← Тараджим

Тараджим · id 322

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي

Полный текст (1 429 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فآخر أعنى آخر الرّسل بعثه … وأوّل من ينشقّ عنه صعيد أسام يلذّ السّمع إن هى عدّدت … نعوت ثناء والثناء عديد وقال حسّان بن ثابت، رضى الله تعالى عنه (١): فشقّ له من اسمه ليجلّه … فذو العرش محمود وهذا محمّد ومن أسمائه: المقفّى، ونبىّ التّوبة، ونبىّ الرحمة. وفى «صحيح مسلم»: ونبىّ المرحمة (٢). ومن أسمائه: طه، ويس، والمزّمّل، والمدّثّر، وعبد الله، فى قوله تعالى (٣): ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ)،﴾ ومذكّر فى قوله تعالى (٤): ﴿إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. وله من الأسماء غير ذلك. اصطفاؤه، وفضله على سائر الخلق (٥) روى البخارىّ (٦)، عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ ، قال: «بعثت من خير قرون بنى آدم، قرنا فقرنا، حتّى كنت (٧) من خير قرن، كنت منه (٧)» وروى مسلم (٨)، والتّرمذىّ (٩)، عن واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من

стр. 72

كنانة، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم». وروى التّرمذىّ (١)، عن ابن عبّاس، رضى الله تعالى عنهما، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يتذاكرون، وهم ينتظرون خروجه. قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع/حديثهم، فقال بعضهم: عجبا، إن الله ﵎ اتّخذ من خلقه خليلا، اتّخذ إبراهيم خليلا. وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى، كلّمه تكليما. وقال آخر: ماذا بأعجب من جعله عيسى كلمة الله وروحه. وقال آخر: ماذا بأعجب من آدم، اصطفاه الله عليهم-زاد رزين-: وخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته-ثم اتّفقا- فسلّم رسول الله ﷺ ، على أصحابه، وقال: «قد سمعت كلامكم وعجبكم أنّ إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وأنّ موسى نجىّ الله، وهو كذلك، وأنّ عيسى روح الله وكلمته، وأنّ آدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله، ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفّع يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أوّل من يحرّك حلق الجنّة فيفتح الله لى فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين، ولا فخر». أخلاقه ﷺ سئلت عائشة رضى الله تعالى عنها، عنه، فقالت: كان خلقه القرآن؛ يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلاّ أن تنتهك حرمات الله فيغضب لله، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد. وكان أشجع الناس، وأسخاهم، وأجودهم، ما سئل شيئا، فقال: لا، ولا يبيت فى بيته

стр. 73

دينار ولا درهم، فإن فضل، ولم يجد من يأخذه، وفجأه اللّيل، لم يرجع إلى منزله حتى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ ممّا آتاه الله إلا قوت أهله عاما فقط، من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ثم يؤثر من قوت أهله (١) حتى ربّما احتاج قبل انقضاء العام. وكان من أحلم الناس، وأشدّ حياء من العذراء فى خدرها، خافض الطّرف، نظره الملاحظة. وكان أكثر الناس تواضعا، يجيب من دعاه من غنىّ أو فقير، أو حرّ أو عبد. وكان أرحم الناس، يصغى (٢) الإناء للهرّة، وما يرفعه حتى تروى، رحمة لها. وكان أعفّ الناس، وأشدّهم إكراما لأصحابه، لا يمدّ رجليه بينهم، ويوسّع عليهم إذا ضاق المكان. ولم تكن ركبتاه تتقدّم ركبة جليسه. له رفقاء يحفّون به، وإن قال أنصتوا له، وإن أمر تبادروا لأمره، ويتحمّل (٣) لأصحابه، ويتفقّدهم؛ ويسأل عنهم، فمن مرض عاده، ومن غاب دعا له، ومن مات استرجع فيه، وأتبعه الدّعاء له، ومن تخوّف أن يكون وجد فى نفسه شيئا، انطلق إليه حتى يأتيه فى منزله. ويخرج إلى بساتين أصحابه، ويأكل ضيافتهم، ويتألّف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل. ولا يطوى بشره (٤) عن أحد، ولا يجفو عليه، ويقبل معذرة (٥) المعتذر إليه (٦)، والضّعيف والقوىّ عنده فى الحق سواء، ولا يدع أحدا يمشى خلفه، ويقول: «خلّوا ظهرى للملائكة». ولا يدع أحدا يمشى معه وهو راكب، حتى يحمله، فإن أبى قال: تقدّمنى إلى المكان الفلانىّ. ويخدم من خدمه، وله عبيد وإماء، ولا يرتفع عنهم فى مأكل ولا ملبس.

стр. 74

قال أنس بن مالك، رضى الله تعالى عنه: خدمته نحوا من عشر سنين، فو الله ما صحبته فى حضر ولا سفر لأخدمه إلاّ كانت خدمته لى أكثر من خدمتى له،/وما قال لى أفّ قطّ، ولا قال لشئ فعلته: لم فعلت كذا. ولا لشئ لم أفعله: ألا فعلت كذا. وكان رسول الله ﷺ فى سفر، فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله، علىّ ذبحها. وقال آخر: علىّ سلخها. وقال آخر: علىّ طبخها. فقال رسول الله ﷺ : «وعلىّ جمع الحطب». فقالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك. فقال: «قد علمت أنّكم تكفوننى، ولكن أكره أن أتميّز عليكم؛ فإنّ الله يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه». وقام فجمع الحطب. وكان فى سفر، فنزل إلى الصّلاة، ثم كرّ راجعا. فقيل: يا رسول الله، أين تريد؟ فقال: «أعقل ناقتى». فقالوا: نحن نعقلها. قال: «لا يستعن أحدكم بالنّاس ولو فى قضمة من سواك». وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطى كلّ أحد من جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم ﷺ حتى يقوم الذى جلس إليه، إلا أن يستعجله أمر، فيستأذنه. ولا يقابل أحدا بما يكره، ولا يجزى السّيّئة بمثلها، بل يعفو ويصفح. وكان يعود المرضى، ويحبّ المساكين، ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقّر فقيرا لفقره، ولا يهاب ملكا لملكه.

стр. 75

يعظم النّعمة وإن قلّت، ولا يذمّ منها شيئا، ما عاب طعاما قطّ؛ إن اشتهاه أكله، وإلاّ تركه. وكان يحفظ جاره، ويكرم ضيفه. وكان أكثر الناس تبسّما، وأحسنهم بشرا. ولا يمضى له وقت فى غير عمل لله، أو فى مالا بدّ منه، وما خيّر بين أمرين، إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون فيه قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس منه. يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويركب الفرس والبغل والحمار، ويردف خلفه عبده، أو غيره، ويمسح وجه فرسه بطرف كمّه، أو بطرف ردائه. وكان يحبّ الفأل، ويكره الطّيرة، وإذا جاءه ما يحبّ، قال: «الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»،﴾ وإذا جاءه ما يكره، قال: «الحد لله على كلّ حال». وإذا رفع الطعام من بين يديه قال: «الحمد لله الذى أطعمنا، وسقانا، وأوانا، وجعلنا مسلمين». وأكثر جلوسه مستقبل القبلة. ويكثر الذّكر، ويطيل الصّلاة، ويقصر الخطبة. ويستغفر فى المجلس الواحد مائة مرّة. وكان يسمع لصدره وهو فى الصّلاة أزيز كأزيز المرجل من البكاء. وكان يقوم حتى ترم (١) قدماه. وكان يصوم الاثنين، والخميس، وثلاثة أيّام من كل شهر، وعاشوراء. وقلّما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه فى شعبان.

стр. 76

وفى الصّحيحين، من رواية أنس رضى الله تعالى عنه (١): كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر. ويفطر حتى نقول: لا يصوم. وكان ﵊ تنام عيناه ولا ينام قلبه، انتظارا للوحى. وإذا نام نفخ، ولا يغطّ. وإذا رأى فى منامه ما يكره قال: «هو الله لا شريك له». وإذا أخذ مضجعه قال: «ربّ قنى عذابك يوم تبعث عبادك». وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور». وكان لا يأكل الصّدقة، ويأكل الهديّة، ويكافئ عليها، ولا يتأنّق فى مأكل، ويعصب على بطنه الحجر من الجوع. وآتاه الله مفاتيح خزائن الأرض فلم يقبلها، واختار الآخرة، وأكل الخبز بالخلّ، وقال: «نعم الإدام الخلّ». وأكل لحم الدّجاج، ولحم الحبارى، وكان يأكل ما وجد، ولا يردّ ما حضر، ولا يتكلّف ما لم يحضر، ولا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرا دون خبز أكله، وإن وجد حلوا أو عسلا أكله. وكان أحبّ الشّراب إليه الحلو البارد. وقال لأبى الهيثم (٢) بن التّيّهان «كأنّك علمت حبّنا للّحم». وكان لا يأكل متّكئا، ولا على خوان. لم يشبع من خبز برّ ثلاثا تباعا، حتى لقى الله إيثارا على نفسه، لا فقرا ولا بخلا. ويجيب الوليمة، ويجيب دعوة

стр. 77

العبد والحرّ. ويقبل الهدايا ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب. وكان يحب الدّبّاء (١)، والذّراع من الشّاة. وقال: «كلوا الزّيت، وادّهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة»، وكان يأكل بأصابعه الثلاث، ويلعقهنّ. منديله باطن قدميه. وأكل خبز الشّعير بالتمر، والبطّيخ بالرّطب، والقثّاء بالرّطب، والتمر بالزّبد، وكان يحبّ الحلواء والعسل. ويشرب قاعدا، وربّما شرب قائما، ويتنفّس ثلاثا مبينا للإناء، ويبدأ بمن عن يمينه إذا سقاه. وشرب لبنا وقال: «من أطعمه الله طعاما، فليقل: اللهمّ بارك فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه لبنا فليقل: اللهمّ بارك لنا وزدنا منه». وقال: «ليس شئ يجزئ مكان الطّعام والشّراب غير اللبن». قال ابن حزم: وشرب النّبيذ الحلو. قال الصّلاح الصّفدىّ: تفسيره الماء الذى ينبذ فيه التّمرات اليسيرة ليحلو. وكان يلبس الصّوف، وينتعل المخصوف، ولا يتأنّق فى ملبس، وأحبّ اللّباس إليه الحبرة من اليمن، فيها حمرة وبياض. وأحبّ الثّياب إليه القميص، ويقول إذا لبس ثوبا استجدّه: «اللهمّ لك الحمد كما ألبستنيه أسألك خيره، وخير ما صنع، وأعوذ بك من شرّه، وشرّ ما صنع». وتعجبه الثياب الخضر، وربّما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره، ويعقد طرفه بين كتفيه. ويلبس يوم الجمعة برده الأحمر، ويعتمّ. ويلبس خاتما من فضّة، نقشه «محمد رسول الله» فى خنصره الأيمن، وربّما جعله فى الأيسر. ويحبّ الطّيب، ويكره الرّائحة الكريهة. ويقول: «إنّ الله جعل لذّتى فى النّساء والطّيب، وجعل قرّة عينى فى الصّلاة».

стр. 78

وكان يتطيّب بالغالية والمسك، أو المسك وحده، ويتبخّر بالعود والكافور، ويكتحل بالإثمد، وربما اكتحل وهو صائم. ويكثر دهن رأسه ولحيته، ويدّهن غبّا (١) ويكتحل وترا. ويحبّ التّيمّن فى ترجّله، وتنعّله، وفى طهوره، وفى شأنه كلّه. وينظر فى المرآة، ولا تفارقه قارورة الدّهن فى سفره، والمكحلة، والمرآة، والمشط، والمقراض، والسّواك، والإبرة، والخيط. ويستاك فى الليلة ثلاث مرّات، وقبل النوم، وبعده، وعند القيام لورده، وعند الخروج لصلاة الصّبح، وكان يحتجم. وكان يمزح ولا يقول إلا حقّا. وجاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، احملنى على جمل. فقال: «أحملك على ولد النّاقة». قالت: لا يطيقنى. فقال لها الناس: وهل الجمل إلا ولد الناقة! وجاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن زوجى مريض، وهو يدعوك. فقال: «لعلّ زوجك الّذى فى عينيه بياض». فرجعت، وفتحت عين زوجها. فقال: ما لك؟ قالت:/أخبرنى رسول الله ﷺ أن فى عينيك بياضا. فقال: وهل أحد إلا فى عينيه بياض. وقالت له أخرى: يا رسول الله، ادع الله لى أن يدخلنى الجنة. فقال: «يا أمّ فلان، إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز».

стр. 79

فولّت المرأة وهى تبكى، فقال ﷺ : «أخبروها أنّها لا تدخل الجنّة وهى عجوز، إنّ الله تعالى يقول: (١) ﴿أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً* فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً* عُرُباً أَتْراباً﴾. قد جمع الله له كمال الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وحسبك ما أثنى عليه فى قوله تعالى: (٢) ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وآتاه الله علم الأوّلين والآخرين، وما فيه النّجاة والفوز، وهو أمّى لا يكتب ولا يقرأ، ولا معلّم له من البشر، ونشأ فى بلاد الجهل والصّحارى، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره على الأوّلين والآخرين، ﷺ . فصل يتضمّن ذكر شئ من معجزاته وآياته ﷺ منها: القرآن العظيم، وهو أكبرها، الذى دعا به بلغاء قريش، وهم ما هم قالة البلاغة، ولسن الفصاحة، ولهم من ذلك قمراها والنجوم الطّوالع (٣)، ودعا غيرهم، مذ بعثه الله قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، إلى يومنا هذا، وإلى يوم البعث والنشور، على أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وتنازل معهم إلى الإتيان بسورة من مثله، وفى السّور ما هو ثلاث آيات، وتحدّى به الإنس والجنّ، فلم يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ونكصوا على أعقابهم خائبين، وذهب كلّ نبىّ بمعجزاته، ولم يبق لها أثر ظاهر خلا الرّوايات عنها والأخبار، وأبقى لنا رسول الله ﷺ معجزا خالدا بين ظهرانينا إلى يوم القيامة، بعد ذهابه، لا تنكسف شموسه، ولا تذوى زهراته.

стр. 80

وانشقاق القمر. روى مسلم (١) والتّرمذىّ (٢)، عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما، قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين، فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ اشهد». وروى التّرمذىّ (٣)، عن جبير بن مطعم، قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فصار فرقتين. فقالت قريش: سحر محمّد أعيننا. فقال بعضهم: لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلّهم.-وزاد رزين-: فكانوا يتلقّون الرّكبان فيخبرونهم بأنهم قد رأوه، فيكذّبونهم. وما أحقّه ﷺ بقول أبى الطّيّب (٤): متى ما يشر نحو السّماء بطرفه … يخرّ له الشّعرى وينكسف البدر (٥) وأن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله، فخرج عليهم، فخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم فى صدورهم، وأقبل حتى قام على رءوسهم فقبض قبضة من تراب، وقال: «شاهت الوجوه» وحصبهم، فما أصاب رجلا منهم من ذلك الحصباء شئ (٦) إلاّ قتل يوم بدر. ورمى يوم حنين بقبضة من تراب فى وجوه القوم، فهزمهم الله تعالى. ونسج العنكبوت فى الغار.

стр. 81

وما كان من أمر سراقة بن مالك، إذ بعث خلفه فى الهجرة، فساخت قوائم فرسه./فى الأرض الجلد. (١) ومسح على ظهر عناق لم ينز عليها الفحل فدرّت. وشاة أمّ معبد. ودعوته لعمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أن يعزّ الله به الإسلام. ودعوته لعلىّ ﵁ أن يذهب عنه الحرّ والبرد. وتفله فى عينيه، وهو أرمد، فعوفى من ساعته، ولم يرمد بعد ذلك. وردّه عين قتادة، بعد أن سالت على خدّه، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما. ودعاؤه لعبد الله بن عبّاس، ﵄، بالتّأويل والفقه فى الدّين، وكان يسمّى الحبر والبحر لعلمه. ودعاؤه لجمل جابر، فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا. ودعاؤه لأنس بن مالك، رضى الله تعالى عنه، بطول العمر، وكثرة المال والولد، فعاش مائة سنة أو نحوها، وولد له مائة وعشرون ولدا ذكرا لصلبه، وكان نخله يحمل فى السّنة مرّتين. ودعاوه فى تمر جابر بالبركة، فأوفى غرماءه، وفضل ثلاثة عشر وسقا. واستسقاؤه ﵊، فمطروا أسبوعا ثم استصحاؤه فانجابت السّماء. وإذا النوائب أظلمت أحداثها … لبست بوجهك أحسن الإشراق ودعاؤه على عتبة بن أبى لهب، فأكله الأسد بالزّرقاء (٢) من الشام.

стр. 82

وشهادة الشّجرة له بالرّسالة، فى خبر الأعرابىّ الذى دعاه إلى الإسلام؛ فقال: هل من شاهد على ما تقول؟ فقال: «نعم، هذه الشّجرة». ثم دعاها فأقبلت، فاستشهدها، فشهدت له أنه كما قال، ثلاثا، ثم رجعت إلى منبتها. وأمره شجرتين فاجتمعتا، ثمّ افترقتا. وأمره أنسا أن ينطلق إلى نخلات، فيقول لهنّ: أمر كنّ رسول الله ﷺ أن تجتمعن، فاجتمعن، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهنّ بالعود إلى أماكنهنّ، فعدن. ونام، فجاءت شجرة تشقّ الأرض حتى قامت عليه، فلما استيقظ ذكرت له، فقال: «هى شجرة استأذنت ربّها أن تسلّم علىّ، فأذن لها». وسلام الحجر والشجر عليه ليالى بعث: السلام عليك يا رسول الله. وقوله: «إنّى لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم علىّ قبل أن أبعث». وحنين الجذع إليه. وتسبيح الحصا فى كفّه، وكذلك الطّعام. وإعلامه الشّاة بسمّها. وشكوى البعير إليه كثرة العمل، وقلّة العلف. وسؤال الظّبية له أن يخلّصها من الحبل؛ لترضع ولديها وتعود، فخلّصها، فتلفّظت بالشهادتين. وإخباره عن مصارع المشركين يوم بدر، فلم يعد أحد منهم مصرعه. وإخباره أنّ طائفة من أمّته يغزون فى البحر، وأن أمّ حرام بنت ملحان منهم، فكذلك. وقوله لعثمان رضى الله تعالى عنه تصيبه بلوى شديدة، فكانت، وقتل. وقوله فى الحسن: «إنّ ابنى هذا سيّد، وإنّ الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من

стр. 83

المسلمين». وإخباره بقتل العنسىّ الكذّاب، وهو بصنعاء، ليلة قتله. وقوله لثابت بن قيس: «تعيش حميدا وتقتل شهيدا»، فقتل يوم اليمامة. ولما ارتدّ رجل من المسلمين، ولحق بالمشركين، بلغه أنه مات، فقال: «إنّ الأرض لا تقبله» فكان كذلك. وقوله لرجل يأكل بشماله: «كل بيمينك» فقال: لا أستطيع. فقال له: «لا استطعت» فلم يطق أن يرفعها إلى فيه بعد. ودخوله مكّة/عام الفتح، والأصنام حول الكعبة معلّقة، وبيده قضيب، فجعل يشير إليها به، ويقول (١): ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ)،﴾ وهى تتساقط. وقصّة مازن بن الغضوبة الطّائىّ (٢)، وسواد بن قارب (٣)، وأمثالهما. وشهادة الضّبّ بنبوّته. وإطعام ألف من صاع شعير بالخندق، فشبعوا والطعام أكثر ممّا كان، وأطعمهم من تمر يسير. وجمع فضل الأزواد على النّطع، ودعا لها بالبركة، ثم قسمها فى العسكر، فقامت بهم. وأتاه أبو هريرة رضى الله تعالى عنه بتمرات قد صفّهنّ فى يده، وقال: ادع لى فيهنّ بالبركة. فدعا له.

стр. 84

قال أبو هريرة: فأخرجت من ذلك التّمر كذا وكذا وسقا فى سبيل الله، وكنا نأكل منه، ونطعم، حتى انقطع فى زمن عثمان رضى الله تعالى عنه. ودعاؤه أهل الصّفّة لقصعة ثريد، قال أبو هريرة: فجعلت أتطاول ليدعونى، حتى قام القوم، وليس فى القصعة إلاّ اليسير فى نواحيها، فجمعه رسول الله ﷺ ، فصار لقمة، ووضعها على أصابعه وقال: «كل بسم (١) الله»، فو الله الذى نفسى بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت. وأمر عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه، أن يزوّد أربعمائة راكب من تمر كان فى اجتماعه كربضة البعير، فزوّدهم كلّهم منه، وبقى تحسبه كما كان. ونبع الماء من بين أصابعه حتى شرب منه القوم وتوضّئوا، وهم ألف وأربعمائة. وأتى بقدح فيه ماء، فوضع أصابعه فى القدح، فلم يسع، فوضع أربعة منها، وقال: «هلمّوا». فتوضّئوا أجمعين، وهم من السّبعين إلى الثمانين. وورد فى غزوة تبوك على ماء لا يروى واحدا، والقوم عطاش، فشكوا إليه، فأخذ سهما من كنانته، فغرسه فيها، ففار الماء، وارتوى القوم، وكانوا ثلاثين ألفا. وشكا إليه قوم ملوحة فى مائهم، فجاء فى نفر من أصحابه حتى وقف على بئرهم، فتفل فيها، فتفجّر بالماء العذب المعين. وأتته امرأة بصبىّ أقرع، فمسح على رأسه فاستوى شعره، وذهب داؤه، فسمع أهل اليمامة بذلك؛ فأتت امرأة إلى مسيلمة بصبىّ، فمسح رأسه، فتصلّع، وبقى الصّلع فى نسله. وانكسر سيف عكّاشة يوم بدر، فأعطاه جذلا من حطب، فصار فى يده سيفا، ولم يزل بعد ذلك عنه. وعزّت كدية بالخندق عن أن يأخذها المعول، فضربها فصارت كثيبا أهيل. ومسح على رجل أبى رافع، وقد انكسرت، فكأنه لم يشكها قطّ.

стр. 85

وقوله ﷺ : «إنّ الله زوى لى الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتى ما زوى لى منها». قال الصّلاح الصّفدىّ: وصدّق الله قوله، بأن ملك أمّته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر فى الجنوب ولا فى الشّمال. وأخبر عن الشّيماء بنت بقيلة الأزديّة، أنها رفعت له فى خمار أسود على بغلة شهباء، فأخذت فى زمن أبى بكر الصّديق رضى الله تعالى عنه، فى جيش خالد بن الوليد، بهذه الصّفة. وقال لرجل ممّن يدّعى الإسلام، وهو معه فى القتال: «إنه من أهل النار». فصدّق الله قوله، بأن ذلك الرجل نحر نفسه. وهذا لا يعرف البتّة بشئ من النجوم، ولا بخطّ ولا بزجر، ولا بالنّظر فى الكفّ، ولا بتصويت الودع (١). وأبطل الله تعالى ببعثته الكهانة، فانقطعت/، وكانت ظاهرة موجودة. ودعا اليهود إلى تمنّى الموت، وأخبرهم بأنهم لا يتمنّونه، فحيل بينهم وبين النّطق بذلك. وأخبر بأن عمّارا تقتله الفئة الباغية، فكان مع علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، وقتله جماعة معاوية. وأنذر بموت النّجاشىّ، وخرج هو وأصحابه إلى البقيع، فصلّوا عليه، فورد الخبر بموته بعد ذلك، فى ذلك اليوم. وخرج على نفر من أصحابه مجتمعين؛ فقال: «أحدكم فى النّار ضرسه مثل أحد». فماتوا كلّهم على الإسلام، وارتدّ منهم واحد، وهو الدّجّال الحنفىّ، فقتل مرتدّا مع مسيلمة.

стр. 86

وقال لآخرين منهم: «آخركم موتا فى النّار» فسقط آخرهم موتا فى نار، فمات، وهو سمرة بن جندب. وأخبر بأنه يقتل أميّة بن خلف الجمحىّ، فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا، فكانت منيّته منه. وأخبر فاطمة ابنته، رضى الله تعالى عنها، أنها أول أهله لحاقا به، فكانت كذلك. وأخبر نساءه أن أطولهنّ يدا أسرعهنّ لحاقا به. وكانت زينب بنت جحش الأسديّة؛ لأنها كانت كثيرة الصّدقة. وحكى الحكم بن أبى العاص مشيته ﷺ مستهزئا، فقال: «كذلك فكن»، فلم يزل يرتعش إلى أن مات. وخطب أمامة بنت الحارث بن أبى عوف، وكان أبوها أعرابيا جافيا، فقال: إنّ بها بياضا. فقال: «لتكن كذلك»، فبرصت من وقتها، فتزوّجها ابن عمّها يزيد بن حمزة، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد، وهو المعروف بابن البرصاء. وليلة ميلاده اضطرب إيوان كسرى، حتى سمع صوته، وسقطت منه أربع عشرة شرفة (١)، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة. (٢) ومن علائم نبوّته: حراسة السّماء بالشّهب التى تقذف الشياطين، فلا تسترق السّمع، وبشرى الكهّان به والهواتف، وإخبار الأحبار بظهوره، وفراسة بحيرى الرّاهب فيه، ومعرفته آيات النّبوّة وأمارات (٣) البعثة فيه. ورأوك وضّاح الجبين كما يرى … قمر السّماء السّعد ليلة يكمل

стр. 87

وولادته مختونا مسرورا، وسجع شقّ وسطيح، ورؤيا الموبذان (١)، إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة، والأمارات الباهرة، والدّلالات الزاهرة، والمعجزات القاهرة، والسّيرة التى شهرت شهرة النجوم الزّواهر، وسار الذّكر منها فى الناس سير القوافى السّوائر. وقد ألّفت (٢) العلماء (٣) الحفّاظ، والثّقات الأيقاظ فى سيرته، ومعجزاته، وفى خصائصه، ﷺ ، كتبا كثيرة، ومجلّدات كبيرة، لا يحيط بها حدّ، ولا يحصرها عدّ. وكلّ منهم بذل جهده، ولم يدّخر شيئا عنده، وما أتوا بعشر معشار فضائله، ولا بقطرة من بحار فواضله، وكان أكثر ممّا قيل ما تركوا، وكلّ منهم ينشد مع ذلك بلسان حاله، أو لسان قاله، معتذرا عن تقصيره، ومخبرا بما هو الواقع فى ظاهر ضميره، قول صاحب البردة، رحمه الله تعالى (٤): وإنّ فضل رسول الله ليس له … حدّ فيعرب عنه ناطق بفم /وأجمع ما وقفت عليه من ذلك، كتاب «الخصائص الكبرى» للجلال السّيوطىّ، وكتاب «السيرة النبوية» للحافظ تقىّ الدّين المقريزىّ، فمن أراد أن ينزّه بصره وبصيرته فى رياض الجنة، فعليه بمطالعتهما، والوقوف عليهما، جزاهما الله تعالى عن نبيّه ﷺ أحسن الجزاء، بمنّه، وكرمه، آمين. ومدحه ﷺ بالشّعر جماعة عديدة، من رجال الصّحابة ونسائهم، جمعهم الشيخ الإمام الحافظ فتح الدّين ابن سيّد الناس اليعمرىّ فى قصيدة ميميّة، ثم شرحها فى مجلّد، سمّاها «منح المدح»، ورتّبهم على حروف المعجم، فأربى فى هذا الجمع على الحافظ ابن عبد البرّ؛ لأنه ذكر منهم ما يقارب المائة والعشرين، أو ما يزيد على ذلك، والشيخ فتح الدّين قارب المائتين، كذا قاله الصّلاح الصّفدىّ (٥)، وقال: لا أعلم أحدا

стр. 88

حصّل من الصحابة الذين مدحوا النبىّ ﷺ ، هذا القدر (١)، وقد كتبت هذا المصنّف بخطّى، وسمعت من لفظه ما يقارب نصفه، وأجازنى البقيّة. وأمّا شعراؤه الذين كانوا بصدد المناضلة عنه، والهجاء لكفّار قريش، فإنهم ثلاثة: حسّان بن ثابت الأنصارىّ، وعبد الله بن رواحة الأنصارىّ، وكعب بن مالك الأنصارىّ، وكان حسّان يقبل بالهجو على أنسابهم، وعبد الله بن رواحة يعيّرهم بالكفر، وكعب بن مالك يخوّفهم الحرب، فكانوا لا يبالون قبل الإسلام بأهاجى ابن رواحة، ويألمون من أهاجى حسّان، فلما دخل من دخل منهم الإسلام، وجد ألم أهاجى ابن رواحة أشدّ وأشقّ. ومن أشهر الصّحابة بالمدح له كعب بن زهير بن أبى سلمى السّعدىّ (٢)، وقصيدته «بانت سعاد» مشهورة، وما من شاعر فى الغالب جاء بعده، ومدح رسول الله ﷺ ، إلاّ وقد نظم فى وزنها ورويّها، ولله درّ القاضى محيى الدّين ابن عبد الظّاهر، حيث يقول: (٣) لقد قال كعب فى النبىّ قصيدة … وقلنا عسى فى مدحه نتشارك فإن شملتنا بالجوائز رحمة … كرحمة كعب فهو كعب مبارك *** وهذا القدر من سيرته الشريفة ﷺ كاف فى التبرّك بذكره الشريف، وفى الدّلالة على أنه ﷺ أفضل الخلق، وأشرف الخلق، وشريعته أفضل الشرائع، وأمّته أكرم الأمم، وعلماؤها أكرم العلماء، وأمّا حصر فضائله ومعجزاته، وما خصّه الله به فى الدنيا والآخرة، وأعدّ له عنده فلا سبيل إليه، ولا يحوم طائر فكر عليه، ولا يعلمه إلاّ الله تعالى. اللهمّ أدخلنا فى شفاعته، وأمتنا على ملّته، واحشرنا فى زمره علماء أمته، ووفّقنا إلى العمل بطاعتك، ولا تمكر بنا عند الخاتمة، فإنا متوسّلون فى ذلك به إليك، ومتوكّلون فى

стр. 89

غفران الذنوب عليك (١)، وإنك جواد كريم، رءوف رحيم، لا تردّ من سألك، ولا تخيّب من قصدك، يا أرحم الراحمين (٢).

стр. 90

ترجمة الإمام الأعظم رحمه الله تعالى (¬*) هو إمام الأئمة، وسراج الأمّة، وبحر العلوم والفضائل، ومنبع الكمالات والفواضل،

стр. 91

عالم العراق، وفقيه الدنيا على الإطلاق، من أعجز (١) من بعده عن لحاقه، وفات من عاصره فى سياقه، ومن لا تنظر/العيون مثله، ولا ينال مجتهد كماله وفضله. أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى، بضمّ الزاى وفتح الطاء، وهو المشهور، وقال ابن الشّحنة، نقلا عن شيخه مجد الدّين الفيروزآباديّ، فى «طبقات الحنفيّة»: إنه بفتح الزاى والطّاء المهملة، مثل سكرى (٢). وكان زوطى مملوكا لبنى تيم الله بن ثعلبة. واختلف فى أصله فقيل: من كابل، وقيل: من بابل، وقيل: من نسا، وقيل: من ترمذ، وقيل: من الأنبار، وقيل غير ذلك. قال السّراج الهندىّ: ووجه التّلفيق بين هذه الرّوايات أن يكون جدّه من كابل، ثم انتقل منها إلى نسا، ثم إلى ترمذ، أو ولد أبوه بترمذ، ونشأ بالأنبار، إلخ. قال ابن الشّحنة: وهذا التلفيق أصله لخطيب خوارزم، ونظّر ذلك ببعض مشايخه، فقال: كأبى المعالى الفضل بن سهل الأسفراينيّ، فإن أباه من أسفراين، وولد هو بمصر، ونشأ بحلب، ثم أقام ببغداد، ومات بها، ويقال له: المصرىّ، الحلبىّ، البغدادىّ. وروى الخطيب (٣) بسنده، عن إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة، أنه كان يقول: أنا

стр. 92

إسماعيل بن حمّاد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رقّ قطّ؛ ولد جدّى فى سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علىّ بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنه، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه، وفى ذرّيّته، ونحن نرجو من الله أن يكون استجاب ذلك لعلّى بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنه، فينا. انتهى. قال السّراج الهندىّ، بعد أن نقل ما ذكر عن إسماعيل: وكذلك قاله أخو إسماعيل، ولا يحلّ لمسلم أن يظنّ بهما مع جلالة قدرهما، ودقّة ورعهما، أن ينتسبا إلى غير آبائهما. قال الخطيب البغدادىّ: (١) والنعمان بن المرزبان، أبو ثابت، هو الذى أهدى لعلىّ بن أبى طالب الفالوذج يوم النّيروز، فقال: نورزونا كلّ يوم. وقيل: كان ذلك فى المهرجان، فقال: مهرجونا كلّ يوم. وذكر فى «الجواهر المضيّة» (٢) لأبى حنيفة نسبا طويلا، أوصله إلى آدم ﵊، تركنا ذكره لعدم صحّته، والله تعالى أعلم. فصل فى ذكر مولده ووفاته، وصفته عن مزاحم بن داود بن عليّة، أنه كان يذكر عن أبيه أو غيره، أن أبا حنيفة ولد سنة إحدى وستّين، ومات سنه خمسين ومائة. وقال الخطيب (٣): لا أعلم لصاحب هذا القول متابعا، ثمّ روى بسنده عن أبى نعيم، أنّ أبا حنيفة ولد سنة ثمانين، وكان له يوم مات سبعون سنة، ومات فى سنة خمسين ومائة، وهو النعمان بن ثابت.

стр. 93

وروى عنه بسند آخر، أنه قال: ولد أبو حنيفة سنه ثمانين بلا مائة، ومات سنة خمسين ومائة، عاش سبعين سنة. واختلف فى الشهر الذى مات فيه، فقال بعضهم: فى شعبان. وقال بعضهم: فى رجب. وعن أبى يوسف: أنه مات فى النصف من شوال. وكانت وفاته بمدينة بغداد، ودفن بالجانب الشّرقىّ منها فى مقبرة الخيزران، وقبره هناك ظاهر معروف مقصود بالزيارة. وقال ابن خلّكان (١): وبنى شرف الملك أبو سعد محمّد بن منصور الخوارزمىّ، مستوفى مملكة السلطان ملك شاه السّلجوقىّ، على قبره مشهدا وقبّة، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفيّة،/ولما فرغ من عمارة ذلك، ركب إليها فى جماعة من الأعيان ليشاهدوها، فبينما هم هناك إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر مسعود المعروف بالبياضىّ (٢)، وأنشد (٣): ألم تر أنّ العلم كان مبدّدا … فجمّعه هذا المغيّب فى اللّحد كذلك كانت هذه الأرض ميتة … فأنشرها فعل العميد أبى سعد (٤) فأجازه أبو سعد بجائزة سنيّة. وكان بناء المشهد والقبّة، فى سنة تسع وخمسين وأربعمائة. وقيل: الذى بنى ذلك ألب أرسلان محمّد، والد السّلطان ملك شاه. قال ابن خلّكان: والظاهر أن أبا سعد بناهما نيابة عن ألب أرسلان المذكور، وهو كان

стр. 94

المباشر، كما جرت عادة النّوّاب مع ملوكهم، فنسبت العمارة إليه بهذا الطريق. انتهى. وأمّا ما ورد فى صفة أبى حنيفة: فمنه ما ذكر أبو نعيم، قال: كان أبو حنيفة حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الرّيح، حسن المجلس، شديد الكرم، حسن المواساة لإخوانه. وقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة ربعة من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطّويل، وكان أحسن الناس منطقا، وأحلاه نغمة، وأنبهه على ما يريده. وعن عمر بن حمّاد بن أبى حنيفة، أن أبا حنيفة كان طوالا، تعلوه سمرة، وكان لبّاسا، حسن الهيئة، كثير التعطّر، يعرف بريح الطّيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله قبل أن نراه. ﵁. فصل فى ذكر خبر ابتداء أبى حنيفة بالنّظر فى العلم عن أبى يوسف (١) أنه قال: قال لى أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخيّر العلوم، وأسأل عن عواقبها، فقيل لى: تعلّم القرآن. فقلت: إذا تعلمت القرآن، وحفظته، فما يكون آخره؟. قالوا: تجلس فى المسجد، ويقرأ عليك الصّبيان والأحداث، ثم لا تلبث أن تخرج منهم من هو أحفظ منك، أو يساويك فى الحفظ، فتذهب رياستك. قلت: فإن سمعت الحديث، وكتبته حتى لم يكن فى الدنيا أحفظ منّى؟. قالوا: إذا كبرت وضعفت، حدّثت واجتمع عليك الأحداث والصّبيان، ثم لا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب، فيصير عارا عليك فى عقبك.

стр. 95

فقلت: لا حاجة لى فى هذا. قلت: فإذا (١) حفظت العربيّة، وتعلّمت النحو ما يكون آخر أمرى؟. قالوا: تقعد معلّما، فأكثر رزقك ديناران إلى الثلاثة. قلت: وهذا لا عاقبة له. قلت: فإن نظرت فى الشّعر، فلم يكن أشعر منّى، ما يكون آخر أمرى؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك، أو يحملك على دابّة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته، فصرت تقذف المحصنات. فقلت: لا حاجة لى فى هذا. قلت: فإن نظرت فى الكلام، ما يكون آخره؟. قالوا: لا يسلم من نظر فى الكلام من مشنّعات الكلام، فيرمى بالزّندقة، فإما أن يؤخذ فيقتل، وإمّا أن يسلم فيكون مذموما ملوما. قلت: فإن تعلّمت الفقه؟ قالوا: تسأل، وتفتى الناس، وتطلب للقضاء، وإن كنت شابّا. قلت: ليس فى العلوم شئ أنفع من هذا. فلزمت الفقه، وتعلّمته. وعن زفر بن الهذيل (٢)، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: كنت انظر فى الكلام، حتى بلغت فيه مبلغا يشار إلىّ فيه بالأصابع، وكنّا نجلس بالقرب من حلقة حمّاد بن أبى سليمان، فجاءتنى امرأة يوما، فقالت:/رجل له امرأة أمة، أراد أن يطلّقها للسّنّة، كيف يطلّقها؟ فلم أدر ما أقول، فأمرتها تسأل حمّادا، ثمّ ترجع فتخبرنى.

стр. 96

فسألت حمّادا، فقال: يطلّقها وهى طاهرة من الحيض والجماع تطليقة، ثمّ يتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلت فقد حلّت للأزواج. فرجعت، فأخبرتنى، فقلت: لا حاجة لى فى الكلام، وأخذت نعلىّ، وجلست إلى حمّاد، فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله، ثمّ يعيدها من الغد، فأحفظ ويخطئ أصحابه، فقال: لا يجلس فى صدر الحلقة بحذائى غير أبى حنيفة، فصحبته عشر سنين. ثمّ إنّي نازعتنى نفسى لطلب الرياسة، فأحببت أن أعتزله، وأجلس فى حلقة لنفسى، فخرجت يوما بالعشىّ وعزمى أن أفعل، فلما دخلت المسجد، فرأيته، لم تطب (١) نفسى أن أعتزله، فجئت فجلست معه، فجاءه فى تلك الليلة نعىّ قرابة له، قد مات بالبصرة، وترك مالا وليس له وارث غيره، فأمرنى أن أجلس مكانه، فما هو إلا أن خرج حتى وردت علىّ مسائل لم أسمعها منه، فكنت أجيب وأكتب جوابى، فغاب شهرين، ثم قدم، فعرضت عليه المسائل، وكانت نحوا من ستّين مسألة، فوافقنى فى أربعين، وخالفنى فى عشرين. فآليت على نفسى أن لا أفارقه حتى (٢) يموت، فلم أفارقه حتى مات. وروى عن أبى حنيفة أنه قال (٣): قدمت البصرة، فظننت أنّى لا أسأل عن شئ إلاّ أجبت فيه، فسألونى عن أشياء لم يكن عندى فيها جواب، فجعلت على نفسى أن لا أفارق حمّادا حتى يموت، فصحبته ثمانى عشرة سنة. وعن ابن سماعة (٤)، أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما صلّيت صلاة مذ مات حمّاد إلاّ استغفرت له مع والدىّ، وإنّي لأستغفر لمن تعلّمت منه علما، أو علّمته علما. وعن يونس (٥) بن بكير، أنه قال: سمعت إسماعيل بن حمّاد بن أبى سليمان، يقول: عاب أبى غيبة فى سفر له، ثم قدم، فقلت له: يا أبة، إلى أىّ شئ كنت أشوق؟

стр. 97

قال: وأنا أرى أنه يقول: إلى ابنى. فقال: إلى أبى حنيفة، ولو أمكننى أن لا أرفع طرفى عنه فعلت. وعن أبى مطيع البلخىّ (١) أنه قال: قال أبو حنيفة: دخلت على أبى جعفر أمير المؤمنين، فقال: يا أبا حنيفة عن من أخذت العلم؟. قال: قلت عن حمّاد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبّاس. قال: فقال أبو جعفر: بخ بخ، استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة عن الطّيّبين المباركين، صلوات الله عليهم. وعن ابن أبى أويس (٢)، قال: سمعت الرّبيع بن يونس، يقول: دخل أبو حنيفة يوما على المنصور، وعنده عيسى بن موسى، فقال للمنصور: هذا عالم الدنيا اليوم. فقال له: يا نعمان، عن من أخذت العلم؟ قال: عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علىّ عن علىّ، وعن أصحاب عبد الله عن عبد الله، وما كان فى وقت ابن عبّاس على وجه الأرض أعلم منه. قال: لقد استوثقت لنفسك. وروى عن أبى حنيفة، أنه قال: رأيت رؤيا فأفزعتنى، رأيت كأنى أنبش قبر النبىّ ﷺ ، فأتيت البصرة، فأمرت رجلا أن يسأل محمّد بن سيرين، فسأله، فقال: هذا رجل ينبش أخبار رسول الله ﷺ . وفى رواية أنه قال: صاحب هذه الرؤيا يثوّر (٣) علما لم يسبقه إليه/أحد قبله.

стр. 98

قال هشام (١): فنظر أبو حنيفة، وتكلّم حينئذ (٢). والله تعالى أعلم. فصل فى مناقب أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وثناء الأئمة عليه روى الخطيب البغدادىّ (٣) بسنده، عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «إنّ فى أمّتى رجلا»، وفى حديث القصرىّ (٤): «يكون فى أمّتى رجل، اسمه النّعمان، وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمّتى (٥)» قال الخطيب، بعد روايته: قلت: وهو حديث موضوع، وتفرّد بروايته البورقىّ (٦). قلت: قد ذكر أنه موضوع غير الخطيب أيضا، وإنما ذكرناه نحن هنا لاحتمال صحّته فى نفس الأمر عند الله تعالى، ولأن معناه متحقّق فى الإمام رضى الله تعالى عنه، فإنه، بلا شبهة ولا ريب، سراج يستضاء بنور علمه، ويهتدى بسناء فكره الثاقب، وحسن فهمه، ولأنه لا يترتّب عليه شئ من أحكام الدين، ولا يثبت به قاعدة من قواعد الإسلام. وروى الخطيب (٧) أيضا، عن الحسن بن سليمان، فى تفسير الحديث: «لا تقوم السّاعة حتّى يظهر العلم» قال: هو علم أبى حنيفة وتفسيره للآثار (٨).

стр. 99

وروى أيضا عن خلف بن أيّوب، انه قال: صار العلم من عند (١) الله تعالى إلى محمّد ﷺ ، ثم صار إلى أصحابه، ثم صار إلى التّابعين، ثمّ صار إلى أبى حنيفة وأصحابه، فمن شاء فليرض، ومن شاء فليسخط. وعن إسحاق بن بهلول (٢)، سمعت ابن عيينة، يقول: «ما مقلت عينى مثل أبى حنيفة». وعن إبراهيم بن عبد الله الخلاّل، قال: سمعت ابن المبارك يقول: كان أبو حنيفة آية. فقال له قائل: فى الشرّ يا أبا عبد الرحمن، أو فى الخير؟ فقال: اسكت يا هذا؛ فإنه يقال: غاية فى الشّرّ، آية (٣) فى الخير، ثم تلا هذه الآية (٤): ﴿(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾. وعن ابن المبارك أيضا (٥)، قال: ما كان أوقر مجلس أبى حنيفة، كان حسن السّمت، حسن الوجه، حسن الثوب، ولقد كنّا يوما فى مسجد الجامع، فوقعت حيّة، فسقطت فى حجر أبى حنيفة، وهرب الناس غيره، ما رأيته زاد على أن نفض الحيّة، وجلس مكانه. وعنه أيضا (٦)، أنه قال: لولا أن الله أعاننى (٧) بأبى حنيفة وسفيان، لكنت كسائر الناس. وعن أبى يحيى الحمّانىّ أنه كان يقول (٨): ما رأيت رجلا قطّ خيرا من أبى حنيفة.

стр. 100

وكان أبو بكر (١) الواعظ، يقول: أبو حنيفة أفضل أهل زمانه. وعن سهل بن مزاحم (٢)، أنه كان يقول: بذلت الدنيا لأبى حنيفة فلم يردها، وضرب عليها بالسّياط فلم يقبلها. وقيل للقاسم بن معن (٣) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: ترضى أن تكون من غلمان أبى حنيفة؟. قال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبى حنيفة. وحدّث الشافعىّ محمد بن إدريس (٤)، قال: قيل لمالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة؟. قال: نعم، رأيت رجلا لو كلّمك فى هذه السّارية أن يجعلها ذهبا، لقام بحجّته. وعن روح بن عبادة (٥)، أنه قال: كنت عند ابن جريج سنه خمسين، وأتاه موت أبى حنيفة، فاسترجع، وتوجّع، وقال: أىّ علم ذهب. قال: ومات فيها ابن جريج. وروى عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: قدمت الشام على الأوزاعىّ، فرأيته ببيروت، فقال لى: يا خراسانىّ، من هذا المبتدع الذى خرج بالكوفة، يكنى أبا حنيفة؟! فرجعت إلى/بيتى، فأقبلت على كتب أبى حنيفة، فأخرجت منها مسائل من جياد (٦) المسائل، وبقيت فى ذلك ثلاثة أيام، فجئته يوم الثالث وهو مؤذّن مسجدهم وإمامهم، والكتاب فى يدى، فقال لى: أىّ شئ هذا الكتاب؟

стр. 101

فناولته، فنظر فى مسألة منها وقّعت عليها: قال النعمان بن ثابت (١). فما زال قائما بعد ما أذّن حتى قرأ صدرا من الكتاب، ثم وضع الكتاب فى كمّه، ثم قام وصلّى، ثمّ أخرج الكتاب حتى أتى عليها. فقال: يا خراسانىّ، من النعمان بن ثابت هذا؟ قلت: شيخ لقيته بالعراق. فقال: هذا نبيل من المشايخ، اذهب فاستكثر منه. قلت: هذا أبو حنيفة الذى نهيت عنه. وعن مسعر بن كدام (٢)، أنه قال: ما أحسد أحدا بالكوفة إلاّ رجلين، أبا حنيفة فى فقهه، والحسن بن صالح فى زهده. وعن إبراهيم بن الزّبرقان، أنه قال: كنت يوما عند مسعر، فمرّ بنا أبو حنيفة، فسلّم ووقف عليه، ثم مضى، فقال بعض القوم لمسعر: ما أكثر خصوم أبى حنيفة!! فاستوى مسعر منتصبا، ثم قال: إليك فما رأيته خاصم أحدا قطّ إلا فلج (٣) عليه. وعن أبى غسّان (٤)، أنه قال: سمعت إسرائيل، يقول: كان نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكلّ حديث فيه فقه، وأشدّ فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه. وكان مسعر يقول: من (٥) جعل أبا حنيفة بينه وبين الله رجوت أن لا يخاف، ولا يكون فرّط فى الاحتياط لنفسه. وعن علىّ ابن المدينىّ (٦) أنه قال: سمعت عبد الرّزّاق، يقول: كنت عند معمر، فأتاه ابن المبارك، فسمعنا معمرا يقول: ما أعرف رجلا يحسن يتكلم فى الفقه، أو يسعه أن يقيس

стр. 102

ويشرح لمخلوق النجاة فى الفقه، أحسن معرفة من أبى حنيفة (١)، ولا أشفق على نفسه (٢)، أن يدخل فى دين الله شيئا من الشّكّ من أبى حنيفة. وعن عبد الله بن أبى جعفر الرّازىّ (٣) قال: سمعت أبى يقول: ما رأيت أحدا أفقه من أبى حنيفة، وما رأيت (٤) أورع من أبى حنيفة. وحدّث سعيد بن منصور (٥)، قال: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: كان أبو حنيفة رجلا فقيها، معروفا بالفقه، مشهورا بالورع، واسع المال، معروفا بالإفضال على كلّ من يضيف، صبورا على تعليم العلم بالليل والنّهار، حسن الليل (٦)، كثير الصّمت، قليل الكلام، حتى ترد مسألة فى حلال أو حرام، وكان (٧) يحسن (٨) يدلّ على الحقّ، هاربا من مال السّلطان (٩)، وكان إذا وردت مسألة فيها حديث صحيح اتّبعه، وإن كان عن الصّحابة والتّابعين، وإلاّ قاس فأحسن (١٠) القياس. وقال أبو يوسف (١١): ما رأيت أحدا أعلم بتفسير الحديث، ومواضع النّكت التى فيه من الفقه، من أبى حنيفة. وقال: ما خالفت أبا حنيفة فى شئ قطّ، فتدبّرته، إلاّ رأيت مذهبه الذى ذهب إليه أنجى فى الآخرة، وكنت ربّما ملت إلى الحديث، وكان هو أبصر بالحديث الصحيح منّى.

стр. 103

وقال: إنّي لأدعو لأبى حنيفة قبل أبوىّ (١)، ولقد سمعت أبا حنيفة يقول: إنّي لأدعو لحمّاد مع أبوىّ. *وقال الأعمش يوما لأبى يوسف (٢): كيف ترك صاحبك أبو حنيفة قول عبد الله: عتق الأمة طلاقها؟ قال: تركه لحديثك الذى حدّثته عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أن بريرة حين أعتقت خيّرت. قال الأعمش: إن أبا حنيفة لفطن. وأعجبه (٣) ما أخذ به أبو حنيفة./ وعن أبى بكر بن عيّاش (٤)، قال: مات عمر بن سعيد أخو سفيان، فأتيناه نعزّيه، فإذا المجلس غاصّ بأهله، وفيهم عبد الله بن إدريس، إذ أقبل أبو حنيفة فى جماعة معه، فلما رآه سفيان تحرّك من مجلسه، ثم قام فاعتنقه، وأجلسه فى موضعه، وقعد بين يديه. قال أبو بكر: فاغتظت عليه. وقال ابن إدريس: ألا ترى ويحك! فجلسنا حتى تفرّق الناس، فقلت لعبد الله بن إدريس: لا تقم حتى نعلم ما عنده فى هذا. فقلت: يا أبا عبد الله، رأيتك اليوم فعلت شيئا أنكرته وأنكره أصحابنا عليك. قال: وما هو؟ قلت: جاء أبو حنيفة، فقمت إليه، وأجلسته فى مجلسك، وصنعت به صنيعا بليغا، وهذا عند أصحابنا منكر.

стр. 104

فقال: وما أنكرت من ذلك! هذا رجل من العلم بمكان، فإن لم أقم لعلمه قمت لسنّه، وإن لم أقم لسنّه قمت لفقهه، وإن لم أقم لفقهه قمت لورعه. فأفحمنى فلم يكن عندى جواب. وعن محمّد بن الفضل الزاهد البلخىّ (١)، قال: سمعت أبا مطيع الحكم بن عبد الله، يقول: ما رأيت صاحب حديث أفقه من سفيان الثّورىّ، وكان أبو حنيفة أفقه منه. وعن الحسن بن علىّ، أنه قال: سمعت يزيد بن هارون، وقد (٢) سأله إنسان، فقال: يا أبا خالد، من أفقه من رأيت؟ قال: أبو حنيفة. قال الحسن: ولقد قلت لأبى عاصم-يعنى النّبيل-أبو حنيفة أفقه أو سفيان؟ قال: عبد أبى حنيفة أفقه من سفيان. وسئل يزيد بن هارون (٣)، (٤) مرّة أخرى (٤)، أيّهما أفقه أبو حنيفة أو سفيان؟ قال: سفيان أحفظ للحديث، وأبو حنيفة أفقه. وقال أبو عاصم النّبيل (٣)، وقد سئل أيضا عنهما: غلام من غلمان أبى حنيفة أفقه من سفيان. وقال سجّادة (٣): دخلت على يزيد بن هارون، أنا وأبو مسلم المستملى، وهو نازل ببغداد على المنصور (٥) بن المهدىّ، فصعدنا إلى غرفة هو فيها، فقال له أبو مسلم: ما تقول يا أبا خالد فى أبى حنيفة، والنّظر فى كتبه؟

стр. 105

قال: انظروا فيها إن كنتم تريدون أن تفقهوا؛ فإنى ما رأيت أحدا من الفقهاء يكره النّظر فى قوله، ولقد احتال الثّورىّ فى «كتاب الرّهن» حتى نسخه. وروى عن عبد الله بن المبارك (١)، أنه قال: رأيت أعبد الناس؛ ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس، فأمّا أعبد الناس فعبد العزيز بن أبى روّاد، وأمّا أورع الناس فالفضيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسفيان الثّورىّ، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة (٢)، ما رأيت فى الفقه مثله. وعنه أيضا (٣)، أنه قال: إن كان الأثر قد عرف واحتيج إلى الرّأى، فرأى مالك، وسفيان، وأبى حنيفة، وأبو حنيفة (٤) أحسنهم، وأدقّهم فطنة، وأغوصهم على الفقه، وهو أفقه الثلاثة. وقال (٥) أبو عاصم النّبيل، وقد سئل: أيّهما أفقه؛ سفيان، أو أبو حنيفة؟ فقال: إنما يقاس الشئ إلى شكله، أبو حنيفة فقيه تامّ الفقه، وسفيان رجل متفقّه. وقال ابن المبارك (٦): رأيت مسعرا فى حلقة أبى حنيفة، جالسا بين يديه، يسأله ويستفيد منه، وما رأيت أحدا قطّ فى الفقه أحسن من أبى حنيفة. وعن إبراهيم بن هاشم (٧)، عن أبى (٨) داود، أنه قال: إذا أردت الآثار. أو قال: الحديث. وأحسبه (٩) /قال: والورع، فسفيان، وإذا أردت تلك الدّقائق، فأبو حنيفة.

стр. 106

وقال محمّد بن بشر: كنت أختلف إلى أبى حنيفة، وإلى سفيان، فآتى أبا حنيفة فيقول لى: من أين جئت؟. فأقول: من عند سفيان. فيقول: لقد جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا إلى مثله. فآتى سفيان، فيقول لى: من أين جئت؟. فأقول: من عند أبى حنيفة. فيقول: لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض. وقال أبو نعيم (١): كان أبو حنيفة صاحب غوص فى المسائل. وعن أبى عبد الله الكاتب، قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبىّ (٢) يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبى حنيفة فى صلواتهم. قال: وذكر حفظه عليهم السّنن والفقه. وقال شدّاد بن حكيم: ما رأيت أعلم من أبى حنيفة. وقال مكّىّ بن إبراهيم (٣): كان أبو حنيفة أعلم أهل زمانه. وقال النّضر بن شميل: كان الناس نياما عن الفقه، حتى أيقظهم أبو حنيفة؛ فيما فتّقه وبيّنه ولخّصه. وحدّث أحمد بن على بن سعيد القاضى، قال سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت

стр. 107

يحيى بن سعيد القطّان، يقول: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأى أبى حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب فى الفتوى إلى قول الكوفيّين، ويختار من قولهم قوله، ويتبع رأيه من بين أصحابه. وقال الإمام الشافعىّ (١): الناس عيال على أبى حنيفة فى الفقه. وقال أيضا: ما رأيت أفقه من أبى حنيفة. يعنى ما علمت (٢). وقال (٣): كان أبو حنيفة ممّن وفّق له الفقه، ومن أراد أن يتبحّر فى الشّعر فهو عيال على زهير بن أبى سلمى، ومن أراد أن يتبحّر فى المغازى فهو عيال على محمّد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحّر فى النحو فهو عيال على الكسائىّ، ومن أراد أن يتبحّر فى تفسير القرآن فهو عيال على مقاتل بن سليمان. وعن حرملة (٤)، أنه قال: سمعت الشافعىّ، يقول: الناس عيال على هؤلاء الخمسة. وعن الحسن بن عثمان (٤)، أنه كان يقول: وجدت العلم بالعراق والحجاز ثلاثة، علم أبى حنيفة، وتفسير الكلبىّ، ومغازى محمّد بن إسحاق. وعن أحمد بن عطيّة (٤)، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: القراءة عندى قراءة حمزة، والفقه فقه أبى حنيفة، على هذا أدركت الناس. (٥) وعن أبى علىّ الجبّائىّ المعتزلىّ المشهور، أنه قال: الحديث لأحمد بن حنبل، والفقه لأصحاب أبى حنيفة، والكلام للمعتزلة، والكذب للرّافضة (٥). وقال جعفر بن ربيع (٦): أقمت على أبى حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتا

стр. 108

منه، فإذا سئل عن شئ من الفقه تفتّح وسال كالوادى، وسمعت له دويّا، وجهارة بالكلام. وقال إبراهيم بن عكرمة المخزومىّ (١): ما رأيت أحدا أورع، ولا أفقه من أبى حنيفة. وعن علىّ بن عاصم (٢)، قال: دخلت على أبى حنيفة وعنده حجّام يأخذ من شعره، فقال للحجّام: تتبّع موضع البياض. فقال الحجّام: لا، فإنه يكثر. قال: فتتبّع مواضع السّواد، لعلّه يكثر. وبلغت هذه الحكاية شريكا، فضحك، وقال: لو ترك قياسه لتركه مع الحجّام. *وروى الخطيب فى «تاريخه» (٣)، عن محمد بن فضيل الزّاهد، قال: سمعت أبا مطيع، يقول: مات رجل/وأوصى إلى أبى حنيفة وهو غائب. قال: فقدم أبو حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة، وادّعى الوصيّة، وأقام البيّنة، أن فلانا مات وأوصى إليه. فقال ابن شبرمة: يا أبا حنيفة، احلف أنّ شهودك شهدوا بحقّ. قال: ليس علىّ يمين. قال: ضلّت مقاييسك (٤) يا أبا حنيفة. قال أبو حنيفة: بل (٥) ضلّت مقاييسك أنت (٥)، ما تقول فى أعمى شجّ، فشهد له شاهدان أن فلانا شجّه، هل (٦) على الأعمى يمين أن شهوده شهدوا بالحق، وهو لا يرى؟ (٦) فانقطع ابن شبرمة (٦).

стр. 109

*وروى الخطيب أيضا (١)، عن النّضر بن محمّد، قال: دخل قتادة الكوفة، ونزل فى دار أبى بردة، فخرج يوما، وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذى لا إله إلا هو، ما يسألنى اليوم أحد عن الحلال والحرام إلا أجبته. فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطّاب، ما تقول فى رجل غاب عن أهله أعواما، فظنّت امرأته أن زوجها مات، فتزوّجت، ثم رجع زوجها الأوّل، ما تقول فى صداقها؟ وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدّث بحديث ليكذبنّ، وإن قال برأى نفسه ليخطئنّ. فقال قتادة: ويلك، أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا. قال: فلم تسألنى عمّا لم يقع؟ فقال أبو حنيفة: إنا نستعدّ للبلاء قبل نزوله، فإذا وقع عرفنا الدّخول فيه والخروج منه. قال قتادة: والله لا أحدّثكم بشئ من الحلال والحرام، سلونى عن التفسير. *فقام إليه أبو حنيفة، فقال له: يا أبا الخطّاب: ما تقول فى قول الله تعالى (٢): ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)؟﴾. قال: نعم، هذا آصف بن برخيا بن شمعيا، كاتب سليمان بن داود، وكان يعرف اسم الله الأعظم. فقال أبو حنيفة: وهل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال: لا.

стр. 110

قال: فيجوز أن يكون فى زمان نبىّ من هو أعلم من النبىّ؟ قال: فقال قتادة: والله لا أحدّثكم بشئ من التفسير، سلونى عمّا اختلف فيه العلماء. *قال: فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطّاب، أمؤمن أنت؟ قال: أرجو. قال: ولم؟ قال: لقول إبراهيم ﵊ (١): ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. فقال أبو حنيفة: فهلا قلت كما قال إبراهيم، ﵊ (٢): ﴿قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى﴾. قال: فقام قتادة مغضبا، ودخل الدّار، وحلف أن لا يحدّثهم. وروى الخطيب أيضا (٣)، عن الفضل بن غانم، قال: كان أبو يوسف مريضا شديد المرض، فعاده أبو حنيفة مرارا، فصار إليه آخر مرّة، فرآه ثقيلا، فاسترجع، ثم قال: لقد كنت أؤمّلك بعدى للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتنّ علم كثير. ثم رزق العافية، وخرج من العلّة، فأخبر أبو يوسف بقول أبى حنيفة فيه، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه، فعقد لنفسه مجلسا فى الفقه، وقصّر عن لزوم مجلس أبى حنيفة، فسأل عنه، فأخبر أنه عقد لنفسه مجلسا، وأنه بلغه كلامك فيه. *فدعا رجلا كان له عنده قدر، فقال: صر إلى مجلس يعقوب، فقل له: ما تقول فى رجل دفع إلى قصّار ثوبا ليقصره بدرهم (٤)، فصار إليه بعد أيّام فى طلب الثوب، فقال له
следующие страницы →