٥ - ومن الإشكالات التي أوردها أيضا على حديث الجساسة قوله «إن النبي ﷺ صدق تميماً في أول الأمر ولذلك قال «ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن».
فيرى الشيخ رشيد أن نفي النبي ﷺ لبعض قول تميم يبطل الثقة به كله، حيث يقول «ههنا يجئ إشكال آخر وهو أن نفي النبي ﷺ لبعض قول تميم يبطل الثقة به كله».
الرد:
وهذا في الحقيقة إشكال باطل، فتحديد النبي ﷺ لمكان الجزيرة ليس فيه أي تكذيب لتميم حتى تبطل الثقة به كله كما قال الشيخ رشيد.
فتميم الداري لم يحدد مكان الجزيرة، بل ذكر أنه قاده البحر إليها ولا يدري أين هي أصلاً، حتى يقال إن النبي ﷺ نفى بعض قول تميم. ثم أنه على افتراض أنه حددها وأخطأ في تحديد مكانها فهو ليس معصوما من الخطأ والزلل. ولكنه والله التجني ولي أعناق النصوص، إلى درجة استشكال أمر غير موجود أصلا، فتميم لم يتعرض إلى مكان الجزيرة والذي تعرض لبيان مكانها هو النبي ﷺ ، فإذا تردد النبي ﷺ في بداية الأمر في تحديد مكانها فما هو ذنب تميم الداري حتى تبطل الثقة به كله، وهو صحابي جليل قد صدقه النبي ﷺ في كل ما قاله وحدث به الناس.
٦ - تساؤله هل كان النبي ﷺ معصوماً من تصديق كل كاذب في خبر، فيعد تصديقه لحكاية تميم دليلاً على صدقة فيها؟ (١)
стр. 212
ثم يجيب عن ذلك بقوله «أن ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا، فالمجمع عليه هو العصمة في التبليغ عن الله تعالى وعن تعمد عصيانه بعد النبوة». ثم يورد أقوالا في تحديد عصمة النبي ﷺ ومؤداها عدم عصمته ﷺ في الشؤون الدنيوية بخلاف الدينية منها. (١)
الرد:
يقصد الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له، بقوله «هل كان النبي ﷺ وسلم معصوما من تصديق كل كاذب، فيعد تصديقه لحكاية تميم دليلا على صدقه فيها». هو التشكيك في صدق تميم الداري ﵁.
وأن قد يكون ما قاله للنبي ﷺ كذب، وأن القصة قد ألفها ونسجها من مخيلته، وأن لا وجود لها في الواقع ورواها للنبي ﷺ ، والنبي ﷺ وبكل بساطة صدقها، لأنه غير معصوم من تصديق الكاذب، ثم جمع الناس وذكر لهم ما قاله تميم الداري له.
وقد نسى الشيخ رشيد رضا أو تناسى بأن من يتكلم عليه ويتهمه بالكذب على النبي ﷺ هو صحابي جليل مشهود له بالتقى والصلاح والعبادة، وغير متهم في دينه أو أمانته أو عدالته.
وهو بنفسه قد شهد له بذلك حيث قال «كان تميم الداري من عرب فلسطين «سوريا» وقد وصف بأنه راهب زمانه، وقد جاء هو وأخوه نعيم المدينة في آخر عهد النبي ﷺ سنة تسع من الهجرة وأسلما، وحدث هو النبي ﷺ بحكاية الجساسة الغريبة، وذكروا أنه كان بعد إسلامه من العباد
стр. 213
والقصاصين ولم يذكر لأحدٍ شبهةٌ فيه، بل عدوا من مناقبه أن النبي ﷺ روى عنه». (١)
فهو نفسه يشهد له بالعبادة والصلاح وأنه غير متهم في دينه وأمانته ولم يذكر لأحدٍ شبهةً فيه. ثم يأتي بعد ذلك ويثير الشكوك والتساؤلات بأنه قد يكون كذب على النبي ﷺ ، والنبي ﷺ صدقه.
فهذا تناقض عجيب من الشيخ رشيد رضا، يثني على شخص في بداية الأمر، ثم يأتي ويثير الشكوك والتساؤلات التي توحي بكذبه بعد ذلك.
ولكن كما قيل إذا عرف السبب بطل العجب، فكل هذه المحاولات من الشيخ رشيد رضا والتشكيكات من أجل الطعن في أمانة الصحابي الجليل تميم الداري وذلك لرد حديث الجساسة، الذي أرق مضجعه، ولا يعرف كيف يتخلص منه، أو بأي طريقة يرده.
والذي يرى الشيخ أنه مصنوع حيث يقول «وجملة القول في حديث الجساسة أن ما فيه من العلل والاختلاف والإشكال من عدة وجوه يدل على أنه مصنوع». (٢)
إلى أن وصل به الحال الطعن في عدالة تميم الداري- ﵁ وغاب عن الشيخ رشيد رضا قول النبي ﷺ شاهداً بصدق قول تميم الداري أمام مجمع من الصحابة بعد ما جمعهم، «وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم به عن المسيح الدجال».
стр. 214
أليس هذا إقراراً من النبي ﷺ بصدق ما قاله تميم الداري- ﵁، وأنه ﷺ ما ينطق عن الهوى، ولا يقر إلا على صواب! !
ثم أن ما ذكره الشيخ رشيد رضا بقوله: «أن ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا»، ويقصد فيه تصديق النبي ﷺ للكاذب، ويقصد به تميم الداري- ﵁ وأرضاه، فهو استشكال باطل ولا قيمة له، والرد عليه لا يحتاج إطالة.
وذلك لأن النبي ﷺ معصوم في التبليغ والتحمل في أمور الدين وقد نقل الإجماع على هذا غير واحد. (١)
أما أمور الدنيا فيجوز عليه الخطأ فيها على المشهور كما في حادثه تأبير النخل. (٢)
والدجال والجساسة من أمور الغيب والدين، وليس من شؤون الدنيا قطعاً، فلماذا أخرجهما الشيخ رشيد رضا من خبر العصمة بقوله «إن ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا».
والجواب عن هذا التساؤل بكل بساطة، هو أن إخراج رشيد رضا لحديث الجساسة من خبر العصمة من أجل رده وعدم الأخذ به، لأنه لو قال
стр. 215
إن حديث الجساسة من أمور الغيب والدين، فيلزم نفسه بأن يقول بأنه ﷺ معصوم فيما نقله عن تميم وهو لا يريد هذا.
ولهذا قال: «إن ما قالوه في العصمة» أي عصمته ﷺ من الخطأ والزلل فيما ينقله عن ربه «لا يدخل فيه هذا» أي لا يدخل في مسألة العصمة من الخطأ والزلل حديث الجساسة، أي يحتمل أن تميم كذب على النبي ﷺ والنبي ﷺ صدقه. وهذا كله تناقض في إيراد الاستشكالات والتساؤلات سببه محاولة إثبات أن الحديث مصنوع بأي وسيلة، واستشكال ما ليس بمشكل والله المستعان.
خاتمة رأي رشيد رضا، في أحاديث الدجال:
بعد ما ذكر الشيخ رشيد رضا الاستشكالات والتساؤلات التي ترد على الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال وحديث الجساسة، والتي حاول من خلالها التشكيك في صحة تلك الأحاديث ثم حكم عليها بالأخير بأنها مصنوعة ومكذوبة لأنها كما يقول «تتعارض تعارضاً كثيراً يوجب تساقطها». (١)
حيث ختم حديثه بقوله: «بمثل هذه الخرافات كان كعب الأحبار يغش المسلمين ليفسد عليهم دينهم وسنتهم، وخُدع به الناس لإظهاره التقوى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
ثم يتابع فيقول: «وجمله أخبار الدجال قالوا إنها متواترة يعنون التواتر المعنوي، وهو أن لها أصلاً وإن لم يتواتر شيءٌ من روايتها».
стр. 216
ثم يقول بعد ذلك: «ويدل القدر المشترك منها على أن النبي ﷺ كشف له وتمثل له ظهور الدجال في آخر الزمان، ويظهر للناس خوارق كثيرة وغرائب يفتن بها خلقٌ كثير، وأنه من اليهود وأن المسلمين يقاتلونه ويقاتلون اليهود في هذه البلاد المقدسة وينتصرون عليهم، وقد كشف له ذلك مجملاً غير مفصل ولا يوحي به عن الله تعالى، كما كشف له غير ذلك من الفتن». (١)
الرد:
اتهم الشيخ رشيد رضا كعب الأحبار (٢) بأنه كان من الذين يغشون المسلمين بنشر هذه الخرافات، ويقصد بها أحاديث المسيح الدجال.
وفي الحقيقة أن كعب الأحبار برئ من هذه التهمة التي اتهمه بها الشيخ رشيد رضا، وذلك أن جميع الأحاديث الواردة في المسيح الدجال في الصحيحين ليس هو من رواتها، وليس له رواية واحدة في الصحيحين في المسيح الدجال.
ولا أدري كيف يأتي بعد ذلك رشيد رضا وهو العالم في السنة ويتهم كعب الأحبار بأنه كان يغش المسلمين برواية تلك الأحاديث التي فيها ذكر للمسيح الدجال.
стр. 217
ثم إننا لا نرتضي تسمية الشيخ رشيد رضا الأحاديث الواردة في المسيح الدجال بأنها «خرافات».
إنما هي عقيدة ثابتةٌ بالأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة والتي لا يسع المؤمن سوى الإيمان بما جاءت به وتصديقها، وتصديق ما أخبرت به من الأمور والفتن التي سوف تقع في آخر الزمان، كخروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ وغيرها.
لا سيما وأن المخبر بذلك هو النبي المعصوم ﷺ والذي قال الله في حقه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١)
فكان الأولى بالشيخ رشيد رضا أن يؤمن ويصدق بما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وأن يفوض أمرها وكيفيتها إلى الله تعالى، لا أن يردها باستشكالات وتساؤلات وحجج عقلية يمكن الإجابة عليها، والجمع بينها وبين ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة دون الحاجة لرد أي من الأحاديث الصحيحة.
أما قوله، بأن أحاديث الدجال متواترة تواتراً معنوياً، ولم يتواتر شيء في روايتها، فهو صحيح فإن روايات المسيح الدجال متواترة تواتراً معنوياً كما صرح بذلك كثير من أهل العلم كابن كثير والسخاوي والشوكاني والكتاني وغيرهم، ولم يتواتر شيء من روايتها.
ولكن التواتر الذي يعنيه الشيخ رشيد وهو التواتر في روايتها، ليس شرطاً في صحة الحديث.
стр. 218
فالذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بكل ما صح سنده إلى النبي ﷺ ـ سواء كان متواتراً أو آحاداً، وقد تقدم إيضاح ذلك في الفصل التمهيدي في مبحث حجية خبر الواحد في الاعتقاد.
فكيف والأحاديث الواردة في المسيح الدجال متواترة كما يقول الشيخ رشيد تواتراً معنوياً، وهو نفسه يرى أن الأحاديث المتواترة تواتراً معنوياً تفيد العلم اليقيني.
حيث يقول «ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجوداً وجود كثرة في الأحاديث، أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعدداً تحليل العادة تواطؤهم فيه على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقيني إلى قائله ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير». (١)
ثم إن الشيخ رشيد رضا نفسه أيضا يرى أن الأحاديث الأحادية المتفق على صحتها لذاتها، كأكثر الأحاديث المسندة في صحيحي البخاري ومسلم، جديرة بأن يجزم بها جزماً لا تردد فيه ولا اضطراب وتعد أخبارهم مفيدة لليقين. (٢)
بل إنه ﵀ يرى أن الخبر الواحد إذا احتفت به القرائن فإنه يفيد العلم (٣) وهذا في الحقيقة تعارض في منهجه في التعامل مع الحديث، فهو
стр. 219
يشكك في أحاديث المسيح الدجال لأنها متواترة تواتراً معنويا، ولم يتواتر شيء من روايتها.
وهنا يصرح بأن الأحاديث المتفق على صحتها لابد من الجزم بصحتها دون تردد أو اضطراب، وأن أحاديث الآحاد إذا احتفت بها القرائن فإنها تفيد العلم.
أما قوله أن النبي ﷺ قد كشف له ذلك مجملاً غير مفصل كما كشف له غير ذلك من الفتن، ولم يوح به عن الله تعالى! !
فلا ندري ماذا يقصد الشيخ رشيد رضا بقوله: أن النبي ﷺ قد كشف له، ولم يوح به عن الله تعالى.
فهو هنا يفرق بين معنى الكشف والوحي، ولكنه لم يبين هذا الفرق، حتى نحكم على قوله إن كان صحيحاً أو باطلاً.
ثم إنه في قوله هذا أوقع نفسه في أمرين كلاهما مر بالنسبة له، وذلك أنه يرى أن السنة وحي من الله تعالى حيث يقول « .. وأعني بالوحي هنا القرآن ... وكذلك الأحاديث النبوية عند من صحت عنده فصدق بالرواية»
فهو يرى أن السنة تعتبر وحي من الله وهذا هو الصحيح وذلك لقوله تعالى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١)
ولكن هنا لابد له من إبطال أحد القولين وذلك إما أن يقول إن السنة الصحيحة ليست بوحي ويناقض كلامه السابق وهذا لا يصح، وإما أن
стр. 220
يعترف بفساد قوله الأول، وذلك بادعائه أن قوله ﷺ في المسيح الدجال ليس بوحي.
ثم إنه كيف يدعى رشيد رضا أن النبي ﷺ لم يوح به عن الله شيء عن المسيح الدجال، وقد جاءت الكثير من الأحاديث عن النبي في وصف شكله وزمن خروجه وما يجيء به من العجائب والغرائب.
فإذا لم يكن هذا كله عن وحي من الله تعالى، فمن أين يكون إذاً، لا سيما وأن النبي ﷺ يتكلم عن أمور سوف تحدث في المستقبل قبل قيام الساعة، ويتكلم في أمر من أمور الدين وليس من أمور الدنيا التي قد يقال أنه يتكلم بها عن غير الوحي.
وكما ذكرنا في السابق أنه في أمور الدين وتبليغ الرسالة معصوم عن الخطأ والزلل أو القول على الله بغير علم وحاشاه ﷺ ذلك.
خلاصة القول في المسيح الدجال:
الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الأحاديث الواردة في المسيح الدجال أحاديث صحيحة باتفاق أهل الحديث فيجب الإيمان بها وتصديقها وأن المسيح الدجال، سوف يظهر في آخر الزمان، فتنة للبشر وامتحانا من الله لهم.
قال النووي: (قال القاضي هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره ونهريه
стр. 221
واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ، ويثبت الله الذين آمنوا، هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة، وخلافا للبخاري المعتزلى وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود ولكن الذي يدعى مخارف وخيالات لا حقائق لها وزعموا أنه لو كان حقا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر إلا الرعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفا من أذاه لأن فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأمر، فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله، ودلائل الحدوث فيه والنقص فيصدقه من صدقه في هذه الحالة ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته ونبهوا على نقصه، ودلائل إبطاله، وأما أهل التوفيق فلا يغترون
به ولا يخدعون لما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه ما ازددت فيك إلابصيرة). (١)
стр. 222
قال الحافظ ابن كثير ﵀: «ثم يؤذن له (أي: الدجال) في الخروج في آخر الزمان، يظهر أولا في صورة ملك من الملوك الجبابرة، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية، فيتبعه على ذلك الجهلة من بني آدم والطغام من الرعاع والعوام، ويخالفه ويرد عليه من هداه الله من الصالحين وحزب الله المتقين، يأخذ البلاد بلدا بلدا، وحصنا حصنا، وإقليما إقليما، وكورة كورة، ولا يبقى بلد من البلدان إلا وطئه بخيله ورجله، غير مكة والمدينة، ومدة مقامه في الأرض أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيام الناس هذه، ومعدل ذلك سنة وشهران ونصف. ويكون نزول عيسى ابن مريم ﵊ مسيح الهدى في أيام مسيح الضلالة، فيجتمع عليه المؤمنون، ويلتف معه عباد الله المتقون، فيسير بهم المسيح عيسى ابن مريم عليه والسلام قاصدا نحو الدجال وقد توجه نحو بيت المقدس، فينهزم منه الدجال، فيلحقه عند باب مدينة لد، فيقتله بحربته وهو داخل إليها، ويقول له: إن لي فيك ضربة لن تفوتني، وإذا واجهه الدجال؛ ينحاع كما يذوب الملح في الماء، فيتداركه، فيقتله بالحربة بباب لد، فتكون وفاته هناك لعنه الله؛ كما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح من غير وجه». (١)
وقال الشيخ صالح الفوزان: «وقد تواترت الأحاديث من وجوه متعددة في إثبات خروج الدجال وبيان فتنته والاستعاذة منه، وأجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال في آخر الزمان، وذكروا ذلك ضمن مباحث العقيدة؛ فمن أنكر خروجه؛ فقد خالف ما دلت عليه الأحاديث المتواترة،
стр. 223
وخالف ما عليه أهل السنة والجماعة، ولم ينكر خروجه إلا بعض المبتدعة كالخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وبعض الكتاب العصريين والمنتسبين إلى العلم، ولم يعتمدوا على حجة يدفعون بها النصوص المتواترة سوى عقولهم وأهوائهم، ومثل هؤلاء لا عبرة بهم ولا بقولهم.
والواجب على المؤمن الإيمان بما صح عن الله ورسوله، واعتقاد ما يدل عليه، ولا يكون من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (يونس: ٣٩) (١)؛ لأن مقتضى الإيمان بالله ورسوله هو التسليم لما جاء عنهما والإيمان بالله ورسوله هو التسليم لما جاء عنهما والإيمان به، ومن لم يفعل؛ فإنه متبع لهواه بغير هدى من الله». (٢)
стр. 224
المبحث الثالث
رأيه في المهدي، والرد عليه
معنى المهدي:
المهدي لغة: اسم مفعول من هداه هدى، والهدى هو الرشاد والدلالة، قال ابن الأثير: المهدي الذي هداه الله إلى الحق. (١)
والمراد بالمهدي هنا، هو الذي بشر به النبي ﷺ أنه يجيء في آخر الزمان، ويؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويكون من أهل بيته ﷺ ، ويخرج في زمنه عيسى بن مريم ﵇، والمسيح الدجال.
الأحاديث الواردة في ظهور المهدي:
جاءت الكثير من الأحاديث الصحيحة الدالة على ظهور المهدي في آخر الزمان، وسأذكر هنا بعض هذه الأحاديث والتي فيها كفاية في إثبات ظهوره:
١ - عن أبي سعيد الخدري- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي؛ يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعا أو ثمانيا (يعني: حججا». (٢)
стр. 225
٢ - وعنه- ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أبشركم بالمهدي؛ يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وسكان الأرض، يقسم المال صحاحاً». فقال له رجل: ما صحاحاً؟ قال: «بالسوية بين الناس».
قال: «ويملأ الله قلوب أمة محمد ﷺ غنى، ويسعهم عدله، حتى يأمر منادياً، فينادي فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: أئت السدان - يعني: الخازن، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا. فيقول له: أحث، حتى إذا حجره وأبرزه؛ ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفساً، أو عجز عني ما وسعهم؟ ! ». قال: «فيرده، فلا يقبل منه. فيقال له: إنا لا نأخذ شيئا أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثم لا خير في العيش بعده»، أو قال: «ثم لا خير في الحياة بعد». (١)
٣ - وعن علي- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة». (٢)
стр. 226
قال ابن كثير: «أي: يتوب عليه، ويوفقه، ويلهمه، ويرشده بعد أن لم يكن كذلك». (١)
٤ - وعن أبي سعيد الخدري- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين». (٢)
٥ - وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي، من ولد فاطمة». (٣)
٦ - وعن جابر- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا؛ إن بعضهم أمير بعض؛ تكرمة الله هذه الأمة». (٤)
٧ - وعن أبي سعيد الخدري- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تذهب
стр. 227
أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي» (١).
وفي رواية: «يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي». (٢)
٨) عن عبد الله بن مسعود- ﵁، قال، قال رسول الله ﷺ «لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي». (٣)
فهذه الأحاديث كلها صحيحة وصريحة في النص على ظهور المهدي في آخر الزمان. (٤)
تواتر أحاديث المهدي:
صرح الكثير من أهل العلم أن أحاديث المهدي بلغت من الكثرة أنها
стр. 228
متواترة تواتراً معنوياً، وسوف أذكر هنا جمله من أقوالهم في النص على تواترها:
١ - قال الحافظ أبو الحسن الآبري (١): «قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسي علية السلام يخرج، فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسي خلفه (٢).
٢ - وقال محمد البرزنجي (٣) في كتابه «الإشاعة لأشراط الساعة»: «الباب الثالث في الأشراط العظام والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة، وهي كثيرة، فمنها المهدي، وهو أولها، واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر (٤).
وقال أيضا: «قد علمت أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله ﷺ من ولد فاطمة ﵍ بلغت حد التواتر
стр. 229
المعنوي، فلا معني لإنكارها» (١).
٣ - وقال العلامة محمد السفاريني (٢): «وقد كثرت بخروجه- أي: المهدي- الروايات، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتي عد من معتقداتهم».
ثم ذكر طائفة من الأحاديث والآثار في خروج المهدي، وأسماء بعض الصحابة ممن رواها، ثم قال: «وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم ﵃ بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعة العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة». (٣)
٤ - وقال الشوكاني: «الأحاديث في تواتر ماجاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر علي ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن
стр. 230
الصحابة المصرحة بالمهدي؛ فهي كثيرة أيضا، لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك» (١).
٥ - وقال صديق حسن (٢): «الأحاديث الواردة فيه- أي: المهدي-علي اختلاف رواياتها كثيرة جدا، تبلغ حد التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد» (٣)
٦ - وقال الشيخ محمد بن جعفر الكتاني (٤): «والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متوافرة، وكذا الواردة في الدجال، وفي نزول سيدنا عيسي بن مريم علية السلام». (٥)
٧ - قال الإمام ابن باز: «أمر المهدي معلوم والأحاديث فيه مستفيضة بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وتواترها معنوي لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها،
стр. 231
فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت من ذرية الحسن بن على ﵃، وهذا الإمام من ﵀ بالأمة في آخر الزمان يخرج فيقيم العدل والحق ويمنع الظلم والجور وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلاً وهداية وتوفيقاً وإرشاداً للناس». (١)
اسمه ونسبه:
أما بالنسبة لاسم المهدي، فهو محمد بن عبد الله، فعن عبد الله بن مسعود- ﵁، أن النبي ﷺ قال «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث الله فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي». (٢)
أما نسبه، فهو يرجع إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ ابن فاطمة ابنة النبي ﷺ ﵂ وعن أولادها.
فعن أم سلمه ﵂، قالت، سمعت النبي ﷺ يقول: «المهدي من عترتي (٣) من ولد فاطمة». (٤)
стр. 232
وعن علي بن أبي طالب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليله». (١)
وعنه أيضا، أنه نظر إلى الحسن، وقال: «إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله ﷺ وسيخرج الله من صلبه رجلٌ، يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخُلق ولا يشبهه في الخَلق يملأ الأرض قسطاً». (٢)
قال بن كثير في المهدي: «هو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني، ﵁». (٣)
الحكمة من كونه من نسل الحسن:
قال ابن القيم: «وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف وهو أن الحسن- ﵁ ترك الخلافة لله فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده أنه من ترك لأجله شيئاً أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين- ﵁ فإنه حرص عليها، وقاتل عليها فلم يظفر بها، والله أعلم». (٤)
стр. 233
صفته:
عن أبي سعيد الخدري- ﵁: أن النبي ﷺ قال «المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، ويملك سبع سنين». (١)
وفي رواية «المهدي منا أهل البيت، أشم الأنف، أقنى، أجلى، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً». (٢)
ومعنى (الأجلى) فهو الذي انحسر الشعر عن مقدم راسه، قال ابن الأثير «الأجلى، الخفيف شعر ما بين النزعتين من الصدغين. والذي انحسر الشعر عن جبهته». (٣)
وأما «الأقنى» فهو المحدودب الأنف، قال ابن الأثير «القنى في الأنف: طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه». (٤)
سبب ظهوره:
يظهر المهدي في آخر الزمان، وذلك بعد ما يعم الأرض الظلم والفساد والطغيان. فيأتي ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت جوراً وظلماً وفساداً.
стр. 234
فعن ابن مسعود- ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحد، لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلاً مني، أو قال من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً». (١)
قال الجوهري: «الشمم» ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، فإن كان فيها أحديداب فهو القنى». (٢)
وقال ابن منظور: «الشمم في الأنف، ارتفاع القصبة وحسنها واستواء أعلاها وانتصاب الأرنبه». (٣)
مكان خروجه:
الصحيح أنه ليس هناك رواية صحيحة صريحة تدل على مكان خروج المهدي، وإن كان هناك رواية واحدة يستأنس بها في هذا الباب، مع ما فيه من الضعف، وعدم التصريح في مكان خروجه.
فقد جاء في الحديث عن ثوبان- ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ «يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحدٍ منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئاً لا أحفظه فقال، فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج». (٤)
стр. 235
قال ابن كثير ﵀: والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق لا من سرداب سامرا، كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان؛ إذ لا دليل على ذلك، ولا برهان لا من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح ولا استحسان، إلى أن قال: «ويؤيده بناس من أهل المشرق ينصرونه ويقيمون سلطانه ويشدون أركانه، وتكون راياتهم سوداء أيضا، وهو زي عليه الوقار؛ لأن راية رسول ﷺ كانت سوداء يقال له العقاب» إلى أن قال: «والمقصود: أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل خروجه وظهوره من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك نص الأحاديث». (١)
حديث (لا مهدي إلا عيسى بن مريم):
احتج بعض المنكرين لأحاديث المهدي بالحديث الذي رواه ابن ماجه والحاكم عن أنس بن مالك- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدباراً، ولا الناس إلا شحاً، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم». (٢)
стр. 236
ويجاب عليهم بأن هذا الحديث ضعيف، لأن مداره على محمد بن خالد الجندي: وهو مما لا يحتج به وقد ضعفه جمع من أهل الحديث كابن حجر والذهبي وابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي والشوكاني والألباني وغيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «هذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس مما يعتمد عليه، ورواه ابن ماجه عن يونس عن الشافعي، والشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له محمد بن خالد الجندي، وهو ممن لا يحتج به، وليس هذا في مسند الشافعي، وقد قيل إن الشافعي لم يسمعه من الجندي، وإن يونس لم يسمعه من الشافعي». (١)
وقال فيه ابن حجر: «مجهول». (٢)
وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: «لا مهدي إلا عيسى».
«منكر. أخرجه ابن ماجه (٢/ ٤٩٥) والحاكم (٤/ ٤٤١) وابن الجوزي في «الواهيات» (١٤٤٧) وابن عبد البر في «جامع العلم» (١/ ١٥٥) وأبو عمرو الداني في «السنن الواردة في الفتن» (٣/ ٣/٢، ٤/ ٩/١، ٥/ ٢٢/٢) والسلفي في «الطيوريات» (٦٢/ ١) والخطيب (٤/ ٢٢١) من طريق محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس مرفوعا بلفظ: «لا
стр. 237
يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم».
قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه علل ثلاث:
الأولى: عنعنة الحسن البصري، فإنه قد كان يدلس.
الثانية: جهالة محمد بن خالد الجندي، فإنه مجهول كما قال الحافظ في «التقريب» تبعا لغيره كما يأتي.
الثالثة: الاختلاف في سنده.
قال البيهقي: قال أبو عبد الله الحافظ: محمد بن خالد مجهول واختلفوا عليه في إسناده، فرواه صامت بن معاذ قال: حدثنا يحيى بن السكن، حدثنا محمد بن خالد ... فذكره، قال صامت: عدلت إلى الجند مسيرة يومين من صنعاء، فدخلت على محدث لهم، فوجدت هذا الحديث عنده عن محمد بن خالد عن أبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلا، قال البيهقي: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد الجندي وهو مجهول عن أبان أبي عياش، وهو متروك عن الحسن عن النبي ﷺ ، وهو منقطع، والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح البتة إسنادا، نقله في «التهذيب».
وقال الذهبي في «الميزان»: إنه خبر منكر، ثم ساق الرواية الأخيرة عن ابن أبي عياش عن الحسن مرسلا ثم قال: فانكشف ووهي، وقال الصغاني: موضوع كما في «الأحاديث الموضوعة» للشوكاني (ص ١٩٥) ونقل السيوطي في «العرف الوردي في أخبار المهدي» (٢/ ٢٧٤) عن
стр. 238
القرطبي أنه قال في «التذكرة»: إسناد ضعيف، والأحاديث عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدي من عترته من فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث فالحكم بها دونه، وقد أشار الحافظ في «الفتح» (٦/ ٣٨٥) إلى رد هذا الحديث لمخالفته لأحاديث المهدي، وهذا الحديث تستغله الطائفة القاديانية في الدعوة لنبيهم المزعوم: ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة، ثم ادعى أنه هو عيسى بن مريم المبشر بنزوله في آخر الزمان، وأنه لا مهدي إلا عيسى بناء على هذا الحديث المنكر، وقد راجت دعواه على كثيرين من ذوي الأحلام الضعيفة، شأن كل دعوة باطلة لا تعدم من يتباناها ويدعو إليها، وقد ألفت كتب كثيرة في الرد على هؤلاء الضلال، ومن أحسنها رسالة الأستاذ الفاضل المجاهد أبي الأعلى المودودي ﵀ في الرد عليها، وكتابه الآخر الذي صدر أخيرا بعنوان «البيانات» فقد بين فيهما حقيقة القاديانيين، وأنهم مرقوا من دين المسلمين بأدلة لا تقبل الشك، فليرجع إليهما من شاء. (١)
قال ابن القيم في المنار المنيف: «فأما حديث لا مهدي إلا عيسى ابن مريم فرواه ابن ماجة في سننه عن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي عن محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ ، وهو مما تفرد به محمد بن خالد، قال أبو الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب مناقب الشافعي، محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلا
стр. 239
وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه، وقال البيهقي تفرد به محمد بن خالد هذا وقد قال الحاكم أبو عبد الله هو مجهول وقد اختلف عليه في إسناده فروي عنه عن أبان ابن أبي عياش عن الحسن مرسلا عن النبي ﷺ قال فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول عن أبان بن أبي عياش وهو متروك عن الحسن عن النبي ﷺ وهو منقطع والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادا». (١)
رأي رشيد رضا في أحاديث المهدي:
يرى الشيخ رشيد رضا أن الأحاديث الواردة في ظهور المهدي في آخر الزمان لا يصح منها شيء.
وذكر جملة من الاستشكالات والتساؤلات التي بسببها رد تلك الأحاديث.
وسوف أذكر هنا أهم تلك الاستشكالات والتساؤلات التي أثارها في تفسيره المنار تحت عنوان «التعارض والإشكالات في أحاديث المهدي» ثم بعد ذلك أذكر الرد على هذه الاستشكالات والتساؤلات.
ذكر الشيخ رشيد رضا أن أحاديث المهدي متعارضة والمنكرون لها أكثر، ولذلك لم يعتد بها الشيخان، حيث يقول «وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيها أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من روايتها في صحيحهما». (٢)
стр. 240
ثم ذكر نماذج من تعارض أحاديث المهدي وتهافتها كما يزعم ومن ذلك قوله «إن أشهر الروايات في اسمه واسم أبيه عند أهل السنة أنه محمد بن عبد الله، وفي رواية أحمد بن عبد الله، والشيعة الإمامية متفقون على أنه محمد بن الحسن العسكري، وهما الحادي عشر والثاني عشر من أئمتهم المعصومين، ويلقبون بالحجة، والقائم، والمنتظر، وزعمت الكيسانية (١) أن المهدي هو محمد بن الحنفية وأنه حي مقيم بجبل رضوي ... ». (٢)
ثم قال: «المشهور من نسبه أنه علوي فاطمي من ولد الحسن وفي بعض الروايات من ولد الحسين، وهو يوافق قول الشيعة الإمامية، وهناك عدة أحاديث مصرحة بأنه من ولد العباس». (٣)
ويزعم أن سبب الاختلاف في الروايات هو كونها موضوعه حيث يقول «وسبب هذا الاختلاف أن الشيعة كانوا يسعون لجعل الخلافة في آل الرسول ﷺ من ذرية علي سلام الله ورضوانه عليهم، ويضعون الأحاديث تمهيدا لذلك، ففطن لهذا الأمر العباسيون فاستمالوا بعضهم، ورأى أبو مسلم الخرساني وعصبته أن آل علي يغلب عليهم الزهد، وأن بني العباس كبني أمية في الطمع في الملك، فعمل لهم توسلاً بهم إلى تحويل عصبية الخلافة إلى الفرس، تمهيداً لإعادة الملك والمجوسية، وحينئذٍ وضعت
стр. 241
أحاديث المهدي مشيرة إلى العباسين مصرحة بشارتهم «السواد» وأشهرها حديث ثوبان المرفوع في سنن ابن ماجه، «يقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا تصير إلى واحدٍ منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونهم قتلاً لم يقتله قوم - ثم ذكر شيء لا أحفظه - فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج فإنه خليفة الله المهدي». (١)
ثم ذكر بعد ذلك أن الأحاديث الواردة في المهدي سبب للفساد والفتن، حيث يقول: «وقد كانت أكبر مثارات الفساد والفتن في الشعوب الإسلامية، إذ تصدى كثير من محبي الملك والسلطان، ومن أولياء الولاية وأولياء الشيطان، لدعوى المهدوية في الشرق والغرب، وتأييد دعواهم بالقتال والحرب، وبالبدع والإفساد في الأرض، حتى خرج ألوف الألوف عن هداية السنة النبوية، ومرق بعضهم من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية». (٢)
الرد على استشكالاته وتساؤلاته:
أولا: إن دعوى التعارض بين الأحاديث النبوية دعوى دائما ما يرددها ويكررها الشيخ رشيد رضا، فهو يرى أن هذه الدعوة كفيلة برد الحديث وإسقاطه ولو كان من أصح الأحاديث، بل ولو كان حتى من أحاديث الصحيحين، كالأحاديث الواردة في المسيح الدجال والتي غالبها في الصحيحين، والتي قال عنها «أنها متعارضة تعارضاً كثيراً يوجب تساقطها». (٣) والتي في الأخير أنكرها كلها.
стр. 242
وهو الآن يدعي نفس الدعوى التي أدعها في الأحاديث الواردة في المسيح الدجال يدعيها في الأحاديث الواردة في المهدي، وذلك تمهيداً منه وتوطئه للقول بأنها منكرة.
ومشكلة الشيخ رشيد رضا كما قلنا من قبل في مبحث المسيح الدجال ونعيد ونقوله هنا وهو أنه ﵀ وغفر له، يمزج بين الروايات الصحيحة والضعيفة بل وحتى الموضوعة، ثم يبني على ذلك نتائجه وما توصل إليه، ولو أنه أزاح الروايات الضعيفة والموضوعة واكتفى بالروايات الصحيحة، لما وجد أي تعارض بين تلك الروايات.
فأحاديث المهدي كما قال أهل العلم مثل ابن القيم وغيره فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، فما كان منها موضوعاً أو ضعيفاً لا يحتج به، فإنه لا يلتفت إليه، ولا يعارض به غيره، أما ما صح منها فهو مؤتلف غير مختلف ومتفق غير مفترق. (١)
فالشيخ رشيد رضا يستعمل هنا نفس الأسلوب والمنهج الذي تعامل به مع الأحاديث الواردة في المسيح الدجال، فهو يستشهد بالأحاديث الضعيفة بل والموضوعة ثم يدعي بعد ذلك التعارض والتناقض فيما بينها، وهذا بلا شك نتيجة حتمية وطبيعية عند الجمع بين الروايات الصحيحة وغير الصحيحة.
ثم إننا لا ندري هل يتعمد الشيخ رشيد رضا الاستشهاد بالأحاديث
стр. 243
الضعيفة والموضوعة الواردة في المهدي ليثبت أن هناك تناقضاً وتعارضاً فيما بينها.
أم أنه لا يعلم ولا يدري بأن هذه الأحاديث ضعيفة وموضوعة وكلا القولين لا يليقان به وهو العالم بالسنة والملقب بمحيى السنة في زمنه.
ثم إننا نقول هنا كما قلنا من قبل في مبحث المسيح الدجال، وهو أن التعارض بين الروايات الصحيحة مستحيل وغير ممكن، وإن كان ظاهرهما التعارض، وقد حكي الباقلاني الإجماع على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقاً.
كما روى الخطيب البغدادي عنه ذلك فقال «يقول الباقلاني»: وكل خبرين علم أن النبي ﷺ تكلم بهما، فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين، لأن معنى التعارض بين الخبرين والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب إحداهما منافياً لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف إن كانا أمراً ونهياً أو إباحة وحظراً، أو يوجب كون أحدهما صدقاً والآخر كذباً إن كانا خبرين، والنبي ﷺ منزه عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة وكل مثبت للنبوة». (١)
ثم إن التشبث بدعوى التعارض بين الأحاديث وكثرة ترديدها من غير دليل ولا بينة ولا برهان هي من أقوال أهل البدع والأهواء «الذين قصر علمهم عن الاتساع في الآثار وعييت أذهانهم عن وجوهها فلم يجدوا شيئاً
стр. 244
أهون عليهم من أن يقولوا: متناقضة فأبطلوها كلها». (١)
وللأسف فإن شيخنا رشيد رضا ﵀ وغفر له دائماً ما يردد هذه العبارة ودائماً ما يلجأ إليها إذا ضاقت به السبل، وتعسرت عليه الاستشكالات والتساؤلات.
وهي نفس الدعوى التي قام يرددها ويتكئ عليها من بعد الشيخ رشيد رضا، الطاعنون في السنة النبوية، كالمدعو أبو ريه في كتابه «أضواء على السنة المحمدية» والذي رد فيه الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة بدعوى التعارض فيما بينها ولا حول ولا قوة إلا بالله. (٢)
فالذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي ذكرتها في بداية المبحث، كحديث على بن أبي طالب، وحديث أبي سعيد الخدري وحديث أم سلمه، وحديث عبد الله بن مسعود أنه من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب- ﵁، وهذا الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة وأهل الحديث قاطبة، قال ابن كثير في المهدي «هو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسنين- ﵁ (٣) ولا عبرة بما يقوله الشيعة الإمامية من أنه محمد بن الحسن العسكري، أو ما يقوله الرافضة الكيسانية من أن المهدي هو محمد بن الحنفية، فهذه كلها أقوال باطلة لا دليل عليها من السنة النبوية الذين هم أبعد الناس عن العلم فيها فضلا عن تميز الصحيح من السقيم منها.
стр. 245
ثانيا: أما بالنسبة لقوله بأن المنكرين لها أكثر، فهذه دعوى غير صحيحة بل إن العكس هو الصحيح وهو أن القائلين والمقرين بها أكثر، فقد ثبتت الأحاديث الواردة في المهدي عن أكثر من ستة وعشرين صحابياً.
قال الشيخ عبد المحسن العباد: «جملة ما وقفت عليه من أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول ﷺ ستة وعشرون هم:
١ - عثمان بن عفان- ﵁.
٢ - علي بن أبي طالب- ﵁.
٣ - طلحة بن عبيد الله- ﵁.
٤ - عبد الرحمن بن عوف- ﵁.
٥ - الحسين بن علي- ﵁.
٦ - أم سلمه ﵂.
٧ - أم حبيبة ﵂.
٨ - عبد الله بن عباس- ﵁.
٩ - عبد الله بن مسعود- ﵁.
١٠ - عبد الله بن عمر- ﵁.
١١ - عبد الله بن عمرو- ﵁.
١٢ - أبو سعيد الخدري- ﵁.
١٣ - جابر بن عبد الله- ﵁.
стр. 246
١٤ - أبو هريرة- ﵁.
١٥ - أنس بن مالك- ﵁.
١٦ - عمار بن ياسر- ﵁.
١٧ - عوف بن مالك- ﵁.
١٨ - ثوبان مولى رسول الله- ﵁.
١٩ - قرة بن إياس- ﵁.
٢٠ - علي الهلالي- ﵁.
٢١ - حذيفة بن اليمان- ﵁.
٢٢ - عبد الله بن الحارث بن حمزة- ﵁.
٢٣ - عوف بن مالك- ﵁.
٢٤ - عمران بن حصين- ﵁.
٢٥ - أبو الطفيل- ﵁.
٢٦ - جابر الصدفي- ﵁». (١)
ثم ذكر بعد ذلك، أسماء الأئمة الذين خرجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي في كتبهم، حيث قال: «وأحاديث المهدي خرجها جماعة كثيرون من الأئمة في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد وغيرها قد بلغ عدد الذين وقفت على كتبهم أو اطلعت على ذكر تخريجهم لها ثمانية وثلاثين هم:
стр. 247
١ - أبو داود في سننه.
٢ - الترمذي في جامعه.
٣ - ابن ماجه في سننه.
٤ - النسائي ذكره السفاريني في لوامع الأنوار البهية والمناوي في فيض القدير وما رأيته في الصغرى ولعله في الكبرى.
٥ - أحمد في مسنده.
٦ - ابن حبان في صحيحه.
٧ - الحاكم في المستدرك.
٨ - أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف.
٩ - نعيم بن حماد في كتاب الفتن.
١٠ - الحافظ أبو نعيم في كتاب المهدي وفي الحلية.
١١ - الطبراني في الكبير والأوسط والصغير.
١٢ - الدارقطني في الأفراد.
١٣ - البارودي في معرفة الصحابة.
١٤ - أبو يعلى الموصلي في مسنده.
١٥ - البزار في مسنده.
١٦ - الحارث بن أبي أسامة في مسنده.
١٧ - الخطيب في تلخيص المتشابه وفي المتفق والمفترق.
١٨ - ابن عساكر في تاريخه.
١٩ - ابن منده في تاريخ أصبهان.
стр. 248
٢٠ - أبو الحسن الحربي في الأول من الحربيات.
٢١ - تمام الرازي في فوائده.
٢٢ - ابن جرير في تهذيب الآثار.
٢٣ - أبو بكر بن المقري في معجمه.
٢٤ - أبو عمرو الداني في سننه.
٢٥ - أبو غنم الكوفي في كتاب الفتن.
٢٦ - الديلمي في مسند الفردوس.
٢٧ - أبو بكر الإسكاف في فوائد الأخبار.
٢٨ - أبو الحسين بن المناوي في كتاب الملاحم.
٢٩ - البيهقي في دلائل النبوة.
٣٠ - أبو عمرو المقري في سننه.
٣١ - ابن الجوزي في تاريخه.
٣٢ - يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده.
٣٣ - الروياني في مسنده.
٣٤ - ابن سعد في الطبقات.
٣٥ - ابن خزيمة.
٣٦ - الحسن بن سفيان.
٣٧ - عمر بن شبه.
٣٨ - أبو عوانة». (١)
стр. 249
ثم إنه لم يشتهر القول بتضعيف الأحاديث الواردة في المهدي إلا عن عبد الرحمن بن خلدون المؤرخ المشهور (١) بدعوى عدم ورودها في الصحيحين.
حيث قال بعد ذكر جملة من الأحاديث الواردة في المهدي «فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه». (٢)
وقال في موضع آخر مشككاً في صحة ظهور المهدي «فإن صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته .. ». (٣)
وفي الحقيقة أنه لم يقل أحد بمثل هذا القول قبل ابن خلدون، وكل من طعن في أحاديث المهدي من المتأخرين احتج بأقوال ابن خلدون. (٤)
стр. 250
والرد على ما ذهب إليه ابن خلدون من عدة وجوه:
أولا: إن عبارة ابن خلدون وهي قوله «لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه» فعبارته تدل على أنه سلم من نقده القليل من الأحاديث ولو صح حديث واحد من بين الأحاديث الكثيرة التي ردها لكفى به حجة في شأن المهدي، كيف والأحاديث فيه صحيحة ومتواترة.
ثانيا: إن ابن خلدون لا يعتد به في التصحيح والتضعيف لأنه مؤرخ، وإنما الذي يعتد به في ذلك هم، رجال الحديث وأئمته أمثال البيهقي والخطابي والعقيلي والرازي والذهبي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل الرواية والدراية الذين قالوا بصحة الكثير من أحاديث المهدي. (١)
وقد أحسن الشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند حيث قال «أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجالها ... ». (٢)
وقال عنه أيضا: «إنه قد تهافت في الفصل الذي عقده في مقدمته للمهدي تهافتاً عجيباً وغلط أغلاطاً واضحة» (٣)، حيث إن ما كتبه في هذا الفصل مملوء بالأغاليط الكثيرة في أسماء الرجال ونقل العلل.