وقال الشافعىّ: ليس له ذلك.
*مسألة، السّلطان إذا احتاج إلى تقويه الجيش، فأخذ من أرباب الأموال ما يكفيه من غير رضاهم، له ذلك.
ومثل هذه المسائل كثيرة، قلّ أن تحصر فى مصنّف، وفيما ذكرناه منها كفاية للمنصف؛ فإنه إذا تأمّل ما أوردناه، ونظر بعين الإنصاف إلى ما قرّرناه، ظهر له أن مذهبنا أوفق للإمامة من غيره، وأكثر تفويضا للأئمّة من سواه، والله الموفّق للصّواب.
*** ومن التّشنيعات أيضا، قولهم: إنّه قدّم القياس الذى اختلف الناس فى كونه حجّة على الأخبار الصّحيحة، التى اتّفق العلماء على كونها حجّة.
والجواب/أن هذا القول (١) زعم منهم، فإن أبا حنيفة أخذ بكتاب الله تعالى، ثم بسنّة رسول الله ﷺ ، ثم بما اتّفقت عليه الصحابة، ثم بما جاء عن واحد من الصّحابة، وثبت ذلك واشتهر ولم يظهر له فيه مخالف، وإن كان أمرا اختلف فيه الصّحابة والعلماء فإنه يقيس الشئ بالشئ حتى يتّضح الأمر، ثم بالقياس إن لم يكن فى الحادثة شئ ممّا ذكرناه.
والدّليل على أن مذهب أبى حنيفة على الصّفة المشروحة، ما روى أبو مطيع البلخىّ، قال: [كتب] (٢) أبو جعفر المنصور إلى أبى حنيفة يسأله عن مسائل، وكان ممّا سأل:
أخبرنى عن ما أنت عليه، فقد وقع فيك الناس، وزعموا أنّك ذو رأى، وصاحب اجتهاد وقياس، وكتبت (٣) إليك بالمسائل، فإن كنت بها عالما علمنا أنك تقول بما نقول، وإن اشتبهت عليك، وتماديت فيها، علمنا أنك تقول بالقياس، والسّلام.
стр. 142
فأجاب عن تلك المسائل، وقال: يعلم أمير المؤمنين أن الذين يقعون فينا لأنّا نعمل بكتاب الله، ثم سنّة رسوله ﵊، ثم بأحاديث الصحابة أبى بكر وعمر وعثمان وعلى ونحوهم، وهذا حسد منهم، وطعن فى الدّين، وهذا علم لا يعرفه إلاّ الخبير البصير، والله ما تكلّمت بمسألة حتى أذنت (١) نفسى بالنصيحة، وليس بين الله وبين خلقه قرابة، وقد قالت الصّحابة والتابعون: الأمر بالرّأى لا بالكبر والسّنّ، فمن وافق كان أقرب إلى الحقّ، وأوفق للقرآن والسّنن، فالأولى أن يعمل بقولهم.
وقال أبو مطيع البلخىّ لأبى حنيفة: أرأيت لو رأيت رأيا، ورأى أبو بكر رأيا غيره، أتدع رأيك برأيه؟
قال: نعم.
فقلت: أرأيت (٢) لو رأيت رأيا، ورأى عمر رأيا، أتدع رأيك برأيه؟
قال: نعم.
قال: ثم سألته عن عثمان وعلىّ، فأجاب بمثل هذا، وقال: إنّي أدع رأيى عند رأى جميع الصحابة، إلا ثلاثة أنفس: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وسمرة بن جندب.
فهذا يدلّ على أنه يؤخّر القياس عند الآثار.
ويدلّ على ذلك أيضا، ما روى عن محمّد بن النّضر، وكان من كبار العلماء، وأنه قال:
ما رأيت أحدا تمسّك بالآثار أكثر (٣) من أبى حنيفة.
وعن أبى مطيع البلخىّ، أن سفيان الثّورىّ، ومقاتل بن حيّان (٤)، وحمّاد بن سلمة، وغيرهم من فقهاء ذلك العصر، اجتمعوا وقالوا: إن النّعمان هذا يدّعى الفقه، وما عنده إلا
стр. 143
القياس، فتعالوا حتى نناظره فى ذلك، فإن قال: إنه قياس. قلنا له: عبدت الشمس بالمقاييس، وأوّل من قاس إبليس، لعنه الله، حيث قال (١): ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
فناظرهم أبو حنيفة، يوم الجمعة فى جامع الكوفة، وعرض عليهم مذهبه كما ذكرنا، فقالوا: إنك سيّد العلماء، فاعف عنّا؛ فإنّنا وقعنا فيك من غير تجربة ولا رويّة.
فقال لهم أبو حنيفة: غفر الله لنا ولكم.
وروى أن أبا حنيفة كان يتكلّم فى مسألة من المسائل القياسيّة، وشخص من أهل المدينة يتسمّع، فقال: ما هذه المقايسة، دعوها فإن أوّل من قاس إبليس.
فأقبل عليه أبو حنيفة، فقال: يا هذا، وضعت الكلام فى غير موضعه/، إبليس ردّ على الله تعالى أمره، قال الله تعالى (٢): ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)،﴾ وقال تعالى (٣): ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ)،﴾ وقال (٤): ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ)،﴾ وقال (٥): ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ فاستكبر وردّ على الله أمره، وكلّ من ردّ على الله تعالى أمره فهو كافر، وهذا القياس الذى نحن فيه نطلب فيه اتّباع أمر الله تعالى؛ لأنّا نردّه إلى أصل أمر الله تعالى فى الكتاب، أو السّنّة، أو إجماع الصّحابة والتّابعين، فلا نخرج من أمر الله تعالى، ويكون العمل على الكتاب والسّنّة والإجماع، فاتّبعنا فى أمرنا إليها أمر الله تعالى، قال الله تعالى (٦): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)،﴾ فنحن ندور حول الاتّباع، فنعمل بأمر الله تعالى، وإبليس خالف أمر الله تعالى، وردّه عليه، فكيف يستويان؟ فقال الرجل: غلطت يا أبا حنيفة، وتبعت إلى الله تعالى، فنوّر الله قلبك كما نوّرت قلبى.
***
стр. 144
ولا بأس بذكر بعض المسائل الشّاهدة لما ذكرنا، والموضّحة لما قرّرنا، على أنها لا تدخل تحت الحصر، والله الموفّق للصّواب:
*مسألة، رجل ردّ عبدا آبقا من مسيرة ثلاثة أيّام.
قال أبو حنيفة: له الجعل أربعون درهما. وكان القياس أن لا يجب، فترك القياس وأخذ من ذلك بالخبر الذى روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه، فى خبر طويل، أن رجلا قدم بآبق من الفيّوم (١)، فقال القوم: لقد أصاب أجرا.
فقال ابن مسعود: وأصاب جعلا.
وقال من خالفه: لا يجب الجعل. فترك الخبر وأخذ بالقياس.
*مسألة، ولو أن رجلا حلق لحية رجل، أو حاجبيه، فلم تنبت ثانيا.
قال أبو حنيفة: يجب على الحالق دية كاملة.
وقال من خالفه: لا يجب الدّية على الكمال.
وكان القياس أن لا تجب الدّية على الكمال، فترك القياس، وأخذ بالخبر المروىّ فى حديث سعيد بن المسيّب، رحمه الله تعالى.
*مسألة، ولو أن رجلا أوجب على نفسه أن ينحر ولده.
قال أبو حنيفة: يلزمه أن يذبح شاة.
وقال من خالفه: لا يجب عليه شئ. فأخذ بالقياس وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلا حلف، وقال: إن فعلت كذا فأنا برئ من الإسلام. ففعل ذلك.
стр. 145
قال أبو حنيفة: يجب عليه كفّارة يمين.
وكان القياس أن لا يجب عليه شئ، فترك القياس، وأخذ بالخبر المروىّ عن عائشة، وابن عمر، ﵄، أنهما أوجبا فيه كفّارة يمين.
وقال من خالفه: لا شئ عليه إلاّ التّوبة. فأخذ بالقياس.
*مسألة، ولو أن رجلا اشترى شيئا بألف درهم، وقبضة، ولم ينقد الثمن، ثم باعه من البائع بخمسمائة درهم.
قال أبو حنيفة: بيع الثانى لا يجوز.
وكان ينبغى فى القياس أن يجوز. فترك القياس، وأخذ فى ذلك بخبر روى عن عائشة، ﵂، أنها قالت للمرأة التى سألتها عن هذا البيع: أبلغى زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل جهاده/مع رسول الله ﷺ إن لم يتب.
وقال من خالفه: يجوز بيعه. فأخذ بالقياس وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلا باع من ذمّىّ خمرا.
قال أبو حنيفة: جاز بيعه.
وكان ينبغى فى القياس أن لا يجوز، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر الذى روى عن عمر أنه قال: ولّوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها.
وقال من خالفه: لا يجوز بيعه. وأخذ بالقياس وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلا اغتسل من الجنابة، ولم يتمضمض ولم يستنشق، وصلّى على ذلك.
قال أبو حنيفة: لا يجوز ما لم يتمضمض ويستنشق.
فرآهما فرضين فى الجنابة، وكان القياس أن لا يكونا فرضين، فترك القياس، وأخذ بخبر
стр. 146
الواحد، وهو ما روى عن ابن عبّاس، رضى الله تعالى عنهما، أنه قال: من ترك المضمضة، والاستنشاق، فى الجنابة، وصلّى، تمضمض، واستنشق، وأعاد ما صلّى.
وقال من خالفه: المضمضة والاستنشاق غير مفروضين فى غسل الجنابة. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
ويقع (١) الخلاف من هذا الجنس بين أبى حنيفة ومالك؛ لأن عند أبى حنيفة الخبر المروىّ من طريق الآحاد مقدّم على القياس، وعند مالك، القياس مقدّم على الخبر المروىّ من طريق الآحاد.
*مسألة، ولو أن صائما أكل، أو شرب، أو جامع، ناسيا.
قال أبو حنيفة: لا يبطل صومه.
وكان القياس أن يبطل، فترك القياس، وأخذ بخبر رواه أبو هريرة، عن النبى ﷺ : «الصّائم إذا أكل أو شرب ناسيا فليتمّ صومه، فإنّ الله تعالى أطعمه وسقاه».
وقال من خالفه: يبطل صومه. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلا تزوّج أمة على حرّة.
قال أبو حنيفة: لا يجوز.
وكان القياس أن يجوز؛ إلاّ أنه ترك القياس، وأخذ فى ذلك بخبر، روى عن النبىّ ﷺ ، أنه قال: «لا تنكح الأمة على الحرّة».
وقال من خالف: يجوز نكاحها. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، إذا تزوّج العبد بإذن مولاه.
стр. 147
قال أبو حنيفة: لا يجوز أن يتزوّج أكثر من امرأتين.
وكان القياس أن يجوز له أن يتزوّج بأربع نسوة كالحرّ، إلاّ أن أبا حنيفة ترك القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روى عن النبىّ ﷺ ، أنه قال: «لا يتزوّج العبد أكثر من اثنتين».
وقال من خالفه بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، رجل وهب آخر هبة، ولم يقبضها الموهوب له.
قال أبو حنيفة: لا تصحّ الهبة.
وكان القياس أن تصحّ، إلاّ أنه ترك القياس، وأخذ بالخبر الوارد فى ذلك، وهو ما روى عن أبى بكر الصّدّيق، ﵁، أنه قال لعائشة: كنت نحلتك جداد (١) عشرين وسقا بالعالية (٢)، ولم تكونى حزتيه، ولا قبضتيه، وإنما هو مال الوارث. جعل القبض شرطا.
ومخالفه أخذ بالقياس، وترك الخبر.
*/مسألة، إذا تزوّج الرّجل امرأة وهو غير كفء لها.
قال أبو حنيفة: للأولياء حقّ الاعتراض.
وكان القياس أن لا يكون لهم ذلك، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روى عن النبىّ ﷺ ، أنه قال؛ «لا تزوّج النّساء إلاّ من كفء (٣)».
ومخالفه أخد بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، عبد بين اثنين، أعتقه أحدهما وهو معسر.
стр. 148
قال أبو حنيفة: على العبد أن يسعى فى نصف قيمته.
وكان القياس أن لا سعاية عليه؛ لأنه لم تكن منه جناية، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روى أبو هريرة ﵁، عن النبىّ ﷺ ، أنه قال فى عبد بين اثنين أعتقه أحدهما: «إن كان موسرا ضمن نصف قيمته، وإن كان معسرا سعى العبد فى نصف قيمته غير مشقوق (١) عليه».
وقال المخالف: لا سعاية عليه. فأخذ القياس وترك الخبر.
*مسألة، السّكران إذا طلّق امرأته.
قال أبو حنيفة: يقع طلاقه وعتاقه.
وكان القياس أن لا يقع، فترك القياس، وأخد بخبر رواه أبو هريرة رضى الله تعالى عنه، عن النبىّ ﷺ ، أنه قال: «ثلاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: الطّلاق، والعتاق، والنّكاح».
وقال من خالفه: لا يقع طلاقه، وعتاقه؛ لأنه لا يعقل. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، لو اجتمع جماعة فى قتل رجل عمدا.
قال أبو حنيفة: يقتلون جميعا.
وكان القياس أن لا تقتل الجماعة بواحد، فترك القياس، وأخذ بخبر روى عن عمر رضى الله تعالى عنه، أنّه قتل سبعة نفر بقتل رجل واحد، فترك القياس بهذا، حتى قال عمر، رضى الله تعالى عنه: لو اجتمع أهل صنعاء على قتله لقتلتهم به.
وقال من خالفه: لا تقتل الجماعة بواحد. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
وفى هذا القدر كفاية فى الدّلالة على أن أبا حنيفة ﵁ لم يقدّم القياس على
стр. 149
الخبر، ومن ادّعى ذلك فليس عنده خبر، وأن مخالفه هو الذى فعل ذلك، والله أعلم.
*** ومن جملة التّشنيعات فى حقّ الإمام، رضى الله تعالى عنه، أنهم زعموا أنه ترك من (١) فروع الفقه طريق الاحتياط والتورّع، وأفرط فى الرّخصة فيما يحتاج فيه إلى التحرّج.
والجواب عن ذلك، أن هذا زعم ممنوع، وقول غير مسموع، لأن أبا حنيفة رضى الله تعالى عنه، كان من أزهد الناس وأورعهم وأتقاهم لله تعالى، وقد ذكرنا سابقا من شهادة العلماء له (٢) بذلك ما فيه الكفاية، والدّلالة على أنه كان أجلّ قدرا من أن يترك الاحتياط، ويتساهل فى الدّين.
ولا بأس بذكر بعض المسائل، التى تدلّ على أنه أخذ فيها بالأحوط، وترك غيره. فنقول، وبالله التوفيق:
*مسألة، إذا أكل أو شرب فى رمضان متعمّدا.
قال أبو حنيفة: يجب عليه الكفّارة، كما يجب على المجامع. فأخذ بالاحتياط.
وقال من خالفه: يجب عليه قضاء يوم واحد/، ولا يجب عليه الكفارة.
وفيما ذهب إليه المخالف ترك الاحتياط.
*مسألة، إذا شرع الرجل فى صوم التّطوّع، ثم أفطر.
قال أبو حنيفة: يجب عليه القضاء.
وقال من خالفه: لا يجب عليه القضاء.
والاحتياط فيما ذهب إليه أبو حنيفة، لا فيما ذهب إليه المخالف.
стр. 150
*مسألة: إذا صبّ فى جوف الصّائم شراب أو طعام.
قال أبو حنيفة: انتقض صومه، وعليه القضاء. وسلك فيه طريقة الاحتياط.
وقال المخالف: لا ينتقض صومه. فترك الاحتياط فى فتواه.
*مسألة، إذا قاء الرجل، أو رعف أو افتصد.
قال أبو حنيفة: انتقض وضوءه.
وقال المخالف: لا ينتقض.
والأحوط ما قاله الإمام.
*مسألة، إذا صلّى الرّجل خلف إمام، والإمام محدث أو جنب وهو لا يعلم، ثم علم بعد فراغه من الصّلاة.
قال أبو حنيفة: لا تجوز صلاة الإمام، ولا صلاة المقتدى.
وقال من خالفه: صلاة المقتدى جائزة.
والاحتياط فيما ذهب إليه الإمام.
*مسألة، إذا نسى الرجل الظهر والعصر، فى يومين مختلفين، ولا يدرى أيّهما الأوّل.
قال أبو حنيفة: يصلّى الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، حتى يسقط الفرض عن ذمّته بيقين، ويكون ذلك أخذا بالاحتياط.
وقال من خالفه: يصلّى مرّة واحدة، ولا يصلّى مرّتين.
وفي ذلك ترك الاحتياط، لأن الفرض لا يسقط عن ذمّته بيقين.
*مسألة، إذا تكلّم الرّجل فى صلاته ناسيا.
قال أبو حنيفة: تفسد صلاته.
وقال من خالفه: لا تفسد إن كان قليلا، وإن كان كثيرا تفسد.
стр. 151
والاحتياط فيما ذهب إليه الإمام.
*مسألة، إذا تناول المحرم من محظورات إحرامه ناسيا.
قال أبو حنيفة: تلزمه الذّكاة.
وقال من خالفه: لا تجب عليه إذا كان ناسيا، إلاّ فى الأشياء التى نصّ الله فى كتابه على تحريمها، نحو قتل الصّيد والجماع، وحلق الرأس.
والاحتياط فيما ذهب إليه الإمام.
*مسألة، إذا اشترك الرّهط المحرمون فى قتل الصّيد.
قال أبو حنيفة: يجب على كلّ واحد منهم كفّارة على حدة.
وقال من خالفه: يجب عليهم كفارة واحدة.
والاحتياط فيما قاله أبو حنيفة.
*مسألة، إذا استأجر الرجل شيئا، ثم أجره من غيره بأكثر ممّا استأجره، ولم يزد من عنده شيئا.
قال أبو حنيفة: لا يطيب له الفضل، ويتصدّق به.
والاحتياط فيما ذهب إليه أبو حنيفة، حتى لا يكون داخلا تحت نهيه ﵊ عن ربح ما لم يضمن.
ومسائل هذا النوع لا تنحصر، وفيما ذكرناه كفاية.
*** ومن جملة ما يشنّع به الحسّاد على أبى حنيفة، ﵁، أنه من جملة الموالى وليس هو من العرب، وأنّ من كان مجتهدا من العرب أولى بالتّقديم من غيره.
والجواب، أن شرف العلم مقدّم على شرف النّسب، وشرف الدّين مقدّم على شرف المنتسبين، وأكرم الناس عند الله أتقاهم، وما يضرّ العالم العامل كونه من الموالى، وما ينفع الغوىّ الجاهل كونه حجازيّا،/أو تميميّا، وهو لا يعرف اليمين من الشمال، ولا يفرّق بين الهدى والضلال.
стр. 152
وممّا روى أن رجلا من بنى قفل (١)، من خيار بنى تيم الله، قال لأبى حنيفة: أنت مولاى.
فقال: والله!! أنا والله أشرف لك منك لى.
فجعل أبو حنيفة شرف القرشىّ التّيمىّ يكون من مواليه مثل أبى حنيفة، أفضل من شرف أبى حنيفة بكونه من موالى القرشىّ التّيمىّ، وهذا ممّا لا شبهة فيه، فإنه ثابت بالكتاب والسّنّة.
أمّا الكتاب، فقوله تعالى (٢): ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾.
وأمّا السّنة، فقوله ﷺ : «لا فضل لعربىّ على عجمىّ إلاّ بالتّقوى»، وقال ﷺ : «سلمان منّا أهل البيت». ونفى الله تعالى ولد نوح ﵊ منه، فقال (٣): ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. وعلى هذا بلال الحبشىّ (٤)، وأبو لهب الهاشمىّ، وأبو جهل (٥) القرشىّ.
وقد أنشد الخطيب الخوارزمىّ (٦) في هذا المعنى، وأجاد، فقال:
إلى التّقى فانتسب إن كنت منتسبا … فليس يجديك يوما خالص النّسب
بلال الحبشىّ العبد فاق تقى … أحرار صيد قريش صفوة العرب
غدا أبو لهب يرمى إلى لهب … فيه غدت حطبا حمّالة الحطب
وذكر القاضى عياض فى «الشفاء» (٧) عن الشّعبىّ، قال: صلّى زيد بن ثابت على
стр. 153
جنازة أمّه، ثم قرّبت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عبّاس، فأخذ بركابه، فقال زيد: خلّ عنه يا ابن عمّ رسول الله ﷺ .
فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا.
فقبّل زيد يد ابن عباس، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا، ﷺ .
ففعل ابن عبّاس فعله معه بالعلم، وإنّه إنما بالغ فى التواضع إلى هذه الغاية، لكونه عالما، وابن عبّاس ابن عباس. انتهى.
وفي أوائل «شرح الهداية» لمحمّد بن محمّد المعروف بابن الشّحنة، حكاية مشهورة، نقلها (١) هو وغيره (١) عن عطاء، وأظنّه عطاء بن السّائب الكوفىّ. قال: دخلت على هشام بن عبد الملك بالرّصافة، فقال: يا عطاء، هل لك علم بعلماء الأمصار؟.
قلت: بلى، يا أمير المؤمنين.
فقال: من فقيه أهل المدينة؟.
قلت: نافع مولى ابن عمر.
قال: فمن فقيه أهل مكة؟.
قلت: عطاء بن أبى رباح.
قال: مولى أم عربىّ؟.
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل اليمن؟.
قلت: طاوس بن كيسان.
قال: مولى أم عربىّ؟.
قلت: مولى.
стр. 154
قال: فمن فقيه أهل الشام؟
قلت: مكحول.
قال: مولى أم عربىّ؟
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل الجزيرة؟
قلت: ميمون بن مهران.
قال: مولى أم عربىّ؟
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل خراسان؟
قلت: الضّحّاك بن مزاحم.
قال: مولى أم عربىّ؟
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل البصرة؟
قلت: الحسن، وابن سيرين.
قال: موليان أم عربيّان؟
قلت: موليان.
قال: فمن فقيه أهل الكوفة؟
قلت: إبراهيم النّخعىّ.
قال: مولى أم عربىّ؟
قلت: لا، بل عربىّ.
قال: كادت تخرج نفسى.
стр. 155
أقول (١): إنّ اصطلاح أهالى الديار الرّوميّة فى هذه الأيّام إطلاق لفظ الموالى على العلماء الكبار منهم، سواء كانوا من قسم الموالى المذكورين هنا، أم من الأحرار أبا وجدّا، من غير أن يمسّهم أو يمسّ أحدا منهم الرّقّ، والسّبب/فى ذلك-والله تعالى أعلم-أنهم لمّا رأوا غالب العلماء من طائفة الموالى، أطلقوا هذا على علمائهم تشبّها بهم، وتقليدا لهم، ومنعوا من إطلاقه على غير أهل العلم، ثم طال الأمد، وقصرت الهمم، وتساهلت الناس فى إطلاق الألقاب، على غير ذوى الألباب، وشارك الفاضل المفضول، وتساوى العالم بالجهول،
وصار من ليس له منصب … يقال عنه جاهل يمذق (٢)
ومن غدا بالمال ذا ثروة … يقال عنه عالم مفلق
مولى الموالى كلّهم وهو بال … حقّ غبىّ جاهل أحمق
والعلم عند الله لا يرتجى … به نوال لا ولا يرزق
ولا ترى عنه امرءا سائلا … ولا به يعطى ولا ينفق
هذا ولم يبق من يستحقّ أن يوصف بالمولويّة بالدّيار الرّوميّة، على الوجه الأكمل، والوصف الأجمل، إلاّ جماعة يسيرة، ذكر آباؤهم فى هذه الطبقات، ووفّينا كلاّ منهم حقّه، أدام الله تعالى بهم جمال هذه الدّولة العثمانية، بمنّه وكرمه (٣).
*** وأمّا ما ينسب إلى أبى حنيفة من الشعر فكثير، منه قوله:
إن يحسدونى فإنّى غير لائمهم ..
البيتين السابقين (٤).
стр. 156
ومنه قوله وقد اتّفق له مع شيطان الطّاق (١) فى الحمّام لمّا رآه الإمام مكشوف العورة، ونهاه عن ذلك، ما هو مشهور، وهو (٢):
أقول وفى قولى بلاغ وحكمة … وما قلت قولا جئت فيه بمنكر
ألا يا عباد الله خافوا إلهكم … فلا تدخلوا الحمّام إلاّ بمئزر
وأمّا ما كان يتمثّل به أبو حنيفة من الشعر، وما مدح به رضى الله تعالى عنه من النظم، فكثير لا يدخل تحت الحصر، ومنه قول بعضهم (٣):
لأبى حنيفة ذى الفخار قراءة … مشهورة منخولة غرّاء
عرضت على القرّاء فى أيّامه … فتعجّبت من حسنها القرّاء
لله درّ أبى حنيفة إنّه … خضعت له القرّاء والفقهاء
خلف الصّحابة كلّهم فى علمهم … فتضاءلت لجلاله العلماء
سلطان من فى الأرض من فقهائها … وهم إذا أفتوا له أصداء
إن المياه كثيرة لكنّه … فضل المياه جميعها صدّاء (٤)
قال ابن الشّحنة: وكأنّ «أصداء» هذا جمع صدى بالقصر، وهو الذى يجيبك مثل صوتك فى الجبال وغيرها، إشارة إلى أن الأصل منه نشأ وعنه أخذ؛ لأنّه كان كافل الفقهاء ومربّيهم، لأنهم عياله، كما نصّ عليه الشّافعىّ. انتهى.
стр. 157
وفى هذه الأبيات تصريح بأن الإمام، رضى الله تعالى عنه، كان من المتقدّمين فى فنّ القراءات، كما هو من المتقدّمين السّابقين فى علم الفقه، وهو كذلك، فقد أفردوا بالتآليف قراءته التى انفرد بها، ورووها عنه بالأسانيد.
وممّن أفردها بالتأليف أبو القاسم الزّمخشرىّ، وأبو القاسم يوسف بن على بن جبارة (١) الهذلىّ البسكرىّ (٢)، بموحّدة وسين مهملة، فى كتابه المعروف ب «الكامل»، وغيرهما.
وممّن روى عنه القراءة أبو يوسف، ومحمّد، رحمهما الله، وغيرهما.
وحروفه معروفة مذكورة فى «المناقب»، وغيرهما.
وقد وضع بعض الحسّاد قراءات، ونسبها إليه، فأظهر الله/الحقّ، ومحق الباطل، وجوزى كلّ بفعله.
وقال صاحب المناقب يمدحه (٣):
رسول الله قال سراج دينى … وأمّتى الهداة أبو حنيفة
غدا بعد الصّحابة فى الفتاوى … لأحمد فى شريعته خليفه
وقال غيره، يصفه بالعلم والعبادة، من أبيات (٤):
نهار أبى حنيفة للإفاده … وليل أبى حنيفة للعباده (٥)
وودّع نومه خمسين عاما … لطاعته وخدّاه الوساده
وكان يحيى بن معين إذا ذكر من يتكلّم فى أبى حنيفة، يقول (٦):
стр. 158
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغيا إنّه لذميم (١)
وقيل لعبد الله بن طاهر: الناس يقعون فى أبى حنيفة، فقال (٢):
ما يضرّ البحر أمسى زاخرا … أن رمى فيه غلام بحجر
ثم أنشد (٣):
إن يحسدونى فزاد الله فى حسدى … لا عاش من عاش يوما غير محسود (٤)
ما يحسد المرء إلاّ من فضائله … بالعلم والبأس أو بالمجد والجود
وقال (٥):
فازداد لى حسدا من لست أحسده … إنّ الفضيلة لا تخلو عن الحسد (٦)
وقال (٧):
ما ضرّنى حسد اللّئام ولم يزل … ذو الفضل يحسده ذو والنّقصان
يا بؤس قوم ليس ذنبى بينهم … إلاّ تظاهر نعمة الرّحمن (٨)
والله درّ الشريف الرّضىّ، حيث يقول (٩):
نظروا بعين عداوة ولو أنّها … عين الرّضا لاستحسنوا ما استقبحوا (١٠)
стр. 159
يولوننى شزر العيون لأنّنى … غلّست فى طلب العلى وتصبّحوا (١)
ومما أنشده صاحب المناقب فى مدح الإمام، وذكر واقعته مع ابن هبيرة، قوله (٢):
أرضيت نفسك ضارب النّعمان … فكسبت جهلا سخطة الرّحمن (٣)
ما زلت تنقص لا تزيد بضربه … يا بئس ما قدّمت للميزان
أضربت عابد ربّه فى ليله … ونهاره يا عابد الشّيطان
أعطيته الدنيا ولكن ردّها … ردّ التّقىّ الخائف الرّبّانى (٤)
حرّ السّياط قد ارتضى كى لا يرى … يوم الجزاء مقامع النّيران
ما ذلّ يا ابن هبيرة بالضّرب من … ملأ الفؤاد بعزّة الإيمان
ولصاحب المناقب أيضا فى مدحه قوله (٥):
غدا مذهب النّعمان خير المذاهب … كما القمر الوضّاح خير الكواكب (٦)
تفقّه فى خير القرون مع التّقى … فمذهبه لا شكّ خير المذاهب
ولا عيب فيه غير أنّ جميعه … حلا إذ تخلّى عن جميع المعايب (٧)
لأنّ عداه قد أقرّوا بحسنه … وإقرارهم بالحسن ضربة لازب (٨)
وكان له صحب بنود علومهم … تجلّى عن الأحكام سجف الغياهب (٩)
ثلاثة آلاف وألف شيوخه … وأصحابه مثل النجوم الثّواقب
стр. 160
وله أيضا يمدحه (١):
نعمان فحل العلم يعسوب الهدى … فى خير قرن قد أتى وقران (٢)
نعمان كان سراج أفضل أمّة … لكن سراجا دائم اللّمعان (٣)
الفقه فى ناديه مجتمع النّوى … راسى القواعد شامخ البنيان
بحر موارده تراها عذبة … قذّافة للدّرّ والمرجان (٤)
/وشقائق النّعمان فى بهجاتها … هزأت بهنّ دقائق النّعمان
كم قد رموه بمعضلات ردّها … بجواب حقّ ساطع البرهان
وعن سفيان بن عيينة، قال: قال مساور الورّاق، وكان رجلا صالحا، فى أبى حنيفة، وله فيه رأى (٥):
إذا ما الناس يوما قايسونا … بمعضلة من الفتيا لطيفه (٦)
أتيناهم بمقياس صحيح … بديع من طراز أبى حنيفة (٧)
إذا سمع الفقيه به وعاه … وأثبته بحبر فى صحيفه (٨)
стр. 161
وعن الحسن بن الرّبيع، قال: سمعت عبد الله بن المبارك، يقول (١):
رأيت أبا حنيفة كلّ يوم … يزيد نباهة ويزيد خيرا (٢)
وينطق بالصّواب ويصطفيه … إذا ما قال أهل الحقّ حورا (٣)
يقايس من يقايسه بلبّ … ومن ذا تجعلون له نظيرا (٤)
كفانا فقد حمّاد وكانت … مصيبتنا به أمرا كبيرا (٥)
رأيت أبا حنيفة حين يؤتى … ويطلب علمه بحرا غزيرا
إذا ما المشكلات تدافعتها … رجال العلم كان بها بصيرا (٦)
وقال بعضهم يرثيه بقصيدة، أظنّها لصاحب «المناقب»، منها (٧):
لقد طلع النّعمان من أرض كوفة … كغرّة صبح يستفيض انبلاجها
هو المرتضى فى الدّين والمقتدى به … وصدر الورى فى الخافقين وتاجها
إذا مرض الإسلام والدّين مرضة … فمن نكت النّعمان يلفى علاجها
وإن كسدت سوق الهدى وتوجّعت … فمن مذهب النّعمان أيضا رواجها
وإن فتحت أبواب جهل وبدعة … على الناس يوما كان منه رتاجها
وإن غمّة غمّت فمنه انجلاؤها … وإن شدّة ضاقت فمنه انفراجها
سقاه إله الخلق فى الخلد شربة … بكأس من الكافور كان مزاجها
стр. 162
وقال عبد الله بن صهيب الكلبىّ: كان أبو حنيفة يتمثّل كثيرا بهذين البيتين، وهما (١):
عطاء العرش خير من عطائكم … وسيبه واسع يرجى وينتظر
أنتم يكدّر ما تعطون منّكم … والله يعطى فلا منّ ولا كدر
هذا، وما قيل فى حقّ الإمام من المديح، وما رثى به، وما مدح به، وما تمثّل به هو، أو تمثّل به الغير عند ذكره، فأمر لا يدخل كما قلنا تحت الحصر، وفيما ذكرناه منه كفاية، والله تعالى أعلم.
***
стр. 163
فصل
فى ذكر بعض ما يؤثر من إجابة الدّعاء عند قبره،
وبعض المنامات التى رآها له الصّالحون قبل موته،
وبعد موته
فمن ذلك ما روى عن الإمام الشافعىّ، أنه كان يقول: إنّى لأتبرّك بأبى حنيفة ﵁، وأجئ إلى قبره فى كلّ يوم، وكنت إذا عرضت لى حاجة صلّيت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة، فما تبعد عنّى حتى تقضى.
وقال أبو يوسف:/رأيت أبا حنيفة فى المنام، وهو جالس على إيوان، وحوله أصحابه، فقال: ايتونى بقرطاس ودواة. فقمت من بينهم وأتيته بهما، فجعل يكتب، فقلت: ما تكتب؟
قال: أكتب أصحابى من أهل الجنّة.
فقلت: أفلا تكتبنى فيهم؟.
قال: نعم.
فكتبنى فى آخرهم.
وعن أبى معاذ، قال: رأيت رسول الله ﷺ فى المنام فقلت: يا رسول الله، ما تقول فى علم أبى حنيفة؟
فقال: ذلك علم يحتاج إليه الناس عند الحكم.
وعن بعضهم، قال: كنت فى حلقة مقاتل بن سليمان، إمام أهل التفسير فى زمانه، فقام إليه رجل، فقال: يا أبا الحسن، رأيت البارحة فى المنام كأنّ رجلا من السّماء قد نزل، ثيابه بيض، وقام على المنارة الفلانيّة ببغداد، وهى أطول منارة بها، فنادى: ماذا فقد الناس!!
فقال له مقاتل: لئن صدقت رؤياك ليفقدنّ أعلم الناس.
فأصبحنا فإذا أبو حنيفة قد مات.
وعن ابن بسطام، أنه قال: صحبت أبا حنيفة اثنتى عشرة سنة، فما رأيت أفقه منه،
стр. 164
ورأيت ليلة كأنّ القيامة قد قامت، وإذا أبو حنيفة ومعه لواء وهو واقف، فقلت له:
ما بالك (١) واقفا؟.
قال: أنتظر أصحابى، لأذهب معهم.
فوقفت معه فرأيت جماعة عظيمة اجتمعت عليه، ثمّ مضى ومعه اللواء، ونحن نتبعه.
فأتيته فذكرت ذلك له، فجعل يبكى، ويقول: اللهمّ اجعل عاقبتنا إلى خير.
وعن أزهر، أنّه قال: كنت زاهدا فى علم أبى حنيفة، فرأيت النبىّ ﷺ ، وخلفه رجلان، فقيل لى: المتقدّم هو النبىّ ﷺ ، واللّذان خلفه أبو بكر وعمر ﵄.
فقلت لهما: أسأل النبىّ ﷺ عن شئ؟.
فقالا لى: سل، ولا ترفع صوتك.
فسألته عن علم أبى حنيفة.
فقال: هذا علم انتسخ من علم الحضرة.
وعن السّرىّ بن طلحة، قال: رأيت أبا حنيفة فى النّوم جالسا فى موضع، فقلت ما يجلسك هنا؟.
قال: جئت من عند ربّ العزّة ، وقد أنصفنى من سفيان الثّورىّ.
وعن مسدّد بن عبد الرحمن البصرىّ، قال: نمت بين الرّكن والمقام، فإذا أنا بآت قد دنا منّى، فقال لى: أتنام فى هذا المكان، وهو مكان لا يحجب فيه دعاء!.
فانتبهت من نومى، فقمت مبادرا أدعوا لله للمسلمين والمؤمنين إلى أن غلبتنى عيناى، فإذا أنا بالنبىّ ﷺ ، فدنا منّى، فقلت يا رسول الله، ما تقول فى هذا الرّجل الذى بالكوفة، يقال له النعمان، أآخذ من علمه؟.
стр. 165
فقال النبىّ ﷺ : خذ من علمه، واعمل به، فنعم الرجل هو.
فقمت من نومى، فإذا منادى صلاة الغداة، ولقد كنت، والله، من أكره الناس للنّعمان، وأنا أستغفر الله ممّا كان منّى.
ويحكى أن أبا حنيفة ﵁، رئى فى المنام على سرير فى بستان، ومعه رقّ عظيم، يكتب جوائز قوم، فسئل عن ذلك، فقال: إنّ الله قبل عملى ومذهبى، وشفّعنى فى أصحابى، وأنا أكتب جوائزهم.
ومنامات الصّلحاء والأولياء، التى رؤيت له فى مثل ذلك كثيرة، وهذا اليسير منها كاف لمن بصّره الله تعالى، ولم ينظر بعين الحميّة، وقوّة العصبيّة.
***
نبذ يسيرة من مناقب الإمام/وفضائله، وما يؤثر
عنه من المحاسن، وحسن الاعتقاد
وهى وإن كان محلّها الفصول المتقدّمة، فقد ذكرنا هاهنا على حدة، لما أنها وقعت إلينا بعد الانتهاء من التّرتيب المتقدّم، لأن النّفس إلى مثل هذا أميل، وإلى مطالعته أرغب، فنقول، وبالله التّوفيق:
روى عن علىّ بن مسهر، أنه قال: خرج الأعمش إلى الحجّ، فشيّعه أهل الكوفة، وأنا فيهم، فلما أتى القادسيّة، رأوه مغموما، فقالوا له: مالك؟.
قال: أعلىّ بن مسهر شيّعنا؟.
قالوا: نعم.
قال: ادعوه لى.
فدعونى، وقد كان عرفنى بمجالسة أبى حنيفة، فقال: ارجع إلى المصر، واسأل أبا حنيفة أن يكتب لنا المناسك.
فرجعت، فسألته، فأملى علىّ، ثم أتيت بها الأعمش.
стр. 166
وعن أبى معاوية، قيل للأعمش فى علّته: لولا أنّ أبا حنيفة يأتيك، لأتيناك مرّتين فى اليوم.
فلما جاءه أبو حنيفة، قال: إن الناس يستثقلوننى لما أصنع بهم فى الحديث، وقد زدتنى أنت عندهم ثقلا، قالوا لى كيت وكيت.
فقال له: لولا العلم الذى يجريه الله على لسانك ما رأيتنى ولا أحدا من أصحابى ببابك، وذلك أنّ فيك خصالا أنا لها كاره، تتسحّر عند طلوع الفجر، وتقول: هو الأوّل. وقد صحّ عندى أنّه الثانى، وترى الماء من الماء وتفتى به، وتجامع أهلك، فإذا لم تنزل لم تغتسل، أنت ولا هى، ولولا أنك تتأوّل من الحديث ما غاب عنك معانيه ما استحللت أن أكلّمك، ولكنك تتأوّل شيئا غيره، والله أولى بك.
فما تسحّر الأعمش بعد ذلك إلاّ باللّيل، ولا قرب أهله إلاّ اغتسل وأمرها بالغسل، وقال:
صيام وصلاة يكونان باختلاف، والله لا أفتيت بذلك أبدا.
وعن عبد الصّمد بن حسّان، قال: كان سفيان الثّورىّ يختلف إلى أبى حنيفة، فوقعت بينهما وحشة، فقعد عنه، ثمّ عاد إليه، فجلس متقنّعا، فسئل أبو حنيفة عن مسألة، فأسرع الجواب فيها، فقال له السّائل: يا أبا حنيفة، ألا تنظر فيها؟.
قال: إنّى أستيقن أنها كما أجبت، كما أستيقن أن هذا سفيان.
ثم أخذ أبو حنيفة بقناعه، فحرّكه ابن المبارك.
وقال عبد الصّمد أيضا: قلت لأبى عبد الله سفيان الثّورىّ: ما تقول فى الدّعوة قبل الحرب؟.
فقال: إن القوم قد علموا ما يقاتلون عليه.
فقلت: إن أبا حنيفة يقول فيها ما قد بلغك.
فنكّس رأسه، ثم رفعه، وأبصر يمينا وشمالا فلم ير أحدا، فقال: إن كان أبو حنيفة ليركب فى العلم أحدّ من سنان الرّمح، وكان، والله، شديد الأخذ للعلم، ذابّا عن المحارم، متّبعا لأهل بلده، لا يستحلّ أن يأخذ إلاّ بما يصحّ عنده من الآثار عن النبىّ صلّى الله عليه
стр. 167
وسلّم، شديد المعرفة بناسخ الحديث ومنسوخه، وكان يطلب أحاديث الثّقات، والأخير من فعل النبىّ صلّى الله وسلّم؛ وما أدرك عليه عامّة أهل الكوفة، حيث وجد الحقّ أخذ به، وجعله دينه، وقد شنّع عليه قوم بما نستغفر الله منه، بل كان منّا اللفظة بعد اللفظة.
قال: فقلت أرجو أن يغفر الله لك ذلك.
وعن قاسم بن آدم، قال: قلت للفضل بن موسى السّينانىّ: ما تقول فى هؤلاء الذين يقعون فى أبى حنيفة.
قال: إنّ أبا حنيفة عليم بما يعقلونه، وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك/لهم شيئا، فحسدوه.
*وحدّث أبو سفيان الحميرىّ، قال: قال ابن شبرمة: كنت شديد الإزراء على أبى حنيفة، فحضر الموسم، وكنت حاجّا يومئذ، فاجتمع عليه قوم يسألونه، فوقفت من حيث لا يعلم من أنا، فجاءه رجل، فقال: يا أبا حنيفة، قصدتك عن أمر قد أهمّنى، أو أعجزنى.
قال: ما هو؟.
قال: لى ولد ليس لى غيره، فإن زوّجته طلّق، وإن سرّيته أعتق، وقد عجزت عن هذا، فهل من حيلة؟.
فقال له للوقت: اشتر الجارية التى يرضاها لنفسه هو، ثمّ زوّجها منه، فإن طلّقها رجعت مملوكتك، وإن أعتق ما لا يملك.
قال: فعلمت أنّ الرجل فقيه من يومئذ، فكففت عن ذكره إلاّ بخير.
وروى عن الليث بن سعد، أنه كان يقول: كنت أسمع بذكر أبى حنيفة، وأتمنّى أن أراه، فكنت يوما فى المسجد الحرام، فرأيت حلقة عليها الناس منقضّين، فأقبلت نحوها، فرأيت رجلا من أهل خراسان أتى أبا حنيفة، فقال: أنا رجل من أهل خراسان، كثير المال، وأنّ لى ابنا ليس بالمحمود. وليس له ولد غيره، وذكر نحو ما تقدّم.
قال الليث: فو الله ما أعجبنى قوله بأكثر مما أعجبنى سرعة جوابه.
стр. 168
*وعن عثمان بن زائدة، قال: كنت عند أبى حنيفة، فقال له رجل: ما قولك فى الشّرب فى قدح أو كأس فى بعض جوانبه فضّة؟.
فقال: لا بأس به.
فقال عثمان: فقلت له: ما الحجّة فى ذلك؟.
فقال: إنّما ورد النّهى عن الشّرب فى إناء الفضّة والذهب، فما كان من غير الفضّة والذّهب فلا بأس بما كان فيه منهما.
ثمّ قال: يا عثمان، ما تقول فى رجل مرّ على نهر، وقد أصابه عطش، وليس معه إناء، فاغترف الماء من النهر، فشربه بكفّه، وفى أصبعه خاتم؟.
فقلت: لا بأس.
قال: فهذا كذلك.
قال عثمان: فما رأيت أحضر جوابا منه.
*وعن زفر بن الهذيل، قال: اجتمع أبو حنيفة، وابن أبى ليلى، وجماعة من العلماء، فى وليمة لقوم، فأتوهم بطيب فى مدهن فضّة، فأبوا أن يستعملوه؛ لحال المدهن، فأخذه أبو حنيفة، وسلته (١) بأصبعه، وجعله فى كفّه، ثم تطيّب به، وقال لهم: ألم تعلموا أن أنس بن مالك أتى بخبيص (٢) فى جام فضّة، فقلبه على رغيف، ثم أكله.
فتعجّبوا من فطنته وعقله.
وعن أبى الوليد الطّيالسىّ قال: قدم الضّحّاك الشّارىّ الكوفة، فقال لأبى حنيفة: تب.
فقال: ممّ أتوب؟
فقال: من قولك بتجويز الحكمين.
فقال: أبو حنيفة: تقتلنى أو تناظرنى.
стр. 169
قال: بل أناظرك.
قال: فإن اختلفنا فى شئ ممّا تناظرنا فيه، فمن بينى وبينك؟.
قال: اجعل أنت من شئت.
فقال أبو حنيفة لرجل من أصحاب الضّحّاك: اقعد بيننا فيما نختلف فيه إن اختلفنا.
ثم قال للضّحّاك: أترضى بهذا بينى وبينك؟.
قال: نعم.
فقال أبو حنيفة: فأنت قد جوّزت التّحكيم.
فانقطع الضّحّاك.
*وعن أبى يوسف، قال: بعث ابن هبيرة إلى أبى حنيفة، وعنده ابن شبرمة، وابن أبى ليلى، فسألهم عن كتاب صلح الخوارج، وكانت بقيت بقيّة من الخوارج، من أصحاب الضّحّاك الخارجىّ، فقالت الخوارج: نريد أن تكتب لنا صلحا، على أن لا نؤخذ بشئ أصبناه (١) فى الفتنة، ولا قبلها، لا الأموال، ولا الدّماء.
فقال ابن شبرمة: لا يجوز لهم الصّلح على ذلك، على هذا الوجه، لأنّهم يؤخذون بهذه الأموال والدّماء.
وقال ابن أبى ليلى: الصّلح لهم جائز فى كلّ شئ.
/قال أبو حنيفة: فقال لى ابن هبيرة: ما تقول أنت؟.
فقلت: أخطأ جميعا.
فقال ابن هبيرة: أفحشت، فقل أنت.
فقلت: القول فى هذا، إن كان مال ودم أصابوه من قبل إظهار الفتنة، فإنّ ذلك يؤخذ
стр. 170
منهم ولا يجوز لهم الصّلح عليه، وأمّا كلّ شئ أصابوه من مال ودم فى الفتنة، فالصّلح عليه جائز، فلا يؤخذون به.
فقال ابن هبيرة: أصبت، وقلت الصّواب، هذا هو القول.
وقال: يا غلام، اكتب ما قال أبو حنيفة.
*وعن علىّ بن عاصم، قال: سألت أبا حنيفة عن درهم لرجل ودرهمين لآخر، اختلطت، ثمّ ضاع درهمان من الثلاثة، لا يعلم أيّها هما.
فقال: الدّرهم الباقى بينهما أثلاثا.
قال علىّ: فلقيت ابن شبرمة، فسألته عنها. فقال: سألت عنها أحدا غيرى؟.
قلت: نعم، سألت أبا حنيفة عن ذلك، فقال: يقسم الدّرهم الباقى بينهما أثلاثا.
قال: أخطأ أبو حنيفة، درهم من الدّرهمين الضائعين يحيط العلم أنه من الدّرهمين، والدّرهم الباقى بعد الماضيين يحتمل أن يكون الدّرهم الباقى من الدّرهمين، ويحتمل أن يكون الدّرهم المنفرد المختلط بالدّرهمين، فالدّرهم الذى بقى يكون بينهما نصفين.
قال ابن عاصم: فاستحسنت ذلك، ثمّ لقيت أبا حنيفة، فو الله لووزن عقله بنصف عقول أهل المصر، يعنى الكوفة، لرجح بهم، فقلت له: يا أبا حنيفة: خولفت فى تلك المسألة. وقلت له: لقيت ابن شبرمة، فقال: كذا.
فقال أبو حنيفة: إن الثلاثة حين اختلطت ولم تتميّز، رجعت الشّركة فى الكلّ، فصار لصاحب الدّرهم ثلث كلّ درهم، ولصاحب الدّرهمين ثلثا كلّ درهم، فأىّ درهم ذهب (١)، فعلى هذا.
وعن أبى يوسف، قال: جاء رجل إلى مسجد الكوفة يوم الجمعة، فدار على الخلق يسألهم عن القرآن، وأبو حنيفة غائب بمكّة، فاختلف بمكّة، فاختلف الناس فى ذلك، والله ما أحسبه إلاّ شيطانا تصوّر فى صورة الإنس، حتى انتهى إلى حلقتنا؛ فسألنا عنها، وسأل
стр. 171
بعضنا بعضا، وأمسكنا عن الجواب، وقلنا ليس شيخنا حاضرا، ونكره أن نتقدّم بكلام حتى يكون هو المبتدى بالكلام.
فلمّا قدم أبو حنيفة تلقّيناه بالقادسيّة، فسألنا عن الأهل والبلد، فأجبناه، ثم قلنا له بعد ذلك: رضى الله عنك، وقعت مسألة فما قولك فيها؟.
فكأنّه كان فى قلوبنا، وأنكرنا، وظنّ أنه وقعت مسألة معنتة، وأنّا قد تكلّمنا فيها بشئ. فقال: ما هى؟.
قلنا: كذا وكذا.
فأمسك ساكتا ساعة، ثم قال: فما كان جوابكم فيها؟.
قلنا: لم نتكلّم فيها بشئ، وخشينا أن نتكلّم فيها بشئ فتنكره.
فسرّى عنه، وقال: جزاكم الله خيرا، احفظوا عنّى وصيّتى: لا تكلّموا فيها ولا تسألوا عنها أبدا، انتهوا إلى أنه كلام الله ، بلا زيادة حرف واحد، ما أحسب هذه المسألة تنتهى حتى توقع أهل الإسلام فى أمر لا يقومون له ولا يقعدون، أعاذنا الله وإيّاكم من الشيطان الرّجيم.
*وسئل حفص بن مسلم عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله، غير مخلوق، ومن قال غير هذا فهو كافر.
فقال ابنه سالم: هل يخبر عن أبى حنيفة فى هذا بشئ؟.
فقال: نعم، كان أبو حنيفة على هذا، وما علمت منه غيره، ولو علمت منه غيره لم أصحبه/
قال: وكان أبو حنيفة إمام الدنيا فى زمانه، فقها وعلما وورعا، وكان محنة، يعرف به أهل البدع من الجماعة، ولقد ضرب بالسّياط على الدّخول فى الدنيا لهم، فأبى.
*وعن أبى مقاتل: سمعت أبا حنيفة يقول: الناس عندنا على ثلاث منازل؟
الأنبياء من أهل الجنة، ومن قالت الأنبياء إنه من أهل الجنة فهو من أهل الجنّة.
стр. 172
والمنزلة الأخرى المشركون، نشهد عليهم أنّهم من أهل النار.
والمنزلة الثالثة المؤمنون: نقف عنهم، ولا نشهد على واحد منهم أنه من أهل الجنة ولا من أهل النّار؛ ولكنّا نرجو لهم، ونخاف عليهم، ونقول كما قال الله تعالى (١): ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)،﴾ حتى يكون الله يقضى بينهم، وإنما نرجو لهم، لأنّ الله يقول (٢): ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)،﴾ ونخاف عليهم بذنوبهم وخطاياهم، وليس أحد من الناس أوجب له الجنّة ولو كان صوّاما قوّاما غير الأنبياء، ومن قالت فيه الأنبياء إنه من أهل الجنّة.
*وعن أبى مقاتل أيضا، عن أبى حنيفة، قال: الإيمان هو المعرفة، والتّصديق، والإقرار بالإسلام.
قال: والناس فى التّصديق على ثلاث منازل:
فمنهم من صدّق الله، وما جاء منه بقلبه ولسانه.
ومنهم من صدّق بلسانه، وهو يكذّبه بقلبه.
ومنهم من يصدّق بقلبه ويكذّب بلسانه.
فأمّا من صدّق الله، وما جاء به رسوله ﵊، بقلبه ولسانه، فهو عند الله وعند الناس مؤمن.
ومن صدّق بلسانه، وكذّب بقلبه، كان عند الله كافرا، وعند الناس مؤمنا؛ لأن الناس لا يعلمون ما فى قلبه، وعليهم أن يسمّوه مؤمنا، بما أظهر لهم من الإقرار بهذه الشهادة، وليس لهم أن يتكلّفوا علم القلوب.
ومنهم من يكون عند الله مؤمنا، وعند الناس كافرا، وذلك أن يكون المؤمن يظهر الكفر بلسانه فى حال التّقيّة، فيسمّيه من لا يعرفه كافرا، وهو عند الله مؤمن. انتهى.
***
стр. 173
(١) وللإمام الأعظم ﵁ وصيّة مشهورة، أوصى بها أصحابه، تشتمل على كثير من أصول الدّين، نقلها كثير من المؤرّخين، يتعيّن إيرادها هنا، لما اشتملت عليه من صحيح الاعتقاد، ودفع الانتقاد، وردّ كلام الحسّاد، وهى هذه:
قال، رضى الله تعالى عنه: اعلموا يا أصحابى وإخوانى، أن مذهب أهل السّنّة والجماعة على اثنتى عشرة خصلة، فمن كان يستقيم على هذه الخصال لا يكون مبتدعا، ولا صاحب هوى، فعليكم بهذه الخصال حتى تكونوا فى شفاعة سيّدنا محمد، ﵊:
*الأولى، الإيمان، وهو إقرار باللّسان، وتصديق بالجنان.
والإقرار وحده لا يكون إيمانا؛ لأنه لو كان إيمانا لكان المنافقون كلّهم مؤمنين.
وكذلك المعرفة وحدها لا تكون إيمانا، لأنها لو كانت إيمانا لكان أهل الكتاب كلّهم مؤمنين.
قال الله تعالى فى حقّ المنافقين (٢): ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾.
وقال فى حقّ أهل الكتاب (٣): ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾.
والإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصوّر نقصان الإيمان إلاّ بزيادة الكفر، ولا يتصوّر زيادته إلاّ بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد فى حالة واحدة مؤمنا وكافرا.
/والمؤمن مؤمن حقّا، والكافر كافر حقّا.
وليس فى الإيمان شكّ، كما أنه ليس فى الكفر شكّ، قال الله تعالى (٤): ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)،﴾ و (٥) ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾.
стр. 174
والعاصون من أمّة محمد ﷺ كلّهم مؤمنون حقّا، وليسوا بكافرين.
والعمل غير الإيمان، والإيمان غير العمل؛ بدليل أن كثيرا من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن، ولا يجوز أن يقال ارتفع عنه الإيمان، فإن الحائض رفع الله عنها الصّلاة، ولا يجوز أن يقال: رفع الله عنها الإيمان. وأمرها بترك الإيمان. وقال لها الشرع: دعى الصّوم ثمّ اقضيه.
ولا يجوز أن يقال: دعى الإيمان ثم اقضيه. ويجوز أن يقال: ليس على الفقراء زكاة. ولا يجوز أن يقال: ليس على الفقراء إيمان.
وتقدير الخير والشّرّ من الله تعالى؛ لأنه لو زعم أحد أنّ تقدير الخير والشّرّ من غيره لصار كافرا بالله تعالى، وبطل توحيده، والله أعلم.
*والثانية، نقرّ بأنّ الأعمال ثلاثة؛ فريضة، وفضيلة، ومعصية.
فالفريضة بأمر الله، ومشيئته، ورضائه، وقدره، وتخليقه، وكتابته فى اللّوح المحفوظ.
والفضيلة ليست بأمر الله، ولكن بمشيئته، ومحبته، ورضائه، وقدره، وتخليقه، وكتابته في اللوح المحفوظ.
والمعصية ليست بأمر الله، لكن بمشيئته، لا بمحبّته، وبقضائه، لا برضائه، وبتقديره (١)، لا بتوفيقه، وبخذلانه، وعلمه (٢)، وكتابته فى اللّوح المحفوظ.
*والثالثة، نقرّ بأنّ الله على العرش استوى، أى استولى، من غير أن يكون جارحة واستقرار، وهو حافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره، ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار لكان قبل (٣) خلق العرش، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
*والرابعة، نقرّ بأنّ القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، ووحيه، وتنزيله، لا هو ولا غيره، بل هو صفته على التّحقيق، مكتوب فى المصاحف، مقروء بالألسنة، محفوظ فى الصّدور،
стр. 175
غير حالّ فيها، والحبر والكاغد والكتابة مخلوق، لأنها أفعال العباد، لأن الكتابة والحروف والكلمات والآيات دلالة القرآن، لحاجة العباد إليها.
وكلام الله تعالى قائم بذاته، ومعناه مفهوم بهذه الأشياء، فمن قال بأنّ كلام الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم، والله تعالى معبود لا يزال عمّا كان، وكلامه مقروء، ومكتوب، ومحفوظ فى الصّدور من غير مزايلة عنه.
*والخامسة، نقرّ بأنّ أفضل هذه الأمّة بعد نبيّنا محمّد ﵊ أبو بكر الصّدّيق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علىّ، رضوان الله عليهم أجمعين؛ لقوله تعالى (١): ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾.
وكلّ من كان أسبق إلى الخير فهو أفضل عند الله تعالى، ويحبّهم كلّ مؤمن تقىّ، ويبغضهم كلّ منافق شقىّ.
*والسّادسة، نقرّ بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفتة مخلوق، فلمّا كان الفاعل مخلوقا، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة.
*والسّابعة، نقرّ بأنّ الله خلق الخلق، ولم يكن لهم طاقة؛ لأنهم ضعفاء عاجزون، فالله تعالى خالقهم ورازقهم؛ لقوله تعالى (٢): ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
والكسب بالعلم والمال من الحلال حلال، ومن الحرام حرام.
والناس على ثلاثة أصناف؛ المؤمن المخلص فى إيمانه، والكافر الجاحد فى كفره، والمنافق المداهن فى نفاقه.
والله تعالى فرض على المؤمن العمل، وعلى الكافر الإيمان، وعلى المنافق الإخلاص؛ لقوله تعالى (٣): ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)،﴾ يعنى يا أيّها المؤمنون أطيعوا الله بالعمل الصّالح،
стр. 176
ويا أيّها الكافرون آمنوا، ويا أيّها المنافقون أخلصوا، والله أعلم.
*والثامنة، نقرّ بأن الاستطاعة مع الفعل، لا قبل الفعل، ولا بعد الفعل؛ لأنه لو كان قبل الفعل لكان العبد مستغنيا عن الله تعالى وقت الحاجة، فهذا خلاف حكم النّصّ؛ لقوله تعالى (١): ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ)،﴾ ولو كان بعد الفعل لكان من المحال، لأنّه حصول بغير استطاعة، ولا طاقة.
*والتاسعة، نقرّ بأن المسح على الخفّين واجب للمقيم يوما وليلة، وللمسافر ثلاثة أيّام ولياليها؛ لأن الحديث ورد هكذا، فمن أنكر فإنه يخشى عليه الكفر، لأنّه قريب من الخبر المتواتر.
والقصر والإفطار فى السّفر رخصة بنصّ الكتاب؛ لقوله تعالى (٢): ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)،﴾ وفى الإفطار قوله تعالى (٣): ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾.
*والعاشرة، نقرّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب، فقال القلم ماذا أكتب يا ربّ؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى (٤): ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ* وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾.
*والحادية عشر، نقرّ بأن عذاب القبر كائن لا محالة، وسؤال منكر ونكير حقّ؛ لورود الأحاديث، والجنة والنار حقّ، وهما مخلوقتان لأهلهما؛ لقوله تعالى فى حقّ المؤمنين (٥):
﴿(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وفى حقّ الكافرين (٦): ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ)،﴾ خلقهما الله تعالى للثّواب والعقاب، والميزان حقّ؛ لقوله تعالى (٧): ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾. وقراءة
стр. 177
الكتب، (١) لقوله تعالى (٢): ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾.
*والثانية عشر، نقرّ بأنّ الله تعالى يحيى هذه النفوس بعد الموت، ويبعثهم فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، للجزاء والثواب، وأداء الحقوق؛ لقوله تعالى (٣): ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)،﴾ ولقاء الله تعالى لأهل الحقّ حقّ، بلا كيفيّة، ولا تشبيه، ولا وجه، وشفاعة نبيّنا محمّد ﷺ لكلّ من هو من أهل الجنة (٤)، وإن كان صاحب الكبيرة، وعائشة رضى الله تعالى عنها بعد خديجة الكبرى أفضل نساء العالمين، وأمّ المؤمنين، ومطهّرة من الزّنا، بريئة عن ما قال الرّوافض (٥)، فمن شهد عليها بالزّنا فهو ولد الزّنا، وأهل الجنة فى الجنة خالدون، وأهل النار فى النار خالدون، لقوله تعالى فى حقّ المؤمنين (٦): ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وفى حقّ الكفّار (٧): ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
*** وللإمام رضى الله تعالى عنه، وصيّة أخرى، أوصى بها الإمام أبا يوسف، رحمه الله تعالى، لا بأس بإيرادها هنا؛ فإنها قد تضمّنت كثيرا من لطائف الحكم، ومحاسن الكلم، وفيها لمن تدبّرها نفع كبير، وأدب غزير.
وقد نقلها الشيخ الفاضل زين بن نجيم، فى آخر/كتابه «الأشباه والنظائر» (٨)، ومنها نقلنا.
قال رضى الله تعالى عنه: يا يعقوب، وقّر السّلطان، وعظّم منزلته، وإيّاك والكذب بين يديه، والدّخول عليه فى كلّ وقت ما لم يدعك لحاجة (٩)؛ فإنك إذا أكثرت الاختلاف عليه
стр. 178
تهاون بك، وصغرت منزلتك عنده، فكن منه كما أنت من النار، تنتفع منها (١)، وتتباعد عنها (٢)؛ فإن السلطان لا يرى لأحد ما يرى لنفسه. وإيّاك وكثرة الكلام بين يديه، فإنه يأخذ عليك ما قلته، ليرى من نفسه بين يدى حاشيته أنه أعلم منك وأنه يخطّئك، فتصغر فى أعين قومه. ولتكن إذا دخلت عليه تعرف قدرك وقدر غيرك، ولا تدخل عليه وعنده من أهل العلم من لا تعرفه؛ فإنك إن كنت أدون حالا منه لعلّك ترتفع عليه فيضرّك، وإن كنت أعلم منه لعلّك تنحطّ عنه فتسقط بذلك من عين السّلطان. وإذا عرض عليك شيئا من أعماله، فلا تقبل منه إلاّ بعد أن تعلم أنه يرضاك، ويرضى مذهبك فى العلم والقضايا؛ كيلا تحتاج إلى ارتكاب مذهب غيرك فى الحكومات. ولا تواصل أولياء السّلطان وحاشيته، بل تقرب إليه فقط، وتباعد عن حاشيته؛ ليكون مجدك وجاهك باقيا.
ولا تتكلّم بين يدى العامّة إلاّ بما تسأل عنه.
وإيّاك والكلام فى العامّة والتّجّار إلاّ بما يرجع إلى العلم؛ كيلا يوقف على حبّك ورغبتك فى المال؛ فإنّهم يسيئون الظّنّ بك، ويعتقدون ميلك إلى أخذ الرّشوة منهم.
ولا تضحك، ولا تبتسم بين يدى العامّة.
ولا تكثر الخروج إلى الأسواق.
ولا تكلّم المراهقين فإنهم فتنة، ولا بأس أن تكلّم الأطفال، وتمسح رءوسهم.
ولا تمش فى قارعة الطّريق مع المشايخ والعامّة، فإنك إن قدّمتهم ازدرى (٣) بعلمك، وإن أخّرتهم ازدرى بك من حيث إنهم أسنّ منك، (٤) قال النبىّ (٤) ﷺ (٥):
«من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقّر كبيرنا، فليس منّا».
ولا تقعد على قوارع الطّريق، فإذا دعاك ذلك فاقعد فى المسجد.
стр. 179
ولا تأكل فى الأسواق والمساجد.
ولا تشرب من السّقايات، ولا من أيدى السّقّائين.
ولا تقعد على الحوانيت.
ولا تلبس الدّيباج، والحلىّ، وأنواع الإبريسم؛ فإن ذلك يفضى إلى الرّعونة.
ولا تكثر الكلام فى بيتك مع امرأتك فى الفراش، إلاّ وقت حاجتك إليها بقدر ذلك، ولا تكثر لمسها، ولا تقربها إلاّ بذكر الله تعالى، ولا تتكلّم بأمر نساء الغير بين يديها ولا بأمر الجوارى، فإنها تنبسط إليك فى كلامك، ولعلّك إذا تكلّمت عن غيرها تكلّمت عن الرجال الأجانب.
ولا تتزوّج امرأة كان لها بعل، أو أب أو أمّ، أو بنت، إن قدرت، إلاّ بشرط أن لا يدخل عليها أحد من أقاربها (١)، فإنّ المرأة إذا كانت ذات مال (٢) يدّعى أبوها أن جميع مالها له، وأنّه عارية فى يدها.
ولا تدخل بيت أبيها ما (٣) قدرت. وإيّاك أن ترضى أن تزفّ فى بيت أبويها، فإنهم يأخذون أموالك، ويطمعون فيها غاية الطّمع.
وإيّاك أن تتزوّج بذات البنين والبنات، فإنها تدّخر جميع المال لهم، وتسرق من مالك، وتنفق عليهم؛ فإن الولد أعزّ عليها منك.
ولا تجمع بين امرأتين فى دار واحدة. ولا تتزوّج إلاّ بعد أن تعلم أنّك تقدر على القيام بجميع حوائجها/.
واطلب العلم أوّلا، ثم اجمع المال من الحلال، ثم تزوّج (٤)، فإنك إن طلبت المال فى وقت التّعلّم عجزت عن طلب العلم، ودعاك المال إلى طلب (٥) الجوارى والغلمان، وتشتغل
стр. 180
بالدنيا والنّساء قبل تحصيل العلم، فيضيع وقتك، ويجتمع عليك الولد وتكثر عيالك، فتحتاج إلى القيام بمصالحهم وترك (١) العلم.
واشتغل بالعلم فى عنفوان شبابك، ووقت فراغ قلبك وخاطرك، ثم اشتغل بالمال ليجتمع عندك؛ فإنّ كثرة الولد والعيال يشوّش البال، فإذا جمعت المال فتزوّج.
وعليك بتقوى الله، واداء الأمانة، والنصيحة لجميع الخاصّة والعامّة.
ولا تستخفّ بالناس، ووقّر نفسك ووقّرهم، ولا تكثر معاشرتهم إلاّ بعد أن يعاشروك، وقابل معاشرتهم بذكر المسائل، فإنه إن كان من أهله اشتغل بالعلم، وإن لم يكن من أهله أحبّك.
وإيّاك أن تكلّم العامّة بأمر الدّين فى الكلام، فإنهم قوم يقلّدونك، فيشتغلون بذلك.
ومن جاءك يستفتيك فى المسائل، فلا تجب إلاّ عن سؤاله، ولا تضمّ إليه غيره؛ فإنّه يشوّش عليه جواب سؤاله.
وإن بقيت عشر سنين بغير كتب (٢) ولا قوّة (٣) فلا تعرض عن العلم، فإنّك إن (٤) أعرضت (٥) عنه كانت معشيتك ضنكا.
وأقبل على متفقّهيك كأنك اتّخذت كلّ واحد منهم ابنا وولدا، يزيدهم (٦) رغبة فى العلم.
ومن ناقشك من العامّة والسّوقة، فلا تناقشه؛ فإنه يذهب ماء وجهك.
ولا تحتشم من أحد عند ذكر الحقّ، وإن كان سلطانا.