← Тараджим

Тараджим · id 322

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي

Полный текст (1 429 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال محمّد بن بشر: كنت أختلف إلى أبى حنيفة، وإلى سفيان، فآتى أبا حنيفة فيقول لى: من أين جئت؟. فأقول: من عند سفيان. فيقول: لقد جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا إلى مثله. فآتى سفيان، فيقول لى: من أين جئت؟. فأقول: من عند أبى حنيفة. فيقول: لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض. وقال أبو نعيم (١): كان أبو حنيفة صاحب غوص فى المسائل. وعن أبى عبد الله الكاتب، قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبىّ (٢) يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبى حنيفة فى صلواتهم. قال: وذكر حفظه عليهم السّنن والفقه. وقال شدّاد بن حكيم: ما رأيت أعلم من أبى حنيفة. وقال مكّىّ بن إبراهيم (٣): كان أبو حنيفة أعلم أهل زمانه. وقال النّضر بن شميل: كان الناس نياما عن الفقه، حتى أيقظهم أبو حنيفة؛ فيما فتّقه وبيّنه ولخّصه. وحدّث أحمد بن على بن سعيد القاضى، قال سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت

стр. 107

يحيى بن سعيد القطّان، يقول: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأى أبى حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب فى الفتوى إلى قول الكوفيّين، ويختار من قولهم قوله، ويتبع رأيه من بين أصحابه. وقال الإمام الشافعىّ (١): الناس عيال على أبى حنيفة فى الفقه. وقال أيضا: ما رأيت أفقه من أبى حنيفة. يعنى ما علمت (٢). وقال (٣): كان أبو حنيفة ممّن وفّق له الفقه، ومن أراد أن يتبحّر فى الشّعر فهو عيال على زهير بن أبى سلمى، ومن أراد أن يتبحّر فى المغازى فهو عيال على محمّد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحّر فى النحو فهو عيال على الكسائىّ، ومن أراد أن يتبحّر فى تفسير القرآن فهو عيال على مقاتل بن سليمان. وعن حرملة (٤)، أنه قال: سمعت الشافعىّ، يقول: الناس عيال على هؤلاء الخمسة. وعن الحسن بن عثمان (٤)، أنه كان يقول: وجدت العلم بالعراق والحجاز ثلاثة، علم أبى حنيفة، وتفسير الكلبىّ، ومغازى محمّد بن إسحاق. وعن أحمد بن عطيّة (٤)، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: القراءة عندى قراءة حمزة، والفقه فقه أبى حنيفة، على هذا أدركت الناس. (٥) وعن أبى علىّ الجبّائىّ المعتزلىّ المشهور، أنه قال: الحديث لأحمد بن حنبل، والفقه لأصحاب أبى حنيفة، والكلام للمعتزلة، والكذب للرّافضة (٥). وقال جعفر بن ربيع (٦): أقمت على أبى حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتا

стр. 108

منه، فإذا سئل عن شئ من الفقه تفتّح وسال كالوادى، وسمعت له دويّا، وجهارة بالكلام. وقال إبراهيم بن عكرمة المخزومىّ (١): ما رأيت أحدا أورع، ولا أفقه من أبى حنيفة. وعن علىّ بن عاصم (٢)، قال: دخلت على أبى حنيفة وعنده حجّام يأخذ من شعره، فقال للحجّام: تتبّع موضع البياض. فقال الحجّام: لا، فإنه يكثر. قال: فتتبّع مواضع السّواد، لعلّه يكثر. وبلغت هذه الحكاية شريكا، فضحك، وقال: لو ترك قياسه لتركه مع الحجّام. *وروى الخطيب فى «تاريخه» (٣)، عن محمد بن فضيل الزّاهد، قال: سمعت أبا مطيع، يقول: مات رجل/وأوصى إلى أبى حنيفة وهو غائب. قال: فقدم أبو حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة، وادّعى الوصيّة، وأقام البيّنة، أن فلانا مات وأوصى إليه. فقال ابن شبرمة: يا أبا حنيفة، احلف أنّ شهودك شهدوا بحقّ. قال: ليس علىّ يمين. قال: ضلّت مقاييسك (٤) يا أبا حنيفة. قال أبو حنيفة: بل (٥) ضلّت مقاييسك أنت (٥)، ما تقول فى أعمى شجّ، فشهد له شاهدان أن فلانا شجّه، هل (٦) على الأعمى يمين أن شهوده شهدوا بالحق، وهو لا يرى؟ (٦) فانقطع ابن شبرمة (٦).

стр. 109

*وروى الخطيب أيضا (١)، عن النّضر بن محمّد، قال: دخل قتادة الكوفة، ونزل فى دار أبى بردة، فخرج يوما، وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذى لا إله إلا هو، ما يسألنى اليوم أحد عن الحلال والحرام إلا أجبته. فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطّاب، ما تقول فى رجل غاب عن أهله أعواما، فظنّت امرأته أن زوجها مات، فتزوّجت، ثم رجع زوجها الأوّل، ما تقول فى صداقها؟ وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدّث بحديث ليكذبنّ، وإن قال برأى نفسه ليخطئنّ. فقال قتادة: ويلك، أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا. قال: فلم تسألنى عمّا لم يقع؟ فقال أبو حنيفة: إنا نستعدّ للبلاء قبل نزوله، فإذا وقع عرفنا الدّخول فيه والخروج منه. قال قتادة: والله لا أحدّثكم بشئ من الحلال والحرام، سلونى عن التفسير. *فقام إليه أبو حنيفة، فقال له: يا أبا الخطّاب: ما تقول فى قول الله تعالى (٢): ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)؟﴾. قال: نعم، هذا آصف بن برخيا بن شمعيا، كاتب سليمان بن داود، وكان يعرف اسم الله الأعظم. فقال أبو حنيفة: وهل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال: لا.

стр. 110

قال: فيجوز أن يكون فى زمان نبىّ من هو أعلم من النبىّ؟ قال: فقال قتادة: والله لا أحدّثكم بشئ من التفسير، سلونى عمّا اختلف فيه العلماء. *قال: فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطّاب، أمؤمن أنت؟ قال: أرجو. قال: ولم؟ قال: لقول إبراهيم ﵊ (١): ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. فقال أبو حنيفة: فهلا قلت كما قال إبراهيم، ﵊ (٢): ﴿قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى﴾. قال: فقام قتادة مغضبا، ودخل الدّار، وحلف أن لا يحدّثهم. وروى الخطيب أيضا (٣)، عن الفضل بن غانم، قال: كان أبو يوسف مريضا شديد المرض، فعاده أبو حنيفة مرارا، فصار إليه آخر مرّة، فرآه ثقيلا، فاسترجع، ثم قال: لقد كنت أؤمّلك بعدى للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتنّ علم كثير. ثم رزق العافية، وخرج من العلّة، فأخبر أبو يوسف بقول أبى حنيفة فيه، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه، فعقد لنفسه مجلسا فى الفقه، وقصّر عن لزوم مجلس أبى حنيفة، فسأل عنه، فأخبر أنه عقد لنفسه مجلسا، وأنه بلغه كلامك فيه. *فدعا رجلا كان له عنده قدر، فقال: صر إلى مجلس يعقوب، فقل له: ما تقول فى رجل دفع إلى قصّار ثوبا ليقصره بدرهم (٤)، فصار إليه بعد أيّام فى طلب الثوب، فقال له

стр. 111

القصّار: مالك عندى شئ. وأنكره، ثم إن ربّ الثّوب رجع إليه، فدفع إليه الثّوب مقصورا، أله أجره؟. فإن قال: له أجره، فقل: أخطأت. وإن قال: لا أجر له. فقل: أخطأت. فصار إليه، فسأله، فقال أبو يوسف: له الأجرة. فقال: أخطأت/. فنظر ساعة، ثم قال: لا أجرة له. فقال: أخطأت. فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة، فقال له، ما جاء بك إلا مسألة القصّار. قال: أجل. فقال: سبحان الله، من قعد يفتى الناس، وعقد مجلسا يتكلّم فى دين الله، وهذا قدره، لا يحسن أن يجيب (١) فى (٢) مسألة من الإجارات! فقال: يا أبا حنيفة، علّمنى. فقال: إن قصره بعد ما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصر لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه، فله الأجرة، لأنه قصره لصاحبه. ثم قال: من ظنّ أن يستغنى عن التعلّم فليبك على نفسه. *وحدّث الحسن بن زياد اللّؤلؤىّ (٣)، قال: كانت هنا امرأة يقال لها أمّ عمران مجنونة، وكانت جالسة فى الكناسة، فمرّ بها رجل فكلّمها بشئ، فقالت له: يا ابن الزّانيتين. وابن أبى ليلى حاضر، فسمع ذلك، فقال للرّجل: أدخلها علىّ المسجد. وأقام عليها حدّين، حدّا لأبيه وحدّا لأمّه.

стр. 112

فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ فيها فى ستّة مواضع؛ أقام الحدّ فى المسجد، ولا تقام الحدود فى المساجد، وضربها قائمة، والنّساء يضربن قعودا، وضرب لأبيه حدّا، ولأمّه حدّا، ولو أن رجلا قذف جماعة كان عليه حدّ واحد، وجمع بين الحدّين، ولا يجمع بين حدّين، حتى يخفّ (١) أحدهما، والمجنونة ليس عليها حدّ، وحدّ لأبويه، وهما غائبان، لم يحضرا فيدّعيان. فبلغ ذلك ابن أبى ليلى، فدخل على الأمير، فشكا إليه أبا حنيفة، فحجر عليه، وقال: لا يفتى. فلم يفت أيّاما، حتى قدم رسول من ولىّ العهد، فأمر أن يعرض على أبى حنيفة مسائل حتى يفتى فيها، فأبى أبو حنيفة، وقال: أنا محجور علىّ. فذهب الرّسول إلى الأمير، فقال الأمير: قد أذنت له. فقعد فأفتى. فصل فى ذكر ما نقل فى حقّ (٢) الإمام، رضى الله تعالى عنه (٣) من أنه (٣) كان من كبار الحفّاظ للحديث الشريف، وكان مقبول القول فى الجرح والتّعديل، وفى (٤) ذكر طائفة ممّن روى عن الإمام، وروى الإمام عنه، وأنه كان من كبار (٥) الثّقات، وثقات الكبار، رضى الله تعالى عنه (٥) قال الخطيب فى تاريخه (٦): النعمان بن ثابت، أبو حنيفة، التّيمىّ، رأى أنس بن مالك، ﵁، وسمع عطاء بن أبى رباح، وأبا إسحاق السّبيعىّ، ومحارب بن دثار،

стр. 113

وحمّاد بن أبى سليمان، والهيثم بن حبيب الصّرّاف (١)، وقيس بن مسلم، ومحمّد بن المنكدر، ونافعا مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، ويزيد الفقير، وسماك بن حرب، وعلقمة بن مرثد، وعطيّة العوفىّ، وعبد العزيز بن رفيع (٢)، وعبد الكريم أبا أميّة، وغيرهم. وروى عنه أبو يحيى الحمّانىّ، وهشيم بن بشير، وعبّاد بن العوّام، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجرّاح، ويزيد بن هارون، وعلىّ بن عاصم، ويحيى بن نصر بن حاجب، وأبو يوسف القاضى، ومحمّد بن الحسن الشّيبانىّ، وعمرو بن محمد العنقزىّ (٣)، وهوذة بن خليفة، وأبو عبد الرحمن المقرى (٤)، وعبد الرزّاق بن همّام، فى آخرين لا يحصون. وقال فى «الجواهر (٥)»، نقلا عن «كتاب التعليم»: إنه روى عن أبى حنيفة، ونقل مذهبه، نحو من أربعة آلاف نفر. وقال أبو إسحاق الشّيرازىّ (٦): كان فى زمنه أربعة من الصّحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبى أوفى (٧) /، وسهل بن سعد (٨)، وأبو الطّفيل (٩)، ولم يأخذ عن أحد منهم. وكان أبو حنيفة ممّن تلقّى عنه الحفّاظ، وعملوا بقوله فى الجرح والتعديل، كتلقّيهم عن الإمام أحمد، والبخارىّ، وابن معين، وابن المدينىّ، وغيرهم من شيوخ الفنّ. وعن يحيى الحمّانىّ، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: ما رأيت أكذب من جابر الجعفىّ، ولا أفضل من عطاء بن أبى رباح.

стр. 114

وعن عبد الحميد الحمّانىّ: سمعت أبا سعيد الصّنعانىّ (١) وقام (٢) إلى أبى حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول فى الأخذ عن الثّورىّ. فقال: اكتب عنه، فإنه ثقة، ما خلا أحاديث أبى إسحاق عن الحريث، وحديث جابر الجعفىّ. وقال أبو حنيفة: طلق بن حبيب كان يرى القدر. وقال: زيد بن عيّاش ضعيف. وعن سفيان بن عيينة، قال: أوّل من أقعدنى للحديث أبو حنيفة، قدمت الكوفة، فقال أبو حنيفة: إن هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار. فاجتمعوا علىّ، فحدّثتهم. وقال أبو سليمان الجوزجانىّ: سمعت حمّاد بن زيد، يقول: ما عرفنا كنية عمرو بن دينار إلا بأبى حنيفة، كنا فى المسجد الحرام، وأبو حنيفة مع عمرو بن دينار، فقلنا له: يا أبا حنيفة، كلّمه يحدّثنا. فقال: يا أبا محمّد، حدّثهم (٣). وقال أبو حنيفة: لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس بابا إلى علم الكلام. وقال: قاتل الله جهم بن صفوان، ومقاتل بن سليمان، هذا أفرط فى النّفى، وهذا أفرط فى التّشبيه. *وعن أبى يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغى للرّجل أن يحدّث من الحديث إلاّ بما حفظه من يوم سمعه إلى يوم يحدّث به. قال صاحب «الجواهر (٤)»: ولكنّ أكثر الناس على خلاف هذا، ولهذا قلّت رواية أبى حنيفة، لهذه العلّة، لا لعلّة أخرى زعمها المتحمّلون عليه.

стр. 115

وسئل يحيى بن معين، عن أبى حنيفة، فقال: هو ثقة، ما سمعت أحدا ضعّفه، هذا شعبة بن الحجّاج يكتب إليه أن يحدّث بأمره، وشعبة شعبة (١)!!. وقيل له (٢): يا أبا زكريّا، أبو حنيفة كان يصدق فى الحديث؟. فقال: نعم، صدوق. وأثنى عليه ابن المدينىّ. وكان شعبة حسن الرّأى فيه، وشعبة أوّل من تكلّم فى (٣) الرّجال. وقال ابن عبد البرّ (٤): الذين رووا عن أبى حنيفة، ووثّقوه، وأثنوا عليه، أكثر من الذين تكلّموا فيه، والذين تكلّموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه الإغراق فى الرّأى والقياس. قال: وكان يقال: يستدلّ على نباهة الرّجل من الماضين بتباين الناس فيه. قالوا: ألا ترى إلى علىّ بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنه، أنه هلك فيه فتيان؛ محبّ أفرط، ومبغض أفرط. وقد جاء فى الحديث: «إنّه يهلك فيه رجلان (٥) محب مطر، ومبغض مفتر (٥)». قال: وهذه صفة أهل النّباهة، ومن بلغ فى الفضل والدّين الغاية. ***

стр. 116

فصل فى ذكر عبادته، وورعه، وثناء الناس عليه بذلك (١) عن يحيى بن معين (٢)، أنه قال: سمعت يحيى القطّان، يقول: جالسنا، والله، أبا حنيفة، وسمعنا منه، وكنت والله إذا نظرت إليه عرفت فى وجهه أنه يتّقى الله . وعن الحسن بن محمّد اللّيثىّ (٣) أنّه كان يقول: قدمت الكوفة، فسألت عن أعبد أهلها، فدفعت إلى أبى حنيفة، ثم قدمتها وأنا شيخ، فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى أبى حنيفة. وعن سويد بن سعيد، قال: سمعت سفيان بن عيينة، يقول: ما قدم رجل/مكة فى وقتنا أكثر صلاة من أبى حنيفة. وقال أبو مطيع (٣): كنت بمكّة، فما دخلت الطّواف فى ساعة من ساعات الليل إلاّ رأيت أبا حنيفة وسفيان فى الطّواف. وقال يحيى بن أيّوب الزّاهد (٣): كان أبو حنيفة لا ينام الليل. وقال أبو عاصم النّبيل (٤): كان أبو حنيفة يسمّى الوتد؛ لكثرة صلاته. وعن أسد بن عمرو (٥)، قال: صلّى أبو حنيفة-فيما حفظ عليه-صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، فكان عامّة الليل يقرأ القرآن جميعه فى ركعة واحدة، وكان يسمع بكاؤه بالليل حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن فى الموضع الذى توفّى فيه سبعة آلاف مرّة.

стр. 117

وعن إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة (١)، عن أبيه قال: لما مات أبى سألنا الحسن بن عمارة أن يتولّى غسله، ففعل فلما غسّله، قال: رحمك الله، وغفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسّد يمينك باللّيل أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القرّاء. وعن أبى يوسف (٢)، قال: بينا أنا أمشى مع أبى حنيفة، إذ سمع رجلا يقول لرجل: هذا أبو حنيفة، لا ينام الليل. فقال أبو حنيفة: والله، لا يتحدّث عنّى بما لا أفعل. فكان يحيى الليل صلاة، ودعاء، وتضرّعا. وعن ابن أبى معاذ (٣)، عن مسعر بن كدام، قال: أتيت أبا حنيفة فى مسجده، فرأيته يصلّى الغداة، ثم يجلس للناس فى العلم، إلى أن يصلّى الظّهر، ثم يجلس إلى العصر، فإذا صلّى العصر جلس إلى المغرب، فإذا صلّى المغرب جلس إلى أن يصلّى العشاء، فقلت فى نفسى: هذا الرجل فى هذا الشّغل، متى يتفرّغ للعبادة؟، لأتعاهدنّه الليلة. قال: فتعاهدته، فلما هدأ الناس، خرج إلى المسجد، فانتصب للصّلاة إلى أن طلع الفجر، ودخل منزله، ولبس ثيابه، وخرج إلى المسجد، وصلّى الغداة، فجلس للناس إلى الظهر، ثم إلى العصر، ثم إلى المغرب، ثم إلى العشاء. فقلت فى نفسى إن الرّجل قد تنشّط الليلة الماضية للعبادة، لأتعاهدنّه الليلة، فتعاهدته، فلما هدأ الناس خرج فانتصب للصّلاة، ففعل كفعله فى الليلة الأولى، فلما أصبح خرج إلى الصّلاة، وفعل كفعله فى يوميه، حتى إذا صلّى العشاء، قلت فى نفسى: إن الرّجل لينشط الليلة والليلة، لأتعاهدنّه. ففعل كفعله فى ليلتيه، فلما أصبح جلس كذلك، فقلت فى نفسى: لألزمنّه إلى أن أموت أو يموت. قال: فلازمته فى مسجده.

стр. 118

قال ابن أبى معاذ: فبلغنى أن مسعرا مات فى مسجد أبى حنيفة فى سجوده، رحمه الله تعالى. وكان خارجة بن مصعب، يقول: ختم القرآن فى الكعبة أربعة من الأئمة: عثمان بن عفّان، وتميم الدّارىّ، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة، رضى الله تعالى عنهم. وكان أبو حنيفة ربّما ختم القرآن فى شهر رمضان ستين ختمة (١). وحدّث أحمد بن يونس (٢)، قال: سمعت زائدة، يقول: صلّيت مع أبى حنيفة فى مسجده عشاء الآخرة، وخرج الناس، ولم يعلم أنّى فى المسجد، وأردت أن أسأله عن مسألة، من حيث لا يراني أحد، قال: فقام فقرأ، وقد افتتح الصّلاة، حتى إذا بلغ إلى هذه الآية (٣): ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾. فأقمت فى المسجد أنتظر فراغه، فلم يزل يردّدها حتى أذّن المؤذّن لصلاة الفجر. وروى عن يزيد بن الكميت (٤)،/وكان من خيار الناس، أنه كان يقول: كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا علىّ بن الحسن المؤذّن ليلة فى عشاء الآخرة (إذا زلزلت)، وأبو حنيفة خلفه، فلمّا قضى الصّلاة، وخرج الناس، نظرت إلى أبى حنيفة وهو جالس يفكّر، ويتنفّس، فقلت: أقوم، لا يشتغل قلبه. فلما خرجت تركت القنديل، ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر، وهو قائم، قد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: «يا من يجزى بمثقال ذرّة خيرا خيرا، ويا من يجزى بمثقال ذرّة شرّا شرّا، أجر النعمان عبدك من النار، وما يقرب منها من السّوء، وأدخله فى سعة رحمتك». قال: فأذّنت، فإذا القنديل يزهو وهو قائم، فلما دخلت، قال لى: تريد أن تأخذ القنديل؟

стр. 119

قال: قلت قد أذّنت لصلاة الغداة. قال: اكتم علىّ ما رأيت. وركع ركعتى الفجر، وجلس حتى أقمت الصّلاة، وصلّى معنا الغداة على وضوء أوّل اللّيل. انتهى. وقام (١) رضى الله تعالى عنه ليلة بهذه الآية (٢): ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ يردّدها، ويبكى، ويتضرّع. وكان رحمه الله تعالى-كما قال ابن المبارك-أورع أهل الكوفة. وروى (٣) أنه كان شريكا لحفص بن عبد الرحمن، وكان أبو حنيفة يجهّز إليه الأمتعة، وهو يبيع، فبعث إليه فى رقعة بمتاع، وأعلمه أن فى ثوب كذا وكذا عيبا، فإذا بعته، فبيّن. فباع حفص المتاع، ونسى أن يبيّن، ولم يعلم ممّن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدّق بثمن المتاع كلّه. وروى أيضا (٤)، عن أبى عبد الرحمن المسعودىّ، عن أبيه، قال: ما رأيت أحسن أمانة من أبى حنيفة، مات يوم مات، وعنده ودائع بخمسين ألفا، ما ضاع منها ولا درهم واحد. ونقل (٤) أنّ أبا جعفر المنصور أجازه بثلاثين ألف درهم فى دفعات، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّى ببغداد غريب، وعندى للناس ودائع، وليس لها عندى موضع، فاجعلها فى بيت المال. فأجابه المنصور إلى ذلك، فدفع إليه الثلاثين ألفا، ووضعها فى بيت المال، فلما مات أبو حنيفة أخرجت ودائع الناس من بيته. فقال المنصور: خدعنا أبو حنيفة.

стр. 120

وكان (١) رحمه الله تعالى، قد جعل على نفسه أن لا يحلف بالله فى عرض كلامه إلا تصدّق بدرهم، فحلف فتصدّق به، ثم جعل على نفسه إن حلف أن يتصدّق بدينار، فكان إذا حلف صادقا فى عرض كلامه تصدّق بدينار. وكان (١) إذا أنفق على عياله نفقة تصدّق بمثلها، وإذا اكتسى ثوبا جديدا أكسى بقدر ثمنه الشيوخ العلماء. وكان (١) إذا وضع بين يديه الطعام أخذ منه فوضعه على الخبز، حتى يأخذ منه بقدر ضعف ما كان يأكل، ثم يعطيه لإنسان فقير، فإن كان فى الدّار من عياله إنسان يحتاج إليه، دفعه إليه، وإلاّ أعطاه مسكينا. وقال وكيع (٢): كان، والله، أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله فى قلبه جليلا كبيرا عظيما، وكان يؤثر رضاء ربّه على كلّ شئ، ولو أخذته السّيوف فى الله لاحتمل، رحمه الله تعالى، ورضى عنه رضى الأبرار، فلقد كان منهم. وقال ابن المبارك (٣): ما رأيت أحدا أورع من أبى حنيفة، وقد (٤) جرّب بالسّياط والأموال. فصل فى بيان ما روى/وصحّ عن أبى حنيفة من إرادتهم إيّاه على القضاء وامتناعه من قبوله، وضربهم إيّاه بالسّياط على ذلك رحمه الله تعالى روى الخطيب (٥) بسنده، أن ابن هبيرة (٦) كلّم أبا حنيفة أن يلى قضاء الكوفة، فأبى

стр. 121

عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلمّا رأى ذلك خلّى سبيله. وكان ابن هبيرة إذ ذاك عامل مروان على العراق، فى زمان بنى أميّة. وروى الخطيب أيضا (١)، أنه كان يخرجه كلّ يوم، أو بين الأيّام، فيضرب، ليدخل فى القضاء، فيأبى. ولقد بكى فى بعض الأيّام، فلما أطلق، قال: كان غمّ والدتى أشدّ علىّ من الضّرب. وكان أحمد بن حنبل (١) إذا ذكر له ذلك بكى، وترحّم عليه، خصوصا بعد أن ضرب هو أيضا. وروى عن إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة، أنه قال: مررت مع أبى بالكناسة (٢)، فبكى، فقلت: ما يبكيك يا أبت؟ قال: يا بنىّ، فى هذا الموضع ضرب ابن هبيرة أبى عشرة أيّام، فى كل يوم عشرة أسواط، على أن يلى القضاء، فلم يفعل. وروى الخطيب (٣) بسنده، عن بشر بن الوليد الكندىّ، قال: أشخص أبو جعفر المنصور أبا حنيفة من الكوفة، فأراده على أن يولّيه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل (٣)، فحلف المنصور ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل (٤)، فقال الربيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف! فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفّارة أيمانه أقدر منّى على كفّارة أيمانى. فأبى أن يلى، فأمر به إلى الحبس فى الوقت.

стр. 122

وروى (١) أنّ أبا جعفر المنصور بعد أن حبسه دعاه يوما، وقال له: أترغب عن ما نحن فيه؟. فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، لا أصلح للقضاء. فقال له: كذبت. ثم عرض عليه الثانية، فقال أبو حنيفة: قد حكم علىّ أمير المؤمنين أنّى لا أصلح للقضاء، لأنّه نسبنى إلى الكذب، فإن كنت كاذبا فلا أصلح، وإن كنت صادقا فقد أخبرت أمير المؤمنين أنّى لا أصلح. فلم يقبل منه وردّه إلى الحبس، فأقام به إلى أن مات فيه، على الصحيح من الرّوايات. وحدّث عبّاس الدّورىّ (٢)، قال: حدّثونا عن المنصور، أنه لما بنى مدينته، ونزلها، ونزل المهدىّ فى الجانب الشّرقىّ، وبنى مسجد الرّصافة، أرسل إلى أبى حنيفة، فجئ به، فعرض عليه قضاء الرّصافة، فأبى. فقال: إن لم تفعل ضربتك بالسّياط. قال: أو تفعل؟! قال: نعم. فقعد فى القضاء يومين فلم يأته أحد، فلما كان فى اليوم الثالث أتاه رجل صفّار ومعه آخر، فقال الصّفار: لى على هذا درهمان وأربعة دوانيق، ثمن تور (٣) صفر. فقال أبو حنيفة: اتّق الله، وانظر فيما يقول الصفّار. قال: ليس له علىّ شئ. فقال أبو حنيفة للصّفّار: ما تقول؟

стр. 123

قال: استحلفه. فقال أبو حنيفة للرجل: قل والله الذى لا إله إلا هو. فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة عازما على أن يحلف، قطع عليه، وضرب بيده إلى كمّة فحلّ صرّة، وأخرج درهمين ثقيلين، فقال للصّفّار: هذان عوض من باقى تورك. فنظر الصّفّار إليهما، وقال: نعم. فأخذ الدّرهمين. فلما كان بعد يومين، اشتكى أبو حنيفة، فمرض ستة أيّام، ثم مات، رحمه الله تعالى، ورضى عنه. قال عبّاس: وهذا قبره فى مقابر الخيزران/إذا دخلت من باب القطّانين يسرة، بعد قبرين أو ثلاثة. وقيل (١): إن المنصور أقدمه بغداد لأمر آخر غير القضاء. وقيل (٢): إنه أقام بعد قدومه إلى بغداد خمسة عشر يوما، ثمّ سقاه المنصور، فمات، رحمه الله تعالى، ورضى الله عنه، وذلك فى سنة خمسين ومائة، وله من العمر سبعون سنة. فصل فى ذكر جود أبى حنيفة، وسماحه، وحسن عهده، رضى الله تعالى عنه عن قيس بن الرّبيع (٣)، قال: كان أبو حنيفة رجلا ورعا فقيها محسودا، وكان كثير الصّلة والبرّ لكل من لجأ إليه، كثير الإفضال على إخوانه.

стр. 124

وقال أيضا: كان أبو حنيفة من عقلاء الرّجال، وكان يبعث بالبضائع إلى بغداد، يشترى (١) بها الأمتعة، ويحملها إلى الكوفة، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشترى بها حوائج الأشياخ المحدّثين وأقواتهم، وكسوتهم، وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقى الدّنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا فى حوائجكم، ولا تحمدوا إلاّ الله؛ فإنى ما أعطيتكم من مالى شيئا، ولكن من فضل الله علىّ فيكم، وهذه أرباح بضاعتكم؛ فإنه هو والله ممّا يجريه الله لكم على يدى فما فى رزق الله حول لغيره. وحدّث حجر بن عبد الجبّار (١)، قال: ما رأى الناس أكرم مجالسة من أبى حنيفة، ولا أكثر إكراما لأصحابه. وقال حفص بن حمزة القرشىّ: كان أبو حنيفة ربّما مرّ به الرّجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده. وكان أكرم الناس مجالسة. وروى (٢) أنه رأى على بعض جلسائه ثيابا رثّة، فأمره فجلس حتى تفرّق الناس، وبقى وحده. فقال له: ارفع المصلّى، وخذ ما تحته. فرفع الرجل المصلّى وكان تحته ألف درهم. فقال له: خذ هذه الدّراهم فغيّر بها من حالك. فقال الرجل: إنّي موسر، وأنا فى نعمة، ولست أحتاج إليها. فقال له: أما بلغك الحديث: «إنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده»، فينبغى لك أن تغيّر حالك، حتى لا يغتمّ صديقك. وروى (٣) أن امرأة جاءت إلى أبى حنيفة تطلب منه ثوب خزّ، فأخرج لها ثوبا. فقالت له: إنّى امرأة ضعيفة، وإنها أمانة فبعنى هذا الثوب بما يقوم عليك.

стр. 125

فقال: خذيه بأربعة دراهم. فقالت: لا تسخر بى، وأنا امرأة عجوز كبيرة. فقال: إنّي اشتريت ثوبين، فبعت أحدهما برأس المال إلاّ أربعة دراهم، فبقى هذا يقوم علىّ بأربعة دراهم. وجاء إليه يوما رجل (١)، فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خزّ. فقال: ما لونه؟ قال: كذا، وكذا. فقال له: اصبر حتى يقع، وآخذه لك، إن شاء الله تعالى. فما دارت الجمعة حتى وقع، فمرّ به الرجل، فقال: قد وقعت حاجتك، وأخرج إليه الثوب، فأعجبه، فقال: يا أبا حنيفة، كم أزن (٢)؟ قال: درهما. فقال الرجل: يا أبا حنيفة ما كنت أظنّك تهزأ! قال: ما هزأت، إنّي اشتريت ثوبين بعشرين دينارا ودرهم، وإنّي بعت أحدهما بعشرين دينارا، وبقى هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق. ومن المشهور (٣) عن مروءته، ووفائه ورعايته حقّ الجوار، ما روى أنّه كان له جار بالكوفة/إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنّه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل معه لحما فطبخه أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دبّ الشراب فيه غنىّ بصوت، وهو يقول. (٤) أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر

стр. 126

فلا يزال يشرب ويردّد هذا البيت، حتى يأخذه النوم. وكان أبو حنيفة يصلّى الليل كلّه، ففقد صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال، وهو محبوس. فصلّى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلة، واستأذن على الأمير. فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط. ففعل، فلم يزل الأمير يوسع له فى مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ قال: لى جار إسكاف، أخذه العسس منذ ليال، ويأمر الأمير بتخليته. فقال: نعم، وكلّ من أخذ فى تلك الليلة إلى يومنا هذا. فأمر بتخليتهم أجمعين. فركب أبو حنيفة، والإسكاف يمشى وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه، فقال: يا فتى، هل أضعناك؟. فقال: لا، بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيرا عن حرمة الجوار، ورعايته (١). وتاب الرجل، ولم يعد إلى ما كان عليه، ببركة الإمام، رضى الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلّبه ومثواه، (٢) ونفعنا ببركاته، وبركات علومه فى الدنيا والآخرة (٢). فصل فى ذكر ما كان عليه أبو حنيفة من حسن الاعتقاد ووفور العقل، والفطنة، والذكاء المفرط (٣)، والتلطّف فى الجواب، وبرّه لوالديه، ﵁ روى الخطيب (٤) بسنده، عن يحيى بن نصر، قال: كان (٥) أبو حنيفة يفضّل أبا بكر

стр. 127

وعمر، ويحبّ عليّا وعثمان، وكان يؤمن بالأقدار، ولا يتكلّم فى القدر، وكان يمسح على الخفّين، وكان من أعلم الناس فى زمانه وأتقاهم. *وعن أبى يوسف، عن أبى حنيفة، أنه قال: من قال: القرآن مخلوق (١) فهو مبتدع، فلا يقولنّ أحد بقوله، ولا يصلّينّ أحد خلفه. وروى (٢) أن ابن المبارك قدم على أبى حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا (٣) الذى دبّ فيكم؟ قال له: رجل يقال له جهم. قال: وما يقول؟ قال: يقول القرآن مخلوق. فقال أبو حنيفة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً ٤﴾. وكان معلّى بن منصور (٥) الرّازىّ، يقول: ما تكلّم أبو حنيفة، ولا أبو يوسف، ولا زفر، ولا محمّد، ولا أحد من أصحابهم فى القرآن، وإنّما تكلّم بشر المريسىّ، وابن أبى دواد. وعن ابن المبارك (٦): قلت لسفيان الثّورىّ، يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، وما سمعته يغتاب عدوّا له قطّ. قال: هو والله أعقل من أن يسلّط على حسناته ما يذهب بها. وكان علىّ بن عاصم، يقول: لو وزن عقل أبى حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح

стр. 128

بهم. وقال خارجة (١) بن مصعب: لقيت ألفا من العلماء فوجدت العاقل فيهم أربعة. فذكر أبا حنيفة فى الثلاثة أو الأربعة. وقال أيضا (٢): من لا يرى المسح على الخفّين، أو يقع فى أبى حنيفة، فهو ناقص العقل. وكان يزيد بن هارون (٢)، يقول: رأيت (٣) الناس، فما رأيت أحدا أعقل، ولا أفضل، ولا أورع من أبى حنيفة. وروى الخطيب، فى «تاريخه» (٢)، أنه كان بالكوفة رجل يقول: عثمان بن عفان كان يهوديّا. فأتاه أبو حنيفة، فقال: أتيتك خاطبا لابنتك. قال: لمن؟ قال: لرجل شريف، غنىّ من المال، حافظ /لكتاب الله، لكتاب الله، سخىّ، يقوم الليل فى ركعة، كثير البكاء من خوف الله. قال: فى دون هذا مقنع يا أبا حنيفة. قال: إلاّ أن فيه خصلة. قال: وما هى؟ قال: يهودىّ. قال: سبحان الله، تأمرنى أن أزوّج ابنتى من يهودىّ.

стр. 129

قال: لا تفعل؟ قال: لا. قال: فالنبىّ ﷺ زوّج ابنته من يهودىّ!. قال: أستغفر الله، فإنّى تائب إلى الله (١). وروى الخطيب أيضا (٢)، بسنده، عن إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة، قال: كان لنا جار طحّان رافضىّ، وكان له بغلان (٣)؛ أحدهما أبو بكر (٤) والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحدهما، فقتله، فأخبر أبو حنيفة، فقال: انظروا البغل الذى رمحه، هو الذى سمّاه عمر. فنظروا. فكان كذلك. وقال ابن المبارك (٤): رأيت أبا حنيفة فى طريق مكة، وقد شوى لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخلّ، فلم يجدوا شيئا يصبّون فيه الخلّ، فتحيّروا، فرأيت أبا حنيفة قد حفر فى الرّمل حفرة، وبسط عليها السّفرة، وسكب الخلّ على ذلك الموضع، فأكلوا الشّواء بالخلّ. فقالوا له: تحسن كل شئ!! قال: عليكم بالشكر، هذا شئ ألهمته فضلا من الله عليكم. وعن أبى يوسف (٥)، قال: دعا المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع حاجب المنصور، وكان يعادى أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يخالف جدّك، كان عبد الله بن عبّاس يقول: إذا حلف اليمين ثمّ استثنى بعد ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء، إلا متّصلا باليمين. فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، إن الرّبيع يزعم أنه ليس لك فى رقاب جندك بيعة.

стр. 130

قال: وكيف؟ قال: يحلفون لكم، ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون، فتبطل أيمانهم. قال: فضحك المنصور، وقال: يا ربيع، لا تعرض لأبى حنيفة. فلمّا خرج أبو حنيفة، قال: أردت أن تشيط (١) بدمى؟ قال: لا، ولكنّك أردت أن تشيط بدمى فخلّصتك، وخلّصت نفسى. وكان أبو العبّاس الطّوسىّ (٢) سيّئ الرّأى فى أبى حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على أبى جعفر المنصور يوما، وكثر الناس عنده، فقال الطّوسىّ: اليوم أقتل أبا حنيفة. فأقبل عليه، فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل منّا، فيأمره بضرب عنق الرجل، لا يدرى ما هو، أيسعه أن يضرب؟ فقال: يا أبا العباس، أمير المؤمنين يأمر بالحقّ أو بالباطل؟ قال: بالحقّ. قال: أنفذ الحقّ حيث كان، ولا تسأل عنه. ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقنى فربطته. وكان أبو حنيفة، ﵀، كثير البرّ بوالدته، والقيام بواجب حقّها، وإدخال السّرور عليها، وعدم المخالفة لها. حدّث حجر بن عبد الجبّار الحضرمىّ (٣)، رحمه الله تعالى، قال: كان فى مسجدنا قاصّ يقال له زرعة، ينسب مسجدنا إليه، وهو مسجد الحضرميّين، فأرادت أمّ أبى حنيفة أن

стр. 131

تستفتى فى شئ، فأفتاها أبو حنيفة، فلم تقبل، وقالت: ما أقبل إلاّ ما يقوله (١) زرعة القاصّ (٢). فجاء بها (٣) أبو حنيفة إلى زرعة (٤)، فقال: هذه أمىّ تستفتيك فى كذا وكذا. فقال: أنت أعلم منّى وأفقه، فأفتها أنت. فقال أبو حنيفة: قد أفتيتها بكذا وكذا. فقال زرعة: القول كما قال أبو حنيفة. فرضيت وانصرفت. وفى رواية، أن زرعة قال لها: أفتيك ومعك فقيه الكوفة! فقال أبو حنيفة: أفتها بكذا وكذا. فأفتاها، فرضيت. وفى برّه بوالديه وتعظيمه لشيخه حمّاد يقول بعضهم (٥): /نعمان كان أبرّ الناس كلّهم … بوالديه وبالأستاذ حمّاد ما مدّ رجليه يوما نحو منزله … ودونه سكك سبع كأطواد روى أن أبا حنيفة قال: ما مددت رجلى نحو دار أستاذى حمّاد؛ إجلالا له. وكان بين داره وداره سبع سكك. وعن ابن المبارك، أنه قال: رأيت الحسن بن عمّار آخذا بركاب أبى حنيفة، وهو يقول: والله ما أدركت أحدا تكلّم فى الفقه أبلغ، ولا أصبر، ولا أحضر جوابا منك، وإنك لسيّد من تكلّم فيه فى وقتك غير مدافع، ولا يتكلّمون فيك إلا حسدا.

стр. 132

وكان ابن داود يقول: الناس فى أبى حنيفة حاسد، وجاهل، وأحسنهم عندى حالا الجاهل. وحدّث سفيان بن وكيع (١)، قال سمعت أبى يقول: دخلت على أبى حنيفة، فرأيته مطرقا مفكّرا، فقال لى: من أين أقبلت؟ قلت: أقبلت من عند شريك. فرفع رأسه وأنشأ يقول (٢): إن يحسدونى فإنىّ غير لائمهم … قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لى ولهم ما بى وما بهم … ومات أكثرنا غيظا بما يجد قال: وأظنه كان بلغه عنه شئ. وذكر لمحمد بن الحسن ما يجرى الناس من الحسد لأبى حنيفة فقال (٣): محسّدون وشرّ الناس منزلة … من عاش فى الناس يوما غير محسود (٤) فصل فى ذكر بعض الأمور التى اعترض بها الحسّاد على أبى حنيفة، ﵁، وشنّعوا بها عليه، وما أجيب به عنه، وذكر بعض ما مدح به من الشّعر، وما نسب إليه، وما تمثل به منه، وغير ذلك قال قاضى القضاة ابن خلّكان، فى «وفيات الأعيان» (٥)، بعد أن ذكر طرفا صالحا

стр. 133

من مناقب الإمام رضى الله تعالى عنه: ومناقبه وفضائله كثيرة، وقد ذكر الخطيب فى «تاريخه» (١) منها شيئا كثيرا، ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق تركه والإضراب عنه، فمثل هذا الامام لا يشكّ فى دينه، ولا فى ورعه وتحفّظه، ولم يكن يعاب بشيء سوى قلّة العربيّة. *فمن ذلك ما روى (٢) أن أبا عمرو بن العلاء سأله عن القتل بالمثقل هل يستوجب القود أم لا؟ فقال: لا. كما هو قاعدة مذهبه، خلافا للإمام الشّافعىّ. فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق؟. فقال: ولو قتله بأبا قبيس. يعنى الجبل المطلّ على مكّة، حرسها الله تعالى. قال: وقد اعتذروا عن أبى حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يقول: إن الكلمات السّت المعربة بالحروف «أبوه، وأخوه، وحموه، وهنوه، وفوه، وذو مال» إن إعرابها يكون فى الأحوال (٣) بالألف. وأنشدوا على ذلك (٤): إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا فى المجد غايتاها وهى لغة الكوفيّين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، فهى لغته. انتهى كلام ابن خلّكان. قلت: وهو مع ما اشتمل عليه من الصّواب فى الجواب لا يخلو من شائبة التّعصّب، حيث جزم بأنّ الإمام رضى الله تعالى عنه كان قليل العربيّة، بمجرّد كلمة صدرت منه على لغة أهل بلده، واستعملها غير واحد ممّن يحتجّ بقوله فى شعره، والحال أنه لم ينقل عن أحد من أهل اللغة وحملة العربيّة، أنه قال: إن كلّ من تكلّم بكلمة غير فصيحة فى عرض

стр. 134

كلامه، على لغة أهل بلده وهى غير شاذّة/، ولم يدوّنها فى كتاب من كتبه، يكون لحّانا قليل العربيّة. هذا الإمام الشافعىّ رحمه الله تعالى، مع كونه ممّن يحتجّ بقوله فى اللغة، قال فى بعض تآليفه: «ماء عذب أو مالح»، فقال: «مالح» ولم يقل «ملح» وهى لغة شاذّة، أنكرها أكثر أهل اللغة، ولم يقل أحد فى حقّه بسبب ذلك، إنه كان قليل العربيّة واللغة، ولكن جرى الأمر فى ذلك على قول الشاعر (١): وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة … كما أنّ عين السّخط تبدى المساويا وقد ذكر بعض من صنّف فى مناقب الإمام الأعظم، فى حقّ الإمام الشافعىّ من مثل هذه المؤاخذات شيئا كثيرا، أضربنا عن ذكره؛ لعدم الفائدة، ولأنّ الأليق بكلّ إنسان أن يكفّ لسانه عن التكلّم فى حقّ مثل هؤلاء الأئمة، الذين اتّفق الناس على علمهم، وصلاحهم، وعلوّ مقامهم، إلاّ بخير؛ فإنه قلّما أطلق أحد لسانه فى حق السّلف، إلاّ وعجّلت له النّكبة فى الدنيا قبل الآخرة، عصمنا الله من ذلك بمنّه وكرمه. *** ومن جملة التّشنيعات (٢) فى حقّ الإمام، رضى الله تعالى عنه (٣)، قول بعض الحسّاد: إنه كان قليل الرّواية، وليس له إحاطة بكثير من الأحاديث والآثار، كغيره من مجتهدى عصره، ومن تأخّر بقليل عنهم. والجواب عن ذلك هو المنع؛ بدليل أنّ أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه، كان أكثر الناس تفريعا للأحكام، ووضعا للمسائل، وكثرة الفروع تدلّ على كثرة الأصول، وصحّتها على صحّتها، وقد سلّموا أن أبا حنيفة أقوى فى القياس من غيره، وأعرف به من سواه، وإنما يقاس على الكتاب والأثر، وكثرة قياسه فى المسائل تدلّ على كثرة اطّلاعه على الآثار، وكثرة إحاطته بها. وإنما قلّت الرّواية عنه لما ذكرناه سابقا، من كونه كان يشترط فى جواز الرّواية حفظ الرّاوى لما يرويه من يوم سمعه إلى يوم يحدّث به، ولأنه صاحب مذهب، نصب نفسه

стр. 135

لتدوين الفقه، وإثبات الأحكام، وتفقيه الناس وإفتائهم، وهذا لا يدلّ على أن ما كان يرويه عن غيره، عن النبىّ ﷺ كان قليلا؛ لأن صاحب المقالة والمذهب، إذا أنهى إليه الخبر، أخذ حكمه المشتمل عليه، فدوّنه، وأثبته عنده، وجعله أصلا ليقيس عليه نظائره؛ فمرّة يفتى بحكمه ولا يروى الخبر، فيخرجه على وجه الفتوى، فيقف لفظ الخبر، وينقطع عنده. وكذا فعل أكثر فقهاء الصّحابة؛ كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وزيد، وغيرهما من فقهاء الصّحابة، ﵃. ويدلّك على هذا، أن الخلفاء الأربعة صحبوا رسول الله ﷺ من مبعثه إلى وفاته، وكانو لا يكادون يفارقونه فى سفر ولا حضر، وكذلك عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر؛ وأبو هريرة أكثر رواية منهم، وإنما صحب النبىّ ﷺ نحو سنتين؛ لأنه تأخّر إسلامه، أفتراه سمع من رسول الله ﷺ أكثر ممّا سمع هؤلاء، أو شاهد أكثر ممّا شاهد هؤلاء!!، وقد روى الناس عنه أكثر ممّا رووا عنهم!! وإنما كان كذلك؛ لأن الخلفاء الرّاشدين، ﵃، كانوا فقهاء الصّحابة، وكانوا أصحاب مقالات ومذاهب، وكذلك عبد الله بن مسعود، وكانوا يفتون بكلّ علم صدر عن قول رسول الله صلّى الله/عليه وسلّم أو عن فعله، فيخرجونه على وجه الفتوى، ولا يروونه، وربّما رواه البعض منهم عند احتياجه إلى الاحتجاج به على غيره ممّن خالفه من نظرائه. وهذا هو المعنىّ فى قلّة رواية ذى المقالة والمذهب عن النبىّ ﷺ للناس، وقلّة روايتهم عنه. وأمّا هو (١) فقد سمع من الأخبار، وجمع ما لم يحط به غيره؛ فإنّ الأخبار منها ناسخ ومنسوخ، ومثبت وناف، وحاظر ومبيح، ونحو ذلك، فإذا ورد جميع ذلك إلى صاحب المقالة نظر فيها، وأخذ بالنّاسخ منها، وهو المتأخّر، فإن لم يعلم المتأخّر، أخذ بأرجحهما عنده، وترك الآخر، فإذا أخذ المتأخّر أو ما رجح عنده، فربمّا رواه، وربّما أفتى بحكمه، ولم يروه، وأسقط ما نافاه، ولم يلتفت اليه، وأصحاب الحديث يروون الجميع؛ فلهذا قلّت رواية الخلفاء الأربعة، ومن بعدهم من الفقهاء.

стр. 136

وقد يرد أيضا الخبر من طرق كثيرة، فيقتصر صاحب المذهب منه على أصحّ الطّرق، فيرويه منها، وربّما أفتى بحكمه ولم يروه. وأصحاب الحديث يروونه من جميع طرقه، فلهذا قلّت الرواية عن الفقهاء أولى المقالات. قال أبو بكر عتيق بن داود اليمانىّ: فإن قال قائل: قد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «بلّغوا عنّى ولو آية»، وقال ﵊: «نضّر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها، ثمّ أدّاها إلى من لم يسمعها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه». قيل له: إذا أفتى بما قال النبىّ ﷺ ، أو بما فعل، فقد بلّغ أشدّ التّبليغ؛ لأنّ صاحب المقالة والمذهب، يلزمه أن لا يروى جميع الأخبار المتنافية، لأن ذلك يؤدّى إلى تحيّر من يستفتى، ولا يحصل له التخلّص ممّا نزل به من الحادثة، فإذا أفتاه بالصّحيح عنده، أو رواه، حصلت للمستفتى الفائدة، وفى هذا كفاية لكل ذى بصر. فهذا يدلّ على أن قلّة الرّواية عنه، لا تدلّ على قلّة ما نقله من الأخبار والآثار، عن النبىّ ﷺ . انتهى. هذا، ولئن سلّم ما زعمه المشنّع من قلّة الرّواية، فجوابه أنّا نقول: قال أبو عمر بن عبد البرّ (١): الذى عليه جماعة [فقهاء] المسلمين وعلمائهم ذمّ الإكثار-يعنى من الحديث -دون تفقّه ولا تدبّر، فالمكثر لا يأمن من مواقعة (٢) الكذب على رسول الله، ﷺ (٣). ثمّ روى بسنده، عن قتادة، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إيّاكم وكثرة الحديث، ومن قال عنّى فلا يقولنّ إلاّ حقّا». وروى بسنده أيضا، عن وهب بن بقيّة (٤)، قال: سمعت خالد بن عبد الله، يقول: سمعت ابن شبرمة، يقول: أقلل الرّواية تفقه.

стр. 137

وقال أيضا (١): أمّا طلب الحديث على ما يطلبه (٢) كثير من أهل عصرنا [اليوم]، دون نفقّه فيه، ولا تدبّر لمعانيه، فمكروه عند جماعة أهل العلم. ثمّ ذكر (٣) بعد كلام طويل، قول الأعمش لأبى يوسف: أنتم الأطبّاء ونحن الصّيادلة. ومن ها هنا قال التّرمذىّ: إنّ من يحمل الحديث ولا يعرف فيه التأويل كالصّيدلانىّ. وعن ابن المبارك، أنه قال: ليكن الذى تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأى ما يفسّر لك الحديث. ولله درّ بعضهم حيث يقول: إن الرّواة على جهل بما حملوا … مثل الجمال عليها يحمل الودع /لا الودع ينفعه حمل الجمال له … ولا الجمال بحمل الودع تنتفع وقال ابن أبى ليلى: لا يفقه الرجل فى الحديث حتى يأخذ منه ويدع. *** ومن التّشنيعات أيضا، قولهم: إن مذهب أبى حنيفة فى موضوعه مخالف لما عليه أساس الإمارة والإمامة، ولا يوافق فى كثير من فروعه للأمراء والأئمّة. والجواب عن ذلك هو المنع، بل مذهبه أوفق للإمامة والإمارة، والأصلح للولاة والأئمّة. والدّليل على ذلك، ما ذكرناه سابقا (٤) من الجواب عنه لأبى جعفر المنصور فى مسألة الاستثناء المنفصل، وخلافه فيه لابن عبّاس؛ فإنه أوفق للإمامة والإمارة، بخلاف مذهب غيره. وكان بعض السّلف يقول: لا يزال الإسلام مشيّد الأركان ما بقى له ثلاثة أشياء:

стр. 138

الكعبة، والدّولة العبّاسيّة، والفتيا على مذهب أبى حنيفة. فلولا الموافقة بين الدولة العباسيّة ومذهب أبى حنيفة ما قرن بينها. وقال بعض الشعراء فى ذلك: أبو حنيفة فاق الناس كلّهم … فى العلم والزّهد والعلياء والباس له الإمامة فى الدّنيا مسلّمة … كما الخلافة فى أولاد عبّاس وسمّاهما بعض السّلف التّوأمين؛ لاتّفاقهما فى الموضوع، وظهورهما فى زمن واحد. وكيف يجوز أن يدّعى أن أبا حنيفة على خلاف الإمامة مع ما ذكرناه عنه سابقا، حين منع من الفتوى (١)، وسألته ابنته عن مسألة فقال لها: سلى أخاك؛ فإن الأمير (٢) منعنى من الفتيا. فلم يرض لنفسه أن يعمل بخلاف سلطان زمانه فى جواب مسألة. والذى يدلّ على صحّة ذلك أنّ من صفة الإمامة أن يكون الإمام غالبا، قاهرا، نافذ الأمر، جائز التصرّف فى مملكته، مطلق اليد فى الرّعيّة. وعلى مذهب أبى حنيفة كلّ هذا مفوّض إلى الأئمّة أينما نزلوا، ومذهب المخالفين ليس على هذه الصّفة. وبيان ذلك فى مسائل كثيرة من فروع الفقه، لا بأس بذكر بعضها فى هذا الموضوع للإيضاح. *مسألة، من له أرض خراجيّة، عجز عن زراعتها، وأداء خراجها. قال أبو حنيفة: للإمام أن يؤجّرها من غيره، ويأخذ الخراج من أجرتها، سواء رضى بذلك صاحبها أم لم يرض. وقال الشافعىّ: ليس للإمام ذلك.

стр. 139

*مسألة، إذا فتح السّلطان بلدة من بلاد الكفار، فأراد أن يمنّ عليهم ويقرّهم على أملاكهم، ويضع الجزية على رءوسهم، ولا يقسمها بين الأجناد. قال أبو حنيفة: له أن يفعل ذلك، سواء رضى الجند بذلك أم لم يرضوا. وقال الشافعىّ: ليس له ذلك إلا برضى الجند، وعليه أن يقسمها بين الغانمين. وهذه مسألة نفيسة، والعمل بها على مذهبنا. *مسألة، السّلب فى حال القتال لا يكون للقاتل عند أبى حنيفة، إلا أن يكون الإمام قال قبل ذلك: من قتل قتيلا فله سلبه. وقال الشافعىّ: السّلب للقاتل، سواء قال الإمام ذلك أو لم يقل. *مسألة، من عزّره الإمام؛ لاستحقاقه التعزيز، فمات فى تعزيره. قال أبو حنيفة: لا ضمان/عليه، ودمه هدر. وقال الشافعىّ: يجب عليه الضّمان. *مسألة، من أحيا أرضا مواتا. قال أبو حنيفة: إن أحياها بإذن الإمام ملكها. وقال الشافعىّ: يملكها، ولا يحتاج إلى إذن الإمام. *مسألة، إذا كان للرجل عبد، فزنى، أو شرب خمرا، لا يقيم مولاه عليه الحدّ إلاّ بإذن الإمام. وقال الشافعىّ: يقيم مولاه، ولا يحتاج إلى إذن الإمام. وهو افتيات على السّلطان فى ولايته؛ قال ﵊: «الحدود للولاة». *مسألة، إذا كان للرجل سوائم، وحال عليها الحول، وأدّى صاحبها زكاتها. قال أبو حنيفة: للسلطان أن يأخذ زكاتها ثانيا (١)، ويصرفها إلى الفقراء.

стр. 140

وقال الشافعىّ: ليس للسّلطان ذلك. وهو افتيات على السّلطان أيضا؛ فإن القبض فى الأموال الظاهرة له، لا إلى أصحاب الأموال. *مسألة، أهل مصر خرجوا إلى المصلّى يوم العيد، وأرادوا أن يصلّوا العيد. قال أبو حنيفة: إن كان السلطان أو نائبه معهم جاز (١)، وإلا فلا. وقال الشافعىّ: يجوز، ولا يحتاج إلى حضور السّلطان ولا نائبه. *مسألة، رجل قتل لقيطا متعمّدا. قال أبو حنيفة: للسّلطان ولاية استيفاء القصاص من قاتله. وقال الشافعىّ: ليس عليه ذلك. *مسألة، رجل مات، فحضر السّلطان وأولياء الميت جنازته. قال أبو حنيفة: السّلطان أحقّ بالتّقديم للصّلاة عليه من الأولياء. وقال الشافعىّ: الأولياء أحقّ. *مسألة، الجزية إذا أخذت على مذهبنا حصل أكثر ممّا أخذت على مذهبه، وكان أنفع لبيت المال؛ فإنّ عندنا يوضع على الغنىّ الظاهر الغنى فى كلّ سنة ثمانية وأربعون درهما، وعلى المتوسّط الغنى أربعة وعشرون درهما، وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهما، وتؤخذ سلفا، وعنده على كل شخص دينار، والدّينار عشرة دراهم، فظهر التفاوت بينهما. *مسألة، الإمام إذا أخذ صدقات أموال الناس، ثم أراد أن يمنع أعيان الصدقة، ويدفع أبدالها وأثمانها إلى الفقراء. قال أبو حنيفة: له فعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة.

стр. 141

وقال الشافعىّ: ليس له ذلك. *مسألة، السّلطان إذا احتاج إلى تقويه الجيش، فأخذ من أرباب الأموال ما يكفيه من غير رضاهم، له ذلك. ومثل هذه المسائل كثيرة، قلّ أن تحصر فى مصنّف، وفيما ذكرناه منها كفاية للمنصف؛ فإنه إذا تأمّل ما أوردناه، ونظر بعين الإنصاف إلى ما قرّرناه، ظهر له أن مذهبنا أوفق للإمامة من غيره، وأكثر تفويضا للأئمّة من سواه، والله الموفّق للصّواب. *** ومن التّشنيعات أيضا، قولهم: إنّه قدّم القياس الذى اختلف الناس فى كونه حجّة على الأخبار الصّحيحة، التى اتّفق العلماء على كونها حجّة. والجواب/أن هذا القول (١) زعم منهم، فإن أبا حنيفة أخذ بكتاب الله تعالى، ثم بسنّة رسول الله ﷺ ، ثم بما اتّفقت عليه الصحابة، ثم بما جاء عن واحد من الصّحابة، وثبت ذلك واشتهر ولم يظهر له فيه مخالف، وإن كان أمرا اختلف فيه الصّحابة والعلماء فإنه يقيس الشئ بالشئ حتى يتّضح الأمر، ثم بالقياس إن لم يكن فى الحادثة شئ ممّا ذكرناه. والدّليل على أن مذهب أبى حنيفة على الصّفة المشروحة، ما روى أبو مطيع البلخىّ، قال: [كتب] (٢) أبو جعفر المنصور إلى أبى حنيفة يسأله عن مسائل، وكان ممّا سأل: أخبرنى عن ما أنت عليه، فقد وقع فيك الناس، وزعموا أنّك ذو رأى، وصاحب اجتهاد وقياس، وكتبت (٣) إليك بالمسائل، فإن كنت بها عالما علمنا أنك تقول بما نقول، وإن اشتبهت عليك، وتماديت فيها، علمنا أنك تقول بالقياس، والسّلام.

стр. 142

فأجاب عن تلك المسائل، وقال: يعلم أمير المؤمنين أن الذين يقعون فينا لأنّا نعمل بكتاب الله، ثم سنّة رسوله ﵊، ثم بأحاديث الصحابة أبى بكر وعمر وعثمان وعلى ونحوهم، وهذا حسد منهم، وطعن فى الدّين، وهذا علم لا يعرفه إلاّ الخبير البصير، والله ما تكلّمت بمسألة حتى أذنت (١) نفسى بالنصيحة، وليس بين الله وبين خلقه قرابة، وقد قالت الصّحابة والتابعون: الأمر بالرّأى لا بالكبر والسّنّ، فمن وافق كان أقرب إلى الحقّ، وأوفق للقرآن والسّنن، فالأولى أن يعمل بقولهم. وقال أبو مطيع البلخىّ لأبى حنيفة: أرأيت لو رأيت رأيا، ورأى أبو بكر رأيا غيره، أتدع رأيك برأيه؟ قال: نعم. فقلت: أرأيت (٢) لو رأيت رأيا، ورأى عمر رأيا، أتدع رأيك برأيه؟ قال: نعم. قال: ثم سألته عن عثمان وعلىّ، فأجاب بمثل هذا، وقال: إنّي أدع رأيى عند رأى جميع الصحابة، إلا ثلاثة أنفس: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وسمرة بن جندب. فهذا يدلّ على أنه يؤخّر القياس عند الآثار. ويدلّ على ذلك أيضا، ما روى عن محمّد بن النّضر، وكان من كبار العلماء، وأنه قال: ما رأيت أحدا تمسّك بالآثار أكثر (٣) من أبى حنيفة. وعن أبى مطيع البلخىّ، أن سفيان الثّورىّ، ومقاتل بن حيّان (٤)، وحمّاد بن سلمة، وغيرهم من فقهاء ذلك العصر، اجتمعوا وقالوا: إن النّعمان هذا يدّعى الفقه، وما عنده إلا

стр. 143

القياس، فتعالوا حتى نناظره فى ذلك، فإن قال: إنه قياس. قلنا له: عبدت الشمس بالمقاييس، وأوّل من قاس إبليس، لعنه الله، حيث قال (١): ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فناظرهم أبو حنيفة، يوم الجمعة فى جامع الكوفة، وعرض عليهم مذهبه كما ذكرنا، فقالوا: إنك سيّد العلماء، فاعف عنّا؛ فإنّنا وقعنا فيك من غير تجربة ولا رويّة. فقال لهم أبو حنيفة: غفر الله لنا ولكم. وروى أن أبا حنيفة كان يتكلّم فى مسألة من المسائل القياسيّة، وشخص من أهل المدينة يتسمّع، فقال: ما هذه المقايسة، دعوها فإن أوّل من قاس إبليس. فأقبل عليه أبو حنيفة، فقال: يا هذا، وضعت الكلام فى غير موضعه/، إبليس ردّ على الله تعالى أمره، قال الله تعالى (٢): ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)،﴾ وقال تعالى (٣): ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ)،﴾ وقال (٤): ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ)،﴾ وقال (٥): ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ فاستكبر وردّ على الله أمره، وكلّ من ردّ على الله تعالى أمره فهو كافر، وهذا القياس الذى نحن فيه نطلب فيه اتّباع أمر الله تعالى؛ لأنّا نردّه إلى أصل أمر الله تعالى فى الكتاب، أو السّنّة، أو إجماع الصّحابة والتّابعين، فلا نخرج من أمر الله تعالى، ويكون العمل على الكتاب والسّنّة والإجماع، فاتّبعنا فى أمرنا إليها أمر الله تعالى، قال الله تعالى (٦): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)،﴾ فنحن ندور حول الاتّباع، فنعمل بأمر الله تعالى، وإبليس خالف أمر الله تعالى، وردّه عليه، فكيف يستويان؟ فقال الرجل: غلطت يا أبا حنيفة، وتبعت إلى الله تعالى، فنوّر الله قلبك كما نوّرت قلبى. ***

стр. 144

ولا بأس بذكر بعض المسائل الشّاهدة لما ذكرنا، والموضّحة لما قرّرنا، على أنها لا تدخل تحت الحصر، والله الموفّق للصّواب: *مسألة، رجل ردّ عبدا آبقا من مسيرة ثلاثة أيّام. قال أبو حنيفة: له الجعل أربعون درهما. وكان القياس أن لا يجب، فترك القياس وأخذ من ذلك بالخبر الذى روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه، فى خبر طويل، أن رجلا قدم بآبق من الفيّوم (١)، فقال القوم: لقد أصاب أجرا. فقال ابن مسعود: وأصاب جعلا. وقال من خالفه: لا يجب الجعل. فترك الخبر وأخذ بالقياس. *مسألة، ولو أن رجلا حلق لحية رجل، أو حاجبيه، فلم تنبت ثانيا. قال أبو حنيفة: يجب على الحالق دية كاملة. وقال من خالفه: لا يجب الدّية على الكمال. وكان القياس أن لا تجب الدّية على الكمال، فترك القياس، وأخذ بالخبر المروىّ فى حديث سعيد بن المسيّب، رحمه الله تعالى. *مسألة، ولو أن رجلا أوجب على نفسه أن ينحر ولده. قال أبو حنيفة: يلزمه أن يذبح شاة. وقال من خالفه: لا يجب عليه شئ. فأخذ بالقياس وترك الخبر. *مسألة، ولو أن رجلا حلف، وقال: إن فعلت كذا فأنا برئ من الإسلام. ففعل ذلك.

стр. 145

قال أبو حنيفة: يجب عليه كفّارة يمين. وكان القياس أن لا يجب عليه شئ، فترك القياس، وأخذ بالخبر المروىّ عن عائشة، وابن عمر، ﵄، أنهما أوجبا فيه كفّارة يمين. وقال من خالفه: لا شئ عليه إلاّ التّوبة. فأخذ بالقياس. *مسألة، ولو أن رجلا اشترى شيئا بألف درهم، وقبضة، ولم ينقد الثمن، ثم باعه من البائع بخمسمائة درهم. قال أبو حنيفة: بيع الثانى لا يجوز. وكان ينبغى فى القياس أن يجوز. فترك القياس، وأخذ فى ذلك بخبر روى عن عائشة، ﵂، أنها قالت للمرأة التى سألتها عن هذا البيع: أبلغى زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل جهاده/مع رسول الله ﷺ إن لم يتب. وقال من خالفه: يجوز بيعه. فأخذ بالقياس وترك الخبر. *مسألة، ولو أن رجلا باع من ذمّىّ خمرا. قال أبو حنيفة: جاز بيعه. وكان ينبغى فى القياس أن لا يجوز، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر الذى روى عن عمر أنه قال: ولّوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها. وقال من خالفه: لا يجوز بيعه. وأخذ بالقياس وترك الخبر. *مسألة، ولو أن رجلا اغتسل من الجنابة، ولم يتمضمض ولم يستنشق، وصلّى على ذلك. قال أبو حنيفة: لا يجوز ما لم يتمضمض ويستنشق. فرآهما فرضين فى الجنابة، وكان القياس أن لا يكونا فرضين، فترك القياس، وأخذ بخبر
следующие страницы →