← Акыда

Акыда · id 32254

آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى وآثارها الفكرية

مشاري سعيد المطرفي

Полный текст (362 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وصح أنه الذي يقتل الدجال فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر ولكونه يلقب المسيح كعيسى لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى. الثالث، أنه ترك ذكره احتقاراً وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال. والذي قبله وتعقب بأن السؤال باقٍ وهو ما الحكمة ترك التنصيص عليه، وأجاب شيخنا الإمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر بالقرآن من المفسدين، فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى وانقض أمره، وأما من لم يجيء بعد فلم يذكر منهم أحد. انتهى. وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج وقد وقع في تفسير البغوي أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. (١) وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه والعلم عند الله تعالى». (٢) وحاول كذلك الحافظ عماد الدين ابن كثير ﵀، بيان الحكمة من عدم ذكر المسيح الدجال في القرآن. حيث يقول: «إنه إنما لم يذكر بصريح اسمه في القرآن احتقاراً له حيث

стр. 177

يدعي الإلهية وهو بشر، ينافي جلال الرب وعظمته وكبريائه وتنزيهه عن النقص، فكان أمره عند الرب أحقر من أن يذكر وأصغر وأدحر من أن يجلي عن أمر دعواه ويحذر، ولكن انتصر الرسل لجناب الرب فجلوا لأممهم عن أمره وحذروهم ما معه من الفتن المضلة والخوارق المنقضية المضلة، فاكتفى بإخبار الأنبياء، وتواتر ذلك، عن سيد ولد آدم إمام الأتقياء عن أن يذكر أمره الحقير بالنسبة إلى جلال الله في القرآن العظيم، ووكل بيان أمره إلى كل نبي كريم، فإن قلت: فقد ذكر فرعون في القرآن وقد ادعى ما أدعاه من الكذب والبهتان، فالجواب أن أمر فرعون قد انقضى وتبين كذبه لكل مؤمن وعاقل، وهذا أمر سيأتي وكائن، فيما يستقبل فتنةً واختباراً للعباد، فترك ذكره في القرآن احتقاراً له، وامتحاناً به». (١) قلت: وهذا القول هو الأقرب إلى النفس والله أعلم، فهو أحقر وأذل من أن يذكره الله تعالى بصريح اسمه. ووكل بيان كذبه ودجله إلى رسله عليهم الصلاة والسلام فبينه النبي ﷺ أوضح بيان، وبين صفاته وما يجئ به، وبين كيفية الاعتصام والوقاية من شره ودجله. موقف الشيخ رشيد رضا من أحاديث الدجال: يقول الشيخ رضا: «إن أحاديث الدجال مشكلة من وجوه: (أحدها) ما ذكرناه آنفا من منافاتها لحكمة إنذار القرآن الناس بقرب الساعة وإتيانها بغتة.

стр. 178

(ثانيا) ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولى العزم من المرسلين أو تفوقها، وتعد شبهة عليها، كما قال بعض علماء الكلام، وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم. ومن المعلوم أن الله ما آتاهم هذه الآيات إلا لهداية خلقه، التي هي مقتضى سبق رحمته لغضبه، فكيف يؤتى الدجال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده؟ فإن من تلك الروايات أنه يظهر على الأرض كلها في أربعين يوما إلا مكة والمدينة، وقد روى أبو نعيم في الحلية عن حسان بن عطية (١) من ثقات التابعين أنه لا ينجو إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة (٢). وقال الحافظ وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون مرفوعا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب أ. هـ» (٣) وهو الصحيح المختار عندي. (ثالثهما) وهو من متعلقات ما قبله أن ما عزي إليه من الخوارق مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسنته تعالى ولا تحويل. وهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها. (رابعها) اشتمال بعض هذه الأحاديث على مخالفة بعض القطعيات

стр. 179

الأخرى من الدين كتخلف أخبار الرسل، أو كونها عبثاً وإقرارهم على الباطل وهو محال في حقهم. (خامسا) أنها متعارضة تعارضاً كثيراً يوجب تساقطها» (١). وبين بعض أوجه التعارض (٢) فيما يراه تعارضا وقال: «وقد حاول شراح الصحيحين وغيرهم الجمع بين الروايات المتعارضة في كل مسألة، فجاءوا بأجوبة متكلفة للجمع بينها وردها المحققون كلها أو أكثرها» (٣) بل ذهب إلى اعتبار بعضها مما تعارض فتساقط. (٤) الرد على هذه الإشكالات: يرى الشيخ رشيد رضا «أن أحاديث المسيح الدجال مشكلة من عدة وجوه»، وفي الحقيقة أن أحاديث المسيح الدجال ليس فيها أي أشكال أو تعارض فيما بينها، كما يرى الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له. وإنما الإشكال في اعتقادي هو عد الشيخ رشيد رضا وجعله مثل هذه الأحاديث مشكلة، ومحاولته رد هذه الأحاديث الصحيحة باستشكالات وتساؤلات لا قيمة لها ولا وزن أمام مجموعة الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواتر التي ذكرت في خروج المسيح الدجال. فكان الواجب على الشيخ رشيد رضا وهو الضليع في علم الحديث

стр. 180

والملقب بمحي السنة في زمنه، أن ينحى ينحو أهل الحديث في التعامل مع نصوص الحديث النبوي الشريف وذلك بمحاولة الجمع بين الأحاديث الصحيحة التي ظاهرها التعارض، إن كان فيها تعارض, لا أن يرد الأحاديث الصحيحة، لا سيما المتفق عليها في الصحيحين والتي هما أصح الكتب بعد القرآن، وقد تلقتهما الأمة بالقبول، باستشكالات وتساؤلات ومعارضات عقلية لا قيمة لها ولا وزن أمام النص النبوي الثابت بأصح الأسانيد، فإن هذا من منهج المعتزلة وأهل الكلام في التعامل مع النصوص النبوية، وعدم توقيرها واحترامها، لا منهج أهل السنة والجماعة. حيث إنهم يردون الحديث بمجرد مناقضته للعقل بأي وجه من الوجوه، وما حديث الذباب عنا ببعيد، أو يؤولون الحديث تأويلا باطلاً يتماشى مع ما يريدون، كما أول أستاذه محمد عبده معنى الدجال بأنه رمز للخرافات والدجل والقبائح (١) وهذا بلا شك تأويل باطل لا يتماشى مع نص الحديث وما يدل عليه. ومع هذا سوف أذكر هذه الاستشكالات التي ذكرها الشيخ رشيد رضا والتي بسببها رد الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال وأبين ما فيها من مجانبة الحق، وعدم معارضتها للأحاديث السابقة. مناقشة الإشكال الأول: وهي قوله «أنها منافيه لإتيان الساعة بغتة». وفي الحقيقة أنه لا تعارض ولا منافاة بين مجيء الساعة بغتة وبين وجود أمارات وعلامات تدل على قرب وقوعها.

стр. 181

فالعلامات والأمارات قد تكون بعيده عن قيام الساعة كبعثة النبي ﷺ وموته والتطاول في البنيان. فلا تعارض إذن ولا منافاة بين وجود الأمارات، ومجيء الساعة بغته. ثم إن هناك فرقا بين الساعة وأماراتها كما ورد في حديث جبريل ﵇، الذي ورد في الصحيحين عندما سأل جبريل النبي ﷺ عن الساعة فقال ﷺ : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، فقال جبريل ﵇: فأخبرني عن أماراتها؟ أي عن أمارات الساعة ولا أظن أن الشيخ ينكره، ثم إن بعثة النبي ﷺ من أعظم علامات الساعة، كما ذكر الشيخ من قبل، فلا ينافي هذا كون إتيان الساعة بغتة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (١) فأمارات الساعة إذا مما يستأنس به المؤمنون ويزيدهم إيماناً. (٢) فالأمارات تجعل البشر يستعدون للساعة، وكأنها مقبلة الآن، فتكون حاضرة في وجدانهم، وإن لم تكن حاضرة في واقعهم، وتجعلهم يتوقعونها في كل آنٍ وحين مع جهلهم بوقتها. (٣) فال القرطبي: «والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها تنبيه الناس على رقدتهم، وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن

стр. 182

يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم، وانقطعوا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها». (١) مناقشة الإشكال الثاني: وهو قول الشيخ رشيد رضا عن الأحاديث الواردة في المسيح الدجال «ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولى العزم من المرسلين أو تفوقها، وتعد شبهه عليها كما قال بعض علماء الكلام وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم ... ». فالشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له، يرى أن ما ذكر عن المسيح الدجال. وما سيأتي به من خوارق الأمور والأعمال التي تبهر العقول وتحير الألباب، مشابه أو مساوي لما أيد الله به أولى العزم من المرسلين من المعجزات والكرامات. وهذا بحد ذاته يعتبر شبهةً وإشكالاً كبيراً عند رشيد رضا، بل وهذه الشبهة أو الإشكال كفيلة برد كل الأحاديث الصحيحة التي ذكرت في المسيح الدجال. وفي الحقيقة أن المسألة أهون وأيسر من ذلك، لمن وفقه الله وأنار بصيرته للجمع بين النصوص أو التوفيق بينها. فالمسألة في الواقع لا شبهة ولا إشكال فيها، فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، مؤمنون بالله مقرون ومعترفون بربوبيته على خلقه،

стр. 183

ومقرون ومعترفون بأن ما جاءوا به من المعجزات إنما هو بتأييد الله لهم ليعلم الناس صدقهم وصدق ما جاؤوا به من الشرائع والأحكام، وأنهم ما أرسلوا إلا لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة من سواه. بعكس المسيح الدجال، فهو وإن جاء ببعض الأعمال والأمور العظيمة التي تبهر العقول وتحير الألباب كإحياء الموتى وأمره للسماء أن تمطر فتمطر وغيرها من الأمور، فإن أمره واضحٌ وبين لمن ثبته الله في تلك الفتنة وربط على قلبه، وذلك أن الدجال لم يدع النبوة فيلتبس أمره، وإنما إدعى الألوهية ودعا الناس إلى عبادته والكفر بعبادة الله، وهو مع دعوته الناس إلى إتباعه وطاعته فهو ناقص ومعيب ومشوه الخلق، فهو أحقر وأذل أن يدعي هذه الدعوة. ثم أن النبي ﷺ قد بين وحذر أمته من المسيح الدجال وبين صفاته، وأن من أوضح صفاته أنه مكتوبٌ بين عينيه كافر يقرؤها كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وأنه أعور والله تعالى متصف بصفات الكمال والجمال والجلال وليس بأعور. فبهذا يتبين الفرق بين ما جاء به أولوا العزم من الرسل وما سوف يجيء به المسيح الدجال من أعمال وخوارق، فأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الأحاديث ويؤمنون بها وبما دلت عليه، ولا يعتبرون ما جاء فيها من الخوارق مظنة لردها، كما يقول أهل الكلام من المعتزلة والجهمية وغيرهم. وإن قال البعض منهم بأن ما مع الدجال ليس له حقيقة، وأن ذلك إنما هو في نظر العين وليس بحقيقة، كابن حزم والطحاوي وآخرين إلا أن

стр. 184

هؤلاء دليلهم النقل لا غيره حيث تمسكوا بحديث حذيفة بن اليمان وغيره أن ماءه نار، وناره ماء بارد. (١) ولا شك أن قول هؤلاء مخالف للصواب، ولما عليه ظاهر الحديث، ولما عليه جمهور أهل السنة والجماعة. وقد رد الحافظ ابن حجر على هذا القول، حيث قال: «إن خوارق الدجال حقيقة وليست بخيالات ولا تمويهات، وهذه الخوارق من الأمور التي أقدره الله عليها فتنةً وابتلاءً للعباد، والدجال لا يمكن أن يشتبه حاله بحال الأنبياء، لأنه لم يثبت أنه يدعي النبوة حال ظهور الخوارق بين يديه، بل يكون ظهور الخوارق عند إدعائه الربوبية». (٢) أما بالنسبة لقوله: «كيف يؤتي الله الدجال هذه الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده؟ فهذا سؤال ما كان ينبغي للشيخ رشيد ﵀ وغفر له، أن يسأله فإن الله يسأل ولا يُسأل سبحانه، ومن نحن حتى نسأل الله كيف تفعل كذا وكذا؟ فالخلق خلقه والعبيد عبيده، يفعلُ ما شاء ومتى شاء لا راد لأمره ولا معقب لحكمه. ثم إننا لو فتحنا باب (كيف) و (لم) و (لماذا) لفتحنا على الدين وأهله باب شر لن يغلق، يلج منه كل مبغضٍ للدين وأهله، فاسد النية، خبيث

стр. 185

الطوية للطعن في الدين وأحكامه وعقائده، ولأصبح الدين مسائل وأفكار قابلةً للأخذ والرد على حسب الأهواء والأمزجة، فذاك يستنكر حد الردة، وذاك يجادل في حد الرجم، وذاك يجادل في وجود الملائكة، وذاك يشكك في اليوم الآخر. وهكذا يكون الدين ألعوبة لكل فاسقٍ وفاسد يشكك ويطعن بالدين بدعوى البحث عن الحقيقة، وما علم أن السلامة أن يمسك عن هذه الأقوال وعن هذا الجدل العقيم، فالأصلُ بالمؤمن أن يؤمن ويصدق بكل ما ثبت بالكتاب والسنة الصحيحة سواء علم الحكمة من ذلك أو لم يعلم، فقه معناه أو لم يفقههُ فذاك أسلم لدينه وخيرٌ لعاقبته. إلا أننا نجيب عن ما يرى الشيخ رشيد أنه إشكال فنقول: إن الله ﵎ هو رب الخلق، خلقهم لعبادته وطاعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ثم إنه ابتلاهم بالشر والخير ليعلم الصادق في عبوديته لربه من الكاذب، فالله جعل الابتلاءات والمصائب كي يمحص إيمانهم وصدقهم فمن صبر واحتسب فله الأجر، ومن جزع واعترض فعليه الوزر. وقد جاءت الكثير من الآيات في هذا الصدد. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ (١)

стр. 186

وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ (٤) فالإنسان في هذه الدنيا معرض للابتلاء والمصائب والفتن كما ذكرنا في الآيات السابقة، اختباراً وامتحاناً له. وفتنة المسيح الدجال من جملة هذه الفتن التي يسأل الإنسان ربه أن يقيه شرها ويسلمه منها. أما قوله: «وقد روى أبو نعيم في الحلية عن حسان بن عطية من ثقات التابعين أنه لا ينجو إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة».

стр. 187

فأحسن ما يقال فيه ما قاله ابن حجر في الفتح حيث قال «وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون مرفوعاً أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب». (١) والتابعي إذا تكلم عن أمر غيبي أو أسند شيئاً إلى رسول الله ﷺ يكون من قبيل الحديث المرسل الضعيف الذي لا تقوم به حجة، ثم إن ابن حجر لم يجزم بصحته إلى النبي ﷺ ، حيث قال حسن صحيح إلى حسان بن عطية ثم قال أرسله، ثم قال لعله أخذه من أهل الكتاب، وكلام ابن حجر واضح جلي، فهو حديث مرسل تابعي وهو حسان بن عطية. والمرسل كما هو معلوم ليس بحجة، قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، قال النووي في المنهاج معلقاً على كلام مسلم: مذهب الشافعي وجمهور المحدثين وجماعة من الفقهاء أنه لا يحتج بالمرسل. (٢) مناقشة الإشكال الثالث: وهو قوله: «أن ما أعطيه من خوارق مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسننه تعالى ولا تحويل». قبل الإجابة عن هذا الإشكال والذي هو ليس بإشكال في الحقيقة لابد من معرفة أمر هام.

стр. 188

وهو أن هناك فرقا بين السنن الإلهية الإنسانية، وبين السنن الإلهية الكونية. فالسنن الإلهية الإنسانية، لا تتغير ولا تتبدل ولا تتحول، وهي عادة الله في سير الحياة الإنسانية، وعادته في إثابة الطائعين وعقاب المخالفين. (١) والسنن الإلهية الكونية، قابلة للتغيير والتبديل والتحول، والتي هي منهج الله في تسيير هذا الكون وعمارته وحكمه. (٢) ولابن تيمية كلام جميل يبين فيه ثبات السنن الإلهية الإنسانية وعدم انخرامها مطلقاً وأن السنن الإلهية الكونية قد تنخرم وتتبدل وتتحول. حيث يقول ﵀ في رسالة لفظ السنة في القرآن: «اعلم أنه قد ذكر الله تعالى لفظ سننه في مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾». (٣) وقال تعالى ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾. (٤) وقال تعالى: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾. (٥) ثم قال بعد ذلك: «وهذه السنن كلها سنن تتعلق بدينه وأمره ونهيه

стр. 189

ووعده ووعيده وليست هي السنن المتعلقة بالأمور الطبيعية كسنته في الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من العادات. فإن هذه السنة ينقضها إذا شاء بما شاء من الحكم، كما حبس الشمس على يوشع، وكما شق القمر لمحمد ﷺ وكما ملأ السماء بالشهب، وكما أحيا الموتى غير مره، وكما جعل العصا حية، وكما أنبع الماء من الصخرة بعصا، وكما أنبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ ... فالعادات الطبيعية ليس للرب فيها سنة لازمة، فإنه قد عرف انتقاض عامة العادات، فالعادة في بني آدم ألا يخلقوا إلا من أبوين وقد خلق المسيح من أم، وحواء من أب، وآدم من غير أم ولا أب، وأحياء الموت متواتر مرات عديدة، وكذلك تكثير الطعام والشراب لغير واحد من الأنبياء والصالحين ... ». (١) وما سوف يأتي به المسيح الدجال من خوارق، كإحياء الموتى وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض فتنبت وغيرها إنما هو من السنن الإلهية الكونية القابلة للتغيير والتبديل. ثم إنه لابد من التنبه إلى أمر آخر وهو أن سنن الله ليس كل ما ألفه الناس فقط، فمن سننه أيضا مالا يألفه الناس كإحياء الموتى وقلب العصا إلى حية وغيرها من الأمور الأخرى. ولقد تنبه الأستاذ/ سيد قطب لهذا الفرق من خلال تفسيره (في ظلال القرآن)، حيث يقول في آخر تفسير سورة الفيل عند كلامه عن السنن: «إن سنة الله ليست فقط هي ما عهده البشر وما عرفوه، وما يعرف البشر من سنة

стр. 190

الله إلا طرفاً يسيراً يكشفه الله لهم بمقدار ما يطيقون، وبمقدار ما يتهيأون له بتجاربهم ومداركهم في الزمن الطويل، فهذه الخوارق، كما يسمونها هي من سنة الله، ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه ... ». (١) فما سوف يأتي به المسيح الدجال من خوارق ليس فيه خلاف أو تحول لسنن الله تعالى، بل هي من سنة الله تعالى، ولكنها خوارق وخلاف للسنن بالنسبة إلى مقاييس البشر ولما عرفوه كما ذكر سيد قطب. ثم إن وقت ظهور الدجال هو من مقدمات اليوم الآخر، وفيه تكثر الخوارق، وكان ينبغي للشيخ رشيد أن يطبق قاعدته الصحيحة في أمور الغيب والآخرة، وهي الإيمان بما ورد منها مع تفويض الكيفية. (٢) ثم إن ما يعطاه الدجال من الخوارق ليس فيه مخالفة لسنن الله الكونية فإننا لو أجرينا كلام السيد رشيد رضا على ظاهره لأبطلنا معجزات الأنبياء، لأنها مخالفة لسنن الله الكونية وما يقال في الخوارق التي يُعطاها الدجال على سبيل الفتنة والامتحان والبلاء، ولو سلمنا أن خوارق الدجال مخالفة لسنن الله الكونية، فإننا نقول إن زمن الدجال تنخرق فيه العادات، وتحدث أمور عظيمة مؤذنة بخراب العالم وزوال الدنيا وقرب الساعة، وإذا كان خروجه في زمن فتنة أرادها الله، فلا يقال إن الله ألطف بعباده من أن يفتنهم بخوارقه، فهو اللطيف الخبير ولكن اقتضت حكمته أن يبتلي عباده، وقد أنذرهم وحذرهم منه». (٣)

стр. 191

مناقشة الإشكال الرابع: وهو قوله «اشتمال بعض هذه الأحاديث على مخالفة بعض القطعيات الأخرى من الدين، كتخلف أخبار الرسل أو كونها عبثاً وإقرارهم على الباطل وهو محال في حقهم». ففي الحقيقة أن إشكاله هذا ليس بإشكال، ولكن الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له يصطنع التعارضات والمخالفات، ويجعل منها إشكالا يوجب رد تلك الأحاديث الصحيحة الواردة في المسيح الدجال. وذلك أن الأحاديث الصحيحة الواردة في المسيح الدجال ليس فيها أي مخالفة للقطعيات أو أخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام. ولا أدري ماذا يقصد الشيخ رشيد رضا، بمخالفتها للقطعيات فإن كان يقصد عدم وقوع ما أخبر به النبي ﷺ من خروج المسيح الدجال. فهذا إشكالٌ لا قيمة له في الحقيقة لأن النبي ﷺ كما حذر من الدجال حذر من قيام الساعة. فكما أن الساعة لم تقع ولم يأتِ وقت وقوعها فكذلك المسيح الدجال لم يخرج ولم يأتِ وقت خروجه. وليس في هذا دليل على مخالفتها للقطعيات أو كذب تلك الأخبار أو تخلفها. وهل يعقل أن ينكر أحد الساعة لعدم وقوعها في زمنه فكذلك يقال في شأن المسيح الدجال، فمن السفه أن ينكر أحدهم خروج المسيح الدجال أو

стр. 192

خروج يأجوج ومأجوج أو غيرها من أشراط الساعة الكبرى لا لشيء إلا لعدم وقوعها في زمنه. ثم إن النبي ﷺ لم يعين وقت خروج المسيح الدجال كي يقال إنها لم تقع. ثم إن الساعة لم تقم حتى الآن كي يقال إن الأخبار الواردة في المسيح الدجال غير صحيحة أو أنها مكذوبة. مناقشة الإشكال الخامس: وهي قوله: «إنها متعارضة تعارضاً يوجب تساقطها». فالشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له يرى أن مجرد وجود شبهة التعارض بين مجموع تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة الواردة في المسيح الدجال، والمذكورة في أصح الكتب بعد القرآن وهما صحيح البخاري وصحيح مسلم، مجرد وجود تلك الشبهة كفيل برد تلك الأحاديث، وعدم الالتفات إليها عند الشيخ رشيد رضا. ولا يشفع لها عنده صحة إسانيدها وإن كانت أسانيدها كالشمس في رابعة النهار. ثم إننا نقول أن دعوى التعارض فيما بينها غير صحيح ولا نقبله من الشيخ رشيد رضا، فالشيخ رشيد رضا يمزج بين الروايات الصحيحة والضعيفة والمقبول منها والمردود ثم يبني على ذلك نتائجه وما توصل إليه. وكان أحرى بالشيخ رشيد وهو العالم بالسنة والصحيح منها والضعيف أن يميز الروايات الصحيحة من الضعيفة ثم يحاول بعد ذلك

стр. 193

الجمع بين الأحاديث الصحيحة إن كان في ظاهرها تعارض أو تناقض كما يقول. متبعاً بذلك منهج أهل السنة والجماعة في الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، فالجمع بين النصوص أولى من ردها أو إهمال بعضها. ثم إن دعوى التعارض بين الأدلة الشرعية غير ممكن، وقد حكي الباقلاني الإجماع على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقاً، كما روى الخطيب البغدادي عنه ذلك فقال «يقول الباقلاني: وكل خبرين علم أن النبي ﷺ تكلم بهما، فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين، لأن معنى التعارض بين الخبرين والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب إحداهما منافياً لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف إن كان أمراً أو نهياً أو إباحة أو حظراً، أو يوجب كون إحداهما صدقاً والآخر كذباً إن كانا خبرين، والنبي ﷺ منزه عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة وكل مثبت للنبوة» (١). فالتعارض بين النصوص الشرعية سواء بين القرآن والسنة أو بين الأحاديث فيما بينها غير ممكن، وسببه قلة العلم أو قصور في الفهم. قال الشيخ بن عثيمين: «إذا وقع التعارض عندك في نصوص الكتاب والسنة، فإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم وإما للتقصير في البحث والتدبر، ولو بحثت وتدبرت لوجدت أن التعارض الذي توهمته لا أصل له». (٢)

стр. 194

وقد استعمل هذه القاعدة كثير من أئمة العلم والدين في كسر المبتدعة وتفنيد شبهاتهم، كصنيع الإمام الشافعي ﵀ في كتاب «الرسالة»، وفي كتاب «مختلف الحديث»، وكذلك الإمام أحمد ﵀ في «الرد على الجهمية» والإمام ابن قتيبة ﵀ في كتاب «مختلف الحديث»، والطحاوي ﵀ في «مشكل الآثار» وغير هؤلاء كثير من أئمة السنة». (١) ثم إنه لو اكتفى الشيخ رشيد رضا بذكر الروايات الصحيحة واعتمد عليها وأهمل غيرها من الروايات الموضوعة والمكذوبة وما أكثرها، لما وجد هناك تعارضاً فيما بين الأحاديث الصحيحة وإن كان هناك ما يوهم التعارض منها فقد بينه العلماء وشراح الحديث، وذلك بالجمع بين الروايات الصحيحة والترجيح بينها من دون رد لأي منها أو إهماله. ونضرب لذلك مثالاً ليتضح المقصود، وذلك بذكر كيفية جمع القاضي عياض بين الرواية الصحيحة الواردة في الصحيحين في وصف عين الدجال اليمنى بالعور. وبين الرواية الصحيحة الأخرى الواردة في صحيح مسلم في وصف عين الدجال اليسرى بالعور دون رد لأي منهما. حيث ذهب إلى أن عيني الدجال كلتيهما معيبة، لأن الروايات كلها صحيحة، وتكون العين المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز أي التي ذهب ضوؤها وهي العين اليمنى كما في حديث ابن عمر. (٢)

стр. 195

وتكون العين اليسرى التي عليها ظفره غليظة، وهي الطافية بلا همز - معيبة أيضاً. (١) فهو أعور العين اليمنى واليسرى معاً. فكل واحدة منهما عوراء، أي معيبة، فإن الأعور من كل شيء، المعيب، لا سيما ما يختص بالعين فكلا عيني الدجال معيبة عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها. قال النووي: «في هذا الجمع هو في نهاية من الحسن». (٢) حديث الجساسة: روى الإمام مسلم بسنده إلى عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان أنه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس وكانت من المهاجرات الأول، فقال: حدثيني حديثاً سمعتيه من رسول الله ﷺ لا تسنديه إلى أحد غيره فقالت لئن شئت لأفعلن، فقال لها أجل حدثيني، فقالت: نكحت ابن المغيرة وهو من خيار شباب قريش يؤمنذٍ، فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله ﷺ فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول ﷺ وخطبني رسول الله ﷺ على مولاه أسامة بن زيد، وكنت قد حدثت أن رسول الله ﷺ قال «من أحبني فليحب أسامة». فلما كلمني رسول الله ﷺ قلت أمرى بيدك، فأنكحنى من شئت فقال: «انتقلى إلى أم شريك». وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها

стр. 196

الضيفان فقلت سأفعل فقال: «لا تفعلي إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم»، وهو رجل من بني فهرِ فهرِ قريش وهو من البطن الذي هي منه - فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي منادي رسول الله ﷺ ينادي الصلاة فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال «ليلزم كل إنسان مصلاه». ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال «إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرا في البحر، ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت فقالت أنا الجساسة. قالوا وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون - شيطانة قال - فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد قلنا ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا الموج شهراً ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه،

стр. 197

فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدري ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعا وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة فقال أخبروني عن نخل بيسان، قلنا: عن أي شأنها تستخبر قال أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال أما إنه يوشك أن لا تثمر قال أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال أما إن ماءها يوشك أن يذهب، قال أخبروني عن عين زغر، قالوا: أي شأنها تستخبر قال هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها، قال أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا نعم. قال كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان على كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها، قالت: قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر «هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة». يعني المدينة «ألا هل كنت حدثتكم ذلك». فقال الناس نعم «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة،

стр. 198

ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو». وأومأ بيده إلى المشرق. قالت فحفظت هذا من رسول الله ﷺ . (١) مسألة: هل هناك تناقض أو تعارض بين حديث الجساسة الذي يدل على أن الدجال حي منذ زمن النبي ﷺ وبين حديث عبد الله بن عمر- ﵁ الذي هو في الصحيحين وهو قوله، صلى بنا النبي ﷺ العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال: «أرايتكُم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد». (٢)؟

стр. 199

الجواب: الصحيح الذي لا شك فيه أنه ليس هناك تناقض أو تعارض بين حديث الجساسة وحديث ابن عمر. فحديث ابن عمر عام وحديث الجساسة خاص، فيكون مستثنى من العموم. قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: في الجواب على من قال بحياة الخضر محتجاً بأن العموم ليس نصاً في الاستغراق يعني العموم في قوله ﷺ «لا يبقى على ظهر الأرض أحد». قال: «لأن الدجال أخرجه دليل صالح للتخصيص وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس ﵂، سمعت النبي ﷺ يقول إنه حدثه به تميم الداري وأنه أعجبه حديث تميم المذكور، لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال، ثم ذكر حديث تميم ثم قال: فهذا نص صريح في أن الدجال حيٌ موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث تميم الداري، وإنه باقٍ وهو حي حتى يخرج في آخر الزمان، وهو نص صالح للتخصيص يخرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة. والقاعدة المقررة في الأصول، أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه، فما أخرجه نصٌ مخصص خرج من العموم وبقى العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدل على إخراجها دليل، كما قدمناه مراراً وهو الحق ومذهب الجمهور، وهو غالب ما في الكتاب والسنة من العمومات، يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصص ويبقى العام حجة في الباقي». (١)

стр. 200

وقال العلامة محمد ناصر الألباني ﵀: «حديث الجساسة صحيح ولا مطعن فيه ولا يخالف حديث (فإنه لا يبقى على رأس مائة سنة منها اليوم أحد) فإن هذا الحديث عام وقد خص، فإن الشيطان الرجيم على وجه الأرض، والشيطان خالد إلى يوم القيامة، ولفظ الحديث شامل لكل من على وجه الأرض، وليس خاصاً ببني آدم، فكما خرج الشيطان من هذا العموم، فما الذي يمنع الدجال من الخروج من هذا العموم أيضاً، وما ينبغي أن ترد أحاديث النبي ﷺ بالرأي، وما كنا لنترك حديث رسول الله ﷺ لكلام أحد، فالجمع بحمد الله سهل، ولا تعارض ولا منافاة». (١) رأي رشيد رضا في حديث الجساسة والرد عليه: يرى الشيخ رشيد رضا بأن حديث الجساسة مصنوع، ولا يصح نسبته للنبي ﷺ . حيث يقول: «وجملة القول في حديث الجساسة أن ما فيه من العلل والاختلاف والإشكال من عدة وجوه يدل على أنه مصنوع وأنه على تقدير صحته ليس له كله حكم الرفع». (٢) فالشيخ رشيد يرى أن الحديث فيه العديد من العلل والاختلافات والإشكالات التي توجب رده والحكم عليه بأنه مصنوع. ولكن في الحقيقة أن ما أثاره الشيخ رشيد من إشكالات وتساؤلات لا ترقي إلى درجة رد الحديث لا سيما وأنه في صحيح مسلم.

стр. 201

فغاية ما ذكره الشيخ رضا هي إشكالات وتساؤلات يمكن الإجابة عليها، دون رد للحديث أو القول بأنه مصنوع. ولكن الشيخ عفا الله عنه كما قلنا من قبل، يستشكل ما ليس بمشكل وما من إشكال إلا عدة هذه الأمور الواضحة الجلية إشكالات. وسوف أذكر هنا الإشكالات والتساؤلات التي ذكرها الشيخ رضا في تفسيره المنار حول حديث الجساسة والرد عليها: ١ - قوله: «من علل الحديث أنه من الأحاديث التي تتوفر الدواعي على نقلها بالتواتر لغرابة موضوعه، ولاهتمام النبي ﷺ به وجمع الناس له وتحديثه به على المنبر، واستشهاده بقول تميم على ما كان حدثهم به قبل إسلامه، وسماع جمهور الصحابة منه، فمن غير المعقول أن لا يروى إلا آحادياً ويؤيده امتناع البخاري عن إخراجه في صحيحة لشدة تحريه». (١) الرد عليه: في الحقيقة أن الشيخ رشيد رضا حينما ذكر هذا الإشكال أجاب عليه بنفسه بقوله «وقد أجاب الحافظ في الفتح عند شرح حديث جابر في ابن صياد من كتاب الاعتصام عن هذا الإعلال بقوله: ولشدة التباس الأمر في ذلك أي الاختلاف بينه وبين حديث ابن صياد - سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد (٢)، ولم يخرج

стр. 202

حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم، وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة وعائشة وجابر، أما أبو هريرة فأخرجه أحمد من رواية عامر الشعبي عن المحرز بن أبي هريرة عن أبيه بطوله، وأخرجه أبو داود مختصراً وابن ماجه، عقب رواية الشعبي عن فاطمة قال الشعبي «فلقيت المحرز فذكره» وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن أبي هريرة .. وأما حديث عائشة فهو في الرواية المذكوره عن الشعبي قال: ثم لقيت القاسم بن محمد، فقال أشهد على عائشة حدثتني كما حدثتك فاطمة بنت قيس، وأما حديث جابر فأخرجه أبو داود بسند حسن من رواية أبي سلمه عن جابر وذكر لفظه. (١) وقول الحافظ ابن حجر هذا بلا شك أنه هو الصحيح، فالبخاري سلك مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد. مع تصحيحه لحديث الجساسة، حيث قال، وحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجال هو حديثٌ صحيح. ثم إن التواتر ليس شرطاً في قبول الحديث، ولا يلزم من صدور الأحاديث عن النبي ﷺ من على المنبر وفي حشدٍ من الناس أن يروي ذلك متواتراً. فكم من خطبة خطبها النبي ﷺ على المنبر وفي حشدٍ عظيم من الصحابة ومع ذلك لم يروها أو يرو بعضها منها إلا واحد أو اثنان أو أكثر، ممن لا يبلغ عددهم شرط التواتر؟

стр. 203

«وقد خطب النبي ﷺ في حجة الوداع عدة خطب في أعظم حشد كان في حياة النبي ﷺ ، ومع ذلك لم ينقل خطبته إلا العدد القليل من الصحابة ﵃. وقد روى الإمام أحمد ومسلم عن أبي زيد وعمرو بن أخطب الأنصاري ﵁ قال «صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى ثم تصعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس - فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا». وقد كانت هذه الخطبة العظيمة الطويلة جداً على المنبر، وفي حشد من الصحابة ﵃، ومع ذلك لم ينقل شيء منها بالتواتر». (١) فالحديث بفضل الله صحيح ويكفي إيراد مسلم له للقطع بصحته، وإن لم يخرجه البخاري، فالبخاري لم يزعم أنه جمع كل الصحيح، إنما اشترط أن لا يخرج في كتابه إلا الصحيح، حيث قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الحديث أكثر. (٢) وهو مروي عن صحابية جليلة وهي فاطمة بنت قيس ﵂ وقد رواه عنها «الشعبي» الذي اعترف الشيخ نفسه بثناء المحدثين حتى على مراسيله، فكيف وقد صرح بالسماع منها، ولقد رواه مع فاطمة بنت قيس، أبو هريرة وعائشة وجابر ﵃ أجمعين.

стр. 204

ثم إنك لتعجب من أمر الشيخ رضا والإشكالات التي يثيرها لرد الحديث النبوي فإذا كان الحديث عند البخاري ولم يوافق عليه أتى عليه بالتأويل والتشكيك كما فعل مع حديث سحر النبي ﷺ وانشقاق القمر. وإن كان عند مسلم أو غيره من الأئمة احتج عليهم بعدم رواية البخاري له في صحيحة وذلك لشدة تحريه فهو لا يسير على منهج معين في التعامل مع الحديث النبوي الشريف. ٢ - قوله: من الإشكال المعنوي في هذه الحكاية أن تميماً وأصحابه الثلاثين كانوا من عرب الشام، والمتبادر أنهم ركبوا سفينتهم من بعض ثغورهم في البحر المتوسط وقد ذكرت فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال بعد أن سرد للناس الحكاية: فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت حدثتكم به عنه - أي الدجال - وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق». قالت: فحفظت هذا من حديث رسول الله ﷺ . ثم قال: «فإن صح الحديث روايةً فهذا التردد من النبي ﷺ في مكان الجزيرة التي ذكرها تميم الداري في أي البحرين هي؟ ثم إضرابه عنهما وجزمه بأنه من جهة المشرق إلخ، إشكال آخر في متنه، وينظر إلى اختلاف الروايات الأخرى في مكان الدجال بعين وينظر إلى اختلاف الروايات في ابن صياد بالعين الأخرى، وينظر بالعينين كلتيهما إلى سبب هذا التردد،

стр. 205

ومنافاته لأن يكون كلامه صلوات الله وسلامة عليه في أمر الدجال عن وحي من الله تعالى». (١) فالشيخ رشيد رضا يعتبر أن تردد النبي ﷺ في أول الأمر في مكان الجزيرة التي ذكرها تميم الداري، وتردده ﷺ كذلك في ابن صياد، يثير إشكالا معنويا، بحيث يكون كلامه ﷺ عن الدجال ليس عن وحي من الله. وفي الحقيقة كان يسع الشيخ رشيد ما وسع أهل العلم وشراح الحديث من قبله، وأن يكتفي بما قاله الأئمة في موضوعي الجساسة وابن صياد. يقول النووي عن ابن صياد: «قال العلماء»: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر- ﵁: «إن يكن هو فلن تستطيع قتله». (٢) وقال العلامة الطيبي: «لما تيقن ﵇ بالوحي، أنه من قبل المشرق نفى الأولين، وظاهر العبارة يدل على أن النبي ﷺ صدق تميماً في أول الأمر ولذلك قال: «ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن» بالتأكيد بـ «إن» والبدء بأداة الاستفتاح «ألا» ثم كوشف في موقفه بأنه ليس في هذا ولا ذلك بل في جهة المشرق». (٣)

стр. 206

وقال النووي: «قال القاضي لفظة «ما هو» زائدة صلة للكلام ليست بنا فيه، والمراد إثبات أنه في جهات المشرق». (١) وقال ابن كثير: «قال بعض العلماء إن ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال الأكبر وليس به، إنما كان دجالاً صغيراً». إلى أن قال: «والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في أخر الزمان قطعاً، لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، فإنه فيصل في هذا المقام» وقال ابن كثير أيضا: والأحاديث الواردة في ابن صياد كثيرة، وفي بعضها توقف في أمره هل هو الدجال؟ ويحتمل أن يكون هذا قبل أن يوحى إلى النبي ﷺ ، في أمر الدجال وتعيينه، وقد تقدم حديث تميم الداري في ذلك، وهو فاصل في هذا المقام». وقال أيضا: «وقد قدمنا أن الصحيح أن الدجال غير ابن صياد، وأن ابن صياد كان دجالاً من الدجاجلة ثم تيب عليه بعد ذلك، فأظهر الإسلام والله أعلم بضميره وسريرته، وأما الدجال الأكبر فهو المذكور في حديث فاطمة بنت قيس الذي روته عن رسول الله ﷺ عن تميم الداري، وفيه قصة الجساسة، ثم يؤذن له في الخروج في آخر الزمان». (٢) ولقد حاول ابن حجر أيضا التوفيق بين الأحاديث الواردة في ابن صياد، وحديث الجساسة حيث قال: «أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقاً وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة،

стр. 207

إلى أن توجه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها». (١) ثم إن النبي ﷺ أخبر بخروج ثلاثين دجالاً غير الدجال الموعود وقد يكون ابن صياد منهم، ورواية تميم تؤكد على أن ابن صياد ليس هو الدجال الموعود، خاصةً وأن النبي ﷺ لم ينص على ذلك كما قلنا. فابن صياد والله أعلم ليس بالمسيح الدجال الأكبر كما قال أكثر أهل العلم، وإنما هو دجال من الدجاجلة غير الدجال الموعود. ثم إنه ما دام قد صحت رواية تميم وصحت رواية ابن صياد فالواجب الجمع، والجمع ولله الحمد ممكن وغير متعذر، بين تلك الروايات الصحيحة، ولا يصل الأمر إلى رد الحديث بإشكالات وتساؤلات يمكن الأجابة عليها والتوفيق فيما بينهما كما هو منهج أهل الحديث. ٣ - قوله: «ثم أين الجزيرة التي رفأ إليها تميم وأصحابه في سفينتهم؟ إنها في بحر الشام أو بحر اليمن كما في اللفظ المرفوع - إن صح الحديث - أي الجهة المقابلة لسواحل سورية من البحر المتوسط أو الجهة المجاورة لشواطئ اليمن من البحر الأحمر، وكلاً قد مسح في هذه الأزمة مسحاً، وجابوا سطحهما طولاً وعرضاً، وقاسوا مياههما عمقاً، وعرفوا جزائرها فرداً فرداً، فلو كان في إحداهما جزيرة فيها دير أو قصر حبس فيها الدجال، وبه جساسة فيها تقابل الناس وتنقل إليه الأخبار، لعرف ذلك كله كل الناس». (٢)

стр. 208

الرد: عدم رؤية الجساسة أو المسيح الدجال ليس دليلاً على أنه غير موجود أو أن قصته مكذوبة وموضوعة. فيأجوج ومأجوج نؤمن بهم وأنهم موجودون ولكن لا نعلم مكانهم، ولم يسبق لأحد أن التقى بهم على الرغم من أن البشر مسحوا الأرض شبراً شبراً ولا يوجد مكان على وجه الأرض لم تطأه قدم بشر خاصةً في زمننا هذا، والذي تطورت فيه وسائل النقل والاستكشاف بشكل لم يسبق إليه من قبل. فالله له حكمة في إخفاء مكان يأجوج ومأجوج وكذلك له حكمة أيضا في إخفاء المسيح الدجال والجساسة، وذلك لأن ظهوره علامة من علامات الساعة الكبرى، ولن يكون له ظهور إلا إذا أذن الله بذلك، وعلى هذا فمن الطبيعي أن يخفيه الله عن أعين البشر فلا يصل إليه أحد، ما دام أن أوان الساعة لم يحن بعد. ثم إنه ليس من المستحيل أن يخفيه الله عن أعين البشر، خاصةً وأن بقاءه مرتبط بحكمة إلهية كبرى يتوقف عليها مصير البشرية كلها بل الكون أجمع. (١) ولكن قد يتساءل سائل فيقول: إذا كيف رآه تميم وصحبه دون الناس؟ ؟ فتقول، في الحقيقة أن رؤية تميم له كانت بتقدير الله وبعلم الله كرامة لتميم وصحبه، وتقريراً لصدق النبي ﷺ ، إذ أنه وافق ما يقوله النبي ﷺ لأصحابه، وليزيد الله في بيان أمره ليحذروه ويسألوا الله أن يقيهم شره وأن يعصمهم منه.

стр. 209

٤ - أما قوله: «فهل يجب أن تكون حكايته ﷺ لما حدثه به تميم تصديقاً له؟ ». (١) الرد يرى الشيخ رشيد رضا، أن مجرد حكاية النبي ﷺ لما حدثه به تميم الداري- ﵁ ليس دليلا على أنه مصدق له ولما قاله! ! بل قد يكون مكذباً له، ولما جاء به، ويحكيه عنه، ويرويه للناس! ! وهذا والله مبالغة وتكلف في إيراد الإشكالات والتساؤلات والشبهات لرد حديث تميم الداري- ﵁، فالشيخ رشيد ﵀ وغفر له يحاول بكل ما أوتي من حجه وبيان أن يثير الشبه حول حديث الجساسة، من أجل رده وأنى له ذلك. فهل يعقل أن ينقل رجلا من عامة الناس كلاماً عن رجلٍ آخر، ويجمع له الناس ويحدثهم به وهو في قرارة نفسه غير مصدقٍ به، فضلاً عن أن يكون الناقل هو النبي ﷺ المؤيد بالوحي من رب العالمين. فإذا كان النبي ﷺ غير مصدق لما جاء به تميم الداري- ﵁، وغير مصدق لما قال له، فلما يجمع الناس، ويرسل المنادي أن ينادي «الصلاة جامعة» ثم يلزم الناس بالجلوس بقوله ﷺ «ليلزم كلُ إنسانٍ مصلاه»، ثم قال «أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا رهبه، ولكن جمعتكم لأن تميم الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع

стр. 210

وأسلم وحدثني حديثاً وافق الذي كنت حدثتكم عن المسيح الدجال .... »، ثم حدثهم بما حدثه به تميم الداري- ﵁. اليس هذا إقرارا منه ﷺ على صدقه- ﵁ وأنه ﷺ ما ينطق عن الهوى ولا يقر إلا على صواب. فإذا لم يعن هذا الفعل إقراراً وتصديقاً منه ﷺ بصدق ما جاء به تميم، وتصديق ما قاله، فكيف هو الإقرار والتصديق. وإنه واللهِ إقرارٌ من النبي ﷺ لتميم الداري ما بعده إقرار، وإنها والله من مناقب تميم الداري وكفى به منقبة ومزية وكرامة أن يُحدث عنه النبي ﷺ ويروي عنه. قال النووي عن حديث تميم: «هذا معدود في مناقب تميم- ﵁ لأن النبي ﷺ روى عنه هذه القصة، وفيه رواية الفاضل عن المفضول، ورواية التابع عن تابعه». (١) فتصديق النبي ﷺ واضح لا لبس فيه، إلا أن مغالاة رشيد رضا وتعصبه في رد الخوارق والغرائب أدى به إلى رد كل حديث لا يتوافق مع منهجه العقلي الذي ورثه عن شيخه وأستاذه محمد عبده. ولو أن الشيخ لزم غرز أئمة الدين، ومنهج أهل السنة وأهل الحديث في التعامل مع الحديث النبوي، لكان أسلم له في دينه وخيراً له في عاقبته، ولكفى المسلمين باب شر يلج منه كل مبتغٍ للفتنة، مبغضٍ للدين وأهله.

стр. 211

٥ - ومن الإشكالات التي أوردها أيضا على حديث الجساسة قوله «إن النبي ﷺ صدق تميماً في أول الأمر ولذلك قال «ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن». فيرى الشيخ رشيد أن نفي النبي ﷺ لبعض قول تميم يبطل الثقة به كله، حيث يقول «ههنا يجئ إشكال آخر وهو أن نفي النبي ﷺ لبعض قول تميم يبطل الثقة به كله». الرد: وهذا في الحقيقة إشكال باطل، فتحديد النبي ﷺ لمكان الجزيرة ليس فيه أي تكذيب لتميم حتى تبطل الثقة به كله كما قال الشيخ رشيد. فتميم الداري لم يحدد مكان الجزيرة، بل ذكر أنه قاده البحر إليها ولا يدري أين هي أصلاً، حتى يقال إن النبي ﷺ نفى بعض قول تميم. ثم أنه على افتراض أنه حددها وأخطأ في تحديد مكانها فهو ليس معصوما من الخطأ والزلل. ولكنه والله التجني ولي أعناق النصوص، إلى درجة استشكال أمر غير موجود أصلا، فتميم لم يتعرض إلى مكان الجزيرة والذي تعرض لبيان مكانها هو النبي ﷺ ، فإذا تردد النبي ﷺ في بداية الأمر في تحديد مكانها فما هو ذنب تميم الداري حتى تبطل الثقة به كله، وهو صحابي جليل قد صدقه النبي ﷺ في كل ما قاله وحدث به الناس. ٦ - تساؤله هل كان النبي ﷺ معصوماً من تصديق كل كاذب في خبر، فيعد تصديقه لحكاية تميم دليلاً على صدقة فيها؟ (١)

стр. 212

ثم يجيب عن ذلك بقوله «أن ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا، فالمجمع عليه هو العصمة في التبليغ عن الله تعالى وعن تعمد عصيانه بعد النبوة». ثم يورد أقوالا في تحديد عصمة النبي ﷺ ومؤداها عدم عصمته ﷺ في الشؤون الدنيوية بخلاف الدينية منها. (١) الرد: يقصد الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له، بقوله «هل كان النبي ﷺ وسلم معصوما من تصديق كل كاذب، فيعد تصديقه لحكاية تميم دليلا على صدقه فيها». هو التشكيك في صدق تميم الداري ﵁. وأن قد يكون ما قاله للنبي ﷺ كذب، وأن القصة قد ألفها ونسجها من مخيلته، وأن لا وجود لها في الواقع ورواها للنبي ﷺ ، والنبي ﷺ وبكل بساطة صدقها، لأنه غير معصوم من تصديق الكاذب، ثم جمع الناس وذكر لهم ما قاله تميم الداري له. وقد نسى الشيخ رشيد رضا أو تناسى بأن من يتكلم عليه ويتهمه بالكذب على النبي ﷺ هو صحابي جليل مشهود له بالتقى والصلاح والعبادة، وغير متهم في دينه أو أمانته أو عدالته. وهو بنفسه قد شهد له بذلك حيث قال «كان تميم الداري من عرب فلسطين «سوريا» وقد وصف بأنه راهب زمانه، وقد جاء هو وأخوه نعيم المدينة في آخر عهد النبي ﷺ سنة تسع من الهجرة وأسلما، وحدث هو النبي ﷺ بحكاية الجساسة الغريبة، وذكروا أنه كان بعد إسلامه من العباد

стр. 213

والقصاصين ولم يذكر لأحدٍ شبهةٌ فيه، بل عدوا من مناقبه أن النبي ﷺ روى عنه». (١) فهو نفسه يشهد له بالعبادة والصلاح وأنه غير متهم في دينه وأمانته ولم يذكر لأحدٍ شبهةً فيه. ثم يأتي بعد ذلك ويثير الشكوك والتساؤلات بأنه قد يكون كذب على النبي ﷺ ، والنبي ﷺ صدقه. فهذا تناقض عجيب من الشيخ رشيد رضا، يثني على شخص في بداية الأمر، ثم يأتي ويثير الشكوك والتساؤلات التي توحي بكذبه بعد ذلك. ولكن كما قيل إذا عرف السبب بطل العجب، فكل هذه المحاولات من الشيخ رشيد رضا والتشكيكات من أجل الطعن في أمانة الصحابي الجليل تميم الداري وذلك لرد حديث الجساسة، الذي أرق مضجعه، ولا يعرف كيف يتخلص منه، أو بأي طريقة يرده. والذي يرى الشيخ أنه مصنوع حيث يقول «وجملة القول في حديث الجساسة أن ما فيه من العلل والاختلاف والإشكال من عدة وجوه يدل على أنه مصنوع». (٢) إلى أن وصل به الحال الطعن في عدالة تميم الداري- ﵁ وغاب عن الشيخ رشيد رضا قول النبي ﷺ شاهداً بصدق قول تميم الداري أمام مجمع من الصحابة بعد ما جمعهم، «وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم به عن المسيح الدجال».

стр. 214

أليس هذا إقراراً من النبي ﷺ بصدق ما قاله تميم الداري- ﵁، وأنه ﷺ ما ينطق عن الهوى، ولا يقر إلا على صواب! ! ثم أن ما ذكره الشيخ رشيد رضا بقوله: «أن ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا»، ويقصد فيه تصديق النبي ﷺ للكاذب، ويقصد به تميم الداري- ﵁ وأرضاه، فهو استشكال باطل ولا قيمة له، والرد عليه لا يحتاج إطالة. وذلك لأن النبي ﷺ معصوم في التبليغ والتحمل في أمور الدين وقد نقل الإجماع على هذا غير واحد. (١) أما أمور الدنيا فيجوز عليه الخطأ فيها على المشهور كما في حادثه تأبير النخل. (٢) والدجال والجساسة من أمور الغيب والدين، وليس من شؤون الدنيا قطعاً، فلماذا أخرجهما الشيخ رشيد رضا من خبر العصمة بقوله «إن ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا». والجواب عن هذا التساؤل بكل بساطة، هو أن إخراج رشيد رضا لحديث الجساسة من خبر العصمة من أجل رده وعدم الأخذ به، لأنه لو قال

стр. 215

إن حديث الجساسة من أمور الغيب والدين، فيلزم نفسه بأن يقول بأنه ﷺ معصوم فيما نقله عن تميم وهو لا يريد هذا. ولهذا قال: «إن ما قالوه في العصمة» أي عصمته ﷺ من الخطأ والزلل فيما ينقله عن ربه «لا يدخل فيه هذا» أي لا يدخل في مسألة العصمة من الخطأ والزلل حديث الجساسة، أي يحتمل أن تميم كذب على النبي ﷺ والنبي ﷺ صدقه. وهذا كله تناقض في إيراد الاستشكالات والتساؤلات سببه محاولة إثبات أن الحديث مصنوع بأي وسيلة، واستشكال ما ليس بمشكل والله المستعان. خاتمة رأي رشيد رضا، في أحاديث الدجال: بعد ما ذكر الشيخ رشيد رضا الاستشكالات والتساؤلات التي ترد على الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال وحديث الجساسة، والتي حاول من خلالها التشكيك في صحة تلك الأحاديث ثم حكم عليها بالأخير بأنها مصنوعة ومكذوبة لأنها كما يقول «تتعارض تعارضاً كثيراً يوجب تساقطها». (١) حيث ختم حديثه بقوله: «بمثل هذه الخرافات كان كعب الأحبار يغش المسلمين ليفسد عليهم دينهم وسنتهم، وخُدع به الناس لإظهاره التقوى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». ثم يتابع فيقول: «وجمله أخبار الدجال قالوا إنها متواترة يعنون التواتر المعنوي، وهو أن لها أصلاً وإن لم يتواتر شيءٌ من روايتها».
следующие страницы →