والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن فيه شيئ كبير، ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن قد أسلم، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والبدن». (١)
١٢ - متابعة شيخه محمد عبده بالقول بأن الملائكة قوى طبيعية:
حيث يقول الشيخ محمد عبده: «وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة، وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقه حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة، فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان. فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح إلهي سمي في لسان الشرع ملكاً، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة». (٢)
فالشيخ محمد عبده يروي هذا القول أولا ثم يؤيده ويحبذه ويدافع عنه لأن فيه تقريباً للإيمان بالملائكة من عقول الماديين، ثم يزعم أنه لا فرق بين هذا القول وقول السلف، فالحقيقة واحده وإنما الخلاف في الأسماء! !
стр. 107
وفي الحقيقة إن هذا القول لا يقوم على أي مستند من الكتاب أو السنة بل هو من الخوض في أمور لا تدرك إلا بالوحي، استقوه من خيالاتهم، ثم ما الفرق بين من ينكر وجود الملائكة وبين من يزعم أنها قوة طبيعية ما دام منكر الملائكة يقر ويعترف بوجود قوة نمو في النباتات، وخلقه في الحيوان، وحفظ في الإنسان، ولكنها قوة طبيعية لا ينطبق عليها ما ورد في القرآن الكريم من أوصاف للملائكة.
١٣ - متابعة شيخه محمد عبده في التشكيك بأن آدم أبو البشر:
حيث يقول محمد عبده عند تفسير قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (١). «ليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر، فمن المفسرين من يقول إن كل نداء مثل هذا يراد به أهل مكة أو قريش، فإذ صح هذا هنا جاز أن يفهم منه بنو قريش، إن النفس الواحدة هي قريش أو عدنان، وإذا كان الخطاب للعرب عامة جاز أن يفهموا أن المراد بالنفس الواحدة يعرب أو قحطان، وإذا قلنا إن الخطاب لجميع أهل الدعوة إلى الإسلام أي لجميع الأمم فلا شك أن كل أمة تفهم منه ما تعتقده، فالذين يعتقدون أن لكل صنف من البشر أبا يحملون النفس على ما يعتقدون ... والقرينة على أنه ليس بالنفس الواحدة آدم قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ بالتنكير، وكان المناسب على الوجه أن يقول: وبث منهما جميع الرجال والنساء. وكيف ينص على نفس معهودة والخطاب عام لجميع الشعوب، وهذا العهد ليس معروفا عند
стр. 108
جميعهم، فمن الناس من لا يعرفون آدم ولا حواء ولم يسمعوا بهما.
وهذا النسب المشهور عند ذرية نوح مثلا هو مأخوذ عن العبرانيين، فإنهم هم الذين جعلوا للبشر تاريخا متصلا بآدم وحددوا له زمنا قريبا. وأهل الصين ينسبون البشر إلى أب آخر ويذهبون بتاريخه إلى زمن أبعد من الزمن الذي ذهب إليه العبرانيون.
والعلم والبحث في آثار البشر مما يطعن في تاريخ العبرانيين، ونحن المسلمين لا نكلف تصديق تاريخ اليهود وإن عزوه إلى موسى ﵇ فإنه لا ثقة عندنا بأنه من التوراة وأنه بقي كما جاء به موسى» (١).
ويقول أيضا: «نحن لا نحتج على ما وراء مدركات الحس والعقل إلا بالوحي الذي جاء به نبينا ﵇، وإننا عند هذا الوحي لا نزيد ولا ننقص كما قلنا مرات كثيرة، وقد أبهم الله تعالى ههنا أمر النفس التي خلق الناس منها وجاء بها نكرة فندعها على إبهامها.
فإذا ثبت ما يقوله الباحثون من الإفرنج من أن لكل صنف من أصناف البشر أبا كان ذلك غير وارد على كتابنا كما يرد على كتابهم التوراة لما فيها من النص الصريح في ذلك، وهو مما حمل باحثيهم على الطعن في كونها من عند الله تعالى ووحيه وما ورد في آيات أخرى من مخاطبة الناس بقوله «يا بني آدم» لا ينافي هذا ولا يعد نصا قاطعا في كون جميع البشر من أبنائه، إذ يكفي في صحة الخطاب أن يكون من وجه إليهم في زمن التنزيل من أولاد آدم». (٢)
стр. 109
وتابع الشيخ رضا أستاذه على هذا القول فقال: «وأقول زيادة في الإيضاح: إذا كان جماهير المفسرين فسروا النفس الواحدة هنا بآدم، فهم لم يأخذوا ذلك من نص الآية ولا من ظاهرها، بل من المسألة المسلمة عندهم وهي أن آدم أبو البشر ... ». (١)
وهذا القول في الحقيقة مخالف لما ثبت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ في أن آدم أبو البشر، فمنها على سبيل المثال قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ (٢)، وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾. (٣)
وقوله ﷺ : «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب». (٤)
وقوله ﷺ : «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد .... ». (٥)
стр. 110
المبحث التاسع
وفاته
توفي محمد رشيد رضا في ٢٣ جمادي الأول عام ١٣٥٤ هـ الموافق ٢٢ أغسطس ١٩٣٥ م. وكان قد خرج لوداع الأمير سعود بن عبد العزيز آل سعود (١)،
في السويس، وفي أثناء عودته بالسيارة، إلى القاهرة فاضت روحه وهو في السيارة.
وروى المرافقون له أنه كان يقرأ القرآن، وشعر المرافقون فجأة بسكوته واتكائه على ظهره، فإذا بروحه قد فاضت إلى خالقها.
ودفن رحمه الله تعالى في قرافة المجاورين بجوار قبر أستاذه محمد عبده (٢)، عن عمرٍ يناهز السبعين عاماً قضاها في طاعة الله والعمل الصالح، وفي طلب العلم وتعليمه وتفسير كتاب الله، ونشر سنة نبيه ﷺ والدفاع عنها والدفاع عن الإسلام وأهله في كل مكان، ومحاولة إصلاح أحوال المسلمين والنصح لهم ومحاربة البدع والخرافات والجمود والتقليد.
стр. 111
وقد أحدثت وفاته صدى هائلا في الأوساط المصرية ورثاه العلماء والأدباء والشعراء. (١)
стр. 112
المبحث العاشر
آثاره ومؤلفاته
للشيخ محمد رشيد رضا، الكثير من الآثار والمؤلفات والكتابات منها: (١)
١ - تفسير القرآن الكريم الشهير «بتفسير المنار» فسر فيه إلى قوله تعالى ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ يوسف: ١٠١، ويقع في ١٢ مجلداً.
٢ - مجلة المنار وتقع في ٣٥ مجلداً.
٣ - تاريخ الأستاذ محمد عبده.
٤ - نداء للجنس اللطيف.
٥ - الوحي المحمدي.
٦ - المنار والأزهر.
٧ - ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد.
٨ - ذكر المولد النبوي.
٩ - الوحدة الإسلامية.
١٠ - الخلافة أو الإمامة العظمى.
стр. 113
١١ - الوهابيون والحجاز.
١٢ - السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة.
١٣ - المسلمون والقبط.
١٤ - الربا والمعاملات في الإسلام.
١٥ - سير الإسلام وأصول التشريع العام.
١٦ - مناسك الحج وأحكامه.
١٧ - رسالة في الصلب والفداء.
١٨ - خلاصة السيرة المحمدية.
١٩ - محاورات المصلح والمقلد.
٢٠ - شبهات النصاري وحجج الإسلام.
٢١ - مساواة الرجل بالمرأه.
٢٢ - رسالة في أبي حامد الغزالي.
٢٣ - إنجيل برنابا.
٢٤ - تفسير الفاتحة وست سور من خواتيم القرآن.
٢٥ - المقصورة الرشيدية.
стр. 114
الفصل الثاني
نبذه عن تفسير المنار
ويتضمن المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريف بتفسير المنار.
المبحث الثاني: منهجه في التفسير.
المبحث الثالث: طريقته في التفسير.
المبحث الرابع: خصائص تفسير المنار.
المبحث الخامس: منهجه العقدي في التفسير.
المبحث السادس: المآخذ التي على التفسير.
стр. 115
المبحث الأول
تعريف بتفسير المنار
كان سبب تأليف تفسير المنار، هو عبارة عن اقتراح من محمد رشيد رضا إلى شيخه وأستاذه الإمام محمد عبده، بأن يلقي دروساً في تفسير القرآن الكريم، تتلائم مع روح العصر الحديث، وتكون العناية الأولى فيه ببيان هداية القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة في وصفه أو ما أنزل لأجله من الإنذار والتفسير والهداية والإصلاح. (١)
وأن يكون هذا التفسير بعيداً عن الإسرائيليات، والأحاديث الموضوعة والخرافات، وجدل المتكلمين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق وكثرة الروايات والعلوم الرياضية والطبيعية، والتي علقت بكثير من كتب التفسير فأخرجته عن مقصوده. (٢)
فاستحسن الشيخ محمد عبده هذا الرأي، فوافق عليه، فكان يلقي دروسه في التفسير في الجامع الأزهر، وكان رشيد رضا يكتب أهم ما يلقيه الأستاذ ثم يقوم بنشره في مجلة المنار.
وقد بدأ الأستاذ محمد عبده والشيخ رشيد رضا في هذه الطريقة من التفسير من غرة محرم عام ١٣١٨ هـ.
стр. 116
يقول الشيخ رضا في ذلك: «وكنت أكتب في أثناء إلقاء الدرس مذكرات أودعها ما أراه أهم ما قاله، وأحفظ ما كتب لأجل أن أبيضه وأمده بكل ما أتذكره في وقت الفراغ، ولم ألبث أن اقترح عليَّ بعض الراغبين في الإطلاع عليه من قراء المنار في البلاد المختلفة، ومن الحريصين على حفظه من الإخوان بمصر أن أنشره في المنار، فشرعت في ذلك في أول المحرم سنة ١٣١٨ هـ وذلك في المجلد الثالث من المنار، وكنت أولاً أطلع الأستاذ الإمام على ما أعده للطبع كلما تيسر ذلك بعد جمع حروفه في المطبعة وقبل طبعه فكان ربما ينقح فيه زيادةً قليلة أو حذف كلمة أو كلمات، ولا أذكر أنه انتقد شيئاً مما لم يره قبل الطبع، بل كان راضياً بالمكتوب بل معجباً به، على أنه لم يكن كله نقلا منه ومعزوا إليه، بل كان تفسيرا للكاتب من إنشائه اقتبس فيه من تلك الدروس العالية جل ما استفاد منها، لذلك كنت أعزو إليه القول المنقول عنه إذا جاء بعد كلام لي في بيان معنى الآية أو الجملة على الترتيب، فإذا انتهى النقل وشرعت بكلام لي بعده قلت في بدئه (أقول) ولم يكن هذا التمييز ملتزماً في أول الأمر، بل يكثر في الجزء الأول مالا أعزو فيه، ومنه ما هو مشترك بين ما فهمته منه ومن كتب التفسير الأخرى، أو من نص الآية، على أنني عبرت عنه بأمالي مقتبسة، ولما كان رحمه الله تعالى يقرأ كل ما أكتبه إما قبل طبعه وهو الغالب، وإما بعده وهو الأقل، لم أكن أرى حرجاً فيما أعزو إليه مما فهمته منه وإن لم أكن كتبته عنه في مذكرات الدروس، لأن إقراره إياه يؤكد صحة الفهم وصدق العزو». (١)
واستمر الإمام محمد عبده والشيخ رضا في هذه الطريقة من التفسير من عام ١٣١٨ هـ إلى عام ١٣٤٣ هـ/ حيث توفي الإمام في هذا العام، بعدما
стр. 117
استمر أكثر من ست سنوات في إلقاء دروس التفسير في جامع الأزهر، مبتدءا من أول القرآن إلى أن وصل إلى قوله تعالى في سورة النساء ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ (١)، فكان مجمل ما قرأه الأستاذ الإمام ما يقارب خمسة أجزاء في ست سنين.
وبعد أن توفي الإمام ﵀، شعر محمد رشيد رضا بعبء المسئولية الملقاة إليه، وأنه لابد من أن يتحمل وحده تبعه تأليف تفسير للقرآن، فعزم على إتمام هذا التفسير كاملاً، فبدأ من حيث انتهى الإمام في تفسير القرآن إلى أنه وافته المنية بعدما أنهى تفسير الآية ١٠١ من سورة يوسف وهي قوله تعالى ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾. (٢)
فكان مجمل ما فسره بعد وفاة الإمام ما يقارب سبعة أجزاء في أكثر من ثلاثين سنة.
وانتهى تفسير المنار بما أتمه الشيخ رضا إلى اثني عشر مجلداً، ينتهي المجلد الثاني عشر وقد أكمل الأستاذ بهجت البيطار تفسير سورة يوسف، وطبع تفسير هذه السورة بتمامها في كتاب مستقل يحمل اسم الشيخ رضا ﵀. (٣)
стр. 118
المبحث الثاني
منهجه في التفسير
كان المنهج المتبع في بداية تأليف المنار، هو منهج الإمام محمد عبده، حيث كان يمتاز بالخصائص التالية: (١)
١ - نظرته للسورة القرآنية على أنها وحده كاملة.
٢ - يسر العبارة وسهولة الأسلوب.
٣ - عدم تجاوز النص في مبهمات القرآن.
٤ - محاربته الإسرائيليات والخرافات.
٥ - حرصه على بيان هداية القرآن الكريم.
٦ - دحضه للشبهات التي تثار حول القرآن والإسلام.
٧ - نبذ التقليد والجمود.
٨ - بيانه لحكمة التشريع.
ولكن بعد وفاة الإمام، لم يلزم رشيد رضا نفسه بنهج الإمام وطريقته، بل كان له نهج آخر عبر عنه بقوله «وإني لما استقللت بالعمل بعد وفاته
стр. 119
خالفت منهجه رحمه الله تعالى بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيرا لها أو في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة - وفي بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر أو يقوي حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو بحل بعض المشكلات التي أعيا حلها بما يطمئن به القلب وتسكن إليه النفس». (١)
стр. 120
المبحث الثالث
طريقته في التفسير
طريقة رشيد رضا في تفسيره المنار، هو أن يذكر مقدمة للسورة كبيان مكيتها أو مدنيتها، وعدد آياتها، ومناسبتها لما قبلها، وسبب نزولها، وما يخصها من بعض الوجوه الأخرى.
ثم بعد ذلك يأخذ آية أو أكثر ويفسرها على حدة، وقد يتوسع في بعضها إذا رئي أنها تحتاج لبيان وشرح وتفصيل، وذكر للأقوال المخالفة، وقد يختصر في البعض الآخر إذا لم تكن بحاجة إلى التوسع في تفسيرها أو قد يكون تناول تفسيرها في موضوع سابق.
وبعد أن ينتهي من تفسير السورة بشكل مجمل، يأتي بخلاصة للسورة في آخرها، عدا سورة البقرة أوردها في أولها:
مثال ذلك:
ذكر في آخره سورة (براءة) أنها تحتوي على خمسة أبواب: (١)
الباب الأول: في صفات الله تعالى وشؤونه في خلقه وأحكامه وسننه فيها.
стр. 121
الباب الثاني: في مكانة محمد ﷺ ، وخاتم النبيين عند ربه وفي هداية دينه وحقوقه على أمته.
الباب الثالث: في دين الإسلام، وما في السورة من حججه وأصوله وصفات أهله.
الباب الرابع: في المسائل المالية والعسكرية والسياسية، وما فيها من أحكام القتال.
الباب الخامس: في شؤون الكفار والمنافقين وحكم الإسلام عليهم، وسياسته فيهم.
وذكر في آخر سورة الأعراف أنها تحتوي على ستة أبواب:
فالباب الأول: توحيد الله تعالى إيمانا وعبادة وتشريعا، وصفاته وشؤون ربوبيته.
الباب الثاني: الوحي والكتب والرسالة والرسل.
الباب الثالث: الآخرة والبعث والجزاء.
الباب الرابع: أصول التشريع وبعض قواعد الشرع العامة.
الباب الخامس: آيات الله وسننه في الخلق والتكوين.
الباب السادس: سنن الله تعالى في الاجتماع والعمران البشري، وشؤون الأمم، المعبر عنه في عرف عصرنا بعلم الاجتماع. (١)
стр. 122
المبحث الرابع
خصائص تفسير المنار
إن المتأمل لتفسير المنار يجد أنه قد تفرد بخصائص كثيرة مما جعل الكثير من الناس يقبل على قراءته ودراسته والعناية به على الرغم من كثرة التفاسير، ولا عجب في ذلك فقد كان الشيخ محمد رشيد رضا عالماً متبحراً في جميع العلوم والفنون سواء الشرعية أو غير الشرعية، وصاحب مادة غزيرة وإلى جانب هذا فقد حباه الله قوةً في التعبير وجمالا في الأسلوب وروعةً في البيان.
ولعل من أهم الخصائص التي اختص بها ما يلي:
١ - العناية بالتحقيقات اللغوية:
يرى رشيد رضا أنه لا مجال لفهم القرآن وتذوق حلاوته إلا بالإلمام باللغة العربية التي أنزل بها القرآن.
فكان يهتم اهتماماً واسعاً بالتحقيقات اللغوية في تفسيره لبيان مراد الله في كتابه، وتقريب معناه للقارئ.
حيث يقول: «لا يتعظ الإنسان بالقرآن، فتطمئن نفسه بوعده، وتخضع لوعيده إلا إذا عرف معانيه، وذاق حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ، مع النظر في بعض النحو كنحو ابن هشام وبعض
стр. 123
فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر، وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن». (١)
مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾. (٢)
يقول «وليخش» أمر من الخشية، وهي كما في المعاجم الخوف، وقال الراغب: هي خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خُص العلماء بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. (٣)(٤)
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. (٥)
يذكر أقوال أهل اللغة في معنى «الذرء».
ويعقب عليها بقوله: «فإذا تأملت مع هذه الأقوال استعمال القرآن لهذا الحرف في النبات والحيوان والإنسان خاصة، علمت أن الذرء في أصل اللغة، بمعنى خلق ذلك أي إيجاده، كما أن أصل معنى الخلق التقدير، ويسند إلى الله تعالى بمعنى إيجاد الأشياء بتقدير ونظام لا جزافاً ولهذا عطف الذرء
стр. 124
والبدل على الخلق في حديث الدعاء «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ». (١)
٢ - العناية بالقضايا البلاغية والإعرابية:
كان اهتمام الشيخ بالقضايا البلاغية والإعرابية لا يقل عن اهتمامه بالتحقيقات اللغوية، فكان يهتم في تفسيره بالقضايا البلاغية المهمة، كتحدثه عن براعة خواتم السورة وفواتحها، وعلاقة السورة بما قبلها، وبلاغة التناسب بين سوره وآياته، وبلاغته في إيجازه، وكان يرى أن الإنسان لا يمكنه أن يتعظ بالقرآن إلا إذا كان لديه بعض فنون البلاغة. (٢)
مثال ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾. (٣)
قال: «ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر «غفور» له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يقال إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية، وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات، والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جداً، ومرجعه إلى اجتهاد المضطر، ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن
стр. 125
يعرف القدر الذي يمسك الرمق وبقي من الهلاك بالتدقيق، وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود والله أعلم». (١)
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾. (٢)
يقول: «قالوا إن هذا خبر لا يقصد به الأخبار، بل التحسر والتحزن والاعتذار، فهو بمعنى الإنشاء وذلك أنها نذرت تحرير ما في بطنها لخدمة بيت الله والانقطاع لعبادته فيه، والأنثى لا تصلح لذلك عادة لا سيما في أيام الحيض». (٣)
٣ - بيانه لحكمة التشريع:
فكان لا يكتفي رشيد رضا في تفسيره للآية أو السورة في بيان معناها وما تدل عليه والمراد منها.
بل كان يذهب إلى أبعد من ذلك، فكان يذكر الحكمة من تشريعها وما تشتمل عليه من مصالح للفرد أو للجماعة سواء كانت روحية أو مادية، نجد هذا واضحاً في آيات الحج والصوم والقصاص وغيرها، وهو في أثناء ذلك كله يبين عظمة الإسلام وما يمتاز به من رحمة وعدالة ويسر.
стр. 126
مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾. (١)
فبعد أن بين معنى الآية والمراد منها ذكر الحكمة من تشريع الصيام، حيث يقول: «ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتاً فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوفٌ رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه ﷺ ، ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله: «رحماء بينهم» ومن فوائد الصيام الاجتماعية المساواة بين الأغنياء والفقراء والمملوك والسوقه، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة، فجميع المسلمين يفطرون في وقتٍ واحد لا يتقدم أحد على أحد آخر دقيقه واحدة وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة، ومن فوائده الصحية أنه يفني المواد الراسبة في البدن ولا سيما أبدان المترفين أولي النهم وقليلي العمل، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من فساد الذرب والسموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم أو يحول دون كثرته في الجوف وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوه على الكر والفر، قال ﷺ «صوموا تصحو» رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة وأشار في الجامع الصغير إلى حسنه ويؤيده «أغزو تغنموا، وصوموا تصحوا وسافرو تستغنوا» رواه الطبراني في الأوسط عنه.
وقال بعض أطباء الأفرنج: إن صيام شهر واحد في السنة يذهب بالفضلات الميتة في البدن مدة سنة.
стр. 127
وأعظم فوائدة كلها الفائدة الروحية التعبدية المقصودة بالذات وهي أن يصوم لوجه الله تعالى، كما هو الملاحظ في النية على ما قدمناه ومن صام لأجل الصحة فقط فهو غير عابد لله تعالى في صيامه، فإذا نوى الصحة مع التعبد كان مثابا كمن ينوي التجارة مع الحج، فإنه لولا العبادة لاكتفى بالجوع والحمية وآية الصيام بهذه النية والملاحظة التحلي بتقوى الله تعالى وما يتبعها من أحاسن الصفات والخلال وفضائل الأعمال». (١)
٤ - ابتعاده عن الإسرائيليات:
كان رشيد رضا من أشد الناس محاربة للإسرائيليات والتحذير منها. وبيان خطرها في تفسيره، متبعاً بذلك منهج شيخه محمد عبده الذي كان حريصاً على تنقيه التفسير من هذه الإسرائيليات.
حيث يقول: «وقد قلت لكم غير مرة إنه يجب الاحتراس في قصص بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء، وعدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المفسرين والمؤرخين، فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم اليوم يقولون معنا إنه لا يوثق بشيء من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات، إلا بعد التحري والبحث واستخراج الآثار، فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لا يوثق بها، لحسن قصدهم، ولكننا لا نعول على ذلك بل ننهي عنه، ونقف عند نصوص القرآن لا نتعداها، وإنما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته». (٢)
стр. 128
٥ - يسر العبارة وسهولة الأسلوب:
منَّ الله تعالى على رشيد رضا بقلمٍ سيال بحيث يستطيع أن يقدم للقارئ مادة علمية رصينة بأسلوب سهل وبعبارة يسيره بحيث توضح المعنى وتجلي الفكرة، وكل ذلك بعيداً عن التقعر في الألفاظ والكلمات. وبأسلوب أدبي رفيع يجذب القارئ إليه.
ولا عجب ولا غرابه في ذلك فالشيخ رشيد رضا أعطى حظاً وافراً في الكتابة والتعبير وإيصال المعاني.
٦ - كثرة استشهاده بالأحاديث النبوية:
فقد كان الشيخ محمد رشيد رضا عالماً في علم الحديث متمكناً منه بعكس شيخه الإمام محمد عبده الذي لم يكن له دراية في الحديث وعلومه.
فكان يكثر من الاستشهاد بالأحاديث النبوية في تفسيره ويبين المراد منها. حيث يقول: «هذا وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته خالفت منهجه رحمه تعالى بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيراً لها أو في حكمها ...... ». (١)
٧ - بيان سنن الله في الكون والإنسان والحياة:
لعل من أعظم ما امتاز به تفسير المنار إرشاده إلى سنن الله وكونها لا تتخلف ولا تتبدل ولا تتغير.
فلا نكاد نمر بتفسير آية إلا ونجد فيه ما يلفت المسلمين إلى واقعهم
стр. 129
السيئ وإلى المسافات الشاسعة بين هذا الواقع وبين هدي القرآن كما نجد الإفاضة الكثيرة في تقرير هذه السنن في الاجتماع والعمران وهذه لفتات كريمة حقاً، فإن الله ﵎ ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وقد أرشدنا القرآن لأن نعتبر بأحداث الأمم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾. (١)
فلا عجب أن يشرح رشيد رضا هذه السنة وآثارها وأن يبث ذلك في تفسيره كل ذلك من أجل أن يستيقظ المسلمون من سباتهم وأن ينهضوا من كبوتهم وأن ينفضوا عنهم غبار اليأس المتراكم ووعثاء الغرور والتمني، حتى أننا نجده يعقد فصولاً في ذلك، من ذلك ما نراه في خلاصة تفسيره سورة الأعراف حيث يفرد باباً في سنن الله تعالى يضمنه الأصول التالية: (٢)
١ - إهلاك الله الأمم بظلمها لنفسها وغيرها.
٢ - بيان أن للأمم آجالاً لا تتقدم ولا تتأخر عن أسبابها، التي اقتضتها السنن الإلهية العامة.
٣ - ابتلاء الله الأمم بالبأساء والضراء تارة، وبضدها من الرخاء والنعماء تارة أخرى.
٤ - بيان أن الإيمان بما دعا الله إليه، والتقوى في العمل بشرعه فعلاً
стр. 130
وتركاً، سبب اجتماعي طبيعي لسعة بركات السماء والأرض وخيراتها على الأمة.
٥ - استدراجه تعالى للمكذبين والمجرمين وإملاؤه لهم.
٦ - سنة الله في الأمم التي ترث الأرض من بعد أهلها الإملاء، هي سنته تعالى في أهلها.
ويفصل كل أصل من هذه الأصول، ولا نعدو الحقيقة إن قلنا أن تفسير المنار كان له أثر كبير في السنن، وهو ينعي على المتواكلين، ولا نعدو الحقيقة إن قلنا إن خير ما يمتاز به هذا التفسير هو تفصيل هذه السنن تفصيلاً يجمع إلى دقه البحث وعمق الفهم نبيل الغاية وكريم المقصد. (١)
٨ - عدم تجاوز النص فيما ورد مبهماً:
لقد كان منهج الإمام محمد عبده ومن بعده تلميذه رشيد رضا عدم تجاوز النص فيما ورد مبهماً في القرآن.
وذلك بالوقوف عند حدود ما ذكره القرآن، فلو كان فيما وراء ذلك حكمة وفائدة لما أغفلها النص وأهمل ذكرها.
مثال ذلك يقول محمد عبده عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾. (٢)
стр. 131
«ونسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن». (١)
ويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾. (٢)
«ونسكت عن تعيين نوع ذلك الرجز كما هو شأننا في كل ما أورده القرآن .... ». (٣)
стр. 132
المبحث الخامس
منهجه العقدي في تفسير المنار
للشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره المنار منهج عقدي واضح في تفسير آيات العقيدة، يتضح ذلك من خلال الاطلاع على ما كتبه في تفسيره لبعض الآيات الواردة في الحث على الإيمان والتوحيد، وكذلك الآيات الواردة في الأسماء والصفات، أو الآيات الواردة في القضاء والقدر، أو التي تحث على التفكر والتدبر، ويمكن القول بأن منهجه العقدي في التفسير يتميز بما يلي:
أولا: عدم الالتفات إلى أسباب النزول في تفسير آيات العقيدة:
يرى الشيخ رشيد رضا أن معرفة أسباب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام، أما آيات العقيدة والتوحيد فلا يحتاج إلى معرفة سبب نزولها.
حيث يقول: «ويقول الأستاذ الإمام إن سبب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام، لأن معرفة الوقائع والحوادث التي نزل فيها الحكم تعين على فهمه وفقه حكمته وسره، ومثلها ما فيه إشارة إلى بعض الوقائع كغزوة بدر والنصر فيها، ومصيبة المؤمنين في أحد، وأما الآيات المقررة للتوحيد وهو المقصود الأول من الدين فلا حاجة إلى التماس أسباب نزولها، بل هي لا تتوقف على انتظار السؤال، وإنما كان يبين عند كل مناسبة» (١)، وهذا
стр. 133
أساس من الأسس التي قام عليها منهج المنار في تفسير آيات العقيدة.
فعند تفسير قوله تعالى (١): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (٢)
قال الأستاذ الإمام: «نبههم إلى أن المنافع التي يرقبونها من شركهم إنما هي بيده الكريمة وحده، كأنه يقول: إذا أنتم تركتم ما أنتم فيه لأجله تعالى فهو بتفرده بالالوهية يكفيكم كل ضرر تخافونه، ويعطيكم برحمته الواسعة كل ما ترجونه، فإن بيده ملكوت كل شيء، وكل ما تعتمدون عليه من دونه فليس محلاً للاعتماد، بل اعتمادكم عليه من قبيل الشرك، فيجب أن تطرحوه جانباً، وتعتقدوا أن الإله الذي بيده أزمة المنافع والقادر على دفع المضار وإيقاعها هو واحد لا سلطان لأحد على إرادته، ولا مبدل لكلمته، ولا أوسع من رحمته، وإنما أكد أمر الوحدة هذا التأكيد تحذيراً من طرق الشرك الخفية، على أنها أساس الدين وأصله، ثم قال: أرأيت هذا الاتصال المحكم بين الآية وما قبلها؟ إن بعض المفسرين قد قطع عراه وفصمها وجعل الآية جواباً لقوم قالوا للنبي ﷺ : انسب لنا ربك .. (٣)
فهو إن صح رواية لا يزيدنا بياناً في فهم الآية ولا يصح أن يجعل سبباً لنزولها، لا سيما بعد الذي علم من اتصالها بما قبلها كما يليق ببلاغة القرآن، ومثل هذا السبب
стр. 134
يجعل القرآن مبدداً متفرقاً لا ترتبط أجزاؤه، ولا تتصل أنحاؤه. ومثله ما قالوه في سبب الآية التي بعد هذه الآية، فإنها جاءت على سنة القرآن من وصل الدليل بالدعوى، ولكنهم رووا في سببها روايات منها أن آية ﴿وإلهكم إله واحد﴾، نزلت بالمدينة، ثم سمع بها مشركوا مكة فقالوا ما قالوا وعجبوا كيف يسع الخلق إله واحد، وطلبوا الدليل على ذلك. كأنهم لم يكونوا قد سمعوا عليه دليلاً، وكأن هذه الدعوى لم تكن طرأت على أذهانهم ولا طرقت أبواب مسامعهم، على أن النبي ﷺ كان قد أقام فيهم يدعوهم إلى هذا التوحيد عشر سنين ونيفاً، وسبق لهم التعجب منه ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ (١) ومعظم ما نزل بمكة آيات وبراهين عليه، فكيف نسلم أن ما نراه في التنزيل المدني من آيتين متصلتين إحداهما في التوحيد والأخرى في دليله، قد كان من الفصل بينهما أن نزل الدليل بعد المدلول بزمن طويل وسبب متأخر؟ .
وأضاف الأستاذ الإمام بعد بيان اتصال الآية بما قبلها وتقرير معناها: ومن هنا يظهر أنها لا يصح أن تكون جواباً للذين قالوا: انسب لنا ربك، أو صف لنا ربك، لأن هذا السؤال إنما يصدر عمن لا يعرف شيئاً من صفات هذا الرب العظيم، أو ممن يبغي أن يعرف مقدار علم المسؤول بهذه الصفات، ويجب أن يكون جوابه بذكر العلم والحكمة والإدارة والقدرة، وهي صفات لا تعقل الألوهية إلا بها، وسببه أن أولئك الكفار لم يكونوا يكتمونها ولا يشركون مع الله أحداً فيها، وإنما أشركوا في الألوهية بعبادة غير الله تعالى
стр. 135
بالدعاء والنذور والقرابين، ويستلزم هذا عدم اكتفائهم برحمته» وقال: إن الاكتفاء بذكر الوحدة والرحمة على الوجه الذي قررناه في تفسير الآية ظاهر لا تطلب البلاغة غيره، لأن الوحدة تذكر أولئك الكافرين الكاتمين للحق بأنهم لا يجدون ملجأ غير الله يقيهم عقوبته ولعنته، وذكر الرحمة بعدها يرغبهم في التوبة ويحول دون يأسهم من فضل الله بعد إيئاسهم ممن اتخذوهم شفعاء ووسطاء عنده». (١)
ثانيا: عدم اللجوء إلى تأويل الصفات:
فمنهج الشيخ رشيد رضا في آيات العقيدة، أن لا يلجأ إلى تأويل آيات الصفات مختاراً بذلك رأي ابن تيمية ومدافعاً عن نهجه. (٢)
إلا أنه نسب إلى ابن تيمية أنه يقول بأن آيات الصفات من المتشابهات (٣)، وهذا خطأ من الشيخ، فابن تيمية ينفي التشابه عن آيات الصفات ويرى أنها معقولة المعنى مجهولة الكيف. (٤)
فيقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾. (٥)
стр. 136
«المعنى، ولله دون غيره جميع الأسماء الدالة على أحسن المعاني وأكمل الصفات». (١)
ويقول في موضع آخر: «وأسماء الله كثيرة وكلها حسن بدلالة كل منها على منتهي كمال معناه وتفضيلها على ما يطلق منها على المخلوقين كالرحيم والحكيم والحفيظ والعليم» (٢)، وهذا القول موافق لما عليه أهل السنة في الأسماء.
ويقول في موضع آخر: «فقاعدة السلف في جميع الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن صفات الخلق، الثابت عقلاً ونقلاً بقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣) فنقول إن لله علماً حقيقياً هو وصف له، ولكنه لا يشبه علمنا، وإن له سمعاً حقيقياً هو وصف له لا يشبه سمعنا، وإن له رحمة حقيقية هي وصف له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس، وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فنجمع بذلك بين العقل والنقل ... ». (٤)
ويقول أيضاً مثبتاً أن طريقة السلف هي الصحيحة وأنها تجمع بين العقل والنقل، قال: «إنما الطريقة المثلي في الجمع بين العقل والنقل في الصفات أن يقال: إنه قد ثبت بهما أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وثبت
стр. 137
عقلاً أن خالق العالم لابد أن يكون متصفاً بصفات الكمال، وثبت نقلاً عن الوحي الذي جاء به الرسل وصفه تعالى بالعلم والقدرة والرحمة والمحبة، والعلو فوق الخلق، والاستواء على العرش، وتدبير أمر العالم كله فنحن نتخذ قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾». (١)
قاعدة ومرآة لفهم جميع ما وصف الله تعالى به نفسه وما وصفه رسوله ﷺ وهو أنه ليس كمثله شيء وأنه سميع بسمع ليس كمثل أسماع المخلوقين، ويبصر ببصر ليس كبصرهم، وعليم بعلم ليس كعلمهم، ورحيم برحمة ليست كرحمتهم، ويحب بمحبة ليست كمحبتهم، ومستو على عرشه استواءً ليس كاستواء ملوكهم على عروشهم، وتدبير أمورهم تدبيراً ليس كتدبير ملوكهم ورؤسائهم لما يدبرونه .... ». (٢)
ثالثا: التأكيد على أن الإسلام دين العقل:
كان الشيخ رشيد رضا ومن خلال تفسيره المنار دائم التركيز والتأكيد على أن الإسلام دين العقل. وأنه متوافق مع العقل من غير تضاد.
حيث يقول: «بناء أصول الدين في العقائد وحكمة التشريع على إدراك العقل لها، واستبانته لما فيها من الحق والعدل ومصالح العباد، وسد ذرائع الفساد والشاهد عليه من هذه السورة (٣)، قوله تعالى في الاستدلال على توحيده بآياته في السموات والأرض ما بينهما: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
стр. 138
وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. (١)(٢)
فالعقل كما يرى رشيد رضا يشارك النقل في الدين بكونه مدركا له، وبالتالي فإن العقل يعتبر شريكاً للنقل في تفسير النصوص القرآنية، ويرى بأنه لا يجوز لنا أن نحرف الآية عما يقتضيه سياقها إلا بحجة من خبرٍ صحيح أو عقل. (٣)
وقد بين رشيد رضا أن الإسلام معقول ولا محال في عقائده حيث يقول: «إنه ليس في عقائد الإسلام شيء يحكم العقل باستحالته، وإنما فيه أخبار عن عالم الغيب لا يستقل العقل بمعرفتها، لعدم الإطلاع على ذلك العالم، ولكنها كلها من الممكنات أخبر بها الوحي فصدقناه، فالإسلام لا يكلف أحداً أن يأخذ بالمحال». (٤)
وقال: «إن الإسلام دين البصيرة والعقل والبينة والبرهان، وآيات القرآن الكثيرة ناطقة بذلك. كقوله تعالى ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ (٥)، وكقوله تعالى ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى
стр. 139
مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (١)، وكقوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾. (٢)(٣)
رابعا: الدفاع عن العقيدة الإسلامية ورد الشبهات المثارة حولها:
يعتبر العصر الذي عاش فيه الشيخ رشيد رضا بداية انفتاح المجتمعات الإسلامية على المجتمعات الغربية أو الإفرنجية كما كانت تسمى.
وكانت ترسل كثيراً من البعثات الطلابية للتعلم في تلك البلاد، وكان كثيرٌ منهم يعود إلى بلده بعد إنهاء دراسته هناك وهو محمل بكثير من الشبه والشكوك حول الدين والإسلام والعقيدة.
وانتشرت في هذه الفترة العلمانية والشيوعية والقومية وغيرها من الأفكار والأقوال التي تتناقض مع ما جاء به الدين.
فكان أكثر كتاب الصحف والمجلات هم من أصحاب هذه الأفكار وكانوا يكتبون ويرددون هذه الأفكار، ويثيرون الشبهات حول الإسلام من خلال ما يكتبون، فيلبّسون على العامة ومن لا علم له في الشريعة.
فكان رشيد رضا ينبري ويدافع من خلال تفسيره المنار عن الإسلام وعن العقيدة الإسلامية ببيان صلاحيته لكل زمان ومكان، وكان يرد على كثير من الشبه والاتهامات التي توجه إلى الإسلام من أعدائه الطاعنين فيه.
стр. 140
فكان يرد على شبه المستشرقين وافتراءاتهم على الإسلام تارة، ويكشف زيف افتراءات الكنيسة تارة أخرى، ويصحح العقائد المزلزلة في نفوس المستغربين تارة ثالثة، ويبين خطورة المذاهب الدخيلة والنحل الباطنية، كالبهائية والقاديانية وغيرهما، كل ذلك بأسلوب واضح، وحجة دامغه تتبختر اتضاحا، مضمنا ذلك كله الميزات التي يمتاز بها هذا الدين، فلقد رد على منكري الوحي عموما، وعلى الخصوص منكري الرسالة المحمدية، وبين أن الإسلام دين الفطرة والعقل، كما رد على منكري الجن، وهذا يدحض ما اتهم به من أنه أنكر وجودهم، وكذلك وضح سبق الإسلام في تحرير الرقيق والمرأة، وتكلم عن مقاصد القرآن في تربية النوع الإنساني، وأظهر عظمة القرآن في ما شرعة من نظم مالية وحربية وسياسية وغير ذلك. (١)
مثال ذلك رده على الذين يدعون أن الرسول ﷺ أخذ من علماء النصارى في الشام بقوله: «ولو كان النبي ﷺ تلقى عن علماء النصارى في الشام شيئاً أو عاشرهم لنقل ذلك أتباعه الذين لم يتركوا شيئاً علم عنه أو قيل فيه ولو لم يثبت إلا ودونوه ووكلوا أمر صحته أو عدمها إلى إسناده، ولو وقع ما ذكر لاتخذه أعداؤه من كبار المشركين شبهة يحتجون بها على أن ما يدعيه من الوحي قد تعلمه في الشام من النصارى، فإنهم كانوا يوردون عليه ما هو أضعف وأسخف من هذه الشبهة، وهو أنه كان في مكة قين «حداد» رومي يصنع السيوف وغيرها، فكان النبي ﷺ يقف عنده أحيانا يشاهد صنعته فاتهموه بأنه يتعلم منه، فرد الله عليهم بقوله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
стр. 141
إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾. (١)(٢)
وكذلك رده على الكنيسة وما تثيره من شبهات وتهم للإسلام، فكتب في ثنايا تفسير سورة يونس فصلاً كاملاً بعنوان «صد الكنيسة عن الإسلام وبغيه عوجاً». (٣)
خامسا: استشهاده بآراء المتكلمين والرد عليها:
من ضمن المنهج العقدي الذي اتبعه رشيد رضا في تفسير المنار هو كثرة استشهاده بآراء المتكلمين والرد عليها وبيان بعدها عن الصواب والحق، وذلك لكي يتضح للقارئ مدى صحة ما يذهب إليه من آراء وأقوال.
والذي يدل على سعة إطلاع الشيخ رشيد بآراء المتكلمين وأدلتهم أنه يذكر القول الذي يميلون إليه فيفسده ويبين بطلانه بأسلوب رائع وبأدلة علمية لا مجال لردها أو تأويلها.
وسوف أذكر هنا بعض تلك الاستشهادات ورده عليها، ليتضح للقارئ الكريم مدى سعه علم الشيخ وإطلاعه.
مثال ذلك عند تفسيره لقوله تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٤) من سورة الأنعام.
стр. 142
يقول: «ومن المباحث الكلامية في الآية قول الأشعرية إن الثواب كله بفضل الله تعالى، ولا يستحق أحد من المحسنين منه شيئاً، وقول المعتزلة إن الثواب هو المنفعة المستحقة على العمل، والتفضل المنفعة غير المستحقة، وإن الثواب يجب أن يكون أعظم من التفضل في الكثرة والشرف، إذ لو جاز العكس أو المساواة لم يبق في التكليف فائدة، فيكون عبثاً قبيحاً، ومن ثم قال الجبائي وغيره: يجب أن تكون العشرة الأمثال في جزاء الحسنة تفضلاً، والثواب غيرها وهو أعظم منها وقال آخرون، يجوز أن يكون أحد العشرة هو الثواب، والتسعة تفضل، بشرط أن يكون الواحد أعظم وأعلى شأناً من التسعة، ونقول، إن هذه النظريات كلها ضعيفة ولا فائدة فيها وإذا كان التفضل مازال وفضل على أهل الثواب المستحق بوعد الله تعالى وحكمته وعدله، فأي مانع أن يزيد الفرع على الأصل، وهو تابع له، متوقف عليه وإنما كان يكون الثواب حينئذ عبثاً، على تقدير التسليم، لو كان التفضل يحصل بدونه فيستغنى به، عنه كما هو واضح». (١)
وكذلك عند تفسير قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. (٢)
يعقد فصلاً طويلاً يتكلم فيه عن آراء المتكلمين وأهل الكلام في الخلق والتقدير والجبر والتوفيق والخذلان واختيار الإنسان.
والرد على الجبرية والقدرية، والقول الوسط في مسألة الحسن والقبح، ومسألة أفعال العباد وأفعال الباري عزوجل.
стр. 143
ثم يقول في آخره: «وجملة القول أن كلاً من الفريقين قصد تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ووصفه بالكمال الذي لا يعقل معنى الإلوهية الربوبية بدونه، فبالغ بعضهم في الإثبات وبعضهم في النفي والوسط بين ذلك وقول الرازي وأمثاله من غلاة الأشعرية في هذا المقام أبعد عن الصواب، وعن مذهب السلف.
ويمكن أن يستنبط من لوازم رأيهم، مثل ما استنبطوا من رأي خصومهم في التشنيع أو أشد، بل وجد من فعل ذلك والحق أن هذه ليست لوازم مقصودة لمذهب هؤلاء ولا هؤلاء، والجمهور على أن لازم المذهب ليس بمذهب ........... ». (١)
وكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (٢)، حيث يقول: «وما أخطأ كثير من العلماء في فهم كثير من الآيات، إلا لذهولهم عن مقارنة الآيات المتناسبة بعضها ببعض، واستبدالهم بذلك تحكيم الاصطلاحات والقواعد التي وضعها علماء مذاهبهم، وإرجاء الآيات إليها وحملها عليها، فهذا يستشكل نفي الظلم عن الله عزوجل، لأن العبيد لا يستحقون عنده شيءً من الأجر، فيكون منعه أو النقص منه ظلماً، ثم يجيب عن ذلك بأنه بالنسبة إلى الوعد فهو قد وعد بإثابة المحسن، وأوعد بعقاب المسيء ثم جعلوا جواز تخلف الوعد أو الوعيد محل بحث وجدال أيضا، فهذا يقول إن إثابة المحسن وعقاب المسيء، أمر حسن في ذاته، وموافق للحكمة، فهو
стр. 144
واجب عليه تعالى أو واجب في حقه، كما يجب له كل كمال، ويستحيل عليه كل نقص فقام الآخرون يجادلونهم على لفظ «واجب عليه» ولعلهم قالوا «يجب له» فحرفوها، ومهما قالوا فالمقصود واحد، وهو إثبات الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص، وأكثر الجدل الذي أهلك المسلمين وفرقهم شيعاً وأذاق بعضهم بأس بعض، كان مبنياً على المشاحة في الألفاظ والاصطلاحات، وكتاب الله ودينه يتبرأ من ذلك وينهى عنه». (١)
стр. 145
المبحث السادس
المآخذ التي عليه
أولا: عنفه على مخالفيه:
لعل من أكثر المآخذ على تفسير المنار ومؤلفه رشيد رضا هو عنفه على مخالفيه وشدته عليهم، ونبزهم بأبشع الألقاب واتهامه العلماء تارةً بالتقليد وتارةً بعدم الفهم وتقليله من شأنهم ومكانتهم، ووصفهم بأسوء الأوصاف.
مثال ذلك تشنيعه على الرازي في تفسيره: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١)، فيقول «إن هذا الذي قاله الرازي من أظهر هفواته الكثيرة بطلاناً، وسببه امتلاء دماغه عفا الله عنه بنظريات الكلام وجدل الاصطلاحات الحادثة، وغفلته عن معنى الإله في أصل اللغة». (٢)
وكذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ (٣)، يقول: «إننا نرى أن نصرح بأن الفخر الرازي عفا الله عنه، قد صرح في تفسيرها بأنها تدل على الجبر، وإننا نذكر عبارته بنصها، ونبين بطلانها حتى لا يغتر بها من ينخدع بلقبه وكبر شهرته». (٤)