← Акыда

Акыда · id 32254

آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى وآثارها الفكرية

مشاري سعيد المطرفي

Полный текст (362 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

١٤ - أبو هريرة- ﵁. ١٥ - أنس بن مالك- ﵁. ١٦ - عمار بن ياسر- ﵁. ١٧ - عوف بن مالك- ﵁. ١٨ - ثوبان مولى رسول الله- ﵁. ١٩ - قرة بن إياس- ﵁. ٢٠ - علي الهلالي- ﵁. ٢١ - حذيفة بن اليمان- ﵁. ٢٢ - عبد الله بن الحارث بن حمزة- ﵁. ٢٣ - عوف بن مالك- ﵁. ٢٤ - عمران بن حصين- ﵁. ٢٥ - أبو الطفيل- ﵁. ٢٦ - جابر الصدفي- ﵁». (١) ثم ذكر بعد ذلك، أسماء الأئمة الذين خرجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي في كتبهم، حيث قال: «وأحاديث المهدي خرجها جماعة كثيرون من الأئمة في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد وغيرها قد بلغ عدد الذين وقفت على كتبهم أو اطلعت على ذكر تخريجهم لها ثمانية وثلاثين هم:

стр. 247

١ - أبو داود في سننه. ٢ - الترمذي في جامعه. ٣ - ابن ماجه في سننه. ٤ - النسائي ذكره السفاريني في لوامع الأنوار البهية والمناوي في فيض القدير وما رأيته في الصغرى ولعله في الكبرى. ٥ - أحمد في مسنده. ٦ - ابن حبان في صحيحه. ٧ - الحاكم في المستدرك. ٨ - أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف. ٩ - نعيم بن حماد في كتاب الفتن. ١٠ - الحافظ أبو نعيم في كتاب المهدي وفي الحلية. ١١ - الطبراني في الكبير والأوسط والصغير. ١٢ - الدارقطني في الأفراد. ١٣ - البارودي في معرفة الصحابة. ١٤ - أبو يعلى الموصلي في مسنده. ١٥ - البزار في مسنده. ١٦ - الحارث بن أبي أسامة في مسنده. ١٧ - الخطيب في تلخيص المتشابه وفي المتفق والمفترق. ١٨ - ابن عساكر في تاريخه. ١٩ - ابن منده في تاريخ أصبهان.

стр. 248

٢٠ - أبو الحسن الحربي في الأول من الحربيات. ٢١ - تمام الرازي في فوائده. ٢٢ - ابن جرير في تهذيب الآثار. ٢٣ - أبو بكر بن المقري في معجمه. ٢٤ - أبو عمرو الداني في سننه. ٢٥ - أبو غنم الكوفي في كتاب الفتن. ٢٦ - الديلمي في مسند الفردوس. ٢٧ - أبو بكر الإسكاف في فوائد الأخبار. ٢٨ - أبو الحسين بن المناوي في كتاب الملاحم. ٢٩ - البيهقي في دلائل النبوة. ٣٠ - أبو عمرو المقري في سننه. ٣١ - ابن الجوزي في تاريخه. ٣٢ - يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده. ٣٣ - الروياني في مسنده. ٣٤ - ابن سعد في الطبقات. ٣٥ - ابن خزيمة. ٣٦ - الحسن بن سفيان. ٣٧ - عمر بن شبه. ٣٨ - أبو عوانة». (١)

стр. 249

ثم إنه لم يشتهر القول بتضعيف الأحاديث الواردة في المهدي إلا عن عبد الرحمن بن خلدون المؤرخ المشهور (١) بدعوى عدم ورودها في الصحيحين. حيث قال بعد ذكر جملة من الأحاديث الواردة في المهدي «فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه». (٢) وقال في موضع آخر مشككاً في صحة ظهور المهدي «فإن صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته .. ». (٣) وفي الحقيقة أنه لم يقل أحد بمثل هذا القول قبل ابن خلدون، وكل من طعن في أحاديث المهدي من المتأخرين احتج بأقوال ابن خلدون. (٤)

стр. 250

والرد على ما ذهب إليه ابن خلدون من عدة وجوه: أولا: إن عبارة ابن خلدون وهي قوله «لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه» فعبارته تدل على أنه سلم من نقده القليل من الأحاديث ولو صح حديث واحد من بين الأحاديث الكثيرة التي ردها لكفى به حجة في شأن المهدي، كيف والأحاديث فيه صحيحة ومتواترة. ثانيا: إن ابن خلدون لا يعتد به في التصحيح والتضعيف لأنه مؤرخ، وإنما الذي يعتد به في ذلك هم، رجال الحديث وأئمته أمثال البيهقي والخطابي والعقيلي والرازي والذهبي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل الرواية والدراية الذين قالوا بصحة الكثير من أحاديث المهدي. (١) وقد أحسن الشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند حيث قال «أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجالها ... ». (٢) وقال عنه أيضا: «إنه قد تهافت في الفصل الذي عقده في مقدمته للمهدي تهافتاً عجيباً وغلط أغلاطاً واضحة» (٣)، حيث إن ما كتبه في هذا الفصل مملوء بالأغاليط الكثيرة في أسماء الرجال ونقل العلل.

стр. 251

ثالثا: إن ابن خلدون نفسه قد شهد بأن القول في ظهور المهدي في آخر الزمان هو ما عليه أكثر أهل الإسلام، حيث يقول في مقدمته للمهدي «أعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي .... ». فكيف يدعي بعد هذا رشيد رضا أن المنكرين لها أكثر! ثم ألا يسع رشيد رضا ما وسع أكثر أهل الإسلام على مر الأعصار! ثم هل يعقل أن كل هؤلاء الذين ذكرنا من أهل العلم على خطأ وابن خلدون ورشيد رضا على صواب؟ لا سيما وأن الأمر ليس اجتهادياً وإنما هو أمر غيبي لا يسوغ لأحد إثباته أو نفيه إلا بدليل من الكتاب أو السنة النبوية لا سيما أيضا وأن الدليل معهم وهم أهل الاختصاص والتمييز بين المقبول منه والمردود. ثالثا: أما احتجاجه في ردها بدعوى أن الشيخين لم يخرجا شيء من روايتها في صحيحهما، وذلك لضعفها. فإنها دعوى مردودٌ عليها من عدة وجوه، كالآتي: ١ - إن الصحيح كما هو موجود في الصحيحين فإنه موجود في غيرهما، فهما لم يستوعبا كل الصحيح ولا اشترطا ذلك أبداً، فقد قال ابن حجر في مقدمه فتح الباري: إن الإسماعيلي قد روى عن البخاري

стр. 252

أنه قال «لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً وما تركت من الصحيح أكثر» (١)، وقال مسلم في صحيحة في آخر باب التشهد في الصلاة، «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه». (٢) ومما يدل على أن البخاري لم يستوعب كل الأحاديث الصحيحة، قوله «أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح» (٣)، مع أن جملة ما في صحيحه من الأحاديث المسندة إلى النبي ﷺ بما في ذلك الأحاديث المعلقة لا تبلغ عشرة آلاف حديث. فالصحيح كما أنه موجود في الصحيحين، فهو موجود في غيرهما من الكتب المؤلفة في الحديث النبوي، كموطأ مالك، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي، ومسند الإمام أحمد وغيرهما. قال ابن كثير «إن البخاري ومسلماً لم يلتزما بإخراج جميع ما يُحكم بصحته من الأحاديث، فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده بل في السنن وغيرها». (٤)

стр. 253

ثم إن هناك الكثير من العقائد لدى أهل السنة والجماعة، مصدرها أحاديث صحيحة في غير الصحيحين، مثل الحديث المشتمل على العشرة المبشرين بالجنة ﵃، فإنه في السنن ومسند الإمام أحمد وغيره وليس في الصحيحين، ومثل حديث البراء بن عازب- ﵁ الطويل في نعيم القبر الذي وصف فيه النبي ﷺ ما يجري عند الموت حتى البعث وهو في مسند الإمام أحمد وغيره، وكذا الحديث الذي فيه تسمية الملكين السائلين في القبر بالمنكر والنكير، فهو لم يرد في الصحيحين، وكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره الدال على وزن الأعمال وهو حديث البطاقة والسجلات وهو لم يرد في الصحيحين، والحاصل أن الأحاديث إذا كانت صحيحة يجب العمل بموجبها سواء كانت في الصحيحين أو في غيرهما ومن ذلك أحاديث المهدي. (١) ٢ - أنه جاء في بعض الأحاديث في الصحيحين، ما يدل على ظهور المهدي، وإن لم تكن صريحة ومن ذلك. ١) عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ ! ». (٢) ٢) عن جابر بن عبد الله ﵄، قال، سمعت رسول الله ﷺ

стр. 254

يقول «لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» قال: «فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول، لا، إن بعضكم على بعضٍ أمراء، تكرمة الله هذه الأمة». (١) في رواية عن غير مسلم «يقول أميرهم المهدي ..... » الحديث (٢) فهذه الرواية تدل على أن ذلك الأمير المشار إليه في رواية مسلم يقال له المهدي ولا محمل له ولأمثاله إلا المهدي. (٣) ٣) وعن جابر بن عبد الله، قال، قال رسول الله ﷺ «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً لا يعده عداً». قال الجريري أحد رواة الحديث «قلت لأبي نضره وأبي العلاء، أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا، لا». ٤) عن عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ : «العجبُ أن ناساً من أمتي يؤموّن البيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم». (٤) ٥) وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ «يغزو جيشٌ

стр. 255

الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم» قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأولهم وأخرهم ثم يبعثون على نياتهم» (١)، فهذه الأحاديث وإن لم يكن فيها ذكر اسم المهدي أو لقبه إلا أنه لا محمل لها إلا عليه كما قال أهل العلم. ثم إنني على يقين بأنه لو وردت أحاديث صريحة في الصحيحين تنص على ظهور المهدي لما قبل بها الشيخ رشيد رضا، ولأولها وأثار الاستشكالات والتساؤلات حولها، كما فعل بالأحاديث الواردة في المسيح الدجال، حتى يردها، وذلك لأنه لا يقبل أي حديث فيه شكل من أشكال الخارقة أو الخروج عن المألوف، وإلا فكم من حديث رواه الشيخان ولم يقبل به لتعارضه مع منهجه العقلي، ولا أدل على ذلك إلا رده للأحاديث الصحيحة الصريحة التي رواها الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما أن القمر انشق على زمان رسول الله ﷺ ، بدعوى أنها لو وقعت فعلاً لتوفرت الدواعي على نقلها بالتواتر. ورده كذلك للحديث الذي رواء الشيخان أيضا في صحيحيهما عن أبي هريرة- ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ...... ». (٢) بدعوى أن أبا هريرة- ﵁ لم

стр. 256

يصرح بالسماع عن النبي ﷺ فيخشى أن يكون قد رواها عن كعب الأحبار! ! ورده كذلك للحديث الذي رواه البخاري في صحيحة عن أبي ذر- ﵁، حينما سأله ﷺ ، أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قال، قلت لا أدري، قال إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها ارجعي من حيث دخلت، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل (١) بدعوى أن متنه من أعظم المتون إشكالاً! ! فعجيبٌ ذلك المنهج الذي يسير عليه الشيخ رشيد رضا في قبول الحديث أورده، فإذا لم تتفق الأحاديث مع مقاييسه الخاصة رفضها جملةً وتفصيلاً دون الالتفات إلى صحة أسانيدها وإذا لم تكن في الصحيحين احتج بأن الشيخين لم يعبأ بها لذا لم يخرجاها في صحيحيهما. وإن ورد الحديث في صحيح مسلم كحديث الجساسة رد الحديث محتجاً بأن البخاري لم يخرجه، وإذا ورد في صحيح البخاري كحديث سجود الشمس عند العرش رد الحديث بدعوى أنه مشكل أو أنه لا يخلو من علةٍ إسرائيلية أو من خطأ الرواية في المعنى. رابعا: أما بالنسبة لقوله بأن أحاديث المهدي موضوعة، وضعها الشيعة لأسباب سياسية، فنحن لا ننكر كما قلنا في بداية الرد على أن هناك أحاديث

стр. 257

في المهدي موضوعة ومكذوبة وضعها الشيعة وغير الشيعة أيضا، لأسباب سياسية أو لأسباب أخرى. ولكن هذه الأحاديث تتبعها أئمة الحديث وبينوا المكذوب منها من الصحيح، ثم إنه إذ كان هناك أحاديث موضوعة أو كذوبة في هذا الباب فإنه ليس معنى هذا أنه لم يرد فيها أحاديث صحيحة، ثم إنه إذ كان هناك روايات موضوعة في المهدي تعصباً، فإن ذلك لا يجعلنا نترك ما صح من الروايات فيه، والروايات الصحيحة جاء فيها ذكر صفته واسمه واسم أبيه. ثم إنه لا يجوز أن ترد الأحاديث الصحيحة الواردة في ظهور المهدي من أجل خرافات الشيعة وأباطيلهم، فالشيعة لهم قول في المهدي لا يعتد به عند أهل السنة، وهو قول شاذ ولا دليل عليه، ومخالف للعقل، فهم يعتقدون أن المهدي قد دخل في سرداب في سامراء منذ أكثر من ألف سنة ولم يخرج إلى الآن، وأنه سوف يخرج في آخر الزمان. قال ابن القيم في كلامه على المهدي عند الشيعة والرافضة: «وأما الرافضة الإمامية فلهم قول رابع، وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا ويختم الفضاء، دخل سرداب سامرا طفلا صغيرا من أكثر من خمسمائة سنة فلم تره بعد ذلك عين، ولم يحس فيه بخبر ولا أمر، وهم ينتظرونه كل يوم يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن

стр. 258

يخرج إليهم، اخرج يا مولانا، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه ولقد أحسن من قال: ما آن للسرداب أن يلد الذي ... كلمتموه بجهلكم ما آنا فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... كلمتم العنقاء والغيلانا ولقد أصبح هؤلاء عارا على بني آدم وضحكة ليسخر منهم كل عاقل». (١) خامسا: أما بالنسبة لقوله بأن الاعتقاد في ظهور المهدي ترتب عليها فتن وفساد وكثرة دعاة المهدي، فإن ذلك حتى ولو كان صحيحاً فإنه لا يسوغ رد الصحيح من الأحاديث الواردة في المهدي، كيف وهو لا يصح سبباً، فإن سبب ذلك هو الجهل والهوى، ولو علم الناس السنة وتجردوا ومن الهوى لما وقع ذلك. فوقوع الفتنة بسبب فهم خاطئ لأحاديث صحيحة لا يصلح حجة لرد تلك الأحاديث، أوليس الخوارج فتنوا بنصوص الوعيد والمرجئة بنصوص الوعد؟ والمعطلة والمشبهة بنصوص الصفات بسبب فهمهم الخاطئ لها؟ فهل يعني ذلك رد تلك النصوص؟ ولو جاز رد النصوص الثابتة بسبب فهم بعض الفرق الخاطئة لها، وإفراطهم أو تفريطهم فيها لكان ذلك باباً واسعاً لرد الشريعة كلها بأصولها وفروعها، إذ إنه ما من نص قرآني أو نبوي أفاد حكماً شرعياً إلا وله

стр. 259

معارضون ومحرفون يكونون على طرفي نقيض. (١) ثم إنه هل يمنع إنكار خروج المهدي في آخر الزمان من وقوع الفتن وادعاء المهدي؟ أليس ختم النبوة بنبينا محمد ﷺ مما هو مجمع عليه ومع ذلك وجد كثيرون ممن ادعى النبوه وحصل بذلك للمسلمين فتن وأضرار كثيرة، وإنما الذي يعصم حقيقة من الفتن والمصائب ويكفل السلامة والأمن والنجاة هو الاستمساك بشرع الله والاعتصام بسنة نبيه ﷺ . أما وجود دعاه المهدوية من المجانين وأشباه المجانين يخرجون في بعض الأزمان ويحصل بسببهم على المسلمين أشرار كبيرة، فإنه لا يؤثر في التصديق بمن عناة الرسول ﷺ في الأحاديث الصحيحة وهو المهدي الذي يصلي عيسى ابن مريم ﷺ خلفه، فما ثبت عن رسول الله ﷺ وجب التصديق به، ويجب القضاء على كل متمهدٍ يريد أن يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم، والواجب قبول الحق، ورد الباطل لا أن يرد الحق ويكذب بالنصوص من أجل أنه ادّعى مقتضاها مدعون مبطلون دجالون. (٢) ثم إنه متى كان استغلال أعداء الإسلام لعقيدة من عقائد المسلمين مبرراً لطمسها أو التشكيك في ثبوتها؟ إن أعداء الإسلام لم يستغلوا المهدوية فحسب بل استغلوا ما هو أكبر وأعظم وأوضح عند المسلمين، أعني عقيدة

стр. 260

النبوه، استغلوا هذا وخرج أدعياء النبوة، ولازلنا في هذا العصر نعاني من أولئك كالبهائية (١) والقاديانية (٢).

стр. 261

المبحث الرابع رأيه في نزول عيسى بن مريم ﵇ والرد عليه معنى المسيح: المسيح على وزن فعيل بمعنى فاعل، وسمي به لأنه يمسح المريض وذا العاهة، فيبرأ بإذن الله. (١) وقيل المسيح الصَّديق، وقيل سمي به لأنه كان سائحاً في الأرض لا يستقر (٢)، وقيل: كلمة المسيح تعني الحاكم الذي سوف يأتي في نهاية الزمان ليملك ويملأ الأرض عدلاً، وهي من أصول عبرية. (٣) عقيدة أهل السنة والجماعة في عيسى بن مريم ﵇: الذي عليه اعتقاد أهل السنة والجماعة في عيسى بن مريم ﵇، ما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة، وهو أنه نبي من أنبياء الله ، من أولى العزم من الرسل المقربين اختصه الله بأن يوجد من أمٍ دون أب

стр. 262

وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل. وقد أيده الله ببعض المعجزات كرامة وتصديقاً له، فكان يبرئ الأكمة والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله وكان يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها، فتكون طيراً بإذن الله. فحسده بنو إسرائيل فعزموا على قتله، فحاصروه في دار ببيت المقدس، فلما دخلوا عليه ألقى الله شبهه على شاب من أصحابه الحاضرين، ورفع عيسى بن مريم ﵇ من ذلك البيت إلى السماء، وأهل البيت ينظرون، فلما دخلوا وجدوا الشاب الذي ألقي عليه شبه عيسى فأخذوه ظانين أنه عيسى بن مريم ﵇ فقتلوه وصلبوه، قال تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (١) فهو لم يقتل ولم يصلب وإنما رفعه الله إليه. وسوف ينزل في آخر الزمان، على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فينزل واضعا حالة نزوله كفيه على أجنحة ملكين وقت صلاة الصبح، وينزل ليقتل الدجال، ويدعو إلى دين الإسلام، ويحكم به، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعوه الناس للصلاة بهم فيمتنع ويقول إمامكم منكم، فيتقدم المهدي فيصلي إماما بهم وبه، وذلك إكراماً لسيدنا محمد ﷺ ولأمته ويمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. (٢)

стр. 263

وقال ابن حزم: «وأن عيسى ﵇ لم يقتل، ولم يصلب ولكن توفاه الله ثم رفعه إليه». (١) قال ابن تيمية: «وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إليه إلى السماء». (٢) وقال ابن تيمية أيضاً: «والمسيح ﷺ وعلى سائر الأنبياء لابد أن ينزل إلى الأرض .. كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية، مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون، لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة». (٣) وقال القاضي عياض: «نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته. وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وخاتم النبيين﴾، وبقوله ﷺ : (لا نبي بعدي)، وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا ﷺ وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة ولا تنسخ! وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا

стр. 264

ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس». (١) قال السفاريني: «ونزوله ﵊ ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة: .... » إلى أن قال: «وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة أو من لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أن ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية، وليس بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء، وإن كانت النبوة قائمة به، وهو متصف بها، ويتسلم الأمر من المهدي، ويكون المهدي من أصحابه وأتباعه كسائر أصحاب المهدي». (٢) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله: «وعيسى حي في السماء لم يمت بعد، وإذا نزل من السماء لم يحكم إلا بالكتاب والسنة، لا بشيء يخالف ذلك» (٣)، وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي ﷺ ، والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة .... »، ثم ذكر جملة من عقائد أهل السنة، ثم قال «والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوبٌ بين عينيه «كافر» والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد». (٤)

стр. 265

وقال أبو الحسن الأشعري ﵀ في سرده لعقيدة أهل السنة والجماعة: «الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيء، ويصدقون بخروج الدجال، وأن عيسى يقتله» (١)، وقال الطحاوي: «ونؤمن بأشراط الساعة، من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء». (٢) ونقل أبو حيان في البحر المحيط عن الإمام ابن عطية أنه قال في تفسيره: «وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى في السماء حي وأنه ينزل في آخر الزمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل وتظهر به مله محمد ﷺ ويحج البيت ويعتمر». (٣) قال الغماري: «وقد ثبت القول بنزول عيسى ﵇ من غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على مر الزمان إلى وقتنا هذا». (٤) وقال الشيخ أحمد شاكر: «نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون، لورود الأخبار الصحاح عن النبي ﷺ بذلك وهذا

стр. 266

معلوم من الدين بالضرورة، لا يؤمن من أنكره». (١) وقال الشيخ صالح الفوزان: «وفي عصرنا هذا ينكر بعض الكتاب الجهال وأنصاف العلماء نزول عيسى ﵇؛ اعتمادا على عقولهم وأفكارهم، ويطعنون في الأحاديث الصحيحة، أو يؤولونها بتأويلات باطلة، والواجب على المسلم التصديق بما أخبر به النبي ﷺ وصح عنه واعتقاده؛ لأن ذلك من الإيمان بالغيب الذي أطلع الله رسوله عليه ... ». (٢) وقال الشيخ صالح الفوزان أيضاً: «إن نزول عيسى ابن مريم ﵊ كما دل عليه القرآن فقد أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى نبينا محمد ﷺ ، وتواتر النقل عنه بذلك، وأجمع عليه علماء الأمة سلفاً وخلفاً، واعتبروه مما يجب اعتقاده والإيمان به». (٣) أدلة نزوله من القرآن: ورد في القرآن الكريم آيتان تدلان دلالة واضحة على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٤). أي إن نزول عيسى ﵇ قبل القيامة علامة على قرب الساعة، ويدل على هذا: القراءة الأخرى فقد قرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن

стр. 267

دينار والضحاك (وإنه لعَلم للساعة) بفتح العين واللام، أي خروجه علم من أعلام الساعة وشرط من شروطها وأمارة على قرب قيامها. (١) وروى الإمام أحمد والحاكم عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال: هو خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة (٢). وهذا المعنى مروي عن عدد من أئمة التفسير واختاره الحافظ ابن كثير وغيره (٣). والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾. (٤) قرر كثير من المفسرين أن الضميرين في (به)، و (موته) لعيسى ابن مريم ﵇ (٥). وقد روى ابن جرير الطبري ﵀ عن أبي مالك ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال:

стр. 268

«ذلك عند نزول عيسى بن مريم ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن به». (١) قال بن كثير: «ولا شك أن هذا هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، فأخبر الله أنه رفعه إليه، وأنه باق حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريبا، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم». (٢) أدلة نزوله من السنة: وجاءت في السنة أحاديث كثيرة تدل على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان منها: ١ - عن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال «ما شأنكم». قلنا يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه

стр. 269

ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل. فقال: «غير الدجال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا». قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال «أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم». قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدوار له قدره، قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض قال: «كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب (١) النحل ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرفي دمشق بين مهرودتين (٢) واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد (٣) فيقتله،

стр. 270

ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحدٍ بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسي كموت نفسٍ واحدةٍ، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يَكُنُّ منه بيت مدرٍ ولا وبرٍ، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك وردى بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِّسْلِ حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة. (١)

стр. 271

٢ - عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال «ما تذاكرون». قالوا نذكر الساعة. قال «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات». فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس، من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. (١) ٣ - عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبلها من كافر، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها» (٢). ثم يقول أبو هريرة- ﵁: اقرأوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (٣). ٤ - عن جابر- ﵁: قال: سمعت النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي

стр. 272

يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة»، قال: «فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله لهذه الأمة». (١) ٥ - عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الأنبياء إخوة لعلات (٢) أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران (٣)، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون» (٤) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.

стр. 273

تواتر الأحاديث في نزول عيسى بن مريم: جاءت الكثير من الأحاديث الصحيحة الصريحة في الصحاح والسنن والمسانيد التي تنص على نزول عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان، حتى بلغت هذه الأحاديث حد التواتر كما صرح بذلك جملةٌ من أهل العلم، وسوف أذكر هنا جملة من أقوالهم، حتى لا يدعي مدعٍ أن أحاديث نزول عيسى ابن مريم من أحاديث الآحاد التي ينبغي أن لا يجزم بها. (١) قال الحافظ ابن كثير ﵀ معلقا على أحاديث نزول عيسى ﵇: «فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع بن جارية، وأبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵃، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه، وأنه بالشام، بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند الإقامة لصلاة الصبح .. فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبي ﷺ بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم، وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى ﵇ وعلى

стр. 274

يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (١). وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٢) وقرئ «لعلم بالتحريك، أي أمارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله ببركة دعائه». (٣) قال ابن جرير الطبري - بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى ﵇: «وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: «معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، ورافعك إلي»؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدجال». (٤) ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله. وقال صديق حسن: «والأحاديث في نزوله ﵇ كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثاً؛ ما بين صحيح، وحسن، وضعيف منجبر، منها ما هو مذكورٌ في أحاديث الدجال .. ومنها ما هو مذكورٌ في أحاديث المنتظر، وتنضمُّ إلى ذلك أيضا الآثار الواردة عن الصحابة، فلها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في ذلك». ثم ساقها وقال: «جميع ما

стр. 275

سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع». (١) وقال الغماري (٢): «وقد ثبت القول بنزول عيسى ﵇ من غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على مر الزمان إلى وقتنا هذا». (٣) وقال: «تواتر هذا تواتراً لا شك فيه، بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ كالقاديانية ومن نحا نحوهم؛ لأنه نقل بطريق جمع عن جمع، حتى استقر في كتب السنة التي وصلت إلينا تواتراً بتلقي جيل عن جيل» (٤). وقد ذكر من رواه من الصحابة، فعد أكثر من خمسة وعشرين صحابيا، رواه عنهم أكثر من ثلاثين تابعيا، ثم رواه تابعو التابعين بأكثر من هذا العدد. وهكذا حتى أخرجه الأئمة في كتب السنة، ومنها المسانيد؛ كـ» مسند» الطيالسي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزار، والديلمي، ومن أصحاب الصحاح: البخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وأبو عوانة، والإسماعيلي، والضياء المقدسي، وغيرهم، ورواه أصحاب الجوامع، والمصنفات، والسنن، والتفسير بالمأثور، والمعاجم، والأجزاء، والغرائب، والمعجزات، والطبقات، والملاحم.

стр. 276

وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى ﵇ الشيخ محمد أنور شاه الكشميري (١) في كتابه «التصريح بما تواتر في نزول المسيح»، فذكر أكثر من سبعين حديثاً. وقال صاحب «عون المعبود شرح سنن أبي داود»: «تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في نزول عيسى بن مريم ﷺ من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السنة». (٢) وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: «اعلم أن أحاديث الدجال ونزول عيسى ﵇ متواترة، يجب الإيمان بها، ولا تغتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد؛ فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها، ولو فعل لوجدها متواترة؛ كما شهد بذلك أئمة هذا العلم؛ كالحافظ ابن حجر، ومن المؤسف حقا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم، لا سيما والأمر دين وعقيدة» (٣). ونزول عيسى ﵇ ذكره طائفة من العلماء في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه ينزل لقتل الدجال قبحه الله.

стр. 277

مسألة: هل رفع عيسى ﵇ ببدنه وروحه أم بروحه ؟ الصحيح والذي عليه جمهور المفسرين كالطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم. (١) أنه رفع ببدنه وروحه، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة، وقد سأل ابن تيمية عن وفاة عيسى ﵇ ورفعه فقال: «الحمد لله، عيسى ﵇ حي، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال «ينزل فيكم ابن مريم عدلاً وإماماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية» وثبت في الصحيح عنه أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنه يقتل الدجال، ومن فارقت روحه جسده، لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحُيي فإنه يقوم من قبره، وأما قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. (٢) فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت، إذ لو أراد بذلك الموت، لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء فعُلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) ولو كان قد فارقت الأنبياء أو غيره من الأنبياء، وقد قال تعالى في الآية الأخرى ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ

стр. 278

عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ (١)، فقوله هنا «بل رفعه الله إليه» يبين أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروح إذا لو أرُيد موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه بل مات .. ولهذا قال من قال من العلماء إني متوفيك، أي قابضك، أي قابض روحك وبذلك، يقال توفيت الحساب واستوفيته، ولفظ «التوفي» لا يقتضي نفسه توفي الروح دون البدن، ولا توفيهما جميعاً إلا بقرينه منفصلة، وقد يراد به توفي النوم كقوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٢)، وقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (٣)، وقوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ (٤) (٥) فهذا بلا شك ما يوافق معنى ما جاء في القرآن والسنة. مدة بقائه بعد نزوله: وأما مدة بقاء عيسى ﵇ إذا نزل: ففي بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي الروايات الأخرى أنه يمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون، ففي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «فيبعث الله عيسى ابن مريم .. ثم يمكث الناس سبع سنين ليس

стр. 279

بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته». (١) وفي حديث أبي هريرة- ﵁ السابق: «ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون». (٢) وقد جمع الحافظ ابن كثير ﵀ بين الروايتين فقال: «هكذا وقع في الحديث: أنه يمكث أربعين سنة، وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه يمكث في الأرض سبع سنين، فهذا مع هذا مشكل، اللهم إلا إذا حملت هذه السبع على مدة إقامته بعد نزوله، وتكون مضافة إلى مدة مكثه فيها قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثا وثلاثين سنة على المشهور، والله أعلم». (٣) وقد عارض السفاريني هذا الجمع فقال بعد أن ذكره بدون عزو: وهذا والله أعلم ليس بشيء لما مر من حديث عائشة عند الإمام أحمد وغيره «فيقتل الدجال، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة»، ثم حكى عن البيهقي أنه اعتمد رواية «أربعين»، وكما نقل عن السيوطي أنه ذهب إلى ترجيحها؛ لأن زيادة الثقة يحتج بها، ولأنهم يأخذون برواية الأكثر ويقدمونها على رواية

стр. 280

الأقل لما معها من زيادة العلم، ولأنه مثبت والمثبت مقدم. (١) وقال البرزنجي: «إن القليل لا ينافي الكثير». (٢) ولعل الراجح أن يقال: إن رواية «أربعين سنة» هي المعتمدة؛ لأنها رواية الأكثر، كما أشار إلى ذلك السفاريني، ولعل هذه السنين تمر كأنها سبع سنين، ويستأنس لذلك بما رواه عبد بن حميد عن أبي هريرة- ﵁ في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٣). قال: خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، وتكون تلك الأربعون كأربع سنين، يحج ويعتمر (٤). والله أعلم. رأي رشيد رضا في نزول عيسى بن مريم ﵇ والرد عليه: رأى الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له في نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان، لا يختلف عن رأيه فيما ورد في خروج المسيح الدجال وظهور المهدي، وذلك لأنه كما قلنا من قبل يرفض أي شكل من أشكال الخارقة أو الخروج عن المألوف، متابعاً في ذلك نهج المدرسة العقلية القديمة «المعتزلة»، فهو يشكك في الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان. ويثير مجموعة من الاستشكالات والتساؤلات حولها، كما

стр. 281

فعل مع أحاديث المسيح الدجال والمهدي، معتقداً أنه باستطاعته رد تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة بمجموعة استشكالات وتساؤلات لا قيمة لها أمام الكم الهائل من تلك الأحاديث النبوية التي تنص وبشكل واضح على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، حيث يقول: «وأما أحاديث نزول عيسى ﵇ فبعض أسانيدها صحيحة، وهي على تعارضها واردة في أمر غيبي متعلق بأحاديث الدجال المتعارضة، كما تقدم بيانه أيضا في ذلك البحث، فينبغي أن يفوض أمرها إلى الله تعالى وأن لا تكون سبباً للتقصير في إقامة الدين والدنيا بما شرعه الله تعالى فيهما». (١) وأجاب عن سؤال وجه إليه في مجلته المنار حول صحة اعتقاد نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان - فأجاب بقوله «إن القرآن ليس فيه نص صريح بأنه ينزل من السماء وإنما هذه عقيدة أكثر النصارى، وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهر الإسلام إلى الآن بثها في المسلمين ... ». (٢) ثم تكلم عن الأحاديث الواردة في نزوله ﵇، حيث يقول «والأحاديث الواردة في نزوله ﵇ كثيرة في الصحيحين والسنن وغيرها، وأكثرها واردة في أشراط الساعة، وممزوجة بأحاديث الدجال، وفي تلك الأشراط ولا سيما أحاديث الدجال والمهدي المنتظر واضطراب

стр. 282

واختلاف وتعارض كثير ... ». (١) إلى أن قال: (والخلاصة أنه لا يجب على مسلم أن يقف على تلك الأحاديث وأمثالها، لأنها ليست من أركان الإيمان ولا من أركان الإسلام، ولا يضره في إيمانه وإسلامه الاشتباه في صحتها .. ». (٢) الرد عليه: أولا: بالنسبة لقوله عن الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ أن بعض أحاديثها صحيحة، فيه تجن على تلك الأحاديث، حيث يفهم من كلامه أن أكثر أحاديثها غير صحيحة ومكذوبة، وهذا بلا شك كلام غير صحيح، بل إن العكس هو الصحيح، وهو أن غالب أحاديثها صحيحة، سواء تلك الأحاديث التي في الصحيحين والتي هي في أعلى مراتب الصحة، أو تلك الأحاديث الأخرى الموجودة في السنن والمسانيد وغيرها من دواوين السنة. والتي شهد بصحتها أكابر أهل العلم المختصين بالحديث كابن تيمية (٣)، وابن كثير (٤)، وابن حجر (٥) والنووي (٦)، والحاكم (٧) والشوكاني (٨)

стр. 283

والكتاني (١) والغماري (٢) والكشميري (٣) والألباني. (٤) ثانياً: أما ادعاءه من أن الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ فيها تعارض، فهي دعوى سبق أن ذكرها في الأحاديث الواردة في المسيح الدجال والأحاديث الواردة في المهدي، وثبت عدم صحتها. ثم إني لا أدري أين هذا التعارض الذي أشار إليه الشيخ رشيد رضا؟ ولماذا لم يذكر هذا التعارض كعادته في إثارة الاستشكالات والتساؤلات؟ والسبب في نظري في عدم ذكره لهذا التعارض هو عدم الوقوف على حدثين متعارضين حقيقةً، فجعل المسألة مبهمة ولم يبين، أما إن كان يقصد التعارض والاختلاف في مدة بقائه بعد نزوله هل هي أربعين سنة أو سبع سنين؟ فقد ذكرنا أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والتي رجحنا أن رواية «أربعين سنة» هي الأصح لأنها رواية الأكثر. ثم إن هذا الخلاف خلاف جزئي ومعتبر، لأن لكلٍ دليله، ولكن لا يصح أن يكون اعتبار هذا الخلاف حجة يرد بسببها تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة التي تنص وبدلاله قطعية على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان وإن اختلف في مدة مكثه في الأرض. ثالثا: أما بالسنة لقوله عن أحاديث نزول المسيح ﵇ بأنه ينبغي أن لا تكون سبباً للتقصير في إقامة الدين والدنيا بما شرعه الله، فهذا كلام

стр. 284

طيب من الشيخ رشيد رضا، ولا يخالفه أحد في وجوب الأخذ بالأسباب وعدم التواكل، فنحن مأمورون بأن نصدق بنزول عيسى ﵇ وغيرها من الاعتقادات التي ثبتت بالنص الصحيح الصريح، والمؤمن الحق هو الذي يتوسط ويجمع بين العمل والتصديق من غير إفراط ولا تفريط. (١) رابعاً: أما بالسنة لقوله، بأنه ليس في القرآن نص صريح بأنه ينزل من السماء، فهي دعوى باطلة، وإلا فما معنى قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٢)، فهذه الآية وما قبلها من الآيات جاءت في الكلام على عيسى ﵇، والتي فيها دلاله على نزوله ﵇ قبل يوم القيامة علامةً على قرب الساعة، ويدل على ذلك القراءة الأخرى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ بفتح العين واللام، أي علامة وأمارة على قيام الساعة، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة التفسير. (٣) وقال الحافظ ابن كثير: «الصحيح أنه ـ أي الضمير - عائد على عيسى ﵇، فإن الباقي في ذكره» (٤)، بل وما معنى قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٥)، فهي بلا شك عند نزول عيسى ﵇.

стр. 285

فقد روى ابن جرير الطبري ﵀ عن أبي مالك ﵀ قال عن هذه الآية: «ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن به» (١)، قال الحافظ ابن كثير: «ولا شك أن هذا هو الصحيح - لأن المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يثبتون ذلك، فأخبر الله أنه رفعه إليه، وأنه باقٍ حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة». (٢) خامساً: أما دعواه أن الاعتقاد بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان أنها من عقائد النصارى, فهذا الكلام وإن كان فيه بعض الصحة وهو اعتقاد بعض النصارى بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان إلا أنه ليس دليلاً أو مسوغاً ترد بسببه عقيدة من عقائد المسلمين ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. ثم إن عقيدة المسلمين في عيسى ورفعه إلى السماء ومن ثم نزوله في آخر الزمان تختلف اختلافاً كبيراً عن ما يعتقده النصارى. فهم يعتقدون أن عيسى هو ابن الله، وأن اليهود صلبوه وقتلوه، ورفع بعد صلبه بثلاثة أيام إلى السماء وهذا كله بلا شك باطل وغير صحيح. ثم إنه هناك الكثير من العقائد لدى المسلمين ويعتقد بمثلها النصارى
следующие страницы →