فعل مع أحاديث المسيح الدجال والمهدي، معتقداً أنه باستطاعته رد تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة بمجموعة استشكالات وتساؤلات لا قيمة لها أمام الكم الهائل من تلك الأحاديث النبوية التي تنص وبشكل واضح على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، حيث يقول: «وأما أحاديث نزول عيسى ﵇ فبعض أسانيدها صحيحة، وهي على تعارضها واردة في أمر غيبي متعلق بأحاديث الدجال المتعارضة، كما تقدم بيانه أيضا في ذلك البحث، فينبغي أن يفوض أمرها إلى الله تعالى وأن لا تكون سبباً للتقصير في إقامة الدين والدنيا بما شرعه الله تعالى فيهما». (١)
وأجاب عن سؤال وجه إليه في مجلته المنار حول صحة اعتقاد نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان - فأجاب بقوله «إن القرآن ليس فيه نص صريح بأنه ينزل من السماء وإنما هذه عقيدة أكثر النصارى، وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهر الإسلام إلى الآن بثها في المسلمين ... ». (٢)
ثم تكلم عن الأحاديث الواردة في نزوله ﵇، حيث يقول «والأحاديث الواردة في نزوله ﵇ كثيرة في الصحيحين والسنن وغيرها، وأكثرها واردة في أشراط الساعة، وممزوجة بأحاديث الدجال، وفي تلك الأشراط ولا سيما أحاديث الدجال والمهدي المنتظر واضطراب
стр. 282
واختلاف وتعارض كثير ... ». (١)
إلى أن قال: (والخلاصة أنه لا يجب على مسلم أن يقف على تلك الأحاديث وأمثالها، لأنها ليست من أركان الإيمان ولا من أركان الإسلام، ولا يضره في إيمانه وإسلامه الاشتباه في صحتها .. ». (٢)
الرد عليه:
أولا: بالنسبة لقوله عن الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ أن بعض أحاديثها صحيحة، فيه تجن على تلك الأحاديث، حيث يفهم من كلامه أن أكثر أحاديثها غير صحيحة ومكذوبة، وهذا بلا شك كلام غير صحيح، بل إن العكس هو الصحيح، وهو أن غالب أحاديثها صحيحة، سواء تلك الأحاديث التي في الصحيحين والتي هي في أعلى مراتب الصحة، أو تلك الأحاديث الأخرى الموجودة في السنن والمسانيد وغيرها من دواوين السنة.
والتي شهد بصحتها أكابر أهل العلم المختصين بالحديث كابن تيمية (٣)، وابن كثير (٤)، وابن حجر (٥) والنووي (٦)، والحاكم (٧)
والشوكاني (٨)
стр. 283
والكتاني (١) والغماري (٢) والكشميري (٣) والألباني. (٤)
ثانياً: أما ادعاءه من أن الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ فيها تعارض، فهي دعوى سبق أن ذكرها في الأحاديث الواردة في المسيح الدجال والأحاديث الواردة في المهدي، وثبت عدم صحتها.
ثم إني لا أدري أين هذا التعارض الذي أشار إليه الشيخ رشيد رضا؟ ولماذا لم يذكر هذا التعارض كعادته في إثارة الاستشكالات والتساؤلات؟ والسبب في نظري في عدم ذكره لهذا التعارض هو عدم الوقوف على حدثين متعارضين حقيقةً، فجعل المسألة مبهمة ولم يبين، أما إن كان يقصد التعارض والاختلاف في مدة بقائه بعد نزوله هل هي أربعين سنة أو سبع سنين؟ فقد ذكرنا أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والتي رجحنا أن رواية «أربعين سنة» هي الأصح لأنها رواية الأكثر.
ثم إن هذا الخلاف خلاف جزئي ومعتبر، لأن لكلٍ دليله، ولكن لا يصح أن يكون اعتبار هذا الخلاف حجة يرد بسببها تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة التي تنص وبدلاله قطعية على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان وإن اختلف في مدة مكثه في الأرض.
ثالثا: أما بالسنة لقوله عن أحاديث نزول المسيح ﵇ بأنه ينبغي أن لا تكون سبباً للتقصير في إقامة الدين والدنيا بما شرعه الله، فهذا كلام
стр. 284
طيب من الشيخ رشيد رضا، ولا يخالفه أحد في وجوب الأخذ بالأسباب وعدم التواكل، فنحن مأمورون بأن نصدق بنزول عيسى ﵇ وغيرها من الاعتقادات التي ثبتت بالنص الصحيح الصريح، والمؤمن الحق هو الذي يتوسط ويجمع بين العمل والتصديق من غير إفراط ولا تفريط. (١)
رابعاً: أما بالسنة لقوله، بأنه ليس في القرآن نص صريح بأنه ينزل من السماء، فهي دعوى باطلة، وإلا فما معنى قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٢)، فهذه الآية وما قبلها من الآيات جاءت في الكلام على عيسى ﵇، والتي فيها دلاله على نزوله ﵇ قبل يوم القيامة علامةً على قرب الساعة، ويدل على ذلك القراءة الأخرى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ بفتح العين واللام، أي علامة وأمارة على قيام الساعة، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة التفسير. (٣)
وقال الحافظ ابن كثير: «الصحيح أنه ـ أي الضمير - عائد على عيسى ﵇، فإن الباقي في ذكره» (٤)، بل وما معنى قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٥)، فهي بلا شك عند نزول عيسى ﵇.
стр. 285
فقد روى ابن جرير الطبري ﵀ عن أبي مالك ﵀ قال عن هذه الآية: «ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن به» (١)،
قال الحافظ ابن كثير: «ولا شك أن هذا هو الصحيح - لأن المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يثبتون ذلك، فأخبر الله أنه رفعه إليه، وأنه باقٍ حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة». (٢)
خامساً: أما دعواه أن الاعتقاد بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان أنها من عقائد النصارى, فهذا الكلام وإن كان فيه بعض الصحة وهو اعتقاد بعض النصارى بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان إلا أنه ليس دليلاً أو مسوغاً ترد بسببه عقيدة من عقائد المسلمين ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
ثم إن عقيدة المسلمين في عيسى ورفعه إلى السماء ومن ثم نزوله في آخر الزمان تختلف اختلافاً كبيراً عن ما يعتقده النصارى.
فهم يعتقدون أن عيسى هو ابن الله، وأن اليهود صلبوه وقتلوه، ورفع بعد صلبه بثلاثة أيام إلى السماء وهذا كله بلا شك باطل وغير صحيح.
ثم إنه هناك الكثير من العقائد لدى المسلمين ويعتقد بمثلها النصارى
стр. 286
بل واليهود، كاعتقادهم بنبوة إبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وغيرهم فهل نترك ما ثبت لدينا بالكتاب والسنة ونرده ولا نؤمن به لا لشيء إلا لأنها من عقائد أهل الكتاب، فهذا كلام غير صحيح ولا يقول به إنسان من عامة الناس فضلاً عن أن يكون من أهل العلم.
سادساً: أما بالسنة لتشكيكه بصحتها بدعوى أنها واردة من ضمن أحاديث أشراط الساعة، وممزوجة بأحاديث الدجال والمهدي، والتي يرى هو أنها كلها مكذوبة وموضوعة. فقد بينا فيما سبق في مبحث المسيح الدجال ومبحث المهدي أن هناك من أحاديث أشراط الساعة ما هو مكذوب ومنها ما هو صحيح فهل من الإنصاف ومن العدل رد الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ بدعوى أنها قد تكون من ضمن تلك الأحاديث المكذوبة، دون الالتفات إلى الأحاديث الأخرى الصحيحة الصريحة المتواترة التي وردت في نزول عيسى ﵇.
سابعاً: أما بالنسبة لقوله «إنه لا يجب على المسلم أن يقف على تلك الأحاديث وأمثالها ... »، ويقصد بها أحاديث أشراط الساعة وأحاديث الاعتقاد. «لأنها ليست من أركان الإيمان ولا من أركان الإسلام، ولا يضره في إيمانه وإسلامه الاشتباه في صحتها .... »، أي بما أن أحاديث أشراط الساعة ليست من أركان الإسلام ولا من أركان الإيمان فإنه لا يضره إنكار وقوعها وعدم الاعتقاد بها.
وهذا والله إنه لكلامٌ خطير ينبئ عن سوء منهج المدرسة العقلية الحديثة في التعامل مع الحديث النبوي الشريف، وعدم توقيره.
стр. 287
وإن كنا لا نستغرب هذا الموقف من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلا أننا نستغربه من محمد رشيد رضا وهو العالم بالسنة.
وإلا فكيف يرد أحاديث ثابتة عن المعصوم ﷺ بأصح المسانيد في أصح الكتب بعد كتاب الله، وهما صحيحاً البخاري ومسلم، بدعوى أنها ليست من أركان الإسلام أو الإيمان ولا يضره إنكارها.
فالإسلام ليس محصوراً في أركان الإسلام والإيمان، وهناك الكثير من الأمور التي لا يصح إيمان المرء إلا بها، ويكفر إذا جحدها وليست من أركان الإسلام والإيمان.
مثال ذلك: التصديق بوجود الجن، والتصديق بأن محمداً ﷺ خاتم النبيين، واعتقاد براءة عائشة ﵂ من الزنى وغيرها الكثير.
ورحم الله الشيخ أحمد شاكر عندما قال: «نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون، لورود الأخبار الصحاح عن النبي ﷺ بذلك وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لا يؤمن من أنكره». (١)
وقال في تعليقه على مسند الإمام أحمد: «وقد لعب المجددون أو المجردون في عصرنا الذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالة صراحةً على نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان، قبل انقضاء الحياة الدنيا، بالتأويل المنطوي على الإنكار تارة، وبالإنكار الصريح أخرى، ذلك أنهم في حقيقة أمرهم - لا يؤمنون بالغيب أو لا يكادون يؤمنون، وهي أحاديث
стр. 288
متواترة المعنى في مجموعها يعلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة فلا يجديهم الإنكار ولا التأويل». (١)
خاتمة المبحث:
في الحقيقة إن المتأمل لرأي رشيد رضا في الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان يعلم علم اليقين بأن رأيه هذا نابع من تأثره بآراء وأفكار شيخه وأستاذه محمد عبده، الذي لم يستطع التخلص من آثار آرائه الكلامية والفلسفية عليه حتى بعد موته بزمن طويل.
حيث يقول محمد عبده عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)، إن المراد بالتوفي هنا الإماتة العادية، وإن الرفع بعد ذلك هو رفع الروح. (٣)
ثم قال، ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان:
أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي، لأنه من أمور الغيب والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي، لأن المطلوب فيها اليقين، وليس في الباب حديث متواتر.
وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه، وسر رسالته
стр. 289
على الناس، وما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشريعة. دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لبابها، وهو حكمتها، وما شرعت لأجله، فالمسيح ﵇ لم يأت اليهود بشريعة جديدة، ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسي ﵇، ويوقفهم على فقهها، والمراد منها، ويأمرهم بمراعاته، وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح، بتحري كمال الآداب ... فزمان عيسى على هذا التأويل هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية، لإصلاح السرائر من غير تقيد بالرسوم والظواهر. (١)
وقال الشيخ رشيد معقبا على كلام أستاذه: «هذا ما قاله الأستاذ الإمام في الدرس مع بسط وإيضاح، ولكن ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك تأباه، ولأهل هذا التأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نقلت بالمعني كأكثر الأحاديث، والناقل للمعني ينقل ما فهمه» وأضاف قائلا: «وسئل عن المسيح الدجال، وقتل عيسى له، فقال: إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها. وأن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار، وسنة الرسول ﷺ مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك». (٢)
من كل ما سبق نتبين أن المسلك الذي سلكة الأستاذ الإمام وتلميذه مسلك خطر، فالأحاديث في نزول عيسى ﵇ والدجال أحاديث صريحة صحيحة، وليست من الآحاد في شئ، ثم دعوى أن أحاديث
стр. 290
الآحاد لا يؤخذ بها في شئون العقائد دعوى غير مسلمة، فمحور الأمر كله يدور على صحة الحديث، وأخطر من هذا المسلك مسلك التأويل لهذه الأحاديث، وهذا قريب من تأويل الباطنية، وما كان ينبغي له أن يخوض مثل هذا الخوض، وإذا فتح باب التأويل على هذا المنوال، فإن جميع النصوص سيلحق بها هذا الظن، وللناس مشارب مختلفة، فمن يمنع كل واحد إذن أن يؤول كل ما لم يقتنع به، أو ما له هوى في تأويله، من أجل أن يوافق مذهبه وهواه. (١)
وقد بين الشيخ محمد الصديق الغماري فساد هذا التأويل وأنه لا يليق أن يصدر من مصلح من وجوه:
الأول: أنه لا دليل عليه.
الثاني: أنه لو صح لكانت الأحاديث حينئذ مبشرة بانتشار روح المسيحية، وذيوع تعاليمها، وهو نقيض ما صرحت به من انتشار الإسلام عند نزوله، وتعميم تعاليم الكتاب والسنة.
الثالث: أن الرحمة والمحبة والسلم، هي أصل تعاليم الإسلام، ولا يعرف دين حافظ على هذه المعاني، وحض عليها، وأكد حقها مثل دين الإسلام، ونصوصه في ذلك كثيرة جدا، حتى إنها أوجبت الرحمة للحيوان الأعجم، وتوعدت من قسا عليه أوعذبه باللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وخوطب نبي الإسلام بقوله تعالي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
стр. 291
لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (١) وخوطب أهل الإسلام بقوله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٢)
فليس معقولا والحالة هذه أن تكني الأحاديث عن انتشار المحبة والرحمة والسلم بنزول عيسى، لأن حصة الإسلام في هذه المعاني أكثر وأثرها فيه أظهر.
الرابع: أن أئمة الإسلام وعلماءه من الصحابة وغيرهم، عرفوا مقاصد الشريعة ولبابها، واجتهدوا قدر استطاعتهم، وخلفوا لنا ثروة علمية هائلة لم توجد في دين من الأديان، ولا ظهرت بها أمة من الأمم، ومن المحال شرعا وعادة أن يأتي من الأمة من يفوق الصحابة والتابعين وتابعيهم في فهم الشريعة وأسرارها، أو يساويهم، حتى يقال إن الأحاديث كَنَّت عنه بنزول عيسي، ثم أي علاقة بين فهم شئ وبين نزول شخص! ؟ ولم لم يغير عن هذا الفهم بنزول الخضر مثلا! ؟ .
الخامس: أن اشتهار دعوة عيسى بالرحمة والمحبة والسلم إنما أتى في هذه العصور المتأخرة لما اتصل الغرب بالشرق ودرس المستشرقون كتب الإسلام، وصاروا يتهمون الإسلام بأنه دين القسوة، ولأنه انتشر بالسيف، ويفضلون دينهم بأنه دين الرحمة والمحبة والسلم، فلما ترددت في كتبهم ومحاضراتهم هذه المطاعن، وأيدوها بفقرات من أناجيلهم، رسخ في أذهان مسلمة اليوم أن دين عيسى ما يقوله هؤلاء المستشرقون حتى صار اسم عيسى عندهم عنوانا على المعاني المذكورة، من غير أن يرد شئ من ذلك في الدين،
стр. 292
ومن الجهل القبيح أن تؤل الفاظ الكتاب والسنة بمعان دخيله مستحدثة بعد مئات القرون، نعم أديان الله كلها أتت بالرحمة والمحبة والسلم. لكن دين الإسلام أكثر وأبرز وأظهر، ولم يؤمر عيسى بالجهاد لأنه بعث إلى شعب خاص بدين خاص به، ولم يكلف إبلاغ دينه إلى سائر الناس، وهذا بخلاف الإسلام فإنه لما كان دين العالم كله كان لا بد - بمقتضى تباين استعدادات أفراد الإنسان - أن تقف في طريقة عقول مريضة، ونفوس خبيثة، لا تصفى لمنطق البرهان، ولا تستجيب لدعوة الحق، وكان فرض الجهاد أمرا حتما لا معدل عنه في سبيل إبلاغ الدين إلى بعض العقول وبعض النفوس، والعقلاء متفقون على استساغة الدواء المر لاستئصال شأفة الداء، وقد يقتضي الحال قطع بعض الأعضاء في سبيل سلامة باقيها.
السادس: أن دعوى جمود اليهود على ظواهر ألفاظ التوراة دعوى تفتقر إلى دليل، ودون إثباته خرط القتاد، بل يمكننا أن نقول- مطمئنين- عكس ذلك وهو أن اليهود خرجوا على ظواهر ألفاظ التوراة، وتحايلوا في التخلص منها، وذلك كان سبب كفرهم وضلالهم، فقد أخبر الله عنهم أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، وذكر أشياء من تحريفاتهم وتحايلاتهم في مواضع من كتابه الكريم.
السابع: أن الأحاديث أخبرت أن عيسى يقتل الدجال، ويقاتل الناس على الإسلام، وروح عيسى وسر رسالته وتعاليمه ليس فيها قتل ولا قتال.
الثامن: أن النبي ﵊، أمرنا أن نبلغ سلامه إلى عيسى ﵊ حين نزوله، ومحال عقلا تبليغ السلام إلى روح عيسى
стр. 293
وسر رسالته وتعاليمه.
التاسع: أن النبي ﷺ ، أخبر أنه اجتمع بعيسى ﵇ ليلة الإسراء، وأخبره أنه نازل ليقتل الدجال، ومن المحال العقلي، أن تكون روح عيسى وسر رسالته وتعاليمه اجتمعت برسول الله ﷺ وأخبرته أنها ستنتشر في آخر الزمان، وتقضي على الخرافات والدجال كما يقول فضيلة المصلح العظيم.
العاشر: أن الأحاديث أخبرت أن عيسى ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، واضعا يديه على أجنحة ملكين وأنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، وأن عليه ممصرتين، وأنه يصلى خلف إمام المسلمين، ويقتل الدجال، ويرى المسلمين دمه في حربته ويحج البيت ويعتمر، ويزور القبر النبوي الشريف .. إلخ ويستحيل عقلا أن يقوم شئ من هذه الصفات بروح عيسى وسر رسالته وتعاليمه.
الحادي عشر: أن النبي ﷺ أفصح من نطق بالضاد وهو- في فصاحته المنقطعة النظير- غير محتاج إلى استعمال الرموز والألغاز في أحاديثه، بل لا يليق به استعمالها، لأنه مبلغ عن الله، ومبين لمراده، ونحن لا ننكر أن في اللغة والقرآن والسنة كنايات واستعارات تمثيلية، ومجازات عقلية وغيرها، لكن لها حد تقف عنده، دلائل عليها، وقرآءن ترشد إليها، فإذا خرجت عن حدها المقرر لها في كلام العرب، صارت ألغازا وأحاجي تورث الكلام قبحا واختلالا، لا حسنا ورونقا، وأين الدليل في أحاديث نزول عيسى على أنه أريديها غير معناها الصريح؟ .
стр. 294
الثاني عشر: أنه لو صح هذا التأويل، لصح تأويل بقية الأشراط بل سائر السمعيات لأنها متماثلة، فما جاز في بعضها جاز في الجميع، والتفريق تحكم، وحينئذ لا يكفر من أول الملائكة والجن والحشر والنشر والجنة والنار بغير معانيها المعروفة كما فعل الفلاسفة، وكذا لا يكفر البهائية والقاديانية المحرفون للنصوص باسم التأويل، ولا شك أن كفر هؤلاء معلوم قطعا لا يتردد فيه مسلم. (١)
وإذا كان من عذر للأستاذ الإمام وهو قلة بضاعته في الحديث فإنه لا عذر للشيخ رشيد وهو الضليع بهذا العلم. فكنا نظن لأول وهلة أنه لن يتابع شيخه فيما ذهب اليه، حيث علق على كلامه بقوله بأن ظواهر الأحاديث تخالفه، إلا أنه عاد فقال: إنها مروية بالمعني أي إن كل راو روى بحسب ما فهم، وكان الإنصاف أن يقول: إن صرائح الأحاديث تخالفه، لأن الأحاديث في هذا الباب صريحة لا تقبل التأويل.
أما احتمال الرواية بالمعني، الذي أورده الأستاذ رشيد، فكنا نود أن لا يصدر عن مثله، لأنه لا يخطر على بال مسلم فضلا عن أن يكون عالما! وهل يخطر على باله أن واحدا وثلاثين صحابيا، فيهم ستة من حفاظهم المشهورين وهم: أبو هريرة وابن عباس وأنس وجابر وعائشة وأبو سعيد الخدري وفيهم عبدالله بن عمر الذي كان يكتب كل ما سمعه عن النبي ﷺ في جده ومزاحه، وفيهم عبد الله بن مسعود الذي كان إذا روى حديثا شك في حفظه، اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، ثم قال: أو مثله أو
стр. 295
نحوه أو شبيه به كلهم يتواطأون على رواية الحديث بالمعني من غير أن يبينوا ذلك؟ فأين حفظ حفاظهم؟ وأين كتابة من كان يكتب منهم؟ وأين حرصهم على تأدية اللفظ الذي سمعوه، رجاء حصول النضرة وجزيل الثواب؟ ثم لا يخفى أن نزول عيسى وما يحيط به من الأحداث أمر غيبي، يتوقف على النقل، ولا يدرك بالاستنباط فلا تتأتي روايته بالمعني حسب فهم الراوي، لأنه لا يمكنه أن يدرك باستنباطه أن عيسى ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويقتل الدجال بباب لد، ويقاتل الناس على الإسلام، ولا يقبل الجزية إلى آخر ما ذكر من أوصافه، والأحداث الواقعة عند نزوله وبعده، فلولا أنهم سمعوها بصريح العبارة، ما أدركوها بمجرد الإشارة، إلا أن يقال وأخذوا بعضها عن الاسرائيليات، وضموه إلى ما سمعوه من الرسول ﷺ ، لكن هذا القول لا يجوز ولا يصح، لأنه ينطوي على اتهام الصحابة بعدم العدالة، أو الغفلة والاختلاط، وذلك باطل، لأن الله عدلهم ورسوله، فهم مبرأون من كل ما يشين ﵃ ثم ما الذي دعاهم إلى رواية هذا الحديث بالمعني؟ أعجزوا عن حفظ ألفاظه؟ مع أنهم حفظوا القرآن وآلاف الأحاديث، أم تركوا فهم المراد إلى ذكاء السامع؟ لكن هذا أمر غيبي نقلي بحت، أم أرادوا تضليلنا عن مراد الرسول؟ وهذ لا يليق بعامي فضلا عمن أثنى عليهم الله ورسوله، ثم إن رواية الحديث بالمعنى على القول بجوازها، لا تدخل في جميع
الأحاديث بل بعضها، وهذا مما لا تتأتى فيه.
والحاصل أن الشيخ رشيدا لم يرشد في إصلاح موقف شيخه، بل زاده
стр. 296
تورطا وتوريطا فهو على رأي المثل «زاد الطين بلة». (١)(٢)
وفي ختام هذا المبحث أقول: إن القارئ لآراء محمد رشيد رضا ليعجب من كيفية تعامله مع السنة النبوية، وكيف أنه يصطنع المشكلات والشبهات والافتراضات والظنون والأوهام والتشكيكات من أجل رد هذا الحديث أو ذاك، ومن ذلك محاولته رد جمله من الأحاديث الصحيحة لا لشيء إلا لاحتمال أنها رويت بالمعنى، وقد نسي أو تناسى أن معظم هذه الأحاديث التي حاول ردها لشبهة الرواية بالمعنى قد رواها جملة من الصحابة وبنفس الألفاظ دون اختلاف فيما بينها، وإن كان هناك خلاف في بعض ألفاظ الأحاديث، فهو خلاف لفظي لا يخرج الحديث عن مراده ومعناه، وهي في بعض الأحاديث كما قلنا لا كلها.
стр. 297
المبحث الخامس
رأيه في طلوع الشمس
من مغربها والرد عليه
مما لا شك فيه أن طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان من أشراط الساعة الكبرى، الثابتة بالكتاب والسنة، وسوف أذكر طرفاً من هذه الأدلة.
الأدلة من القرآن:
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ (١).
قال ابن جرير الطبري ﵀ بعد ذكره لأقوال المفسرين في الآية: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ذلك حين تطلع الشمس من مغربها». (٢)
وقال الشوكاني: «فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه، فهو واجب التقديم، محتم الأخذ به». (٣)
стр. 298
الأدلة من السنة:
والأحاديث الدالة على طلوع الشمس من مغربها كثيرة وسوف أذكر هنا ثمانيةً أحاديث صحيحة تنص على طول الشمس من مغربها في آخر الزمان أغلبها في الصحيحين.
١ - عن أبي هريرة- ﵁ قال ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن الناس أجمعون، فذلك حيث لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا». (١)
عن أبي موسى الأشعري- ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها». (٢)
عن صفوان بن عسال- ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله فتح بابا قبل المغرب، عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها». (٣)
стр. 299
عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر ومعاوية ﵃ عن النبي ﷺ قال: «لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل». (١)
عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، وذكر منها طلوع الشمس من مغربها». (٢)
عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات»، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوفٍ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. (٣)
عن عبد الله بن عمرو- ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً». (٤)
стр. 300
عن أبي ذر- ﵁ أن النبي ﷺ قال يوماً: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس». قالوا الله ورسوله أعلم. قال «إن هذه تجرى حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها». فقال رسول الله ﷺ «أتدرون متى ذاكم، ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا». (١)
стр. 301
تواتر الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها:
صرح كثير من أهل العلم بتواتر الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها، فقد ذكر الأبي في شرحه على مسلم قول ابن رشد: «الأشراط عشرة المتواتر منها خمسة، الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها». (١)
وقال الكتاني في كتابه «نظم المتناثر في الحديث المتواتر»: «طلوع الشمس من مغربها ورد عن أبي سعيد وأبي هريرة، وابن عمرو، وحذيفة، وأبي ذر، وابن عباس، وعبد الله ابن أبي أوفى، وصفوان بن عسال، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن عوف، وأنس، وأبي أمامه، وحذيفة ابن أسيد، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم، وخروج الدابة ورد عن أبي هريرة وابن عمرو، وأنس وحذيفة ابن أسيد، وحذيفة بن اليمان، وأبي أمامه، وسلمان
стр. 302
وغيرهم، وخروج يأجوج ومأجوج عن ابن مسعود وحذيفة والنواس بن سمعان وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم، وتواتر هذه الثلاثة تقدم في كلام الأبي في شرح مسلم والله أعلم». (١)
وقالا بن كثير بعدما ذكر الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها: «فهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيماناً أو توبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل منه». (٢)
ولقد ورد ذكر طلوع الشمس من مغربها في الصحيحين فقط أكثر من ثمانية عشر مرة من طرق مختلفة تصل حد التواتر.
التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها:
دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾. (٣)
قال الطبري بعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية: «وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال ذلك حيث تطلع الشمس من مغربها». (٤)
стр. 303
قلت وهو الصحيح وهو الذي عليه أكثر المفسرين، وقد رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً إلى النبي ﷺ وبمثله قال عبد الله بن مسعود- ﵁.
فإذا طلعت الشمس من مغربها، لم تقبل التوبة بعد ذلك، قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾: «أي إذ أنشأ الكافر إيمانا يؤمئذ إذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا؛ فأحدث توبة حينئذ؛ لم يقبل منه توبته؛ كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾؛ أي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك». (١)
وقال القرطبي ﵀: «قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت». (٢) ومن ذلك قوله ﷺ : «إن الله جعل بالمغرب باباً عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله ﵎ «يوم يأتي بعضُ آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن
стр. 304
آمنت من قبل .. ». (١)
وقوله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس أمنوا أجمعون فذلك حيث لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن أمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً». (٢)
وغيرها من الأحاديث الكثيرة الأخرى التي ذكرتها في أدلة طلوع الشمس من مغربها من السنة، والتي فيها إشارة صريحة إلى عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها.
رأي رشيد رضا في طلوع الشمس من مغربها:
رأي رشيد رضا في الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان لا يختلف عن رأيه في الأحاديث الواردة في المسيح الدجال والمهدي ونزول عيسى بن مريم ﵇.
وذلك لأن المنهج الذي يتعامل به مع هذه الأحاديث منهج واحد، وهو رفضه لأي شكل من أشكال الخارقة أو مخالفة المألوف، ومحاولة رد تلك الأحاديث الصحيحة بإثاره الاستشكالات والتساؤلات العقلية حولها تمهيداً لردها والتشكيك في صحتها.
стр. 305
حيث يقول عن الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها: «وأقوى الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها، ما رواه البخاري في كتاب الرقاق عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين «لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً .. ».
وأخرج الترمذي وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة أيضا، وقد رفعه: «ثلاثٌ إذا خرجت لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن أمنت من قبل، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض». (١)
وهو مشكل مخالف للأحاديث الأخرى الواردة في نزول عيسى بعد الدجال وإيمان الناس به، والمشكلات في الأحاديث الواردة في أشراط الساعة كثيرة، أهم أسبابها فيما صحت أسانيده، واضطربت المتون، وتعارضت أو أشكلت من وجوه أخرى، وأن هذه الأحاديث رويت بالمعنى، فاختلف التعبير باختلاف الأفهام، على أنهم اختلفوا في ترتيب هذه الآيات وما استشكل أن علة عدم قبول الإيمان بعد طلوع الشمس من مغربها لا تنطبق على من رآها أو رويت له بالتواتر».
ثم قال: «هذا وإن أبا هريرة- ﵁، لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع من النبي ﷺ فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار وأمثاله، فتكون مرسلة». (٢)
стр. 306
الرد عليه:
في الحقيقة أن الأحاديث الواردة في إثبات طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، أحاديث صحيحة وصريحة وغالبها في الصحيحين وهي واضحة المعنى بحيث لا تحتمل التأويل أو التشكيك، فلهذا لم يستطع الشيخ رشيد رضا إثارة الاستشكالات والتساؤلات حولها كما أثار الاستشكالات والتساؤلات الكثيرة حول أحاديث المسيح الدجال وأحاديث المهدي.
فلهذا وذاك ذهب للتشكيك بصحتها بدعوى الاختلاف في الترتيب حيث يقول عن الرواة «إنهم اختلفوا في ترتيب هذه الآيات». (١)
وفي الحقيقة ليس هناك إشكال في مسألة ترتيب هذه الآيات، وإنما الإشكال فعلا هو عد رشيد رضا لما هو غير المشكل مشكلاً.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب». (٢)
قال البرزنجي في الإشاعة: وهذا جمع حسن ﵀. (٣)
стр. 307
أما بالنسبة لقوله بأنها أحاديث رويت بالمعنى فهي شبهة سبق وأن ذكرها وكررها أكثر من مرة، فقد انبرى للرد على شبهته هذه الباحث تامر متولي في رسالته «منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة»، حيث أثبت أنها شبهة لا أساس لها من الصحة حيث يقول: «وأريد هنا أن أجيب وباختصار عن هذه الشبهة فأقول:
أولا: لقد دعا النبي ﷺ أصحابه إلى نشر حديثه وحثهم على روايته بلفظه فقال: «نضر الله أمرءا سمع مقالتي فحفظها فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع» (١)
ولا ريب أن أصحابه ﷺ ورضي عنهم كانوا يعظمون أمره ويمتثلونه، ولقد رد النبي ﷺ على رجل علمه دعاءً فقال فيه: «وبنبيك الذي أرسلت» فقال الرجل: «وبرسولك الذي أرسلت» فضربه النبي ﷺ في صدره وقال له «وبنبيك الذي أرسلت» (٢) وقد فهم الصحابة ﵃ ذلك وعملوا به. ونأخذ أمثلة على حرص هؤلاء ومن بعدهم على رواية اللفظ:
أولا الصحابة:
المثال الأول: ابن عباس- ﵁ حبر الأمة- كان من المكثرين (٣) وكان
стр. 308
يكتب الحديث، وقال لطلابه: «قيدوا العلم بالكتابة» (١)، وكان يحرص على اللفظ فإذا روى حديثا وشك في ألفاظه بين ذلك، فقد روى حديث وفد عبد القيس وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «من الوفد؟ أو من القوم؟ وقال: مرحبا بالقوم أو بالوفد» (٢)
المثال الثاني: أبو سعيد الخدري- ﵁ من المكثرين أيضا (٣)، وكان يحرص على اللفظ، فقد سمع أبا هريرة يروي حديثا فيه: «ذلك لك ومثله معه» فقال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: «ذلك لك ومثله معه» قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: «ذلك لك وعشرة أمثاله» (٤). ولا تعارض بين الروايتين، فإن النبي ﷺ قالهما وروى كل واحد منهما ما سمعه (٥).
وعنه أيضا في حديث الشفاعة: «ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) ... » (٦).
المثال الثالث: ابن مسعود: المقرئ الكبير، كان يحرص على اللفظ كما كان يكتب الحديث (٧)، فقد روى حديث آخر أهل النار خروجا، وفيه:
стр. 309
«فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها» أو: «إن لك عشرة أمثال الدنيا» (١)، وفيه أيضا: «قال فيقول: أتسخر بي (أو: أتضحك بي) وأنت الملك» (٢).
المثال الرابع: أبو هريرة -﵁ محدث الإسلام، من المكثرين (٣)، كان يحرص على أداء اللفظ وإن شك في لفظين رواهما. ففي حديث شعب الإيمان روى قول النبي ﷺ «الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة ... » (٤)، وقد سبق تمسكه بما سمعه في حديث الشفاعة، بينما تمسك أبو سعيد بما سمعه أيضا.
المثال الخامس: عبد الله بن عمر- ﵁ من المكثرين، وكان أشد الناس حرصا على لفظ الحديث، وكان يغضب غضبا شديدا إذا تغير لفظ الحديث، ونأخذ له روايتين:
الأولي: سمع ابن عمر عبيد بن عمير (٥) يقول: قال رسول الله ﷺ : «مثل المنافقين كمثل الشاة الرابضة (٦)
بين الغنمين»، فقال ابن عمر: «ويلكم لا
стр. 310
تكذبوا على رسول الله ﷺ : إنما قال رسول الله ﷺ : «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة (١) بين الغنمين» (٢). فقد سمى ابن عمر الرواية بالمعني كذبا.
الثانية: روى ابن عمر حديث أركان الإسلام فقال: «بني الإسلام على خمس: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج» فقال رجل مستفهما: الحج وصيام رمضان؟ قال: «لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ » (٣). فقد رفض ابن عمر مجرد التقديم والتأخير في الألفاظ.
المثال السادس: أنس بن مالك -﵁ من المكثرين (٤)، وكان يتقي مع ذلك الحديث عن النبي لقول النبي ﷺ : «من تعمد على كذبا فليتبوأ مقعده من النار» (٥)، وكان إذ روى حرص على اللفظ، فقد روى حديث «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه (أو قال: لجاره) ما يحب لنفسه»، فقد تردد أنس في اللفظ فبين ذلك من حرصه على أداء اللفظ كما سمعه (٦).
المثال السابع: أبو بكرة -﵁ روى حديث الكبائر فقال: «كنا عند
стр. 311
رسول الله ﷺ ، فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور (أو: وقول الزور) ... » (١)،
وذلك أيضا من الحرص على أداء ما سمع، وقد رواه أنس بلا تردد (٢).
وقد انتقل هذا المنهج للتابعين فقد تبعوا فيه الصحابة، ولنضرب لذلك ثلاثة أمثلة:
المثال الأول: أبو حازم (٣) عن سهل بن سعد، فقد روى عنه أبو حازم مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا، أو سبعمائة ألف ... » قال مسلم: «لا يدري أبو حازم أيهما قال» (٤).
المثال الثاني: أبو الزبير (٥) عن جابر، فقد قال ابن جريج (٦): أخبرني أبوالزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن المُهل؟ فقال: سمعت (ثم انتهي، فقال: أراه يعني) النبي ﷺ ... » (٧)، فقد احتاط أبو الزبير للسماع.
стр. 312
المثال الثالث: الأسود (١) عن عائشة أن رسول الله ﷺ «كان إذا قام من الليل فدخل إلى أهله فألم بهم ثم اضطجع، ولم تقل: نام. فإذا جاء المؤذن وثب، ولم تقل: قام. ثم أفاض على نفسه، ولم تقل: اغتسل» (٢).
ويشهد الأعمش شهادة عامة لهذا الجيل فيقول: «كان هذا العلم عند أقوام لأن يخر من السماء أحب إليهم من أن يزيد فيه واوآ أو ألفآ أو دالا» (٣).
فإذا وصلنا إلى عصر المؤلفين نجد مالك بن أنس رحمة الله يحترز من تبديل لفظ بآخر كالذي والتي ونحوهما (٤) وكذلك أحمد يقول: حدثنا يزيد بن هارون (٥) وعباد بن عباد المهلبي (٦) قالا: أخبرنا هشام، قال عباد ابن زياد عن أبيه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن على مرفوعا: «ما من مسلم يصاب بمصيبة وإن طال عهدها، قال عباد: «وإن قدم عهدها» (٧)، فقد أشار أحمد إلى اختلاف شيخيه في ملاحظتين أحدهما في الإسناد والأخرى في المتن وذكر لفظهما.
стр. 313
ومسلم رحمة الله يقول: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (١) حدثنا أبو معاوية (٢) ووكيع (٣) ح وحدثنا ابن نمير (٤)، حدثنا أبي (٥) جميعا عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة (٦)،
عن مسروق (٧) عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية» ثم قال مسلم: هذا حديث يحيى، وأما ابن نمير وأبو بكر فقالا: «وشق ودعا» بغير ألف» (٨)، فأنت ترى مسلما أيضا يحترز من الألف في الرواية، وهكذا صنع مسلم في كل كتابه، يبين اختلاف الرواة في الألفاظ وفي المتون والأسانيد.
وهذا أبو داود (٩) ﵀، يقول: «وقد روى حديثا عن شيخين:
стр. 314
عمرو بن مرزوق (١)، ومحمد بن المثنى (٢)، فيبين اختلاف ألفاظهم، ولفظ الحديث: «ولولا أن يقول الناس» فقال: قال ابن المثني: أن يقولوا. وبلفظ: «لقد أراك الله خيرا» فقال: «ولم يقل عمرو: لقد» (٣).
ثانيا: أن من كان يروي بالمعني منهم - كان يقرن ذلك بما يدل عليه - إذا كان شاكا في اللفظ - كأن يقول: نحوا من ذا قريبا من ذا (٤)، احتياطا في الأداء.
فهذا ما كان من الصحابة والتابعين عند رواية الحديث النبوي في الرواية بالمعني وفي غير المتعبد بلفظه، ويتبعون ذلك بقول يفيد احتياطهم في روايته وينبهون أثناء سياق الحديث على موضع السهو أو التردد، بما لا تجده لأمة من الأمم في أي عصر من العصور، ويتضح ذلك بأدنى نظر في أي من كتب الرواية. وبناء على ذلك فإن كل ما كتبه المستشرقون - في الكتابة والرواية بالمعنى - وكذا من تبعهم من المسلمين - يصبح لا قيمة له.
ثالثا: أن اختلاف ألفاظ الحديث التي تتوارد على معنى واحد لا يرجع إلى الرواية بالمعني وحدها، بل كان لمجالسه ﷺ المتعددة بتعدد الأزمنة والأمكنة والحوادث، والسامعين والمستفتين والمتخاصمين والمتغاضبين، والوافدين والمبعوثين، أثر في ذلك كبير، فكانت ألفاظه ﷺ تختلف في
стр. 315
ذلك، إيجازا وإطنابا، ووضوحا وخفاء، وتقديما وتأخيرا، وزيادة ونقصا، بحسب ما يقتضيه الحال ويدعو إليه المقام (١).
رابعا: وإذا أردنا أن نتبين حقيقة الأمر وننظر في الأمثلة التي ضربها هؤلاء لنا جدلا، فسنجد العجب، إن هذه الأمثلة هي الأدلة على الاختلاف الناتج عن الرواية بالمعني، والذي حدا بهم إلى رفض السنة، وسأعتمد على أبي رية فإنه ذكر أمثلة كثيرة لذلك (٢).
المثال الأول: وهو حديث رواه مسلم: جاء رجل يسأل النبي ﷺ عن الإسلام، فأجابه النبي ﷺ ، وفي آخر الحديث يذكر قول النبي ﷺ «أفلح إن صدق». وفي رواية: «أفلح وأبيه إن صدق»، وفي ثالثة: «دخل الجنة وأبيه إن صدق». هذا هو حجم الاختلاف الذي أقاموا عليه الدنيا: «أفلح إن صدق» «أفلح وأبيه إن صدق» و «دخل الجنة وأبيه إن صدق». (٣)
стр. 316
المثال الثاني (١): حديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ وتقدم رجل بقوله: يارسول الله: أنكحنيها ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن، فقال له ﷺ : «أنكحتكها بما معك من القرآن» وفي رواية: «زوجتكما بما معك من القرآن»، وفي رواية: «زوجتكها على ما معك»، وفي رابعة: «قد ملكتكها بما معك» (٢). هذا الاختلاف: زوجتكها، ملكتكها، أنكحتكها، بما معك على ما معك .. ؟ ! .
لقد تأسف هؤلاء على أن السنة رويت بالمعني فأدت الرواية إلى هذا الاختلاف الشنيع، ولم ترو باللفظ كما روي القرآن بلفظه، كما أنها لم تكتب كما كتب، هذا ما يقولونه (٣)، ولكن القرآن أيضا وقع فيه مثل ما نقموه على السنة، فمتى جمع القرآن؟ (٤)
وماذا يقولون في اختلاف القراءات العشر المروية، بل إن القراءات أكثر من عشر بكثير (٥). ما قولهم في قراءة: (فتثبتوا) بدلا من (فتبينوا)، و (ننسأها) بدلا من (ننسها)، وقراءة (لا تقتلوهم)
стр. 317
و (لاتقاتلوهم)، و (إثم كبير) و (إثم كثير)، (ولولا دفع الله) (ولولا دفاع الله)، و (وسارعوا) مع القراءة من دون الواو، وقراءة (لامستم) بالألف والقراءة بدونها، وقراءة (هل يستطيع ربك) و (هل تسطيع ربك)، و (أنا اخترتك) و (أنا اخترناك)، إلي غير ذلك من أوجه الخلاف في القراءة، هل يدل ذلك على الرواية بالمعني وعلى الاختلاف، وهل يقولون في القرآن مثل ما قالوه في السنة؟ (١).
أما بالنسبة لقوله: «بأن أبا هريرة لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع من النبي ﷺ .. ».
فهو قولٌ مردودٌ عليه، وذلك لأن الإرسال في حديث الصحابي ليس بعلة، فالصحيح المشهور والذي قطع به الجمهور أن حكم مرسل الصحابي صحيحٌ محتج به، لأن رواية الصحابة عن التابعين نادرة، وإذا رووا عنهم بينوها، فإذا لم يبينوا وقالوا، قال رسول الله ﷺ فالأصل عندهم أنهم سمعوها من صحابي آخر، وحذف الصحابي لا يضر. (٢)
стр. 318
الفصل الرابع
الآثار الفكرية لآراء محمد رشيد رضا
ويتضمن المباحث التالية:
المبحث الأول: فتح باب الطعن في السنة النبوية.
المبحث الثاني: فتح باب الطعن في الصحيحين.
المبحث الثالث: تشكيك المسلمين في عقائدهم.
المبحث الرابع: إحياء تراث المعتزلة.
المبحث الخامس: إيجاد نوع من الجرأة على الثوابت الإسلامية.
المبحث السادس: خدمة أغراض المستشرقين.
стр. 319
المبحث الأول
فتح باب الطعن
في السنه النبوية
مما لاشك فيه ولا ريب أن من أعظم وأسوأ الآثار الفكرية المترتبة على إنكار الشيخ محمد رشيد رضا للأحاديث الواردة الصحيحة الصريحة المتواترة في أشراط الساعة الكبرى، وطعنه في صحتها، وردها بدعوى وجود التعارض والتناقض فيما بينها، تحت ذريعة البحث العلمي، وتصفية العقيدة والسنة النبوية مما علق بها من الخرافات والإسرائيليات.
هو فتحه باب الطعن في السنة النبوية على مصراعيه، والذي ولج منه بعده كل مبغض للسنة النبوية من أصحاب الأهواء من أعداء السنة، وأصبحت العمدة في طعونهم وشبهاتهم هي أقوال وآراء رشيد رضا التي كتبها حول السنة النبوية.
وذلك أن الشيخ رشيد رضا كان دائم التشكيك في السنة النبوية، بإثارته للتساؤلات والاستشكالات حول جملة من الأحاديث والتي يبدأ معها بإثارة بعض الأسئلة والشبهات حولها ومن ثم إنكارها جملةً وتفصيلاً حتى ولو كانت في الصحيحين، بل حتى ولو كانت متواترة، كأحاديث المهدي ونزول عيسى بن مريم والمسيح الدجال وطلوع الشمس من مغربها.
стр. 320
وإنك لتستغرب إن قلت لك أن الشيخ محمد رشيد رضا من المشجعين للكتابات التي تثير الشبهات والشكوك حوله السنة النبوية وتشكك في صحتها، ولا تستعجل علي بالحكم.
فإليك الدليل، فقد نشر الشيخ محمد رشيد رضا مقالا للدكتور توفيق صدقي بعنوان «الإسلام هو القرآن وحده» يطعن فيه بحجية السنة النبوية، وقد نشره في عددين من مجلته المنار السابع والثاني عشر من السنة التاسعة.
حيث يزعم في مقاله أن القرآن قد حوى كل شيء من أمور الدين، وكل حكم من أحكامه، وأنه بينه وفصله بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر كالسنة وإلا كان الكتاب مفرطاً فيه ولما كان تبينا لكل شيء.
ثم بعد ذلك ذهب ليلحد في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾. (١)
فيزعم أن الله تكفل بحفظ القرآن وحده دون السنة ولو كانت دليلاً وحجة كالقرآن لتكفل بحفظها؟ ! ومع هذا كله يقوم الشيخ محمد رشيد رضا بنشر مقاله: «الإسلام هو القرآن وحده» في مجلته المنار بدعوى البحث العلمي، فتعساً لهذا البحث القائم على الطعن في السنة وإنكار حجيتها.
ومن بعد الدكتور توفيق صدقي، جاء الدكتور محمد حسين هيكل، وألف كتاباً سماه «حياة محمد»، ينكر فيه معجزاته ﷺ ، ويطعن في السنة ويشككك في صحتها وفي صدق الأحاديث التي انطوت عليها بصورة