كالبدر السّافر فى الظلام، أو الشمس إذا هى برزت من خلف الغمام.
كتب وقرا، وأضاف أهل العلم وقرى، وعمّر المدرسة المعروفة به بالقاهرة، وجعل نجوم محاسنها فى الإبداع زاهرة.
وكان يتأدّى القرآن العظيم على المشايخ، ويحبّ أن يكون فى التجويد ذا قدم راسخ، إلاّ أن أخلاقه كان فيها شراسة، ونفسه فيها على احتمال الأذى نفاسه، فأقدم على عزل القضاة، واتّبع السلطان فى ذلك رضاه؛ لأنّه كان قد انفرد بالتّدبير، وثقلت وطأته على الدّولة حتى خفّ عندها ثبير، وسالمته الأيّام، وتيقّظ سعده والناس عنه نيام، فكان مع جماله وبطشه،/يغلو عند من يعتبره بأرشه:
كالبدر حسنا وقد يعاوده … عبوس ليث العرين فى عنده (١)
كأنّما مبرم القضاء به … من رسله والحمام من رصده
ولم يزل عالى الكعب، مالى القلوب بالرّعب، حتى أخذ أخذة رابية. ولم تكن أنياب النّوب عنه نائية، فأمسكه الناصر حسن فى العشرين من شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبعمائة، وكان ذلك آخر العهد به. رحمه الله تعالى.
وكان قد عمّر تلك المدرسة المشهورة به، وبالغ فى عمارتها وزخرفتها.
وكان يتعصّب لمذهبه، ويؤثر الفضلاء ويقرّبهم، ويسأل مسائل فى اللغة والفقه، ويعظم العجم ويؤثرهم.
وكان قد انفرد بالحديث فى أمر الأوقاف، واهتمّ بها، وعمّرت فى أيّامه.
قال الصّلاح الصّفدىّ: ووجدت بخطّه فى حائط المدرسة السّلطانية بحلب مكتوبا:
أبدا تستردّ ما تهب الدّن … يا فيا ليت جودها كان بخلا
وكتبه صرغتمش النّاصرىّ. فلما قرأت ذلك عجبت من هذا الاتّفاق، فكأنه كاشف نفسه بما وقع له، واستردّت ما وهبته الدنيا، وأخذ السّلطان من أمواله وحواصله شيئا يعجز الوصف عنه.
قال الصّفدىّ: وقد كتبت قصيدة أمدحه بها، ولكن ما جهّزتها إليه، وهى:
يا همّ لا تدخل إلى خاطرى … فإنّ لى صرغتمش النّاصرى
قد زيّن الله الليالى به … لأنّه كالقمر الزّاهر
стр. 1087
وكمّل الله المعالى به … فأصبحت فى رونق باهر
والملك قد أضحى به فى حمى … لأنّه كالأسد الخادر
غلّ يد الظّلم وعدوانه … وكفّ كفّ الخائن الجائر
مسدّد الآراء فى فعله … لأنّه ذو باطن طاهر
ما أبصر الناس ولم يسمعوا … بمثله فى الزمن الغابر
سيوفه إن سلّها فى الوغى … كبارق تحت الدّجى طائر
يغمدها فى مهجات العدا … فتكتسى ثوب الدّم المائر
يمينه للجود معتادة … قد أخجلت صوب الحيا الماطر
كواكب السّعد له قد غدت … تخدمه فى الفلك الدّائر
أنشا له مدرسة حسنها … بين الورى كالمثل السّائر
فسيحة الأرجاء قد زخرفت … بكلّ لون راق للنّاظر
رخامها مختلف لونه … كمثل روض يانع زاهر
وذهنه متّقد بالذّكا … لأنّه ذو خاطر حاضر
وعلمه زاد على غيره … كلجّ بحر طافح زاخر
/يسبق برق الجوّ إدراكه … لا كامرئ فى جهله عاثر
يقول من يسمع ألفاظه … كم ترك الأوّل للآخر
فوصفه أعجز كلّ الورى … من ناظم القول ومن ناثر
إنّ الثّنا فى وصفه قد غدا … غنيمة الوارد والصّادر
تلهو به الرّكبان فى سيرهم … لأنّه أعجوبة السّامر
يلقى الذى يسعى إلى بابه … بنائل من جوده الغامر
فالله يرعاه ولم ينسه … عند خطوب الزمن الغادر
كذا نقلت هذه الترجمة من «أعيان العصر»، للصّلاح الصّفدىّ، وحذفت منها ما لا تمسّ الحاجة إليه. وهذا القدر من الصّلاح الصّفدىّ، فى مدح صاحب الترجمة، يدلّ على أنّه كان ذا فضل وافر، وإحسان متكاثر، وأنّه حرىّ بأن يعدّ فى جملة فضلاء الحنفية، الذين بفضلهم يقتدى، وبعلمهم يهتدى، والفضل ما شهدت به الأعداء؛ فإنّ غالب شافعيّة ذلك العصر كانوا لا يحبّونه، وفى المدح لا ينصفونه؛ لما ذكرناه من ميله إلى أفاضل العجم، كالعلاّمة الإتقانىّ وأضرابه، وتعصّبه لأهل مذهبه. ولا
стр. 1088
تلتفت أيها الواقف على كلام الصّفدىّ هذا، إلى ما فيه من البلايا المخبّأة فى الزّوايا، فقد أوضحنا لك السّبب، والله يسامح الجميع، ويغفر لهم، بمنّه ولطفه.
***
٩٩١ - صقر بن أبى على الحسن
ابن إبراهيم الدّميرىّ (¬*)
الإمام العلاّمة، خامس مدرّسى السّيوفيّة بالقاهرة.
ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
وتفقّه على العلاّمة عبد الله بن (١) محمد بن (١) سعد الله الجريرىّ (٢)، وعلى الفقيه أبى محمد عبد الوهّاب بن يوسف، وسمع الحديث من أبى عبد الله ابن برّىّ، وأبى الفضل محمد بن يوسف الغزنوىّ.
مات فى مستهلّ ذى القعدة، سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن بالقرافة، رحمه الله تعالى.
***
٩٩٢ - صفر شاه الرّومىّ (¬**)
كان رجلا فاضلا عالما، له يد طولى فى أكثر الفنون، حتى يقال: إن المولى شمس الدين الفنارىّ أرسل إليه يسأله عن مواضع مشكلة من العلوم العقليّة، فكتب أجوبتها وأرسلها إليه، وكتب مع الجواب يعتذر إليه، ويقول: إنّه ما أجاب إلاّ عملا بالقول المشهور: المأمور معذور.
وله «خطب»، و «رسائل»، وغير ذلك، رحمه الله تعالى.
***
стр. 1089
٩٩٣ - صنع الله أفندى (¬*)
ابن قاضى القضاة جعفر أفندى، أحد قضاة العسكر المشهورين فى الدّيار الرّوميّة، بل فى جميع الديار الإسلامية، بالدين والصلاح والتّقوى والمروءة والعلم والعمل ومكارم الأخلاق.
نشأ من صغره فى مهد الأمانة، وحجر الصّيانة، وملازمة القراءة أوّلا فى القرآن الكريم، ثم فى الكتب المعتبرة والمتون المحرّرة، والشّروح المشهورة بالتحقيق، والحواشى المعروفة بالتّدقيق، وكان لا يملّ من المطالعة والمراجعة، والاشتغال والإشغال.
وكانت أيّامه كلها فى إقبال، وبلوغ آمال، تخدمه السّعود،/وتعينه الجدود، إلى أن بلغ مبالغ الرجال، وفاق الأقران والأمثال، حتى كان الإمام العلاّمة، والقدوة الفهّامة، صاحب «التفسير» الذى سارت بذكره الرّكبان، وأذعن له كلّ قاص ودان، مفتى الديار الروميّة، والممالك الإسلامية، أبو السّعود العمادىّ، رحمه الله تعالى، يراعيه ويكرمه، ويعتنى به ويقدّمه، ويرجّحه على سائر أقرانه، وأصحابه وإخوانه، ويرى مخايل النّجابة ظاهرة عليه، وعيون التّوفيق ناظرة إليه، وكان كثيرا ما يحكّمه فى التّرجيح بين الأفاضل، والمحقّقين الأماثل، ويرضى بحكمه، ويثنى على دقّة فهمه، وقد حقّق الله تعالى رجاءه فيه، وجعله قائما مقامه وناصرا له على من يعاديه.
ثم بعد أن حصّل من الفضائل ما حصّل، وأنعم الله تعالى عليه بما أمّل، وصار مدرّسا فى مدارس متعدّدة، أجلّها قدرا، وأشهرها ذكرا، مدرسة الوالدة بمدينة اسكى دار، حميت عن البوار، وهى والدة السلطان مراد خان، تغمّدهما الله بالرّحمة والرّضوان، حتى إنها كانت أجلّ من السّليميّة والسّليمانيّة وغيرهما من المدارس المنسوبة إلى آل عثمان، أدام الله تعالى دولتهم إلى آخر الزمان، وكان صاحب الترجمة أجلّ من وليها من المدرّسين، وكان يلقى بها الدّروس للخاصّة والعامّة، من غير مانع ولا مدافع، بخلاف أكثر المدرّسين بالديار الرومية، فإنّ من عادتهم أن لا يمكّنوا أحدا من حضور دروسهم، سوى تلاميذهم المخصوصين بهم، ولم يزل بهذه المدرسة يفيد الطّلاّب، ويباحث أولى الألباب، ولا يبخل على أحد بفوائده، والتقاط فرائده، ولا يتكبّر على أحد فى مباحثة
стр. 1090
ولا فى مناظرة، وإذا ظهر له الحقّ سلّم له وانقاد إليه، من غير تعصّب ولا عناد، كما جرت به عادة السّلف، وعادة المنصفين من الخلف.
ثمّ بعد مدّة فوّضوا إليه قضاء بروسة، ثم قضاء أدرنة، ثم قضاء إصطنبول بولاية أناطولى، ثم قضاء العسكر بولاية روميلى، ولم يتخلّل هذه الولايات عزل ولا ما يوجب العزل؛ لأنّ سيرته كانت فى الجميع حميدة، وأفعاله سديدة، لا يعطى المناصب إلاّ لأهلها، ولا يضع الأمور إلاّ فى محلّها، يقرّب أصحاب الفضل والكمال، ويبعد أصحاب الجهل والضّلال، ويعظّم العلماء ويرفع مقامهم، ويقبل عليهم، وينظر بعين العناية إليهم. وأمّا الرّشوة فما كانت فى أيّامه تذكر إلاّ لتنكر، ولا يسأل عنها إلاّ ليهان من يأخذ منها، وقد وقع الإجماع، فى سائر البقاع، على أنّ الله تعالى قد طهّر منها يده ولسانه، وأتباعه وأعوانه، ولا شكّ ولا ريب أنّ العفّة عن الرّشوة فى مثل هذه الأيام، نعمة كبرى، وسعادة عظمى، قلّ من يوفّق لها، ويوصف بها، وأنّ أخذها من كبائر الذنوب، وقبائح العيوب، التى توقع فى المهالك، وتخرب الممالك، فالحمد لله الذى خصّه بأحسن الأوصاف، وأنعم عليه بجزيل الألطاف.
ولم يزل سالكا فى هذه الطريق، مصحوبا من الله تعالى بالتوفيق، إلى أن فرغت المدّة، وانقضت العدّة، وأصاب السلطان عين الكمال، وجاءه مستوفى الآجال، وانتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى، وجلس على سرير الملك مكانه، وولى خلافته وسلطانه، ولده الأكبر، وغصنه الأنضر، السلطان محمد خان، أدام الله تعالى دولته إلى آخر الزمان،/ونصره وأيّده على أهل الكفر والطّغيان، فأشار عليه بعض ثقاته أن يعزل سائر القضاة والأمراء، وأمراء، الأمراء، والحكّام والعمّال، وغيرهم من سائر المناصب، فعمل برأيه، وما أبقى منهم إلاّ القليل، وكان صاحب الترجمة ممّن شمله هذا العموم، وتأسّف الناس على أيّامه، وعلى ما فقدوه من عدله فى أحكامه، وصاروا يبتهلون إلى الله تعالى، ويسألونه أن يعيد عليهم ولايته.
واستمرّ مقيما فى منزله، مكبّا على المطالعة والمراجعة، والتّقرير والتّحرير، والتّسويد والتّبييض، والتأليف والتّصنيف، لا يخرج من المنزل إلاّ إلى جمعة أو جماعة، أو عيادة مريض، أو زيارة أخ فى الله تعالى، وكثيرا ما كانوا يسألونه فى قبول ما يختاره من المناصب الشريفة فلا يقبل، ويرمون عليه فلا يرضى، ويدفعهم بالتى هى أحسن، وكان مع ذلك لا ينسى نصيبه من الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر، بحسب الإمكان.
стр. 1091
وملخّص ما أقوله فى حقّه: إنّى ما رأيت مثله فى الديار الرومية، ولا رأى هو مثل نفسه، فنسأل الله تعالى أن يمدّ فى أجله، وأن يعينه على فعل الخيرات، وإزالة المنكرات، بمنّه وكرمه.
وقد مدحته الشعراء، وكاتبته الفضلاء، وراسلوه وراسلهم، ولولا أنّى سطّرت هذه الترجمة وأنا على جناح السّفر، واشتغال الفكر، لجمعت كثيرا ممّا مدح به، وألّف فى الثّناء عليه، ولكن على كلّ خير مانع.
ومن جملة محبّيه ومادحيه، جامع هذه «الطبقات»، ومن ذلك بعض أبيات قلتها فى أثناء رسالة أرسلتها إلى حضرته الشريفة، من ثغر إسكندريّة، وأنا متوجّه إلى مصر المحميّة، بعد أن سمعت الناس يقولون: إن بعض أرباب الدّولة شفعوا عنده فى إعادة قضاء الفيّوم لقاضيها السّابق، وأنه امتنع من ذلك أشدّ الامتناع، فقلت:
إلهى إنّ صنعك قد تلافى … أمورى كلّها قبل التّلاف
وقدّمنى وأخّر كلّ ضدّ … أراه الدّهر يسعى فى خلافى
إلهى كن لصنع الله عونا … وعامله بفضل منك وافى
وقدّمه على رغم الأعادى … وأخّرهم كتأخير الخوافى
ولا تجعل لدولته انقطاعا … إلى يوم القيامة والتّكافى
وقد استجاب الله تعالى دعانا، وله الحمد والمنّة.
*وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا* (١) …
ثم بعد مدّة طويلة سافرت إلى الديار الرّوميّة، ورأيته على جانب عظيم من الهيبة والوقار، والرّفعة والتواضع، ونفاذ الكلمة، أكثر من ذلك حين كان فى قضاء العسكر، وهذه عادة الله تعالى فى عباده، أنّ من أطاعه يطيع له العباد، ومن عصاه يعصيه كلّ أحد حتى الأهل والأولاد.
ورأيت بمدينة إصطنبول من التّغيّرات والتّبدّلات، وأكل الرّشا، وإعطاء المناصب لغير أهلها، ووضع الأمور فى غير محلّها، وقلّة الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر، وغير
стр. 1092
ذلك ممّا تبكى له العيون، وتحترق لأجله القلوب، وتحيّر فى تدبير رفعه العقول، وإذا انتدب لإزالته أحد من الناس الذين يخافون الله/تعالى، لا يجد له مساعدا، ولا معينا ولا معاضدا، بل ينتدب له كثير من أرباب الدولة الذين لا يريدون الإصلاح، ولا يريدون بطلان الرّشا ولا فيه النّجاح، لتكذيبه وتسفيهه، وتحميقه والرّدّ عليه، ولم أر فى تلك الديار من هو سالم من سائر أنواع النّفاق، ومن مداراة أصحاب الظلم والشّقاق، إلاّ صاحب الترجمة، فلله درّه، ما أشدّه وأصلبه فى دين الله تعالى، وما أكثر تعظيمه لشريعة رسول الله ﷺ . ولقد بالغوا فى عرض الولايات عليه، ووعدوه بأن لا يعارضوه فى أمر من الأمور، وأن يقبلوا نصائحه وشفاعاته، وهو مع ذلك مصمّم على الامتناع؛ لعلمه بأنّ أكثرهم ممّن يقول بلسانه ما ليس فى قلبه، فلما قدّر الله تعالى بوفاة شيخ الإسلام، وقدوة الأنام، سعد الدين أفندى، مفتى الديار الروميّة، فى عاشر شهر ربيع الأول، سنة ثمان بعد الألف، امتدّت أعناق جماعة من موالى الديار الروميّة لطلب منصب الفتوى مكانه، وبالغوا فى الطلب والسّعى، وبذل الدنيا لمن يعينهم، ويشفع لهم ويساعدهم، وصاروا يبالغوا فى وصف أنفسهم بالعلم والعمل، والفضل والكرم، والعدل والإنصاف، وغير ذلك من المحاسن التى ليس فيهم منها قليل ولا كثير، ولا جليل ولا حقير:
ولسان حال الحقّ ينشد مالها … إلاّ إمام العصر صنع الله
من لم يخف فى الله لومة لائم … وصنيعه لله لا للجاه
فقبل فراغهم من دفنه، بل ومن الصلاة عليه؛ جاء خطّ السلطان إلى الوزير الكبير، بتفويض منصب الفتوى إليه، من غير تعب ولا نصب، ولا بذل فضة ولا ذهب، ولا عهد ولا وعد، بل سمعنا أنّه تردّد فى القبول وعدمه، ولولا أنّه رأى القبول عليه متعيّنا، وأنّ ترك المتعيّن، ليس عند الله بهيّن، ما كان يقبله ولا يقبل عليه، فلما حصل القبول حصل عند الناس من الفرح والسّرور ما لا مزيد عليه، واستبشروا بإقبال الخيرات، وإدبار المنكرات، وقيام ناموس الشريعة، وخمود نار الرّشوة الفظيعة، وغير ذلك ممّا فيه صلاح الأئمّة، وكشف الغمّة عن الأمّة، وما مضى بعد ولايته إلاّ زمن يسير، حتى عزل بعض قضاة الجور والرّشا، وولى مكانه بعض القضاة الذين يرجى خيرهم، ويؤمن ضررهم وضيرهم، وعدّ ذلك من بركات صاحب الترجمة، وزاد سرورهم به ودعاؤهم له، وثناؤهم عليه، وصار أكثر الخواصّ من الناس يرجون من
стр. 1093
الله تعالى أن يجعله على رأس هذه المائة العاشرة لدين الله الإسلام مجدّدا، ولشريعة خير الأنام ناصرا ومؤيّدا؛ لأنّه روى عنه ﷺ ، أنّه قال: «إنّ الله تعالى يقيّض لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها» (١). ومسألة التّجديد للناس فيها كلام كثير، وروايات مختلفة، نقل أكثرها الحافظ جلال الدّين السّيوطىّ، فى بعض مؤلّفاته، وقد أجاد وأفاد، وأتى بأقصى غايات المراد، فمن أراد الوقوف على ذلك، فلينظر ما هنالك، والله تعالى/أعلم بالصواب، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
***
стр. 1094
حرف الضّاد
٩٩٤ - الضّحّاك بن مخلد
أحد الأئمة الأعلام، أبو عاصم النّبيل (¬*)
واختلف فى تلقيبه بالنّبيل وفى من لقّبه به، فقيل: سمّاه ابن جريج، بسبب أنّ الفيل قدم البصرة، فذهب الناس ينظرون إليه، فقال ابن جريج: مالك لا تنظر؟ فقال:
لا أجد منك عوضا. فقال: أنت نبيل. وقيل: لقّبه به شعبة؛ وذلك أن شعبة حلف لا يحدّث أصحاب الحديث شهرا، فبلغ ذلك أبا عاصم، فقصده، فدخل عليه مجلسه، فلمّا سمع منه هذا الكلام قام، وقال: حدّث وغلامى العطّار حرّ لوجه الله تعالى عن يمينك. فأعجبه ذلك، وقال: أنت نبيل. وقيل: لأنّه كان يلبس الخزّ وجيّد الثّياب.
وقيل: لقّبه بذلك جارية لزفر. قال الطّحاوىّ: حدّثنا يزيد بن سنان، قال: كنّا عند أبى عاصم، فتحدّثنا ساعة، وقال بعضنا لبعض: لم سمّى أبو عاصم النّبيل؟ فسمع بذلك، فسألنا عن ما نحن فيه، وكان إذا عزم على شئ لم يقدر على خلافه، فذكرنا له ذلك، فقال: نعم، كنّا نختلف إلى زفر، وكان معنا رجل من بنى سعد، يقال له أبو عاصم، وكان ضعيف الحال، وكان يأتى زفر بثياب رثّة، وكنت آتيه بطويلة على دابّة، بثياب سريّة، فاستأذنت يوما، فأجابتنى جارية عنده، وفيها عجمة، يقال لها زهرة، فقالت: من هذا؟ فقلت: أبو عاصم. فدخلت على مولاها، فقال لها:
من بالباب؟ فقالت له: أبو عاصم. فخرج ليقف على المستأذن عليه من هو، أبو عاصم أو السّعدىّ. فقالت له: ذلك النّبيل. ثم أذنت لى، فدخلت عليه وهو يضحك، فقلت: وما يضحكك، أصلحك الله؟ فقال: إنّ هذه الجارية لقّبتك بالنّبيل، لا أراه يفارقك أبدا فى حياتك ولا بعد موتك. ثم أخبرنى خبرها، فسمّيت يومئذ النّبيل.
قال فى «الجواهر»: قال الذّهبىّ: أجمعوا على توثيق أبى عاصم.
стр. 1095
وقال عمر بن شبّة: والله ما رأيت مثله.
وقال البخارىّ: سمعت أبا عاصم، يقول: منذ عقلت أنّ الغيبة حرام، ما اغتبت أحدا قطّ.
وقال ابن سعد: كان فقيها، ثقة.
مات بالبصرة، فى ذى الحجّة سنة اثنتى عشرة ومائتين، وهو ابن تسعين سنة وأشهر. وقيل: سنة ثلاث عشرة.
وروى له الشّيخان.
روى أنّه ذكر له أن يحيى بن سعيد يتكلّم فيك. فقال: لست بحىّ ولا ميّت إذا لم أذكر.
قال الذّهبىّ: سمع من يزيد بن أبى عبيد، وجماعة من التابعين. وكان واسع العلم، ولم ير فى يده كتاب قطّ.
وذكره ابن عساكر، فى «تاريخ دمشق»، وأثنى عليه.
وروى أنّه كان كبير الأنف، وأنّه حكى عن نفسه أنّه تزوّج امرأة، وأنّه أراد تقبيلها، فمنعه أنفه، فأماله إلى أحد جوانب وجهها، فقالت له: نحّ ركبتك عن وجهى.
فقال: ليس هذا ركبة، إنّما هو أنف.
وعن محمد بن عيسى الزّجّاج، قال: سمعت أبا عاصم يقول: من طلب هذا الحديث فقد طلب أغلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس.
وعن أبى داود سليمان بن سيف قال: كنت مع أبى عاصم النّبيل، وهو يمشى وعليه طيلسان، فسقط عنه طيلسانه، فسوّيته/عليه، فالتفت إلىّ، وقال: كلّ معروف صدقة. فقلت: من ذكره، رحمك الله، فقال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، عن النبىّ ﷺ ، أنّه قال: «كلّ معروف صنعته إلى غنىّ أو فقير، فهو صدقة» (١).
وعن أحمد بن سعيد الدّارمىّ، قال: سمعت أبا عاصم النّبيل يقول: طلب الحديث
стр. 1096
حرفة المفاليس، إن كان صاحب تجارة ترك تجارته حتى تذهب، وإن كان صاحب صنعة ترك صنعته حتى تخرب، حتى إذا بلغ ما يريد، وبلغ سبعين سنة، جاء صبيّان فقعدا بين يديه، فإن كان الشيخ ذكيّا قالا: ما أكيسه. وهو على حداثة سنّه إن قيل له: كيّس. غضب، وإن كان الشيخ مغفّلا قالا: ما يحسن قراءة كتابه.
وذكره السّيوطىّ فى «طبقات النّحاة»، وذكر أنّه كان من أهل العلم باللغة، وأنّ ولادته سنة ثلاث وعشرين ومائة، ثم قال: وكان حافظا، ثبتا، وفيه مزاح وكيس، رأى أبا حنيفة يوما يفتى، وقد اجتمع الناس عليه وآذوه-يعنى من كثرة الزّحام- فقال: ما هنا أحد يأتينا بشرطىّ؟ فتقدّم إليه، فقال: يا أبا حنيفة تريد شرطيّا؟ قال:
نعم. فقال: اقرأ علىّ هذه الأحاديث التى معى. فلما قرأها قام عنه، فقال: أين الشّرطىّ؟، فقال: إنّما قلت: تريد. ولم أقل لك: أجئ به. فقال: انظروا أنا أحتال للناس منذ كذا وكذا، وقد احتال علىّ هذا الصّبىّ.
وعن أبى الفضل بن يحيى الباهلىّ، قال: رأيت أبا عاصم النّبيل فى منامى بعد موته، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى. ثم قال: كيف حديثى فيكم؟، قلت: إذا قلنا أبو عاصم، فليس أحد يردّ علينا. قال: فسكت عنّى، ثم أقبل علىّ فقال: إنما يعطى الناس على قدر نيّاتهم.
وبالجملة إنّ أبا عاصم كان ممّن اتّفقت الأفاضل على فضله، والأماثل على جلالته ونبله، رحمه الله تعالى.
***
٩٩٥ - الضّحّاك بن مسافر
مولى سليمان بن
عبد الملك (¬*)
ذكره ابن عساكر، فى «تاريخ دمشق»، وقال: حدّث عن أبى حنيفة النعمان بن ثابت الفقيه.
روى عنه الوليد بن محمد البلقاوىّ، أنّه قال: صلّيت إلى جنب أبى حنيفة، فسمعنى أتشهّد، فقال لى: يا شامىّ، حدّثنى سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن
стр. 1097
علقمة، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال علّمنى رسول الله ﷺ التّشهّد:
«التّحيّات لله، والصّلوات، والطّيّبات، السّلام عليك أيّها النّبىّ ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين، أشهد أن لا إله الاّ الله، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله (١)». ثم تدعو بما أحببت.
ولم يؤرّخ له ابن عساكر مولدا ولا وفاة، ولا ذكر له شيئا من أخباره، بل روى عنه هذا الحديث فقط. والله أعلم.
***
٩٩٦ - ضياء بن سعد الله بن محمد بن عثمان
الشيخ الإمام، العالم العلاّمة
ضياء الدين، القرمىّ (¬*)
كان إماما، عالما بالتفسير والعربية، والمعانى والبيان، والفقه والأصلين، ملازما للاشتغال والإفادة، حتى فى حال مشيه وركوبه، يتوقّد ذكاء.
تفقّه فى بلاده، وأخذ عن أبيه، والعضد، والبدر التّسترىّ، والخلخالىّ. وتقدّم فى العلم قديما، حتى كان الشيخ سعد الدين التّفتازانىّ أحد من قرأ عليه.
وحجّ قديما، فسمع من/العفيف المطرىّ.
стр. 1098
قال الحافظ جلال الدين السّيوطىّ: وكان يقول: أنا حنفىّ الأصول، شافعىّ الفروع. وكان يستحضر المذهبين، ويفتى فيهما.
وقال تلميذه، الولىّ العراقىّ: أخبرنى أنّه كان يفتى فى بلادهم على مذهب أبى حنيفة أيضا، وكان يستحضره. وكان يقول: أنا حنفىّ الاعتقاد والعبادات، ربّانى أبى على ذلك. وكان لا يرفع يديه فى ركوع الصلاة وسجودها. انتهى.
قلت: حيث كان الشيخ، رحمه الله تعالى، مفنّنا لمعرفة مذهب أبى حنيفة، حافظا لأصوله وفروعه، عاملا بهما فى اعتقاداته ودياناته، فالأليق به أن يذكر فى طبقات السّادة الحنفيّة، لا فى طبقات الشافعيّة، وكونه يعرف مذهب الشافعىّ أيضا، ويفتى فيه لمن سأله، لا يمنع من ذلك، فإنّما هو زيادة علم وفضيلة، وهو بمنزلة من يعرف مذهبين أو أكثر، ولكن يعتقد مذهبا واحدا، وينسب إليه. فإن قيل: كيف حلّ له مباشرة بعض مدارس الشافعيّة، وأخذ معلومها، كما سيأتى، مع كون ذلك مخالفا لشرط الواقف بها، وهو لا يجوز؟ قلت: يمكن أن يجاب بأنّ الشيخ، رحمه الله تعالى، كان يرى أنّ المدرّس يستحقّ الجامكيّة على معرفة المذهب، ونشره إيّاه، لا على اعتقاده والتعبّد به، وفاقا لما نقله الشيخ سراج الدين ابن الملقّن، فى «طبقات الشافعيّة»، عن عزّ الدين بن عبد السلام الشافعىّ.
قال الحافظ السّيوطىّ فى حقّ صاحب الترجمة: كان يحلّ «الكشّاف»، و «الحاوى» حلاّ إليه المنتهى، حتى يظنّ أنّه يحفظهما، ويحسن إلى الطّلبة بجاهه وماله، مع الدّين المتين، والتواضع الزائد، والعظمة، وكثرة الخير، وعدم الشّرّ.
ولما قدم القاهرة، استقرّ فى تدريس الشافعيّة بالشّيخونيّة، ومشيخة البيبرسيّة.
وكان اسمه عبيد الله، فكان لا يرضى ذلك ولا يكتبه، لموافقته اسم عبيد الله بن زياد، قاتل الحسين رضى الله تعالى عنه، ولعن قاتله.
وكانت لحيته طويلة، بحيث تصل إلى قدمه؟؟؟، ولا ينام إلاّ وهى فى كيس، وإذا ركب تنفرق فرقتين، فكان عوامّ مصر يقولون إذا رأوه: سبحان الخالق، فيقول هو: عوامّ مصر مؤمنون حقّا؛ لأنّهم يستدلّون بالصّنعة على الصّانع.
أخذ عنه الشيخ عزّ الدين ابن جماعة، والولىّ العراقىّ، وغيرهما.
وروى عنه البرهان الحلبىّ، وغيره.
стр. 1099
ومات فى ذى الحجة، سنة ثمانين وسبعمائة.
وكتب إليه، طاهر بن حبيب، رحمه الله تعالى (١):
قل لربّ النّدى ومن طلب العل … م مجدّا إلى سبيل السّواء (٢)
إن أردت الخلاص من ظلمة الجه … ل فما تهتدى بغير الضّياء
فأجابه، رحمه الله تعالى (١):
قل لمن يطلب الهداية منّى … خلت لمع السّراب بركة ماء
ليس عندى من الضّياء شعاع … كيف يبغى الهدى من اسم الضّياء
*قال الحافظ جلال الدّين السّيوطىّ، رحمه الله تعالى، فى آخر ترجمة الضياء، رحمه الله تعالى: فائدة رأيت أن أطرف بها هذا الكتاب، وقع فى كلام الشيخ ضياء الدّين هذا السّابق،/نقله عنه آنفا إطلاق الصّانع على الله تعالى، وهو جار فى ألسنة المتكلّمين، وانتقد عليهم بأنّه لم يرد إطلاقه على الله تعالى، وأسماؤه توقيفيّة. وأجاب التّقىّ السّبكىّ، بأنه قرئ شاذّا «صنعه الله» بصيغة الماضى، فمن اكتفى فى إطلاق الأسماء بورود الفعل، اكتفى بمثل ذلك. وأجاب غيره بأنّه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ (٣).
ويتوقّف أيضا على القول بالاكتفاء بورود المصدر. قال-أعنى السّيوطىّ -وأقول:
إنّى لأعجب للعلماء خلفا وسلفا، من المحدّثين والمحقّقين، ممّن وقف على هذا الانتقاد، وقول القائل: إنه لم يرد. وتسليمهم له ذلك، ولم يستحضروه، وهو وارد فى حديث صحيح. ثم روى الحديث بسنده، عن حذيفة، رضى الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله صانع كلّ صانع وصنعته». وقال: هذا حديث صحيح، أخرجه الحاكم (٤) عن أبى النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، عن عثمان بن سعيد الدّارمىّ، عن على ابن المدينىّ، به. قال: على شرط الشّيخين. ولم ينتقده الذّهبىّ فى «تلخيصه»، ولا العراقىّ فى «مستخرجه» والعجب من السّبكىّ، حيث لم يستحضره، وعدل إلى جواب لا يسلّم له مع حفظه، حتى قال ولده: إنّه ليس بعد المزّىّ والذّهبىّ أحفظ منه. والله تعالى أعلم.
стр. 1100
وكان الضّياء المذكور، من المتعصّبين على الظّلمة، القائلين بالحق، الذين لا يأخذهم فى الله لومة لائم.
*قال الولىّ العراقىّ: وفى يوم الاثنين، سادس عشر ذى الحجّة، سنة ثمانين وسبعمائة، عقد مجلس عند الأميرين الكبيرين برقوق وبركة، بحضور القضاة الأربعة، والمشايخ المعتبرين؛ الشيخ أكمل الدين البابرتىّ، والشيخ سراج الدّين البلقينىّ، والشيخ ضياء الدين القرمىّ، بسبب إبطال أوقاف الأراضى المشتراة من بيت المال، وإعادتها إلى بيت المال؛ لأنّها تباع من غير أن تدعو حاجة المسلمين إلى ذلك. فأجاب أكثر الحاضرين بمنع ذلك إذا حكم حاكم بصحّته، فإنّ نقض الحكم فى محلّ الاجتهاد ممتنع، وجميع الأوقاف المذكورة محكوم بصحّتها. ومال شيخنا البلقينىّ إلى الإبطال، وأنّ حكم القضاة بذلك لم يصادف محلاّ؛ لأنّهم إنّما فعلوه خوفا على مناصبهم، فإنّهم لو امتنعوا لعزلوا، كما جرى لابن منصور، قاضى الحنفيّة، لمّا جئ إليه بشئ من هذا ليثبته، فامتنع من ذلك، فعزل، ووقع بين شيخنا المذكور وبين الشيخ ضياء الدّين القرمىّ بسبب ذلك ما أوجب الوحشة بينهما، مع تأكّد المودّة بينهما قبل ذلك، واجتمعت بالشيخ ضياء الدين عقيب ذلك، ووجدته متغيّر الخاطر، متألّما بسبب ذلك، وتصعّف، فمات بعد جمعة.
قال: وبلغنى أنّ الشيخ أكمل الدين قال للأمراء: إن كنتم تريدون الشّرع، فهؤلاء علماء الشرع أفتوكم بعدم الجواز، وإن كنتم تريدون قطع أرزاق العلماء، فرتّبوا لهم كما رتّب فرعون لخادم الأصنام أو نصفه. وانفصل المجلس على تنافر، واستمرّت الأوقاف على حالها. انتهى ملخّصا.
قلت: فى سياق هذه الواقعة ما يدلّ على أنّ الشيخ إنّما كان سبب موته حدّة الغيرة والغضب لله تعالى، فجزاه الله عن المسلمين خيرا.
وقيل: كان سبب موته خوفه من برقوق، لكلام خشن كلّمه إيّاه، خاف منه على نفسه
/وذكره الحافظ ابن حجر فى «إنبائه»، وبالغ فى الثّناء عليه. وذكر فى الحوادث أنّ البلقينىّ لم يوافق على إبطال الأوقاف مطلقا، ولم يمل إليه، بل قال: أمّا أوقاف الجوامع والمدارس وجميع ما للعلماء والطلبة، فلا سبيل إليه، ولا يحلّ لأحد نقضه؛ لأنّ لهم فى الخمس أكثر من ذلك، وأمّا ما وقف على عويشة وفطيمة، واشترى لأمثالهما من بيت
стр. 1101
المال بالحيلة، فينبغى أن ينقض، إذا تحقّق أنّه أخذ بغير حقّ.
وهذا الكلام يخالف ما نقله العراقىّ عنه، من الميل إلى الإبطال مطلقا، وهو الظّاهر الذى لا يظنّ وقوع ما يخالفه من الشيخ سراج الدين، رحمه الله تعالى، فإنّه كان ممّن لا يحابى الظّلمة، ولا يرهبهم، ولا تأخذه فى الله لومة لائم. نفعنا الله ببركاته، وبركات علومه، آمين.
***
стр. 1102
حرف الطاء المهملة
٩٩٧ - طاهر بن أحمد بن عبد الرّشيد، البخارىّ (¬*)
صاحب كتاب «الواقعات»، وكتاب «النّصاب»، ثم اختصر بعد ذلك من ذلك كتابا سمّاه «خلاصة الفتاوى»، التى أملاها حافظ الدّين الملقّب افتخار الدّين.
كذا فى «الجواهر المضيّة» من غير زيادة، ولم يذكر تاريخ وفاته، ولا تاريخ ولادته.
وقد رأيت على نسخة من كتاب «الخلاصة»، بخطّ الإمام العالم العلاّمة على چلبى ابن أمر الله ما صورته: طاهر بن أحمد بن عبد الرّشيد البخارىّ، ويقال له افتخار الدين، كما ذكره فى «حقائق المنظومة»، وهو الإمام ابن الإمام ابن الإمام، مرضىّ الأخلاق، حسن السّيرة، ألّف «خزانة الواقعات»، وكتاب «النّصاب»، ثم اختصر منهما كتاب «الخلاصة». مولده سنة اثنتين أو إحدى وثمانين وأربعمائة.
وتوفّى بسرخس، فى جمادى الأولى، سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وعقد العزاء بها، ثم حمل إلى بخارى. انتهى.
فظهر من ذلك أنّ افتخار الدّين لقب لصاحب «الخلاصة» نفسه، لا لرجل أملاها غيره، كما يفهم من كلام صاحب «الجواهر» هنا. وأمّا كلامه فى الألقاب، فعلى وجه الصّواب.
***
٩٩٨ - طاهر بن أحمد بن محمد بن محمد
أبو العلاء، محبّ الدين بن جلال الدين
أبى الطّاهر بن شمس الدين أبى عبد الله
ابن جلال الدين أبى محمد
الخجندىّ الأصل، المدنىّ (¬**)
ولد بالمدينة الشريفة، سنة سبع وسبعين.
стр. 1103
وسمع من أبيه، ومن المراغىّ، وغيره. وأجاز له جماعة من الحفّاظ. وتفقّه على أبيه.
وكان إماما، علاّمة، طارحا للتّكلّف، مقبلا على الآخرة. وتصدّى للإقراء، وانتفع به جماعة.
ومات فى شهر رجب، سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، بالمدينة المنوّرة، وصلّى عليه بالرّوضة الشريفة بعد صلاة الظهر، ودفن بالبقيع، بالقرب من سيّدنا إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وكانت جنازته حافلة. رحمه الله تعالى.
***
٩٩٩ - طاهر بن الحسن بن عمر بن الحسن بن
عمر بن حبيب، الملقّب زين الدين
أبو العزّ الحلبىّ (¬*)
الإمام البليغ الفاضل، من بيت الفضل، ابن الإمام بدر الدين أبى محمد.
ذكره العلاّمة قاضى القضاة علاء الدين فى «تاريخه»، وقال: وهو حنفىّ المذهب، اشتغل بالأدب، على الشيخ أبى عبد الله وأبى جعفر المغربيّين، واشتغل على غيرهما من المشايخ، وبرع فيه، وصنّف ونظم ونثر،/وكتب فى ديوان الإنشاء بحلب، ثم رحل إلى القاهرة، واستوطنها، وكتب فى ديوان إنشائها، وصار بها أحد الأعيان.
وتولّى عدّة وظائف.
وله الكتابة الحسنة، والنّظم البليغ، والفضيلة التّامّة فى سرعة الإنشاء.
صنّف «شرحا على البردة» نظم البوصيرىّ، وخمّسها، ونظم فى المعانى والبيان.
وكتب إليه القاضى فتح الدين ابن الشّهيد، كاتب السّرّ بالشام ارتجالا، وذلك فى سنة إحدى وستين وسبعمائة قوله:
أيا ابن حبيب من أدب أجزنا … وأمتعنا على شرط الأديب
стр. 1104
وأمل على محبّيك المعانى … ليرويها محاسن عن حبيب
فقال القاضى زين الدين طاهر مجيبا:
لسائل مدمعى هل من مجيب … يخبّره عن الرّشإ الرّبيب
وهل لصبابة الكلف المعنّى … وسقم قد براه من طبيب
كذا رأيت هذه الترجمة بخطّ أحمد بن محمد بن الشّحنة، ومنه نقلتها، ثم رأيت له ترجمة فى «الضّوء اللامع» بنحو ما هنا، وأورد له بعض الأبيات، منها قوله (١):
قلت له إذ ماس فى أخضر … وطرفه ألبابنا يسحر
لحظك ذا أو أبيض مرهف … فقال لى ذا موتك الأحمر (٢)
وقوله فى ضبط أشهر القبط (٣):
برمهات برمودة وبشنس … وبئون أبيب مسرى الحرور
ثم توت وبابة وهتور … وكيهك وطوبة أمشير
قال السّخاوىّ: وله «نظم فى فرائض الحنفيّة»، و «محاسن الاصطلاح»، للبلقينىّ، وذيّل على «تاريخ أبيه» بطريقته.
وقال ابن خطيب النّاصريّة: وكان ناظما بليغا، تامّ الفضيلة فى صناعة الإنشاء، بحيث إنّه عيّن لكتابة سرّ مصر.
وأرّخ السّخاوىّ ولادته بعد الأربعين وسبعمائة بقليل.
ونقل عن الحافظ ابن حجر أنّ وفاته فى يوم الجمعة، سابع عشر ذى الحجة، سنة ثمان وثمانمائة؟ رحمه الله تعالى.
***
стр. 1105
١٠٠٠ - طاهر بن عثمان بن محمد
ابن عبد الحميد بن عبد الرحمن،
أبو الطّيّب، البخارىّ (¬*)
تفقّه على بكر الزّرنجرىّ.
وسمع من جدّه محمد بن عبد الحميد.
مات سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وله إحدى وسبعون سنة. رحمه الله تعالى.
***
١٠٠١ - طاهر بن علىّ (¬**)
له «الفتاوى».
كان رفيقا لمحمود ابن الولىّ، إمامان كبيران.
ويأتى محمود بن الولىّ فى محلّه، إن شاء الله تعالى، كذا قاله فى «الجواهر»، من غير زيادة.
***
١٠٠٢ - طاهر بن محمد بن طاهر
ابن عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله،
أبو المكارم (¬***)
قال ابن النّجّار: حنفىّ المذهب، قدم علينا بغداد طالبا للحج، فى سنة ثلاث وستين (١)، فحجّ وعاد، وأقام ببغداد مدّة يتفقّه، ويسمع.
وكان فاضلا، ديّنا، عاقلا، لبيبا، حسن الطّريقة، طيّب الأخلاق، متودّدا، علّقت عنه فى المذاكرة أناشيد، ثم عاد إلى بلده، وانقطع عنّا خبره. رحمه الله تعالى.
***
стр. 1106
١٠٠٣ - طاهر بن محمد بن عمر بن
أبى العبّاس، الحفصىّ (¬*)
له «الفصول فى علم الأصول».
كنيته أبو المعالى.
أستاذ محمد بن محمود بن محمّد الخوارزمىّ الخطيب (١)، وسيأتى فى محلّه، إن شاء الله تعالى.
***
١٠٠٤ - طاهر بن محمد الطّاهرىّ القاضى، البكرآباذيّ (¬**)
ذكره حمزة، فى «تاريخ جرجان»، وقال: من أصحاب الرّأى، ولاّه قابوس (٢) قضاء جرجان، مات سنة تسع وستين وثلاثمائة. رحمه الله تعالى.
***
١٠٠٥ - طاهر بن يحيى بن قبيصة (¬***)
قال السّمعانىّ: كان من كبار المحدّثين لأصحاب الرّأى، مات سنة خمس عشرة وثلاثمائة. رحمه الله تعالى.
وهو والد محمد الآتى فى بابه، إن شاء الله تعالى.
***
стр. 1107
١٠٠٦ - طاهر الإمام، الملقّب ببدر (¬*)
ذكره فى «القنية». كذا فى «الجواهر»، من غير زيادة.
***
١٠٠٧ - طراد بن محمد بن على بن الحسن بن محمد بن
عبد الوهاب بن سليمان بن عبد الله بن
محمد بن إبراهيم بن محمد بن على بن
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب،
أبو الفوارس، الزّينبىّ (¬**)
من ولد زينب بنت سليمان (١).
أخذ عنه أحمد بن محمد قاضى القضاة ابن قاضى القضاة الدّامغانىّ.
مولده سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
سمع فى صباه من أبى الفتح هلال بن محمد الحفّار، وأبى نصر النّرسىّ (٢)، وهو آخر من حدّث عن أبى نصر.
قال ابن النّجّار: عمّر حتى انفرد بالرّواية عن أكثر شيوخه، وأملى خمسة وعشرين مجلسا بجامع المنصور، وأملى بمكة المشرّفة والمدينة الشريفة مجالس. وروى عنه ولداه؛ أبو القاسم على، وأبو الحسن محمد-الآتى كل منهما فى محلّه-ومحمد بن ناصر الحافظ، وشهدة بنت أحمد الأبريّ.
ومات فى شوّال، سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. رحمه الله تعالى.
стр. 1108
وطراه؛ بكسر الطّاء وفتح الرّاء وآخره دال مهملة، ضبطه ابن نقطة كذلك. قاله فى «الجواهر».
***
١٠٠٨ - طاشغين خليفة (¬*)
ذكره صاحب «الشقائق»، وقال: كان عالما عاملا، أخذ عن المولى خسرو، وسلك طريق أهل التصوّف، واستوطن بلده بروسة، وبها الآن محلّة تنسب إليه، وصار بها واعظا، وانتفع به الناس وأحبّوه.
وكانت وفاته فى أيّام سلطنة السلطان بايزيد خان بن محمد خان بن مراد خان (١).
تغمّدهم الله تعالى برحمته.
***
١٠٠٩ - طورسون الرّومىّ (¬**)
ختن المولى أده بالى، المتقدّم ذكره (٢).
قال فى «الشقائق»: هو من بلاد قرمان، قرأ على المولى أده بالى المذكور، التفسير، والحديث، والأصول، وتفقّه عليه، وقام مقامه فى أمر الفتوى، وتدريس العلوم الشرعيّة، وتدبير أمور السّلطنة. وكان عاملا، عالما، مجاب الدّعوة. كذا ذكره من غير أن يؤرّخ له وفاة ولا مولدا. رحمه الله تعالى.
***
١٠١٠ - الطّيّب بن جعفر بن كمارى الواسطىّ (¬***)
والد أحمد، المذكور فى بابه (٣).
стр. 1109
وجدّ محمد بن أحمد، الآتى فى محلّه، إن شاء الله تعالى.
قال السّمعانىّ: هذه النّسبة بفتح الكاف والميم وبعد الألف راء مهملة، وهو اسم لجدّ بعض العلماء، وهو الطيّب بن جعفر بن كمارى الواسطىّ. قال: وجماعة من أولاده يعرفون بابن كمارى. نقلته من «الجواهر».
***
١٠١١ - طيبرس بن عبد الله، الشيخ الإمام
العالم، الفقيه، النّحوىّ، علاء الدين
المعروف بالجندىّ (¬*)
ذكر أنّه قدم من بلاده إلى إلبيرة (١)، فاشتراه بعض الأمراء بها، وعلّمه الخطّ والقرآن العظيم، وتقدّم عنده، وأعطاه إقطاعا، وأعتقه، فلما توفّى أستاذه، قدم إلى دمشق، وقد/جاوز عشرين سنة، وتفقّه على مذهب الإمام أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه، واشتغل بالنحو واللغة، والعروض، والأدب، والفرائض، والأصلين، حتى فاق أقرانه. وسمت همّته، فصنّف فى النحو وغيره، ونظم كتاب «الطّرفة» فى النحو، جمع فيه بين «ألفيّة ابن مالك»، و «مقدّمة ابن الحاجب»، وزاد عليهما، وهى تسعمائة بيت. وقرأها عليه جماعة، منهم: الشيخ صلاح الدين البطائنىّ، وشرحها، وكان الشيخ شمس الدين بن عبد الهادى يثنى عليهما، وكان مغرى بالنّظم من صغره. وكان حسن المذاكرة، لطيف المعاشرة، مخبره أحسن من منظره، كثير التّلاوة، يصلّى بالليل كثيرا.
وكانت وفاته سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بالصّالحيّة، فى طاعون دمشق. رحمه الله تعالى.
وكان مولده سنة ثمانين وستمائة تقريبا.
ومن نظمه فى كيّال مليح، له رفيق اسمه الشمس، ويلقّب بالثّور؛ لقبحه، وبالدّقن لطول لحيته قوله:
стр. 1110
نفسى الفداء لكيّال برى جسدى … بأربع زيّنتها أربع أخر
فى ردفه عظم فى خصره هضم … فى ريقه شهد فى طرفه حور
كأنّ وجنته فى النّقع إذ عرقت … ياقوتة تحت تبر فوقها درر
من أجله الشمس من أنواره كسفت … فمن رأى الشمس غشّى نورها القمر
رفيقة الذّقن ثوران وذا عجب … خشف ترافقه الثّيران والبقر (١)
ومنه أيضا (٢):
قد بتّ فى قصر حجّاج فذكّرنى … بضنك عيشة من فى النار يشتعل
بقّ يطير وبقّ فى الحصير سعى … كأنّه ظلل من فوقها ظلل
ومنه أيضا فى عطّار:
احتجت إلى قطر نبات وسنا … فابتعتهما من ذى اعتدال وسنا
من منطقه ووجهه كم سلبت … أجفان متيّمى هواه وسنا
كذا نقلت هذه الترجمة من «أعيان العصر» للصّفدىّ، وحذفت من شعر صاحبها ما لا طائل تحته، على أنّ غالب شعره ليس بذلك. رحمه الله تعالى.
***
стр. 1111
حرف الظاء المعجمة
١٠١٢ - ظهيرة بن حسين بن على بن
أحمد بن عطيّة بن ظهيرة
القرشىّ المكّىّ (¬*)
ولد ظنّا فى سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
وسمع من العزّ ابن جماعة، والموفّق الحنبلىّ، وغيرهما.
وأجاز له جماعة، منهم: أبو الفضل القلاشى، والخلاطىّ، وغيرهما.
وحدّث، وسمع منه الحفّاظ، كالحافظ ابن حجر، وغيره.
ومات فى سنة [تسع عشرة وثمانمائة] (١) رحمه الله تعالى.
***
стр. 1112
حرف العين المهملة
١٠١٣ - عاصم بن زمزم بن عاصم بن موسى
الحنفىّ البلخىّ (¬*)
قدم بغداد حاجّا، وحدّث بها عن عبد الصّمد بن حسّان، ومكّىّ بن إبراهيم، وعصام بن يوسف، البلخيّين، وصالح بن محمد التّرمذىّ.
روى عنه محمد بن مخلد.
كذا ذكره الخطيب، فى «تاريخه».
وأخرج (١) عن هشام بن عروة، عن/أبيه، عن عائشة، رضى الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : «كلّ مسكر حرام، وكلّ حرام خمر، وما أسكر كثيره فالقطرة منه حرام» والله تعالى أعلم.
***
١٠١٤ - عافية بن يزيد بن قيس بن عافية بن شدّاد
ابن ثمامة بن سلمة بن كعب بن
أود بن صعب بن سعد العشيرة بن
مالك بن أدد بن زيد بن يشجب
ابن عريب بن زيد بن كهلان بن
سبأ بن يشجب بن يعرب
ابن قحطان الكوفىّ (¬**)
الإمام، العالم، العامل، أحد أعلام الأئمة، وأماثل قضاة الأمّة.
стр. 1113
ولاّه أمير المؤمنين المهدىّ القضاء ببغداد، فى الجانب الشرقىّ.
وحدّث عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، وسليمان الأعمش، وغيرهما.
وروى الخطيب، عن إسحاق بن إبراهيم، أنه قال: كان أصحاب أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه، الذين يذاكرونه؛ أبو يوسف، وزفر، وداود الطّائىّ، وأسد بن عمرو، وعافية الأودىّ، والقاسم بن معن، وعلى بن مسهر، ومندل وحبّان، ابنا علىّ، وكانوا يخوضون فى المسألة، فإن لم يحضر عافية، قال أبو حنيفة، رضى الله تعالى عنه: لا ترفعوا المسألة حتى يحضر عافية. فإذا حضر عافية، فإن وافقهم، قال أبو حنيفة، رضى الله تعالى عنه: أثبتوها. وإن لم يوافقهم، قال أبو حنيفة: لا تثبتوها.
وقد كان المهدىّ أشرك فى القضاء بينه وبين محمد بن عبد الله بن علاثه الكلابىّ، فكانا يقضيان جميعا فى المسجد الجامع فى الرّصافة، هذا فى أدناه وهذا فى أقصاه، وكان عافية أكثرهما دخولا على المهدىّ.
وحدّث إسماعيل بن إسحاق القاضى، عن أشياخه، قال: كان عافية القاضى يتقلّد للمهدىّ القضاء بإحدى جانبى بغداد، مكان ابن علاثة، وكان عافية عالما زاهدا، فصار إلى المهدىّ فى وقت الظهر فى يوم من الأيّام، وهو خال، فاستأذن عليه، فأدخله، فإذا معه قمطره، فاستعفاه من القضاء، واستأذنه فى تسليم القمطر إلى من يأمر بذلك، فظنّ أنّ بعض الأولياء قد غضّ منه، أو أضعف يده فى الحكم، فقال له فى ذلك، فقال: ما جرى من هذا شئ. فقال: فما سبب استعفائك؟ فقال: كان يتقدّم إلىّ خصمان موسران وجيهان منذ شهرين، فى قضيّة معضلة مشكلة، وكلّ يدّعى بيّنة وشهودا، ويدلى بحجج تحتاج إلى تأمّل وتثبّت، فرددت الخصومة، رجاء أن يصطلحا، أو يعنّ لى وجه فصل ما بينهما. قال: فوقف أحدهما من خبرى على أنّى أحبّ الرّطب السّكّر، فعمد فى وقتنا، وهو أوّل أوقات الرّطب، إلى أن جمع رطبا سكّرا، لا يتهيّأ فى وقتنا جمع مثله إلاّ لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوّابى جملة دراهم، على أن يدخل الطّبق إلىّ، ولا يبالى أن يردّ، فلمّا أدخل إلىّ، أنكرت ذلك، وطردت بوّابى، وأمرت بردّ الطّبق، فردّ، فلما كان اليوم تقدّم إلىّ مع خصمه، فما تساويا فى قلبى ولا فى عينى، وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل، فكيف يكون حالى لو قبلت، ولا آمن أن يقع علىّ حيلة فى دينى فأهلك، وقد فسد الناس، فأقلنى أقالك الله، وإعفنى. فأعفاه.
стр. 1114
وروى عن بعضهم، أنّه قال: كنت عند الرّشيد يوما، فرفع إليه فى قاض كان استقضاه يقال له عافية، فكبر عليه، وأمر بإحضاره، فأحضر، وكان فى المجلس جمع كثير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه ويوقفه على/ما رفع إليه، وطال المجلس، ثم إنّ أمير المؤمنين عطس، فشمّته من كان بالحضرة ممّن قرب منه سواه، فإنّه لم يشمّته، فقال له الرشيد: ما بالك لم تشمّتنى كما فعل القوم؟ فقال له عافية: لأنّك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله، فلذلك لم أشمّتك، هذا النبىّ ﷺ عطس عنده رجلان، فشمّت أحدهما ولم يشمّت الآخر، فقال: يا رسول الله مالك شمّت ذلك ولم تشمّتنى. قال:
«لأنّ هذا حمد الله فشمّتناه، وأنت فلم تحمده فلم أشمّتك» (١). فقال له الرشيد:
ارجع إلى عملك، أنت لم تسامح فى عطسة، تسامح فى غيرها. وصرفه منصرفا جميلا، وزبر القوم الذين كانوا رفعوا عليه.
وقال ابن الأعرابىّ: خاصم أبو دلامة رجلا إلى عافية، رحمه الله تعالى، فقال (٢):
لقد خاصمتنى غواة الرجال … وخاصمتهم سنة وافيه
فما أدحض الله لى حجّة … وما خيّب الله لى قافيه
فمن كنت من جوره خائفا … فلست أخافك يا عافيه
فقال له عافية: لأشكونّك إلى أمير المؤمنين. قال: لم تشكونى؟ قال: لأنّك هجوتنى. قال: والله لئن شكوتنى إليه ليعزلنّك. قال: ولم؟ قال: لأنّك لا تعرف الهجاء من المديح. رحمه الله تعالى ما كان أصفى نيّته، وأسلم طويّته. نفعنا الله ببركاته، آمين.
***
١٠١٥ - عالم بن العلاء (¬*)
صاحب «الفتاوى التّاتارخانيّة» المشهورة.
стр. 1115
قرأت بخطّ صاحبنا الفاضل البارع، أحمد چلبى بن قاضى القضاة حسن بن عبد المحسن، ما صورته: قال العبد الملتجى إلى رحمة الغفّار، المنتسب إلى الأنصار، عالم ابن العلا، عصمه الله من الزّيغ والهوى، وهداه إلى المنهج السّوا.
ثم قال أحمد چلبى المذكور: هذه عبارة صاحب «الفتاوى التّاتارخانيّة»، فى أوّلها.
انتهى.
وأمّا أنا فلم أقف له على ترجمة سوى ما ذكر، وإن وقفت على شئ سوى ذلك ألحقته هنا، والله الموفّق للصّواب.
***
١٠١٦ - عالى بن إبراهيم بن إسماعيل الغزنوىّ
أبو على الحنفىّ الفقيه الأديب (¬*)
لقى فى خوارزم أبا القاسم محمود الزّمخشرىّ، وكتب عنه. وقدم حلب، وأقام بها يدرّس الفقه. وقد صنّف كتابا فى تفسير القرآن العزيز، سمّاه كتاب «التّقشير فى التفسير»، وكتابا فى النحو، سمّاه «المقدّمة»، وكتاب «المنازع، فى شرح المشارع». ومات فى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، بحلب.
كذا ذكره صاحب «الدّرّ الثّمين فى أسماء المصنّفين»، وذكره صاحب «الجواهر» فى حرف الغين المعجمة بنحو ما تقدّم. وذكر أنّه كان يلقّب ناصر الدين، وتاج الشريعة، ونظام الإسلام، وأنّ من جملة من تفقّه عليه عبد الوهّاب بن يوسف. يعنى المعروف بالبدر المحسن. انتهى.
стр. 1116
وذكرته هنا تبعا لصاحب «الدّرّ الثمين»، فإنّه أوفق من صاحب «الجواهر»، وليس هذا بتاج الشريعة المشهور، فإنّ ذاك اسمه عمر، وسيأتى فى محلّه، إن شاء الله تعالى.
***
١٠١٧ - عالى بن أبى القاسم علىّ بن الإمام
أبى منصور محمد بن عبد الجبّار التميمىّ
أبو العلاء، السّمعانىّ
كان إماما، عالما، علاّمة، فقيها بارعا، وهو إمام ابن إمام ابن إمام، من بيت العلم والفضل والتقدّم.
/ولم يذكره صاحب «الجواهر المضيّة». وسيأتى له ذكر فى ترجمة جدّه أبى منصور محمد (١)، إن شاء الله تعالى.
***
١٠١٨ - عبّاد بن صهيب (¬*)
ذكره الطّحاوىّ، عن شيخه ابن أبى عمران، أنّه قال: حدّثنى محمد بن شجاع، قال: قلت لعبّاد بن صهيب: أخرج إلىّ ما عندك عن أبى حنيفة. فقال: عندى قمطر، ولكن لا أحدّثك برأيه، وأحدّثك بما شئت من حديثه فقلت: ولم؟ قال: قدمت الكوفة. فسمعته يفتى، فكتبت جوابا (٢)، ثمّ غبت عن الكوفة عشر سنين، ثمّ قدمتها، فسمعته يفتى فى تلك المسائل بغير ذلك الجواب.
قال محمد بن شجاع: فوقع فى نفسى مثل الذى وقع فى نفس عبّاد، فأتيت عبد الله ابن داود، فذكرت ذلك له، فقال: هذا يدلّك على سعة العلم، لو كان علمه ضيّقا لكان [جوابه] (٣) واحدا، ولكنّ أمره واسع، يتناوله كيف يشاء.
***
стр. 1117
١٠١٩ - عبّاد بن العباس بن عبّاد بن أحمد
ابن إدريس، أبو الحسن (¬*)
والد الصّاحب إسماعيل بن عبّاد، الوزير المشهور، والقلم المنشور، والجواد المشكور.
كان عبّاد وزيرا لمؤيد الدّولة الحسن بن بويه.
حدّث عن محمد بن حبّان المازنىّ، ومحمد بن يحيى المروزىّ، وأبى خليفة.
وعنه أبو الشّيخ، وأبو بكر ابن المقرى، وولده إسماعيل.
ومن جملة روايات ولده عنه، أنّه قال: قال رجل لأبى: أنت على مذهب أبى حنيفة، ولا تشرب النّبيذ؟ قال: تركته لله إجلالا، وللنّاس جمالا.
وذكره ياقوت، فى «معجم البلدان»، فى من ينسب إلى الطّالقان، فقال: سمع أبا خليفة الفضل بن الحباب، والبغداذيّين فى طبقته. قال أبو الفضل: ورأيت فى دار كتب ابنه أبى القاسم بن عبّاد بالرّىّ «كتابا فى أحكام القرآن»، ينصر فيه مذهب الاعتزال، استحسنه كلّ من رآه. روى عنه أبو بكر بن مردويه، والأصبهانيّون، وابنه الصّاحب أبو القاسم. روى هو عن البغداذيّين والرّازيّين. (١) وولد سنة ست وعشرين وثلاثمائة. ومات سنة خمس وثمانين وثلاثمائة (١). انتهى.
قلت: والذى يغلب على الظنّ، وتشهد به العادة، من أنّ الخلف يكون على مذهب السّلف، أنّ ولده أبا القاسم إسماعيل بن عبّاد المذكور، كان على مذهب أبيه فى الفقه، كما كان على مذهبه فى الاعتزال، فأحببت أن أذكره هنا، وأشرح أحواله على سبيل الاختصار، وأجعل ذلك كالذّيل لترجمة والده، فإن كان حنفيّا، فنكون قد سلمنا من التّقصير فى إغفاله، وإن كان غير ذلك فالولد سرّ أبيه، وهو من جملة محاسنه أو مساويه، فلا نكون خرجنا بذكره عن المقصود، ولا أتينا بأجنبىّ ليس بمعهود، فنقول:
стр. 1118
[إسماعيل بن عباد] (¬*) هو الإمام العالم العلاّمة، البليغ المنشئ، الذى طبّق الآفاق ذكره، وملأ الخافقين حمده وشكره، وجمّل كلّ أحد من الأدباء بذكره تاريخه وديوانه، وجعلوا أخباره زينة المجالس، وبهجة المجالس، وسلوة الحزين، ونزهة الطّرف.
ذكره الحافظ السّيوطىّ، فى «طبقات النحاة»، ومن خطّه نقلت، فقال: ولد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وأخذ الأدب عن ابن فارس، وابن العميد. وسمع من أبيه وجماعة. وكان نادرة عصره، وأعجوبة دهره، فى الفضائل والمكارم. حدّث وقعد للإملاء، وحضر الناس الكثير عنده،/بحيث كان له ستّة مستملين. وكان فى الصّغر إذا أراد المضىّ إلى المسجد ليقرأ، تعطيه والدته دينارا فى كلّ يوم ودرهما، وتقول له:
تصدّق بهذا على أوّل فقير تلقاه. فكان هذا دأبه فى شبابه إلى أن كبر، فصار يقول للفرّاش كلّ ليلة: اطرح تحت المطّرح دينارا ودرهما، لئلاّ ينساه، فبقى على هذا مدّة، ثم إنّ الفرّاش نسى ليلة من الليالى أن يطرح له الدّرهم والدينار، فانتبه وصلّى، وقلّب المطّرح ليأخذ الدّرهم والدينار ففقدهما، فتطيّر من ذلك، وظنّ أنّه لقرب أجله، فقال للفرّاشين: خذوا كلّ ما هنا من الفراش، وأعطوه لأوّل فقير تلقونه، حتى يكون كفّارة لتأخير هذا. فلقوا أعمى هاشميّا يتّكئ على يد امرأة، فقالوا: تقبل هذا؟ فقال: ما هو؟ فقالوا: مطّرح وديباج، ومخادّ وديباج. فأغمى عليه، فأعلموا الصّاحب بأمره، فأحضره، ورشّ عليه ماء، فلمّا أفاق سأله، فقال: اسألوا هذه المرأة إن لم تصدّقونى.
فقال له: اشرح. فقال: أنا رجل شريف، ولى ابنة من هذه المرأة، خطبها رجل، فزوّجناه، ولى سنتين آخذ القدر الذى يفضل عن قوتنا، أشترى به لها جهازا، فلما كان البارحة قالت أمّها: اشتهيت لها مطّرح ديباج ومخادّ ديباج. فقلت: من أين لى
стр. 1119
ذلك؟ وجرى بينى وبينها خصومة إلى أن سألتها أن تأخذ يدى وتخرجنى حتى أمضى على وجهى، فلما قال لى هؤلاء هذا الكلام، حقّ لى أن يغشى علىّ. فقال: لا يكون الدّيباج إلاّ مع ما يليق به. ثم اشترى له جهازا يليق بذلك المطّرح، وأحضر زوج الصّبيّة، ودفع إليه بضاعة سنيّة.
ولى الصّاحب الوزارة ثمانية عشر سنة وشهرا، لمؤيّد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وأخيه فخر الدولة، وهو أوّل من سمّى الصّاحب من الوزراء؛ لأنّه صحب مؤيّد الدولة من الصّبا، وسمّاه الصّاحب، فغلب عليه هذا اللّقب، ولم يعظّم وزيرا مخدومه، ما عظّمه فخر الدولة، ولم يجتمع بحضرة أحد من العلماء والشعراء والأكابر، ما اجتمع بحضرته.
وعنه أنّه قال: مدحت بمائة ألف قصيدة؛ عربيّة، وفارسيّة، ما سرّنى شاعر كما سرّنى أبو سعيد الرّستمىّ الأصبهانىّ بقوله:
*ورث الوزارة كابرا عن كابر*
البيتين الآتيين فى أثناء الترجمة.
ولم يكن يقوم لأحد من الناس، ولا يشير إلى القيام، ولا يطمع أحد منه فى ذلك كائنا من كان.
وأمّا أبو حيّان التّوحيدىّ، فإنّه أملى فى ذمّه وذمّ ابن العميد مجلّدة، سمّاها «ثلب الوزيرين» لنقص حظّ ناله منه، وعدّد فيها قبائح له.
وللصّاحب من التصانيف «المحيط باللغة» عشر مجلّدات «رسائله»، «الكشف عن مساوى المتنبى»، «جوهرة الجمهرة»، «ديوان شعره»، وغير ذلك.
وأرّخ وفاته كما سيأتى، ثم قال: وأغلقت له مدينة الرّىّ، واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون لجنازته، فلما خرج نعشه، صاح الناس. وشهرته تغنى عن الإطناب.
انتهى.
وأحسن ترجمة وقفت له عليها، فى كتاب «يتيمة الدّهر» للثّعالبىّ، فإنّه رحمه الله تعالى، قد أجاد فيها وأفاد، وبلغ أقصى غايات المراد، وها أنا ألخّص منها ترجمة مختصرة، غير مخلّة بالمقصود، يقرّ بها النّاظر،/ويسرّ بها الخاطر، فأقول، وبالله التوفيق: قال-أعنى الثّعالبىّ -: ليست تحضرنى عبارة أرضاها للإفصاح عن علوّ محلّه
стр. 1120
فى العلم والأدب، وجلالة شأنه فى العلوم والكرم، وتفرّده بغايات المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر؛ لأنّ همّة قولى تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفى يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه، ولكنّى أقول: هو صدر المشرق، وتاريخ المجد، وغرّة الزمان، وينبوع العدل والإحسان، ومن لا حرج فى مدحه بكلّ ما يمدح به مخلوق، ولولاه ما قامت للفضل فى دهرنا سوق، وكانت أيامه للعلويّة والعلماء والأدباء والشعراء، وحضرته محطّ رحالهم، وموسم فضلائهم، ومنزع آمالهم، وأمواله مصروفة إليهم، وصنائعه مقصورة عليهم، وهمّته فى مجد يشيّده، وإنعام يجدّده، وفاضل يصطنعه، وكلام حسن يصنعه أو يسمعه، ولمّا كان نادرة عطارد فى البلاغة، وواسطة عقد الدّهر فى السّماحة، جلب إليه من الآفاق وأقاصى البلاد كلّ خطاب جزل، وقول فصل، وصارت حضرته مشرعا لروائع الكلام، وبدائع الأفهام، وثمار الخواطر، ومجلسه مجمعا لصوب العقول، وذوب العلوم، ودرر القرائح، فبلغ من البلاغة ما يعدّ فى السّحر، ويكاد يدخل فى حدّ الإعجاز، وسار كلامه مسير الشمس، ونظم ناحيتى الشرق والغرب، واحتفّ به من نجوم الأرض، وأفراد العصر، وأبناء الفضل، وفرسان الشّعر، من يربى عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقصّرون عنهم فى الأخذ برقاب القوافى، وملك رقّ المعانى، فإنّه لم يجتمع بباب أحد من الخلفاء والملوك، مثل ما اجتمع بباب الرشيد من فحولة الشعراء المذكورين، كأبى نواس، وأبى العتاهية، والعتّابىّ، والنّمرىّ، ومسلم بن الوليد، وأبى الشّيص، ومروان بن أبى حفصة، ومحمد ابن مناذر، وجمعت حضرة الصاحب بأصبهان والرّىّ وجرجان مثل أبى الحسن السّلامىّ، وأبى بكر الخوارزمىّ، وأبى طالب المأمونىّ، وأبى الحسن البديهىّ، وأبى سعيد الرّستمىّ، وأبى القاسم الزّعفرانىّ، وأبى العباس الضّبّىّ، وأبى الحسن بن عبد العزيز الجرجانىّ، وأبى القاسم ابن أبى العلاء، وأبى محمد الخازن، وأبى هاشم العلوىّ، وأبى الحسن الجوهرىّ، وبنى المنجّم، وابن بابك، وابن القاشانىّ، وأبى الفضل الهمذانىّ، وإسماعيل الشّاشىّ، وأبى العلاء الأسدىّ، وأبى الحسن الغويرىّ، وأبى دلف الخزرجىّ، وأبى حفص الشّهرزورىّ، وأبى معمر الإسماعيلىّ، وأبى الفيّاض الطّبرىّ، وغيرهم ممّن لم يبلغنى ذكره، أو ذهب عنى اسمه.
ومدحه مكاتبة: ابن الموسوىّ، وأبو إسحاق الصّابىّ، وابن الحجّاج، وابن سكّرة، وابن نباتة.
стр. 1121
وما أحس وأصدق قول الصّاحب، يعنى صاحب الترجمة (١):
إنّ خير المدّاح من مدحته … شعراء البلاد فى كلّ ناد
وكان أبو بكر الخوارزمىّ يقول (٢): إنّ مولانا الصّاحب، نشأ من الوزارة فى حجرها، ودبّ ودرج فى وكرها، ورضع أفاويق درّها، وورثها أباه، كما قال أبو سعيد الرّستمىّ:
ورث الوزارة كابرا عن كابر … موصولة الإسناد بالإسناد
/يروى عن العبّاس عبّاد وزا … رته وإسماعيل عن عبّاد
قال: ولمّا ملك فخر الدّولة، واستعفى الصّاحب من الوزارة، قال له: لك فى هذه الدّولة من إرث الوزارة، ما لنا فيه من إرث الإمارة، فسبيل كلّ منّا أن يحتفظ بحقّه.
وقال أبو عبد الله محمد بن حامد الحامدىّ (٣): عهدى بأبى محمد الخازن ماثلا بين يدى الصّاحب، ينشده قصيدة له فيه، أوّلها:
هذا فؤادك نهبى بين أهواء … وذاك رأيك شورى بين آراء (٤)
هواك بين العيون النّجل مقتسم … داء لعمرك ما أبلاه من داء
لا تستقرّ بأرض أو تسير إلى … أخرى بشخص قريب عزمه ناء
يوما بحزوى ويوما بالعقيق ويو … ما بالعذيب ويوما بالخليصاء
وتارة تنتحى نجدا وآونة … شعب الغوير ويوما قصر تيماء (٥)
قال: فرأيت الصّاحب مقبلا عليه بمجامعه، حسن الإصغاء إلى إنشاده، مستعيدا أكثر أبياته، مظهرا من الإعجاب والاهتزاز له ما يعجب الحاضرين، فلمّا بلغ قوله:
أدعى بأسماء نبزا فى قبائلها … كأنّ أسماء أضحت بعض أسمائى
стр. 1122
أطلعت شعرى وألقت شعرها طربا … فألّفا بين إصباح وإمساء
زحف على دسته طربا. فلما بلغ قوله فى المدح:
لو أنّ سحبان باراه لأسحبه … على خطابته أذيال فأفاء
أرى الأقاليم قد ألقت مقالدها … إليه مستبقات أىّ إلقاء
فساس سبعتها منه بأربعة … أمر ونهى وتثبيت وإمضاء
كذاك توحيده ألوى بأربعة … كفر وجبر وتشبيه وإرجاء
جعل يحرّك رأسه، ويستحسن ذلك، فلمّا أنشد:
نعم تجنّب «لا» يوم العطاء كما … تجنّب ابن عطاء لثغة الرّاء
استعاده وصفّق بيديه. ولمّا ختمها بهذه الأبيات:
أطرى وأطرب بالأشعار أنشدها … أحسن ببهجة إطرابى وإطرائى
ومن منائح مولانا مدائحه … لأنّ من زنده قدحى وإيرائى
فخذ إليك ابن عبّاد محبّرة … لا البحترىّ يدانيها ولا الطّائى
قال: أحسنت أحسنت، والله أنت. وتناول النّسخة، وتشاغل بإعادة نظره فيها، ثم أمر له بخلع وحملان وصلة وافرة.
وروى عن الصّاحب، أنّه قال (١): حضرت مجلس ابن العميد عشيّة من عشايا (٢) شهر رمضان، وقد حضره الفقهاء والمتكلّمون للمناظرة، وأنا إذ ذاك فى ريعان شبابى، فلمّا تقوّض المجلس، وانصرف القوم، وقد حلّ الإفطار، أنكرت ذلك فيما بينى وبين نفسى، واستقبحت إغفاله الأمر بتفطير الحاضرين، مع وفور رياسته، واتّساع حاله، واعتقدت أن لا أخلّ بما أخلّ به إذا قمت يوما مقامه. فقال النّاقل: فكان الصّاحب /لا يدخل عليه فى شهر رمضان بعد العصر (٣) كائنا من كان، فيخرج من داره إلاّ بعد الإفطار عنده، وكانت داره لا تخلو فى كلّ ليلة من ليالى شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها، وكانت صلاته وصدقاته وقرباته فى هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يطلق منها فى جميع شهور السنة.
стр. 1123
وعن أبى منصور الدّينورىّ، أنّه قال (١): أهدى العميرىّ قاضى قزوين، إلى الصّاحب كتبا، وكتب معها قوله:
العميرىّ عبد كافى الكفاة … ومن اعتدّ فى وجوه القضاة
خدم المجلس الرّفيع بكتب … مفعمات من حسنها مترعات
فوقّع تحت البيتين:
قد قبلنا من الجميع كتابا … ورددنا لوقتنا الباقيات (٢)
لست أستغنم الكبير فطبعى … قول خذ ليس مذهبى قول هات (٣)
وكتب إليه بعض العلويّة (٤)، يخبره بأنّه رزق مولودا، ويسأله أن يسمّيه ويكنّيه.
فوقّع فى رقعته: أسعدك الله بالفارس الجديد، والطالع السّعيد، فقد والله ملأ العين قرّة، والنفس مسرّة مستقرّة، والاسم علىّ؛ ليعلى الله ذكره، والكنية أبو الحسن، ليحسن الله أمره، فإنّى أرجو له فضل جدّه، وسعادة جدّه، وقد بعثت لتعويذه دينارا من مائة مثقال، قصدت به مقصد الفال، رجاء أن يعيش مائة عام، ويخلص خلاص الذّهب الإبريز من نوب الأنام، والسّلام.
وعن أبى النّصر العتبىّ، أنّه قال (٥): كتب بعض أصحاب الصّاحب رقعة إليه فى حاجة، فوقّع فيها، ولمّا ردّت إليه لم ير فيها توقيعا، وقد تواترت الأخبار بوقوع التّوقيع فيها، فعرضها على أبى العباس الضّبّىّ، فما زال يتصفّحها حتى عثر بالتّوقيع، وهو ألف واحدة، وكان فى الرّقعة: فإن رأى مولانا أن ينعم بكذا فعل. فأثبت الصّاحب أمام «فعل» ألفا، يعنى: «أفعل».
وقال أبو نصر سهل بن المرزبان (٦): كان الصّاحب إذا شرب ماء بثلج، أنشد على أثره:
стр. 1124
قعقعة الثّلج بماء عذب … تستخرج الحمد من اقصى القلب
ثم يقول: اللهمّ جدّد اللّعن على يزيد.
وانتحل (١) أحد المتشاعرين شعرا له، وبلغه ذلك، فقال: بلّغوه عنّى:
سرقت شعرى وغيرى … يضام فيه ويخدع
فسوف أجزيك صفعا … يكدّ رأسا وأخدع
فسارق المال يقطع … وسارق الشّعر يصفع
فلما سمع المنتحل ذلك، اتخذ الليل جملا، وهرب من الرّىّ.
وعن القاضى أبى الحسن على بن عبد العزيز الجرجانىّ (٢)، أنّه قال: إنّ الصّاحب كان يقسم لى من إقباله وإكرامه بجرجان، أكثر ممّا يتلقّانى به فى سائر البلاد، وقد استعفيت يوما من فرط تحفّيه بى، وتواضعه لى، فأنشدنى:
أكرم أخاك بأرض مولده … وأمدّه من فعلك الحسن
/فالعزّ مطلوب وملتمس … وأعزّه ما نيل فى الوطن
ثم قال لى: قد فرغت من هذا المعنى فى العينيّة. فقلت: لعلّ مولانا يريد قولى:
وشيّدت مجدى بين قومى فلم أقل … ألا ليت قومى يعلمون صنيعى
فقال: ما أردت غيره. والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٣).
وعن عون الهمذانىّ، قال (٤): أتى الصّاحب بغلام مثاقف، فلعب بين يديه، فاستحسن صورته، وأعجب بمثاقفته، فقال لأصحابه: قولوا فى وصفه. فلم يصنعوا شيئا، فقال الصّاحب، رحمه الله تعالى:
ومثاقف فى غاية الحذق … فاق حسان الغرب والشرق
стр. 1125
شبّهته والسّيف فى كفّه … بالبدر إذ يلعب بالبرق
ومن شعر الصّاحب، ما أنشده أبو سعد بن دوست الفقيه، وهو (١):
كم نعمة عندك موفورة … لله فاشكر يا ابن عبّاد
قم فالتمس زادك وهو التّقى … لن تسلك الطّرق بلا زاد
ولمّا أتت الصّاحب البشارة بسبطه أبى الحسن عبّاد بن على الحسنىّ، أنشأ يقول (٢):
أحمد الله لبشرى … أقبلت عند العشىّ
إذ حبانى الله سبطا … هو سبط للنّبىّ
مرحبا ثمّت أهلا … بغلام هاشمىّ
نبوىّ علوىّ … حسنىّ صاحبىّ
ثم قال:
الحمد لله حمدا دائما أبدا … إذ صار سبط رسول الله لى ولدا
فقال أبو محمد الخازن قصيدة على وزنه ورويّه، أوّلها:
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا … وكوكب المجد فى أفق العلا صعدا
وقد تفرّغ فى أرض الوزارة عن … دوح الرّسالة غصن مورق رشدا
لله أيّة شمس للعلا ولدت … نجما وغابة عزّ أطلعت أسدا
وعنصر من رسول الله واشجه … كريم عنصر إسماعيل فاتّحدا
وبضعة من أمير المؤمنين زكت … أصلا وفرعا وصحّت لحمة وسدى
ومثل هذى السّعادات القويّة لا … يحوزها غيره دامت له أبدا
يا دهره حقّ أن تزهى بمولده … فمثله منذ كان الدّهر ما ولدا
تعجّبوا من هلال العيد يطلع فى … شعبان أمر عجيب قطّ ما عهدا
فمن موال يوالى الحمد مبتهلا … ومخلص يستديم الشكر مجتهدا
وكادت الغادة الهيفاء من طرب … تعطى مبشّرها الإرهاف والغيدا