← Акыда

Акыда · id 32254

آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى وآثارها الفكرية

مشاري سعيد المطرفي

Полный текст (362 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾. (١) (٢) وكذلك رده على الكنيسة وما تثيره من شبهات وتهم للإسلام، فكتب في ثنايا تفسير سورة يونس فصلاً كاملاً بعنوان «صد الكنيسة عن الإسلام وبغيه عوجاً». (٣) خامسا: استشهاده بآراء المتكلمين والرد عليها: من ضمن المنهج العقدي الذي اتبعه رشيد رضا في تفسير المنار هو كثرة استشهاده بآراء المتكلمين والرد عليها وبيان بعدها عن الصواب والحق، وذلك لكي يتضح للقارئ مدى صحة ما يذهب إليه من آراء وأقوال. والذي يدل على سعة إطلاع الشيخ رشيد بآراء المتكلمين وأدلتهم أنه يذكر القول الذي يميلون إليه فيفسده ويبين بطلانه بأسلوب رائع وبأدلة علمية لا مجال لردها أو تأويلها. وسوف أذكر هنا بعض تلك الاستشهادات ورده عليها، ليتضح للقارئ الكريم مدى سعه علم الشيخ وإطلاعه. مثال ذلك عند تفسيره لقوله تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٤) من سورة الأنعام.

стр. 142

يقول: «ومن المباحث الكلامية في الآية قول الأشعرية إن الثواب كله بفضل الله تعالى، ولا يستحق أحد من المحسنين منه شيئاً، وقول المعتزلة إن الثواب هو المنفعة المستحقة على العمل، والتفضل المنفعة غير المستحقة، وإن الثواب يجب أن يكون أعظم من التفضل في الكثرة والشرف، إذ لو جاز العكس أو المساواة لم يبق في التكليف فائدة، فيكون عبثاً قبيحاً، ومن ثم قال الجبائي وغيره: يجب أن تكون العشرة الأمثال في جزاء الحسنة تفضلاً، والثواب غيرها وهو أعظم منها وقال آخرون، يجوز أن يكون أحد العشرة هو الثواب، والتسعة تفضل، بشرط أن يكون الواحد أعظم وأعلى شأناً من التسعة، ونقول، إن هذه النظريات كلها ضعيفة ولا فائدة فيها وإذا كان التفضل مازال وفضل على أهل الثواب المستحق بوعد الله تعالى وحكمته وعدله، فأي مانع أن يزيد الفرع على الأصل، وهو تابع له، متوقف عليه وإنما كان يكون الثواب حينئذ عبثاً، على تقدير التسليم، لو كان التفضل يحصل بدونه فيستغنى به، عنه كما هو واضح». (١) وكذلك عند تفسير قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. (٢) يعقد فصلاً طويلاً يتكلم فيه عن آراء المتكلمين وأهل الكلام في الخلق والتقدير والجبر والتوفيق والخذلان واختيار الإنسان. والرد على الجبرية والقدرية، والقول الوسط في مسألة الحسن والقبح، ومسألة أفعال العباد وأفعال الباري عزوجل.

стр. 143

ثم يقول في آخره: «وجملة القول أن كلاً من الفريقين قصد تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ووصفه بالكمال الذي لا يعقل معنى الإلوهية الربوبية بدونه، فبالغ بعضهم في الإثبات وبعضهم في النفي والوسط بين ذلك وقول الرازي وأمثاله من غلاة الأشعرية في هذا المقام أبعد عن الصواب، وعن مذهب السلف. ويمكن أن يستنبط من لوازم رأيهم، مثل ما استنبطوا من رأي خصومهم في التشنيع أو أشد، بل وجد من فعل ذلك والحق أن هذه ليست لوازم مقصودة لمذهب هؤلاء ولا هؤلاء، والجمهور على أن لازم المذهب ليس بمذهب ........... ». (١) وكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (٢)، حيث يقول: «وما أخطأ كثير من العلماء في فهم كثير من الآيات، إلا لذهولهم عن مقارنة الآيات المتناسبة بعضها ببعض، واستبدالهم بذلك تحكيم الاصطلاحات والقواعد التي وضعها علماء مذاهبهم، وإرجاء الآيات إليها وحملها عليها، فهذا يستشكل نفي الظلم عن الله عزوجل، لأن العبيد لا يستحقون عنده شيءً من الأجر، فيكون منعه أو النقص منه ظلماً، ثم يجيب عن ذلك بأنه بالنسبة إلى الوعد فهو قد وعد بإثابة المحسن، وأوعد بعقاب المسيء ثم جعلوا جواز تخلف الوعد أو الوعيد محل بحث وجدال أيضا، فهذا يقول إن إثابة المحسن وعقاب المسيء، أمر حسن في ذاته، وموافق للحكمة، فهو

стр. 144

واجب عليه تعالى أو واجب في حقه، كما يجب له كل كمال، ويستحيل عليه كل نقص فقام الآخرون يجادلونهم على لفظ «واجب عليه» ولعلهم قالوا «يجب له» فحرفوها، ومهما قالوا فالمقصود واحد، وهو إثبات الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص، وأكثر الجدل الذي أهلك المسلمين وفرقهم شيعاً وأذاق بعضهم بأس بعض، كان مبنياً على المشاحة في الألفاظ والاصطلاحات، وكتاب الله ودينه يتبرأ من ذلك وينهى عنه». (١)

стр. 145

المبحث السادس المآخذ التي عليه أولا: عنفه على مخالفيه: لعل من أكثر المآخذ على تفسير المنار ومؤلفه رشيد رضا هو عنفه على مخالفيه وشدته عليهم، ونبزهم بأبشع الألقاب واتهامه العلماء تارةً بالتقليد وتارةً بعدم الفهم وتقليله من شأنهم ومكانتهم، ووصفهم بأسوء الأوصاف. مثال ذلك تشنيعه على الرازي في تفسيره: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١)، فيقول «إن هذا الذي قاله الرازي من أظهر هفواته الكثيرة بطلاناً، وسببه امتلاء دماغه عفا الله عنه بنظريات الكلام وجدل الاصطلاحات الحادثة، وغفلته عن معنى الإله في أصل اللغة». (٢) وكذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ (٣)، يقول: «إننا نرى أن نصرح بأن الفخر الرازي عفا الله عنه، قد صرح في تفسيرها بأنها تدل على الجبر، وإننا نذكر عبارته بنصها، ونبين بطلانها حتى لا يغتر بها من ينخدع بلقبه وكبر شهرته». (٤)

стр. 146

وعند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١)، يشنع عن الرازي بقوله: «فما أضعف دلائل هذا الإمام الشهير، ولا سيما في هذا التفسير الملقب بالكبير». (٢) ومن أمثلة تجنيه على أهل العلم ووصفهم بأسوأ الأوصاف. يقول عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٣)، «وأبعد الناس عندنا في الصبر، وأدناهم من الجزع والهلع والفزع، المشتغلون بالعلوم الدينية، فإن الشجاعة والفروسية والرماية عندهم، من المعايب التي تزري بالعلم وتحط من قدره». (٤) ولا شك أن هذا الكلام فيه تجن على أهل العلم وطعن فيهم، وتقليل من شأنهم، والذين هم أخشى الناس لله وأتقاهم له، والذين هم أكثر الناس إيماناً بالله وتوكلاً عليه وصدعاً بالحق والجهر والقوه في الحق وعدم الخوف مما سواه، وأكثرهم صبراً واحتساباً للأجر لمعرفتهم بفضله وفضل أهله، وأبعدهم عن الهلع والجزع لعلمهم بأنه من أكبر الآثام وأسوأ الأخلاق. ولا حاجة لذكر أمثلة أكثر لعنفه على مخالفيه، وإن كان رأيهم معتبراً وحيث يجده القارئ مبثوثاً في ثنايا تفسيره، حتى ولو كان بعيداً كل البعد عن موضوع الآية المفسرة.

стр. 147

ثانيا: كثرة الاستطرادات: كثرة الاستطرادات والتفريعات من المآخذ التي تحسب على تفسير المنار ولذا رأيناه ينصح القارئ في مقدمة تفسيره بمطالعة هذه الفصول الاستطرادية في غير وقت قراءته التفسير، ولكن هذا قد يكون صعباً على القارئ من الناحيتين الموضوعية والنفسية، إذ لا نتصور قارئاً ما يسهل عليه أن يقرأ تفسير بعض آية ثم يترك الاستطرادات التي قد يكون لها تعلق بتفسير الآية ولو من بعيد، ولعل من أبرز تلك الاستطرادات والتفريعات الكثيرة. تفسيره لمطلع سورة يونس حيث كتب فصولاً عند تفسير قوله تعالى ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾. (١) تزيد على مائة وخمسين صفحة وهي التي جردت فيما بعد فكانت كتاب «الوحي المحمدي». وكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢) من سورة المائدة، حيث كتب ما يزيد عن سبعين صفحة. وعند قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ (٣) من سورة الأنعام. كتب ما يزيد عن خمسين صفحة.

стр. 148

وكذلك استطراداته وتفريعاته في خلاصات السور والتي يجعلها في نهاية كل سورة. ولا شك أن هذه الاستطرادات والتفريعات تخرج بالقارئ في كثير من الأحيان عن موضوع الآية. كما أنها ليست دائما تتعلق بمسائل الدين، أو قضايا اللغة بل تتعداها إلى بعض المسائل الكونية كالنبات والفلك والرياح. مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ (١) من سورة الأعراف. حيث استطرد في بيان بعض نعم الله على الخلق كالهواء والرياح وبدأ يتكلم عن تركيب الهواء وفائدته للحياة والإنسان والنبات. (٢) وكان الشيخ رشيد رضا ﵀ شعر بذلك فحاول أن يكتب تفسيراً مختصراً يجعله كالمتن لهذا التفسير على حد تعبير الأمير شكيب أرسلان. إلا أن المنية عاجلته فلم يكتب منه إلا بعض الأجزاء وسماه «التفسير المختصر المفيد». (٣)

стр. 149

ثالثا: مخالفته جمهور المفسرين في تفسير بعض الآيات: فقد كان لرشيد رضا في تفسيره آراء وأقوال خالف فيها آراء جمهور المفسرين، وقد كانت له آراء أيضاً لم يسبقه بالقول فيها أحد. مثال ذلك مخالفته جمهور المفسرين في آية الوصية (١)، وهي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ (٢) فجمهور المفسرين على أنها منسوخة، ويرى رشيد رضا أنها غير منسوخة، ثم يحاول بعد ذلك أن يضعف حديث «لا وصية لوارث»، بحجة أن الشيخين لم يروياه مسنداً لعدم ثقتهما به، وأن البخاري قد رواه مرفوعاً عن ابن عباس- ﵁، وأنه لا يعقل أن ينسخ القرآن بالحديث. ولا شك أن الصحيح هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين بأن الآية منسوخة وأن حديث: «إن الله قد أعطى لكل ذي حقٍ حقه فلا وصية لوارث». (٣) حديثٌ صحيح تلقته الأمة بالقبول. وأجمع جمهور الأئمة على صحته، يقول الشافعي ﵀: «وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم من بالمغازي من قريش وغيرهم

стр. 150

لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح: «لا وصية لوارث ولا يقتل مؤمن بكافر». (١) ويقول: ويؤثر عمن حفظوا عنه، ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي فكان هذا نقل عامة عن عامة، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد، كذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين». (٢) ومثال ذلك أيضا، مخالفة جمهور المفسرين في تحديد من ينطبق عليها معنى الإحصان. فهو يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. (٣) «ثم قيدوا المحصنات هنا بقيد آخر وهو كونهن أبكاراً، ولأنهم يعدون من تزوجت محصنةً، وإن تأيمت بطلاق، أو موت زوجها، والوصف لا يفيد ذلك، فإن المحصنة بالزواج هي التي لها زوج يحصنها، فإذا فارقها لا تسمى محصنة بالزواج كما أنها لا تسمى متزوجة». (٤) وهذا القول بلا شك مخالف لما عليه جمهور المفسرين والفقهاء بأن المحصنة «هي من تزوجت وإن أمت بطلاق زوجها أو موته»، ثم أن الغامدية التي رجمت لم تكن ذات زوج والحق ما أجمع عليه العلماء. (٥)

стр. 151

وكذلك مخالفته إجماع المفسرين في آية التيمم في سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. (١) حيث يرى أن التيمم مباح للمسافر حتى مع وجود الماء، وهذا القول لم يسبقه إليه أحد. (٢) والمجمع عليه عند العلماء والأئمة أن التيمم إنما يباح عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله. (٣) وكذلك مخالفته جمهور المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ (٤)، فجمهور المفسرين على أن المسخ هنا مسخ حقيقي، وذهب الشيخ رشيد رضا إلى القول بأنه معنوي، تابعاً في ذلك رأى مجاهد، لأنه موافق لمنهجه العقلي. (٥) قال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر أثر مجاهد: «وهذا قولٌ غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ

стр. 152

مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ (١) (٢) ثم قال بعد أن ساق أقوال الأئمة المؤيده لقوله: «والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀ من أن مسخهم إنما كان معنويا لا صورياً، بل الصحيح أنه معنوي صوري والله تعالى أعلم». (٣) يعني أنه يشمل مسخ صورهم ومسخ أخلاقهم. وكذلك تأويله لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ ..... ﴾ (٤)، حيث يقول: «ولا يشترط أن تكون القصة في مثل هذا التعبير واقعة بل يصح مثله في القصص التمثيلية» (٥)، وهذا بلا شك قول باطل لم يقل به أحد من أئمة التفسير، فالقصص القرآنية هي عبارة عن قصص حقيقية واقعة باتفاق أهل التفسير. (٦)

стр. 153

الفصل الثالث آراؤه العقدية في أشراط الساعة الكبرى، والرد عليها ويتضمن المباحث التالية: المقدمة المبحث الأول: رأيه في أشراط الساعة الكبرى، بشكل مجمل، والرد عليه. المبحث الثاني: رأيه في خروج المسيح الدجال، والرد عليه. المبحث الثالث: رأيه في المهدي، والرد عليه. المبحث الرابع: رأيه في نزول عيسى مريم، والرد عليه. المبحث الخامس: رأيه في طلوع الشمس من مغربها، والرد عليه.

стр. 154

المقدمة ذكرنا في الفصول والمباحث السابقة، أن من المآخذ التي تثار حول رشيد رضا وسلفيته، هو رده لكثير من الأحاديث الصحيحة، باستشكالات وتساؤلات عقلية. لا سيما الأحاديث التي في الصحيحين، والتي اتفقت الأمة على أنها أصح الكتب بعد كتاب الله ، والتي تلقتهما الأمة بالقبول. وكذلك رده لجملة من الأحاديث الصحيحة، التي شهد بصحتها أهل الحديث، والتي ليس فيها مطعن أو علة من العلل التي يرد بسببها الحديث أو يضعف. وذكرنا أن من جمله الأحاديث التي ردها الشيخ رشيد رضا هي الأحاديث الوارده في أشراط الساعة الكبرى. وذلك بدعوى أنها متعارضة فيما بينها تعارضا يوجب تساقطها، أو بدعوى معارضتها للسنن الكونية الإلهية، أو بدعوى عدم تقبل العقل لها، أو بغيرها من الدعاوي الأخرى والاستشكالات. وسوف أتطرق بمشيئة الله في هذا الفصل إلى ذكر آرائه في أشراط الساعة الكبرى، والتي بينها وذكرها في تفسيره المنار في سورة الأعراف عند الآية ١٨٦ وما بعدها. ومن ثم أرد على ما أثاره من استشكالات وتساؤلات حول أشراط الساعة الكبرى، مبينا ما لها وما عليها.

стр. 155

المبحث الأول رأي رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى، بشكل مجمل للشيخ رشيد رضا حول الأحاديث الواردة في أشراط الساعة الكبرى رأيان، رأي مجمل حول هذه الأشراط بشكل عام وما تحويه من استشكالات وتساؤلات كما يسميها، ورأى مفصل تناول فيه رأيه بكل شرط وذكر ما فيه من استشكالات وتساؤلات. وسوف أذكر في هذا المبحث الرأي المجمل للشيخ رشيد رضا حول أشراط الساعة الكبرى بشكل عام، ثم بعد ذلك أتناول في المباحث القادمة رأيه في كل شرط من أشراط الساعة الكبرى، واستشكالاته وتساؤلاته والرد عليها. يرى الشيخ رشيد رضا أن الأحاديث الواردة في أشراط الساعة الكبرى. كالأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال. والأحاديث الواردة في المهدي. والأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم ﵇. والأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها.

стр. 156

يرى أنها من الأحاديث المشكلة، وأن فيها الكثير من التعارض والتناقض والاختلاف فيما بينهما. - وأن فيها مخالفة للعقل والحس والسنن الكونية والإلهية مما يوجب ردها وعدم اعتقاد صحتها وعدم الإيمان بها. حيث يقول: إن ما ورد من الأشراط الكبرى الخارقة للعادة يضع العالم به في مأمن من قيام الساعة قبل وقوعها كلها، فهو مانع من حصول تلك الفائدة، فالمسلمون المنتظرون لها يعلمون أن لها أشراطا تقع بالتدريج، فهم آمنون من مجيئها بغتة في كل زمن، وإنما ينتظرون قبلها ظهور الدجال والمهدي والمسيح ﵇ ويأجوج ومأجوج، وهذا الاعتقاد لا يفيد الناس موعظة ولا خشية، ولا استعدادا لذلك اليوم أو لتلك الساعة، فما فائدة العلم به إذا؟ وهل من الحكمة أن تكون فائدتها محصورة في وقوع الرعب في قلوب الذين يشاهدون هذه الآيات الكبرى، ولا سيما آخر آية منها؟ وكيف يتفق هذا وما ورد من كون كل رسول كان يخوف قومه وينذرهم الساعة والدجال قبلها؟ وكيف وقع هذا منهم ولم يصدقه الواقع ومثله لا يكون بمحض الرأي؟ وهل كان نبينا ﷺ يريد بالإخبار بها تأمين الناس من قيام الساعة مدة قرون كثيرة إلى أن تظهر هذه الأشراط؟ أم كان يتوقع ظهورها بعده في قرنه أو فيما يقرب منه كغيره من الرسل؟ بدليل ما ورد من تجويزه ظهور الدجال في زمنه، وتصديقه ما حكاه تميم الداري من خبر الجساسة، وكون الدجال محبوسا في جزيرة). (١)

стр. 157

هذا هو رأي الشيخ رشيد رضا في ما ورد في أشراط الساعة الكبرى بشكل مجمل. فهو يرى أن ما ذكره من إشكالات وتساؤلات عقلية كفيل برد كل ما ورد من أحاديث في أشراط الساعة الكبرى ولو كانت أحاديثها من أصح الأحاديث، ولو ذكرت في أصح الكتب بعد القرآن كصحيحي البخاري ومسلم. وفي الحقيقة أن جميع ما ذكره من إشكالات أو تساؤلات لا قيمة لها أمام تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة التي لا يسع المسلم إلا أن يؤمن ويصدق بها تصديقاً جازماً، والتي تنص وتؤكد على أن للساعة علامات وأشراطاً كبرى تسبق قيامها. فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن الحديث إذا صح فلا يلتفت إلى غيره من إشكالات أو تساؤلات عقلية، فالواجب على كل مسلم هو الإيمان والتسليم بما ثبت بتلك الأحاديث الصحيحة الصريحة وعدم ردها ودفعها بتساؤلات لا قيمة لها ولا وزن ولا حجه أمام نص نبوي صحيح ثبت لدينا بأصح الأسانيد. ثم إن الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له، يستشكل ما ليس بمشكل، ويثير الإشكالات والتساؤلات العقلية ويتكلف في الدفاع عنها، من أجل إثبات وجهة نظره ورأيه، وإن كان ليس له من الحجة لرد تلك الأحاديث سوى إثارة التساؤلات والإشكالات حول تلك الأحاديث الصحيحة لكي يجعل القارئ على الأقل يفقد الثقة بصحته.

стр. 158

الرد على إشكالاته وتساؤلاته: ١ - بالنسبة لقوله «إن ما ورد من الأشراط الكبرى الخارقة للعادة، يضع العالم بها في مأمن من قيام الساعة قبل وقوعها، فهو مانع من حصول تلك الفائدة». فهذا كلام في الحقيقية غير صحيح، وذلك لأن كل شَرَطٍ في حد ذاته فتنةٌ، ولأن وقوع الأشراط قد يكون متسارعاً ومتتالياً، ولا يدري أحد بوقت وقوع هذه الأشراط على وجه التعيين، ولا حتى على وجه التقريب وبالتالي فسيبقى لها منتظراً ومترقباً. (١) ثم أنه هو نفسه قد أثبت أن للساعة أشراطاً ونص بالذكر منها بعثة النبي ﷺ (٢). ٢ - أما قوله إن الاعتقاد بأشراط الساعة لا يفيد موعظة ولا خشية. فيقال له ولمن يقول بقوله: هل الإيمان بالملائكة أو الجن وما شابهما مما أخبر الله به من عالم الغيب يفيد موعظة أو خشية؟ فإن كان يفيد ذلك، فإن الإيمان بأشراط الساعة أيضا يفيد ذلك، لأنه من جنس الإيمان بالغيب. والفائدة التي تحصل من الإيمان بالغيب هي نفس الفائدة التي تحصل من الإيمان بأشراط الساعة.

стр. 159

٣ - أما قوله: إنها لا تفيد استعداداً لذلك اليوم، أي يوم القيامة. فهذا الشعور في الحقيقة يختلف من شخص لآخر، بحسب حال الشخص، وبحسب قربه أو بعده من الاستقامة على طريق الله. فقد يستمع أحدهم موعظة أو كلمة، فتؤثر به أشد التأثير، وقد تغير مجرى حياته كلها، وتحيي قلبه ووجدانه. وقد يستمع شخص آخر نفس الموعظة أو الكلمة، ولا تؤثر فيه بل ولا تحرك شعره من جسده، فمسألة الموعظة والخشية مسألة نسبية تختلف من شخص إلى آخر. ثم إنه منذ متى أصبح الحكم عن الحديث من حيث تأثيره أو عدم تأثيره دليلا على صحته أو ضعفه، فلو سرنا على هذه القاعدة التي يتبناها أصحاب المدرسة العقلية لرددنا الكثير من الأحاديث الصحيحة لا سيما الأحاديث التي في جانب الاعتقاد. فقد يأتي بعد ذلك قائل وهذا غير مستبعد، ويقول ما فائدة الأحاديث الواردة في عذاب القبر؟ فهي لا تفيد موعظةً ولا خشيةً ولا استعداداً ليوم القيامة فيجب ردها، وهكذا دواليك كل حديث لا يفيد موعظة ولا خشية ولا استعدادا ليوم القيامة يجب رده، فهل يقول بهذا القول إنسان عاقل؟ وفي الحقيقة إنه بمثل هذه الاستشكالات والتساؤلات فتح باب التشكيك في السنة والطعن فيها تحت مسمى البحث العلمي، كالذي كتبه المدعو أبو ريه في كتابه الذي سماه «أضواء على السنة المحمدية»، والذي كان يعتمد فيه في كثير من طعوناته في السنة على أقوال محمد رشيد رضا

стр. 160

واستشكالاته وتساؤلاته والتي هي في الحقيقة ليست استشكالات ولا تساؤلات إنما هي طعونات وتشكيكات في الحديث النبوي الشريف. ٤ - أما بالنسبة لقوله: ما الحكمة في حصر الفائدة في وقوع الرعب في قلوب الذين يشاهدون هذه الآيات ولا سيما آخر آية منها؟ وكيف يتفق هذا مع ما ورد من تخويف كل رسول لقومه من الساعة والدجال قبلها؟ وكيف وقع منهم هذا التخويف من الدجال ولم يحصل في الواقع، ومثله لا يكون بمحض الرأي؟ وهل الرسول ﷺ كان يتوقع ظهورها بعده في قرنه أم فيما يقرب منه؟ فواضح أن الشيخ رشيد رضا مغرم بإثارة الاستشكالات والتساؤلات، حتى ولو كانت في غير صلب الموضوع، ويعتقد أنه بإثارته لمثل هذه التساؤلات يستطيع الوقوف أمام تلك الأحاديث النبوية الصحيحة، أو على الأقل التشكيك في صحتها أو صدق وقوعها، وما علم أن هذه التساؤلات لا قيمة لها ولا وزن أمام تلك الأحاديث المتواترة عن سيد البشرية محمد ﷺ الواردة في أشراط الساعة الكبرى وأنه من المستحيل في الشريعة الإسلامية أن يكون هناك تناقض أو تعارض بين النصوص الشرعية. ثم إن هذه الاستشكالات الغالب عليها التكلف في محاولة لإثارة الشكوك حول هذه الأحاديث.

стр. 161

وإلا ما معنى تساؤله عن الحكمة في حصر الرعب في قلوب الذين يشاهدون الآيات الكبرى دون غيرهم. ونحن نجيب عن تساؤله هذا بتساؤل مشابه له فنقول: - ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالفقر دون بعض؟ - ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالزلازل دون بعض؟ - ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالمرض دون بعض؟ - ما الحكمة من ابتلاء الله بعض البشر بالحروب والقتل دون بعض؟ بل ما الحكمة من خلق الله البشر وامتحانهم بالخير والشر والسراء والضراء.؟ فكما أن الله ابتلى بعض من عبادة بالمرض والفقر والقتل، فكذلك ابتلى بعض عبادة بفتنة المسيح الدجال أو يأجوج ومأجوج أو غيرها من الفتن، فالخلق خلقه، والعبيد عبيده، يفعل ما يشاء كيفما شاء، في أي وقت شاء . ٦ - أما تساؤله عن وجه تحذير الأنبياء لأقوامهم من الساعة ومن الدجال قبلها، والحال أن الواقع لم يصدقهم؟ فالأنبياء بشر يبلغون ما أمرهم الله بتبليغه، فكما أنهم لا يعلمون متى وقت قيام الساعة، فكذلك لا علم لهم في وقت خروج الدجال. ثم إنه إذا حذر النبي ﷺ من الساعة ولم تقع في زمنه هل هذا دليل على

стр. 162

عدم قيام الساعة؟ بالطبع لا، فكذلك عدم خروج المسيح الدجال في زمنه ليس دليلا على عدم خروجه. ومازال الأنبياء يحذرون أقوامهم من المسيح الدجال، ولم يقع في زمن أي منهم، فهل يقال بأنهم كانوا يكذبون على قومهم وذلك لعدم خروج المسيح الدجال في زمنهم؟ بالطبع لا، فهذا أمر غيبي، علمه عند الله وحده، وما على الرسل إلا البلاغ، أما متى يخرج فهذا علمه عند الله وحده كما قلنا، وليس دليل على عدم صدق الأنبياء وحشاهم ذلك. ٧ - أما تساؤله، هل كان رسول الله ﷺ ، يريد تأمين الناس لقرون من الدجال أم أنه كان يتوقع ظهوره بعده أو فيما يقرب منه. فهذا تساؤل لا إشكال فيه لا كما يظن الشيخ رشيد رضا. فالنبي ﷺ كما ذكرنا وقلنا لم يعرف وقت ظهور الدجال بالتحديد، وإنما كان يحذر أصحابه وأمته من بعده امتثالا لأمر الله. ولا أدل على ذلك من قوله ﷺ عن الدجال «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فأمرؤُ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم». (١)

стр. 163

المبحث الثاني رأيه في خروج المسيح الدجال والرد عليه معنى المسيح: يقول ابن الأثير: «سمي الدجال مسيحاً، لأن عينه الواحدة ممسوحة، والمسيح، الذي أحد شقي وجهة ممسوح لا عين له ولا حاجب فهو فعيل بمعنى مفعول، بخلاف المسيح ابن مريم فإنه فعيل بمعنى فاعل، سمي به لأنه كان يمسح المريض فيبرأ بإذن الله». (١) وقيل سمي مسيحا، لأنه يمسح الأرض، ويسير فيها كلها في أربعين يوماً. (٢) والقول الأول هو الأقرب للصواب، لما جاء في الحديث «إن الدجال ممسوح العين». (٣) معنى الدجال: أصل الدجل، الخلط. يقال دجل إذا لبس وموه.

стр. 164

والدجال، هو المموه الكذاب، وهو من أبنية المبالغة على وزن فعال. أي يكثر منه الكذب والتلبيس. وجمعه دجالون، وجمعه الإمام مالك على دجاجلة وهو جمع تكسير. (١) ولفظ «الدجال» أصبحت علماً على المسيح الأعور الكذاب، الذي حذر منه النبي ﷺ . فإذا قيل الدجال، فلا يتبادر إلى الذهن غيره. وسمي الدجال دجالاً، لأنه يغطي الحق بالباطل، أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم. وقيل لأنه يغطي الأمر بكثرة جموعه. (٢) الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال: ثبت بالأحاديث الصحيحة الصريحة عن الصادق المعصوم ﷺ أنه سوف يخرج في آخر الزمان من جهة المشرق من خراسان من يهودية أصبهان، رجلٌ يدعي الربوبية، ويكون معه ما يشبه الجنة والنار، والحقيقة أن ناره جنة، وجنته نار، يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت ويأمر الخرائب أن تخرج كنوزها فتستجيب، ويحي الميت وغيرها من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول وتحير الألباب، يمكث في الأرض أربعين يوماً، وما ذلك إلا فتنةً للبشر واختباراً لإيمانهم، وصدق اتباعهم لنبيهم ﷺ والذي حذرهم من اتباعه وتصديقه، فمن كفر به فقد نجى وسلم، ومن صدقه فقد كفر وهلك.

стр. 165

وسوف أذكر هنا جمله من هذه الأحاديث الصحيحة التي تنص على خروج المسيح الدجال في آخر الزمان، مما لا يسع أحد ردها أو الطعن في صحتها، متحاشياً ذكر الأحاديث الضعيفة أو المتكلم بها لكي لا يكون لأحد حجه في رد بعض الأحاديث. ١ - عن النواس بن سمعان ﵁، قال «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فرفع فيه وخفض حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا. قال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولستُ فيكم فأمرؤُ حجيجُ نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شابٌ قطط (١) عينة طافئة (٢) كأني أشبهه بعبد العزى ابن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة (٣) بين الشام والعراق. فعاثن يمينا وعاثن شمالاً، يا عباد الله، فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال أربعون يوماً يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره. قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال، كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروحُ عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراً (٤) وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم

стр. 166

فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالهم. ويمرُ بالخربه فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل. (١) ثم يدعو رجُلاً ممتلئا شباباً، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين (٢) رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (٣)، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جماناً كاللؤلؤ فلا يحلُ لكافرٍ يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي إلى حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد (٤) فيقتله ... ». (٥) ٢ - عن حذيفه بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال «ما تذاكرون». قالوا: نذكر الساعة. قال: «إنها لن تقوم الساعة حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر منها الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخرُ ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم». (٦)

стр. 167

٣ - عن أنس- ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينية مكتوبٌ كافر». (١) ٤ - وعن أبي هريرة- ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «ألا أحدثكم حديثاً عن الدجال، ما حدث به نبيٌ قومه، إنه أعور وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار». (٢) ٥ - عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي الدجال وهو محرمٌ عليه أن يدخل أنقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ، فيخرج إليه رجلٌ هو يومئذٍ خير الناس أو من خير الناس. فيقول، أشهدُ أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله حديثه، فيقول الدجال، أرأيتم إن قتلتُ هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون لا، فيقتله ثم يُحييه، فيقول حين يُحييه (٣): والله ما كنت قط أشد بصيرةً من اليوم، فيقول الدجال، أقتلُهُ؟ ولا يُسلط عليه». (٤) ٦ - عن حذيفة- ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنةٌ ونار، فناره جنة، وجنته نار». (٥)

стр. 168

٧ - عن أبي بكر الصديق- ﵁ قال، حدثنا رسول الله ﷺ قال: «الدجال يخرج من أرضٍ بالمشرق يقال لها خرسان». (١) ٨ - وعن أنس- ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه سبعون ألفاً من اليهود». (٢) ٩ - عن أبي هريرة- ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض». (٣) ١٠ - عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال». (٤) أي من فتنته. ١١ - عن أبي هريرة- ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم التي أعوذُ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». (٥)

стр. 169

وذلك تحذيراً وتعليماً لأمته من المسيح الدجال، لينشر خبره بينهم جيلاً بعد جيل بأنه كذاب مبطل، ساع على وجه الأرض بالفساد وحتى لا يلتبس كفره على من أدركه. والأحاديث الواردة في خروجه كثيرة جداً ذكر منها الشوكاني في التوضيح مائة حديث وهي في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد. تواتر أحاديث المسيح الدجال: صرح الكثير من أهل العلم بتواتر الأحاديث الواردة في المسيح الدجال وقد صرح بتواترها الشوكاني، كما نقل ذلك عنه القنوجي في كتابه «الإذاعة»، حيث قال: «والأحاديث الواردة فيه كثيرة جداً ذكر منها الشوكاني في كتابه التوضيح مائة حديث وهي في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد، قال: «وليس المراد هنا إلا بيان كون أحاديث خروج الدجال متواترة، والتواتر يحصل ببعض ما سقناه، وقد بقيت أحاديث وآثار عن جماعة من الصحابة تركنا ذكرها، ووقفنا على هذه المائة، التي أشرنا إليها وإلى من خرجها». (١) وقد صرح بتواترها أيضا ابن حجر وأبو إسحاق الشيرازي كما نص على ذلك السخاوي في فتح المغيث وابن كثير في الفتن والملاحم، حيث قال بعد ذكر أحاديث الدجال: وسبب عدم ذكره بالقرآن: «ولكن انتصر الرسل لجانب الرب فكشفوا لأممهم عن أمره، وحذروهم مما معه من الفتن المظله والخوارق المضمحله فاكتفى بإخبار الأنبياء وتواتر ذلك عن

стр. 170

سيد ولد آدم». (١) وقد عنون الإمام أبو داود في سننه باباً أسماه «باب في تواتر الملاحم»، وساق فيه أحاديث فيها ذكر الدجال. (٢) ومن نص على التواتر أيضا الكتاني في كتابه «نظم المتناثر من الحديث المتواتر» حيث قال: «والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجال، وفي نزول عيسى ابن مريم ﵇» (٣)، وقال أيضا: «خروج المسيح الدجال ذكر غير واحد أنها واردة من طرق كثيرة صحيحة عن جماعة كثيرة من الصحابة، وفي التوضيح للشوكاني منها مائة حديث، وهي في الصحاح والمعاجم والمسانيد، والتواتر يحصل بدونها فكيف بمجموعها، وقال بعضهم: أخبار الدجال تحتمل مجلدات، وقد أفردها غير واحد من الأئمة بالتأليف». (٤) ونقل الأبي في شرحه على مسلم قول ابن رشد: «الأشراط عشرة المتواتر منها خمسة، الدجال، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها». (٥)

стр. 171

وقال المعلمي ﵀ في «الأنوار الكاشفة»: «فأما ذكره الدجال فمتواتر قطعاً ومن اطلع على ما في صحيح البخاري وحده علم ذلك. (١) الأحاديث الواردة في بيان صفته: ثبت كذلك بالأحاديث الصحيحة كثير من صفاته لتعريف الناس به وتحذيرهم من شره. حتى إذا خرج عرفه المؤمنون فلا يفتنون به ولا يغترون بما جاء به من عظيم الأمور والأعمال. ومن هذه الصفات أنه رجلٌ، شابٌ، أحمر قصير أفجع، جعد الرأس، أجلي الجبهة، عريض النحر، ممسوح العين اليمنى وعينه اليسرى عليها طفره غليظة. ومكتوب بين عينيه «كافر»، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب. وهذه جملة من الأحاديث التي جاء فيها ذكر صفاته السابقة: ١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ، ذكر الدجال بين ظهر الناس، فقال «إن الله تعالى ليس بأعور، ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه طافية». (٢)

стр. 172

٢ - وفي حديث النواس بن سمعان- ﵁ قال ﷺ : في وصف الدجال، «إنه شاب قطط (١)، عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن (٢)». (٣) ٣ - وفي حديث عباده بن الصامت- ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إن المسيح الدجال رجل قصير، أفجع، جعدٌ، أعور، مطموس العين، ليس بناتئة ولا جحراء، فإن ألبس عليكم فاعلموا أن ربكم ليس بأعور». (٤) ٤ - وفي حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : «وأما مسيح الضلالة، فإنه أعور العين، أجلي الجبهة عريض النحر، فيه دفأ». (٥) (٦) ٥ - وفي حديث حذيفه- ﵁ قال رسول الله ﷺ : «الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر». (٧) (٨)

стр. 173

٦ - وفي حديث أنس- ﵁ قال رسول الله ﷺ : «وإن بين عينيه مكتوب كافر». (١) وفي رواية عن حذيفة: «مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب». (٢) فائدة: جاء في الروايات السابقة وصف عينه اليمنى بالعور، وفي بعضها وصف عينه اليسرى كذلك بالعور، وكل الروايات صحيحة فكيف يجمع بينهما؟ ذهب الحافظ ابن حجر إلى أن حديث ابن عمر الوارد في الصحيحين والذي جاء فيه وصف عينه اليمنى بالعور أرجح من رواية مسلم والتي جاء فيها وصف عينه اليسرى بالعور، لأن المتفق على صحته أقوى من غيره». (٣) وذهب القاضي عياض إلى أن عيني الدجال كلتيهما معيبة، لأن الروايات كلها صحيحة، وتكون العين المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز، أي التي ذهب ضوؤها وهي العين اليمنى، كما في حديث ابن عمر.

стр. 174

وتكون العين اليسرى التي عليها ظفرة غليظة، وهي الطافية - بلا همز - معيبة أيضا، فهو أعور العين اليمنى واليسرى معاً فكل واحدة منهما عوراء، أي معيبة، فإن الأعور من كل شيء المعيب، لا سيما من يختص بالعين، فكلا عيني الدجال معيبة عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها. قال النووي في هذا الجمع: «هو في نهاية من الحسن». (١) ورجحه أبوعبد الله القرطبي. (٢) الحكمة من عدم ذكره بالقرآن ؟ ورد فيما ذكرنا في الأحاديث السابقة أن الدجال أعظم فتنة خشي النبي ﷺ على أمته منها حتى أنه حذرنا منه ﷺ أشد التحذير. ولذا حذر جميع الأنبياء أممهم منه. وأمرنا ﷺ أن نستعيذ من فتنة المسيح الدجال في آخر كل صلاة، وما ذلك إلا لعظم فتنته على البشر. ثم إنه قد ذكر الله في القرآن عددا من أشراط الساعة الصغرى والكبرى، مثل انشقاق القمر فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. (٣) ويأجوج ومأجوج فقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾. (٤)

стр. 175

وخروج الدابة فقال: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ (١) وغيرها. ومع ذلك لم يذكر الله المسيح الدجال صراحة باسمه في القرآن فما الحكمة من ذلك؟ ! في الحقيقة أنه حاول كثير من أهل العلم الإجابة عن هذا التساؤل فكان بعضهم أقرب إلى الصواب من بعض، وقد حاول الحافظ ابن حجر في الفتح الإجابة على هذا التساؤل. حيث قال: «اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه في الصلاة، وأجيب بأجوبة به أحدها أنه ذكر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. (٢) فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رفعه: «ثلاثٌ إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها». الثاني، قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى بن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٣) وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. (٤)

стр. 176

وصح أنه الذي يقتل الدجال فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر ولكونه يلقب المسيح كعيسى لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى. الثالث، أنه ترك ذكره احتقاراً وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال. والذي قبله وتعقب بأن السؤال باقٍ وهو ما الحكمة ترك التنصيص عليه، وأجاب شيخنا الإمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر بالقرآن من المفسدين، فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى وانقض أمره، وأما من لم يجيء بعد فلم يذكر منهم أحد. انتهى. وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج وقد وقع في تفسير البغوي أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. (١) وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه والعلم عند الله تعالى». (٢) وحاول كذلك الحافظ عماد الدين ابن كثير ﵀، بيان الحكمة من عدم ذكر المسيح الدجال في القرآن. حيث يقول: «إنه إنما لم يذكر بصريح اسمه في القرآن احتقاراً له حيث

стр. 177

يدعي الإلهية وهو بشر، ينافي جلال الرب وعظمته وكبريائه وتنزيهه عن النقص، فكان أمره عند الرب أحقر من أن يذكر وأصغر وأدحر من أن يجلي عن أمر دعواه ويحذر، ولكن انتصر الرسل لجناب الرب فجلوا لأممهم عن أمره وحذروهم ما معه من الفتن المضلة والخوارق المنقضية المضلة، فاكتفى بإخبار الأنبياء، وتواتر ذلك، عن سيد ولد آدم إمام الأتقياء عن أن يذكر أمره الحقير بالنسبة إلى جلال الله في القرآن العظيم، ووكل بيان أمره إلى كل نبي كريم، فإن قلت: فقد ذكر فرعون في القرآن وقد ادعى ما أدعاه من الكذب والبهتان، فالجواب أن أمر فرعون قد انقضى وتبين كذبه لكل مؤمن وعاقل، وهذا أمر سيأتي وكائن، فيما يستقبل فتنةً واختباراً للعباد، فترك ذكره في القرآن احتقاراً له، وامتحاناً به». (١) قلت: وهذا القول هو الأقرب إلى النفس والله أعلم، فهو أحقر وأذل من أن يذكره الله تعالى بصريح اسمه. ووكل بيان كذبه ودجله إلى رسله عليهم الصلاة والسلام فبينه النبي ﷺ أوضح بيان، وبين صفاته وما يجئ به، وبين كيفية الاعتصام والوقاية من شره ودجله. موقف الشيخ رشيد رضا من أحاديث الدجال: يقول الشيخ رضا: «إن أحاديث الدجال مشكلة من وجوه: (أحدها) ما ذكرناه آنفا من منافاتها لحكمة إنذار القرآن الناس بقرب الساعة وإتيانها بغتة.

стр. 178

(ثانيا) ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولى العزم من المرسلين أو تفوقها، وتعد شبهة عليها، كما قال بعض علماء الكلام، وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم. ومن المعلوم أن الله ما آتاهم هذه الآيات إلا لهداية خلقه، التي هي مقتضى سبق رحمته لغضبه، فكيف يؤتى الدجال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده؟ فإن من تلك الروايات أنه يظهر على الأرض كلها في أربعين يوما إلا مكة والمدينة، وقد روى أبو نعيم في الحلية عن حسان بن عطية (١) من ثقات التابعين أنه لا ينجو إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة (٢). وقال الحافظ وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون مرفوعا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب أ. هـ» (٣) وهو الصحيح المختار عندي. (ثالثهما) وهو من متعلقات ما قبله أن ما عزي إليه من الخوارق مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسنته تعالى ولا تحويل. وهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها. (رابعها) اشتمال بعض هذه الأحاديث على مخالفة بعض القطعيات

стр. 179

الأخرى من الدين كتخلف أخبار الرسل، أو كونها عبثاً وإقرارهم على الباطل وهو محال في حقهم. (خامسا) أنها متعارضة تعارضاً كثيراً يوجب تساقطها» (١). وبين بعض أوجه التعارض (٢) فيما يراه تعارضا وقال: «وقد حاول شراح الصحيحين وغيرهم الجمع بين الروايات المتعارضة في كل مسألة، فجاءوا بأجوبة متكلفة للجمع بينها وردها المحققون كلها أو أكثرها» (٣) بل ذهب إلى اعتبار بعضها مما تعارض فتساقط. (٤) الرد على هذه الإشكالات: يرى الشيخ رشيد رضا «أن أحاديث المسيح الدجال مشكلة من عدة وجوه»، وفي الحقيقة أن أحاديث المسيح الدجال ليس فيها أي أشكال أو تعارض فيما بينها، كما يرى الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له. وإنما الإشكال في اعتقادي هو عد الشيخ رشيد رضا وجعله مثل هذه الأحاديث مشكلة، ومحاولته رد هذه الأحاديث الصحيحة باستشكالات وتساؤلات لا قيمة لها ولا وزن أمام مجموعة الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواتر التي ذكرت في خروج المسيح الدجال. فكان الواجب على الشيخ رشيد رضا وهو الضليع في علم الحديث

стр. 180

والملقب بمحي السنة في زمنه، أن ينحى ينحو أهل الحديث في التعامل مع نصوص الحديث النبوي الشريف وذلك بمحاولة الجمع بين الأحاديث الصحيحة التي ظاهرها التعارض، إن كان فيها تعارض, لا أن يرد الأحاديث الصحيحة، لا سيما المتفق عليها في الصحيحين والتي هما أصح الكتب بعد القرآن، وقد تلقتهما الأمة بالقبول، باستشكالات وتساؤلات ومعارضات عقلية لا قيمة لها ولا وزن أمام النص النبوي الثابت بأصح الأسانيد، فإن هذا من منهج المعتزلة وأهل الكلام في التعامل مع النصوص النبوية، وعدم توقيرها واحترامها، لا منهج أهل السنة والجماعة. حيث إنهم يردون الحديث بمجرد مناقضته للعقل بأي وجه من الوجوه، وما حديث الذباب عنا ببعيد، أو يؤولون الحديث تأويلا باطلاً يتماشى مع ما يريدون، كما أول أستاذه محمد عبده معنى الدجال بأنه رمز للخرافات والدجل والقبائح (١) وهذا بلا شك تأويل باطل لا يتماشى مع نص الحديث وما يدل عليه. ومع هذا سوف أذكر هذه الاستشكالات التي ذكرها الشيخ رشيد رضا والتي بسببها رد الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال وأبين ما فيها من مجانبة الحق، وعدم معارضتها للأحاديث السابقة. مناقشة الإشكال الأول: وهي قوله «أنها منافيه لإتيان الساعة بغتة». وفي الحقيقة أنه لا تعارض ولا منافاة بين مجيء الساعة بغتة وبين وجود أمارات وعلامات تدل على قرب وقوعها.
следующие страницы →