ إحياء المَوات هو مستحب ويحصل به الملك, و (الموات): الأرض التي لم تعمر, أو عمرت جاهلية, ولا هي حريم لمعمور. والأصل في إحيائه قبل الإجماع: أخبار؛ كخبر: "من عمر أرضاً ليست لأحد .. فهو أحق بها" رواه البخاري, وخبر: "من أحيا أرضاً ميتة .. فهي له, وليس لعرق ظالم حق" رواه الترمذي وحسنه, وخبر: "من أحيا أرضاً ميتة .. فله بها أجر, وما أكلت العوافي منها .. فهو صدقة" رواه النسائي وغيره, وصححه ابن حبان, و (العوافي): طلاب الرزق. (يَجُوزُ لِلمُسِلمِ إحيَا مَا قَدَر ... إذ لاَ لِمِلكِ مُسلِمٍ بِهِ أَثر) (بمَا لإِحيَاءِ عِمَارَةِ يُعَد ... يَختَلِفُ الحُكمُ بحَسبِ مَن قَصَد) (وَمَالِكُ البِئرِ أَوِ العَينِ بَذَل ... عَلَى المَوَاشِي لاَ الزُّرُوعِ مَا فَضَل) (والمَعدِنِ الظَّاهِرِ فَهوَ الخَارِج ... جَوهَره مِن غيرِ مَا يُعَالَجُ) (كَالنِّفطِ وَالكِبرِيتِ ثُمَّ القَارِ ... وَسَاقِطِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ) ] ... شرط المحيي والمحيا [ أي: يجوز للمسلم إحياء ما قدر على إحيائه من كل أرض لم ير بها أثر ملك مسلم؛ من عمارة وغيره, ولا دل عليها دليل؛ كأصل شجر, أذن له فيه الإمام أو لم يأذن. وخرج بقوله: (للمسلم): الكافر, فلا يجوز له ذلك وإن أذن فيه الإمام؛ لما فيه من الاستعلاء, وروى الشافعي رضي الله تعالى عنه خبر: "عاديُّ الأرض لله ولرسوله, ثم هي لكم مني أيها المسلمون"

стр. 572

وللكافر غير الحربي الاصطياد والاحتطاب, والاحتشاش في دار الإسلام. وبقوله: (إذ لا لملك مسلم به أثر) ما كان معموراً, فإن عرف مالكه .. فهو له مسلماً كان أو ذمياً أو لوارثه, فإن لم يعرف: فإن كانت عمارة إسلامية .. فحكمها حكم الأموال الضائعة؛ للإمام حفظها إلى ظهور مالكها, أو بيعها وحفظ ثمنها, أو استقراضه على بيت المال, وإن كانت جاهلية .. ملكها المسلم بإحيائها كالركاز؛ لأنه لا حرمة لملك الجاهلية, وإن كانت الأرض الموات ببلاد كفار دارِ حرب أو غيرها .. فلهم إحياؤها؛ لأنه من حقوق دارهم ولا ضرر علينا فيه, فملكوه بالإحياء كالصيد, وكذا المسلم إن كانت مما لا يدفعون المسلمين عنها؛ كموات دارنا, وإلا .. فليس له إحياؤها؛ كالعامر من دارهم. وقول الناظم: (إحيا) بالقصر؛ للوزن. ] ... ما يحصل به الإحياء [ ويحصل الإحياء بكل ما يعد عمارة للمحيي في العرف, ويختلف الإحياء بحسب غرضِ المحيي وقصدهِ؛ تحكيماً للعرف. فإن أراد مسكناً .. اشترط لحصول الملك التحويط باللبن أو الآجر, أو الطين أو الخشب, أو القصب وتسقيف البعض, ونصب الباب. أو زريبة للدواب , أوحظيرةً لتجفيف الثمار أو لجمع الحطب أو العلف فيها .. اشترط التحويط ونصب الباب لا التسقيف, ولا يكفي نصب سعف وقصب وأحجار من غير بناء, ولا حفر خندق, ولا التحويط في طرف, ونصب الأحجار أو السعف في طرف. أو مزرعةً .. اشترط جمع التراب أو القصب أو الحجر, أو الشوك حولها, وتسوية الأرض بطم المنخفض وكسح المستعلي وحراثتها وتليين ترابها, فإن لم يتيسر ذلك إلا بما يساق إليها .. فلا بد منه؛ لتهيَّأ للزراعة, وترتيب مائها بشق ساقية من نهر, أو حفر بئر, أو قناة إن لم يكفها المطر المعتاد, وإن كفاها .. فلا, وحبس الماء عنها إن كانت من البطائح, ولا يشترط التحويط, ولا إجراء الماء ولا الزراعة. أو بستاناً .. اشترط جمع التراب حول الأرض؛ كالمزرعة إن لم تجر العادة بالتحويط, والتحويط حيث جرت العادة به, وتهيئة ماء كما سبق في المزرعة, ويشترط الغرس.

стр. 573

] ... وجوب بذل الفاضل عن حاجة مالك البئر أو العين [ ويجب على مالك البئر أو العين أو نحوها بذل الفاضل عن حاجته لماشية غيره مجاناً؛ لحرمة الروح بشرط ألاَّ يجد مالكها ماءً آخرَ مباحاً, وأن يكون هناك كلأ ترعاه, وأن يكون الماء في مستقره, وأن يفضل عن مواشيه وزرعه وأشجاره, وألا يتضرر بورود المواشي في زرع أو غيره, ولا يجب بذله للزرع. ويجب على السابق إلى المعدن الظاهر, وهو ما خرج جوهره بلا علاج, وإنما العلاج في تحصيله؛ كالنَّفط بكسر النون أفصح من فتحها, والكِبريت بكسر أوله, وهو عين تجري ويضيء في معدنه, فإذا فارقة .. زال ضوؤه, والقار وهو الزفت, والملح والكحل والجص .. ألاَّ يمنع غيره من الفاضل عن حاجته, قال الإمام: هو ما تقتضيه العادة لأمثاله فيما إذا ضاق نيله, ولو طلب زيادة عليها .. أزعج, فإن جاءا إليه معاً .. أقرع, فإنه لا يملك بإحياء ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع, وكذا الواصل إلى شيء من المباحات؛ كالصيد والسمك. وما نبت في الموات من الكلأ والحطب, وكذا ما يسقطه الناس ويرمونه رغبة عنه, وما ينتثر من الزرع والثمار من سبق إلى شيء منه .. فهو أحق به من غيره. والمعدن الباطن: ما كان مستتراُ لا يظهر جوهره إلا بالعمل؛ كالذهب والفضة, والفيروزج والياقوت, والعقيق والرصاص, والنحاس والحديد يملكه بالإحياء, ولا يملكه بالحفر والعمل وأخذ النَّيل وإن ملك النَّيل به. ولو أحيا مواتاً فظهر فيه معدن باطن أو ظاهر لم يعلمه عند الإحياء .. ملكه, وإن علمه .. لم يملكه. ] حكم الوقوف في الشوارع ونحوها والجلوس فيها [ ويجوز الوقوف في الشوارع والجلوس؛ للمعاملة والحرف وغيرها إن لم يضيق على المارة, والسابق إلى مكان منها أحق به؛ كالمقطع له إلى أن يفارقه تاركاً لحرفته, أو منتقلا إلى غيره, أو منقطعاً عنه معاملوه, وكذا الأسواق المقامة في كل أسبوع أو شهر مرة, إذا اتخذ فيها

стр. 574

مقعداَ .. كان أحق به في النوب الآتية, والجوال الذي يقعد كل يوم في موضع من السوق يبطل حقه بالمفارقة. ولو جلس في مسجد ليقرأ عليه القرآن أو نحوه, أو ليستفتى .. فالحكم كما في مقاعد الأسواق, أو لصلاة .. لم يصر أحق به في غيرها, وهو أحق به فيها وإن فارقه لعذر. و (ما) في قول الناظم: (من غير ما يعالج) موصول حرفي؛ أي: من غير علاج * * *

стр. 575

بابُ الوَقف هو لغة: الحبس, يقال: وقفت كذا؛ أي: حبسته, ويقال: أوقفته في لغة رديئة, وشرعاً: حبس مال يمكن الانتفاع به مع عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح. والأصل فيه: خبر مسلم: "إذا مات ابن آدم .. انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له", والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف. وأركانه أربعة: واقف, وموقوف, وموقوف عليه, وصيغة؛ وقد أشار إليها فقال ﵀: (صحَّتُهُ مَن مَالِكٍ تَبَرَّعَا ... بِكُلَّ عّينٍ جَازَ أّن يُنتَفَعَا) (بهَا مَعَ البَقَا مُنَجَّزاً عَلَى ... مَوجُودٍ ان تَملِيكُهُ تَأَهَّلاَ) (وَوَسَطٌ وَآخِرٌ إِنِ انقَطَع ... فَهوَ إِلى أَقرَبِ وَاقِفٍ رَجَع) (وَالشَّرط فِيمَا عَمَّ: نَفيُ المَعصِيه ... وَشَرطَ (لاَ يُكرَى) اتَّبِع, وَالتَّسوِيَه) (وَالضَّدُّ وَالتَّقدِيمُ وَالتَّأخُّرُ ... نَاطِرُهُ يَعمُرهُ وَيُؤجِرُ) (وَالوَقفُ لاَزِمٌ, وُمِلكُ البَارِي ... أَلوَقفُ, وَالمَسِجدُ كَالأَحرَارِ) ] أركان الوقف وشروطها [ الأول: الواقف, وشرطه: أن يكون مالكاً للتبرع في رقبة الموقوف, فلا يصح من الصبي والمجنون والولي في مالهما, ولا من المحجور عليه بالسفه والفلس, ولا من المستأجر والموصى له بالمنفعة مؤقتاً أو مؤبداً. الثاني: الموقوف, وشرطه: أن يكون عيناً معينة مملوكة قابلة للنقل يحصل منها عين, أو منفعة يستأجر لها غالباً, فلا يصح وقف المنفعة المجردة, ولا وقف الجنين, ولا أحد عبديه, ولا وقف ما لا يملك, ولا وقف الحر نفسه, ولا وقف أم الولد والمكاتب

стр. 576

والموقوف, وآلات الملاهي والكلب المعلم, ولا وقف الطعام والرياحين المشمومة, ولا وقف الدراهم والدنانير. ويصح وقف العقار والمنقول, والشائع والمقسوم, والمصائد والعيون, والآبار للماء, والأشجار للثمار, والبهائم للبن والصوف والوبر والبيض والإنزاء, والعبد والمهر والجحش الصغار, والزَّمِن المرجوَّ الزوال. ] ... شروط الوقف [ وشروط الوقف أربعة: الأول: التنجيز, فلو علق لفظاً كقوله: (إذا قدم فلان فقد وقفت كذا) , أو ضمناً ويسمى منقطع الأول؛ كقوله: (وقفت على من سيولد لي) , أو (على مسجد سيبنى, ثم على الفقراء) , أو (على ولدي- ولا ولد له- ثم على الفقراء) , أو (على نفسي ثم على الفقراء) .. فسد. الثاني: التأبيد؛ بأن يقف على من لا ينقرض؛ كالفقراء والعلماء, والمساجد والقناطر والربط, أو على من ينقرض ثم على من لا ينقرض؛ كزيد ثم الفقراء, فلو قال: (وقفت هذا سنة) مثلاً .. لم يصح, أما منقطع الوسط والآخر .. فسيأتي. الثالث: الإلزام, فلو وقف بشرط الخيار أو أن يبيعه, أو أن يرجع فيه متى شاء, أو يحرم من شاء, أو يزيده أو يقدمه أو يؤخره .. لم يصح. الرابع: بيان المصرف, فلو اقتصر على قوله: (وقفت كذا) , أو (وقفت على من أشاء) .. لم يصح. الركن الثالث: الموقوف عليه: فإن كان شخصاً معيناً, أو جماعة معينين .. فالشرط أن يمكن تمليكه, فيصح على الذمي والمدرسة والمسجد والرباط, ولا يصح على الحربي والمرتد, ولا على الجنين إلا تبعاً, ولا على العبد نفسه, والوقف عليه مطلقاً .. وقف على سيده. ] صيغة الوقف [ الركن الرابع: الصيغة؛ نحو: (وقفت كذا على كذا) , أو (حبسته) , أو (سبّلته) , أو (جعلته وقفاً) أو (أرضي موقوفة) , أو (حبيسة) , أو (محبسة) , أو (مسبلة) , أو

стр. 577

(تصدقت على فلان صدقة محرمة) , أو (محبسة) , أو (حبيسة) , أو (موقوفة) , أو (صدقة لا تباع ولا توهب) , أو (تصديق على فلان ما حيي, فإذا مات .. فعلى الفقراء). ولو قال: (تصدقت) .. لم يحصل به الوقف, إلا أن يضيف إلى جهة عامة؛ كالفقراء وينوي الوقف فيحصل به. وقوله: (جعلت البقعة مسجداً) .. تصير به مسجداً, والأصح: أن الوقف على معين يشترط فيه قبوله؛ نظراً إلى أنه تمليك, فليكن متصلاً بالإيجاب؛ كالهبة. والوقف إن انقطع وسطه؛ كـ (وقفت على أولادي ثم بهيمة- أو رجلٍ أو عبدِ فلانٍ نَفسِهِ- ثم الفقراء) , أو انقطع آخره؛ كـ (وقفت على أولادي) ولم يزد .. فهو إلى الأقربِ لواقفٍ يومَ الانقطاع رجع, فيصير وقفاً عليهم؛ لأن وضع الوقف القربة ودوام الثواب, وأوله موجود صحيح, فيدام سبيل الخير والصدقة على الأقارب أفضل؛ لما فيه من صلة الرحم. والمعتبر قرب الرحم لا الإرث, فيقدم ابن البنت على ابن ابن الابن وعلى ابن العم, ويختص بفقرائهم على الأصح, لكن هل يختص بهم وجوباً أو ندباً؟ وجهان, أصحهما: أولهما؛ وهو قضية كلام الجمهور كما قال الأذرعي, فإن عدمت أقاربه .. فالمنصوص في "البويطي": أن الإمام يصرف ريعه إلى مصالح المسلمين, وقال سليم الرازي والمتولي وغيرهما: يصرف إلى الفقراء والمساكين. ومحل ما ذكره: في منقطع الوسط إذا أمكنت معرفة أمد الانقطاع, أما إذا وقف على زيد ثم رجل مجهول ثم الفقراء .. فإنه بعد زيد يصرف إلى الفقراء, ولا أثر لهذا الانقطاع, صرح بذلك ابن المقري؛ أخداً من تفريع "الروضة" كـ"أصلها" له على القول بصحة منقطع الأول. ] شرط صحة الوقف على الجهة العامة [ والشرط في صحة الوقف على جهة عامة: عدم المعصية؛ بأن كانت جهة قربة؛ كالمساكين والحجاج, والمجاهدين والعلماء والمتعلمين, والمساجد والمدارس, والربط والخانقات والقناطر, أو جهة لا تظهر فيها القربة؛ كالأغنياء. فإن كانت جهة معصية؛ كعمارة الكنائس والبِيَع, وكتابة التوراة والإنجيل .. لم يصح؛ لأنه إعانة على معصية.

стр. 578

] وجوب اتباع شرط الواقف [ واتبع أنت وجوباً شرط الواقف ألاَّ يُكرى الموقوف أصلاً, أو أكثر من سنة مثلاً. وأفتى ابن الصلاح بأنه إذا شرط ألاَّ ي﴾ جر أكثر من سنة, ولا يُورَد عقد على عقد فخرب, ولم تمكن عمارته إلا بإيجاره سنين .. أنه يصح إيجاره سنين بعقود متفرقة؛ لأن المنع حينئذ يفضي إلى تعطيله وهو مخالف لمصلحة الوقف, ووافقه السبكي والأذرعي, إلا في اعتبار التقييد بعقود متفرقة فرداه عليه. وإذا شرط منه الإجارة وكان الوقف على جماعة .. تهايؤوا في السكن, وأقرع بينهم, قاله الجُورِي. واتبع وجوباً شرط الواقف: التسويةَ بين الذكور والإناث, والضد وهو تفضيل الذكور على الإناث أو عكسه, فلو أطلق .. حمل على التسوية, والتقديمَ؛ كتقديم البطن الأول على الثاني, والتأخرَ؛ كمساواته له كسائر شروطه. ] لزوم الوقف [ والوقف لازم, فلا يفتقر إلى قبض ولا إلى حكم حاكم به , ووظيفة ناظره الإجارة والعمارة, وتحصيل ريعه وقسمته, وحفظ أصوله وغلاته على الاحتياط, فإن عين له بعض هذه الأمور .. اقتصر عليه, ويجوز أن ينصب واحداً لبعض هذه الأمور, وآخر لبعض آخر. ولو نصب اثنين .. لم يستقل أحدهما. ورقبة الموقوف ملك الباري ؛ أي: ينفك عن اختصاص الآدمي كالعتق, فلا يكون للواقف ولا للموقوف عليه, ومنافعه ملك للموقوف عليه يستوفيها بنفسه وبغيره, والمساجد والجوامع كالأحرار؛ لأنها تملك ويوقف عليها. والألف في قول الناظم: (ينتفعا) مبنياُ للمفعول أو الفاعل, و (تأهلا) للإطلاق, وقصر (البقا) للوزن, وقوله: (موجود ان) بدرج الهمزة للوزن, وقوله: (وشرطُّ) بالنصب ويجوز رفعه, وقوله: (والشرطُ) مرفوع بالابتداء, وما بعده معطوف عليه وخبره محذوف؛ أي: كذلك؛ أي: اتبع شرط الواقف فيها.

стр. 579

بابُ الهِبَة هي شاملة للصدقة والهدية, وهي تمليك بلا عوض: فإن ملك محتاجاً أو لثواب الآخرة .. فصدقة, وإن نقله إلى مكان الموهوب له إكراماً له .. فهدية, فكل من الصدقة والهدية هبة ولا عكس, وغيرهما اقتصر فيه على اسم الهبة, وانصرف الاسم عند الإطلاق إليه, ومن ذلك ما سيأتي في كلامه من اشتراط الصيغة فيها. والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: (فَإِن طِبنَ لَكُم عَن شَيءٍ مِنهُ نَفسًا فَكُلُوُه هَنِيئًا مَرِيئَا) , وأخبار؛ كخبر "الصحيحين": "لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة" أي: ظلفها, وفي البخاري: "لو دعيت إلى كراع .. لأجبت, ولو أهدي إليَّ كراع .. لقبلت" (تصح فيما بيعه قد صحا ... واستثن نحو حبتين قمحا) (بصيغة, وقوله: (أعمرتكا ... ما عشت) أو (عمرك) أو (أرقبتكا)) (وإنما يملكه المتهب ... بقبضه والإذن ممن يهب) (ولا رجوع بعده إلا الأصول ... ترجع إذ ملك الفروع لا يزول) ] ضابط ما تصح فيه الهبة وما يستثنى منه [ تصح الهبة فيما قد صح بيعه من باب أولى, فإن بابها أوسع, ويستثنى منه صور, منها: الموصوف في الذمة يصح بيعه ولا تصح هبته. وما لا يصح بيعه؛ كمجهول ومغضوب وآبق وضال, لغير قادر على انتزاعها .. لا تصح هبته؛ بجامع أنهما تمليك في الحياة, واستثن نحو حبتين من الحنطة من المحقرات؛ فإنها لا يصح بيعها وتصح هبتها. ويستثنى أيضاً صور, منها: لا يصح بيع جلد الأضحية ولحمها, وما تحجره المتحجر, ونوبة إحدى الضرتين للأخرى, وما أخذه المتبسط من طعام الغنيمة وتصح هبة كلٍّ منها,

стр. 580

ولا بيع الكلب ونحوه, وجلد الميتة قبل الدباغ, والدهن النجس, ويصح هبة كلٍّ منها على معنى نقل الاختصاص واليد. ] صيغة الهبة [ تصح الهبة فيما صح بيعه بصيغة وهي الإيجاب من الواهب؛ كـ (وهبتك كذا) , أو (ملكتكه) , أو (أعطيتكه) , والقبول من المتهب باللفظ متصلاً؛ كـ (اتهبت) , و (تملكت) , أو (قبلت) , أو (رضيت) , أو الاستيجاب والإيجاب, أو الاستقبال والقبول, وبقول: (أعمرتك هذه الدار ما عشت) , أو (عمرك) , أو (جعلتها لك عمرك) وإن زاد: (فإذا مت .. عادت إلي) , أو (أرقبتك هذه الدار) , أو (جعلتها لك رقبى) أي: إن مت قبلي .. عادت إليَّ, وإن مت قبلك .. استقرت لك, وسميت رقبى؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه, وفي"الصحيحين" حديث "العمرى ميراث لأهلها" ولا تشترط الصيغة في الهدية ولا في الصدقة. ] ملك الموهوب بالقبض [ وإنما يملك الموهوبَ بمعناه الأعم المتهبُ بقبضه, وإذن واهبه فيه إن لم يقبضه بنفسه لا بالعقد, وإلا .. لما قال أبو بكر لعائشة-رضي الله تعالى عنهما- في ما نحلها في صحته عشرين وسقاً: (وددت أنك حزته أو قبضته, وإنما هو اليوم مال الوارث) رواه مالك, وروي نحوه عن جمع من الصحابة, ولأنه عقد إرفاق كالقرض. ولو كان الموهوب في يد المتهب .. اعتبر في قبضه مضي زمن يتأتى فيه من وقت الإذن قبضه, وكيفية القبض في العقار والمنقول؛ كما مر في (البيع). ولو مات أحدهما قبل القبض .. قام وارثه مقامه, فيتخير وارث الواهب في الإقباض, ووارث المتهب في القبض إن أقبضه الواهب أو وارثه؛ فلا ينفسخ العقد بالموت؛ لأنه يؤول إلى اللزوم كالبيع, بخلاف نحو الشركة والوكالة.

стр. 581

[الرجوع في الهبة] ولا يصح رجوع أحد في هبته بعد قبضها, وإن وهبه لأعلى منه إلا للأصول, سواء أكان أباً أم أماً, أم جداً أم جدة من جهة الأب أو الأم, اتفقا ديناً أو اختلفا, قال ﷺ : «لا يحل لرجل أن يعطي عطية, أو يهب هبة فيرجع فيها, إلا الوالد فيما يعطي ولده» "رواه الترمذي والحاكم وصححاه, والوالد يشمل كل الأصول إن حمل اللفظ على حقيقته ومجازه, وإلا ... ألحق به بقية الأصول, بجامع أن لكل ولادةً كما في النفقة, وحصول العتق وسقوط القود. وأما خبر: «من وهب هبة .. فهو أحق بها, ما لم يثب منها» .. فيحمل على الأصول. وللرجوع شروط: منها: عدم زوال ملك الفرع المتهب عن الموهوب, فلو زال وعاد .. لم يكن للأصل الرجوع فيه؛ لأن ملكه الآن غير مستفاد منه. وألاَّ يتعلق به حق يمنع البيع؛ كالكتابة. وأن يكون الرجوع منجزاً. وأن يكون باللفظ لا بالفعل؛ كـ (رجعت فيما وهبت) , أو (ارتجعت) , أو (نقضت الهبة) , أو (أبطلتها). والألف في قوله: (صحا) , و (أعمرتكا) , (أرقبتكا) للإطلاق. * * *

стр. 582

بابُ اللُّقَطة بضم اللام وفتح القاف وإسكانها, ويقال: لقاطة بضم اللام, ولقط بفتحها بلا هاء, وهي لغة: الشيء الملتقط, وشرعاً: ما وجد من حق ضائع لا يعرف الواجد مستحقه. والأصل فيها قبل الإجماع: "خبر الصحيحين" عن زيد بن خالد الجهني: أن النبي ﷺ سئل عن لقطة الذهب أو الورق فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة, فإن لم تعرف .. فاستنفقها, ولتكن وديعة عندك, فإن جاء صاحبها يوماً من الدهر .. فأدها إليه, وإلا .. فشأنك بها» , وسأله عن ضالة الإبل فقال: «مالك ولها؟ ! فإن معها حذاءها وسقاءها, ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» , وسأله عن الشاة فقال: «خذها, فإنما هي لك, أو لأخيك أو للذئب». وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية؛ من حيث إن الملتقط أمين فيما التقطه, والشرع ولاَّه حفظه كالولي, وفيه معنى الاكتساب؛ من حيث إن له التملك بعد التعريف, والمغلب من المعنيين الثاني؛ لصحة التقاط الفاسق والذمي والصبي. (وأخذها للحر من موات ... أو طرق أو مسجد الصلاة) (أفضل إذ خيانة قد أمنا ... ولا عليه أخذها تعينا) [حكم أخذ اللقطة] أي: وأخذ اللقطة للحر من موات, أو طرق في دار الإسلام, أو دار حرب فيها مسلم, أو دخلها الملتقط بأمان, أو مسجد الصلاة .. أفضل من تركها؛ إذ خيانة لنفسه فيها قد أمنها؛ بأن وثق بأمانة نفسه, بل تركها حينئذ مكروه, وليس أخذها متعيناً عليه؛ أي: إنما يكون الالتقاط أفضل إذا لم يتعين عليه أخذها؛ بأن كان هناك من يأخذها ويحفظها, فإن لم يكن هناك غيره .. وجب عليه أخذها؛ كما في الوديعة, بل هو هنا أولى؛ لأن الوديعة تحت يد صاحبها.

стр. 583

ولا يستحب لغير واثق بأمانة نفسه، ويجوز له، ويكره لفاسق؛ لئلا تدعوه نفسه إلي الخيانة، ويستحب الأشهاد على الالتقاط. ويصح التقاط الصبي الفاسق والذمي في دار الإسلام، وتنزع منهما وتوضع عند عدل، وينزع الولي لقطة الصبي ويعرف، ويمتلكها للصبي إن رأى ذلك حيث يجوز الاقتراض له، ويصح التقاط المبغض لا الرقيق بغير إذن سيده، إلا المكاتب. والألف في قول الناظم: (أمنا) و (تعينا) للإطلاق. [ما تجب معرفته في اللقطة] (يعرف منها الجنس والوعاء ... وقدرها والوصف والوكاء) أي: يعرف بفتح الياء الملتقط ندباً جنس اللقطة، أذهب هي أم فضة أم ثياب، ووعاءها من جلد أو خرقة أو غيرها، وقدرها بوزن أو عدد، ووصفها؛ كهروية أو مروية، ووكاءها؛ أي: خيطها المشدود به؛ لما في خبر (الصحيحين) السابق من الأمر بمعرفة عفاصها ووكائها، وقيس على معرفة خارجها فيه معرفة داخلها، وذلك ليعرف صدق واصفها. (وحفظها في حرز مثل عرفا ... وإن يرد تمليك نرز عرفا) (بقدر طالب وغيره سنه ... وليتملك إن يرد تضمنه) (إن جاء صاحب، وما لم يدم ... كالبقل باعه، وإن شا يطعم) (مع غرمه، وذو علاج للبقا ... كرطب يفعل فيه الاليقا) (من بيعه رطباً، أو التجفيف ... وحرموا لقطا من المخوف) (لملك حيوان منوع من أذاه ... بل الذي لا يحتمي منه كشاه) (خيره بين أخذه مع العلف ... تبرعا أو إذن قاض بالسلف) أو باعها وحفظ الأثمانا ... أو أكلها ملتزما ضمانا) (ولم يجب إفرازها، والملتقط ... في الأوليين في تخيير فقط)

стр. 584

فيها خمس مسائل: [وجوب حفظ اللقطة في حرز المثل] الأولى: حفظ اللقطة في حرز مثلها باعتبار العرف واجب على الملتقط أبداً إن أخذها للحفظ، وهي أمانة في يده، ولو دفعها للقاضي .. لزمه القبول، ولا يجب التعريف في هذه االحالة؛ لأنه إنما يجب لتحقيق شرط التمللك، لكن صحح النووي في (شرح مسلم) وجوبه، وقواه في "زوائد الروضة" واختاره؛ لئلا يكون كتماناً مفوتاً للحق على صاحبه، وعلى هذا يضمن بتركه. [تعريف اللقطة إذا أراد تملكها] الثانية: إن يرد الملتقط تمليك ملتقط نزر؛ أي: قليل متمول .. عرفه زمناً يطن أن فاقده لا يعرض عنه فيه غالباً، ويختلف ذلك باختلاف المال. قال الروياني: فدانق الفضة يعرف في الحال، ودانق الذهب يعرف يوماً أو يومين أو ثلاثة، أما القليل غير المتمول؛ كحبة الحنطة والزبيبة .. فلا يعرف، ولواجده الاستبداد به، فعن عمر ﵁: أنه رأي رجلاً يعرف زبيبة فضربه بالدرة وقال: (إن من الورع ما يمقته الله). وقدر بعضهم القليل المتمول بما دون نصاب السرقة، والأصح: لا يتقدر به، بل هو ما غلب على الظن أن فاقده لا يكثر أسفه عليه، ولا يطول طلبه له غالباً، ويعرف غير القليل وجوباً سنة ولو مفرقة؛ للحديث، ويقاس على ما فيه غيره، وليست على الاستيعاب، بل على العادة يعرف أولاً كل يوم مرتين طرفي النهار، ثم كل يوم مرة، ثم كل أسبوع مرة أو مرتين كما في (المحرر) وغيره، ثم في كل شهر بحيث لا ينسي أنه تكرار لما مضي، وسكت الشيخان عن بيان المدد في ذلك، وفي (التهذيب) ذكر الأسبوع في المدة الأولى، ويقاس بها الثانية.

стр. 585

ولا يجب اتصال السنة بالالتقاط؛ لإطلاق الخبر، قال الإمام: لكن يعتبر أن يبين في التعريف زمن الوجدان؛ لينجبر التأخير المنسي. ويستحب أن يذكر الملتقط بعض أوصافها في التعريف ولا يستوعبها؛ لئلا يعتمدها الكاذب، ولو التقطهما اثنان .. عرفها كل واحد منهما نصف سنة. وتعريفها يكون في الأسواق، وأبواب المساجد عند خروج الناس من الجماعات، ونحوها من مجامع الناس في بلد الالتقاط، أو قريته أو أقرب البلاد إلي موضعه من الصحراء، وإن جازت به قافلة .. تبعهم وعرف، ولا يعرف في المساجد؛ كما لا تطلب اللقطة فيها، قال الشاشي: إلا ـأن الأصح: جواز التعريف في المسجد الحرام، بخلاف بقية المساجد، قال في "المهمات": وهو ظاهر في تحريم بقية المساجد، وليس كذلك؛ فالمنقول الكراهة، وقد جزم به في "شرح المهذب"، وقال ابن العراقي: المعتمد: التحريم، فهو ظاهر كلامهم، وبه صرح القاضي والماوردي. انتهى. وله أن يعرفها بنفسه ونائبه، وليس له أن يسافر بها، ولا أن يسلمها لغيره بلا ضرورة إلا بإذن الحاكم، فإن فعل .. ضمنها، ويعتبر كون المعرف مكلفاً غير مشهور بالخلاعة. [تملكها بالقول إذا لم يجد مالك اللقطة بعد تعريفها] الثالثة: إذا عرفها بعد قصد تملكها، ولم يجد مالكها .. تملكها بالقول؛ كقوله: (تملكتها) وقصد أن يضمنها لصاحبها إن جاء، وتكون قرضاً عليه يثبت بدلها في ذمته. وإذا تملكها وظهر مالكها وهي باقية بحالها واتفقا على ردها أو رد بدلها .. فذاك ظاهر، فإن أرادها المالك وأراد العدول إلي بدلها .. أجيب المالك؛ لما مر في الحديث. ولو ردها الملتقط .. لزم المالك قبولها، وإن تلفت .. غرم مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت متقومة يوم التملك؛ فإنه يوم دخولها في ضمانه، وإن نقصت .. فله أخذها مع الأرش؛ لأن الكل مضمون فكذا البعض، وله العدول إلي بدلها سليمة.

стр. 586

ولو أراد الملتقط ردها مع الأرش، وأراد المالك الرجوع إلي البدل .. أجيب الملتقط، وإن زادت .. أخذها بزيادتها المتصلة دون المنفصلة، ولو ظهر المالك قبل التملك .. أخذها بزوائدها المتصلة والمنفصلة. وإذا ادعاها شخص، ولم يصفها ولا بينة له بها .. لم تدفع إليه، إلا أن يعلم الملتقط أنها له .. فليزمه الدفع إليه، وإن وصفها وظن الملتقط صدقة .. جاز الدفع إليه ولا يجب، والقول قوله بيمينه في أنه لا يلزمه التسليم، أو لا يعلم أنها له. فإن نكل وحلف المدعي .. وجب دفعها له، فإن دفعها إليه وأقام آخر بينة بها .. حولت إليه عملاً بالبينة، فإن تلفت عنده .. فلصاحب البينة تضمين الملتقط والمدفوع إليه والقرار عليه. والكلام في لقطة غير حرم مكة، أما لقطته .. فلا تحل إلا أبداً لا للتملك. [حكم اللقطة التي لا تدوم] الرابعة: الملتقط الذي لا يدوم؛ بأن كان يسرع فساده؛ كالبقل والبطيخ الأصفر، والهريسة والرطب الذي لا يتتمر: فإن شاء .. باعه؛ استقلالاً إن لم يجد حاكماً، وبإذنه إن وجده، وعرفه بعد بيعه ليتملك ثمنه بعد التعريف، وإن شاء .. تملكه في الحال، وأكله وغرم قيمته، سواء أو وجده في مفازة أم عمران، ويجب التعريف فيه. وأما المفازة: فقال الإمام: الظاهر: أنه لا يجب؛ لأنه لا فائدة فيه، والذي يبقى بعلاج كرطب يتجفف .. يفعل فيه وجوباً الأليق؛ أي: الأصلح لصاحبه من بيعه رطباً وحفظ ثمنه وتجفيفه، ثم إن تبرع بمؤنته .. فذاك، وإلا .. فيباع بعضه وينفق على تجفيف باقيه، والفرق بينه وبين الحيوان حيث يباع جميعه كما سيأتي؛ إذ النفقة تتكرر، فيؤدي إلي أن الحيوان يأكل نفسه بنفقته. [تحريم التقاط الحيوان الممتنع من المكان المخوف] الخامسة: حرم الأئمة لقطاً من المكان المخوف؛ كالمفازة لأجل تملك حيوان ممتنع من أذاه من صغار السباع؛ كالذئب والنمر والفهد بقوته؛ كبعير وفرس، أو بجريه كأرنب وظبي، أو بطيرانه كحمام؛ لأنه مصون بالامتناع عن أكثر مستغن بالرعي إلي أن يجده صاحبه لتطلبه له، فمن أخذه للتملك .. ضمنه، ولا يبرأ من الضمان برده إلي موضعه، فإن دفعه إلي القاضي .. برئ.

стр. 587

وخرج بقوله: (لملك): التقاطه للحفظ، فيجوز وإن لم يكن الملتقط قاضياً؛ لئلا يأخذه خائن فيضيع، وبقوله: (من المخوف): التقاطه من بلد أو قرية، أو موضع قريب منها، فيجوز للتملك؛ لئلا يضيع بامتداد اليد الخائنة إليه، ولا يجد ما يكيفه، بخلاف المفازة، فإن طروق الناس بها لا يعم. ولو وجد في زمن نهب وفساد .. جاز التقاطه للتملك في المفازة والعمران، بل الذي لا يحتمي؛ أي: لا يمتنع منها؛ أي: من صغار السباع؛ كشاة وعجل، وفصيل، وكسير من إبل أو خيل .. يجوز التقاطه للتملك في العمران والمفازة؛ صيانة له عن الخونة والسباع. وخيره؛ أ]: ملتقطة من مفازة بين أخذه وإمساكه عنده متبرعاً بالعلف؛ أي: بفتح اللام، فإن لم يتبرع به .. استأذن القاضي ليأذن له بالسلف أي: في الإنفاق عليه بالسلف منه أو من غيره؛ ليرجع به على مالكه، فإن لم يجد حاكماً .. أشهد، أو باعها؛ أي: اللقطة استقلالا إن لم يجد حاكماً، وبإذنه في الأصح إن وجده، وحفظ ثمنها وعرفها، ثم تملكه، وخيره بين أكلها متملكاً لها ملتزماً ضمانها؛ بأن يغرم قيمتها إن ظهر مالكها. ولا يجب بعد أكلها تعريفها في الظاهر للإمام من الوجهين؛ لما مر، والخصلة الأولى أولى من الثانية، والثانية أولى من الثالثة، ولم يجب عليه إن أكلها إفراز ثمنها؛ لأن ما في الذمة لا يخشى هلاكه، فإن أفرزه ... كان أمانة تحت يده. والملتقط من العمران فيه تخيير في الخصلتين الأوليين بضم الهمزة؛ وهما: أخذها وإمساكها مع العلف، أو بيعها وحفظ ثمنها فقط، دون الخصلة الثالثة وهي أكلها، فلا يجوز، بخلاف المفازة؛ لأنه قد لا يجد فيها من يشتري بخلاف العمران، ويشق النقل إليه. ولو كان الحيوان غير مأكول كالجحش .. ففيه الخصلتان الأوليان، ولا يجوزز تملكه في الحال في الأصح. وقول الناظم: (وإن يرد) بالياء المثناة التحتية؛ أي: الملتقط، فقوله: (عرفا) فعل ماض، وألفه للإطلاق، أو بتاء الخطاب للملتقط، فقوله: (عرفا) فعل أمر، وألفه بدل من نون التوكيد، وفي قوله: (وليتملك إن يرد) الوجهان، وكسر ميم (يدم) للوزن، و (يطعم) بفتح الياء والعين، والألف في (الأثمانا) للإطلاق.

стр. 588

باب اللقيط ويقال له: ملقوط ومنبوذ ودعى، سمي لقيطاً وملقوطاً باعتبار أنه يلتقط، ومنبوذاً باعتبار أ، هـ نبذ؛ أي: ألقى في الطريق ونحوه، وهو صغير ضائع لا يعلم له كافل. (للعدل أ، يأخذ طفلا نبذا ... فرض كفاية، وحضنه كذا) (وقوته من ماله بمن قضى ... لفقده أشهد ثم اقترضا) (عليه إذ بفقد بيت المال ... والقرض خذ منه لدى الكمال) [حكم الالتقاط وشروط الملتقط] أي: للعدل - بأن يكون: مكلفاً حراً مسلماً رشيداً- أن يأخذ طفلاً ولو مميزاً نبذ؛ أي: ألقى في طريق أو نحوه، وهو فرض كفاية؛ حفظاً للنفس المحترمة عن الهلاك. والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾، وقوله: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾، إذا بإحيائها أسقط الحرج عن الناس فأحياهم بالنجاة من العذاب، وروى مالك رضي الله تعالى عنه في "الموطأ" عن أبي جميلة: (أنه وجد منبوذاً من زمن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: فجئت به إليه فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال عريفة -واسمه سنان-: يا أمير المؤمنين؛ إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم، فقال: اذهب به فهو حر، لك ولاؤه -أي: تربيته وحضانته-وعلينا نفقته) أي: في بيت المال؛ بدليل رواية البيهقيي: (ونفقته في بيت المال). ويجب الإشهاد عليه وعلى ما معه؛ خيفة من استرقاقه، ولئلا يضيع نسبه كالنكاح، فلو تركه .. فلا حضانة له، ويجوز الانتزاع منه، بخلاف اللقطة فإن المقصود منها المال. ولو التقط عبد بغير إذن سيده .. انتزع منه، فإن علم به فأقره عنده، أو التقط بإذنه .. فالسيد

стр. 589

الملتقط وهو نائبه، أو مكاتب بلا إذن السيد .. انتزع منه، أو بإذنه .. فكذا على المذهب، فإن قال: (التقط لي) .. فالسيد الملتقط. ولمسلم وكافر التقاط كافر، ولو التقط فاسق أو محجوز عليه بسفه .. انتزع منه، ولو أراد ظاهر العدالة السفر به .. انتزع منه، وعند إقامته يوكل القاضي به رقيباً بحيث لا يشعر به، فإذا وثق به .. فكعدل، ومثل الطفل: المجنون. وحضنه؛ أي: اللقيط بمعنى حفظه وتربيته، لا الأعمال المفصلة في الإجارة للمشقة .. كذا؛ أي: فرض كفاية؛ لأنه مقصود اللقط. فإن عجز عن حفظه لعارض .. سلمه للحاكم، وإن تبرم به مع القدرة .. فله ذلك أيضاً على الأصح في "الروضة" و "أصلها"، ولو ازدحم اثنان على أخذه .. جعله الحاكم عند من يراه منهما أو من غيرهما، وإن أخذاه وليس أحدهما أهلاً .. سلم للآخر، وإن سبق أحدهما .. منع الآخر من مزاحمته. وإن التقطاه معاً وهما أهل .. قدم الغني على الفقير، وظاهر العدالة على المستور، فإن استويا .. أقرع ولا يخير الطفل بينهما وإن كان مميزاً، ولا يقدم المسلم على الكافر في الكافر، ولا المرأة على الرجل، بخلاف الحضانة، قال الأذرعي: والوجه تقديم البصير على الأعمى، والسليم على المجذوم والأبرص إن قيل بأهليتهم للالتقاط. وإن وجد بلدي لقيطاً ببلد، فليس له نقله لقرية ولا لبادية، ويجوز نقله إلي بلد آخر، ولغريب التقطه ببلد نقله إلي بلده، ولقروي التقطه بقرية نقله إلي قرية أو قريته، وإن وجده بدوي ببلد أو قرية .. فكالحضري، أو ببادية .. أقر بيده. [مؤنة اللقيط] وقوته؛ يعني: مؤنته من ماله العام؛ كالوقف على اللقطاء، والوصية لهم، أو الخاص وهو ما اختص به؛ كالثياب الملبوسة له، والملفوفة عليه، والمفروشة تحته، والمغطى بها، والمشدودة به أو بثيابه من منطقة أو هميان، أو حلى أو دراهم أو دنانير، وكالدابة التي عنانها بيده والمشدودة به أو بثيابه، وكالمهد الذي هو فيه، والسرير الذي عليه، والدنانير المنثورة والمصبوبة تحته، أو تحت رأسه أو فراشه، وكخيمة أو دار وليس فيها غيره؛ لأن له يداً

стр. 590

واختصاصاً كالبالغ، والأصل الحرية ما لم يعرف غيرها، لا البستان ولا القرية، وليس له مال مدفون تحته، ولا ثياب وأمتعة موضوعة بقربه، ولكن لا ينفق منه عليه إلا بإذن القاضي إذا أمكنت مراجعته، فإن خالف .. ضمن ولم يرجع؛ كمن في يده وديعة ليتيم أنفق عليه منها بغير إذن الحاكم. قال بعضهم: وينبغي أن يكون هذا في حاكم لا يخاف منه أنه إذا عرف بها .. أكلها، أو أكل غالبها، فإن عجز عن القاضي، أو خاف على ماله من قضاة السوء .. أشهد على ما ينفقه عليه. فإن فقد مال اللقيط العام والخاص .. أنفق عليه من بيت المال من سهم المصالح؛ لأنه أولى بذلك من البالغ الفقير، وهو نفقه لا قرض عليه على الراجح، فلا رجوع لبيت المال عليه. فإن لم يكن فيه مال، أو كان هناك أهم منه؛ كسد ثغر يعظم ضرره .. اقترض القاضي من أغنياء البقعة عليه، وما يقترض عليه .. يوفى من مال سيده إن كان رقيقاً، ومن ماله إن ظهر له مال، أو مال من تجب عليه نفقته إن لم يظهر له مال، وإلا .. فيقضيه الحاكم من سهم الفقراء أو المساكين أو الغارمين. [ما يثبت به إسلام اللقيط] ويثبت إسلام اللقيط وغيره بالشهادتين من بالغ عاقل، وأخرس بإشارة، ومن صبي ومجنون بالتبعية. ولها ثلاث جهات: إحداها: الولادة، ثانيها: سبي المسلم له إن انفرد عن أبويه، ثالثها: الدار، فإذا وجد لقيط بدار الإسلام وفيها أهل ذمة، أو بدار فتحوها وأقروها بيد كفار صلحاً، أو بعد تملكها بجزية وفيها مسلم .. حكم بإسلامه. وإذا لم يقر اللقيط برق، ولم يدعه أحد .. فهو حر. ومن ادعى رق صغير ليس في يده، أو فيها بالتقاط .. لم يقبل إلا ببينة، أو بغيره .. قبل، فإن بلغ وأقر بالرق لغير ذي اليد .. لم يقبل، وكذا إن قال: (أنا حر) في الأصح إلا ببينة، لكن له تحليف السيد، ومن أقام بينة برقه .. عمل بها، ويشترط تعرضها لسبب الملك. والألف في قول الناظم: (نبذا) و (اقترضا) للإطلاق.

стр. 591

باب الوديعة تقال على الإيداع، وعلى العين المودعة؛ من ودع الشيء يدع إذا سكن؛ لأنها ساكنة عند المودع، وقيل: من قولهم: فلان في دعة؛ أي: راحة؛ لأنها في راحة المودع ومراعاته. والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلي أهلها﴾، وقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن امنته﴾، وخبر: "أد الأمانة إلي من ائتمنك، ولا تخن من خانك" رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، والحاكم وقال: على شرط مسلم، ولأن بالناس حاجة، بل ضرورة إليها. وأركانها أربعة: مودع، ومودع، ووديعة، وصيغة. (سن قبولها إذا ما أمنا ... خيانة إن لم يكن تعينا) (عليه حفظها بحرز المثل ... وهو أمين مودع في الأصل) (يقبل باليمين قول الرد ... لمودع لا الرد بعد الجحد) (وإنما يضمن بالتعدي ... والمطل في تخليه من بعد) (طلبها من غير عذر بين ... وارتفعت بالموت والتجنن) [حكم قبول الوديعة] أي: سن قبول الوديعة إذا أمن على نفسه من الخيانة فيها وقدر على حفظها؛ لأنه من باب التعاون على البر والتقوى المأمور به، وهذا إن لم يتعين عليه قبولها، فإن تعين؛ بأن لم يكن هناك غيره .. وجب عليه قبولها؛ كأداء الشهادة، ولكن لا يجبر حينئذ على إتلاف منفعته ومنفعة حرزه بغير عوض. ويحرم عليه أخذها عند عجزه عن حفظها؛ لأنه يعرضها للتلف، ويكره عند القدرة لمن لم يثق بنفسه، قال ابن الرفعة: إلا أن يعلم بحالة المالك، فلا يحرم ولا يكره، والإيداع صحيح، والوديعة أمانة وإن قلنا بالتحريم، وأثر التحريم مقصور على الإثم، لكن لو كان

стр. 592

المودع وكيلاً، أو ولى حيث يجوز له الإيداع .. فهي مضمونة بمجرد الأخذ قطعاً، ولم يتعرضوا له، قاله الزركشي. [وجوب حفظ الوديعة] ويجب على المودع ولو عند إطلاق المودع حفظ الوديعة في حرز مثلها ودفع متلفاتها، فلو أخر إحرازها مع التمكن، أو وضعها في غير حرز مثلها، أو وقع الحريق في الدار فتركها حتى احترقت، أو ترك علف الدابة أو سقيها حتى ماتت به، أو ترك نشر ثياب الصوف والأكسية، وكل ما يفسده الدود، أو لبسها إذا لم تندفع الآفة إلا به حتى تلفت .. ضمنها. [الوديع أمين] والمودع أمين؛ إذ أصل الوديعة الأمانة، فلو تلفت بلا تفريط .. لم يضمنها؛ لأن الله تعالى سماها أمانة، والضمان ينافيها، ولأن المودع يحفظها للمالك فيده كيده، ولو ضمن .. لرغب الناس عن قبول الودائع، وسواء أكانت بجعل أم لا كالوكالة. وقضية إطلاقهم: أنه لا فرق في عدم الضمان بين الصحيحة والفاسدة، وهو مقتضى القاعدة. وفي "الكافي": لو أودعه بهيمة وأذن له في ركوبها، أو ثوباً وأذن له في لبسه .. فهو إيداع فاسد، فإنه شرط فيه ما ينافي مقتضاه، فإذا تلفت قبل الركوب والاستعمال .. لم يضمن، أو بعده .. ضمن؛ لأنه عارية فاسدة. ولكون الوديع أمنياً يقبل بيمينه في الرد على المودع؛ لأنه ائتمنه، ولو ادعى التلف .. قبل إجماعاً، فكذا الرد. وشملت العبارة: الرد على من له الإيداع من مالك وولي وقيم حاكم، حتى لو ادعى الجابي تسليم ما جباه للذي استأجره على الجباية .. فالقول قوله بيمينه؛ كما أفتى به ابن الصلاح. وخرج بما ذكره الناظم: ما لو ادعى رد الوديعة على غير من ائتمنه؛ كأن ادعى المودع ردها على وارث المودع، أو ادعى وارث المودع الرد على المالك، أو أودع عند سفره أمنياً فادعى الأمين الرد على المالك .. فإن كلا منهم يطالب بالبينة.

стр. 593

وكل أمين من مرتهن ووكيل، وشريك وعامل قراض، وولي محجور، وملتقط لم يتملك، وملتقط لقيط، ومستأجر وأجير وغيرهم .. يصدق باليمين في التلف على حكم الأمانة إن لم يذكر له سبباً، أو ذكر سبباً خفياً أو ظاهراً عرف دون عمومه، وإن لم يعرف .. فلا بد من إثباته بالبينة، ثم يصدق بيمينه في التلف به، وإن عرف وقوعه وعمومه، ولم يحتمل سلامتها .. صدق بلا يمين. [جحود الوديعة] وجحود الوديعة بعد طلب مالكها -كأن قال: (لم تودعني شيئاً) - مضمن؛ لخيانته. ولو جحدها ثم قال: (كنت غلطت) أو (نسيت) .. لم يبرأ إلا أن يصدقه المالك. ولو أقام المالك عليه بينة بها، فادعى ردها عليها .. لم يقبل قوله فيه، وهذا معنى قول الناظم: (لا الرد بعد الجحد)، أما لو أقام بينته بردها على مالكها .. فإنها تسمع؛ لأنه ربما نسى ثم تذكر؛ كما لو قال المدعى لشيء: (لا بينة لي به)، ثم جاء ببينة .. فإنها تسمع، وسواء أجحد أصل الإيداع أم لزوم تسليم شيء إليه. [ضمان الوديعة] وإنما يضمن المودع الوديعة بالتعدي فيها؛ كأن خالف مالكها فيما أمره به في حفظها، وتلفت بسبب المخالفة؛ كأن قال له: (لا ترقد على الصندوق)، فرقد وانكسر بثقله وتلف ما فيه، أو خلطها بمال نفسه، أو مال المالك ولم يتميز، أو انتفع بها كأن ركبها، أو لبسها بغير عذر، أو سافر بها مع وجود مالكها أو وكيله، ثم الحاكم، ثم الأمين. ويضمنها أيضاً بالمطل في تخليه بينها وبين مالكها من بعد طلبها من غير عذر ظاهر؛ لتقصيره بترك التخلية الواجبة عليه حينئذ. فإن ما طل في تخليتها لعذر ظاهر؛ كصلاة أو طهارة أو أكل، أو لقضاء حاجة أو حمام، أو ملازمة غريم يخاف هربه، أو نحوها مما لا يطول زمنه، أو لغير عذر ولكن لم يطلبها مالكها .. لم يضمنها؛ لعدم تقصيره، وإطلاق المطل عليه حيث لا طلب مجاز سلم منه تعبير غيره بالتأخير، وعبر بالتخلية؛ لأنه لا يجب على المودع مباشرة الرد وتحمل مؤنته، بل التخلية بينها وبين مالكها بشرط أهليته للقبض، فلو حجر عليه بسفه، أو كان نائماً فوضعها في يده ..

стр. 594

ولو أودعه جماعة مالاً وقالوا: إنه مشترك، ثم طلبه بعضهم .. لم يكن له تسليمه، ولا قسمته؛ لاتفاقهم على الإيداع فكذا في الاستراداد، بل يرفع الأمر إلي الحاكم ليقسمه، ويدفع إليه نصيبه. [الوديعة عقد جائز من الطرفين] والوديعة جائزة من الجانبين، فترتفع بموت المودع أو المودع، وبجنونه؛ أي: أو إغمائه؛ لأنها وكالة في الحفظ، وهذا حكم الوكالة، وترتفع أيضاً بطريان حجر السفه؛ كما قال في "الحاوي" و "الشامل" و "البيان"، وبعزل المالك وبالجحود المضمن، وبكل فعل مضمن، وبالإقرار بها لآخر، وبنقل المالك الملك فيها ببيع أو نحوه. وفائدة الارتفاع: أنها تصير أمانة شرعية؛ كثوب طيرته الريح إلي داره، فعليه الرد عند التمكن وإن لم تطلب، فإن لم يفعل .. ضمن، والمراد به: وجوب إعلام مالك المال بحصوله في يده إن لم يعلمه. وللمودع استرداد الوديعة، وللمودع ردها كل وقت، أما المودع .. فلأنه مالكها، أو ولي مالكها، وأما المودع .. فلتبرعه بحفظها. قال ابن النقيب: وينبغي تقييد جواز الرد للمودع بحالة لا يلزمه فيها القبول ابتداء، أما إذا كانت بحيث يجب قبولها .. فيظهر تحريم الرد، وإن كانت بحيث يندب القبول .. فالرد خلاف الأولى إذا لم يرض به المالك. انتهى، قال الزركشي: إن ابن الرفعة أشار إليه. والألف في قول الناظم: (أمنا) و (تعينا) للإطلاق.

стр. 595

كتاب الفرائض جمع فريضة؛ بمعنى مفروضة؛ أي: مقدرة؛ لما فيها من السهام المقدرة فغلبت على غيرها. والأصل فيها: آياتها، والأخبار الصحيحة الآتية؛ كخبر "الصحيحين": "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقى .. فلأولى رجل ذكر". وورد في الحث على تعلمها وتعليمها أخبار منها: خبر: "تعلموا الفرائض وعلموها الناس؛ فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في الفريضة فلا يجدان من يقضي بها" رواه الحاكم، وصحح إسناده، وروى ابن ماجه وغيره: "تعلموا الفرائض؛ فإنه من دينكم، وإنه نصف العلم، وإنه أول علم ينتزع من أمتي"، وسمي نصفاً لتعلفه بالموت المقابل للحياة، وقيل: النصف بمعنى الصنف؛ كقول الشاعر: [من الطويل] (إذا مت كان الناس نصفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع) وقيل غير ذلك. [ما يتعلق بتركة الميت من الحقوق المرتبة] ويتعلق بالتركة خمسة حقوق مترتبة، وقد بدأ ببيانها فقال: (يبدأ من تركه ميت بحق ... كالرهن والزكاة بالعين اعتلق) (فمؤن التجهيز بالمعروف ... فدينه ثم الوصايا يوفى) (من ثلث باقي الإرث، والنصيب ... فرض مقدر أو التعصيب) أول الحقوق: أنه يبدأ وجوباً من تركة الميت بحق تعلق بعينها؛ لتأكد بها، وذلك

стр. 596

كالرهن؛ بأن رهن عيناً بدين عليه أو على غيره، فيقدم المرتهن بها على مؤنة التجهيز، والزكاة فيقدم مستحقوها على مؤنة التجهيز. ولما كان المتعلق بالعين لا يكاد تنحصر صوره .. أشار الناظم إلي ذلك بإدخاله الكاف على أول المثالين، فمنها: الجاني المتعلق برقبته مال؛ بأن أتلف مالاً أو جنى على آدمي خطأ، أو شبه عمد، أو عمداً لا قود فيه، أو عفى عنه بمال، والمبيع إذ مات مشتريه بثمن في ذمته مفلساً، ولم يتعلق به حق لازم ككتابة، سواء حجر عليه قبل موته أم لا. الحق الثاني: مؤن التجهيز؛ أي: تجهيز الميت، وتجهيز من تلزمه مؤنته إذا مات في حياته؛ كثمن كفن، وأجرة غسل وحفر ودفن؛ لاحتياجه إلي ذلك كالمحجور عليه بالفلس، بل أولى؛ لانقطاع كسبه بالمعروف بحسب يساره وإعساره، ولا عبرة بما كان عليه في حياته من إسرافه أو تقتيره. الحق الثالث: دينه الذي كان عليه لله تعالى أو لآدمي؛ لكونه حقاً واجباً عليه. الحق الرابع: الوصايا نوفيها من ثلث باقي الإرث، ومثلها ما ألحق بها من عتقٍ علق بالموت، وتبرع نجز في مرضه المخوف أو الملحق به، وقدمت على الإرث؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، وتقديمها لمصلحة الميت؛ كما في الحياة، و (من) للابتداء فتدخل الوصايا بالثلث وببعضه. الحق الخامس: نصيب الوارث؛ من حيث إنه يتسلط عليه بالتصرف؛ ليصح تأخره عن بقية الحقوق، وإلا .. فتعلقها بالتركة لا يمنع الإرث على الصحيح، ولهذا عطفه الناظم بالواو دون بقية الحقوق. ثم الوارث إن كان له سهم مقدر في الكتاب أو السنة .. فهو صاحب فرض، وإلا فعاصب. (فالفرض ستة، فنصف اكتمل ... للبنت أو لبنت الابن ما سفل) (والأخت من أصلين أو من الأب ... وهو نصيب الزوج إن لم يحجب) (بولد أو ولد ابن علما ... والربع: فرض الزوج مع فردهما) (وزوجة فما علا إن عدما ... وثمن: لهن مع فردهما)

стр. 597

[الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى] أي: الفرض بمعنى الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة: الربع، والثلث، وضعف كل، ونصفه، وأشاروا بقولهم: (في كتاب الله تعالى) إلي أن المراد الحصر بالنسبة لما في القرآن، وإلا .. فمطلق الفروض تزيد على ستة؛ كثلث ما بقي في الجد، وفي مسألتي: زوج أو زوجة وأبوين. [فرض النصف] فالنصف الكامل فرض خمسة: البنت، وبنت الابن وإن سفل، والأخت الشقيقة، والأخت للأب إذا انفردن عمن يعصبهن، وعمن يساويهن من الإناث، قال تعالى في البنت: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾، وبنت الابن كالبنت إجماعاً؛ إذ لفظ البنت يشملها؛ إعمالاً له في حقيقته ومجازه، وقال في الأخت: ﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾، والمراد: أخت لأبوين أو لأب؛ لما سيأتي أن للأخت للأم السدس. والنصف فرض الزوج إن لم يحجب؛ أي: عنه بولد لزوجته، أو ولد ابن لها، قال تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد﴾، وولد الابن كالابن بما مر، والمراد به هنا، وفيما سيأتي: من يرث بخصوص القرابة، فيخرج غير الوارث، والوارث بعمومها كولد بنت الابن، وقد أشار إلي ذلك بقوله: (علما). [فرض الربع] والربع فرض اثنين: الزوج مع ولد الزوجة أو ولد ابنها، وزوجة فأكثر إن عدما؛ أي: ولد زوجها وولد ابنه، قال تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد﴾، وولد الابن كالولد بما مر، وقد ترث الأم الربع فرضاً في حال يأتي، فيكون الربع فرض ثلاثة. [فرض الثمن] والثمن: فرض زوجة فأكثر مع ولد الزوج، أو ولد ابنه قال تعالى: ﴿فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم﴾، وولد الابن كالولد بما مر. و(ما) في قول الناظم: (ما سفل) مصدرية.

стр. 598

[فرض الثلثين] (والثلثان: فرض من قد ظفرا ... بالنصف مع مثل لها فأكثرا) أي: الثلثان فرض أنثى قد ظفرت بالنصف؛ أي: فازت به مع مثل لها فأكثر، فهما فرض أربعة: بنتين فأكثر، وبنتي ابن فأكثر، وأختين لأبوين فأكثر، وأختين لأب فأكثر، قال تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾، وقيس بالبنات: بنات الابن، بل هن داخلات في لفظ البنات على القول بإعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وبالأختين: البنتان وبنتا الابن، وبالبنات في عدم الزيادة على الثلثين: الأخوات. وألف (ظفرا) و (فأكثرا) للإطلاق. (والثلث: فرض اثنين من أولاد أم ... فصاعداً، أنثى تساوي ذكرهم) (وهو لأمه إذا لم تحجب ... وثلث الباقي: لها مع الأب) (وأحد الزوجين، والسدس حبوا ... أما مع الفرع وفرع الابن أو) (إثنين من أخوات أو من إخوة ... والفرد من أولاد أم الميت) (وجدة فصاعداً لا مدليه ... بذكر من بين ثنتين هيه) (وبنت الابن صاعداً مع بنت ... فرد، وأختاً من أب مع أخت) (أصلين، والأب وجداً ما علا ... مع ولدٍ أو ولد ابن سفلا) [فرض الثلث] أي: والثلث فرض اثنين فصاعداً من ولد الأم، قال تعالى: ﴿وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا من ذلك أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾، والمراد: أولاد الأم بدليل قراءة ابن مسعود وغيره: (وله أخ أو أخت من أم)، وهي وإن لم تتواتر، لكنها كالخبر في العمل بها على الصحيح؛ لأن مثل ذلك إنما يكون توقيفاً. وسواء أكان الاثنان ذكرين أم أنثيين أم خنثيين أم مختلفين؛ إذ لا تعصيب فيمن أدلو،

стр. 599

بخلاف الأشقاء أو لأب؛ فإن فيهم تعصيباً، فكان للذكر مثل حظ الأنثيين. وهو لأم الميت إذا لم تحجب؛ بأن لم يكن للميت ولد، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة والأخوات، ولا أب من أحد الزوجين؛ قال تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، وولد الابن كالولد بما مر. والمراد من الإخوة: عدد ممن له إخوة ولو من الإناث على التغليب الشائع، وعلى أن أقل الجمع اثنان كما عليه جمع، أو ثلاثة على الأصح، لكنه استعمل في الاثنين مجازاً؛ للإجماع على أنهما كالثلاثة هنا، ولأنه حجب يتعلق بعدد فكان الاثنان فيه كالثلاثة؛ كما في حجب البنات لبنات الابن، وقد يفرض للجد مع الإخوة كما سيأتي. وثلث الباقي للأم مع الأب والزوج أو الزوجة؛ ليكون للأب مثلاها على الأصل في اجتماع الذكر والأنثى المتحدي الدرجة من غير أولاد الأم، ولاتفاق الصحابة على ذلك قبل إظهار ابن عباس الخلاف، ولأن كل ذكر وأنثى لو انفردا .. اقتسما المال أثلاثاً، فإذا اجتمعا مع الزوج أو الزوجة .. اقتسما الفاضل كذلك؛ كالأخ والأخت، فالأولى من ستة: للزوج نصفها ثلاثة، وللأم ثلث الباقي، وثلثاه للأب، وعبروا عن حصة الأم فيهما بثلث الباقي مع أنه في الأولى السدس وفي الثانية الربع؛ تأدباً مع لفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، وتسمى المسألتان بالغراوين؛ لشرتهما بينهم، وبالعمريتين؛ لأنهما رفعتا إلي عمر رضى الله عنه فحكم فيهما بما ذكر، وبالغريبتين؛ لغرابتهما. وخرج ب (الأب): الجد، فللأم معه الثلث كاملاً لا ثلث الباقي؛ لأنه لا يساويها في الدرجة، وقد يرث الجد إذا كان معه إخوة ثلث الباقي. [فرض السدس] والسدس حبوا؛ أي: أعطاه العلماء سبعة: أما مع الولد أو ولد الابن، أو اثنين من الأخوات والإخوة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، كما مر بيانه، وسواء كانا من الأب والأم، أم من الأب، أم من الأم، وسواء أكانا وارثين أم محجوبين بغيرهما، أما بنو الإخوة .. فلا يحجبونها عن الثلث؛ كما أفهمه كلامه؛ لأنهم ليسوا إخوة بخلاف ولد الابن؛ لإطلاق لفظ الابن عليه مجازاً شائعاً، بل قيل: حقيقة، والفرد من أولاد أم الميت ذكراً كان أو أنثى أو خنثى؛ لما مر في آيته.

стр. 600

وقد علم مما مر: أن أولاد الأم يخالفون بقية الورثة في خمسة أشياء: أحدها: تقاسمهم بالسوية، ثانيها: يرثون مع من يدلون به، ثالثها: يحجبون من يدلون به حجب نقصان، رابعها: يدلون بأنثى ويرثون، خامسها: ذكرهم المنفرد كأنثاهم المنفردة. وجدةً فصاعدا لأم أو لأب؛ لخبر أبي داوود وغيره: (أنه ﷺ أعطى الجدة السدس)، وروى الحاكم بسند صحيح: (أنه قضى به للجدتين)، وروى أبو داوود في "مراسيله"، والدارقطني بسند مرسل: (أنه أعطى السدس ثلاث جدات: ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم)، ويرث منهن أم الأم، وأمهاتها المدليات بإناث خلص؛ كأم أم الأم- ولا يرث من قبل الأم إلا واحدة -وأم الأب وأبيه وإن علا، وأمهاتهن المدليات بإناث خلص؛ لإدلائهن بوارث، وضابط إرث الجدات أن يقال: كل جدة أدلت بمحض إناث كأم أم الأم، أو بمحض ذكور كأم أبي الأب، أو بمحض إناث إلي ذكور أم أم الأب .. ترث. ومن أدلت بذكر بين أنثيين كأم أبي الأم .. لا ترث لأنها مع الذكر من ذوي الأرحام. ويسوى فيما لو كانت إحداهن بجهتين والأخرى بجهة بين ذات الجهة والجهتين، فلا تفضل الثانية على الأولى بزيادة الجهة؛ لأن الجدودة قرابة واحدة، بخلاف ابني عم أحدهما أخ لأم؛ أبي أبيه .. فهي ذات جهتين، فلو خلف معها أم أم أبية .. فالسدس بينهما مناصفة لا مثالثة، وكذا لو كانت ذات جهات؛ كأن نكح هذا الولد بنت بنت بنت أخرى لهند، فأولدها ولداً، فهند جدته من ثلاث جهات؛ لأنها أم أم أم أمه، وأم أم أم أبيه، وأم [أبي] أبي أبيه. والجدة للأم لا يحجبها إلا الأم كما سيأتي، وللأب يحجبها الأب أو الأم؛ لأن إرثها بطريق الأمومة، والأم أقرب منها. والقربى من كل جهة تحجب البعدى منها كأم أم، وأم أم أم، وكأم أب، وأم أم أب، والقربى من جهة الأم؛ كأم أم تحجب البعدى من جهة الأب؛ كأم أم أب، والقربى من جهة الأب؛ كأم أب لا تحجب البعدى من جهة الأم؛ كأم أم أم في الأظهر، بل يشتركان في السدس.
следующие страницы →